(١)
وقال عتيبة بن بحتر الحارثي، إسلامي وعتيبة يمكن أن يكون تصغير عتبة مرتجل من العتب، أو من عتبة الباب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح بات الصدى يستتيهه إلى كل صوت فهو في الرحل جانح
المستنبح: الرجل الذي يضل الطريق فينبح نباح الكلاب لتسمع صوته فتجيبه فيقصد قصدها ليضيف أهلها، ويتتيهه يتوهه، وتاه تحير، وإنما يتوهه الصدى لأنه إذا سمع صداه ظنه صوت رجل فتبعه، فهو في الرحل جانح أي حائل
[ ٣ / ٢٤١ ]
إصاخة إلى الصوت وتوقعًا له.
فقلت لأهلي ما بغام مطية وسار أضافته الكلاب النوابح
البغام: صوت ضعيف، ومعنى ما بغام مطية أن العرب إذا أرادت الضيافة وقد قربت من البيوت تنحنح الرجل منهم أو حمل ناقته على الرغاء والبغام ليؤذن الحي بنفسه.
فقالوا غريب طارق طوحت به متون الفيافي والخطوب الطوارح
ويروي "طرحت" بالراء، والخطوب الطوارح يعني أمورًا تزعج الناس عن أوطانهم ويروي "الخطوب الطوائح".
فقمت ولم أجثم مكاني ولم تقم مع النفس علات البخيل الفواضح
يعني لم أقم إليه ومن رأيي أن أعتذر إليه بما يفضحني، ولكن قمت وأنا عازم على قراه.
وناديت شبلًا فاستجاب وربما ضمنًا قرى عشر لمن لا نصافح
شبلًا يعني ابنه، ويروي "كلفنا" وهو أجود، وقرى عشر أي عشر ليال، لمن لا نصافح يعني لمن لا نعرفه فنصافحه، أراد به نضيف الغرباء.
فقام أبو ضيف كريم كأنه وقد جد من فرط الفكاهة مازح
أبو ضيف يعني ابنه جعله شبلا لشهامته، وأبا ضيف لقيامه بخدمة الضيف، والفكاهة الطيب وبه سميت الفكاهة، وليس هو شر المزاح، لأنه لو كان مزاحًا لما شبهه به بقوله كأنه مازح في طلاقته وسروره بالضيف لما لقيه.
إلى جذم مال قد نهكنا سوامه وأعراضنا فيه بواق صحائح
[ ٣ / ٢٤٢ ]
الجذم الأصل، ونهكنا سوامه أثرنا يه، وقوله: وأعرضنا الخ أي لم يعبنا أحد ولم ينتقصنا.
جعلناه دون الذم حتى كأنه إذا عُد مال المُكثرين المنائح
المنائح: جمع منيحة وهي ناقة أو شاة أو بقرة يمنحها الرجل آخر فينفع بلبنها، ثم يردها على صاحبها، وهي الممنوحة يقول: ما لنا قليل وكأنه مال كثير يمنح منه ويعطي ويوهب، والوجه الأول أصح.
لنا حمد أرباب المئين ولا يرى إلى بيتنا مال مع الليل رائح
المئين: جمع المائة، يعني أن مالهم قليل فليس يرى رائحًا إلى بيوتهم غير أنهم يبتغون الحمد به كما يتبغى من له من الإبل مئون كثيرة.
(٢)
وقال مرة بن محكان التميمي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، ومرة تأنيت مر، ومحكان فعلان من المحك وهو اللجاج:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رحال القوم والقربا
ربة البيت: امرأته، غير صاغرة: غير ذليلة من الصغار، وضمي إليك
[ ٣ / ٢٤٣ ]
رحال القوم أي انزلي الرحل من الرواحل، والقرب جمع قراب وهو السيف والقوس.
في ليلة من جمادي ذات أندية لا يُبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
إنما خص جمادي لأنه شهر برد، وسمي جمادي من جمود الماء فيه، وقوله لا يبصر الكلب، خص الكلب لأنه أبصر الحيوان بالليل، وقيل: أنه يعرف الفارس المدجج الذي لا يتبين منه إلا عيناه، ولعل ابنه ينكره إنكار أهله لتقنعه بالحديد، يصف شدة الظلمة.
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبا
لا ينبح الكلب فيها من البرد غير نبحة واحدة حتى يرد ذنبه على أنفه لأنه لا يشتد البرد على السباع إلا على أنفها. المعنى: يصف شدة البرد والظلمة في تلك الليلة.
ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا في جانب البيت أم نبني لهم قببا
ويروي وسائليهم أندني من رحالهم إلى ذرا البيت" أي سليهم ألهم حاجة في مقام أيام وليال حتى نبني لهم قبابًا يقيمون فيها أم مجتازون حتى ندخلهم مضارب رحالنا ونبيتهم فيها.
لمرمل الزاد معني بحاجته من كان يكره ذمًا أو يقي حسبا
يقول: يعني بحاجة الضيف المرمل الزاد كل من يكره ذمًا أو يقي حسبًا، وخص المرمل لأنه أولع بالحمد والذم من المستغني، ومرمل الزاد مقله.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
فقمت مستبطنًا سيفي وأعرض لي مثل المجادل كوم بركت عصبا
مستبطنًا سيفي أي ساترًا سيفي كي لا تراه الإبل فتنفر، المجادل القصور، بركت من البروك [والكوم: الإبل العظام الأسنمة] وعصبًا جماعات.
فصادف السيف منها ساق متلية جلس فصادف منها ساقها عطبا
متلية: معها ولدها يتلوها، والجلس: العظيمة المشرفة أي أصاب السيف من الإبل ساق ناقة عظيمة ذات ولد يتلوها فحز ساقها.
زيافة بنت زياف مذكرة لما نعوها لراعي سرحنا انتحبا
زيافة: متبخترة ذات نشاط، والانتحاب شبه البكاء، يقول: لما أخبر راعينا بأنها عقرت بكى وانتحب لأن لبنها كان يكفي إذا قلت ألبنا الإبل، ولأنها كانت زين إبلنا، والسرح القطيع كأنه جمع سارح أي تسرح إلى المرعى.
أمطيت جازرنا أعلى سناسنها فصار جازرنا من فوقها قتبا
السناسن: ما انتصب من عظام أعلى الصلب مما قدام السنام إلى مفرز العنق والصلب. يقول: لم يكن الجازر من عظمها أن يبلغ سنامها فيكشط الجلد حتى صعد عليها فصار كأنه قتب لها.
ينشنش اللحم عنها وهي باركة كما تنشنش كفا قاتل سلبا
ينشنش يقطع مستعجلا ليعجل اللحم للأضياف قبل فراغة من سلخها مخافة أن يكون جياعًا، وشبه ذلك بسرعة سلب القاتل سلب المقتول مخافة أن يبادره العدو فيهجمه، وقال أبو رياش النشنشة معاسرة الشيء حتى يأخذه، ويروي"فاتل سلبا" وقيل: شبه نشنشته بنشنشة فاتل الحبل من السلب وهو شجر
[ ٣ / ٢٤٥ ]
يدق ويتخذ من الحبل الأبيض المضفور الذي يشبه الليف، وبالمدينة سوق يقال لها سوق السلاب يباع يها ذلك، والأول أحسن.
وقلت لما غدوا أوصى فعيدتنا غدي بنيك فلن تلقيهم حقبا
قعيدته: امرأته وهي ربة البيت، ولما غدوا يعني الأضياف خرجوا غدوة، غدي بنيك أي أطعميهم الغداء، وأراد بالبنبن الأضياف، وحقبًا أي سنين.
أدعى أباهم ولم أقرف بأمهم وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا
أنا ابن محكان أخوالي بنو مطر أنمي إليهم وكانوا سادة نجبا
بنو مطر من سيبان رهط معن بن زائدة. المعنى: يصف كرمه وقيامه بأمر الضيف الطارقين إياه، وحسن الوصاة في شأنهم، ونحره خير نوقه سمنًا وسنامًا وعظمًا وتعجيل القرى لهم وأنه للضيف بمنزلة الوالد، وقد شهر بذلك حتى أنه يدعى أبا الأضيفا من غير تهمة بأمهم أو معرفته بنسبهم، ثم اعتزى إلى أخواله ووصفهم بالسيادة والكرام.
(٣)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ومستنبح قال الصدى مثل قوله حضأت له نارًا لها حطب جزل
وقمت إليه مُسرعًا فغنمته مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
حضأت له نارًا أوقدتها حضأ، والمحضأ ما تحر به النار. المعنى: يصف هداية الضال إليه بايقاد النار وتعجيل قراه مخافة أن يسبقه إلى ضيافته واحد من قومه
[ ٣ / ٢٤٦ ]
لأنهم كرام، ويروي "قبلي" على الاقواء، وقيل: مبنيا على الضم للغاية
فأوسعني حمدًا وأوسعته قرى وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
أوسعني أي أولاني حمدًا واسعًا فأوليته قرى وسعًا، المعنى يسترخص الحمد بالطعام.
(٤)
وقال آخر
الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
تركت ضأني تود الذئب راعيها وأنها لا تراني أخر الأبد
أي تتمنى أن يكون الذئب راعيًا لها بدلي. المعنى: يصف كثرة ذبحه الضأن للأضياف حتى تمنت أن يرعاها الذئب مكانه.
الذئب يطرقها في الدهر واحدة وكل يوم تراني مدية بيدي
المعنى يقول: تتمنى الضأن أن تلقى الذئب مكاني لأن الذئب يفترس منها في الدهر مرة واحدة، وهو يذبح كل يوم منها، فهو شر لها من الذئب.
(٥)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وما أنا بالساعي إلى أم عاصم لأضربها إني إذًا لجهول
لك البيت إلا فينة تعرفينها إذا حان من ضيف علي نزول
[ ٣ / ٢٤٧ ]
إلا فينة أي ساعة، ويروي "تحسبينها" أي تجعلينها حسابًا ويروي "تحسنينها" أي تحسنين فيها. المعنى: إذا نزل الضيف لا أقوم لأهلي أضربها، هذا فعل الجهال، ولكني أتلطف وأقول لها: البيت لك إلا ساعة نزول الضيف فأحرى أن تؤثر البيت وأنا أجازيك عنها.
(٦)
وقال بعض بين أسد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدراك)
وسوداء لا تُكسي الرقاع نبيلة لها عند قرات العشيات أزمل
وسوداء يعني قدرًا، لا تكسي الرقاع لا تحمل في مخلاة لعظمها، ويقال لا تستر من الضيفان، والأزمل الصوت، ويعني هاهنا صوت غليانها، وقرات جميع قرة وهي البرد، والنبيل النافع الخالي من العيوب، ويقال: النبيلة هنا العظيمة.
إذا ما قريناها قرانا تضمنت قرى من عرانا أو تزيد فتفضل
إذا ما قريناها: جعل ما يلقى فيها من اللحم قرى لها، وعرانا عشينا، عراه واعتراه بمعنى. يقول: إذا ألقينا فيها من اللحم ما يليق بها تضمنت لنا قرى من عرانا أو تزيد فتفضل. المعنى: يصف عظم القدر وأنه يطبخ فيها للضيفان كل عشية باردة.
(٧)
وقال آخر هو العجير السلولي، ويقال لحاتم الطائي
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ٢٤٨ ]
سلي الطارق المعتر يا أم مالك إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
أيسفر وجهي أنه أول القرى وأبذل معروفي له دون منكري
يقال: أول القرى بشر الوجه، ويروي «أأسفر وجهي» ويروي «أأبشر وجهي»، وهذه كلها متقاربة، وقيل: المعروف هنا السؤال عن أسمة وبلدة ومقصده، وهذا مذموم عند العرب. المعني: يصف شهرته بآداب الضيافة من بشر الوجه وإظهار الجميل، واجتناب المكروه.
(٨)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وإنا لشاؤون بين رحالنا إلي الضيف منا لاحف ومنيم
لاحف أي يلبسه اللحاف، ومنيم يحدثه حتى ينام أو يهيئ له النوم أي يبعد ما ينفر عنه النوم أو يقول له: نم.
فذو الحلم منا جاهل دون ضيفة وذو الجهل منا عن أذاه حليم
ذو الجهل أي ذو الجهل حليم عن أذي الضيف وإن جهل الضيف علية، ويروي «دون جاره» المعني: نحن نكرم ونحسن خدمته ونحتمل أذاه ولا نحتمل من يؤذيه.
(٩)
وقال أبن هرمة:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ٢٤٩ ]
أغشى الطريق بقبتي ورواقها وأحل في نشز الربي فأقيم
أي أضرب قبتي علي الطريق، يقول: أنزل في الطريق وفي أعلي المواضع لئلا يخفي علي القاصدين مكاني.
إن أمرا جعل الطريق لبيته طنبا وأنكر حقه للئيم
المعني: دل علي أنه إذا فعل ما ذكره في البيت الأول عرف حق من يقصده فقال: إن امرأ جعل الطريق لبيته طنبا يعني بمنزلة الطنب وأنكر حق الطريق للئيم قد جمع المخازي. المعني: يصف شهرته بالكرم ومعرفته بحقوقه.
(١٠)
وقال:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح تستكشط الريح ثوبه ليسقط عنة وهو بالثوب معصم
تستكشط أي تكشف، وهو بالثوب معصم أي مستمسك به لئلا تكشطه عنه الريح من شدة البرد.
عوي في سواد الليل بعد إغتسافة لينبح كلب أو ليفزع نوم
بعد إعتسافة: بعد سلوكه علي غير قصد لأنة كان قد ضل الطريق.
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى له عند إتيان المهبين مطعم
فجاوبه مستسمع الصوت يعني الكلب، وقيل: إن المستسمع الذي يمر أذنيه ليسمع ولا أحق هذا عن العرب، ويحتمل أن يكون الذي يرفع صوته كأنة يطلب برفع صوته أن يسمع، بعد إتيان أن يأكل بعد إتيان الضيف، والمهبون الموقظون، ويروي «المهيبين» من أهاب إذا دعا. يقول: الكلب أكل بعد ورود
[ ٣ / ٢٥٠ ]
الضيفان لأنه ينحر له فيفضل ما يأكله ويطعم الكلب، ويأكل أيضا من حشو الجزور ما يلقي.
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا يكلمه من حبة وهو أعجم
يكلمه أي يكلم الكلب الضيف، من حبة له وهو أعجم لا يفصح لأنة قد تعود أن ينحر كلما أتي ضيف، وهذا أبلغ ما قيل في إكرام الضيف. المعني: يصف محبته للضيف ونحره لهم كلما وافوا حتى يكاد كلبه أن يرحب بالضيف محبة له لعلمه بأن صاحبة ينحر له، وينال هو من فضلة.
(١١)
وقال سالم بن قحفان، وذكروا أن صهره أخا امرأته أتاه فأعطاه بعيرا فقال لامرأته هاتي حبلا يقرن به ما أعطاه بعيرا آخر وقال لها: هاتي حبلا ثم أعطاه حبلا آخر ثالثا وقال لها: هاتي حبلا فقالت: ما بقي عندي حبل فقال: علي الجمال وعليك الحبال، فرمت إلية خمارها وقالت: صيره حبلا لبعضها فأنشأ يقول:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولا تعذليني في العطاء ويسري لكل بعير جاء طالبة حبلا
ويروي «لا تحرقيني بالملامة واجعلي» المعني: يستكف امرأته عن لومه ويأمرها بإعداد الحبال لما يبذله من إبله.
[ ٣ / ٢٥١ ]
فإني لا تبكي علي إفالها إذا شبعت من روض أوطانها بقلا
فلم أر مثل الإبل مالا لمتقن ولا مثل أيام العطاء لها سبلا
قولة: فإني لا تبكي علي إفالها وهي صغار الإبل واحدها أفيل، وفي معناها قولان: الأول أن الإبل بهائم لا تهتم إذا مت بل ترتع وتشبع فموتي عنها إذا أنحرها وموت من لم ينجزها سواء. والآخرين إبلي لا تبكي بعد موتي بل تفرح بموتي لأني أنحرها فإذا مت لعلة يأخذها من لا ينحرها فلا يغمها موتي لاني جواد، ونصب بقلا لأن معني «إذا شبعت» إذا رعت، والعرب تقول: شبعت خبزا ولحما يعنون من خبز ولحم. المعني: يعرفها أن الإبل لا تفكر في موت صاحبها لأنها بهيمة، فلا يجب لصاحبها أن سفق عليها، ثم فضلها- يعني الإبل- علي سائر الأموال للقنية ولقضاء الحقوق.
(١٢)
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ألا ترين وقد قطعتني عذلا ماذا من البعد بين البخل والجود
إلا يكن ورقي غضا أراح به للمعتفين فإني لين العود
ويروي «إلا يكن ورق غض» أراد به يعني أجود به، يقال: هو يراح للمعروف أي يهتز له. المعني: يخاطب امرأة يقول: قد أوجعتني بملامتك ألا تعلمين بعد ما بين البخل والجود، فلم تلومينني علي الجواد والجواد محمود؟ ! ولم تلومينني علي البخل والبخل مذموم؟ ثم قال: إن لم يكن مالي كثيرا أجود به فإني حسن اللقاء ظاهر البشر معًا.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
(١٣)
وقال قيس بن عاصم المنقري:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
إني امرؤ لا يعتري خلقي دنس بفندة ولا أفن
من منقي في بيت مكرمة والفرع ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم بيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحفظ جواره فطن
ويروي «يهجنه» أي يعيبة، والأفن: قلة العقل، ومنقر قبيلة، ومصاقع: في صوتهم جهارة الواحد مصقع ومسقع. المعني: حدث الهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال الأحنف: ما تعلمت الحلم إلا تعلما من قيس بن عاصم المنقري: بينا نحن عنده ذات يوم أتاه آت فقال: يا أبا علي إن فلانا أبن عمك قتل أبنك فلانا فقال: رحم الله فلانا وبئس ما صنع فلان، ثم أقبل علينا بالحديث وما حل حبوته ولا قطع حديثة، ثم لم يلبث أن أتي بابنة مقتولا مع أبن عمة مكتوفا فقال: يمين قطعتها شمال، وما درك اليمين في قطع الشمال، ادفنوا
[ ٣ / ٢٥٣ ]
أخاكم ودعوا أبن عمكم واحملوا ديته إلي أم قتيلكم فإنها غريبة فينا، ثم أنشأ يقول: إني امرؤ .. الأبيات. يقول: إني كريم الخلق لا آتي ما يعيب خلقي ويضعفه، ووصف قومه بالفصاحة والبيان، والتغافل عن عيب الجار والحفظ في مجاورته.
(١٤)
وقال أبن عنقاء الفزاري، وعنقاء طائر ليس له مسمي إلا هما:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
رآني علي ما بي عملية فأشتكي إلي ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لن أقم علي حين لا باد يرجى ولا حضر
قولة فأشتكي إلي ماله: مجاز جعل رجوعه إلي ماله في إصلاح أمرة شكاية منه إلية، وقولة: أسر كما جهر أي لا ينافق يعني أنه أسر الاهتمام بأمري كما أظهره وآساني: جعلني أسوة بأن أعطاني من ماله.
فقلت له خيرا وأثنيت فعله وأوفاك ما أسديت من ذم أو شكر
غلام رماه الله بالخير مقبلا له سيمياء لا تشق على البصر
ويروي «في الخير مقبلا» ويروي «يافعا» وقولة: له سيمياء يعني الحسن والبهجة، ولا يشق له البصر يعني لا يكره النظر إلية، ويروي «له سيمياء لا يشق لها البصر» أي لا يمكن النظر إليها لفرط شعاعها كالشمس، فالعين لا تفتح لتنظر إليها، يعشي نور البصر ويغلبه.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
كأن الثريا علقت في جبينه وفي أنفه الشعري وفي خده القمر
ولما رأي المجد استعيرت ثيابه تردي رداء واسع الذيل وائتزر
كريم ثنته للمكارم هزة فجاء ولا بخل لديه ولا حصر
إذا قيلت العوراء أغضي كأنة ذليل بلا ولو شاء لانتصر
المعني: خبرت أن الربيع بن عميلة مر بابن عنقاء الفزاري ثم المازني وهو يحتفر البقل ويأكله فقال: ما ألجأك إلي هذا؟ قال: إعفاء قومي وصون وجهي، وكان عملية سكران يميل علي فرسه فقال له: إن لك علي أن أقاسمك مالي، فلما أصبح قالت أبنته: لو أتيت عملية فقد وعدك أن يقاسمك ماله قال: يا بنية إن الفتي كان سكران، ولا أدري لعلة لم يعقل ما قال، فبينا هي تراجعه الكلام إذ أقبل عليهم كالليل من إبل وغنم فقال: يا بنية هذا والله عملية، فأتاه فقاسمة ماله بقرة بقرة وشاة شاة فقال أبن عنقاء: رآني علي ما بي الأبيات، يشكر لعملية اهتمامه بأمره ومؤاساته في وقت لو بخل كان معذورا لشدة الزمان، ثم وصفة بحسن الوجه وتلألؤ شعاعه ومدحه شبوغ المجد والاهتزاز للمكارم، ونفي عنه البخل والحصر ووصفة بالإعراض عن فحش الكلام.
(١٥)
وقال محمد بن سعيد الكاتب، إسلامي:
[ ٣ / ٢٥٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سأشكر عمرا ما تراخنت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت
المعني يقول: إن بقيت شكرت عمرا نعمه علي التي لم يتبعها بمن.
فتي غير محجوب الغني عن صديقة ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
المعني: يمدحه ببذل المال في حال السعة وتجمله في حال الضيق.
رأي خلت من حيث يخفي مكانها فكانت قذى عينية حتى تجلت
فكانت قذى عينية أي لم يصبر عليها كما لا يصبر الرجل علي قذى في عينة حتى يخرجها، وقولة: حتى تجلت تعجل الرجل إخراج القذى من عينة إذا حصل فيها.
(١٦)
وقال، وهو فدكي البهراني جاهلي:
[ ٣ / ٢٥٦ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إن أجز علقمة بن سيف سعيه لاأجزه ببلاء يوم واحد
لأحبني حب الصبي ورمني رم الهدي إلي الغني الواجد
ولقد نضخت مليلتي فتميثت عن آل عتاب بماء بارد
ببلاء أي نعمة، ورمني أصلح حالي، والهدي امرأة تزف والمليلة الحرارة، يقول: أصلحت ما بيني وبين آل عتاب، تميثت بردت وذابت. المعني: يشكر كثرة نعم علقمة علية وعجزة عن شكره عنها، وذكر فرط منته له، ونهاية تفقده إياه، ووصف إصلاح قلبه وإزالة ما كان فيه علي آل عتاب.
(١٧)
وقال أبو زياد الأعرابي الكلابي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
له نار تشب بكل واد إذا النيران ألبست القناعا
[ ٣ / ٢٥٧ ]
ويروى «بكل ربع» وفسروا القناع طوقا أي مفترات النيران مخافة أن يراها الضيف فيقصدها فيضيف صاحبها، ويروي «إذا الظلماء حللت القناعا» المعني: يصفه بالسخاء واستدعاء الناس إلي ضيافته بضوء النار.
ولم يك أكثر الفتيان مالا ولكن كان أكثرهم ذراعا
ويروي «أكثر الشبان» ويروي «ولم يك أكثرهم سواما» يعني المال الراعي. المعني: لم يكن أغني الفتيان ولكن أسخاهم.
(١٨)
قال العرندس، أحد بني أبي بكر بن كلاب يكدح بني عمرو الغنوي وكان أبو عبيدة إذا أنشدها يقول: هذا والله محال، كلابي يمدح غنويا، والعرندس البعير الشديد:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
هينون لينون أيسار ذوو كرم سواس مكرمة أبناء أيسار
هين هين، والجمع هينون، ولين مثله. وأيسار جمع ياسر وهو اللاعب بالميسر، وسواس مكرمة أي يرضون المكارم. المعني: كرام بنو كرام.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا في المحل يدرك منهم طيب أخبار
وإن توددتهم لأنوا وإن شهموا كشفت أذمار شر غير أشرار
خبروا امتحنوا، توددتهم: طلبت مودتهم، ويروي «غير أغمار» والاذمار جمع ذمر وهو الشجاع الفاتك. المعني: يمدحهم بإعطاء السائل وطيب المخبر، وباللين لمن يواليهم والشدة علي من يعاديهم.
فيهم ومنهم يعد المجد متلدا ولا يعد نثا خزي ولا عار
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار
متلدا أي مقيما قديما. المعني: يصفهم بتقدم الخير وانتفاء العار عنهم، وسلامة منطقهم من الفحش، وبالاقتصاد في المراد.
من تلق منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
المعني: يذكر أن كل واحد منهم يصلح للسيادة لكمال نبلة وعظم قدرة وإن انتفاع الناس بهم كانتفاعهم بالنجوم في السري ليلا.
(١٩)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره وما فوق شكري للشكور مزيد
المعني: بالغ في وصف نعمته بالعظم، وذكر أنة مع إيفائه علي الشاكرين عاجز عن شكر بره وجعل رهنا وهنا بالعجز عن ذلك.
ولو كان شيئا يستطاع استطعته ولكن مالا يستطاع شديد
المعني: أكد في هذا البيت ما قدم ذكره في الأول أشار إلي أن شكره ليس مما يستطاع
[ ٣ / ٢٥٩ ]
(٢٠)
وقال حسين بن مطير الأسدي، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من متدارك)
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفة الندي ويمطر يوم البؤس من كفة الدم
المعني: يذكر أن أيام عمرة مقسومة شطرين يشتغل في أحدهما ببذل العطاء وفي الآخر بقتل الأعداء.
فلو أن يوم الجود خلي يمينه علي الناس لم يصبح علي الأرض معدم
ولو أن يوم الخوف خلي عقابه علي الناس لم يصبح علي الأرض مجرم
المعني: يقول لو بالغ العطاء بإرسال يده فيه لأغني العالم، ولو بالغ في وقت الغضب في إرسال يده في وقت العقاب لأفني المجرمين.
(٢١)
وقال أبو الطحمان القيني، جاهلي، والطمحان فعلان من طمح إذا أرتفع، وطمح بأنفه إذا تكبر، والطمحان أسمة شرقي بن بسطام:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ٢٦٠ ]
إذا قيل أي الناس خير قبيلة وأصبر يوما لا تواري كواكبه
يروي تواري وتواري، وقد تسر علي وجهين أحدهما يريد به كثرة الغبار، أي لا تبين الشمس لسطوع الغبار، وإذا لم تكن الشمس ظهرت الكواكب، والآخر يريد الشدة أي أظلمت الدنيا في أعين الناس لفظاعة الأمر، ورئيت الكواكب، وهذا أصح والأول مدخول لأنة إذا لم تر الشمس فالنجم أولي.
فإن بني لأم بن عمرو أرومة سمت فوق صعب لا تنال مراقبة
فوق صعب أي جبل صعب، ومراقبة أعالية، المعني: يفضلهم علي جميع الناس، ويصفهم بالثبات في الحروب الشديدة وبالعزة المنيعة.
أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبة
المعني: يصفهم بحسن الوجوه وكرم الأحساب.
(٢٢)
وقال آخر عروة زيد الخيل، إسلامي:
«الأول من البسيط والقافية من المتراكب»
[ ٣ / ٢٦١ ]
يا أيها المتمني أن يكون فتي مثل أبن ليلي لقد خلي لك السبلا
المعني: ليس هذان البيتان من الضيافة في شيء وهما أبلغ المدح يقول: يا من يتمني أن يكون مثل عروة قد خلي الطريق فكن مثله إذا قدرت علي ذلك.
اعدد نظائر أخلاق عددن له هل سب من أحد أو سب أو بخلا
ويروي «اعدد ثلاث خصال قد عددن له»، يقول: ما سب أحدا لكرمه وما سبة أحد لعزته، وما بخل بجود.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لم أر معشرا كبني صريم تلفهم التهائم والنجود
أجل جلالة وأعز فقدا وأقضي للحقوق وهم قعود
وأكثر ناشئا مخراق حرب يعين علي السيادة أو يسود
تلفهم: تجمعهم، والتهائم جمع تهامة، والنجود جمع نجد، مخراق حرب: صاحب حرب، الناشئ: المقتبل الشباب. المعني: يصفهم بالجلالة التامة، وقضاء الحقوق للخاصة والعامة، وبالشجاعة وإحكام أمر السيادة.
(٢٤)
وقال شقران مولي سلامان من قضاعة: حكي أن أباه أنشده إياها عنة، وشقران يحتمل أن يكون جمع أشقر كما قيل: سودان وحمران.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لو كنت مولي قيس عيلان لم تجد علي لانسان من الناس درهما
ولكنني مولي قضاعة كلها فلست أبالي أن أدين وتغرما
أدين آخذ الدين. المعني: يهجو قيس عيلان بقلة التعاون ويمدح قومه قضاعة بحسن المعونة والتحمل عنة. يقول: لو كنت أبن عم قيس لم أستدن درهما من الناس لعلمي أنهم لا يقضون، ولكني أبن عم قضاعة أستدين ولا أبالي لأنهم يقضون عني.
أولئك قومي بارك الله فيهم علي كل حال ما أعف وأكرما
ثقال الجفان والحلوم رحاهم رخي الماء يكتالون كيلا غذمذما
ثقال الحلوم يريد الوقار، أي لا طيش فيهم، رحاهم رحى الماء لأنها أكثر طحنا من رحى اليد، والغذمذم الكثير الجزاف. المعني: دعا لهم بالبركة ووصفهم بالكرم والعفة.
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ولا يأكلون اللحم إلا تخذما
جفاة جمع جاف، والمحز موضع الحز هنا، وهو الفصل، أي لا يتأنفون في فصل اللحم فعل الجزار، ولكنهم يفصلون اللحم بجفاء كما يتفق، ولا يأكلون اللحم إلا تخذما، فسره بعضهم أنة بنهش بعض اللحم من بعض، ويختذم ذا من ذا لكثرة اللحم، وليس هذا بشيء لأنة فعل الكلاب، ولكن الأختذام هنا طيب النفس، يقال رجل خذم وهو الطيب النفس، وقوم خذمون أي طيبو النفس سمحون، وأراد يؤاكلون جماعتهم من الضيفان والأصحاب، ويكون الخذم السمح. المعني: يصفهم بسعة الحال في الطعام.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
(٢٥)
وقال أبو دهبل الجمحي، يمدح النبي ﷺ:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
إن البيوت معادن فنجارة ذهب وكل بيوته ضخم
البيوت: أراد بها الأصول والقبائل، وذهب يعني خالص نفيس كالذهب لاعب فيه، وكل بيوته ضخم يعني القبائل التي اكتنفته من أخواله وأعمامه مثل هاشم وأمية ومخزوم.
عقم النساء فما يلدن شبيهة إن النساء بمثله عقم
المعني: يمدح النبي ﷺ بشرف الأصل وعدم المثل.
متهال بنعم بلا متباعد سيان منة الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخالة ضمن وليس بجسمه سقم
جعل نعم ولا أسمين فأدخل الباء عليهما أي لا يستعمل لا في جواب سائلة، ضمنا أي زمنا، والضمانة الزمانة. يصف ﷺ- بفرط السماح واستواء حالتي الفقر والغني عنده في ترك العطل والتذلل، ويمدح بقلة الكلام في غير حاله.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
(٢٦)
وقالت ليلى الأخيلية:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
يا أيها السدم الملوي رأسه ليقود من أهل الحجاز بريما
السدم: الحزين المغتاظ، ومنة قولهم: خادم سادم، والملوي رأسه يتلفت من الغيظ وبريما أوباشا مختلطين، وأصل البريم الخيط من لونين، وعنت الجيش لسواده وبياضه
أتريد عمرو بن الخليع ودونه كعب إذن لوجدته مرءوما
يروي: «أتريد» و«أتروم» تعني كعب بن ربيعة بن عامر لو طلبته لوجدت قومه.
منعطفين علية يمنعون والرئمان بنو ذات الولد علي ولدها.
إن الخليع ورهطه من عامر كالقلب ألبس جؤجؤا وحزيما
من عامر تعني عامر بن صعصعة، والحزيم موضع الحزام، تقول: موضع الخليع من قومه موضع القلب من بدنه أي هو واسط عامر. المعني: تسفه من تخاطبه وتنسبه ألي الحيرة في قصد عمرو بن الخليع، وتبين أنة عزيز في قومه بمنزلة القلب من البدن لا سبيل إلية.
لا تغزون الدهر آل مطرف لا ظالما أبدا ولا مظلوما
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم وأسنة زرق يخلن نجوما
المعني: تصفهم بالشجاعة، وأخذ الأهبة للحرب أي لا تغزونهم ظالما أي طالبا
[ ٣ / ٢٦٥ ]
لغنيمة تغنمها من جهتهم فإنك لا تقدر علي ظلمهم، وانتهاز الفرصة فيهم، ولا تغزونهم مظلوما أي إن ظلموك فلا تطمع في الانتصاف منهم فإنك لا تدرك منهم ثأرك بل تضام ثانيا، ثم وصفت أن خيلهم مقربة وأسنتهم لامعة.
ومخرق عنة القميص تخالة وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء علي الخميس زعيما
أي لا يبالي كيف ثيابه، لأنة لا يزين نفسه إنما يزين حسبة ويصون كرمة، وقيل إنه متصل الغزوات كثير الأسفار، فقميصه متخرق لذلك، والأول الوجه، وتقول: يمتقع لونه من شدة الحياء أي لا يكون بلغ من إكرام القول ما في نفسه، ويروي «حتى إذا برز اللواء» المعني: تصفه بالابتذال في الحي وفرط الحياء، والسادة وقت الحرب.
(٢٧)
وقالت أيضا، ويقال: قالها أبوها؛:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
نحن الأخايل لا يزال غلامنا حتى يدب علي العصا مذكورا
تقول لا يزال غلامنا مذكورا بالشرف حتى يهرم، لا يفارق ما يذكره علي سبيل المدح. المعني: لسنا ممن يفعل المكرمة، ثم لا يعاود هابل يستمر علي المكارم.
تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا جزعا وتعلمنا الرقاق بحورا
قولها تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا: تريد نحن نروي السيوف من دماء أعدائنا، وغيرنا لا يفعل ذلك، فإذا فارقت السيوف أكفنا بالعطش، وتعلمنا الرفاق بحورا لأنا نوسع عليهم خيرا وننحر لهم إبلنا، ولا نمنعهم مالنا كالبحر لا يمنع واردًا يقصده.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
ولنحن أوثق في صدور نسائكم منكم إذا بكر الصراخ بكورا
الصراخ: الاستغاثة، وأصلة الصوت. يقول: نحن نحمي نسائكم وثقتهن بنا أكثر من ثقتهن بكم، وإنما خصت الصراخ بالبكور لأن الغارة تقع صباحا، وذلك عادة العرب، المعني: تتمدح بعموم الشرف والشجاعة فيهم.
(٢٨)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
يشبهون سيوفا في صرامتهم طوال أنضية الأعناق واللمم
الصرائم جمع صريمة وهي المضي في العزم، وأنضية الأعناق واحدها نضي وهو ما بين الرأس إلي الكاهل. المعني: مدحهم وذكر أنهم يشبهون سيفا ووصفهم بطول العنق لأنة يدل علي الذكاء، ويقال: «لم تقصر فكاد يكون صاحبها ذكيا».
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم راحوا تخالهم مرضي من الكرم
المعني: يصفهم باستعمال الطيب، وجعله يجري في مفارقهم كثرة، ومعني تخالهم مرضي من الكرم أي لا يبطرون في النعمة، ولا يختالون في الرفاهية.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
(٢٩)
وقال بعض طييء يرثي الربيع وعمارة أبني زياد العبسيين، وكانت بينهم مودة:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فإن تكن الحوادث حرقتني فلم أر هالكا كابني زياد
ويروي «حرقتني» أي أصابتني وأخذت مني، ومنة رجل محرف حرفة الدهر، اجتاح ماله فأفتقرة، ومن روي جرفتني فقد غير إلا أن معناه قريب كأنة قال أجرفتني.
هما رمحان خطيان كانا من السمر المثقفة الصعاد
تهال الأرض أن يطأا عليها بمثلها تسالم أو تعادي
أراد بقولة: تهال الأرض هيبتها وقولة: بمثلها تسالم أو تعادي، يريد إن سالم بهما أمنت، فإن عاديت فاستنصرتهما نصراك فقهرت عدوك. المعني: يرثي أبني زياد، ويصفهما بشدة الهيبة ويشبههما برمحين في استواء القامة والثبات في النجدة.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
(٣٠)
وقال آخر وهو أبو الشيص:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
كريم يغض الطرف فضل حيائه ويدنون وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لم ينته لأن متنه وحداة إن خاشنتة خشنان
المعني: يصفه بفضل الحياء والشجاعة.
(٣١)
وقال العجير السلولي، كان في زمن الحجاج:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن أبن عمي لأبن زيد وإنه لبلال أيدي جلة الشوال بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وسابق إلي غاية من يبتدرها يقدم
الجلة: المسان من الإبل جمع جليل، والشول الإبل، وبلالها بالدم أن يعرقبها إذا أراد نحرها، طلوع الثنايا هذا مثل، أي يسمو إلي المكارم لأنة بعيد الهمة. المعني: يصف أبن عمة بنحر الإبل وبعد الهمة.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
من النفر المدلين في كل حجة بمستحصد من جولة الرأي محكم
جديرون ألا يذكروك بريبة ولا يغرموك الدهر ما لم تغرم
المستحصد: المستحكم أحصدته فاستحصد، لا يغرموك أي لا يلزموك أرش جنايتك إلا أن تأبي وتكره أن يتحملها غيرك، ويروي «ولا يعرموك» بالعين و«مالم تعرم» ويفسر لا يجنون عليك ما لم تجنه. المعني: يمدحهم بالجود وجودة الرأي وفضل الحجة، والذكر الجميل لما غاب عنهم، وترك العرام عليهم.
(٣٢)
وقال أيضا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقول لعبد الله وهنا ودوننا مناخ المطايا من مني فالمحصب
لك الخير عللنا بها عل ساعة تمر وسهوان من الليل يذهب
وهنا وموهنا أي بقدر قطعة من الليل، والمحصب حيث يرمي حصى الجمار، وهي جمار العقبة، وعللنا بها أي بالمرأة أي غننا بذكرها وحديثها، ويروي «سهواء من الليل» أي قدر من الليل.
فقام فأدني من وسادي وسادة طوي البطن ممشوق الذراعين شرحب
بعيد من الشيء القليل احتفاظه عليك ومنذور الرضا حين يغضب
طوي البطن يعني عبد الله، وممشوق الذراعين أي طويلهما، قليل اللحم عليهما، وشرحب طويل، واحتفاظه غضبة، وقال بعضهم: يكون من الحفظ أي لا يحفظ زادة عمن يسأله، وليس المعني هذا لأنة قال منذور الرضا أي لا يكاد يرضي إذا غضب. يمدح عبد الله ويصفه بالضمر وعري الأشاجع. وطول القامة، وقلة الغضب من الشيء اليسير وبعد الرضا.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
هو الظفر الميمون أن راح أوغدا به الركب والتعابة المتحبب
المعني: يصفه بتعوده الظفر أينما كان، وبالفكاهة والتودد إلي الناس، ويذكر أنه طلب إليه تعليله بذكر من يهواه وإجابته إلي ذلك.
(٣٣)
وقال أبو دهبل الجمحي في الأزرق المخزومي:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
ماذا رزئنا غداة الخل من رمع عند التفرق من خيم ومن كرم
ظل لنا واقفًا يعطي فأكثر ما قلنا وقال لنا في وجهه نعم
الخل هنا موضوع ورمع موضع، والخم الخلق، فأكثر ما قلنا تقديره فأكثر
[ ٣ / ٢٧١ ]
شيء قلناه له أي سألناه، وأكثر شيء قاله نعم. المعني: هذه الأبيات بالمراث أشبه منها بالأضياف
ثم انتحي غير مذموم وأعيننا لما تولي بدمع سافح سجم
تحمله الناقة الأدماء معتجرًا بالبرد كالبدر جلي ليلة الظلم
معتجرا أي معتما. المعني: يصف خروجه محمودا، وبكاءهم لفقده، ووصف حسنه وشبيهه بالبدر لما خرج راكبا معتما.
(٣٤)
وقال أيضًا فيه:
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
مازالت في العفو للذنوب واط لاق لعان بجرمه غلق
حتى تمني البراة أنهم عندك أمسوا في القد والحلق
الغلق: الهالك. المعني: يصفه بفرط حبه العفو يقول: قد تمني من ليس بذي ذنب أنه مقيد مأسور عندك حتى تنعم عليه بمثل ما تنعم علي أسرائك.
(٣٥)
وقال الحزين الليثي في علي بن الحسين بن علي- صلوات الله عليهم- وقال دعبل: وهي لكثير بن كثير السهمي وقال بعضهم: هي للفرزدق في علي بن الحسين، وكان سبب هذه القصيدة أن هشام بن عبد الملك حج أيام خلافته، فلما انتهي إلي الحجر الأسود جهد أن يستلمه فزوحم ولم يمكن منه، والموسم لا يحتمل ما يحتمل سائر الأمكنة فأقبل علي بن الحسن، فأعظمه الناس وأفرجوا له عنه حتى استلم علي تمكن، فلما قضي وطره رجع وعاد الزحام فأقبل رجل من وجوه الشام
[ ٣ / ٢٧٢ ]
على هشام بن عبد الملك فقال: من هذا الذي قد أعظمه الناس هذا الاعظام فقال: لا أعرفه - حسدًا منه- وحضر الفرزدق فقال: لكني أعرفه، فقال الشامي من هذا يا أبا فراس فقال:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
[ ٣ / ٢٧٣ ]
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلو الحرم
إذا رأته قريش قال قائلها إلي مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الحطيم: حجر الكعبة اسم له، يستلم يفتعل من السلام وهو مس الحجر. المعني يصفه بالشهرة ونهاية الكرم وطيب المولد والمنشأ في بيت النبوة حتى كاد الحجر الأسود يمسكه حبًا له لأنه ابن الرسول ﷺ.
أي لقبائل ليست في رقابهم لأولية هذا أو له نعم
[ ٣ / ٢٧٤ ]
المعنى يقول: ما من قبيلة من قبائل العرب إلا له ولأسلافه نعم في عنقها وأعظم النعم نعمة الدين بها اهتدوا من الضلالة وأمنوا من الخرب.
بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عزنينه شمم
يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
يروي هذان البيتان لابن أذينة في بعض بني مروان، وبكفه خيزران يعني مخصرة، وذلك من عادات العرب وملوكها، يمسك الواحد منهم بيده قضيبا يشير به، وقوله «في عزنينه شمم» أي في قصبة أنفه ارتفاع، وقيل: أراد به الحمية.
المعني: يصفه باستعمال الطيب وبالحمية وفرط الحياء، وغاية إجلال الناس إياه.
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إذا انتدى واحتبى بالسيف دان له شوس الرجال خضوع الجرب للطالي
انتدى: افتعل من النادي والندي وهو المجلس أي حضر المجلس، واحتبى بالسيف، وعادتهم أن يحتبوا بالأزر والأردية، وإذا كانت المشورة في حرب أو خصومة احتبوا بالسيوف كي لا تعوزهم اذا احتاجوا إليها.
كأنما الطير منهم فوق هامهم لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
أي لا ينطقون عنده ولا يتحركون لجلالته وعظمته. ولما كانت الهيبة قد تكون من خوف الظلم ومن غيره، نفي خوف الظلم لتخلص الهيبة المستحقة له لجلالته، وأصل قولهم: كأنما الطير فوق هامهم أن الغربان تقع على رؤوس الإبل وظهورها
[ ٣ / ٢٧٥ ]
لكي تلتقط القراد والحملة. المعنى: يصفه بالحزم، ونهاية إجلال الناس إياه لجلالته لا لبطشه، وقيل: إن هذا أحسن ما قيل في الإجلال.
(٣٧)
وقال العريان لسهلة وذم غيره:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
مررت على دار امرئ السوء حوله لبون كعيدان بحائط بستان
فقال ألا أضحت لبوني كما ترى كأن على لباتها طين أفدان
العيدان: الطويل من النخل، كأن على لباتها: أراد السمن، واللبات جمع لبة وهو المنحر، والأفدان: القصور وإحداها فدن يقول: كأنما طينت تطيينًا من السمن. المعنى: يذم رجلا قصده وعنده إبل سمان ضخام وهو يفتخر بسمنها.
فقلت عسى أن يحوي الجيش سربها ولا واحد يسعي عليها ولا اثنان
ورحت إلى دار أمرئ الصدق حوله مرابط أفراس وملعب فتيان
أي يحوى الجيش عليها أي يسوقها ويحوزها، والسرب المال الراعي لا واحد له، وقوله: يسعي عليها ولا اثنان أي ليس لك عون ولا عونان يطلبون معك ويعاونونك على استدراكها، لأنك لم تكن تطعم منها، وقوله مرابط فرسان يريد أنه رئيس القوم يجتمعون عنده لسخائه.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ومنحر مئناث يجر حوارها وموضع إخوان إلي جنب إخوان
ومنحر مئناث: الناقة تلد الإناث، يجر حوارها لأنها نحرت وهو في بطنها فيجر من بطنها، وموضع إخوان أي مجلس إلي مجلس، وقيل: خوان إلي خوان وهو تفسير الموضوع لا تفسير الإخوان. المعني: يذكر أنه قال له: أرجو أن ينتهبها جيش عدوك ولا تجد أحدًا يعينك، ويمدح رجلًا كريمًا مر إليه من عند هذا اللئيم فوجد عنده مرابط خيل لأنه كان فارسًا، وكان منزله ملعب فتيان لأنه كان رئيسًا ومنحر مئناث لأنه كان جوادًا.
فقلت له إني أتيتك راغيًا بذعبلة تدمي واني أمر عان
الذعلبة: الناقة السريعة، تدمي أي يخرج الدم من مناسمها للتعب الذي يلحقها، واني أمر عان أي خاضع أطلب في دم أو فكاك
فقال ألا أهلا وسهًلا ومرحبًا جعلتك مني حيث أجعل أشجاني
فقلت له جادت عليك سحابة بنوء يندي كل فغو وريحان
جعلتك مني أي جعلتك في فبلي حيث أجعل همي وحاجتي، والفغو والفاغية نور الحناء، وما أشبه ذلك. يندي: يمطر.
وقلت سقاك الله خمر سلافة بماء سحاب حائر بين مصدان
المصدان: جمع مصاد وهو هضبه. المعني: يصف حاله لهذا الجواد المقصود وترحيب الجواد به، وقبوله إياه، ويذكر دعاءه للمقصود بالسقيا من ماء السحاب وسلاقة الخمر.
(٣٨)
وقال آخر وهو ابن المولى، إسلامي.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وألمست كفي كفه أبتغي الغني ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أنا ذوو الغنى أفدت وعاداني فالتفت ما عندي
المعني: يبالغ في وصفه بالجود، وجعل جوده متعديًا وتلطف بال استماحة بقولة: وأتلفت ما عندي فجمع في قوله: الشكر والاستماحة.
(٣٩)
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إذا لاقيت قومي فاسأليهم كفي قومي بصاحبهم خبيرا
هل أعفوا عن أصول الحق فيهم إذا عظمت واقتطع الصدورا (١)
ومعني أقتطع الصدورا: آخذ ما سهل أخذه من أوائل الحقوق، وهذا هو الكرم، المعني: يخاطب جارية ويقول: سلي قومي فإنهم يخبرونك بكرمي وبحسن مسامحتي إياهم وجميل معاملتي.
_________________
(١) رواية المرزوقي والتبريزي " إذا عسرت" وروي المرزوقي "كفي قومًا".
[ ٣ / ٢٧٨ ]
(٤٠)
وقال عمرو بن الإطنابة الخزوجي، مخضرم:
«الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إني من القوم الذين إذا انتدوا بدأوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم والحاشدين علي طعام النازل
انتدوا: جلسوا في المجلس كما بينا قبل، وبدوا بحق الله يعني الواجبات ثم بالنائل وهو العطاء للسائل، وقوله: المانعين البيت أي لا يفحشون القول لجاراتهم ويصورهن من ذلك، وقوله: [الحاشدين أي الذين لا يفترون عن القيام بذلك وهو من قولهم في الإبل لها حاشد وهو الذي لا يفتر عن حلبها]، وقيل معناه: إذا نزل بهم ضيف لم يطعموه وجده ولكنهم يجمعون القوم يأكلون معه وينسونه، والحشد الجمع.
والخالطين فقيرهم بغنيهم والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضه ضرب المهجهج عن حياض الآبل
[ ٣ / ٢٧٩ ]
الخالطين: أي يقربون الفقير ولا يميزونه من الأغنياء إجلالًا له، وتوفرًا عليه، والهجهج الذي يطرد الإبل الذي يطرد الإبل من الحوض إذا رويت، والآبل: صاحب الإبل.
والقاتلين لدي الوغي أقرانهم إن المنية من وراء الوائل
خزر عيونهم إلي أعدائهم يمشون مشي الأسد تحت الوابل
والقائلين فلا يعاب كلامهم يوم المقامة بالقضاء الفاصل
إن المنية من وراء الوائل يقول: المنية من وراء الهارب أي تلحقه علي كل حال، لا منجي منها، ويوم القيامة يعني يوم الجماعة، وبالقضاء الفاصل أي بالحكم الفاصل، يصفهم بالبيان واللسن والحجة القاطعة.
ليسوا يأنكاس ولا ميل إذا ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
الميل: جمع أميل وهو الذي لا سلاح معه. المعني: يصف مناقب قومه وأنهم يقدمون الواجبات، ويعقبونها بالنقل، ويصفهم بعفة اللسان وإكرام الضيف وتفقد الجار، واطلاب السائل، والشجاعة، وفصل الخطاب ونفي عنهم الفسولة، والعجز عن الفروسية.
(٤١)
وقالت حبيبة بنت عبد العزي العوراء:
[ ٣ / ٢٨٠ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إلي الفتي بر تلكأ ناقتي فكسا منا سمها النجيع الأسود
المعني: تدعو علي ناقتها بدوام السير والتعب حتى تدمي قوائمها، لأنها لم تسرع إلي الفتي بر.
إني ورب الرقصات إلي مني بجنوب مكة هديهن مقلد
أولي علي هلك الطعام أليه أبدًا ولكني أبين وأنشد
بجنوب مكة بنواحيها، أولي علي هلك الطعام أي لا أولي علي أن طعامي هلك وليس عندي شيء كما يفعل اللئام، وهذا حسن لقولها ولكني أبين وأنشد، وإنما جاز حذف لا هاهنا لما علم أن القسم لا يكون بغير واللام ومثله كثير، قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا
وقيل معني أبين أظهر منزلي ولا أخفيه، وأنشد أطلب من يأكل الطعام من نشدت الضالة إذا طلبتها. والمعني: تحلف بالتي يحج عليها والإبل التي سبقت هديًا إلي بيت الله تعالي أنها لا تحلف علي أن طعامها نفد ولكنها تدعو اليه.
وصي بها جدي وعلمني أبي نفض الوعاء وكل زاد ينفد
نفض الوعاء تفريغه ببذل ما فيه، ولت بقولها، وصي بها جدي أن أباها وجدها كان كريمين. المعني: زعمت أن ذلك وصية جدها، وذكرت أن أباها علمها البذل والسخاء.
فاحفظ حميتك لا أبالك واحترس لا تخرقنه فارة أو جدجد
الجدجد: صرار الليل وأمه شبيه بصوته. المعني: تخاطب رجلا ببخله تقول: إن لم تطعم ما في حميتك فأحفظ لا تعمل فيه الفارة والجدجد.
[ ٣ / ٢٨١ ]
(٤٢)
وقال مالك بن جعدة التغلبي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فابلغ صلهبًا عني وسعدًا تحيات مأثرها سفور
فإنك يوم تأتيني حريبًا تحل علي يومئذ نذور
صهلب: اسم وهو كبير، وسفور أي كتب تنسخ، حريبًا أي محروب ذاهب المال ويروي "تحل: أي تنزل، وتحل تجب، وهذا أجود.
تحل علي مفرهة سناد علي أخفافها علق يمور
لأمك ويلة وعليك أخري فلا شاة تنيل ولا بعير
يمور يجئ ويذهب، يعني أعرقبها فأنحرها وأطعمها يوم تجيئني محروبًا مسلوب المال، وقوله لأمك يدعو عليه وعلي أمه بالويل وهو الهلاك. المعني: هذا الشاعر كان قد سأل صلهبًا فحرمه فعيره ببغله فقال: إن أتيتني بخلافك ونحرت لك ناقة نفيسة، وأطعمتك وأنت لا تعطي نفسيًا ولا خسيسًا.
(٤٣)
وقال عبد الله الحوالي من الأزد، إسلامي، منسوب إلي بني حوالة، والحوالي الجيد الرأي:
[الثاني من الطويل والقافية من المتواتر]
لما تعيا بالقلوص ورحلها كفي الله كعبًا ما تعيًا به كعب
[ ٣ / ٢٨٢ ]
دعونا لها قينًا رفيقًا بمدية يجزئها فينا كما يجزأ النهب
تعيا وتعايا من العي وهو العجز وتعيته بالقلوص هو أنها حسرت فنحروها،
وذلك معني قوله: دعونا لها قينًا وفيقًا، وكل خادم عند العرب قين، والعبد قين، ويجزأ النهب أي الغنيمة.
لعمري لقد ضيعت يا كعب ناقة يسيرً عليها أن يضر بها الركب
موكلة بالأولين فكلما رأت رفقة فالألوان لها نصب
يسيرًا عليها أن يضربها الركب أي كان إتعاب الركب إياها هينًا عليها، موكلة، بالأولين أي كانت ترمي بنفسها غلي الرفاق كما يرمي الهدف، ورفقة أي جماعة، والنصب: الشيء المنصوب. المعني يقول. لما تبلد كعب قلوصه كفاه الله أمرها بأن أمر بنحرها، واقتسمنا لحمها ثم وصف القلوص باحتمال التعب والتجافي في السير.
(٤٤)
وقال حجر بن خالد يمدح النعمان بن المنذر، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد كمثل أبي قابوس حزمًا ونائًلا
كمثل أبي قابوس وهو أشهر، وأبو قابوس كنيته النعمان بن المنذر أي لم أجد مثله في الحزم والعطاء.
فساق الإله الغيث من كل بلدة إليك وأضحي حول بيتك نازًلا
فأصبح منه كل واد حللته من الأرض مسفوح المذانب سائًلا
[ ٣ / ٢٨٣ ]
المعنى: يفضله علي كل من سمع به حزامه وسخاوة، ودع له بالسقيا الواسعة حتى يجري الماء في أسافل أوديته وهذا علي رسم العرب لأن الجدب من قلة المطر.
متى ينع ينع البأس والجود والندي وتصبح قلوص الحرب جرباء حائلا
ليس للحرب قلوص وانما هذا مجاز استعمله لضعف الحرب لأن القلوص اذا جربت لم تركب، وإذا حالت لم تحلب. المعني: يصفه بأنه قوام الجود والحرب به فإذا مات لم يكن جود ولم يكن للحرب من يباشرها.
فلا ملك ما يدركنك سعيه ولا سوقه ما يمدحنك باطلا
المعني: يعجز الملوك عن سعيه، ويصدق السوق في مدحه يقول: كل ملك وإن اجتهد فلا يدرك سعيك، وكل سوقة وان احتشد فلا يفرط في مدحك لأنك أهل لكل مدح.
(٤٥)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح بعد الهدوء دعوته بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها
ومستنبح: متقدم تفسيره، شقراء يعني نارًا سماها شقراء بلونها، وشبهها بالفجر لارتفاعها وانتشارها، ذاك وقودها أي متقد إيقادها، وهذا من باب جنونك مجنون، وشعرها شاعر، يراد به المبالغة، ومعني دعائه بالنار إلهابه إياها ليبعد ضوؤها فيجئ إليها.
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا بموقد نار محمد من يرودها
بموقد نار يعني نفسه، محمد من يرودها أي محمد رائدها، يعني من أتاها حمد
[ ٣ / ٢٨٤ ]
أمرها وأهلها. المعني: يصف استجلابه بضوء النار وترحيبه.
نصبت له جوفاء ذات ضبابة من الدهم مبطانًا طويًلا ركودها
جوفاء يعني قدرًا واسعة لها جوف، ذات ضبابة من الدهم، شبه الشحم فوق المرق في القدر بالضبابة وهي السحابة تدنو من الأرض، ويحتمل أن يريد به ما يعلوها من البخار، وجعلها مبطانًا من الشحم أي عظيمة، كثيرًا ما في بطنها، ويروي "من الهم" أي السود، طويًلا ركودها أي لبثها علي النار لعظمها وكثرة لحمها. المعني: يصف نصبه قدرًا عظمها وكثرة لحمها. المعني: يصف نصبه قدرًا عظيمة لأجله ويعرفه مراده في الظعن والمقام ليتبغه.
فان شئت أثويناك في الحي مكرمًا وان شئت بلغناك أرضًا تريدها
معني هذا البيت قد اندرج في شرح الأبيات المتقدمة وهو أنه خيرة بين المسير والمقام، وأثويناك أنزلناك.
(٤٦)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح تهوي مساقط رأسه إلي كل شخص فهو للسمع أصور
أي يميل رأسه إلي كل شخص يقدره إنسانًا يلتجئ إليه، لأنه ضل لطريق، وهو ممل أي يكاد يسقط رأسه من شدة ما يلتفت يمينًا وشمًالا فهو للسمع أصور أي مائل والجمع صور.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
يصفقه أنف من الريح بارد ونكباء ليلٍ من جمادي وصرصر
حبيب إلي كلب الكريم مناخه بغيض إلي الكوماء والكلب أبصر
حبيب أي نزوله وإنما يحبه كلب الكريم لأن الكريم ينحر له فيأكل الكلب فضل ما يبقي، والكلب لأنه من تحب محبته يعني الضيف، وأنف الريح أولها، والصرصر: ريح باردة.
حصأت له ناري فأبصر ضوءها وما ماد لولا حضأة النار يبصر
حضأت أي أشعلت، وما كاد المستنبح لولا حضأة النار يبصر من شدة الظلمة.
دعته بغير اسم هلم إلي القرى فأسري يبوع الأرض والنار تزهر
فلما أضاءت شخصه قلت مرحبًا هلم وللصالين بالنار أبشروا
دعته أي بضوئها لا باسم، يبوع الأرض أي يوسع الخطي، كأنه جعل كل خطوة تزهر أي تضئ. ويقول أضاءت النار شخصه أي تبينه، ويقول: بشرت المصطليين بناري بحضور ضيف آخر.
فجاء ومحمود القرى يستنفزه إليها وداعي الليل بالصبح يصفر
يستفزه من الفرح، وداعي الليل بالصبح يصفر قيل: انه من ما يصوت سحرًا مثل الديك ونحوه، ويروي " وداعي الليل والليل مدبر" أي جاء في آخر الليل فكأنه قال والليل قد سبق وطرد.
تأخرت حتى لم تكد تصطفي القرى علي أهله والحق لا يتأخر
تأخرت أي قلت له تأخرت، حتى لم تكد تصطفي القرى أي تسبق غيرك إلي القرى، فتنال صفوة القرى أي خياره، والحق لا يتأخر يعني حق الضيف لا يتأخر وان تأخر حضوره.
وقمت بنصل السيف والبرك هاجد بهازره والموت في السيف ينظر
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فأغضضته الطولى سنامًا وخيرها بلاء وخير الخير ما يتخير
والبرك هاجد يعني الإبل، وبهزاره سمان جسام، فأغضضته يعني أعضضت السيف أطولها سنامًا أي عرفتها بالسيف حتى عضها السيف، وهو مجاز وخيرها بلاء يعني أفرها ولدًا أغزرها لبنًا، ووطأها ظهرًا وأخفها سيرًا، لأن البلاء النعمة، وهذه نعمة الناقة.
فباتت رحاب جونة من لحامها وفوها بما في جوفها يتغرغر
ويروي "رحاب جوزة من لحامها" أي ملئت لحمًا كما يملأ العطار جونته من متاعه، يتغرغر يصوت. المعني: يصف إنسانًا حيره ضلال الطريق وشدة البرد، واهتدي بضوء نارة إليه فأحسن قراه وأكرم مثواه، ونحر له خير إبله، وطبخ وأطعنه، ورحاب: قدور واسعة.
(٤٧)
وقال لآخر
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ومايك في من عيب فأني جبان الكلب مهزول الفصيل
يتمدح بأن كلبه جبان، لأنه لا يجسر أن يذبح علي الضيف، وفصيله مهزول لأنه يثر الضيف عليه بلبن أمه أو ينحر أمه قبل الفصال فيهزل لذلك، يذكر كرمه وحبه للقري.
(٤٨)
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
سأقدح من قدري نصيبا لجارتي وان كان ما فيها كفافًا علي أهلي
إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي يكون قليلًا لم تشاركه في الفضل
[ ٣ / ٢٨٧ ]
المعنى: يقول: أنزل جارتي منزلة عيالي وأعطيها من ذات القدر، وان لم يكن فيها فضل، ثم بين أ، من لم يعط صاحبه من قلة لم يعط من كثرة.
(٤٩)
وقال عمرو بن الأهتم، مخضرم، والهتم: كسر الثنايا وامرأة هتماء:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ذريني فإن الشح يا أم هيثم لصالح أخلاق الرجال سروق
ويروي "يا أم مالك" المعني يقول: ذريني يا أم مالك أجر علي الكرم فان الشح يزين للإنسان العذر الكاذب والعلل الباطلة، فكأنه يسرق أخلاقه الحميدة، يقول: كل خلق شريف يفسده البخل.
ذريني وحطي في هواي فإنني علي الحسب الزاكي الرفيع شفيق
حطي في هواي أي ساعديني علي الجود. والمعني يستعد أم مالك علي كرمه، ويبين لها أنه يشفق علي كرمه وحسبه أن يتدنس بعيب.
ذريني فأني ذو عيال تهمني نوائب يغشي رزها وحقوق
جعل الضيفان والزوار عيالا، يغشي أي يغشاني رزها، ويرزأ أي يصاب. المعني يذكر أن من قصده ولزمه حقه فهو بمنزلة عياله الذي يلزمه القيام بأمره.
وكل كريم يتقي الذم بالقري وللحمد بين الصحالين طريق
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ويروى مكان الحمد الحزم. المعني يقول: كل كريم يطعم الضيف خشية أن يذم، والكرام لهم طرق في الكرم يسلكونها.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
المعني: يبين أن الأماكن لا تضيق علي الناس، ولكن أخلاقهم الذميمة تضيق عليهم.
(٥٠)
وقال عروة بن الورد، يقول لقيس بن زهير، وهمنا من بني عبس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
إني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
المعني: يقول: أنا آكل مع جماعة، وأنت تأكل وحدك.
أتهزأ مني أن سمنت وأن تري بنفسي شحوب الحق والحق جاهد
شحوب الحق تغير اللون لما يلحقه من جهد الحق لهذا قال: والحق جاهد
المعني: يبين أن احتمال كد الحقوق أشحب لونه.
أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
أقسم جسمي أي غذاء جسمي وقوت جسمي أي أفرق قوتي علي جماعة كثيرة، واقتصر من اللبن علي الماء البارد أي أفعل ذلك في الشتاء، لأن القحط أكثر والماء أبرد، ويروي أن عبد الملك بن مروان قال: "ما يسرني أن أحدًا من العرب وادني إلا عروة بن الورد لقوله: " إني امرؤ عافي إنائي شركة"
[ ٣ / ٢٨٩ ]
(٥١)
وقال آخر، وهو أبو العتاهية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أجلك قوم حين صرت إلي الغني وكل غني في العيون جليل
وليس الغني إلا غني زين الفتي عشية يقري أو غداة ينيل
المعني: يعنف رجلا استغني وأحله القوم وعظموه، ولم يكتسب بغناه حمدًا ولا أجرًا وقال: ليس الغني إلا ما يضاف به القوم عشية إذا نزلوا ويصلهم بالغداة إذا ارتحلوا.
(٥٢)
وقال مثلم بن رياح بن ظالم المري: وقال دعبل هي للشبيب بن البرصاء (١):
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
بكر العواذل بالسواد يلمنني جهلًا يثلن ألا تري ما تصنع
أفنيت مالك في السفاه وإنما أمر السفاهة ما أمرنك أجمع
إنما قالت العرب: بكرت العواذل لأنهم كانوا يشربون ليًلا ويسكرون ويهبون فإذا أصبحوا لامهم من أرد لومهم علي ذلك، وقوله بالسواد يعني في سواد الليل، المعني يصف لوم اللوائم إياه علي بذله، وتسفيههن إياه علي ذلك، وأخبر أن السفاهة في المنع دون البذل.
وقتود ناجيةٍ وضعت بقفرةٍ والطير غاشية العافي وقع
_________________
(١) مثلم، سبقت ترجمته في الحماسية ١٣١ وشبيب، ترجمنا له في القطعة ٥ من باب الأدب، والأبيات في معجم الشعراء ص ٣٠٢ منسوبة للمثلم لا لشيب.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
غاشية آتية، وأضاف العافي لاختلاف اللفظين. المعني يقول كم من راحلة نحرتها لأصحابي وألقيت رحلها بقفر من الأرض ليعلم أني كريم.
بمهند ذي حلية جردته يبري الأصم من العظام ويقطع
لتنوب نائبة فتتعلم أنني ممن يفر علي الثناء فيخدع
يبري الأصم أي يقطع. المعني يقول: كم من راحلة -ذكرها - قد نحرتها لرفاقي ليتحققوا أني كريم، وهذا معني قوله ممن يغر علي الثناء فيخدع لأن اللئيم لا ينخدع.
إني مقسم ما ملكت فجاعل أجرًا لآخره ودنيا تنفع
المعني يقول: إني أقسم مالي قسمين فأجعل أحدهما للمعاد والآخر لثناء الدنيا.
(٥٣)
وقال أبو البرج القاسم بن حنبل المري في زفر بن أبي هشام بن مسعود بن سنان، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أوي الخلان بعد أبي حبيب وحجر في جنابهم جفاء
من البيض الوجوه بني سنان لو أنك تستضئ بهم أضاءوا
لهم نور النهار إذا استقلت ونور لا يغيبه العماء
[ ٣ / ٢٩١ ]
هم حلوا من الشرف المعلى وممن حسب لعشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم دماهم من الكلب الشفاء
فأما بيتهم إن عد بيت فطال السمك واتسع الفناء
وأما أسه فعلي قديم من العادي عن ذكر البناء
فلو أن السماء دنت لمجد ومكرمة دنت لهم السماء
المعلى بعني أعلي رتب الشرف، دماهم من الكلب أي ملوك، والكلب أن يعض الرجل الكلب، فيأخذه من تلك العضة عطاش لا يقدر علي شرب الماء البارد لأنه يري أمثال الجراء، والعرب تزعم أن الكلب إذا عض الرجل استحال صوته نباحًا، فينتظر به سبعة أيام فأن بال فيهن علي خلق الجراء برأ وإلا مات، ويزعمون أنه لا دواء أبلغ من شرب دم ملك، ويقال: انه يسعط به.
(٥٤)
وقال أرطاة بن سهجة، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولو أن ما نعطي من المال نبتغي به المجد يعطي مثله زاخر البحر
لظلت قراقير صيامًا بظاهر من الضحل كانت قبل في لجج خضر
الزاخر المرتفع، والقراقير: السفن الطوال، الواحد قرقور، والضحل: الماء القليل، يترقرق علي وجه الأرض، والأخضر يريدون الأسود، أي لو كانت عطية البحر مثل عطيتنا التي نطلب بها الحمد لطبقت المفاوز حتى كانت السفن تجري علي الماء فيها.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
ولا نكسر العظم الصحيح تعززًا ونغني عن المولي ونجبر ذا الكسر
غلبنا بني حواء مجدًا وسددًا ولكننا لم نستطع غلب الدهر
لا نكسر العظم الصحيح أي لا نفصل اللحم إذا أعطيناه، ولكنا نعطيه صحيحًا لعزنًا، وقيل معناه لا نكسر عظم ابن عمنا أي لا نذله ونقهره ولا نتعزز عليه، وقوله ولكننا لم نستطع غلب الدهر، كأنهم أصابهم وهن فنسب ذلك إلي الدهر، واعترف بالعجز عنه. المعني: يصف نفسه وقومه بكثرة العطاء وسد خله المحتاج، وفضل مجدهم علي جميع الناس واعتذار من وهن لحقهم بأنه فعل الدهر، والدهر لا يغلب.
(٥٥)
وقال حجر بن حية العبسي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ولا أدوم قدري بعدما نضجت بخلا لتمنع ما فيها أثافيها
لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ولا أقوم بها في الحي أخرتها
لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ولا أقوم بها في الحي أخزيها
أي ما دامت علي النار نغترف منها، وقيل، لا أسكن حرها بالماء، والأول الوجه، والثاني صحيح من جهة اللغة، الدنيا تأنيث الأدنى، ولا أقوم الخ
أي لا أشتمها ولا أفضحها، وأخزيها من الخزاية وهو الاستحياء أي أقوال لها ما تستحي منه، ويحتمل من الخزي وهو الهوان.
ولا أكلمها إلا علانية ولا أخبرها إلا أناديها
[ ٣ / ٢٩٣ ]
قوله ولا أكلمها الخ أي أسرها ريبة. يصف سخاءه في تقديم الطعام وعطاه الجارة إذا جاءت سائلة، وعفافه عما يسوئها، واجتنابه مما يرتاب الناس في أمره معها.
(٥٦)
وقال المساور بن هند بن قيس بن زهير، إسلامي كان في زمن عبد الملك بن مروان:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
فدي لبني عبد غداة دعوتهم بجو وبال النفس والأبوان
إذا جارة شلت لسعد بن مالك لها ابل شلت لها ابلان
إذا جارة شلت لسعد بن مالك لها ذمة عزت بكل مكان
لبني عبد يعني بن الحارث بن سعد بن مالك من بني أسد، وبال: ماء لبني أسد، وسعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان. المعني: يفدي نفسه وأبويه بني عبد بن الحارث، ويذكر اعتزاز الجار بهم، ومنعتهم، وأنهم لا يحتملون ضيم أحد.
إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم أبي كل مجني عليه وجان
ودار حفاظ قد حللتم مهانة بها نيبكم والضيف غير مهان
النيب جمع ناب وهو المسن من الإبل، ودار حفاظ هي التي يقيم بها أهلها في الجدب والخصب، يحافظ عليها ضنًا بها، ومهانة بها نيبكم أي تنحرونها للأَضياف. المعني: صرف الكلام عن الخبر إلي الخطاب، يقول: إنكم تكرمون الضيف وتهينون الإبل هبة ونحرًا.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
(٥٧)
وقال أيضًا
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جزي الله خيرًا غاليًا من عشيرة إذا حدثان الدهر نابت نوائبه
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت علي وموج قد علتني غواربه
غالب حي من أحياء العرب، المعني: يستجيز الله خيرً لغالب ويشكر بلاءهم في النوائب، ومدفعتهم عنه كربًا عظامًا.
إذا قلت عودوا عاد كل شمردل أشم من الفتيان جزل مواهبة
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها تجرد فيها متلف المال كاسبه
الشمردل: القوي السريع، إذا أخذت بزل المخاض يعني سمنت وجعلت سمنها كالسلاح لأن صاحبها يضن بها إذا رأس سمنها فلا ينحرها، تجرد فيها أي تأهب لنحرها، متلف المال يعني الممدوح يتلف ماله في المكارم، ويكسبه من الغارات. المعني: يصفهم بحسن القامة والخفة، وبعظم الموهبة، وذكر أن سمن مالهم لا يمنعهم من نحره كما يمنع غيرهم.
(٥٨)
وقال حاتم الطائي، جاهلي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ٢٩٥ ]
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك وياء ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيًلا فإني لست آكله وحدي
هذه الأبيات لحاتم الطائي يخاطب بها امرأته وهي ماوية بنت عبد الله، وذوا البردين عامر بن أحمر بن بهدلة، وله حديث، يقول: إذا صنعت الزاد فالتمس غريبًا أكيلا ويروي "قصيًا كريمًا" أو قريبًا، والقصي: النائية عن وطنه.
أخًا طارقًا أو جارا بيت فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام نازلًا وما في إلا تلك من شيم العبد
مذمات الأحاديث: ما يتحدث به ويستحي منه. المعني: يكلف امرأته التماس منواله كلما أكل كي لا يتحدث عنه بالبخل، ودل على حسن خدمته للضيف.
(٥٩)
وقال آخر وهو أبو العتاهية:
(الثالث الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وليس فتى الفتيان من جل همه صبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح أوغدا لضر عدوا أو لنفع صديق
المعنى يقول: ليس الفتوة في الأكل والشرب، ولكنها في ضر الأعداء ونفع الأصدقاء.
(٦٠)
وقال حزاز بن عمرو من نبي عبد مناة، جاهلي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
لنا أبل لم تهن ربها كرامتها والفتى ذاهب
هجان يكافأ فيها الصديق ويدرك فيها المني الراغب
ونطعن عنها نحور العدا ويشرب منا بها الشارب
لم يهن ربها كرامتها أي لم يكرمها بأن لا ينحرها ولا يهب منها، والفتى ذاهب أي ميت. المعنى: يفتخر بكثرة الإبل وجودهم بها للصديق، ونيلهم بها المجد، ودفعهم العدا عنها، وربهم الخمر.
ونؤلفها في السنين الكلول إذا لم يجد مكسبًا كاسب
ولم تك يومًا إذا روحت على الحي يلغى لها جادب
حبانا بها جدنا والاله وضرب لنا خذم صائب
الجادب العائب، وحبانا بها جدنا أعطانا، والاسم: الحباء. المعنى: يصف توسيعهم على الضعف في الجحظ من مالهم وابلهم، وانتفاء العيوب عنها، وإنهم ملكوها بالسيف.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
(٦١)
وقال منصور بن مسجاح الضبي، ومسجاح: مفعال من قولهم: ملكت فأسجح:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ومتخبط قد جاء أو ذي قربة فما اعتذرت إبلي عليه ولا نفسي
المتخبط: الذي قد جاء يقصد طالبًا معروف، من غير تقدم معرفته، ويروى «فما اعتذرت إبلي إليه»
حبسنا ولم نسرح لكي لا يلومنا على حكمة صبرًا معوذة الحبس
فطاف كما طاف المصدق وسطها يخير منها في البوازل والسدس
معودة الحبس على الحقوق فهي عارفة بها مقرة، وطاف يعني المتخبط وسط الإبل كما يطوف الذي يأخذ الصدقات بلا حشمة ويخير منها أي يقال له اختر ما شئت والبازل ابن تسع سنين، والسديس ابن ثمان.
(٦٢)
وقال عامر بن حوط من بني عامر بن عبد مناة بن بكر:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد عملت لتأتين عشية ما بعدها خوف علي ولا عدم
فأزور بيت الحق زورة ماكث فعلام أحفل ما تقوض وانهدم
يقول: لقد عملت أني أموت، وليس بعد الموت فقر ولا خوف، وبيت
[ ٣ / ٢٩٨ ]
الحق قبر، وما تقوض أي انهدم يريد ما تراجع من أمر الدنيا، وقيل ما تقوض أي ما انهدم من حياض إبلي] ويقال لا أحفل كذا ولا أحفل بكذا [.
فلأتركن للسامين حياضهم ولا حبسن على مكارمي النعم
الساملون حياضهم: الذين يصلحونها، تقول: سملت الحوض أصلحته ونقيته من الطين. المعنى يقول: لقد علمت أن الموت لابد منه فعلى أي شيء أبالي ما ينقص من مالي، ثم قال: أترك الذين يصلحون حياضهم لابلهم، ولا أقتدي بهم، ولا ألتفت إليهم، وأفرق مالي قبل وفاتي على المكارم.
(٦٣)
وقال زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن نخالة بن ذهل بن بكر بن سعد بن ضبة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقلي علي اللوم يا ابنة منذر ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
يستكفها عن لومه، لأنه يأمرها بالنوم أو السهر. المعنى: يقول لعاذلته: لا تلوميني وافعلي ما شئت من النوم أو السهر فإني لا أطيعك، ولا أكف عن عادة جودي بلومك.
ألم تعلمي أني إذا الدهر نابني بنائبه ذلت ولم أتترتر
يراني العدو بعد غب لقائه خليًا نعيم البال لم أتغير
[ ٣ / ٢٩٩ ]
لم أتترتر أي لم أتزلزل ولم أتحرك. المعنى يقول للعاذلة: ألم تعلمي أني لا أتخشع للنواب ولا أتقلقل لها والعدو يراني بعدما مستني النائبة ناعم البال لم أتغير عن خلقي وبعد همتي.
وراكدٍة عتبى طويٍل صيامها قسمت على ضوٍء من النار مبصر
طروقًا فلم أفحش وقسمت لحمها إذا اجتنب العافون نار العذور
راكدة: يعني قدرًا تركد على النار، أي تدوم، عتبى أي غضبي جعل غليانها بمنزلة الغضب لها، طويل صيامها أي قيامها على الأثافي لكثرة ما فيها من اللحم، على ضوء من النار مبصر، أي لم أستر قدري ليلا. المعنى: يصف قدرًا كبيرة شديدة الغلي نصبها للأضياف، وأطعمهم منها ليلا، ولم يفحش قولا إذا أفحش السيئ الخلق.
(٦٤)
وقال الهذيل بن مشجعة البولاني:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إني وإن كان ابن عمي غائبًا لمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرًأ متزحزحًا في أرضه وسمائه
مقاذف من خلقه أي مرام عنه في غيبته، في أرضه وسمائه يعني في غوره ونجده] لأن السماء العلو والأرض السفل كأنه قال: في سهله وجبله [وقيل: معناه في أي موضع كان:
[ ٣ / ٣٠٠ ]
ومتى أجده في الشديدة مرملًا ألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبعت الجلائف مالنا خلطت صحيحتنا إلى جربائه
ويروي «ومتى أجئه» وكلاهما حسن، وأصل الجلف الكشف، ومنه جلفت الطين عن رأس الدن، يقول: نحن لا نفرد الجرباء من ابل عمنا بل نقربها بصحيحتنا مشاركة له، وهذا مثل معناه أنا نخلط فقرة بغنانا، وغثه بسميننا المعنى: نيابة عن ابن عمه، ونصرته له على بعده، ومساعدته عند حاجته، ومؤاساته بماله عند خلته، وقرنه جرباءه إلى صحيحته.
وإذا أتى من وجهٍة بطريفٍة لم أطلع مما وراء خبائه
ويروى «لم أطلع ماذا وراء خبائه» أي لم أسأل ما ستره عني، وقيل بطريقة معناه جارية استحدثها فخدرها، لم أطلب النظر إليها. المعنى: إذا رجع من سفره بشيء يستره عني لم أطلب النظر إليه،، يصف حفاظه.
وإذا اكتسى ثوبًا جميلًا لم أقل يا ليت أن علي حسن ردائه
المعنى يقول: إذا لبس ثوبًا جميلًا حسنًا لم أحسده على ذلك.
(٦٥)
وقال حسان بن حنظلة بن أبي رهم، جاهلي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
تلك ابنة العدوى قالت باطلًا أزرى بقومك. قلة الأموال
أنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ويسود مقترنا على الإقلال
المعنى: يبطل قول التي قالت: قصر الفقر بقومك، وبين لها أنهم يحسنون
[ ٣ / ٣٠١ ]
القرى مع قلة مالهم فيحمدهم ضيفهم، وإن السعادة لا تزول عنهم وإن ذهبت أموالهم.
غضبت علي أن اتصلت بطيىٍء وأنا امرؤ من طيئ الاجبال
أي غضبت ابنة العدوي، وقالت أنت من تميم فلماذا تتصل بطيء فقلت لها: أنا من طيء، يقال: إن رهط أوس بن حجر كانوا من طيء فانتقلوا إلى تميم، من حي طيئ أضاف إلى الأجبال لجبال مشهورة في بلادهم نحو أجأ وسلمى وعوارض.
وأنا امرؤ من آل حية منصبي وبنو جوين فاسألي أخوالي
وإذا دعوت إلى جديلة جاءني مرد على جرد المتون طوال
أحلامنا تزن الجبال رزانًة ويزيد جاهلنا على الجهال
حية من طيئ بالحيرة رهط بن قبيصة، وبنو جديلة من طيئ. المعنى: ينتسب بانتسابه إلى طيئ ويقول: غضبت علي هذه المرأة لا نتسابي إلى طيء وهي قبيلتي، وإذا دعوت بعضهم مستنجدًا إياهم جاءني شبان على خيل عراب لا نجادي، وبعض معنى هذه الأبيات قد تقدم، وقوله أحلامنا تزن الجبال أي تزيد عليها إذا وزنت معها، يقول: إذا احتيج إلى الجهل، وهو الموضع الذي يكون الحلم فيه ذلا فجاهلنا يزيد على جميع الجهال.
(٦٦)
وقال إياس بن الأرت، والأرت هو عامر بن خالد بن عدي بن الكروس بن حيان بن ثعلبة:
[ ٣ / ٣٠٢ ]
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
وإني لقوال لعافي مرحبًا وللطالب المعروف إنك واجده
وإني ممن يبسط الكف بالندى إذا شنجت كف البخيل وساعده
المعنى: يصف جوده وترحيبه لعافية ووعد طالب معروفة لوجدانه، وبسط يده بالعطاء، إذا بخل البخيل.
لعمرك ما تدري أمامه أنها ثنًى من خياٍل ما أزال أعاوده
فشقت على صحبي وعنت ركائبي وردت علي الليل قرنا أكابده
ثنى أي ثانية بعد أولى، وإنما شقت عليهم لأنهم كانوا قد استراحوا فلما عاودني خيالخا انتبهت ورحت. المعنى: يصف طروق خياله أمامة بعدما نزل القوم للاستراحة فثار شوقًا إليها، ورحل فشقت رحلته على أصحابه لما كان بهم من التعب، وعنت إبله لما كان بها من الكلال، وجعل يقطع الليل سيرًا يؤثر فيه ضعفًا، فلهذا قال قرنًا أكابده.
(٦٧)
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
أثنى علي بما لا تكذبين به يا بكر أي فتًى للضيف والجار
إني أجاور ما جاورت في حسبي ولا أفارق إلا طيب الدار
يخاطب امرأة يقول: أثني علي بحسن القيام بأمر الأضياف وتعهد الجيران فإنك لا تكذبين بذلك، وقوله: إني أجاروا ما جاورت في حسبي أي ومعي حسبي لا أفارقه ولا آتي ما أذم عليه. ولا أفارق إلا طيب الدار أي محمودا لم أعمل فيها ما يدنسني ويدنسها. المعنى: يصف حسن مجاورته من يجاوره ويدعي شهرته بذلك.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
كم من لئيٍم رأينا كان ذا إبٍل فأصبح اليوم لا معٍط ولا قار
ولو يكون على الحداد يملكه لم يسق ذا غلٍة من مائه الجاري
في «لا معط ولا قار» وجهان من الإعراب رفعًا على معنى لا، ونصبًا على الحال. الحداد: قال القاسم: هو النهر وقال بعضهم هو البحر. المعنى: يقول كم من لئيم رأينا كان ذا غنى هلك ماله فأصبح لا يقال له معط ولا قار لأنه لم يكتسب بماله حمدًا، ولو ملك الحداد كثرة مائه لم يسق عطشان منه شربة.
(٦٨)
قال حسان بن ثابت، مخضرم:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
المال يغشى رجالًا لاطباخ بهم كالليل يغشى أصول الدندن البالي
[ ٣ / ٣٠٤ ]
ويروى (لاطباخ لهم» أي لا عقل، وقيل بل المعنى: المال يغشى رجالًا لا ينتفعون به كما أن الشجر البالي لا ينتفع بالسيل إذا أصابه، ومن روى لا طباخ بهم يعني لا خير فيهم من قولهم: هذا لحم لا طباخ به أي لا يطبخ مثله.
أصل عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ولست للعرض إن أودى بمحتال
المعنى يقول: أبذل مالي كي لا يلزمني من عيب، فلا خير في صلاح المال بعد فساد النفس لأن المال يمكن جمعه بالحيلة بعد هلاكه، والنفس لا حيلة لها في ردها إذا هلكت.
(٦٩)
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي، إسلامي:
«الثالث من الطويل والقافية من المتواتر»
دعوت إليها فتيًة بأكفهم من الجزر في برد الشتاء كلوم
إذا ما اشتهوا منها شوًاء سعى لهم به هذريان للكرام خدوم
دعوت إليها يعني ناقة، قال من تعاطي تفسير هذا الكتاب يعني أن برد الشتاء قد اشتد عليهم فتزلقت أكفهم فصار فيها شقوق كالجراحات، والصواب عندي أن يكن المراد بأكفهم كلوم سرعة ما يفصلون الجزور استعجالا لإطعام الضيف فتصيب الشفرة أيديهم، والدليل على هذا الوجه قوله من الجزور، ولم يقل من البرد، هذريان خفيف في كلامه وخدمته. المعنى: يصف ناقة نحرها لضيوفه ودعا
[ ٣ / ٣٠٥ ]
إلى نحرها جماعة تعودا الجزر، وعلى أيديهم آثاره، وصف نفسه بالخفة في الكلام إيناسًا للضيف، وبكثرة الخدمة لهم.
(٧٠)
وقال أخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
فالا أكن عين الجواد فإنني على الزاد في الظلماء غير شتيم
وإلا أكن عين الشجاع فإنني أراد سنان الرمح غير سليم
هذان البيتان تقدم تفسيرهما في باب الحماسة.
(٧١)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
وسع بمدك ماء اللحم تقسمه وأكثر الشوب إنلم يكثر اللبن
وسع به وتلفت حول حاضره إن الكريم الذي لم يخله الفطن
وسع به يعني مدك الماء، وتلفت حول أي تأملهم فعله زيد فيهم. المعنى: يستكثر الماء في القدر ليسمع القوم ويأمر بتأمل الأضياف لئلا يقع في أمرهم غفلة.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
(٧٢)
وقال رجل من هذيل:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا هي لم تمنع برسٍل لحومها من السيف لاقت حده وهو قاطع
ندافع عن أحسابنا بلحومها وألبانها إن الكريم يدافع
الرسل: اللبن نفسه. المعنى يقول: إذا لم يكن لإبلنا لبن يحمي نفوسنا من السيف نحرناها به، ونحفظ أحسابنا ببذل ألبانها ولحومها.
ومن يقترف خلقًا سوى خلق نفسه يدعه وترجعه إليه الرواجع
المعنى يقول: من يتكلف ما ليس من طبعه يدعه وترجعه إلى خلقه الأول عادته.
(٧٣)
وقال حماس بن ثامل، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبٍح في لج ليٍل دعوته بمشبوبٍة في راس صمٍد مقابل
فقلت له أقبل فإنك راشد وإن على النار الندى وابن ثامل
وابن ثامل يعني نفسه. المعنى يقول: كم ضال طريقة في ظلم الليل دعوته بضوء النار إلى مكان مرتفع وأكرمته وحمدته في قصد مالي.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
(٧٤)
وقال مضرس بن ربعي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدار)
وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما كسا الأرض نضاح الجليد وجامده
لأكرمه إن الكرامة حقه وسيان عندي قربه وتباعده
نضاح الجليد: الندى، وجامده ما تعقد منه. المعنى: يصف كرمه وإنه يدعو الضيف بالنار سواء كان قريبا أو بعيدًا.
أبيت أعيشه السديف وإنني بما قال حتى يترك الحي حامده
السديف: شحم السنام، وإنني بما قال يعني أحمده بما حكى عن نفسه من خير أو شر، ولا أكذبه إيناسًا له. المعنى: يقول أطعم ضيفي شحم السنام أحمده على ما يقول.
(٧٥)
وقال النمري، ويقال لرجل من باهلة، والنمري منسوب إلى النمر بن قاسط، وامرأة باهلة لا زوج لها، ورجل باهل متردد بلا عمل.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وداٍع دعا بعد الهدوء كأنما يقاتل أهوال السري وتقاتله
دعا بائسًا شبه الجنون وما به جنون ولكن كيد أمر يحاوله
فلما سمعت الصوت ناديت نحوه بصوٍت كريم الجد حلٍو شمائله
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها وأخرجت كلبي في البيت داخله
المعنى يقول: كم داع بالليل مكابد هول السرى، شديد الحيرة ناديته بصوتي وأوقدت له ناري وأخرجت له كلبي ليسمع فيجيء.
فلما رآني كبر الله وحده وبشر قلبًا كان جمًا بلابله
فقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا رشدت ولم أقعد إليه أسائله
المعنى يقول: لما رآني فرح واستبشر فرحبته وأكرمته، لم أسائله عن أحواله بل قمت إلى أعداد ما يطعمه.
وقمت إلى برٍك هجاٍن أعده لوجبة حق نازٍل أنا فاعله
بأبيض خطت نعله حيث أدركت من الأرض لم تخطل علي حمائله
البرك: الإبل الكثيرة الكثيرة الواحد بارك، لوجبة حق، ويروى «لنوبة حق»، وقوله أبيض خطت نعله أي بسيف طويل يخط نعله في الأرض يعني نصل السيف، ولم تخطل لم تضطرب لطول قامتي. المعنى: لما نزل الضيف قمت إلى ابل كريمة معدة لقضاء الحقوق بسيف صقيل طويل، لم يطل علي لطول قامتي.
فجال قليلًا واتقاني يخيره سنامًا وأملاه من الني كاهله
فجز وظيف القرم في نصف ساقه وذاك عقال لا ينشط عاقله
ويروي «فخر وظيف القرم» أي سقط وظيفه، وسمى ضربة السيف عاقلا، لأنه ضربه في موضع العقال، لا ينشط عاقله أي لا يحله أبدًا، يقول:
[ ٣ / ٣٠٩ ]
فزعت الإبل لما رأتني لما عرفت من عادتي فيها فجالت قليلًا، ثم عقرت خيرها سنامًا وأكثرها شحمًا وكاهلًا ..
بذلك أوصاني أبي وبمثله كذلك أوصاه قديما أوائله
المعنى: يقول: أوصاني بمثل هذا الفعل أبي، وأوصاه بمثل ذلك آباؤه.
(٧٦)
وقال النابغة الذبياني:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لنا بفناء البيت سوداء فخمة تلقم أوصال الجزور العراعر
ويروى «دهماء فخمة»، والدهماء السوداء، وفخمة ضخمة، والعراعر: الضخم.
بقية قدٍر من قدور تورثت لآل الجلاح كابرًا بعد كابر
تظل الإماء يبتدرن قديحها كما ابتدرت سعد مياه قراقر
ويروى «يقتدحن قديحها» أي مقدوحها، وقرار ماء لقضاعة وهو فراطة بينهم أيهم سبق إليه سقى وأرى، يقول: من سبق إلى هذا القدر غرف منه ولم ينتظر به أخر وسعد هو بن قضاعة المعنى: يمدح رجلًا بكثرة الطعام، وأن له قدرًا كبيرة سوداء لكثرة الاستعمال خارج بيته، من انتهى إليها غرف منها.
(٧٧)
وقال الفرزدق:
[ ٣ / ٣١٠ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وداٍع بلحن الكلب يدعو ودونه من الليل سجفا ظلمٍة وغيومها
أي نبح كما ينبح الكلب، وفي تثنية السجف قولان: أحدهما أنه واحد فثني لفظًا على مذهب العرب، والآخر ستر ظلمة المشرق وستر ظلمة المغرب، وقوله غيومها ظاهرة، أي الغيوم مضافة إلى (الظلمة) إلا أنه من المقلب أرادوا ظلمة الغيوم.
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا فتًى كابن ليلى حين فارت نجومها
بعثت له دهماء ليست بلقحًة تدر إذا ما هب نحسًا عقيمها
كأن المحال الغر في حجراتها عذراي بدت لما أصيب حميمها
فتى يعني أباه غالب بن ليلى وأبوه صعصعة، وغارت نجومها يعني نجوم الظلمة، وقوله: بعثت له دهماء يعني أن الدهماء هنا ليست بناقة تدر ثم ينقطع درها وإنما هي قدر تدر، إذا ما هب نحسًا عمسيقها: وهو الوقت الذي ينقطع فيه در الحيوان. العقيم: الريح التي تغرق كل شيء ولا مطر فيها، والمحال جمع محالة وهي فقارة الظهر، وأراد بها قطع السنام، وقد شبه قطع السنام في القدر بالجواري يبرزن عند المصيبة لحميمهن، وذلك أنهن يلبسن السواد ووجوههن تشرق بياضًا وقطع السنام بيض والقدر سوداء، وأيضًا فإن الدموع تبل وجوههن وقطع السنام في ماء القدر بمنزلة وجوه العذارى في الدموع.
غضوبًا كحيزوم النعامة أحمشت بأجواز خشٍب زال عنها هشيمها
غضوبًا يعني قدرًا، جعل غليانها غضبًا لها، وأحمشت أوقدت وبأجواز خشب يعني باوساط خشب، وقوله: «زال عنها هشيمها» أي ما بلي من قشورها، وهشيمها عيدانها، فلم يبق إلا أواسطها، فهي أحمى لنارها كما يفعل المجوس.
[ ٣ / ٣١١ ]
محضرة لا يجعل الستر دونها إذا المرضع العوجاء جال بريمها
أي جعلت حاضرة للقوم لا تستر عنهم ضنا بها، إذا المرضع العوجاء أي أعوجت هزالًا وجوعًا، والبريم خيط أو سير ينظم فيه خرز، فتشده النساء في أوساطهن، وإنما يجول البريم إذا زال من عقدها في وسطه.
(٧٨)
وقال شريح الأحوص بن كلاب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبٍح يبغي المبيت ودونه من الليل سجفا ظلمٍة وكسورها
رفعت له ناري فلما اهتدى لها زجرت كلابي أن يهر عقورها
الكسر: جانب البيت الذي يثنى ويكسر عند الرفع، ومعنى زجرت كلابي .. الخ لئلا تهر كقول الله تعالى: «يبين الله لكم أن تضلوا» أي لا تضلوا، ولم يجود في قوله: زجرت كلابي لأنه لو كثرت ضيفانه لألفته كلابه إلا أن في طلب الليل أعذر لأن الغالب مجيء الضيف بالنهار، والكلب لا يدع الحراسة بالليل. المعنى: كم مستنبح يطلب موضعًا يبيت فيه في ظلمة الليل أضأتله ناري ونهيت كلابي عن الهرير عليه.
فبات وإن أسرى من الليل عقبًة بليلة صدٍق غاب عنها شرورها
يقول: بات في ليلة صدق في قرى وفرح، غاب عنها شرورها وإن كان
[ ٣ / ٣١٢ ]
أسرى عقبة مكروهة، ويروى «عقبة» و«عقبة». المعنى يقول بات بخير وكرامة بعد مراه عقبة في جهد ومشقة.
(٧٩)
وقال مسكين الدرامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
كأن قدور قومي كل يومٍ قباب الترك ملبسه الجلال
قباب الترك: بيوتها، ولعل الشاعر سمع أن قبابهم أكبر أوسع، فشبه قدور قومه بها في سعتها.
كأن الموقدين بها جمال طلاها الزفت والقطران طال
كأيديهم معارف من حديٍد أشبهها مقيرة الدوالي
الزفت: القير شبه الطباخين بالجمال المطلية قيرًا وقطرانًا لأنه يدل على كثرة الطبخ، وربما هجي بنقاوة المطبخ وثياب الطباخ كما قيل:
مطبخ داؤد في نظافته أشبه شيء بصرح بلقيس
ثياب طباخه إذا اتسخت أنقى بياضًا من القراطيس
والدوالي جمع دالية، المعنى: يصف قدور قومه بالعظم ويشبهها ببيوت الترك، وشبه مغارفهم بالدوالي لكبرها وسعتها.
[ ٣ / ٣١٣ ]
(٨٠)
وقال العكلي عكلت الشيء جمعته بعد تفريقه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أعاذل بكيني لأضياف ليلٍة نزور القرى امست بليلًا شمالها
نزور القرى أي قليل القرى، بليلًا: باردة مع المطر، يقول لعاذلته: بكيني إذا مت لأضياف ليلة باردة مطيرة، لا يجدون من يقريهم بعدي.
أعاذل مهلًا لا تلومي ولا تكن خفيًا إذا الخيرات عدت رجالها
خفيًا أي بخيلًا إذا ذكرت المكارم يخفي. المعنى: يوصي عامرًا بفعل الخيرات كي يعد من أهلها، ولا يخفى إذا ذكر رجالها.
أرى إبلي تجزي مجازي هجمٍة كثيٍر وإن كانت قليلًا إفالها
جزأت كجزأة أي قمت مقامه، والهجمة القطعة من الإبل إلى المائة، كثير: نعت هجمة لأن فعيلا قد كثر في نعت المؤنث بغير هاء، والإفال جمع أفيل يعني ابن مخاض] والأنثى أفيلة [.
مثاكيل ما تنفك أرحل جمٍة ترد عليهم نوقها وجمالها
المثاكيل: جمع مثكال وهي الناقة التي اعتادت أن تثكل ولدها، بموت أو نحر أو هبة، والجمة: الجماعة يسألون في الدية، وقوله: ترد عليهم نوقها أي نوق المثاكيل وجمالها ترد على القوم الذين يطلبون في الحمالات. المعنى: يقول: إبلي مثاكيل ينحر أولادها للضيفان، ومع ذلك يعطي منها في الحمالات.
[ ٣ / ٣١٤ ]
(٨١)
وقال جابر بن خباب:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
فإن يقتسم مالي بني ونسوتي فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
أهين لهم مالي وأعلم أنني سأورثه الأحياء سيرة من قبلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم لهم عند علات الزمان أبًا مثلي
أهين لهم يعني للأضياف والزوار، وعلات الزمان: مكارهه وشدائده، وجعل] نفسه [أبًا للأضياف لأنه يحنو عليهم المعنى: يقول: إن صار مالي ميراثًا بعد موتي فإن الجميل يخلص لي، وكذلك فعلي الحميد، ثم دل على أنه يورث ماله ورث غيره، ثم افتخر باكرامه الأضياف في شدائد الزمان، ويعطفه عليهم عطف الرجل على ولده.
(٨٢)
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وعاذلٍة هبت بليل تلومني كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ولا يخلد النفس الشحيحة لومها
[ ٣ / ٣١٥ ]
هبت: قامت من نومها، وإنما هبت بليل لأنها لا تتمكن منه بالنهار لاشتغاله بخدمة الضياف فانتهزت الفرصة ليلًا، ويروى «قامت علي تلومني» المعنى: كم عاذلة لا متني ليلًا لأنها تتمكن مني نهارًا، فقلت لها: إن الجود لا يهلكني، والشخ لا يخلد الشحيح.
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مغيبة في اللحد باٍل رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها
المعنى يقول: إذا مات الفتى تذكر أخلاقه فيحمد ويذم، فلا تلوميني على اقتناء المدح لنفسي، ثم قال: من تكلف ما ليس من خلقه غلب المتكلف طبعه، أي خلقي الجود فلا يمكنني أن أتعود غيره، والطبع أغلب والعادة أملك.
(٨٣)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف صحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
أكف يدي أقبض يدي إذا جلسنا على الطعام فلم ينل التماسها أكف من يؤاكلني إيثارًا لهم وخوفًا أن يفنى الزاد ولم يكتفوا منه، وقيل معناه لا أجاوز بين يدي إذا أكلت والأول أوجه لما قاله من بعده «حين حاجتنا معا» أي كلنا جائع.
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وإنك مهما تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
[ ٣ / ٣١٦ ]
أقرع أي خال من الطعام، وأصله في الرأس وقد استعمله في الطعام. المعنى يقول: لا تزاحم يدي أكف الآكلين ثم قال متى أعطيت بطنك وفرجك مرادهما، فقد جلبت على نفسك غاية الذم. وهذا بيت سائر أجود ما قيل في معناه.
(٨٤)
وقال أيضًا:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أما والذي لا يعلم السر غيره ويحيي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا محافظًة من أن يقال لئيم
يروى مكان القرى «الخوى» وهو خلو البطن من الطعام، ويروى: «القوى» وأصله القواء قصره للضرورة وهو الخلاء، يقال: دار قواء أي خالية. المعنى: يقسم بالله عالم السر ومحيي الموتى أنه يختار القرى ويجوع البطن، ويؤثر بقوته غيره كي لا ينسب إلى اللؤم.
وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام بهيم
المعنى يقول: ربما أطفأ أحدهم النار وأمسك عن الأكل فأوهم الضيف أنه يأكل ليشبع ضيفه، وهذا معنى قوله وإني لأستحيي.
[ ٣ / ٣١٧ ]
(٨٥)
وقال رجل من ال حرب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
بانن تلوم وتلحاني على خلق عودته عادًة والجود تعويد
قالت أراك بما أنفقت ذا سرٍف فيما فعلت فهلا فيك تصريد
تلوم وتلحى بمعنى واحد، والجود تعويد أي جعله الله عادة له، والتصريد التقليل من كل شيء، قال ابن دريد: هو قطعك الشرب على الدابة.
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمٍة يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا ما أتينا أمر مكرمٍة قالت لنا أنفس حربية عودوا
أنفس حربية نسبها إلى قبيلته. المعنى أجابها بقوله: قلت أتركيني أي دعيني أعتاض من مالي ثناء باقيًا، ثم أفتخر بفعل المكارم، وأن أنفسهم داعية إليها.
(٨٦)
وقال أبو الكدراء العجلي، إسلامي، والكدراء تأنيث أكدر، وهو اسم موضع:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ٣١٨ ]
يا أم كدراء مهلًا لا تلوميني إني كريم وإن اللوم يؤذيني
فإن بخلت فإن البخل مشترك وإن أجد أعط عفوًا غير ممنون
البخل مشترك: يعني أكثر الناس بخيل، وقال بعضهم: إن أقللت العطية فأقله ما عندي، وأكون شريكًا لمن أعطيه في القليل فحظي منه مقدار الحاجة والباقي له. وهذا حسن ولكنه لا يطابق اللفظ المعنى: يستكف أم كدراء عن لومه، لأنها تستصرفه عن عادته فهو إذاء له ويقول: إن البخيل في الناس كثير وإنه إن أعطى لم يماطل.
ليست بباكيٍة ابلي إذا فقدت صوتي ولا وراثي في الحي يبكيني
بنى البناة لنا مجدًا ومكرمًة لا كالبناء من الأجر والطين
المعنى: دعيني أعطي مالي، فإني إذا مت لم تبكني إبلي فلماذا أحفظها، ولا وارثي يبكيني بل يفرح بموتي عن تركت مالًا، ثم دل على أن مجده قديم موروث بناه سلفهم.
(٨٧)
وقال مسكين الدارمي، ويقال: إنها لعبته بن يحيى، ويروى ابن بجير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحدثه إن الحديث من القرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
المعنى يقول: بيتي بيت الضيف، ولحافي لحافه، لا ألتحف به إن احتاج إليه، ولا يشغلني عنه غيره، وأحدثه إيناسًا له إلى أن ينام فإن تمام القرى المحادثة والبسط من الضيف كي لا يقدر أنه يستثقل مكانه، وأصبر على حديثه، ولا أتبرم به، وأعلم أنه ينام على كل حال.
[ ٣ / ٣١٩ ]
(٨٨)
وقال عمرو بن أحمر الباهلى، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ودهٍم تصاديها الولائد جلٍة إذا جهلت أجوافها لم تحلم
ودهم يعني كم قدور، وتصاديها: تقاسمها وتداريها، ومداراتها كي لا تفور، وجلة جمع جليل، وقوله: إذا جهلت أجوافها أي غلت.
ترى كل هرجاٍب لجوٍج لهمٍة زفوٍف بشلو الناب هو جاء عيلم
هرجاب ضخمة، ولهمة تلتهم كل شيء لسعتها، وقوله زفوف بشلو الناب كأنها تزف بشلو الناب وهو عضوها من الزفيف، وهو ضرب من مشي الإبل سرعة، وهو جاء يعني في غليانها جاهلة كالأهوج، ويروي «جوفاء» أي واسعة الجوف، وعيلم: كثيرة المرق وأصله البئر الكثيرة الماء.
لها لغط جنح الظلام كأنها عجارف غيٍث رائٍح متهزم
لها لغط أي صوت، عجارف غيث يعني أصوات المطر إذا أقبل بشدة، متهزم: أي شديد صوت الرعد.
إذا ركدت حول البيوت كأنما ترى الآل يجري من قنابل صوم
شبه ما يجري من الإهالة في هذه القدور بالسراب يجري فيزل عن متون الخيل.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ويحتمل أن يكون المراد تشبيه ما يرتفع من بخارها حول البيوت بالقنابل، وشبه ما ينكشف من بخارها بالسراب ينكشف عن جماعات الخيل.
(٨٩)
وقال المرار بن سعيد الفقعسي، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافيه من المتدارك)
آليت لا أخفي إذا الليل جنني سنا النار عن ساٍر ولا متنور
فيا موقدي ناري ارفعاها لعلها تضيء لساٍر آخر الليل مقتر
وماذا علينا أن يواجه نارنا كريم المحيا شاحب المتحسر
كريم المحيا: حسن الوجه، شاحب المتحسر متغير ما يبدو منه كالوجه واليد والرجل. المعنى: يأمر موقديه بإعظام النار لعله يهتدي بها سار.
إذا قال من أنتم ليعرف أهلها رفعت له باسمي ولم أتنكر
فبتنا بخير من كرامة ضيفنا وبات يهدي طعمًة غير ميسر
رفعت له باسمي أي صورتي، وقوله كرامة ضيفنا أي إكرامنا الضيف، ويحتمل إكرامًا لضيف لنا وقصده إيانا، ويروي «وبتنا نهدي» المعنى: ما يضرنا أن يقابل نارنا إذا سأل عنا بينت له اسمي. ثم بين أنه نحر للضيف ما أطعمه وفضل منه ما اتسع هو وعياله فيه، وأهدى إلى جيرانه منه، وبين أن النحر كان للضيف خاصة لا لميسر أوجب أو قمار ألزم.
[ ٣ / ٣٢١ ]
(٩٠)
وقال عروة بن الورد، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى أم حسان الغداة تلومني تخوفني الأعداء والنفس أخوف
لعل الذي خوفتنا من أمامنا يصادفه في أهله المتخلف
والنفس أخوف أي أشد خوفًا، وتخوفني الأعداء أي من إتيان الأعداء، ثم قال: لعل الذي خوفتني يلقاه المتخلف عن أصحابه. المعنى: يقول: تخوفني أم حسان الأعداء وتمنعني عن الترحال، والموت قد يأتي المقيم كما يأتي المسافر إذا حضر.
إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه أبو صبيٍة يشكو المفاقر أعجف
له خلة لا يدخل الحق دونها كريم أصابته حوادث تجرف
الخلة: الصداقة التي لا تجاوزها القرابة، والحق هنا القرابة، تجرف: تذهب بالمال كما تجرف المجرفة ما يجرف. المعنى يقول: كلما قلت قد جاء الغني حال بيني وبين الغنى زائر معيل واجب الحق ضعيف مضرور، له صداقة مثل القرابة، تلزم فأواسيه مالي فلا يتم غناي.
(٩١)
وقال يزيد بن الطثرية، وهو قشيري وأمه من طثر، وطثر بن الأزد، وقيل من جرم، إسلامي قتله الخوارج:
] الثاني من الطويل والقافية من المتدارك [
إذا أرسلوني عند تقدير حاجٍة أمارس فيها كنت نعم الممارس
[ ٣ / ٣٢٢ ]
ونفعي نفع الموسرين وإنما سوامي سوام المقترين المفالس
ويروى «وأفعل فعل الأغنياء وإنما». المعنى: يصف نفسه بحسن التأتي في الأمور يرسل فيها، ويقول: عطائي كثير ومالي قليل لأني غني النفس.
(٩٢)
وقال الأقرع بن معاذ:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إن لنا صرمًة تلفى مخيسًة فيها معاد وفي أربابها كرم
تسلف الجار شربا وهي حائمة ولا يبيت على أعناقها قسم
الصرمة من الابل نحو الأربعين، ومخيسة: مذللة للقرى والبذل، ويروي «محبسة فيها معاد» أي تعود فيها العفاة يصيبون منها مرة بعد أخرى. والشرب الماء بعينه، ويريد اللبن هنا، والحائم العطشان الذي يحوم حول الماء يقول: هذه الإبل تروي الجار من لبنها وهي عطاش، ويروى «نسلف» بالنون أي نقدم شرب إبل الجار عليها لكرمنا، وهذا أشبه بالبيت الذي بعده، ولا يبيت على أعناقها، أي لا نقسم عليها أي لا تنحر ولا توهب.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
ولا تسفه عند الحوض عطشتها أحلامنا وشريب السوء يحتدم
أي لا تسفه عطشتها أحلامنا في حال احتدام شريب السوء. المعنى: يصف أن لهم إبلًا معدة للمكرمات ويصف فرط حلمهم.
(٩٣)
وقال يزيد بن الجهم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد أمرت بالبخل أم محمٍد فقلت لها حثي على البخل أحمدا
فإني امرؤ عودت نفسي عادًة وكل امرٍئ جاٍر على ما تعودا
يعنى: امرأته ومحمد ابن لها، فقال لها: حثي ابنك على البخل، وأحمد ومحمد سواء. المعنى: يذكر أن امرأته على البخل فرد عليها بأن الجود عادته ولا منزع عنه.
أحين بدا في الرأس شيب وأقبلت إلى بنو عيلان مثنى وموحدا
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي وراءك عني طالقًا وارحلي غدا
[ ٣ / ٣٢٤ ]
اعتلالي أي اعتل على المعتافين، وراءك أي الزمي وراءك واغربي. المعنى: أبعد شيبي وسيادتي بني عيلان رجوت سقطي واعتلالي، أبعدي فقد طلقتك.
(٩٤)
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إني وأن لم ينل ما لي مدى خلقي فياض ما ملكت كفاي من مال
لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ولا تغيرني حال إلى حال
أي يفيض ما تملكه يدي كما يفيض الماء. يقول: إن قصر مالي عن غاية خلقي في الجود فأني أجود بالموجود، ولا حبس إلا قدر أبذله ولا أفتن في حال الضيف.
(٩٥)
وقال سوادة اليربوعي، سوادة فعالة من السواد، وقد قالوا: بياضه وبياض:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
ألا بكرت مي على تلومني تقول ألا أهلكت من أنت عائله
مي مية في الأصل. وإنما جعل بعد الترخيم اسمًا، فلهذا نون. المعنى يقول: لا متني مي وقالت: أهلكت عيالك ببذلك مالك للناس.
ذريني فان البخل لا يخلد الفتى ولا يهلك المعروف من هو فاعله
المعنى: أجابها فقال: دعيني أجد فأن البخل لا يخلد البخيل، والمعروف لا يهلك فاعله يعني قبل الأجل، ويحتمل معنى آخر وهو أن المعروف يبقيه أي يبقي ذكره كما قيل: لم يمت من لم يمت كرمه.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
(٩٦)
وقال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر، وحطائط: الصغير المحطوط من كل شيء ويتبع بطائط، ويعفر من عفرت الزرع وهو سقيه، وقيل: يعفر- بضم الياء والفاء وبعضهم يجيز صرفه لأنه خرج عن مثل الفعل، والأجود ترك صرفه لأن ضمة الياء للإتباع فحكم أصل باق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تقول ابنة العتاب رهم حربتنا حطائط لم تترك لنفسك مقعدا
إذا ما أفدنا صرمًة بعد هجمٍة تكون علينا كابن أمك أسودا
وهو اسم ابنة العتاب، وحربتنا أي تركتنا بلا مال، أي لم تترك من ملكك قدر ما يحبسك في أهلك. المعنى: يذكر تألم رهم ابنة العتاب من جوده ومعاتبتها إياه في ذلك.
فقلت ولم أعلي الجواب تبيني أكان الهزال حتف زيٍد وأربدا
أريني جوادًا مات هزلًا لعلني أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا
أي لم يمت زيد وأربد هزالًا وكانا سمحين، وقيل إنهما أخوا حطائط.
المعنى: أجابها بأن زيدًا وأربد كانا سمحين ولم يموتا هزالًا بل ماتا كما يموت غيرهما، وبقي جميل ذكرهما، ثم ذكر محاجته لها ومغالبنه إياها.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
(٩٧)
وقال المقنع الكندي، إسلامي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
نزل المشيب فأين تذهب بعده وقد ارعويت وحان منك رحيل
بعده أي بعد نزوله وارعويت: أي رجعت عن حالك الأولى، ورحيل أي رحلة من الدنيا، المعنى: يعظ نفسه بحلول المشيب وقرب الموت.
كان الشباب خفيفة أيامه والشيب محمله عليك ثقيل
المعنى: يصف أيام الشباب بالخفة لكثرة النشاط فيها، وأيام الشيب بالثقل لعوارض الأسقام والضعف.
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
المعنى: يفضل جود المقل على جود المكثر.
(٩٨)
وقال جؤية بن النضر، إسلامي، وجؤية تصغير جوة مخففًا، وهو رائحة صدأ الحديد ويجوز أن يكون تصغير الجية، وهو الماء المستنقع الفاسد، فعله جوي جوفه أي دوي فإذا صغرت ردت إلى أصلها:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا وما بنا سرق فيها ولا خرق
أنا إذا اجتمعت يومًا دراهمنا ظلت إلى طرق المعروف تستبق
السرف: الخطأ. المعنى: يذكر أن طريفة امرأته قالت متعجبة ما تبقى دراهمنا، ظلت تتسابق إلى طرق المعروف، ويروى «إلى طرق الخيرات» يريد أنها لا تبقى لصرفنا إياها في وجوه الخير.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
(٩٩)
وقال زرعة بن عمرو مخضرم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وأرملٍة تنوء على يديها من الضراء أو قصص الهزال
خلطت بغثها سمني فأضحت شريكة من يعد من العيال
قصص الهزال يقال: ضربه حتى أقصه للموت أي أدناه للموت وأشرف به عليه، وقوله: خلطت بغثها سمني أي خلطت فقرها بغناي. المعنى: يقول: كم أرملة ضعيفة القيام من الجوع أو من الهزال جعلتها في عيالي.
وأفنتني اليالي أم عمرٍو وحلي في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغر إلى مداه وتأميلي هلالًا عن هلال
إلى مداه إلى وقت بلوغه واستغنائه عن قيامي عليه، أفنتني: حرمتني. المعنى: يخاطب امرأته أم عمرو يقول: حرمتني كرور الليالي وقطع المفاوز وتربيتي الأولاد وانتظاري في مضي شهر بعد شهر، يشكو الهرم.
(١٠٠)
وقال عبد الله بن الحشرج الجعدي، إسلامي، والحشرج الحسي، وفي
[ ٣ / ٣٢٨ ]
كتاب الخليل الحشرج: كوز صغير نظيف.
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
ألا بكرت تلومك أم سلٍم وغير اللوم أدنى للرشاد
وما بذلي تلادي دون عرضي بإسراٍف أميم ولا فساد
إنما بكرت خشية من أن يصحبهم ويشرب في الصبوح، ويروى «عتبت» ويروى للسداد والرشاد. المعنى: يذكر أن أم سلم لامته ولم ترشد في لومها إياه فأجابها بأن بذلي مالي ليس بإسراف ولا فساد.
فلا وأبيك لا أعطي صديقي مكاشرتي وأمنعه تلادي
ولكني امرؤ عودت نفسي على علاتها جري الجواد
مكاشرتي أي ضحكي إليه، والكشر الكشف عن الأسنان، ورفع «وأمنعه» على «لا أعطي». المعنى: ولا أتبسم في وجهه ولا أمنعه مالي، إلا أن من جوز هذا قال: إن المكاشرة لا تجيء إلا في موضع الذم فجاز أن ينفيها والمنع عن نفسه، وقوله على علاتها فسروا على عسرها ويسرها وشدتها ورخائها، وليس
[ ٣ / ٣٢٩ ]
كذلك بل المعنى على شدتها وعسرها وهذا هو معنى المثل المشهور «الخيل تجري على مساويها» أي على بابها من السوء، ولو نصب أمنعه كان جائزًا على الصرف أي بإضمار أي لأنه ينفي عن نفسه أن يجتمع منه أمران معًا.
محافظًة على حسبي وأرعى مساعي آل ورٍد والرقاد
المعنى: يذكر أنه يفعل ذلك مراعاة لحسب نفسه وحفظًا لمساعي قومه.
(١٠١)
وقال رجل من بني سعد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا بكرت أم الكلاب تلومني تقول ألا قد أبكأ الدر حالبه
تقول ألا أهلكت مالك ضلة وهل ضلة أن ينفق المال كاسبه
الدر اللبن، وأبكأ حالبه أقله، يقال: بكؤت الشاة بكئًا قل لبنها. المعنى يصف أن امرأته لامته وقالت: قد أفنيت بذلًا ونحرًا، وأضللت في ذلك، فأجابها بأن الكاسب إذا أنفق لا يكون ضلالًا، وأشار إلى أنه كسب المال لينفقه لا ليورثه.
(١٠٢)
وقال مذعفر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
وإني لأسدي نعمة ثم أبتغي لها أختها حتى أعل فاشفعا
وأجمل نعمى ما فعلت ذمامًة على وآتي صاحبي حيث ودعا
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وذمامة أي حقًا وهو الذمام، وآتى صاحبي حيث ودعا، لعله أراد آتي قبره زائرًا أي أحفظ عهده حيًا وميتً، ويحتمل أن يكون المعنى أزوره حيث نزل وودع راحلته. المعنى: يقول: إذا اتخذت يدًا عند أحد شفعتها بأخرى وأجعل نعمي عليه وسيلة عنده، وأزوره حيث نزل ولا أجشمه قصدي.
(١٠٣)
وقال عمارق الطائي، جاهلي:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
ألا حي قبل البين من أنت عاشقه ومن أنت مشتاق إليه وشائقة
ومن لا تواتي داره غير فينٍة ومن أنت تبكي كل يوم تفارقه
تخب بصحراء الثوية ناقتي معدو رباٍع قد أمنحت نواهقه
أي سمن حتى صار في عظامه مخ، والناهقتان، العظمان الناتئان في وجه كل ذي حافر.
إلى المنذر الخير ابن هنٍد تزوره وليس من الفوت الذي هو سابقه
يقال: رجل خير وامرأة خيرة، ويجوز أن يكون مخففًا من خير. يقول: ما عند ابن هند مما يفوت عارقًا ويسبقه، يصفه بكثرة المعروف، وإنه ليس لأول وارد فقط، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي سبق إليه المنذر من سبي النساء ليس مما يفوت لأنهن كن في عهده وذمته [وفي هذا الوجه أيعاد] لأن جيشًا له سار إلى بعض أعدائه فأخفق، ثم عطف على رهط عارق فأغار وسبى. المعنى: يصف إسراعه إلى المنذر عمرو بن هند على ناقة سريعة لما لحق حيه من السبي، ويصفه بأنه لا يفوته على ما بينا.
فان نسًاء غير ما قال قائل غنيمة سوٍء وسطهن مهارقه
[ ٣ / ٣٣١ ]
وإنما قال قبيح وغنيمة سوء لأن سبيهن منقصة وعيب، وقوله: غير ما قال قائل يريد: قائل لا يصدق ولا ينصح لك أيها الملك كقولك: هذا هو الحق لا ما يقوله الناس. المعنى يقول: إن نساء وسطهن مهارقه- وهي الصحف وأراد بها كتب العهود هما والأمان- هن غنيمة سوء لأنهن في الذمة يحظر سبيهن، هذا هو النصح لا كما قال قائل يزين سبيهن:
ولو نيل في عهٍد لنا لحم أرنٍب وفينا وهذا العهد أنت مغالقه
مغالقه أي ضامن له، من غلق الرهن وهو لزومه، ويروى «معالقه» أي وضرب لحم الأرنب مثلًا له. المعنى: لو عقدنا عقدًا ثم أصيب في عهدنا شيء يسير غضبنا له ووفينا له، وقد بذلت العهد لنا ولزمك.
أكل خميس أخطأ الغنم مرة وصادف حيًا دانيًا فهو سائقه
المعنى يقول: أكل خميس وهو الجيش غزا غزوة فأخفق فلم يغنم ووجد من ليس بعدٍو له وكان في ذمته يستاقه أي لا يفعل هذا أحد فلا ترض بمثله.
وكنا أناسًا دائنين بغبطٍة يسيل بنا تلع الملا وأبارقه
دائنين مطيعين، والأبارق آكام من الأرضين فيها حجارة ذات لونين، واحدهما أبرق.
فأقسمت لا أحتل إلا بصهوٍة حرام عليك رمله وشقائقه
المعنى يقول: كنا مطيعين لك وفينا كثرة فأقسمت لا أنزل بعد هذا الفعل إلا على جبل حرام عليك أي ممتنع عليك سهله ونواحيه أي لا تقدر عليه، لأن أهله لا ينصاعون لك، وذكر الصهوة لأنها بمعنى الجبل، والصهوة النشاز والرهوة الفضاء.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
حلفت بهدٍي مشعٍر بكراته تخب بصحراء الغبيط درادقه
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم لنتحين للعظم ذو أنا عارقه
الغبيط ولد والدرادق الصغار واحدها دردق يعني جماعة من الإبل، ولأنتحين لأقصدن العظم بالهجاء والذم، ذو أنا عارقه يعني أنا آخذ اللحم عنده، والمشعر المعلم من الأشعار. المعنى: حلف بالهدي المسوق إلى بيت الله، ويقول للملك لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم من سبي النساء لأقصدنك بالهجاء ولأخذن لحمك عن العظم.
(١٠٤)
وقال برج بن مسهر الطائي، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سرت من لوى المروت حتى تجاوزت إلي ودوني من قناة شجونها
إلى رجٍل يزجي المطي على الوجى دقاقًا ويشقى بالسنان سمينها
فللقوم منها بالمراجل طبخة وللطير منها فرثها وجنينها
المروت: اسم موضع، وقناة: واد بالمدينة، وشجونها شعابها، الوجى نحو الحفاء، ويروى «بالشفار» وبالسنان، والشفار جمع شفرة، وقوله فللقوم البيت كأنه كان على سفر، فيطبخون طبخه واحدة، وعندي أنه يريد كثرة القوم فما ينحر منها يطبخ طبخة واحدة ولا يدخر لحمه لكثرة الأكلة، وللطير فرثها أي خبث البطن، وجنينها يعني الولد. المعنى يصف خيالًا أتاه من المروت إلى رجل يعني نفسه ويتمدح بكثرة الأسفار ونحر الإبل للأصحاب.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
(١٠٥)
وقال ملحة الجرمي، وملحة تأنيث ملح، ومياه ملحة
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فتًى عزلت عنه الفواحش كلها فلم تختلط منه بلحٍم ولا دم
كأن زرور القبطرية علقت علائقها منه بجذٍع مقوم
زرور جمع زر والقبطرية ضرب من الثياب، علائقها ما تعلق منها، ومنه أي من هذا الممدوح، وبجذع مقرم شبه قامته بجذع مستقيم، المعنى يصف نفسه بالعفة.
عملس أسفاٍر إذا استقبلت له سموم كحر النار لم يتلثم
عملس من أسماء الذئب أي هو خفيف الأسفار، استقبلت له يريد استقبلته، واللام زائدة، يصف خفته وجلادته وصبره.
إذا ما رمى أصحابه بجبينه سرى الليلة الظلماء لم يتهكم
يقول: إذا رمى أصحابه السرى بجبينه أي قدموه دليلًا أي لم يتعد أي لم يخطئ، والتهكم التندم في غير هذا وقيل معناه لم يتهكم هنا لم يمتن عليهم، ولست أعرف صحته، يصف هدايته في الظلام.
كان قرادي زوره طبعتهما بطيٍن من الجولان كتاب أعجم
قراداه حلمتها ثدييه، والجولان موضع بالشام وأراد بكتاب أعجم كتاب الروم
[ ٣ / ٣٣٤ ]
والفرس لأنه لم يكن في العرب كتاب. المعنى: يصف أنه خميص البطن لطيف الثدي، وأبدع الشاعر لأن وصف الثدي من باب الغزل.
(١٠٦)
وقال بعضهم:
(من مشطور الرجز والقافية هنا يجتمع فيها المتراكب والمتدارك والمتكاوس)
إنك يابن جعفٍر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
أن الحديث جانب من القرى
ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى
يروى جانب وطرف، أي لا يتم القرى إلا بأن يتحدث مع الضيف ويؤنس، ثم اللحاف دل على أنه كان في الشتاء، الذرى الناحية يريد في ناحية البيت، ويروى «الذرى» بضم الذال جمع ذروة أي ـعلاه. المعنى: يمدحه بإكرام الضيفان وإيناسهم بالحديث.
(١٠٧)
وقال الشماخ بن ضرار:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
وأشعث قد قد السفار قميصه وجر شواٍء بلا عصا غير منضج
[ ٣ / ٣٣٥ ]
دعوت إلى ما نابني فأجابني كريم من الفتيان غير مزلج
وجرشواء البيت أي لم يتم نضجه لاستعجال القوم، ولأن عادة الأطوياء لا يبالغون في إنضاج اللحم، وقد فصل بالعصا بين الصفة والموصوف، غير مزلج أي ضيق النفس. المعنى يقول: كم من فتى قد شعث السفر رأسه، وقد قميصه السفر وجر الشواء إلى الأضياف دعوته إلى الشغل الذي عرض لي فأجابني، ومدحه بأنه ليس ضيق النفس.
فتًى يملأ الشيزى ويروي سنانه ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتًى ليس بالراضي بأدنى معيشٍة ولا في بيوت الحي بالمتولج
الشيزى: جفان الشيز [ويقال هو الشيز بعينه]، وقوله فتى ليس بالراضي البيت أي يطلب الأمور العظام، وبالمتولج أي لا يدخل البيوت من غير أن يدعى كما يفعل الطفيلي، يريد ولا بالمتولج في بيوت الحي، فقدم الصلة على الموصول كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.المعنى وصفه بإطعام الضيف وضرب السيف، وبعد الهمة، وحسن الصنعة.
(١٠٨)
وقال يزيد الحارثي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته لولا الثناء كأنه لم يولد
المعنى: يحث على الأفعال الجميلة، ويشير إلى أن الثناء يحي ذكر صاحبه ولولا الثناء كأنه لم يكن.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وأتيت أبيض سابغًا سرباله يكفي المشاهد غيب من لم يشهد
سابغًا سرباله يريد طول قامته، يكفي المشاهد أي يقوم مقام الغائب كفاية له ونيابة عنه. المعنى: يصف ممدوحة بحسن الوجه، وطول القامة، وحسن المحضر.
(١٠٩)
وقال بعضهم، وهو الأحمر بن سالم، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
كريم يرى الاقتار عارًا فلم يزل أخا طلب للمال حتى تحولا
فلما استفاد المال عاد بفضله على كل من يرجو جناه مؤملا
المعنى: يتمدح بأنه أنف الفقر وطلب المال فلما استغنى أفضل على مؤمله.
(١١٠)
لما أتي يزيد بن عبد الملك بآل المهلب قام كثير بين يديه فقال:
[ ٣ / ٣٣٧ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
حليم إذا ما نال عاقب مجملًا أشد العقاب أو عفا لم يثرب
فقال يزيد: أطت بك الرحم لولا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم، وقوله عاقب مجملًا أي محسنًا من الجمال أي لم يجاوز الحد في عقاب الأعداء، ويحتمل أن يكون من الجملة فيكون معناه الإيجاز وترك التعذيب، والتثريب: التوبيخ. المعنى: يمدحه بالحلم وإجمال العقوبة إذا عاقب.
فعفوًا أمير المؤمنين وحسبًة فما تحتسب من الح لك يكتب
أساءوا فان تغفر فإنك أهله وأفضل حلم حسبًة حلم مغضب
حسبة أي افعل ذلك احتسابًا. المعنى: يطلب العفو عليهم والإحسان إليهم، وينسبهم إلى الإساءة، ويحثه على العفو.
(١١١)
وقال يزيد بن الجهم الهلالي:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
تسائلني هوازن أين مالي وهل لي غير ما أتلفت مال
فقلت لها هوازن إن مالي أضر به الملمات الثقال
أضر به نعم ونعم قديمًا على ما كان من ماٍل وبال
أي أفنى مالي قولي للسائل نعم، الملمات الثقال: النوائب، وقوله: على ما كان يريد به التسلط أي أضر به نعم مسلطًا على ما كان من مال وبال، ويروى «غير ما أنفقت» وما أتلفت لأنه استثناء مقدم. المعنى: يصف إتلاف ماله جودًا في الحوادث العظيمة، وطلبًا للثناء المخلد.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(١١٢)
وقال أعرابي:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
ألا فتًى نال العلا بهمه
ليس أبوه بابن عم أمه
ترى الرجال تهتدي بأمه
الهم الهمة، ليس أبوه أي أبوه بعيد النسب عن نسب أمه، والعرب تزعم أن من تزوج القريبة أضوى أي كان ولده ضاويًا أي نحيفًا، وقوله ترى الرجال الخ أي تقصده يعني يتقدمهم ويقودهم. المعنى: يتمنى رجلًا بعيد الهمة، بعيد ما بين نسبة أبويه، يصلح للرئاسة والزعامة ليتعبه.
(١١٣)
وقال ابن المولى ليزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، إسلامي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشتري
وإذا توعرت المسالك لم يكن منها السبيل إلى نداك بأوعر
كريمة يعنى خصلة كريمة، يريد مدحه بإيثار الخصال الكريمة، ويصفه بالسماحة والعطاء يقول: الوصول إلى عطائك سهل لسماحتك وإن صعبت الطريق إلى غيرك.
وإذا صنعت صنيعًة أتممتها بيدين ليس نداهما بمكدٍر
المعنى: يصفه بإتمام الصنائع إذا ابتدأها، واجتناب المن فيها والمطل بتعجيلها.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وإذا هممت لمعتفيك بنائل قال الندى فأطعته لك أكثر
يا واحد العرب الذي ما أن لهم من مذهب عنه ولا من مقصر
يصفه بجزالة العطية، وسماحة السجية، وأنه هو واحد قومه إذ كان عديم النظير، وقوله: ما أن لهم من مذهب أي طريق يعدلون إليه عنه، ولا من مقصر، والقصر الغاية، وفسرها هنا الحيلة. المعنى: يصفه بعدم النظير في السيادة.
(١١٤)
وقال المعذل بن عبد الله الليثي، وأخذ بجرم فكفل عنه النهش بن ربيعة العتيكي، وكان حيث كفل عنه دفع إليه فحمله على فرس وبغل وأمره أن ينجو بدمه، فقال له المعذل أخيرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك فاختار امتداح قومه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جزى الله فتيان العتيك وأن نأت بي الدار عنهم خير ما كان جازيًا
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الـ ـصحابة لما جم ما كنت لاقيا
خلطوني بالنفوس: جعلوني كواحد منهم، وحم قدر. المعنى: يستجزي الله فتيان العتيك خيرًا، ويقول هم حاموا عني ومنعوا أعدائي عني في وقت قربي فيه الحال التي كنت أكرهها.
هم يفرشون اللبد كل طموٍة وأجرد سباٍح يبذ المغاليا
طعامهم فوضى فضًا في رحالهم ولا يحسنون السر إلا تناديا
كأن ذنانيرًا على قساتهم إذا الموت للأبطال كان تحاسيا
يبذ يعلب، والمغالي المرامي من الغلاء جمع غلوة وهي السهام تبعد في الرمي،
[ ٣ / ٣٤٠ ]
فوضى أي شركة بينهم، فضا أي واسع، ولا يحسنون السر أي لا ريبة عندهم فيغضون أصواتهم لها، والقسمات الواحدة قسمة. المعنى: يصفهم بالفروسية، والحروب لقلة اكتراثهم بها.
(١١٥)
وقال بعض الأعراب:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وزاٍد وضعت الكف فيه تأنسًا وما بي لولا آنسة الضيف من أكل
وزاٍد رفعت الكف عنه تعففًا إذا ابتدر القوم القليل من الثفل
وزاٍد أكلناه ولم ننتظر به غدًا أن بخل المرء من أسوأ الفعل
آنسة يعني أنس. المعنى: قسم الزاد الذي حضره على ثلاثة أقسام ورتبه ثلاث مراتب فقال: وزاد تناولت لأونس الضيف وما بي حاجة إلى الأكل، وزاد آخر لم أتناول منه لقلته وتركته إلى من حضر معي إيثارًا له، وزاد آخر أكلناه ولم ندخره بخلًا فإن البخل من أسوأ الفعل.
(١١٦)
وقال آخر، وهو محمد بن يسير، كان في زمن المبرد:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
لقَّل عارَّا إذا ضيف تضيفني ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
[ ٣ / ٣٤١ ]
جهد المقل إذا أعطاك نائله ومكثٍر في الغنى سيان في الجود
تضيفني أي جاءني، المعنى يقول: ما أقل عاري إذا بذلت طاقتي لضيفي وإن كنت مقلًا، فإن المقل إذا بذل ما عنده كالمكثر إذا بذل ما عنده في الجود لأن كل واحد منهما قد بذل ما قد عليه.
(١١٧)
وقال خلف بن خليفة، ويقال له الأقطع لأنه قطعت يده لسرقة اتهم بها، وكان لسنا بذيئًا: أخبرني أبو أحمد العسكري عن الشاطبي عن عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني قال: لقي خلف بن خليفة الأقطع الفرزدق فقال من الذي يقول:
هو القين وابن القين لاقين مثله لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
فقال: الذي يقول:
[ ٣ / ٣٤٢ ]
هو اللص وابن اللص لا لص مثله لنقب البيوت أو لطي الدارهم
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
عدلت إلى فخر العشيرة والهوى اليهم وفي تعداد مجدهم شغل
المعنى: يصف فخر سيبان وعدواه عن عد مجدهم لأنه لا يحصى كثرة إلى فخرهم.
إلى هضبٍة من آل شيبان أشرفت لها الذروة العلياء والكاهل العبل
من النفر البيض الذين كأنهم صفائح يوم الروع أخلصها الصقل
إلى معدن العز المؤيد والندى هناك هناك الفضل والخلق الجزل
العبل: الضخم، والبيض الحسان، وربما أراد بالأبيض النقي من العيوب، والخلق الجزل العظيم. المعنى: يصفهم بالعزة والمنعة وبحسن الوجوه في الحرب والوقعة، وبالندى وحسن الخلق والسعة.
أحب بقاء القوم للناس إنهم متى يظعنوا من مصرهم ساعة يخلو
المعنى: يصفهم بأن حياة الناس وعمارة البلاد بهم.
عذاب على الأفواه ما لم يذقهم عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو
المعنى: يصفهم بالتحبب إلى أوليائهم والتشدد على أعدائهم.
عليهم وقار الحلم حتى كأنما وليدهم من أجل هيبته كهل
المعنى: يصفهم بفرط الحلم، ويروى «من جل هيبتهم».
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
استجهلوا أي طلب جهلهم، يقول: إذا قصد الحلم لم يبعد حلمهم وإن
[ ٣ / ٣٤٣ ]
اختاروا أن يفعلوا ما يفعله الجهلاء عظم تأثيرهم. المعنى: يصفهم بكثرة الحلم مع قدرتهم على فعل الجهل.
هم الجبل الأعلى إذا ما تناكرت ملوك الرجال أو تخاطرت البزل
تناكرت: أنكر بعضهم بعضًا وتعادت، وتخاطرت البزل أي تقاتلت الأقران، والبزل جمع البازل من الإبل. المعنى: يقول: هم الجبل العالي عند معاداة الملوك ومحاربة القرآن، لأنه لا يقدر عليهم أحد.
ألم تر أن القتل غاٍل إذا رضوا وإن غضبوا في موطٍن رخص القتل
المعنى: يصفهم بعظم السطوة إذا غضبوا، وشمول الأمن هذا إذا رضوا.
لنا فيهم حصن حصين ومعقل إذا حرك الناس المخاوف والأزل
الأزل الشدة والضيق، وأصله الحبس. المعنى: يصفهم بعز الجار إذا خاف جار غيرهم، يقول: لنا فيهم ملجأ إذا أزعج الناس الخوف عن أوطانهم.
لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل
أرهقه غشيه، وقوله إذا الجار أي إذا ظلم حتى كأنه أكل والمأكول كذلك يعني وقت الشدة. المعنى: يصفهم بإغاثة المستغيث والذب عن الجار.
سعاة على افناء بكر بن وائٍل وتبل أقاصي قومهم لهم تبل
التبل الحقد. المعنى: هم يسعون بالخير على أحياء بكر بن وائل، وإذا كان لأبعدهم حقد فهو حقدهم.
إذا طلبوا ذحلًا فلا الذحل فائت وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل
المعنى: يصف عزهم وأنهم يدركون ذحلهم عند الناس ولا يدرك عندهم ذحل.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا بتلك التي إن سميت وجب الفعل
الكلمة التي كنى عنها فقال: «بتلك التي إن سميت وجب الفعل» قولهم: نعم. المعنى: يصفهم بانجاز المواعيد، وإذا قالوا نعم وجب [الفعل فلم يتأخر].
بحور تلاقيها بحور كثيرة إذا زخرت قيس وإخوتها ذهل
زخرت ارتفعت. المعنى: شبههم بالبحور لعظم شأنهم وإرتفاع مكانهم وغلبة سلطانهم.
(١١٨)
وقال أبو الرياح الأسدي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا يملكون عداوة من حاسٍد وحذاء كل مروءٍة حسادها
(١١٩)
وقال آخر:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ٣٤٥ ]
عادوا مروءتنا وضلل سعيهم ولكل بيت مروءٍة أعداء
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشٍر أزرى بفعل أبيهم الأبناء
يعنى عادوا وأرادوا أن يظفر وابمروءتنا فغاب سعيهم، ثم قال: ولكل بيت مروءة أعداء، والمروءة فعولة من المرء يعني الانسانية، وقوله: أزرى بفعل أبيهم أي قصروا لأنهم هدموا ما بنت آباؤهم من العلا.
(١٢٠)
وقال المتوكل الليثي:
(الثالث من العروض الثانية الحذاء والقافية من المتراكب)
لسنا وإن أحسبنا كرمت ممن على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
المعنى: لسنا وان كرمت أحسابنا وشرفت أنسابنا ممن يقعدون عن ادخار المكرمات ويعتمد على ما اثله أولونا من المأثرات، بل نبي المجد كما ابتنوا، ونقتني المحامد كما اقتنوا.
(١٢١)
وقال طريح:
[ ٣ / ٣٤٦ ]
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
طلبت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي فقصرت مغلوبًا وإني لشاكر
المعنى يقول: رمت الاضطلاع بشكرك مجاراة لما أوليتنيه من برك فعجزت عنه وقصرت دون بلوغه، وإن كنت قد استنفدت وسعي وطوقي في ابتغائه وانتحائه.
وقصرت دون بلوغه، وإن كنت قد استنفذت وسعي وطوقي في ابتغائه وانتحائه.
وقد كنت تعطينىي الجزيل بديهة وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطًا وترجع بالتي لها أول في المكرمات وآخر
المعنى يقول: كنت توليني الجزيل الكثير من إحسانك وتستحقر ما أستكثره من ذلك فأرجع محسورًا على ما أفدتنيه من برك، وفزت أنت بأحدوثة جميلة قد أخذت بطرفي في المكرمات.
(١٢٢)
وقال أبو العطاء السندي، وتروى لحبيب بن عوف:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
فتًى زاده السلطان في الحمد رغبًة إذا غير السلطان كل خليل
السلطان الملك. المعنى يصفه بحسن العهد وشرف التواضع.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
(١٢٣)
وقال ابن الزبير: وقيل: إنها للربيع يفضل محمد بن مروان على عبد العزيز ابن مروان:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا تجعلن مبدنًا ذا سرٍة ضخمًا سرادقه وطيء المركب
كأغر يتخذ السيوف سرادقًا يمشي برايته كمشي الأنكب
فتح الاله بشدٍة قد شدها ما بين مشرٍق أهلها والمغرب
جمع ابن مروان الأغر محمد بين ابن أشترهم وبين المصعب
[ ٣ / ٣٤٨ ]
(١٢٤) وقال أعشى ربيعة وهو من بني شيبان، ودخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أبا المغيرة ما الذي بقي من شعرك؟ فقال: "لقد ذهب منه وبقي"، على أنني الذي أقول:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
وما أنا في حقي ولا في خصومتي بمهتضم حقي ولا قارع سني
المعنى: لا أندم على شيء أفعله لكمال حزمي وصواب تدبيري.
ولا مسلم مولاي عند جناية ولا خائف مولاي من شر ما أجني
المعنى يقول: أذا جنى ابن عمي جناية لم أخذله ولكني أدفع عنه وأنصره، وقوله ولا خائف أي لا ألزم ابن عمي جنايتي.
وإن فؤادي بين جنبي عالم بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر واللب أنني أقول على علم وأعرف من أعني
وأصبحت إذ فضلت مروان وابنه على الناس قد فضلت خير أب وابن
[ ٣ / ٣٤٩ ]
ويروى "وأعرف ما أعني" وهو أعم. المعنى: يصف عزه ومنعته وحزمه وذكاءه وفطنته ويدعي فضله على جميع الشعراء، لعلمه باللفظ ومعرفته بالمعنى، ويفضل عبد الملك بن مروان وأباه على جميع الناس.
(١٢٥)
وقال في سليمان بن عبد الملك:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أتينا سليمان الأمير نزوره وكان امرأ يحيا ويكرم زائره
إذا كنت في النجوى به متفردا فلا الجود مخليه ولا البخل حاضره
كلا شافعي سؤاله من ضميره عن البخل ناهيه وبالجود آمره
يقول لسؤاله: له شفيعان من ضمير أحدهما ينهاه عن البخل. وكان حقه ألا يجعله محتاجا إلى النهي عن البخل. المعنى: يصف سليمان بن عبد الملك بالكرم والعطاء ومخالفة الجود إياه وبعد البخل عنه، وإن لكل سائل عنده شفيعين من قلبه يحثان على إنجاحه.
(١٢٦)
وقال الكميت في مسلمة بن عبد الملك:
[ ٣ / ٣٥٠ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا ولا استعذب العوراء يوما فقالها
يدوم على خير الخلال ويتقي تصرفها من شيمة وانفتالها
العوراء: الكلمة القبيحة. المعنى: يمدحه بالحلم واجتناب الفحش والدوام على حسن الخلق.
وتفضل أيمان الرجال شماله كما فضلت يمنى يديه شمالها
وما أجم المعروف من طول كره وأمرا بأفعال الندى وافتعالها
ما أجم المعروف أي ما كره الإحسان إلى الناس، من طول كره أي لم يمل المعروف من كثرة مهاودته، وأكثر ما يجيء الافتعال في الذم، وهنا جاء في المدح.
المعنى ينفي عنه ملاله المعروف مع طول تكرره عليه، ويصفه بفعل المعروف والأمر به.
ويبتذل النفس المصونة نفسه إذا ما رأى حقًا عليه ابتذالها
بلوناك في أهل الندى ففضلتهم وباعك في الأبواع قدما فطالها
قوله: ويبتذل، جعل للنفس نفسًا، يريد يبتذل نفسه في الحقوق. المعنى: يصفه بابتذال النفس في حقوق الناس، ويفضل جوده على جميع الخلق، والأبواع جمع باع.
فأنت الندى فيما ينوبك والسدى إذا الخود عدت عقبة القدر مالها
الندى والسدى واحد عند بعض العرب، قال أبو زيد: "الندى في أول
[ ٣ / ٣٥١ ]
الليل والسدى في آخره". عقبة القدر ما يبقيه المستعير في أسفلها من المرق صلة لمعيرها، يصف قحط الزمان. المعنى: يقول إذا قحط الناس فأنت الخصب تنعش الناس وتحييهم.
(١٢٧)
وقال المتوكل الليثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
مدحت سعيدًا واصطفيت ابن خالد وللخير أسباب بها يتوسم
يقول: أثنيت عليهما إلا أني اخترت بابن خالد لما تبينت فيه من آثار الخير، ويتوسم: يتفرس.
فكنت كمجتش بمحفاره الثرى فصادف عين الماء إذ يترسم
المحفار: ما يحفر به، والمجتش القاطع، ويروى "كمحتس" بالسين غير معجمة، وبالتخفيف وهو أحسن في المعنى وهو الذي يحفر الحسا وهو حفيرة يستنقع فيها الماء فلا يلبث أن ينضب يقول: كنت كمن يطلب الحسا فوجد عين الماء.
فإن يسأل الله الشهور شهادة تنبيء جمادى عنكم والمحرم
إنما خص جمادى لأنه شهر برد، والمحرم لأنه شهر حرام، يقول: إن يسأل الله الشهور عنكم أخبرت جمادى بقراكم الضيف وصلتكم الرحم، وأخبر المحرم بحفظكم حرمته وتأديتكم حقه.
بأنكم خير الحجاز وأهله إذا جعل المعطي يمل ويسأم
[ ٣ / ٣٥٢ ]
المعنى: فضلهم على أهل الحجاز جودًا.
(١٢٨)
وقال نصيب في عمر بن عبد الله الليثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
والله ما يدري امرؤ ذو جنابة ولا جار بيت أي يوميك أجود
أيوم إذا ألفيته ذا يسارة فأعطيت عفوًا منك أم يوم تجهد
ذو جناية أي غريب، أجود من الجود أي أكثر عطاء. المعنى: يحلف أنه لا يدري الغريب والقريب أنه في يوم اليسر والغنى أجود أم في يوم الضيق والجهد، وإنما اشتبه عليهم ذلك لأنهم نالوا فيهما عطاء، يصفه باستمرار الجود في حالتي السعة والضيق.
وإن خليليك السماحة والندى مقيمان بالمعروف ما دمت توجد
مقيمان ليسا تاركيك لخلة من الدهر حتى يفقدا حين تفقد
المعنى: ملازمة الجود إياه، ولا يحسن مدح السادة بمثل هذا ما تشمئز منه النفوس من ذكر الفقر، وإن كان لا بد منه.
(١٢٩)
وقال زياد الأعجم يمدحه:
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
أخ لك ليس خلته بمذق إذا ما عاد فقر أخيه عادا
[ ٣ / ٣٥٣ ]
أخ لك لا تراه الدهر إلا على العلات بساما جوادا
قوله: إذا ما عاد يريد إذا أعطى صاحبه فأتلف ما أعطاه وافتقر عاد يعطي.
المعنى: يصفه بمعاودة العطاء ومداومة التبسم في وجوه الزوار.
(١٣٠)
وقال أمية بن أبي الصلت:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع لك الحسب المهذب والسناء
المعنى: يتلطف في استماحته يقول: أأذكر حاجتي أم يكفيني حياؤك وعلمك بالحقوق وعادتك الحياء، وأنت فرع رفيع لا عيب في حسبك، المعنى: يصفه بصدق الخلة، وينفي عنه التلون.
خليل لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء
وأرضك كل مكرمة بنتها بنو تيم وأنت لهم سماء
هذا مثل، جعل أرضه مكرمة، وجعله سماء لها، المعنى: يمدح قومه بابتناء المكارم ويفضله عليهم.
إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء
المعنى: يصفه بغاية الجود، وأنه لا يحوج قاصده إلى المسألة ويكفيه منها ثناؤه عليه.
تباري الريح مكرمة وجودًا إذا ما الكلب أحجره الشتاء
[ ٣ / ٣٥٤ ]
تباري الريح يريد إما أن يعطي كما هبت وإما أن يعطي الناس عاما، ولا تكاد السباع تجد البرد إلا إذا اشتد.
(١٣١)
وقال ابن عبدل الأسدي يمدح عبد الملك بن بشر بن مروان:
(الضرب الأول من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتراكب)
بينا هم بالظهر قد جلسوا يومًا بحيث ينزع الذبح
فإذا ابن بشر في مواكبه تهوي به خطارة سرح
فكأنما نظروا إلى قمر إو حيث علق قوسه قزح
الظهر موضع معروف، والذبح نبت له نور أحمر، وابن بشر هو عبد الملك بن بشر بن مروان، وأمه هند بنت أسماء بن خارجة، خطارة فرس، تحرك ذنبها نشاطًا، سرح سهلة تنسرح في سيرها، أو حيث علق قوسه قزح يعني كأنهم ينظرون إلى قوس قزح، ويقال: أن قزح شيطان، وقال بعضهم: القزح الطرائق الذي فيه، وليس يعني باليوم هنا، وإنما يريد الوقت منه، ويعبر باليوم عن الزمان والعصر. المعنى يصفه بحسن الموكب وشرف الصحبة وجمال الصورة.
(١٣٢)
وقال حاتم الطائي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
متى ما يجيء يوما إلى المال وارثي يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
جمع الكف بكسر الجيم قدر ما يشتمل الكف عليه. المعنى: يصف سخاوته وشجاعته يقول: أبذل مالي في حياتي فلا يجد وارثي غير ما يذكره من بعد.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
يجد فرسا مثل العنان وصارما حساما إذا ما هز لم يرض بالهبر
فرسا مثل العنان يعني ضامرا صلبا، لم يرض بالهبر وهو أن يختلس قطعة من اللحم، ويروى "بالهتر" وهو الكسر، المعنى: يقول: لا يجد إلا فرسا ضامرا وسيفا قاطعًا لا يرضى بقطع اللحم حتى يصم في العظم.
وأسمر خطيا كأن كعوبه نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر
القسب نوع من التمر نواه صلب. المعنى: يقول: إن جاء وارثي لم يجد غير رمح طويل صلب طوله إحدى عشرة ذراعًا.
(١٣٣)
وقال غيره:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
آل المهلب قوم خولوا شرفا ما ناله عربي لا ولا كادا
لا كاد أي ولا قرب من نيل ذلك الشرف، يفضل آل المهلب في الشرف على جميع العرب، وينفي العرب نع مداناتهم.
لو قيل للمجد حد عنهم وخالهم بما احتكمت من الدنيا لما حادا
المعنى يقول: لو قلت للمجد انصرف يا مجد عن آل المهلب وخذ حكمك ما شئت لم يفارقهم خالي ترك، يقال خاليت الرجل إذا تركته.
إن المكارم أرواح يكون لها آل المهلب دون الخلق أجسادا
المعنى: جعل آل المهلب دون الناس أرواحًا للمكارم، يقول: قوام المكارم بهم كما أن قوام الأجساد بالأرواح.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وقال النضر بن الحارث، وتروى لأخته:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
الواهب الألف لا يبغي بها بدلا إلا الإله ومعروفا بما اصطنعا
المعنى: يمدحه بكثرة العطية، وأنه لا يريد بذلك إلا رضى الله والإحسان إلى عباده.
(١٣٥)
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا من مبلغ عني قريشا ففيم الأمر فينا والإمار
الامار المؤامرة وهي المشاورة، وفسر بعضهم الامار: الامارة وليس ذلك بمشهور.
لنا السلف المقدم قد علمتم ولم توقد لنا بالغدر نار
ولم توقد لنا بالغدر نار أي لم تقدر فتوقد نار للشهرة، وكانوا إذا أرادوا أن يشهروا إنسانا بالغدر أوقدوا نارًا فاجتمع إليها الناس، ثم نادى مناد ألا إن فلانا قد غدر.
وكل مناقب الخيرات فينا وبعض الأمر منقصة وعار
[ ٣ / ٣٥٧ ]
المعنى: صفية هي عمة النبي ﷺ تخاطب في هذه الأبيات بني أمية تقول:
كيف تكون الولاية لكم والسلف المقدم لنا، تعني النبي ﷺ.
(١٣٦)
وقالت امراة من بني مخزوم:
(من السريع والقافية من المتواتر).
إن تسألي فالمجد غير البديع قد حل في تيم ومخزوم
قوم إذا صوت يوم الوغى قاموا إلى الجرد اللهاميم
من كل محبوك طوال القرى مثل سنان الرمح مشهوم
غير البديع نصب، كما تقول حقا أي المجد حل قديما في تيم ومخزوم، واللهاميم من الخيل الجياد، ومن الإبل الغزار الواحد لهموم، والمحبوك الموثق الخلق، طوال القرى طويل الظهر، مشهوم جريء كأنه سهم أي جريء للجري، وتيم هو تيم بن مرة بن كعب رهط أبي بكر الصديق ﵁ - ومخزوم رهط أبي جهل بن هشام بن المغيرة لعنه الله. تفتخر بقدم المجد في تيم ومخزوم وهما من قريش، وتصفهم بالشجاعة والفروسية.
(١٣٧)
وقالت:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
[ ٣ / ٣٥٨ ]
ألا إن عبد الواحد الرجل الذي ينيلك ما حاولت والوجه وافر
المعنى تقول: يعطيك ولا يحوجك إلى الضراعة في المسألة.
(١٣٨)
وقالت الخنساء بنت عمرو:
[من الأول المطوي الموقوف من السريع والقافية من المتواتر]
دل على معروفه وجهه بورك هذا هاديًا من دليل
المعنى: تصفه بالطلاقة والبشاشة، وبورك هذا دعاء له بالبركة.
تحسبه غضبان من عزه ذلك منه خلق ما يحول
ويل امه مسعر حرب إذا ألقي فيها وعليه الشليل
ويل امه تعجب لا يريد به الإيقاع، والشليل درع قصيرة الجمع أشلة، وهو أيضًا ثوب يلبس تحت الدرع. المعنى: تصفه بحسن الوجه وكرم العز والثبات في الحرب.
(١٣٩)
وقالت امرأة من إياد، الإياد ما ارتفع من الرمل، والإياد أيضًا ما يبنى خلف
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الحائظ تقوية له:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
الخيل تعلم يوم الروع إن هزمت أن ابن عمرو لدى الهيجاء يحميها
لم يبد فحشا ولم يهزز لمعضلة وكل مكرمة تلفى يساميها
لم يهزز لمعضلة أي لم يحرك لمعضلة أي حادثة، تصفه بالجرأة والقوة ورد العدو عن أصحابه إذا انهزموا، وتمدحه بالعفة وقلة المبالاة بالحوادث العظيمة.
المستشار لأمر القوم يجزبهم إذا الهنات أهم القوم ما فيها
لا يرهب الجار منه غدرة أبدًا وإن ألمت أمور فهو كافيها
إذا الهنات أي الأشياء المكروهة، والواحدة هنة. المعنى: تصفه بالسمو إلى المكارم وبجزالة الرأي، وصواب المشورة، وبالبراءة من الغدر وكفاية ما يلم بالقوم من الأمر.
تم باب الأضياف بحمد الله ومنه
[ ٣ / ٣٦٠ ]