وأما زيد بن علي الذي رجحنا أن يكون هذا الشرح له فهو كما ذكرت المصادر
[ ٢ / ٣٣ ]
التي ترجمت له أبو القاسم زيد بن علي بن عبد الله الفارسي، ولد بمدينة "فسا" وإليها نسب فقيل "الفسوي"، وهي مدينة من مدن فارس ذكرها ياقوت في معجم البلدان، ووصفها بأنها أنزه مدينة بفارس، بينها وبين شيراز أربع مراحل وهي أصح هواء من شيراز وأوسع أبنية، ويبدو أنها كانت مدينة علم، فقد خرج منها علماء أشهرهم أبو علي الفارسي صاحب الإيضاح في النحو وزعيم مدرسة القياس في النحو العربي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الذي وصفه القفطي بأنه كان صاحب تصانيف في غاية الجودة والإتقان، وأبو يعقوب بن جوان الفارسي الفسوي المتوفى سنة ٢٧٧ هـ، وأبو سفيان بن أبي معاوية الفارسي الفسوي، وقد أشار إليهما ياقوت عندما تكلم عن علماء "فسا".
ولا تصف المصادر كيف بدأت حياة زيد العلمية، غير أن من المرجح أنها بدأت في مدينة "فسا" مسقط رأسه حيث أخذ العلم عن شيوخها مثل أبي سعيد الفسوي الذي ذكره في شرحه ونقل عنه بالسماع، وكذلك أخذ كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي.
ويغلب الظن أنه قبل أن يرحل من فارس إلى العراق والشام تنقل في مدن فارس طلبًا للعلم لأني وجدته في حماسية الأعرج المعني يشير إلى أبي منصور بن الجبان وينقل عنه بالسماع، وأبو منصور بن الجبان كان يسكن الري، ترجم له ياقوت وقال: "أحد حسنات الري وعلمائها" ولم يذكر تاريخ وفاته ولكنه ذكر أن
[ ٢ / ٣٤ ]
شرحه "الشامل" قريء عليه سنة ست عشرة وأربعمائة، وهو تاريخ تناسب وسن طلب العلم بالنسبة لزيد بن علي، إذ نرجح أن ولادته كانت في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، وذلك بناء على ما أشرنا إليه سابقًا من قول القفطي في ترجمته أنه عمر إلى أن قرأ عليه الشريف أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي كتاب الإيضاح بحلب عند رحلته إليها من الكوفة في شهر رجب سنة ٤٥٥ هـ.
ويشير القفطي إلى أنه خرج من فارس إلى العراق ومنه إلى الشام حيث استوطن بحلب لإقراء النحو بها فقرأوا عليه واستفاد أهلها منه.
ويبدو أنه قبل أن يستوطن بحلب قد سكن دمشق، فقد ذكر أبو القاسم بن عساكر أنه سكن دمشق مدة وأقرأ النحو بها واللغة وأملي بها شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح الحماسة.
وقد وهم القفطي حين ذكر أنه أخذ كتاب الإيضاح عن خاله أبي علي الفارسي، فهو ليس بابن أخت أبي علي الفارسي، كما أن أبا علي الفارسي توفي سنة ٣٧٧ هـ وزيد بن علي توفي سنة ٤٦٧ هـ، أي بعد وفاة أبي علي بتسعين عاما ومن ثم فليس من المعقول أن يكون قد طلب العلم وأخذ كتاب الإيضاح قبل وفاة أبي علي وإنما الضحيح ما ذكره كل من ياقوت والسيوطي أنه أخذ كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي، ولا شك أن ذلك كان بعد وفاة أبي علي بزمن قد يطول وقد يقصر.
والذي يفهم من المصادر التي ترجمت له أنه كان في المقام الأول نحويًا لغويًا،
ولكنها بجانب ذلك اشارت إلى أنه كان صاحب حديث غير أنها اختلفت في ذكر
[ ٢ / ٣٥ ]
الشيوخ الذين أخذ عنهم الحديث، فياقوت يذكر أنه أخذ الحديث عن أبي ذر الهروي وغيره، وابن عساكر -ونقل عنه القفطي- يشير إلى أنه حدث عن الشيخ أبي الحسن ابن أبي الحديد الدمشقي، والسيوطي يشير إلى أنه أخذ الحديث عن ابن نعيم الهروي، ولعله أبو ذر الهروي الذي ذكره ياقوت، ولم تترجم هذه المصادر الثلاثة لهؤلاء المحدثين، ورجعنا إلى مظان أخرى مما توفر لدينا فلم نجد لهم ذكرًا.
مؤلفاته وتلاميذه:
وإذا نظرنا إلى مؤلفاته وجدنا أن المصادر تشير إلى اثنين منها أحدهما شرح الإيضاح الذي قرأه عليه أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي الكوفي ورواه بالكوفة من هذا الطريق فأخذه عنه الجم الغفير من العلماء الرواة، والآخر شرح الحماسة الذي نرجح أنه هو هذا الشرح، وقد ذكر ياقوت في معجمه هذين الكتابين قال: "وله شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح الحماسة وغير ذلك". ويفهم من قوله "وغير ذلك" أن له مصنفات أخرى، غير أننا لم نجد له في المصادر سوى هذين الكتابين.
وأما تلاميذه فقد أشارت المصادر إلى أنه قد تخرج على يديه عدد جم من أهل دمشق وحلب حين كان يقريء النحو واللغة بهما، وبرز من هؤلاء التلاميذ ثلاثة نفر هم: أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي السالف الذكر، وجد ابن عساكر الذي أشار إليه ابن عساكر نفسه حين قال: "وسمع منه جدي القاضي أبو الفضل عمر ابن أبي الحسن الدهستاني وأبو الحسن علي بن طاهر السلمي النحوي الذي أشار ابن عساكر أنه سمع منه أيضًا وترجم له ياقوت وذكر أن وفاته كانت في سنة ٥٠٠ هـ.
[ ٢ / ٣٦ ]
وفاته:
ومن الثابت في المصادر أنه بعد دمشق وحلب انتقل إلى طرابلس الشام حيث ظل بها إلى أن وافته منيته التي أفادت جل المصادر أنها كانت في ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة ٤٦٧ هـ، وشذ عن ذلك القفطي حين أخبر عن ابن الأكفاني أن وفاته كانت في ذي الحجة سنة ٤٧٩ هـ بطرابلس، غير أنه استدرك فقال: "قلت في هذا نظر فإنه يكون قد مات قبل ذلك"، ويدعم هذا الاستدراك كل من ياقوت والسيوطي وحاجي خليفة ومصحح نسبة هذا الشرح، فقد أجمعوا على أن وفاته كانت في العام المشار إليه وهو ٤٦٧ هـ وبطرابلس الشام.
-٣ -
الشرح: منهجه وقيمته
رأينا فيما سبق أن منهج هذا الشرح منهج تعليمي يقوم على الاختصار والتسهيل، ورأينا أن عناصره في الأغلب الأعم لا تتجاوز الثلاثة عناصر: الرواية التي يعنى بها المصنف كثيرًا، ثم معاني المفردات التي يشتمل عليها النص، وأخيرًا مجمل المعنى للبيت الواحد أو الأبيات.
فأما الاختصار والتسهيل فقد رأينا في الكتاب الأول الموازنة بين الشروح أنهما سبيل سلكها غيره من الشراح الذين عنوا بشرح الحماسة، بدأ ذلك منذ القرن الخامس واستمر حتى القرون التي تلته، قال سبط ابن الجوزي في مقدمة شرحه "مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة" وهو شرح أملاه مثل المصنف بدمشق حيث كان يدرس بها قال: "وبعد فإن طائفة من الأدباء وصيارفة العلماء كأبي هلال العسكري وأبي رياش، وأبي الحسن السمسمي، وأبي عبد الله النمري وأبي محمد الأعرابي، وأبي علي المرزوقي، وأبي العلاء المعري وغيرهم صرفوا عنان
[ ٢ / ٣٧ ]
الغاية إلى شرح كتاب الحماسة، واجتهدوا في غير نفاسة فأفادوا وأجادوا، غير أنهم مدوا أطناب الأطناب، وأسباب الإسهاب، وخير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيخل، فاستخرت الله تعالى في تجريد هذا المختصر من الاختيارات كالمعتصر".
وهذا الذي أدركه سبط ابن الجوزي في عقود النصف الأول من القرن السابع أدركه المصنف في عقود النصف الأول من القرن الخامس وأدركه كذلك جماعة آخرون منهم -كما مر علينا في الكتاب الأول- صاحب الشرح المنسوب بالخطأ إلى أبي العلاء المعري، وأمين الدين الطبرسي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، وأبو الرضا الراوندي المتوفى بعد سنة ٥٤٩ هـ.
وطبيعي أن هذا الإدراك عند هؤلاء العلماء وغيرهم ممن جنح إلى الاختصار والتسهيل لم يقع إلا بعد أن وقفوا على أعمال السابقين. وبخاصة رجال القرن الرابع الذين جعلوا من شروحهم مجالا واسعًا يناقشون فيه قضايا اللغة والأدب والنحو والبلاغة والنقد والرواية والأخبار، فتجاوزوا النص الأدبي الذي ضمه اختيار الحماسة إلى قضايا مسهبة تتصل بالأخبار ومناسبات الشعر كما فعل أبو رياش أو مشاكل لغوية ونحوية كما فعل ابن جني وأبو العلاء ومن بعدهما العكبري أو تأويلات متعددة لمعاني الشعر كما فعل أبو عبد الله النمري، وكل هذه أمور مع قيمتها العلمية وفوائدها الجمة للدارس المتخصص تحرم قاريء الأدب البحث من متعة معايشة النص وفهمه، بل إن هؤلاء الشراح وكما سبق أن أوضحنا في الكتاب الأول "الموازنة بين الشروح" قد جعلوا من اختيار الحماسة مجالًا لإبراز قدراتهم في فرع من فروع العلم، فالاخباري ينظر إلى النص الأدبي من خلال ما يستوعبه من أخبار، واللغوي ينظر إليه من خلال ملكاته اللغوية وقدرته على الاشتقاقات وإيراد النظائر في المعاني وما يطابقها من محفوظه اللغوي، وما يدل على ذلك من شواهد من القرآن الكريم أو الشعر العربي القديم أو كلام العرب الموروث، والنحوي ينظر إليه من خلال مواهبه النحوية التي تتصدى لعويصات المشكلات فيفرغ جهده في الإعراب وما يتصل به من استدلالات حتى ليخيل إليك أنك تقرأ كتابا في النحو لا كتابًا في الادب اختاره شاعر أديب.
[ ٢ / ٣٨ ]
كل هذه الأمور جعلت بعض الشراح في مختلف العصور يجنحون إلى التسهيل والإيجاز، وكان مصنف هذا الشرح من أوائل الذين سلكوا هذه السبيل.
وهؤلاء الذين اتخذوا لأنفسهم هذا النهج كانوا يدركون أن لا بد لقاريء الأدب من أن يلم بشيء من تفسير أسماء الشعراء وأخبارهم التي دفعتهم إلى قول الشعر وبقدر من اختلافات الروايات، وبطرف مما يدخل في مجال اللغة والنحو والبلاغة، ولكنهم وهم يدركون هذه الحقائق أدركوا أن الإطالة في جانب من هذه الجوانب أمر يصرف القاريء عن المتن الذي هو قوام للدراسة والشرح، ومن هنا بدت قيمة جنوحهم إلى التسهيل وميلهم إلى الإيجاز.
ونستطيع أن ندرك هذه القيمة إذا تصفحنا شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين، فنحن كثيرًا ما نجد المرزوقي وشرحه ذو فوائد جمة يجنح إلى الإغراق في جزيئة من جزيئات البيت بصورة تنسينا البيت نفسه، ناهيك عن القطعة كلها.
ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت تأبط شرا الوارد في الحماسية (٦٣)، والذ يصف فيه اتجاهه لابن عمه شمس بن مالك بالمديح جزاء ما أعطاه من إبل:
أهز به في ندوة الحي عطفه كما هز عطفي بالهجان الأوارك
فقد وقف المرزوقي عند كلمة "هجان" فقال: "ويقع لفظ هجان للواحد وللجمع، يقال ناقة هجان ونوق هجان، ومثله درع دلاص ودروع دلاص، وذلك لأن فعالًا وفعيلا يتشاركان كثيرًا، وكما جمع فعيل فعالا كذلك جمع فعال فعالًا، ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد، وحرف المد في كل واحد بإزاء ما في الآخر، فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن فعالا إذا كان جمعًا ينوي بحركاته وألفه حركات بنائه، وهو جمع لا واحد كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظراف وكرام لا الكسرة التي في أول حمار وإزار، وكذلك ألفا فاعلمه".
فمثل هذا الكلام مع قيمته العلمية في مجال اللغة فإنه يصرف قاريء الأدب عن الغاية التي بنى عليها أبو تمام اختياره وهي أن يجعله يقف على النماذج الرفيعة من شعر العرب القديم.
[ ٢ / ٣٩ ]
ومن أمثلته ما جاء في شرحه لبيت الهذلول بن كعب العنبري الوارد في الحماسية (٢٣٩) والذي يصور فيه إنكار زوجته حين رأته يجلس إلى الرحا يطحن لإطعام ضيفانه:
تقول ودقت صدرها بيمينها أبعلي هذا بالرحا المتقاعس
فقد قال المرزوقي في شرح الشطر الثاني: "أبعلي موضعه رفع بالابتداء، والألف لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار والتقريع، وقوله هذا يكون في موضع الخبر، والمتقاعس يتبعه على أنه عطف البيان له، وإن شئت جعلت هذا صفة لبعلي والمتقاعس خبرًا وقوله "بالرحا لا يجوز أن يتعلق بالمتقاعس لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبيينًا وتتصور "المقاعس" اسما تاما، ويصير موقع "بالرحا" بعده موقع بك بعد مرحبا، ولك بعد سقيا وحمدا، وإذا كان كذلك جاز تقديمه عليه كما جاز أن تقول بك مرحبا ولك سقيا، وللمازني في هذا طريقة أخرى، وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس للتعريف فقط، ولا يؤدي معنى الذي، كما تقول نعم القائم زيد وبئس الرجل عمرو، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الصلة فجاز وقوع الرحا متقدمًا عليه ومؤخرا بعده، وموقع الجملة التي حكاها من كلام المرأة نصب على أنه مفعول لتقول، فأما ما يعمل في لفظة "قال" ومتصرفاته فهو ما يكون قولا ووصفا للجمل كقولك: قلت حقًا أو باطلًا أو قلت صدقًا أو كذبًا وما أشبهه".
فهذا درس في النحو يدل على عبقرية الإمام المرزوقي في استيعاب أسرار العربية ودقائقها، ولكنه بغير شك ينأى بالشرح الأدبي عن مساره الذي ينبغي أن يسير فيه، ويجعل قاريء الأدب معزولًا عن النص بهذا الاستطراد النحوي.
وإذا كان المرزوقي في شرحه يستطرد استطرادًا مسهبًا في بعض القضايا اللغوية والنحوية التي تتصل بجزئية فإن الخطيب التبريزي بمنهجه الانتخابي من الشروح التي سبقته لم يسلم من ذلك أيضًا، غير أن إسهابه كان في جانبين فضلًا عن جنوحه المطرد نحو النحو وقضاياه، وأحد هذين الجانبين الأخبار
[ ٢ / ٤٠ ]
التي ينقلها عن أبي رياش والتي تتصل بأخبار الشعراء، ودوافع قولهم للشعر المختار في الحماسة، والأمر الآخر ما يتصل بشرح أسماء شعراء الحماسة مستفيدًا من ذلك من شيخه أبي العلاء ومن أبي الفتح ابن جني. وتستطيع أن تدرك إسهابه في الجانب الأول إذا وقفت مثلا على الخبر الذي ساقه في حماسية جعفر بن علبة الحارثي التي مطلعها:
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
أو قرأت الخبر الذي ساقه في حماسية القتال الكلابي التي مطلعها:
نشدت زيادًا والمقامة بيننا وذكرته أرحام سعر وهيثم
ونحن لا ننكر أن لهذه الأخبار قيمتها في فهم الجو النفسي والاجتماعي الذي قيل فيه الشعر، ولكن عرضها بهذا الحشد من الأسماء والشخصيات التي تتصل بهذه الأخبار وما تشتمل عليه من أشعار بعيدة عن نصوص الحماسة يجعل القاريء يحس بأنه قد ابتعد كثيرًا عن المختار، هذا فضلًا عن أن هذه الأخبار قد جمعت في الغالب الأعم من أفواه رجال القبائل، فهي لهذا لا تخلو من عصبيات ونزعات قبلية، وتضع القاريء وجهًا لوجه أمام شك وعدم اطمئنان لما يرد فيها جلها أو بعضها.
كذلك نلاحظ أن التبريزي يسهب في الجانب الثاني، جانب تفسير أسماء شعراء الحماسة، وهو في هذا كثيرًا ما ينسى نفسه، وينساق، وينساق وراء شيخه أبي العلاء فيما خلفه من إسهاب وإفاضة في شرحه "الرياشي المصطنعي" ففي الحماسية التي قالها حطان بن المعلى وقف التبريزي عند اسم حطان ينقل عن أبي العلاء قوله: "حطان فعلان من الحط، ولا ينبغي أن يحمل على غير ذلك، لأن الحطن لم يستعملوه، وحططت ضد رفعت، ولا ينبغي أن يحمل على غير ذلك، لأن الحطن يستعملوه، وحططت ضد رفعت، وكل كلمة تشتق من هذا اللفظ فهي راجعة إلى ذلك اللفظ، ويقال للذي يحط به الأديم أي يرسم محط لأنه يحط عليه أي يوضع ثم قالوا
[ ٢ / ٤١ ]
للمرأة محطوطة الكشح، ومحطوطة المتن، فإذا قالوا محطوطة المتن فإنما يراد أن متنها كأنه قد ملس بالمحط، وإذا قيل محطوطة الكشحين احتمل هذا الوجه، والأجود أن روافدها ارتفعت وأن كشحها حط لضمرها، وقد يجوز مثل هذا في المتن قال القطامي:
بيضاء محطوطة المتنين بهكنة ريا الروادق لم تمغل بأولاد
فتأمل هذا الكلام كيف بدأ وكيف انتهى، وكيف تجلت فيه عبقرية أبي العلاء في اللغة واشتقاقاتها واستعمالها في المدلول الدقيق، ولكن أين موقع هذا الكلام من النص المراد شرحه؟ ! .
لا شك أن المنهج التعليمي الشامل الذي أخذ به بعض الشراح هو الذي دفعهم إلى هذا الجنوح في تفسير أسماء الشعراء، وهو تفسير لا علاقة للنص الأدبي به إلا في مجال المنهج التعليمي الشامل الذي يجعل من النص وقائله مجالا لدرس اللغة وما فيها من اشتقاقات ودلالات.
والحق أن المصنف في شرحه هذا كان بمنأى عن هذه الاستطرادات، ذلك لأنه جعل الإيجاز سبيله الذي لا يحيد عنه، فهو مثلا يشرح أسماء الشعراء ولكنه لا يسهب هذا الإسهاب الذي رأيناه في نقل التبريزي عن شيخه أبي العلاء، وإنما يشرح الاسم بجملة أو جملتين، وأحيانا بكلمة واحدة، وهو في هذا يستفيد من ابن جني فيما خلفه في "المبهج" أو يجتهد فيما لم يتطرق إليه ابن جني في كتابه قال في تفسير اسم كبشة أخت عمرو بن معدي كرب "كبشة اسم مرتجل"، وليس بتأنيث كبش لأن ذلك لا مؤنث له من لفظه وإنما هو نعجة". وقال في تفسير "أبو حنبل الطائي" الحنبل القصير. وقال في شرح "قتة" من اسم "سليمان بن قتة" القتة واحدة ألقت وهي المرة الواحدة من قت الحديث إذاعه".
[ ٢ / ٤٢ ]
وهو كما قلنا يستفيد من ابن جني، ولكنه لا يسهب إسهابه فمثلا في شرح اسم "عبد الشارق بن عبد العزى" وقف المصنف عند اسم عبد الشارق فقط قال: "الشارق اسم صنم، والشارق الشمس كأنه عبد شمس"، أما ابن جني فقد وقف عند عبد الشارق ووقف عند عبد العزى، وأسهب إسهابا واضحًا في إيراد الأشباه والنظائر، وتوغل في الأوزان وأطال، قال: "الشارق اسم صنم لهم ولذلك قالوا عبد الشارق وكقولهم عبد العزى وكلاهما صنم، ومثله عبد يغوث وعبد ود ونحو ذلك، ويجوز أن يكون الشارق من قولهم عبد الشارق وهو قرن الشمس كقولهم: لا أكلمك ما ذر شارق أي ما طلع قرن الشمس، فقولهم إذا عبد الشارق كقولهم عبد شمس، وأما العزى فهو اسم صنم وهو تأنيث الأعز كما أن الجلي تأنيث الأجل، وأما قول الآخر:
وإن دعوت إلى جلي ومكرمة يومًا سراة كرام الناس فادعينا
فليس جلي في هذا تأنيث الأجل، ألا ترى أن فعلى أفعل لا تنكر، وإنما هي معرفة باللام أو بالإضافة، لا تقول صغرى ولا كبرى ولا وسطى، وإنما جلي في البيت بمنزلة الجلال والجلالة، ومثلها من المصادر على فعلى الرجعى والنعمى والبؤسى، تقول: آنستني برجعي منك أي برجوع منك، ولك عندي آلاء ونعمى، ولا أجزيك بؤسى ببؤسي، وكذلك قراءة من قرأ "قولوا للناس حسنى" أي إحسانًا وحسنًا، وأنكر ذلك أبو حاتم ولا وجه لإنكاره إياه لما ذكرنا، وأنثوا العزى في اسم الصنم كما أنثوه في قوله تعالى: (واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى).
فلا شك أن مثل هذا العمل طيب ومفيد في مجال اللغة، ولكنه بعيد عن النص الأدبي المختار، صارف ذهن القاريء ومستثير له فيما لم يعد نفسه وعقله لاستيعابه، ولذا أحسن ابن جني حين أقام مثل هذه الدروس اللغوية في كتاب قائم بذاته عن كتابه التنبيه الذي تصدى فيه لشرح مشكلات الحماسة، ولهذا كان
[ ٢ / ٤٣ ]
خطأ ما صنعه ابن ملكون الحضرمي حين جمع بين العملين في كتاب واحد سماه "المنهج في الجمع بين كتابي التنبيه والمبهج".
وإذا كان المصنف قد تجنب الإسهاب في شرح أسماء شعراء الحماسة فإنه أيضًا تجنبه في ذكر الأخبار التي تتصل بالنص الأدبي والتي توضح الجو الذي قيل فيه النص، فهو لم ينح منحى التبريزي في نقله عن أبي رياش كل ما كان يرويه من أخبار، وإنما كان يتصرف فيه تصرفًا يقتضيه الإيجاز، وتستطيع أن تلمس ذلك حين تقرأ ما رواه التبريزي عن أبي رياش في خبر أبيات زيد الفوارس والوارد في الحماسية (١٨٠) وما رواه المصنف في هذا الخصوص، وكلاهما معتمد على أبي رياش فيما أورده، غير أن التصرف واضح في نقل المصنف.
ومثله ما رواه من التبريزي والمصنف في خبر أبيات المرثية الأولى من باب المراثي، التي هي لأبي خراش الهذلي، يرثي فيها أخاه عروة ويحمد الله على بقاء ابنه خراش حيا وقد كان مع عمه، فقد أورد المصنف خبرها قال: "والأصل في هذا أن بطنين من ثمالة بني رزام وبني بلال أخذوا عروة وخراشا، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما حتى كاد يكون بينهما شر فألى رجل من الناهين عن القتل ثوبه على خراش واشتغل الآخرون بقتل عروة، فقال الرجل لخراش كيف دلالتك؟ قال قطاة قال: انجه فنجا، فأقبل القوم نحو خراش وقد نجا فتبعوه فأعجزهم".
هذا تصرف المصنف في رواية الخبر، أما التبريزي فالواضح أنه نقل الخبر بنصه من شرح أبي رياش دون تصرف قال: "أن عروة بن مرة أخا أبي خراش وخراش ابن أبي خراش اصطحبا في متصرف لهما فاسرهما بطنان من ثمالة بنو رزام وبنو بلال وكانوا موتورين فاختلفوا في الإبقاء عليهما وقتلهما فمال بنو بلال إلى قتلهما وتفاقم الأمر بينهما في ذلك إلى أن صار يؤدي إلى المقاتلة، فتفرد أولئك بعروة فقتلوه، وتفرد هؤلاء بخراش فخلا به واحد منهم، منهزما الفرصة في () فقال
[ ٢ / ٤٤ ]
له: كيف دليلاك؟ فقال: فقال: قطاة، فألقى عليه رداءة وقال: انجه، فمر لطيته فلما انصرفوا للنظر في أمره قال لهم ممسكه أنه أفلت فطردوه فأعياهم، فلما وافي خراش إلى أبيه، وخبره بما جرى على عروة، وبما اتفق من صاحبه في بابه اقتص قصته في هذه الأبيات".
والمصنف بجانب عدم إسهابه في شرح أسماء الشعراء، وإيراد الأخبار التي تتصل بما قالوه من شعر فإنه لا يسهب أيضًا في المسائل النحوية بل لا يكثر من تناول النحو في شرحه، وإذا تناوله فإنما يتناوله من حيث أنه يفيد المعنى الذي يشرحه وضوحًا، والأمثلة على ذلك متعددة، فمن ذلك ما ذكره في الحماسية (١١) في بيت تأبط شرًا خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر
قال: "أما أسار ومنة بالرفع والخفض، فمن خفض فإنه أضاف ولم يعبأ بأما فاصلة، ومن رفع أراد خطتان فحذف النون والمراد ثبوتها، والعرب تفعل ذلك".
وفي الحماسية (١٧٥) وقف عند جزئية نحوية في بيت باعث بن صريم الذي يقول فيه:
آليت أثقف فيهم ذا لحية أبدًا فتنظر عينه في مالها
فقد قال: "آليت أثقف منهم ذا لحية أي لا أثقف منهم، وجاز حذف لا ها هنا لأن جواب القسم إما أن يكون نفيًا أو إيجابا باللام فإن تعرى منها كان نفيًا، إلا إذا طال الكلام فإنه يجوز حذف اللام".
وفي بيت قتيلة بنت النضر بن الحارث الوارد في المرثية (٧١) والذي جاء فيه:
[ ٢ / ٤٥ ]
أمحمد ها أنت ضنء نجيبة من قومها والفحل فحل معرق
وقف المصنف عند "أمحمد" وهو علم حقه البناء على الضم فقال: "نونت المنادي مع الضم ضرورة، وسيبويه يجوز ذلك".
وكذلك وقف في جزيئة نحوية في بيت سالم بن قحفان الوارد في القطعة (١١) من باب الأضياف، وهو البيت الذي يقول فيه:
فإني لا تبكي علي إفالها إذا شبعت من روض أوطانها بقلا
فقد علق على نصب "بقل" بقوله: "نصب بقلا لأن معنى إذا شبعت إذا رعت، والعرب تقول شبعت خبزًا ولحمًا يعنون من خبز ولحم".
والذي نلاحظه في هذه الوقفات النحوية التي تتصل بجزيئة في البيت إن غاية المصنف منها هي إبراز المعنى وتوضيحه، ولهذا يعرضها في إيجاز دون إطالة بل نراه أحيانا يدفعه الإيجاز إلى أن يترك لقارئه فرصة استيحاء ما يريد قوله، ومن ذلك أنه وقف في جزيئة نحوية في بيت الأعرج المعني الوارد في الحماسية (١١٧) الذي يقول فيه مشيرا إلى زوجه التي لامته على أن يسقي فرسه "الورد" من لبن ناقته:
تلوم علي أن أعطي الورد لقحمة وما تستوي والورد ساعة تفزع
فقد اثبت المتن رواية "والورد" بالنصب ثم قال: "والورد نصب لأن الواو بمعنى مع، ورفعه حسن"، ولم يبين وجه الرفع وإنما تركه للقاريء لأنه معلوم أي وما تستوي هي والورد، على العطف.
والحق أنه كان كذلك في جل الوقفات التي اشتمل عليها الشرح، ولم أره يسترسل في جزيئة نحوية إلا في موضع واحد، وذلك في بيت الهجاء الوارد في القطعة (٥٥) من باب الهجاء والذي جاء فيه:
[ ٢ / ٤٦ ]
أقول حين ارى كعبًا ولحيته لا بارك الله في بضع وستين
وقف المصنف عند كلمة "ستين" وقفة نحوية فصل فيها الحديث وأفاض قال: "في جر ستين قولان أحدهما أنه أخرجه على أصل حركته لالتقاء الساكنين، وهو الكثير ضرورة كما قال [يريد سحيم بن وثيل الرياحي]:
وقد جاوزت حد الأربعين
والقول الىخر أن الشاعر أراد الوقف، وللعرب مذهب في الإسناد أنهم يطلقون في القوافي، ومنهم من يعربها، ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون، فإذا وقف على نون الجميع لا يبين حركة، فجاز ذلك مع نون الأصل في القوافي، لأنك لا تجد هذه النون مكسورة إلا في القوافي".
فواضح أن في هذا القول إطالة تصرف عن البيت، ولكنها إطالة فرضتها طبيعة الجزئية التي استدعت بسط الكلام.
ولعل أهم ما يلحظه القاريء في هذا الشرح اهتمام صاحبه بالرواية في البيت الواحد، فهو يثبت الرواية التي يختارها في المتن ثم يشير في أثناء الشرح إلى روايات البيت الأخرى، ومن تتبعنا لما يشير إليه من روايات لاحظنا أنه إذا أثبت رواية في المتن متفقة مع التبريزي وأشار إلى رواية أخرى وجدنا هذه الرواية مثبتة في متن المرزوقي، وقد يقع العكس بأن يثبت رواية تتفق مع المرزوقي ثم يشير إلى رواية أخرى نجدها في متن التبريزي، والذي يقف على عملنا في هوامش هذا الشرح يدرك حقيقة ذلك
وربما أثبت في متنه رواية مخالفة لما أثبته كل من المرزوقي والتبريزي، ولكننا نجده يشير في شرحه في الغالب إلى روايتيهما، ومن ذلك بيت النابغة الذبياني فقد أثبت روايته فيه على هذا النحو:
بعد ابن عاتكة الثاوي ببلقعة أمسى ببلدة لا عم ولا خال
[ ٢ / ٤٧ ]
ثم أشار في شرحه إلى روايتين إحداهما "الثاوي على أبوي" وقال هو اسم موضع قبر أخيه، وهذه الرواية هي رواية المرزوقي في متنه، ووافقه فيها ياقوت الحموي في معجم البلدان، أما الرواية الأخرى فهي "الثاوي على أمر" قال هو موضع ببلاد قضاعة، وهذه الرواية هي رواية التبريزي في متنه:
كما أنه أحيانًا يثبت رواية فيها مع المرزوقي والتبريزي ويشير إلى روايات أخرى نجد بعضها في مصادر غير الحماسة، ومن ذلك بيت عروة بن أذينة الوارد في القطعة (١٠) من باب النسيب، فقد أثبت روايته على النحو التالي:
وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
وهي رواية مثبة في متني المرزوقي والتبريزي، غير أن المصنف قال: ويروى "شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها" وقد وجدنا هذه عند أبي الفرج في الأغاني، ثم أشار إلى رواية ثالثة هي "شفع الضمير لها إلي فسلها" وقد وجدنا هذه الرواية عند أبي علي القالي في الأمالي.
وهو حين يعرض هذه الروايات يقوم بشرحها إن احتاجت إلى شرح، وذلك على نحو ما رأينا في بيت النابغة المتقدم، وعلى نحو ما ورد في بيت أبي ثمامة الضبي الوارد في الحماسية (١٨٧)، فقد أثبت روايته متفقًا فيها مع المرزوقي والتبريزي وهي:
وإن منطق زل عن صاحبي تعقبت آخر ذا معتقب
ثم قال: "ويروي تعرقبت" وشرحها بقوله: "أي أخذت في طريق ضيق لا يسلكها معي غيري لأن العرقوب طريق ضيق في الوادي "ثم أضاف" ويروى "ذا
[ ٢ / ٤٨ ]
معتتب" وشرحها بقوله: "أي متطلع من العتبة وهي الدرجة أي لي فيه درج اعتتب فيه بالحجة حتى ألقى خصمي بالعويص".
وهو في الغالب يشير إلى الروايات دون أن يفاضل بينها، ولكنه قد يفعل ذلك إذا كانت الرواية المشار إليها ذات صلة بالمعنى الذي قرره في شرحه، ومن ذلك ما جاء في القطعة (١٣٠) من باب النسيب وهي قطعة حركة الروي فيها دال مضمومة، فقد وقف عند البيت القائل:
فيا أيها الريم المحلى لبانه بكرمين كرمي فضة وفريد
وبدأ بالشرح فقال: "المحلى لبانه المزين صدره" وبكرمين بقلادتين، والفريد الدر، ثم قال: "وفي البيت اقواء، ومن الناس من يرويه بإزالة الإقواء فينشد "كرمي فضة وفريد" أي منها فريد، ولكنه عقب على هذه الرواية بقوله: "وهذا بعيد" ثم أشار إلى رواية أخرى هي "كرما فضة وفريد" ومضى قائلًا: "ومن الناس من يشتبه عليه هذا الوجه فيغير "كرم فضة وفريد" وعقب على هذا التغيير بقوله: "وهذا لو روي كان حسنًا ولكن الشعر رواية لا يحسن تغييرها، وأكثر الأشعار يمكن تغييرها عما قيل ابتداء، فلو ساغ هذا الوجه لم يحتج إلى الرواية".
وظاهر هذا الكلام أن المصنف ملتزم بالرواية التي أمامه لا يأخذ بغيرها وإن كان غيرها في رأيه أحسن وأظهر، ومن هذا نراه مثلًا في الحماسية (١٠٤) يورد البيت الأول منها هكذا:
ألا قالت الحسناء لما لقيتها أراك حديثا ناعم البال أفرعا
وهى رواية أجمع عليها شراح الحماسة المرزوقي والتبريزي وغيرهما، غير أننا نجد المصنف يقول في الشرع: "روى أبو زيد: يوم لقيتها كبرت ولم تجزع من الشيب مجزعًا" ثم فسر فقال: "أي لم تجزع حين ينفعها الجزع، فإنني شبت في وقت
[ ٢ / ٤٩ ]
المشيب وجائز أن يكون المراد كبرت ولم تجزع أيها المرء من الشيب مجزعا، ثم رجع إلى الرواية التي أثبتها فقال: "ومن روى حديثا ناعم البال أفرعا فمعناه: قالت: أراك حديث السن تام الشعر وليس لك غير ذلك أي مال ولا حال" ثم عقب على رواية أبي زيد فقال: "وما رواه أبو زيد أحسن وأظهر لأن الرجل يعتذر للشيب فلولا أنها عابته المشيب ما كان يحتاج إلى العذر".
ولكنه إذا كان يلتزم الرواية التي أمامه كما أوضحنا فيما مضى فإنه قد يخالف عامة الرواة، ويقف مع رواية واحدة حين يراها متسقة مع المعنى الذي اشتمل عليه النص، ففي الحماسية التي نسبت إلى أبي صخر الهذلي نراه يقف مع أبي رياض في روايته لها، وقد جاءت عنده على النحو التالي:
رأيت فضيلة القرشي لما رأيت الخيل تشجر بالرماح
ورنقت المنية فهي ظل على الأبطال دانية الجناح
فكان أشدهم قلبا وبأسا وأصبر في الحروب على الجراح
قال في شرحه: "قال أبو رياش رأيت فضيلة القرشي على التصغير ونصب القرشي" ثم أشار إلى أن الأبيات ليست في ديوان أبي صخر، ومضى مفسرًا فقال: "ولعل معناه ضربت رئة فضيلة بمعنى قتلته كما يقال بطنته أي أصبت بطنه، وإن كان من رؤية العين فمعناه رأيت مشتجر الرماح كأنه شهد هذا الشاعر وفضيلة الحرب فسئل عن فججم في الجواب، ومما يؤيد ذلك قوله: "ورنقت المنية فهي ظل" ويقوي هذا الوجه ما بعده وهو قوله: "فكان أشدهم قلبًا وبأسًا" وروت عامة الرواة "رأيت فضيلة القرشي" واحدة الفضائل وهذا واضح".
وقد نجده بجانب ما ذكرنا يقف مع رواية لأنها تدل على معنى بديع ففي بيت عبد الله بن عجلان الوارد في القطعة (٢٣) من باب النسيب، والذي يقول فيه:
جديدة سربال الشباب كأنها سقية بردى نمتها عيونها
[ ٢ / ٥٠ ]
نراه يقف عند الرواية التي أثبتها وهي "نمتها غيولها" شارحًا فيقول: "الغيول جمع الغيل وهو الماء يجري على وجه الأرض، ومعنى نمتها نبتتها أي نبتت في الماء الجاري فكأنها نبت الماء، ثم أشار إلى روايتين قال: "ويروى "غذتها غيولها" ويروى "سقتها" والجميع حسن والأول أبدع".
وثمة شيء آخر يمكن أن يلحظه قارئ هذا الشرح غير هذا الاهتمام الواضح بالروايات، وهو اهتمام المصنف الشديد بعرض آراء من سبقوه في معاني الشعر، وهو في هذا يثبت التفسير الذي يراه للمعني ثم يعرض آراء غيره فيه، ومن ذلك ما جاء عنه في بيت عروة بن الورد القائل:
مطلا على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهر
فقد أورد تفسيره لمعنى "المنيح المشهر" قال: "المنيح المشهر ها هنا قدح مشهور بالفوز يستعار ثم يرد إلى صاحبه" ثم مضى فاستعرض آراء غيره دون تعليق قال: "وقال الأصمعي: المنيح الذي لا نصيب له فإذا خرج رد ليخرج غيره، فأما ذو الحظ من السهام فإنما إذا خرج لم يعد ثانية يقول: هو غير مأمون كالمنيح الذي تراه عند كل اجالة فهم يجرونه أبدًا. وقال ابن الأعرابي: أراد أن يقول: القدام المشهر فقال المنيح لأنه فيها. وقال ابن قتيبة: أراد أنهم إذا رأوه زجروه ولعنوه كما يلعن المنيح لأنه لا نصيب له فيغتم صاحبه إذا خرج".
وإذا كنا قد رأيناه هنا يعرض الآراء دون تعليق فإنه في مواضع أخرى قد يعرض الرأي ثم يعقب عليه ومن ذلك ما جاء في البيت الأول من رثاء عبدة بن الطيب لقيس بن عصام التميمي وهو:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
قل في شرحه: "وقوله ما شاء أن يترحما في معناه أقوال منها ما قال الأخفش علي بن سليمان: معناه عليك سلام الله ورحمته أبدًا لأن الله تعالى أبدًا يشاء الرحمة
[ ٢ / ٥١ ]
فجعل مشيئته الرحمة ظرفًا، ومنها أن عليك ذلك كثيرًا كقولك أصابنا المطر ما شاء الله أن يصيبنا، ورأينا من الخير ما شاء الله، ومنها ما قيل أن ما شاء يرجع إلى قيس" وقال معلقًا على هذا الوجه "وهذا تعسف".
وفي بتي النسيب الوارد في القطعة (١١) والذي جاء فيه:
لئن نائبات الدهر يوما أدلن لي على أم عمرو دولة لا أقيلها
نجده يقف عند قوله "لا أقيلها" وينقل قول بعضهم: "أراد أعذبها كما عذبتنى ولا أتجاوز عن ذنبها من قولهم: "أقلت عثرته" ثم عقب على هذا التفسير بقوله: "وهذا غلط لأنه يخرج حينئذ عن حد النسيب، معناه - والله أعلم - لئن أظفرتني صروف الدهر بأم عمرو لا أفارقها من إقالة البيع وهو رد المبيع".
وفي بيتي قطري بن الفجاءة الواردين في الحماسية (٢١) وهما:
حتى خضبت بما تحدر من دمي أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الإقدام
نراه ينقل قول غيره فيقول: وقيل أنه لم يرد بقوله دمي دم نفسه وإنما أراد دم من قتله فأضافه إلى نفسه، لأنه أراقه، ألا ترى أنه يقول: وقد أصبت ولم أصب" ثم عقب عليه بقوله: "وليس كذلك بل أراد دم نفسه، ومعنى أصبت قتلت فليس فيه مضادة".
وفي بيتي الحماسة (١٠٥) وهما:
ألا قالت الخنساء يوم سويقة عهدتك دهرا طاوي الكشح أهضما
فإما تريني اليوم أصبحت بادنا لديك فقد ألفى على البزل مرجما
[ ٢ / ٥٢ ]
يبدأ بشرحهما فيقول: "يذكر أن الخنساء قالت يوم سويقة رأيتك زمانا ضربا خفيفا وقد تغيرت الآن وأنه أجابها بقوله: أن أصبحت مثقلًا اليوم عندك فإني جلد فيما يحتاج إليه من شدة النفس وقوة الرجال في السفر وعند الخصومة" ثم عرض رأي بعضهم فقال: "وذهب بعضهم إلى أنه أراد أني كنت قبل هذا بهذه الصفة" وعقب عله بقوله: "ولسي في البيت ما يقتضي ذلك فلا حاجة إلى الفزع إليه والأخذ بظاهرة ممكن وهو أمدح".
وهناك أمر ثالث يمكن أن يلحظه القارئ في هذا الشرح وهو قلة الجانب النقدي للنصوص المختارة في الحماسة وهو في هذا يختلف عن المرزوقي فالمرزوقي كثير الاهتمام بهذا الجانب، على نحو ما وضحنا في الكتاب الأول. أما المصنف فغن الجانب النقدي في شرحه قليل لا يكاد يذكر، ومن هذا القليل قوله منتقدًا بيت أعشى ربيعة في سليمان بن عبد الملك:
كلا شافعي سؤاله من ضميره عن البخل ناهيه وبالجود آمره
فقد قال فيه: "يقول لسؤاله له شفيعان من ضميره أحدهما ينهاه عن البخل، وكان حقه ألا يجعله محتاجًا إلى النهر عن البخل".
وفي بيتي نصيب في عمر بن عبد الله الليثي اللذين يقول فيهما:
والله ما يدري امرؤ ذو جناية ولا جار بيت أي يوميك أجود
أيومًا إذا ألفيته ذا يسارة فأعطيت عفوًا منك أو يوم تجهد
ذراه ينتقدهما فيقول: "ولا يحسن مدح السادة بمثل هذا، ما تشمئز منه النفوس من ذكر الفقر وإن كان لابد منه".
وفي بيت شريح بن الأحوص الذي يقول فيه مشيرًا إلى طارق ليل أتاه:
[ ٢ / ٥٣ ]
رفعت له ناري فلما اهتدى بها زجرت كلابي أن يهر عقورها
قال منتقدًا "ولم يجود في قوله زجرت كلابي لأنه لو كثرت ضيفانه لألفته الكلاب".
وأغلب نقده للشعر يأخذ صفة العموميات التي تنطوي على أحكام عامة لا تستند إلى تعليل، وذلك مثل قوله في بيت العريان بن سهلة الجرمي الذي يمدح فيه قومًا ويقول فيه:
كأنما الطير منهم فوق هامهم لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
فقد عقب عليه بقوله: "وقيل أن هذا أحسن ما قيل في الإجلال".
ومثله ما جاء في بيت حاتم الطارئ الذي يقول فيه:
وإنك مهما تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
فقد قال فيه: "وهذا بيت سائر أجود ما قيل في معناه".
ومثل ذلك أيضًا قوله في القطعة الأولى التي وردت في باب الملح وهي من بيتين جاء فيهما:
يقول لي الأمير بغير جرم تقدم حين جد بنا المراس
ومالى إن أطعتك من حياة ومالى غير هذا الرأس راس
نراه يشيد بهما فيقول: "وهذا أحسن ما قيل في الجبن".
وعلى أنه إن كان في غلبة نقده انطباعيًا أكثر منه فنيًا إبداعيا، فإنه قد دل على مقدرة فائقة في ربط الأبيات ومعانيها وإيجاد الوحدة المعنوية بينهما، ومن أمثلة ذلك ما ذكره في بيتي أبي صخر الهذلي وهما:
[ ٢ / ٥٤ ]
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فقال في الربط بين معناهما: "فإن قيل كيف ينتظم هذا البيت إلى ما قبله لأنه استدام الجوى في البيت الأول، ويذكر في هذا انقضاء ما بينهما قيل الأول على ما فسر صحيح، ولم يقل في الثاني انقضى احلب، ومعناه أن الدهر لم يزل يسعى في إفساد ألفتنا، فلما انقضى ما بيننا من جهة الدهر أي فرق بيننا سكن الدهر، فليس يسعى في إفساد ما بين محبين غيرنا".
ومثل ذلك ما ورد في بيتى عبد الله بن الزبير الأسدى وهما:
فإنك لو سمعت بكاد هند ورملة إذ تصكان الخدودا
سمعت بكاء باكية وباك أبام الدهر واحدها الفقيدا
فقد قال في معناهما: "من سمع هذين البيتين ولم يعرف المعنى قدر أن فيهما خطأ لأنه قال: لو سمعت بكاء هند ورملة وهما ارمأتان ثم قال: "سمعت بكاء باكية وباك" فجاء بأنثى وذكر وقال: "أبان الدهر واحدها الفقيدا" ولم يقل واحدهما، والمعنى، لو سمعت بكاد هند ورملة إذ يلطمان خدودهما سمعت بكاء باكية أبان الدهر واحدها، أي هما تنوحان معًا وتلطمان الخدود معًا لا تفتر إحداهما دون الأخرى، فيقدر أنهما باكية واحدة لاتصال أصواتهما وصحكهما، وعطف بقوله وباك على قول باكية أبان الدهر واحدها الفقيدا فكأنه قال: وباك كذلك".
والمصنف بجانب ما ذكرنا نراه يناقش موضع القطع في الأبواب فإذا جاءت القطع الشعرية مخالفة للحد المرسوم للباب الذي رويت فيه نبه إلى ذلك ودل عليه، ولقد سبق أن أشرنا إلى عمله هذا وعمل غيره من الشراح، فهو مثل غيره نراه يعترض على أبيات زيد بن الحكم الكلابي الواردة في الحماسية (٥٩) من باب
[ ٢ / ٥٥ ]
الحماسة، ويرى أنها لا تليق بهذا الباب لتعريها من ذكر الشجاعة، وإنما هي من باب الافتخار بشرف الأصل.
وكذلك نجده يقف عند قطعة شبرمة بن الطفيل التي يقول فيها:
ويوم شديد الحر قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
لدن غدوة حتى أروح وصحبتي عصاة عل الناهين شم المناخر
كأن أباريق الشمول لديهم إوز بأعلى الطف عوج الحناجر
فهو يعترض على وجودها في باب النسيب فيقول: "ليس في هذه الأبيات نسيب، وإنما فيها ذكر الشراب والقصف"، وهذا مخالف لما أورده المرزوقي الذي حاول أني وجد مبررًا لوجود هذه الأبيات في باب النسيب فقال: "وأدخل هذه القطعة في باب النسيب لرقتها دلالتها على اللهو والخسارة".
واعترض كذلك على أبيات أبي العتاهية الواردة في باب الهجاء والتي يقول فيها مطلعها:
جزي البخيل علي صالحة عني بخفته على ظهري
فقد قال: "وهذه الأبيات خارجة عن حد الهجاء لاحقة بباب الأدب لأنها في القناعة".
وهو في هذه الأمثلة إن بدأ معترضًا على تصنيف الشعر في غير موضعه من الأبواب فإنه بالمقابل نراه يحاول - كالمرزوقي - تعليل وجود بعض القطع في الأبواب التي رويت فيها، على أن ذلك لم يرد منه كثيارً. ومن أمثلته ما جاء عنه في قطعة معدان بن جواس الكندي التي وردت في باب الحماسة وهي من بيتين يقول فيهما مخاطبًا امرأة.
[ ٢ / ٥٦ ]
إن كان ما بلغت عني فلامني صديق وشلت من يدي الأنامل
وكفنت وحدي منذرًا بردائه وصادف حوطًا من أعادي قاتل
فقد عقب بعد شرحهما بقوله: "فإن قيل فما في البيتين من الحماسة فالجواب أنه يعتذر ما نسب إليه من النكول في الحرب، وينتفي منه، وهذا فعل الشجاع. ولقد أثبتنا في هامش هذه الحماسية ان تعليله هذا أفضل من تعليل المرزوقي الذي قال فيه: "ودخل هذان البيتان في الباب لما اشتملا عليه لفظًا ومعنى من الفظاظة والقسوة".
ومن أمثلته أيضًا ما جاء في بيتي بكير بن الأخنس اللذين وردا في باب الحماسة وهما:
نزلت على آل المهلب شاتيًا غريبًا من الأوطان في زمن محل
فما زال بى اكرامهم واقتفاؤهم وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي
فقد قال معللًا لوجودهما في باب الحماسة: "ليس في هذين البتيين ذكر الحماسة إلا أن الأبيات قبلها اشتملت على الحماسة وإكرام الجار فأورد أبو تمام هذين البيتين لأنهما في مبالغة إكرام الجار".
قيمته فيما حددناه من فترة زمنية:
وإذا كان قد أوضحنا فيما سبق قيمة هاذ الشرح بالنسبة للمنهج الذي سلكه صاحبه، فإن له قيمة أخرى بالنسبة للشروح التي صدرت في الفترة الزمنية التي حددناها بنهاية القرن السادس الهجري، وتبرز هذه القيمة في الإضافات التي حققها الشرح في نسبة القطع التي وردت في اختيار الحماسة دون نسبة إلى قائل فأبان الشرح قائليها، فالمعروف أن أبا تمام كان يصدر قطعًا في الاختيار بقوله: "وقال رجل من أسد" أو من طئ أو "وقالت امرأة من طئ "أو من أسد، وأحيانًا كثيرة "وقال
[ ٢ / ٥٧ ]
آخر" أو "وقال بعضهم" وما طبع من شروح الحماية حتى الفترة الزمنية التي ينتهي عملنا فيها شرحان هما شرح التبريزي وشرح المرزوقي، ولقد حاول كل منهما وفق مصادره إسناد بعض الأشعار المجهولة إلى قائليها، وكان التبريزي في هذا الجانب أو أوفر عملًا من المرزوقي لتأخره عنه، ولوقوفه على مصادر لم يقف عليها المرزوقي مثل شروح أبي رياش وأبي عبد الله النمري، وأبي العلاء، وأبي هلال العسكري، وأبي محمد الأعرابي، واستطاع من لال هذه الشروح أن يحقق إضافة في نسبة الأشعار لم تهيأ للإمام المرزوقي.
غير أنه بوقوفنا على الشرحين تبين لنا أنه لا تزال هناك قطع غير قليلة في الحماسة جاءت في الشرحين دون نسبة إلى قائل، وهذا الشرح الذي بين أيدينا قد استطاع أيضًا وفق المصادر التي توفرت لديه أن يحقق إضافة فوق ما حققه التبريزي والمرزوقي، ولقد قمنا بإحصاء للقطع التي وردت في شرحي التبريزي والمرزوقي دون نسبة ونسبها المصنف إلى قائل فبلغ الإحصاء فيها إحدى وعشرين قطعة، منها قطعة في باب الماسة هي القطعة (٧٦) التي نسبها المصنف إلى زيد بن لثوة، وثلاث قطع في باب المراثي هي القطع ٥٢، ٧٥، ٨٢.وقطعة في باب الأدب هي القطعة (١٩) التي نسبها المصنف إلى مضرس بن ربعي، وسبع قطع في باب النسيب هي القطع: ٥، ١٩، ٤٤، ٥٧، ٩٤، ١٢٢، ١٣٦، وقطعتان في باب الهجاء هما القطعة ٢٠ والقطعة ٥٧، وخمس قطع في باب الأضياف هي لقطع ١٠، ١٥، ٥١، ١٠٩، ١١٦، وقطعتان في باب الملح هما القطعة ٢ والقطعة ١٣.
وترتفع قيمة هذا الشرح في هذا الجانب أن ناسخه قد ذكر في ختام الشرح أنه قد قابل أشعار الحماسة بنسخة قراها على الشيخ أبي طاهر علي بن عبد الله الشيرازي، ونقل إلى حواشيهما حواشي نسخة هذا الشرح، وكان هذا العمل إضافة أخرى غير إضافة المصنف في نسبة الشعر إلى قائليه، ولقد قمنا أيضًا بإحصاء لعدد القطع التي وردت في الشروح الثلاثة المرزوقي والتبريزي والمصنف مهملة دون نسبة وأثبتت هوامش النسخة نسبتها إلى أصحابها فبلغت عشرين قطعة منها قطعتان في باب الحماسة هما القطعة ١٣٧ والقطعة ١٣٩، وثلاث قطع في باب
[ ٢ / ٥٨ ]
الأدب هي القطع ١٧، ١٨، ٢٢، وسبع قطع في باب النسيب هي القطع: ١٣، ٥١، ٥٢، ٦٦، ٨٢، ١٠٣، ١٢٢، وثلاث قطع في باب الأضياف هي القطع ٤٦، ١٠٥، ١٣٣، وقطعة في باب الصفات هي القطعة الرابعة، وقطعة في باب الملح هي القطعة السادسة عشرة.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن بعض هذه القطع التي أضاف نسبتها المصنف إلى قائليها أو إضافتها حواشي نسخة هذا الشرح عن نسخة الشيخ أبي طاهر الشيرازي قد جاء مطابقًا لما أوردته مصادر أخرى وقفنا عليها مثل: الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ والشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، واللسان لابن منظور، عدا شروح الحماية الأخرى التي مازالت مخطوطة، وقد بينا جميع ذلك في هوامش القطع الأحدى والأربعين السالفة الذكر.
مآخذ هذا الشرح:
على أننا نأخذ على هذا الشرح جملة من المآخذ أهمها أن المصنف - وفق الإيجاز الذي التزمه وجعله طريقة لشرحه - كان إذا رأى أن النص واضح لا يحتاج إلى شرح اكتفى بروايته دون شرح، أو علق عليه تعليقًا موجزًا لا يفي بحاجة القارئ ومن أمثلة ذلك أنه روى قطعة في باب الحماسة دون شرح، وكذلك فعل الشيء نفسه في أبيات عبد الله بن الزبير الأسدي التي مدح بها محمد بن مروان بن الحكم. هذا فضلًا عن أنه كان يشرح بعض أبيات في القطعة الأولى ويترك بعضها.
والحق أن ما كان يتركه واضح في معانيه، ولكن كما قلنا من قبل أن الوضوح شيء نسبي، فما تراه أنت واضحًا قد يراه آخرون غير واضح، ولهاذ كان ينبغي عليه أن يشرح كل الشعر الذي اشتمل عليه الاختيار، وقد يشفع له هذا أنه أملى شرحه على تلاميذ كان يعلم قدراتهم الذهنية ومكناتهم العقلية في فهم الشعر، ولكن وإن صح هذا فإنه بطبيعة الحال لم يمل شرحه لكي ينتفع به تلاميذه فقط وإنما أملاه لهم ولغيرهم من الأجيال التالية.
[ ٢ / ٥٩ ]
وأما تعليقاته على الأبيات أو البيت بصورة لا تفي بحاجة القارئ فهي متعددة وتكاد تقع في جميع الأبواب، فمن أمثلتها ما أورده في القطعة (٥٦) من باب الحماسة وهي خمسة أبيات علق عليها بقوله: "يقول: لا تطمعوا منا في المحال، ولا تلتمسوا إكرامنا إياكم، وكذلك فعل نحو هذا في بيت الحسين بن مطير الأسدي القائل:
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت أم الله إن لم يعف عنها يعيدها
فقد عقب بقوله: "المعنى معروف يتمنى أيام البطالة واستفهامه على هذا الوجه ضرب من البطالة".
ومثل هذا الصنيع شاركه فيه سائر الشراح الذين وقفنا على شروحهم، وذلك لأنهم كانوا يشرحون الشعر حسب هواهم فما جاء متفقًا مع هواهم شرحوه وما جاء غير ذلك أهملوه أو عقبوا عليه تعقيبات مثل تعقيبات المصنف هذه، وهذا أمر ناقشناه في الكتاب الأول وأوضحنا مآخذ بعض الباحثين عليه.
وثاني ما يؤخذ على المصنف، هو عدم التثبت من صحة بعض ما يرويه من أخبار تاريخية، وقد أوقعه هذا في أن روى بعض الأخبار التي لا تقوم على ساق ولا يعرف لها وجه من الصحة، وذلك مثل الخبر الذي أورده في باب الأدب ومفاده "أن البرصاء أم شبيب الشاعر خطبها النبي (ﷺ) ولم يكن بها برص فقال أبوها: لا أرضاها لك يا رسول الله فإنها برصاء، فرجع أبوها إلى عندها وإذا قد برصت عقوبة للأب" فهذا الخبر ليس من الصحة في شيء، وقد أورد أبو الفرج سبب تلقيب أم شبيب بالبرصاء، فذكر أن اسمها قرصافة بنت الحرث بن عوف، وأنها لقبت بالبرصاء لبياضها لا لأنها كان بها برص.
[ ٢ / ٦٠ ]
ومثل هذا أيضًا قوله وهو يعرف بالأشتر النخعي صاحب الحماسية (٢٦): "كان من فرسان علي - رحمة الله عليه - وقتل يوم "صفين" فهو أيضًا وهم منه فالمعروف أن الاشتر لم يقتل يوم صفين، وإنما ولاه علي - ﵁ - بعد صفين مصر خلفًا لمحمد بن أبى بكر فمات وهو في طريقه إليها سنة ٣٧ هـ.
ومثله كذلك ما جاء عنه في قطعة عمرو بن مخلاة الحمار الكلبي التي هجا فيها قيسًا، فقد ذكر "وقيس كانت أنصار بني مروان وكانوا مع الضحاك أسلموه حتى قتل"، وهذا ليس بصحيح فقيس لم تكن من أنصار بني مروان وإنما كانت من أنصار ابن الزبير وحاربوا بني مروان في موقعة "مرج راهط"، وذلك بقيادة الضحاك بن قيس الفهري الذي قتل في هذه الوقعة.
وثالث مآخذنا عليه بعض الهفوات التي ندت في تقرير معاني الشعر وهي هفوات دللنا عليها في الهوامش التي صنعناها لهذا الكتاب، غير أنها كانت هفوات طفيفة لا تقاس بالمجهود الضخم الذي بذله في شرح النصوص واستنباط المعاني منها واستعراض آراء من سبقوه فيها، في عبارات يسودها الوضوح ويحكمها الإيجاز وتشملها السهولة واليسر.
مصادره وقيمتها:
هذا هو منهج الرجل في شرحه وقيمة عمله من خلال ما طبقناه من عناصر لهذا الشرح، ومن خلال ما أخذنا عليه من مآخذ. أما مصادره فقد سبق أن فصلنا الحديث فيها حين تعرضنا لتوثيق هذا الشرح. وناقشنا أوجه الخلاف بينه وبين شرح المرزوقي، ونحن هنا لا نريد أن نكرر الحديث فيها مرة أخرى ولكن فقد نريد أن نبرز قيمتها في شرح الحماسة، وهي قيمة تتجلى في جوانب عدة أولها: أن المصنف أفاد من أبي رياش، وأبو رياش - كما سق أن أوضحنا في الكتاب الأول من هذا البحث - كان أحد المصادر التي اعتمد عليها العلماء في رواية متن الحماسة، فهو
[ ٢ / ٦١ ]
والآمدي العالمان الوحيدان اللذان أخذا ديوان الحماسة عن أبي المطرف الأنطاكي الذي سمعه عن أبي تمام، ولا شك أن لهذا قيمته في رواية المتن الذي اعتمده المصنف.
وثانيها: أن جماعة من شراح الحماسة قد بدوا في شروحهم مولعين بعنصر من عناصر شرح الشعر وولوعهم هذا دفعهم إلى عناية خاصة بما هو مولعون به، فأبو رياش كان مولعًا بأخبار الشعراء ومناسبات الشعر فجاء هذا العنصر وافيًا في شرحه، وأبو عبد الله النمري وقف جل همه على معاني الشعر فجاء شرحه صورة مجسمة لهذا الهم، محققًا لعنصر المعاني غايته في الجلاء والبروز، وابن جنى كان مولعًا بالاشتقاق، وبالعويص المشكل من اللغة والنحو فجاء كتاباه المبهج والتنبيه موفيين لهذه المناحي متخصصين فيها.
فإذا علمنا أن المصنف قد أفاد من أعمال هؤلاء العلماء الثلاثة في شرحه فإن لهذا قيمة أخرى غير القيمة الأولى الخاصة برواية متن الحماسة، ذلك لأن الإفادة من عمل رجل علق هواه بعنصر معين حتى صار كالمتخصص فيه أفضل من الإفادة من عمل رجل لا تخصص لديه.
وثالثها: أننا رأينا من خلال موازنتنا بين مصادره ومصادر المرزوقي أن مصادره كانت مختلفة متنوعة، فهو بالنسبة لما سبقه من شروح قد أفاد من شروح شملت سائر أجيال العلماء الذين توالوا بعد بدء شروح الحماسة ابتداء من الديمرتي الذي أوضحنا في الكتاب الأول أنه أول شارح وصل إلنا خبر عنه أنه شرح الحماسة، وانتهاء بابن جنى الذي توفي في العقد الأخير من القرن الرابع، والأخذ من شروح العلماء في أجيال مختلفة له قيمته وبخاصة حين نعلم أن شرح الشعر ظل يتطور عبر الأجيال حتى وصل إلى أوج ازدهاره في القرن الرابع الهجري.
ورابعها: أن المصنف لم يكتف بالإفادة ممن شرحوا الحماسة فحسب بل تجاوز ذلك إلى علماء اللغة والنحو، وقد مثل هؤلاء أيضًا مراحل مختلفة في تطور علم العربية في فروعه المختلفة، فقد رأيناه يأخذ من الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥،
[ ٢ / ٦٢ ]
كما يأخذ من أبي علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، وتلميذه ابن جني المنوفي سنة ٣٩٢ هـ، وبين الخليل وأبي علي وتلميذه ابن جني أجيال عدة من العلماء ساهموا مساهمة فاعلة في تطور علم العربية وفروعه، وأضافوا إليه في كل حقبة من الحقب الجليل الخطير، ولا شك أن هذا له قيمته في شرح الشعر الذي يقوم أساسًا على شرح الألفاظ والتراكيب، وهما عنصران لا غنى عن اللغة والنحو فيهما.
-٤ -