(١)
قال رجل من بلعنبر أو بني العنبر - فحذف النون ومثله كثير - إسلامي:
(من الضرب الثاني من البسيط والقافية متواتر).
لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهب بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة بانا
مازن من تميم، والموازن في العرب أربعة: مازن قيس، ومازن اليمن، ومازن ربيعة، ومازن تميم، وهو المراد. لم ستتبح: لم تنتهب. اللقيطة: فعيلة بمعنى مفعولة أي ملقوطة. وخشن: جمع خشنٍ، والحفيظة: الغضب في الشيء الذي يجب حفظه، واللوثة: الضعف، واللوث: القوة. المعنى: قال بعضهم: إن هذا القائل كان من بني مازن إلا أنه يعاتب قومه لأنهم تركوا معاونته حتى انتبهت ابله، فيقول: لو كنت منهم لعاونوني، وهذا كما يقول الرجل لابنه: لو كنت أباك
[ ٢ / ٧٧ ]
لأطعتني، وقيل: لم يكن من مازن، وهو الصحيح، والأول خطأ لأنه وصف بني مازن بالشجاعة، ووصف قومه بالخشية والإحجام، فدل اختلاف الصفتين على أن أحد الموصوفين غير الآخر.
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاننا
أبدى: أظهر، والزرافات: الجماعات، ووحدانا: واحدًا واحدًا، أي إذا سمعوا بذكر الحرب أسرعوا إليها مجتمعين ومتفرقين. المعنى: يصف بني مازن بالحرص على الحرب، والإقدام على الشر، يقول: هم قوم إذا اشتدت الحرب أسرعوا إليها غير سائلين من دعاهم لها حجة عليها، ولا باحثين عن سببها، لأن الجبال يتعلل بذلك فيتباطأ عن الحرب.
لكن قومي وإن كانوا ذوى عدد ليسوا من الشر في شئ وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
المعنى: إن بني مازن كما وصفتهم، لكن قومي بني العنبر لا يدخلون في شيء من الشر وإن خف، يغفرون لمن ظلمهم، ويحسدون إلى من أساء إليهم، يصفهم بالجبن وبهوانهم، لأن العرب تتمدح بالظلم، ويرون ذلك منقبة وفخرًا.
كأن ربك لميخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
المعنى: يصفهم بالجبن ونهاية الخور، ويقول: كأن الله تعالى لم يخلق أحدًا. يخشاه من الناس غيرهم، فلا يؤذون أحدًا. وقد زيد في هذه الأبيات ما لم يتضمنه اختيار أبي تمام، ومنها قوله: "فليت لي بهم".
وقال الفند الزماني - جاهلي واسمه شهل بن شيبان الزماني، وليس في العرب
[ ٢ / ٧٨ ]
شهل غيره- زمان ابن مالك بن صعب بن علي بن بكر علي علي بن بكر بن وائل- في حرب البسوس، والفند لقب له لأنه قال في بعض الحروب، وقد أحس فشلًا من قومه أنا فند لكم، وهو الجبل، وإنما لقب به تشبيهًا بالجبل.
(من الهزج الأول والقافية متواتر)
صفحنا عن بني ذهٍل وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذي كانوا
قال بعضهم: إنما هو عنى بني هند لأنه لم يكن بين هذا الشاعر وبني ذهل حرب، وقوله: كالذي كانوا قيل: إنه كالذين كانوا، والعرب تقول: الذي بمعنى الذين، وقيل: الذي بمعنى ما لأنك تعبر بهاما عن شيء واحد، وهو أحسن، وشاهده ما أنشده الفراء:
[ ٢ / ٧٩ ]
وإن الذي حانت بفلٍج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد.
المعنى: أساءت بنو ذهل أبنو هند إلينا، فتجاوزنا عنهم لما بيننا من الرحم، وطمعنا في أن تردهم الأيام إلى ما كانوا عليه من قبل.
فلما صرح الشر فأضحى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا
مشينا مشيه الليث عدا والليث غضبان
بضرٍب فيه تفجيع وتأييم وارنان
ويروى فيه توهين وتخضيع واقران، وقوله: دناهم كما دانوا، أي
[ ٢ / ٨٠ ]
جازيناهم كما فعلوا، وقوله: عدا من العدوان أي مشينا إليهم كما يمشي السد عاديًا غضبان، وزعم الديمرتي أنه غدا- بالغين- قال: لا يجوز عدا إلا إذا كان الليث دائم العدوان، وقال غيره: هو عدا- بالعين- قال: لا يجوز عدا إلا إذا كان الليث دائم العدوان، قال غيره: هو عدا- بالعين- ولا يجوز غدا لأن الليث لا يغدو ثقة بنفسه إلا لصيد لا يفته متى قصده. قال أبو علي الاستراباذي: وقول
[ ٢ / ٨١ ]
الديمرتي إن «عدا» غلط لأن الليث دائم العدوان فغلظ أيضًا، لأنه لا يعدو إلا عند رؤية الصيد وقصده، ولا يكون دائمًا قاصدًا للصيد، وإنما يقصد وقت الحاة، وتوهين تضعيف، وتأييم قتل الرجال حتى تبقى النساء أيامي، وتخضيع أي تذليل، وتفجيع من الفجيعة وهي المصيبة، وقوله: إقران قد أكثروا القول فيه، فقيل: معناه الإطاقة من قوله تعالى:﴾ وما كنا له مقرنين ﴿، وقيل: معناه تذليل من قولهم: أقرن الرمل إذا لأن، ويقال: غلبة من قولهم أقرن فلان إذا غلب، وقيل: أقران مواصلة لا فتور فيها، المعنى: فلما ظهر الشر من بني ذهل كل الظهور، ولم يبق موضع للعذر فعلنا بهم مثل فعلهم في الإساءة، وقصدناهم كما يقصد الليث إلى فريسته غضبان بضرب، وفي ذلك الضرب قتل الرجال في قول من روى تأييم وتفجيع، وتذليل في قول من روى تخضيع، وقد بينا معنى الأقران:
وطعٍن كفم الزق إذا والزق ملآن
إذا: سال، وجرح غاٍذ أو سائل. المعنى: مشينا لهم بضرب كما وصفه، وبطعن واسع الجرح كثير سيلان الدم، وشبه بالزق الممتلئ إذا سال ما فيه:
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
في الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
المعنى: يعتذر لقومه ولنفسه فيما كان منهم من الإساءة لبني ذهل أو بني هند، يقول: احتملناهم فلم يرتدعوا، والحلم عن الجاهل مع إصراره على الإساءة انقياد للذل، وإذا لم يخلصك الإحسان من أذى صاحبك فخلاصك منه في أن تقابله بمثل ما فعله من السوء، فلذلك قابلناهم بالقتل.
[ ٢ / ٨٢ ]
(٣)
وقال أبو الغول الطهوي، وهو منسوب إلى طهية- قبيلة- إسلامي.
(من الوافر الأول والقافية متواتر)
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني
فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون
الزبون: الدفوع من الزبن وهو الدفع، ويروى «الطحون» أي كثير الطحن. المعنى: نفسي ومالي فدى لفوارس صدقوا ظنوني في ثباتهم في الحرب ودفعهم للعدو، وهم لا يملون الموت والجرح إذا اشتدت الحرب ويروى «صدقت فيهم ظنوني».
ولا يجزون من حسٍن بسيٍء ولا يجزون من غلٍظ بليٍن
المعنى: يصفهم بالشجاعة والشدة، ومقابلتهم الناس بما يستحقون أي لا يحسنون إلى من لا يحسن إليهم، ولا يلينون لمن لا يلين لهم.
ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينًا بعد حين
المعنى: يصفهم بالشجاعة والثبات على الشدة، وإن معاودتهم الحرب بعد الحرب لا تضعف جلادتهم، ولا تنقص شجاعتهم.
هم منعوا حمى الوقبى بضرٍب يؤلف بين أشتات المنون
فنكب عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون
[ ٢ / ٨٣ ]
الوقبى والقلهي مقصوران: موضعان لبني تميم، ويقال: القبى. المعنى: هؤلاء الفارس الذين فداهم حفظوا حمى الموضع الذي يسمى الوقبى بضرب هلكت به جماعة، لولاه لماتوا في مواضع متفرقة وأوقات مختلفة، فبعد عنهم ذلك الضرب قصد الأعادي، وعالجوا من إساءة القوم إليهم بمثلها.
ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا أرض الهدون
الهدون: السكون، ومنه سمي الصلح هدنة، لما فيه من السكون، (ويروى) «ولا روض الهدون». المعنى: يصفهم بالشجاعة وقلة الميل إلى طلب الراحة، يقول: لا يرعون نواحي الدعة والسكون إذا نزلوا.
(٤)
وقال جعفر بن علبة، إسلامي وجعفر نهر وجمعه جعافر، وعلبة هي المحلب وجمعها علب.
(الثاني من الطويل والقافية متواتر)
ألهفى بقرى سحبٍل حين أحلبت علينا الولايا والعد المباسل
قرى: موضع، سحبل: واد عظيم، كانت فيه وقعة لبني الحرث بن كعب، وأحلبت: أعانت، ويروى «أجلبت» بمعنى شغبت والولايا: العشائر
[ ٢ / ٨٤ ]
ومن يقرب، وأصله من الولي وهو القرب، وقيل: الولايا: النساء لأنهم كانوا يحملون أهلهم معهم إلى الحرب إذا أرادوا الثبات فيها، فعلى هذا يكون معناه أعانت نساؤنا أي منعتنا من الانصراف عن الحرب مخافة أسرهن، والمباسل: الشجاع، ورد إلى اللفظ فلهذا وحد. ويروى بدل الولايا الموالي وهم بنو الأعمام. المعنى: دعوت لهفي بقري سحبل حين أعانت عليها عشائرنا.
فقالوا لنا ثنتان لابد منهما صدور رماح أشرعت أسلاسل
فقلنا لهم: تلكم إذا بعد كرٍة تغادر صرعى نوؤها متخاذل
لنا ثنتان: يريد خصلتان، نوؤها أي نهوضها، وكل نهوض بلا سرعة فهو نوء. المعنى: إذا العشائر والأعداء هددونا وقالوا: لابد من أن نقتلكم بالرماح طعنًا أو نجمعكم في السلاسل شدًا أجبناهم بأن ذلك إنما يكون بعد عطفة وحملة منا عليكم يكثر منها قتلى وجرحى لا يستطيعون القيام.
ولم ندر أن جضنا من الموت جيضًة كم العمر باٍق والمدى متطاول
جضنا: عدلنا، وجاض إذا عدل، وكذلك جاض إذا عدل، المعنى: يقول: ثبتنا لمناولتهم ولم ندر إن عدلنا عن الحرب كم يكون بقاؤنا في الدنيا، والزمان طويل نذكر فيه بما يكون منا، فلم نؤثر ذم الدهر بعيش.
إذا ما ابتدرنا مأزقًا فرجت لنا بأيماننا بيض جلتها الصياقل
[ ٢ / ٨٥ ]
المعنى: نحن مشهورون بالنجدة والبأس فإذا استبقنا إلى مضيق في الحرب انكشفت الناس لنا خوفًا من سيوف بأيماننا.
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبٍل ولي منه ما ضمنت عليه الأنامل
المعنى: حديدة سيفي لأعدائي يوم الحرب ببطحاء سحبل. ومضبضه لي، فيكون مقبضه في يدي ونصله فيهم.
(٥)
وقال أيضًا:
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية متدارك)
لا يكشف الغماء إلا ابن حرٍة يرى غمرات الموت ثم يزورها
قوله: إلا ابن حرة أي لم تلده أمة، والعرب تمدح أولاد الحرائر لأن أنفتهم عظيمة. المعنى: لا يكشف الأمر الشديد عن القوم إلا كريم الطرفين يرى شدائد الحرب ثم يقصدها بسيوف مصقولة غير مفكر فيها.
نقاسمهم أسيافنا شر قسمٍة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
المعنى: نجعل أسيافنا بيننا وبينهم، فنعطيهم عنها شر قسمة بأن نجعل أغمادها علينا وحدائدها فيهم.
(٦)
وقال أيضًا وكان محبوسًا:
[ ٢ / ٨٦ ]
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية متدارك)
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
مصعد: أي ذاهب مسرعًا، وهذا الرجل كان مقيدًا بمكة قومًا يقصدون اليمن فقال هذا. والمعنى: هوى قلبي مع القوم المتوجهين إلى اليمن ذاهبًا معهم وجسمي موثق بمكة.
عجبت لمسراها وأني تخلصت إلى وباب السجن دوني مغلق
عجبت لمسراها وسرب سرت به تكاد له الأرض البسيطة تشرق
المعنى: إن هذا الشاعر المحبوس رأى خيال صاحبته في النوم فقال: عجبت لمجيئها ليلًا، وعجبت للظباء التي مرت بها، وهي تكاد الأرض تضيء بضوئها أي أنها قطعت إلى المفاوز ليلًا، يتعجب لمجيئها من أرض اليمن إلى مكة.
أتتنا فحيت ثم قامت فودعت فلما تولت كادت النفس تزهق
تزهق: أي تخرج وتزول. المعنى: يصف مجيء خيالها وسرعة زوالها وشدة الأسف على فراقها حتى كادت نفسه تزهق لذلك، ويروى «ألمت».
فلا تحسبي أني تخشعت بعداكم لشيٍء ولا أني من الموت أفرق
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
[ ٢ / ٨٧ ]
ولكن عرتني من هواك صبابة كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
ويروى «ولا أن قلبي يزدهيه» ويروى «ولا أنا مما تزدهيه ضمانة»، وقوله: يزدهيها أي يستخفها. المعنى: يصف جلادته إلا في هواه يقول: لا تحسبيني متخشعًا بعد فراقكم لشيء ولا حذرًا من الموت، ولا محتفلًا بوعيد قومك، ولا زائل العقل لأجل الحبس والقيد، ولكن أصابني وأنا محبوس ما كان يصيبني من هواك وأنا مطلق فتخشعت لهواك لا للقيد والحبس.
(٧)
وقال أبو عطاء السندي، إسلامي، واسمه أفلح، ويقال: مرزوق، وهو أصح:
(من الضرب الأول من الطويل والقافية من المتراكب)
ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت مني المثقفة السمر
[ ٢ / ٨٨ ]
المعنى: يصف صدق هواه لمن يحبها يقول: ذكرتك في الحرب عند المطاعنة وقد كثرت الجراحات فيما بيننا، وذلك وقت يذهل فيه الإنسان إلا عن نفسه يقول: لم أنسك في هذا الوقت لفرط محبتي لك.
فوالله ما أدري وإني لصادق أداء عراني من حبابك أم سحر
فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى وإن كان دًاء غيره فلك العذر
حبابك: مصدر حاببته، ويروى «جنابك» أي من عندك. المعنى: يقسم بالله يقول: ما أدري إن الذي أصابني سحر وخديعة من جهتك أو داء من جهة غيرك، فإن كان سحرًا فاقبلي عذري، فأنت سحرتني، وإن كان داء فأنت معذورة لأنه ليس منك.
(٨)
وقال بلعاء بن قيس الكناني مخضرم، وبلعاء لقب به لقوله: «كأنما طعاما فابتلع» واسمه خميصة.
(من الضرب الأول من البسيط والقافية متراكب)
وفارٍس في غمار الموت منغمٍس إذا تألى على مكروهٍة صدقا
غشيته وهو في جأواء باسلٍة عضبًا أصاب سواء الرأس فانفلقا
بضربٍة لم تكن مني مخالسًة ولا تعجلتها جنبا ولا فرقا
[ ٢ / ٨٩ ]
الجأواء: الكتيبة الكثيرة السلاح، وسواء الرأس: وسطه. المعنى: رب فارس داخل في زحمة الحرب إذا حلف على أمر شديد صدق لشجاعته ضربت وسط رأسه سيفًا قاطعًا فانفلق به من ضربة لم اختلسها لتمكني منها، ولم استعجلها من جبن ولا فرق، ولم اضربه وحده وإنما كان في جمع كثير من الشجعان الكثيرة الأسلحة.
(٩)
وقال ربيعة بن مقروم الضبي، مخضرم، والربيعة: بيضة السلاح، والمقروم البعير يقرم أنفه بمروة أي يحتز، والربيعة أيضًا الحجر الذي يرتبع لامتحان القوة. وعن ابن الأعرابي هي المرأة القصيرة.
(من الضرب الأول من الكامل والقافية متدارك)
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها بسليم أوظفه القوائم هيكل
فدعوا نزال فكنت أول نازٍل علام أركبه إذا لم أنزل
الهيكل: الطويل إلى السماء، ونزال لفظه تستعملها العرب في الحرب وهو
[ ٢ / ٩٠ ]
الأمر. المعنى: لقد حضرت الفرسان عن المطاردة بفرس طويل لا عيب في قوائمه. فصاح الناس نزال فسبقتهم إلى النزول لأني كنت أحرصهم على الحرب، وأقلهم فكرًا بالموت، ثم قال: وعلى أي شيء أركب إذا لمن أنزل وقت الحاجة إلى النزول في الحرب.
وألد ذي حنٍق علي كأنما تغلي عداوة صدره في مرجل
أرجيته عني فأبصًر قصده وكويته فوق النواظر من عل
أي رب حنٍق علي تغلي في الصدر عداوته كما يغلي الماء في المرجل، أرجيته: أخرته، فأبصر مقصده: أي ولي فانهزم حتى ضربته بالسيف من علو هامته وهو مدبر.
(١٠)
وقال سعد بن ناشب المازني، مازن تميم، إسلامي، وناشب فاعل من نشب إذا علق.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سأغسل عني العار بالسيف جالبًا على قضاء الله ما كان جالبا
[ ٢ / ٩١ ]
المعنى: أزيل العار عن نفسي بأن أعمل سيفي فيمن يروم ظلمي فادفعه ما دفعه به عني، ولا أنقاد لظلمه غير مبال بما يجلبه قضاء الله.
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذمة حاجبا
المعنى: أن هذا الرجل كانت له دار موروثة، وكان يلحقه من قومه ضيم، وقدروا أنه يحتمل ولا يفارق داره فقال: اصرف قلبي عن داري واتركها تهدم، وذلك أهون علي من أن أقيم عليها معترفًا بالذل فأذم به، فاجعل هدم داري مانعًا لي من مذمة باقية كي لا يقال: إنه أقام على الذل ضنا بداره.
ويصفر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
المعنى: يستهين بالمال المتوارث، وهو أعز عندهم من المستطرف ويقول: لا أبالي بذهاب أنفس الأموال إذا أدركت ما طلبته.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراث كريٍم لا يبالي العواقبا
أخي غمراٍت لا يريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبا
ويروى «أخي عزمات». المعنى: أنا مفارقكم ولا أعرج على داري، فإن هدمتموها غدرًا فإنها أرث كريم لا يفكر في عواقب الأمور، يمضي لما يعزم عليه، ولا يريد صاحبًا يعينه على ما يهتم به من صواب الأمور:
إذا هم لم تردع عزيمة همه ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
المعنى: يصف نفسه بالجرأة والأقدام على ما يعزم عليه، ولا يثنيه دونه شيء.
فيا لرزاٍم رشحوا بي مقدما إلى الموت خواضًا إليه الكتائبا
[ ٢ / ٩٢ ]
ويروى «الكرائبا» ويروى «قدروني مقدما». المعنى: يقول: لرزام واعدًا لهم ما يراه في نفسه من القوة والجرأة، قدروني مقدما إلى الحرب دخالًا في جماعة الفرسان في القتال، فاني أهل لذلك.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
المعنى: يصف نفسه إذا عزم على شيء صمم عليه وتبع مراده إلى أن يظفر به، ولا يفكر في العواقب، ويستبد برأي نفسه، ولا يستعين إلا بسيفه.
(١١)
وقال تأبط شرًا واسنه ثابت بن جابر، جاهلي، وإنما سمى تأبط شرًا لأنه يأخذ تحت ابطه سيفًا إذا أراد أن يقتل رجلًا، فقالت أمه: تأبط شرًا، فلقب به، وقيل: إنه قتل غولًا، وجاء برأسه تحت إبطه، فقيل: جاء تأب شرًا فلزم به هذا اللقب، والأول أثبت.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول إذا سد منه منخر جاش منخر
[ ٢ / ٩٣ ]
ويروى «ما عاش قلب». حول: كثير الحيلة، وقلب: كثير التقلب، جاش منخر: أي ظهر. المعنى: إذا ترك المرء الحيلة وقد اشتد به الأمر أضاع أمره، واحتمل الشدة ثم لم يفلح، ولكن الحازم الذي ينظر في العواقب، خير في زمانه فلا يضيع، ومتى سد عليه ما ظهر له طريق آخر يتخلص منه.
أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الجحر معور
هما خطتا إما إسار ومنه وإما دم والقتل بالحر أجدر
وأخرى أصادي النفس منها وإنها لمورد حزٍم إن فعلت ومصدر
الوطاب: أوعية اللبن يهدي فيها اللبن إلى المسالم، معور: ظاهر العورة والخلل، إما أسار ومنة- بالرفع والخفض- فمن خفض فإنه أضاف ولم يعبأ بإما فاصلة، ومن رفع أراد خطتان فحذف النون والمراد ثبوتها والعرب تفعل ذلك. المعنى: أقول للحيان وقلبي خال من مودتهم ويومي شديد، هما أمران إما أسر ومنة وإما قتل والقتل أولى بالحر، وأمر أخر أدبره وفيه أول الحزم وأخره، يعني صب العسل على الصخر والخلاص به.
فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ عبل ومتن محضر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحًة والموت خزيان ينظر
عبل: ضخم عظيم، خزيان: مستحي لأنه طمع أن يحتوي علي. المعنى: لما دبرت في الخطة الأخرى وبلغت قرار الأرض من غير خدشه أصابت صدري، ووصف صدره بالعبالة ومتنه باللطافة.
فأبت إلى فهٍم ولم أك آبيا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
[ ٢ / ٩٤ ]
ويروى «ولم آل آبيا أي رجعت إلى عقل، ولم آل: لم أقصر، يحتمل رجعت إلى قبيلتي التي هي فهم، وقوله: وهي تصفر من الصفير يعني المنية لما أعجزتها من أن تلحقني جعلت تصفر أسفًا وخجلًا، ومن عادة العرب إذا فاتهم شيء إن يقولوا: هو هو ثم يصفرون من خلفه بمعنى أنه بعد. المعنى: نجوت من تلك الورطة وعدت إلى قبيلتي وكم محنة مثل هذه المحنة فارقتها ونجوت منها وتركتها.
(١٢)
وقال أبو كبير الهذلي واسمه عامر بن حليس، جاهلي.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد سريت على الظلام بمغشٍم جلٍد من الفتيان غير مثقل
صعب الكريهة لا يرام جنابه ماضي العزيمة كالحسام المقصل
[ ٢ / ٩٥ ]
المغشم: الذي لا يبالي ما يفعله، وهو الغشوم أيضا، وجلد أي شديد صلب. المعنى: يصف جرأته وسراه برفيق جلد.
ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل
كنى عن النساء ولم يتقدم لهن ذكر، والعرب تفعل ذلك إذا لم يشكل، والحبك: جمع الحبيك والحبيكة، وهو ما تكسر من ثوب أو ماء، وقيل: جمع الحباك وهو الأزار، فشب: ارتفع يعني رفيقه. غير مهبل: أي غير ملعن لأن العرب تقول لمن تسترذله: هبلته أمه وأمه هابل، يقول: صاحبي ليس ممن يقال له: هبلته أمه أي ثكلته لأنه محمود الطرائق، ممن حملن به يعني أن أمه حملت به في ليلة الزفاف وهي في ثياب زينتها، لأن النطاق ليس من ثياب من يخدم ويعمل. والعرب تقول: إن الحمل إذا كان ليلة الزفاف كان الولد أنجب. المعنى: أن صاحبي الذي سريت به كان ممن حملت به أمه ليلة الزفاف فجاء نجيبًا.
ومبرٍأ من كل غبر حيضٍة وفساد مرضعٍة وداٍء معضل
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به ببراءته من كل عيب يكون من جهة الأمهات، ويروى «وداء مغيل».
حملت به في ليلٍة مزؤودٍة كرهًا وعقد نطاقها لم يحلل
فأنت به حوش الفؤاد مبطنا سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
مزؤودة: مذعورة، ويروى بالنصب والخفض، والنصب على الحال، وحوش الفؤاد أي خفيف الفؤاد، سهدًا قليل النوم، والهوجل: الأحمق الثقيل.
[ ٢ / ٩٦ ]
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بأن أمه حملته وهي خائفة مكرهة، وكذلك تكون المرأة ليلة الهواء، ثم ولدته خفيف الفؤاد وقليل النوم لأن ثقيل النوم يصعب عليه السرى.
فإذا نبذت له الحصاة رأيته فزعا لوقعتها طمور الأخيل
الطمور: الوثب، والأخيل: الشقراق، ولا يكون في الطير أشد حذرًا منه، ونصب «طمورًا» لأنه كمن قال: (يطمر طمور الأخيل) يطمر طمور الأخيل لأن الفزع يقتضي النفر. المعنى يصف صاحبه بفرط التيقظ، ويروى «ينزو لوقعتها».
وإذا يهب من المنام رأيته كرتوب كعب الساق ليس بزمل
الرتوب: الثبات، والزمل: الضعيف. المعنى: يصف صاحبه بالجدة والشدة وقلة الفتور والكسل.
ما إن يمس الأرض إلا جانب منه وحرف الساق طي المحمل
أي ليس هو ممن يتقلب على الأرض إذا نام، وإنما ينام على جانب واحد، ويريد بالمحمل حمالة السيف معناه طوي هو طي المحمل. المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بشدة النفس وصلابة الأعضاء.
وإذا رميت به الفجاج رأيته يهوى محارمها هوى الأجدل
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بالخفة والسرعة، وحسن الطاعة فيما توجه له.
[ ٢ / ٩٧ ]
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
الأسرة: الخطوط. المعنى: يصفه بطلاقة الوجه.
(١٣)
وقال تأبط شرًا، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
إني لمهٍد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك
أهز به في ندوة الحي عطفه كما هز عطفي بالهجان الأوارك
المعنى: إني قاصد شمس بن مالك بمدحي، ندوة الحي: مجلسهم ومحدثهم، والعطف: الجانب، والأوراك من الإبل: التي ترعى الأراك واحدها آرك. المعنى: أفرح ابن عمي بالمدح حتى يرتاح له كما فرحني بالإبل الكرام أعطانيها.
قليل التشكي للمهم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك
المعنى: يصفه بقلة الجزع والشكوى من الأمر المهم إذا أصابه. يصفه بكثرة الإرادات واختلاف طرقه ومذاهبه.
[ ٢ / ٩٨ ]
يظل بموماة ويمسي بغيرها جحيشًا ويعرورى ظهور المهالك
الموماة: المفازة أي يكون نهارًا في مفازة، وجحيشًا أي بعيدًا ويعرورى ظهورها: يدخلها بغير دليل. المعنى: يصفه بكثرة سلوك المفاوز وسرعة قطعه إياها.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي بمنخرقٍ من شده المتدارك
ينتحي: يقصد، المتدارك: المتوالي. المعنى: يصف سرعة عدوه إذا عدا حتى انه يسبق الريح.
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل له كاليء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلة من حد أخلق باتك
الكاليء: الحافظ، وشيحان: جاد مجد، والفاتك؛ الذي يفتك بعدوه أي يقتله ويروى «حاص عينيه» وعناه خاط. المعنى: يصف قلبه حتى انه لينام بعينيه ويحفظ نفسه بقلبه أي لا يغفل عما يحدث.
إذا طلعت أولى العدي فنفره إلى سلة من صارم الغرب باتك
إذا هزه في عظم قرن تهللت نواجذ أفواه المنايا الضواحك
[ ٢ / ٩٩ ]
العدي: الرجالة سموا بذلك لأنهم يعدون كأنه جمع عاد كغاز وغزى، والسلة استلال السيف، والباتك: القاطع أي كأن المنية تضحك عند سل هذا السيف سرورًا. المعنى: يصفه بالجرأة يقول: إذا ظهر أول أصحاب الحرب لم يفزع إلا إلى سيف قاطع متى ما هزه في عظم شجاع حل به الموت.
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
أم النجوم قالوا: المجرة لأنها تجمع النجوم كالأم لها، وقوله: يرى الوحشة الأنس الأنيس يفسر على وجهين أحدهما: أنه قد اعتاد سلوك المفاوز والتوحش على الناس فقد استأنس بالوحدة، والآخر أنه كثير الأعداء لكثرة ما أغار على الناس وانتهت أموالهم، فهو يستوحش إذا رأى الناس، وهذه عادة اللصوص. والأول أجود لأن في الثاني معنى الجبن. المعنى: يصفه بأنه اعتاد سلوك المفاوز ويهتدي فيها إلى ما يهتدي اليه النجوم.
(١٤)
وقال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال: انها لبشامة بن حزن النهشلي وقال البرقي: أنها للمرقش، والقيس مصدر قاس: والبشامة شجرة: والمرقش المزين من الترقيش وهو التزيين:
[ ٢ / ١٠٠ ]
(الأول من البسيط والقافية متواتر)
إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
وأن دعوت إلى جلي ومكرمة يومًا سراة كرام الناس فادعينا
المعنى: يصف نفسه وقومه بالكرم والغناء والكفاية في دفع الأمر العظيم والإغاثة لمن استنجدهم وافتتح كلامه بالتحية فجمع في البيت الغزل والفخر.
إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
[ ٢ / ١٠١ ]
نصب بني نهشل على التحصيص والمدح. المعنى: يفتخر بابيه ويقول: أبونا نهشل في الجلالة بحيث لا نبغي العدول عنه في الافتخار، فلا نطلب بدلًا عنه، ولا هو يبيعنا بأبناء غيرنا، ولا يطلب منا بدلًا لما من المناقب.
إن تبتدر غاية يومًا لمكرمةٍ تلق السوابق فينا والمصلينا
المعنى: يصف نفسه وقومه بنهاية الكرم وسبق الناس فيه.
وليس يهلك منا سيد أبدًا إلا افتلينا غلامًا سيدًا فينا
افتلينا: فطمنا، وأصله القطع، وهو افتعل من فليت رأسه بالسيف وفلوته إذا ضربت به، والمهر فلو حين يفطم عن أمه. المعنى: يقول: أن السيادة فينا عريقة لا يهلك سيد إلا وفينا من يصلح للسيادة، فلا تزول السيادة عنا.
إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ولو نسام بها في الأمن اغلينا
أي نجعل أنفسنا رخيصة. المعنى: أنا نجود بأرواحنا يوم الحرب، وفي غير الحرب يصعب الوصول اليها، لأن القتل في الحرب مفخرة وفي غيرها مذلة.
بيض مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
ويروى «بيض مغارفنا» جمع مغرفة. ومن رواه قال: هذا أولى لمشاكلته ما بعده. واختلف في «بيض مفارقنا»، فقال بعضهم: معناه نحن أصحاب حروب، فقد شابت مفاقنا من كثرة الشدائد التي مرت عليها، وقيل: معناه نحن كرام نكثر
[ ٢ / ١٠٢ ]
استعمال الطيب فابيضت لذلك لأنه يقال: من أكثر استعمال الطيب أسرع الشيب إليه. وقيل: نحن مكشوفو الرأس لا عيب فينا، فعبر عن النقاء بالبياض، والعرب تقول في مدح الرجل، أبيض، وقيل: معناه نحن كرام فشابت مفارقنا دون القفا لأنه يقال: شيب الكرام يبدو في المفارق كما قال الشاعر:
يشيب لئام الناس في نقرة القفا وشيب كرام الناس يعلو المفارقا
وقيل: المفارق ها هنا مفارق الطرق يقول: قد ابيضت مفارق الطرق التي تؤدي إلى رحالنا لكثرة ما ينتابنا من الضيفان، فهي بيض لائحة، وهذا الوجه أولى لمشاكلته ما بعده وهو قوله: «تغلي مراجلنا» وقوله: «نأسو بأموالنا»، أي نعطي جنايات أيدينا من قتل وجرح، فلا نمكن أحدًا من قصاصنا، وقيل: معناه من يقتل من أصحابنا معنا في الحروب لا نضيعه في أهله وحرمه، وقيل: ندفنهم أن ماتوا ونأسوهم أن جرحوا، قاله أبو سعيد السيرافي: وهو بعيد. المعنى: يفتخر بالكرم والعزة والمنعة.
إني لمن معشر أفنى أوائلهم قول الكماة ألا أين المحامونا
المحامون: المحافظون. المعنى: إني من الشجعان الذين هلك أولوهم في إجابة دعاء الشجعان إذا استغاثوهم، وبالغ في قوله: «قول الكناة» لأنه جعل الكماة تستصرخهم.
[ ٢ / ١٠٣ ]
لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس خالهم إياه يعنونا
المعنى: قد شهرنا بالفروسية حتى إذا كان الواحد منا بين جمع كثير، فنودي من فارس ظن أنه هو المدعو.
إذا الكماة (تنحوا) أن ينالهم حد الظبات وصلناها بأيدينا
المعنى: يصف جرأتهم وإقدامهم إذا أحجمت الشجعان وجبنت.
ونركب الكره أحيانًا فيفرجه عنا الحفاظ وأسياف تواتينا
نركب الكره: أي نأتي الأمر الشديد تكرهه الناس. المعنى: يقول: نحن نأتي الأمور الصعاب التي تكرهها النفوس فيكشفه عنا قيامنا برعاية الحرم وضربنا بالسيوف التي تمضي في الضرائب.
(١٥)
وقال قطري بن الفجاءة، القطري، منسوب إلى موضع يقال له: قطر، والفجاءة: البغتة:
(من الضرب الأول من الوافر والقافية متواتر)
[ ٢ / ١٠٤ ]
أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال ويحك لا تراعي
فانك لو سألت بقاء يومٍ على الأجل الذي لك لن تطاعي
لها: يعني النفس، والشعاع: المتفرق، لا تراعى: من الروع. المعنى: يذكر تشجيعه نفسه، وتعريفه إياها بعد ما استشعرت الفزع أن الأجل مقدر، وأن الزيادة لا تلحقه.
فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي وداعيه لأهل الأرض داع
أخي الخدع: الذليل، واليراع: الرجل الذي لا قلب له جبان تشبيهًا بالقصبة. المعنى: يشجع نفسه ويبين أن أحدًا لا يخلد في الدنيا، ولا بد من الموت وأن البقاء ليس بمجد فيمنع الذليل الجبان.
وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع
أي من لم يمت شابًا مات هرمًا، يقال: اعتبط الرجل إذا مات في شبابه أي يسأم ما يعتريه فحذف مفعول يسأم وهو ما يعتريه. المعنى: يشجع النفس ويشعرها أن قصاراها الموت على كل حال، والسقط رديء المتاع.
(١٦)
قال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وتروى للسموءل بن عادياء
[ ٢ / ١٠٥ ]
اليهودي، السموءل- بالهمز- طائر، وبغير الهمز الحجر، وعادياء فاعلاء من العدو، وهذا الشاعر يضرب به المثل في الوفاء فيقال: «أوفي من السموءل» لأن امرأ القيس بم حجر أودعه ودائع، لأنه كان في حصن حصين، فجاء أعداء امرئ القيس فطالبوه بالودائع وأسروا ابنًا له وقالوا: أن أخرجت الينا الودائع [رددناه إليك] وإلا قتلناه، قال: لا أردها إلا على صاحبها، فذبح ابنه وهو ينظر إليه لم يخرج اليهم ودائع امرئ القيس.
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
المعنى: إذا سلمت النفوس من اللؤم لم يقبح صاحبها خلوقة الثياب.
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
[ ٢ / ١٠٦ ]
المعنى: إذا لم يحصل الرجل على نفسه ما يلزمه من مؤن الناس لم يثن عليه، وإنما يكثر الثناء عليه إذا سمح لهم بماله وأغضى لهم جفونه.
تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا شبابًا تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
تعيرنا: أي الجارية. المعنى: يقول: عابتنا هذه الجارية بقلة عددنا فأجبتها بأنا كرام والكرام قليل أي جمع قليل، وما ضرنا قلة عددنا مع كمال عزتنا، حتى يعز المستجير بنا، مع ذل المستجير بغيرنا: والكرام وأن كان جمعًا فأنه يجيء على بنائه اسم الواحد مثل حمار وصراط وغيرها، وكل ما هذا سبيله جاز رده إلى اللفظ والمعنى.
لنا جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرع لا ينال طويل
لا ينال: يعنى به الجبل، وإنما هو مثل ضربه للعزة والمنعة أي من أجرناه، فكأنما حصل على جبل بهذه الصفة لا يناله أحد. يحتله: ينزله، وهو يفتعل من الحلول، وقوله: يرد الطرف وهو كليل أي يرجع الطرف كليلًا أي ضعيفًا، ولا يبصر فرع ذلك الجبل. المعنى: يصف عزهم وأن من أجاروه لا يقدر عليه، كما لا يقدر على من حصل على الجبل الذي ضربه لعزهم مثلًا.
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول
المعنى: يصف نفسه وقومه بالجرأة، ويرمي عامرًا وسلولًا بالجبن، ويروى «نحن أناس ما نرى القتل».
يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
[ ٢ / ١٠٧ ]
المعنى: يقول: نحن من شجاعتنا نحرص على القتل ولا نبالي بالموت فلا تطول أعمارنا لذلك، وعامر وسلول من الجبن يكرهون الموت فيعمرون طويلًا، ويروي «يقصر».
وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير الظبات تسيل
ويروي «سيد في فراشه» ويروي «على غير السيوف تسيل». المعنى: بين في البيت الأول أنه ما مات أحد منهم حتف أنفه أي على فراشه: ويروى «في فراشة» ولم يقل كيف مات لأنه يعلم أنه من لم يمت على هذه الجهة مات قتلًا، فبين شجاعتهم في المصراع الأول، ودل على عزهم ومنعتهم في المصراع الثاني بقوله: ولا طل منا، لأن الذليل لا يقدر على الانتقال وطلب الثأر، وبين في الثاني وجه موتهم أنه قتل بالسيوف، فمعنى البيتين وصف الشجاعة.
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا اناث أطابت حملنا وفحول
علونا على خير الظهور وحطنا لوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا كهام ولا فينا يعد بخيل
أطابت حملنا: على ظهر صحيح بنكاح صحيح من غير سفاح، أي كنا في خير أصلاب ثم حصلنا في خير أرحام أي أنهم كرام الآباء والأمهات، ومعنى حطنا انزلنا، فنحن كماء المزن لأن ماءه أطهر المياه، ويجوز أن يريد به السخاء أي نحن كالغيث ننفع الناس. المعنى: يصف نفسه وقومه بالسلامة من العيوب، ويصفهم بطيب المولد، وكرم الآباء والأمهات، وأنهم في الصفاء والسخاء كماء المزن، ليس في جملتهم من يذكر بعيب.
وننكران شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول
[ ٢ / ١٠٨ ]
المعنى: يصف انقياد الناس لهم وعراقتهم في السيادة وأنهم لا يخلون من سيد يوفى على السيادة قولًا وفعلًا، ويروى "قضى قام سيد".
وما أُخمدت نار لنا دون طارق ولا ذمنا في النازلين نزيل
يقول: نحن كرام لا نصرف الضيف عنا بإخماد نارنا، لأن اللئيم يخمد ناره كي لا يهتدي إليه ويقول: نحن نكرم الزوار والأضياف، ولا يذمنا أحد ارتحل عنا. المعنى: يصف قومه بالكرم وحسن القرى.
وأيامنا مشهورة في عدونا لها غرر معروفة وحجول
ويروي "لها غرر معلومة"، وغرر وحجول أي علامات تعرف بها كما يعرف الأغر المحجل، وأيامنا: أي وقائعنا، وأيام العرب: وقائعهم التي كانت بينهم. المعنى: يصف قومه بكثرة النكاية في عدوهم، فإن آثارهم في الحرب ظاهرة لا تخفي.
وأسيافنا في كل شرق ومغرب بها من قراع الدارعين فلول
معودة ألا تُسل نصالها فتُغمد حتى يُستباح قبيل
ويروى "أن لا تسل" يصفهم بضرب السيوف واعتياد الظفر. يقول: أسيافنا منفلة من كثرة ضربنا أصحاب الدروع، وقد عودناها ألا نخرجها من أغمادها فنردها إليها إلا بعد قتل جماعة مختلفين.
سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم فليس سواءً عالم وجهول
فإن نبي الديان قطب لقومهم تدور رحاهم حولهم وتجول
ويروي "سلي إن جهلت الناس عنا فتخبري". المعنى: يصف قومه بني
[ ٢ / ١٠٩ ]
الديان بأنهم أعز قبائلهم وأكرمهم وأمكنهم من الرياسة، ويقول للجارية التي عيرتهم قلة عددهم: سلي الناس لتعلمي أن الأمر كما أخبرتك.
(١٧)
وقال الشميذر الحارثي، مخضرم، والشميذر: السريع، وقال البرقي في أن اسم هذا الشاعر الشميذر، والشميذر دابة، ذكره ابن دريد، وتروى لسويد ابن صميع المرثدي، وسويد تضغير أسود مرخمًا، وصميع تصغير أصمع، وهو اللطيف الأذن.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
في دفنتم القوافيا قولان: أحدهما أنكم انهزمتم بصحراء الغمير ولم تفعلوا بها ما استوجبتم به المدح، فلا تذكروا الشعر فليس لكم ما تفتخرون به بعد هذه الوقعة. والآخر: أنه قتل شاعرهم بصحراء الغمير أي لا تتكلفوا ما لستم من أهله. المعنى: يزجرهم عن قول الشعر ليعريهم عن استحقاق المدح.
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلة فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا
ولكن حكم السيف فيكم مسلط فنرضى إذا ما أصبح السيفا راضيا
تصيبون سلة: أي تقتلون سرقة لأنهم كانوا قتلوا أخا هذا الشاعر، فأخذ
[ ٢ / ١١٠ ]
ديته ثم قتل قاتله، ويقال: أسل فلان إذا سرق، وقيل: سلة معناه فردًا أي سلولا عن أصحابه، والأول أجود. المعنى: إنا نقتل جهارًا لثقتنا بأنفسنا ونحكم السيف فيكم ضربًا إلى أن ينفل، ولسنا مثلكم قتلتم منا سرقة، ولا نقبل الضيم، ولا نرضى بقول الحكم.
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا بني عمنا لو كان أمرًا مدانيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا
جرت الحرب: أي جنت والجريرة الجناية، والمداني المقارب وفي "أسأنا التقاضيا" قولان أحدهما: القتل بعد أخذ الدية، والآخر قتل جماعة لواحد، ويحتمل أن يكون المعنى قتلنا واحدًا بواحد، وأسأنا بذلك عندهم، ولم نظلم لأن القصاص العدل، وهو أولى لئلا ينقض قوله: "فلم نكن ظلمنا". المعنى: يصف تحزنه بما أسفرت الحرب عنه من قتل أقاربه، وينفي عنه الظلم لأنه كان قصاصًا.
(١٨)
وقال وداك بن ثميل المازني، ثميل تصغير ثمل وهو السكران ويقال: نميل - بالنون - تصغير نمل، إسلامي.
(من الضرب الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
رويدًا بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدًا خيلي على سفوان
[ ٢ / ١١١ ]
تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغي إذا ما غدت في المأزق المتداني
عليها الكماة الغر من آل مازن أولات طعان عند كل طعان
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم على ما جنت فيهم يد الحدثان
على ما جنت فيهم يد الحدثان يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون على متصلة بنفس الصبر كقولك: عجبت من صبره على الضرب. والآخر: أن على معنى مع، وسفوان ماء من البصرة على ستة أميال، وكانت بنو شيبان توعد تميمًا وتزعم أن سفوان لهم، وأرادوا إجلاء بني مازن ومن كان معهم من تميم عنه، والمأزق المتداني: هو المضيق في الحرب، وأولات طعان: أصحاب طعان. المعنى: تأنوا يا بني شيبان ولا تعجلوا فستجيئكم خيلي معتادة الحرب عليها أبطال طاعنون فتعرفوا صبرهم على الحرب.
مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل دقيق الشفرتين يمان
المعنى: يصف قومه بأنهم الكماة الطاعنون عند الطعان، الضرابون بالسيوف اليمانية، ويجمعون بين الطعن والضرب.
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان
المعنى: يقول: من حرصهم على الحرب إذا استنصرهم صارخ ودعاهم إلى الحرب لم يطلبوا علة يتأخرون بها عن الحرب، فيقولون لأنه حرب دعونا وأين القوم؟ ولكن يستبقون إليها حرصًا عليها.
(١٩)
وقال سوار بن المضرب السعدي، سعد بني تميم، وسوار من السورة وهي الوثبة، إسلامي.
[ ٢ / ١١٢ ]
(من الضرب الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فلو سألت سراة الحي سلمى على أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي فكل قد بلاني
بذبي الذم عن حسبي بمالي وزبونات أشوس تيحان
على أن قد تلون بي زماني: أي مع أن زماني قد غيرني عما كنت عليه من الجلادة، الزبونات: الدفاعات يعني الحملات والزبن الدفع والأشوس: الذي ينظر إلى جانب تكبرًا، والتيحان: النشيط يعني فرسه، يروي "وهمتي ناب أشوس" فيكون أشوس نعتًا لعدوهم، وألهتهم: الكسر يصف نفسه بالكرم والغناء ويقول: لو سألت هذه الجارية كرام الحي مع تغير الزمان لخبرها كرام قومي وأعدائي بأني أذب الذم عن حسبي بمالي وبحملات فرس كريم نشيط.
وإني لا أزال أخا حروب إذا لم أجن كنت مجن جان
المعنى: يقول: مازلت محاربًا وإن لم تكن لي جناية، فإني كنت أدفع عن قومي الجناة وأحارب دونهم.
(٢٠)
وقال بعض بني تيم الله بن ثعلبة يوم أوارة، وهو عليم بن سنان بن عدي ابن الحارثة، جاهلي:
[ ٢ / ١١٣ ]
(من الضرب الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها فطعنت تحت كنانة المتمطر
المتمطر: اسم رجل ها هنا، وهو في اللغة المتسرع. المعني: يصف حضوره الخيل عند المطاردة المتمطر في جنبه.
ولقد رأيت الخيل شلن [عليكم] شول المخاض أبت على المتغير
أي أشرعت فرسانها الرماح نحوكم، كما تشول الإبل الحوامل، فجعل رماح الخيل كأذناب الإبل، وقيل: أنه أراد أذناب الخيل أي شالت أذنابها من شدة العدو في طلبكم حين انهزمتهم، والأول أجود. المعنى: يصف رؤيته الخيل وقد رفعت فرسانها الرماح على من يخاطبهم.
ونُطاعن الفرسان عن أبنائنا وعلى بصائرنا وإن لم نبصر
يقول: نطاعن الأبطال على استبصارنا بأمر الحرب وإن لم نبصر في الدين أو نقاتل حمية عن أحسابنا، وإن لم يكن ذلك جائزًا في الدين. وقيل: معناه نطاعن
[ ٢ / ١١٤ ]
الأبطال عن دمائنا التي نطلب بثأرها. وقيل: معناه نحارب على بصيرة وغير بصيرة، ولا ننكر على شيء.
(٢١)
وقال قطري بن الجفاءة المازني، ويروي للعباس بن مرداس، إسلامي:
(من الضرب الثاني من العروض الأولى من الكامل والقافية من المتواتر)
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغي متخوفًا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الأقدام
الدريئة: حلقة يعلم عليها الطعن كالهدف للسهم لأنه يدرأ فيها أي يدفع ويطعن، والأكناف: النواحي واحدها كنف، وقيل: أنه لم يرد بقوله: دمي دم نفسه، وإنما أراد دم من قتله فأضافه إلى نفسه لأنه أراقه، ألا ترى أنه يقول: وقد أصبتي ولم أصب، وليس كذلك بل أراد دم نفسه، ومعنى اصبت: قتلت فليس فيه مضادة. المعنى: يشجع الناس على الحرب، وينهاهم عن الجبن ويعرفهم حاله يقول: لا يعدلن أحد يوم الحرب إلى التأخر عنها خوفًا من الموت، فلقد حصلت بين الرماح حتى كأني دريئة لها، وخضبت من دمي مرة نواحي سرجى ومرة عنان لجامي، ثم انصرفت غير متفكر متناهي الإقدام، وقد قتلت من أعدائي ولم يقتلوني.
[ ٢ / ١١٥ ]
(٢٢)
وقال الحريش بن هلال القريعي وتروى للعباس بن مرادس، والحريش من الحرش وهو الأثر، والعباس من العبوس، والمرادس كأنه شديد صلب يكسر به الشيء من الردس.
(من الضرب الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
شهدن مع النبي مُسومات حنينًا وهي دامية الحوامي
ووقعة خالد شهدت وحكت سنابكها على البلد الحرام
الحوامي: جمع الحامية وهي جانب السنبك، ووقعة خالد يعني فتح مكة، أمره رسول الله ﷺ على الف رجل، وجعله على مقدمة العسكر وسماه سيف الله، وقوله: حكت سنابكها على البلد الحرام أي وطئت أرض مكة. المعنى: يصف شجاعته وحضوره حرب حنين وفتح مكة. يقول: شهدت الخيل وعليها علامات ليعلم أنها خيل الأبطال، وقد تعبت ودميت حوافرها، وشهدت فتح مكة مع خالد.
[ ٢ / ١١٦ ]
نعرض للسيوف بكل ثغر خدودًا ما تعرض للطام
ويروي "للسيوف إذا التقينا" المعنى: فيه قولان أحدهما نعرض خدودًا للسيوف ولا يعرضها غيرنا للطام أي نضرب بالسيوف وجوهًا لم تضرب باليد يعني وجوه الأعداء، والآخر يعني خدود أنفسهم أي لسنا بسفهاء نلطم خدودنا، ولكننا أبطال نجعل خدودنا عرضة للطعن والضرب.
ولست بخالع عني ثيابي إذا هر الكماة ولا أرامي
ولكني يجول المهر تحتي إلى الغارات بالعضب الحسام
هر الكماة: كرهوا الحرب إذا اشتدت عليهم، ويروي "هز" بالزاي [يعني هزوا سلاحهم عند خلعها]. المعنى: لست بجبان فشل أرمى ثيابي أي سلاحي، ولا أرمي بها هربًا فعل المنهزم، ولكني أثبت في الحرب، ويجول المهر تحتي وأسير إلى الغارات بالسيف القاطع.
(٢٣)
وقال ابن زيابة التيمي، جاهلي، وزيابة: فعالة من الأزيب وهو النشيط كأنه نشيط، وقال بعضهم: "زبابة" بالباء، والأول أثبت، والزبابة فعالة من الزب وهو الملء يقال: زببت القُربة أي ملأت إلى رأسها.
[ ٢ / ١١٧ ]
(من الثاني السريع مردف مطلق والقافية من المتدارك)
نبئت عمرًا غارزًا رأسه في سنة يوعد أخواله
وتلك منه غير مأمونة أن يفعل الشيء إذا قاله
غارزًا رأسه: أي راكبًا رأسه، في سنة: أي في غفلة، وتلك منه غير مأمونة: يستهزئ به أي لا يقدر على ذلك لأنه أضعف من أن يفي بما يتوعد به. المعنى: يصف بلوغه وعيده أخواله، وهذا الشاعر من جملة أخواله أي خبرت أن عمرًا توعدا، ثم دل على قلة اكتراثه بهوانه إذا قال شيئًا لم يف به.
إن ابن بيضاء وترك الندى كالعبد إذ قيد أجماله
ويروي "أن ابن عيساء وترك الندى" وكلاهما هو عمرو، وصفه بأن ابن أمة، لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة. المعنى: أن عمرًا في تركه الندى مثل العبد إذا قيد أجماله، ولا يفكر في العلا، فإذا جمع العبد أجماله التي كلف بها فقد انتهى اربه.
الرمح لا أملأ كفي به واللبد لا أتبع تزواله
تزوال: تفعال من زال يزول، وهو يأتي للكثرة نحو التلعاب الترداد، وفي معنى الرمح لا أملأ كفي قولان: أحدهما أنا ماهر بأعمال الرمح فلا أملأ كفي منه
[ ٢ / ١١٨ ]
مخافة أن يسقط من يدي ولكني أديره بأطراف أناملي كيف شئت. والآخر لا أنفرد بأعمال الرمح دون غيره من السلاح، ولكني أقاتل به وبغيره، ولا أتبع البلد على ظهر الفرس إذا أفلت بل أثبت فيظهره وإن زال اللبد، يصف شجاعته وفروسيته.
والدرع لا أبغي بها ثروة كل امرئ مُستودع ماله
ويروي "نثرة" أي درعًا غيرها. المعنى: لا أطلب بإمساكي الدرع يسارًا، وإنما أمسكها للحرب، ثم هون من أمر المال فقال: كل امرئ مستودع ماله أي ليس له في الحقيقة إنما هو وديعة في يده، فلا يجب أن يتبجح به، فلهذا لا أعده مالًا، وقيل: درعي وديعة عندي فأودي حق الأمانة. وهذا لا شيء لأنه أن جعلها أمانة ووديعة فليس له ان يستعملها، ويروى في هذه الأبيات.
ما لد ما لدد ماله يبكي وقد نعمت ما باله
أراد بدد عمرًا المذكور في قوله: نبئت عمرًا، ودد لقب كأنه استهزأ به. المعنى ما لدد يشكو وقد أحسنت حاله ولم لا يشكوني؟ فجعل شكواه بكاء.
أليت لا أدفن قتلاكم فدخنوا المرء وسرباله
دخنوا: حنطوا. المعنى يقول: من بارزني أقتله ولا أدفنه، وأقسمت على ذلك، فمن أخرجتموه لمبارزتي فحنطوه وكفنوه.
(٢٤)
وقال الحارث بن همام، السلولي، ويروى الشيباني، جاهلي، والحارث الكاسب، وهمام فعال من هم يهم، وسلول فعول من السل.
[ ٢ / ١١٩ ]
(من الضرب الثاني من السريع والقافية من المتدارك)
أيا ابن زيابة إن تلقني لا تلقني في النعم العازب
وتلقني يشتد بي أجرد مستقدم البركة كالراكب
يروي "في النعم العازب" بالعين والزاي أي البعيد، ويروي الغارب - بالغين. معجمة وبالراء - من الغربة، يشتد يعدو من الشد وهو العدو، والبكرة: الصدر، ومستقدم: متقدم، جعل فرسه من إشرافه أنه كالراكب. وفيه وجه آخر أي متقدم البركة، فراكبه متقدم الصدر، فالفرس مثل راكبه في استقدام البركة، والأول أكثر المعنى. يوعد ابن زيابة يقول: إن لا تلقني لا تلقني راعي إبل، ولكني تلقاني فارسًا مجيدًا مشمرًا للحرب، ويروي لا تُلقني.
(٢٥)
فأجابه ابن زيابة:
يا لهف زيابة للحارث الـ صابح فالغانم فالآيب
والله لولا قيمته خاليًا لآب سيفانا مع الغالب
أراد الذي يصبح العدو بالغارة فيغير فيؤوب سالمًا. المعنى: يتلهف ابن زيابة على فوته الحارث يوم صبح قومه وغنم وآب، ويقسم أنه لو لقيه لقتله، وقيل: أنه يهزأ به بقوله: الصابح فالغانم فالآيب، كما يقول الرجل الآخر: لأقتلنك، فيجيبه أيها القاتل الفاتك، على سبيل الهزؤ، والقول الأول أثبت.
أنا ابن زيابة إن تدعني آتك والظن على الكاذب
[ ٢ / ١٢٠ ]
قوله: والظن على الكاذب يعني أن من باشر الحرب توهم أن يكون هو الغالب، فإذا قتل كذب ظنه، فالظن عليه لا له. المعنى: يستهزئ ابن زيابة بالحارث وينسب ظنه في أن يقتله إلى الكذب.
(٢٦)
وقال الأشتر النخعي، إسلامي، واسمه مالك بن الحارث، وكان من فرسان علي - رحمة الله عليه - وقتل يوم صفين. والأشتر في اللغة: المنخرق الأجفان والنخع حي من العرب، واشتقاقه من نخعت الذبيحة إذا قطعت نخاعها، وهي القصبة التي تنتظم الفقار.
[ ٢ / ١٢١ ]
(من الضرب الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أس على ابن حرب غارة لم تحل يومًا من نهاب نفوس
خيلًا كأمثال السعالي شزبًا تعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنه ومضان برق أو شعاع شموس
بقيت وفري: دعاء منه على نفسه بتبقيه ماله وتركه إنفاقه في المكارم أن يفرق على معاوية وأصحابه غارة. والسعالي: جمع سعلاة وهي الأنثى من الغيلان، وقيل: أن السعالي بنات الغيلان، شزبًا: أي ضمرًا، وقوله: تعدو ببيض في الكريهة أي الحرب، والبيض والشوس من نعت الفرسان، والومضان والوميض: البرق، وقال: شموس، لأنه شبه بريق مغافرهم وهي كثيرة، فجعل كل مغفر شمسًا. المعنى: أقسم بتبقيه ماله دون انفاقه في المكارم، وأقسم بعدوله عن العلا، وبعبوسه في وجه الضيفان إن لم يفرق على معاوية غارة تنتهب فيها الأرواح، خيلًا مُضمرة مثل الغيلان عليها فوارس كرام عليهم سلاح بريقه بريق البرق وشعاع الشموس.
(٢٧)
وقال معدان بن جواس الكندي، جاهلي، وتروى لعامر بن الطفيل،
[ ٢ / ١٢٢ ]
ومعدان فعلان من معد معدًا إذا أبعد المذهب، وجواس فعال من الجوس وهو وطه ديار القوم، وكندة: فعلة من الكنود وهو الجحود.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن كان ما بُلغت عني فلامني صديقي وشلت من يدي الأنامل
وكفنت وحدي مُنذرًا بردائه وصادف حوطًا من أعادي قاتل
الرواية المشهورة: بلغت - بالكسر - يخاطب جارية كان يهواها، وروى أبو زيد وأبو حاتم "ما بلغت" - بفتح التاء -. قال يعتذر إلى بعض الملوك ومنذر
[ ٢ / ١٢٣ ]
وحوط ابناه، وحدي نصب على المصدر من فعل مقدر كأنه قال: توحدت وحدي. المعنى: يعتذر غلى صحابته بما بلغها من ذكر له في الحرب يقول: إن كان ما بلغك صحيحًا فبليت بلوم صديقي وشلل أصابعي وهلاك ولدي، أحدهما موتًا في بلد قفر، والآخر قتلًا بأيدي أعدائي. فإن قيل: فما في البيتين من الحماسة؟ فالجواب أنه يعتذر مما نسب إليه من النكول في الحرب وينتفي منه وهذا فعل الشجاع.
(٢٨)
وقال زفر بن الحارث الكلابي، وزفر معدول عن زافر إذا حمل.
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ليالي قارعنا جذام وحميرا
فلما ضربنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
المعنى: كنا قدرنا أن الناس كلهم على حال واحدة في العكز عنا وقت حاربتنا جذام وحمير، فلما حاربنا بني أعمامنا ومن كان من أصلنا لم ينكلوا عنا ثم بين فقال:
[ ٢ / ١٢٤ ]
ولما لقينا عُصبة تغلبية يقودون جردًا للمنية ضمرًا
سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
ويروي "شعثًا في الأعنة غبرا". المعنى: لما لقينا جماعة من بني تغلب ذوي خيل جرد ضمر قاتلنا فأصبنا منهم أكثر مما أصابوا منا، قيل: هذه الأبيات من المنصفات، قال أبو علي: ليست عندي منها، لأنه رجح إحدى القبيلتين على الأخرى، وفيه أيضًا أنه يريدان القتلى منهم كانوا أكثر.
(٢٩)
وقال عامر بن الطفيل الكلابي، والطفيل تصغير طفل وهو الصغير
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
طلقت إن لم تسألي أي فارس حليلك إذ لاقى صداء وخثعما
أكر عليهم دعلجًا ولبانه إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما
[ ٢ / ١٢٥ ]
خثعم من الخثعمة وهو تلطخ الجسد بالدم، والصداء من الصدى وهو العطش، وهما قبيلتان، والدعلج: الحمار، ويقال: ألوان الثياب. المعنى: يخاطب امرأته يقول: أنت طالق إن لم تسألي عن زوجك - يعني نفسه - أي فارس هو حين لاقى صداء وخثعمًا للمحاربة، ثم أخبر هو عن حال نفسه فقال: أعطف عليهم فرسي المسمى دعلجًا، وإذا أصاب صدره الطعن حمحم وصبر، يصف شجاعته وجلادة فرسه.
(٣٠)
وقال عمرو بن معدي كربن قال قطرب: معدي فعلي من معد أي
[ ٢ / ١٢٦ ]
ذهب، وقال غيره: من تمعدد إذا غلظ، وقال ثعلب هو من عدّاه الكرب أي تجاوزه، ومثله في الأسماء مأوى الإبل.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرع خليت فاسبطرت
دعوت فجاءت من زبيد عصابة إذا طردت فاءت قريبًا فكرت
وجاشت غلى النفس أول مرة وردت على مكروهها فاستقرت
المعنى: يقول: لما رأيت خيل الأعداء كثيرة صعبة كأنها من كثرتها واختلاف مجاريها جداول زرع امتدت على وجه الأرض، يعني ماء الجداول، دعوت قبيلتي زبيد ففزعت نفسي أول ما رأت الخيل ثم ردت على مكروهها فاستقرت على الحرب.
[ ٢ / ١٢٧ ]
علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
الرمح - بالرفع - على الحكاية، والنصب على استعمال تقول بمعنى تظن، وهذا كقول الآخر:
وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالًا
فكأنه قال أيضًا: إذا الخيل كرت وجب القائي الرمح مع تركي الطعن.
لحا الله جرمًا كلما ذر شارق وجوه كلاب هارشت فازبأرت
فلم تُغن جرم نهدها إذ تلاقيا ولكن جرمًا في اللقاء ابذعرت
ظللت كأني للرماح دريئة أقاتل عن أبناء جرم وفرت
المهارشة: المواثبة، وازبأرت: انتفشت وتهيأت للقتال، وابذعرت: تفرقت بمعنى انهزمت. المعنى: يدعو على جرم لمعاونة نهد، فانهزمت ولم تبل شيئًا، وثبت عمرو ينصر جرمًا وقد انهزمت، فقال يذمهم: لحا الله جرمًا كل صباح كانت حربهم كحرب الكلاب، فلم تغن من جاء لنصرتها، ولكنها انهزمت، ويصف وفاءه وشجاعته يقول: استنجدوني وانهزموا فحصلت بين الرماح أحارب.
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
الأجرار: أن يخل لسان الصيل بخلال لئلا يرتضع، وربما شد بخيطه. المعنى: يقول: لو أن قومي ثبتوا في الحرب وصفتهم في الشعر، وذكرت مفاخرهم، ولكنهم انهزموا وطرحوا الرماح التي كان حقها أن يطعن بها، كأن رماحهم شقت لساني فلم أقدر على ذكرهم.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقال سيار بن قصير الطائي، اسلامي (١)، وسيار من السير.
(الأول من الطويل والقافية من التدارك)
لو شهدت أُم القديد طعاننا بمرعش خيل الأرمني أرنت
عشية أرمي جمعهم بلبانه ونفسي وق وطنتها فاطمأنت
مرعش: ثغر من الثغور بأرمينية، وأرنت: صاحت وبكت، وخص اللبان لأنه يدل على الكروب. المعنى: لو حضرت هذه المرأة ورأت مطاعنتنا خيل الأرمني بمرعش، صاحت وبكت لشدة ما رأتنا فيه من الحرب في وقت حملاتي عليه وتوطين نفسي على شدائدها.
ولاحقة الآطال أسندت صفها إلى صف أخرى من عدى فاقشعرت
الآطال: جمع أطل وهو الخاصرة. المعنى: كم خيل ضمر أدنيتها من خيل الأعداء ففزعت الأعداء، يصف هيبته وجلادته.
(٣٢)
وقال بعض بني بولان من طيء، جاهلي.
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
نحن حبسنا بني جديلة في نار من الحرب جحمة الضرم
[ ٢ / ١٢٩ ]
نستوقد النبل بالحضيض ونصـ ـطاد نُفوسًا بُنت على الكرم
حجمة الضرم: أي عظيمة الاضطرام، ومعنى نستوقد النبل الحضيض. ننفذها إلى أعدائنا رميًا، فتصيب أسفل الجبل فتنقدح النار، وقوله: ونصطاد نفوسًا بنت على الكرام، أي نقبض أرواحًا كريمة، يعني: نقتل قومًا كرامًا، فجعل القتل اصطياد أرواحهم. وقوله: "بنت" أي بنيت وهي لغة طائية. المعنى يصف حبسهم بني جديلة في شدة الحرب ورميهم إياهم عند أسفل الجبل بالنبل النافذة، وقتلهم إياهم، ويصف بني جديلة بالكرم.
(٣٣)
وقال رويشد بن كثير الطائي، جاهلي، ورويشد تصغير راشد
(من الضرب الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
يا أيها الراكب المُزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يُبرئكم اني أنا الموت
المعنى: يهدد بني أسد ويقول: ما هذه الضجة، والمزجى: السائق، ويبرئكم: ينزهكم من الذنب، وقال: يأمرهم بالتماس العذر إليه.
إن تُذنبوا ثم يأتيني يقينكم فما على بذنب عندكم فوت
ويرى "تأتينى يقيتكم"، وتقيتكم، ومن روى يقينكم يريد صحة ذنوبكم، ومعناه أن جنى منكم جان، ثم يأتيني صحة ذنوبكم فإنكم لا تفوتوني
[ ٢ / ١٣٠ ]
بذنب بل أعاقبكم، ومن روى بقيتكم، فالمعنى أن جنيتم ثم يأتيني من لم يجن منكم فلا يفوتني الجاني بذنبه، ومن روى تقيتكم فمعناه أن تذنبوا ثم تتقوني وترجعوا عن الذنب فلا تفوتوني بذنبكم. وهذا الوجه يحتمل معنيين: أحدهما: أن تقيتكم إياي تقوم مقام عقابي للجاني، والآخر إن أذنبتم ثم اتقيتم واحترزتم لم تسلموا من عقابي على كل حال، ويروى: أن تذنبوا ثم لم يعتب سراتكم، أي لم يرضني كرامكم، العتبى هو الرضا.
(٣٤)
وقال أنيف بن ربان النبهاني، اسلامي، أنيف تصغير أنف، وزبان فعلان من الزبب وهو كثرة الشعر.
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
دعوا لنزار وانتمينا لطئ كأسد الشرى إقدامها ونزالها
فلما التقينا بين السيف بيننا لسائلة عنا حفي سؤالها
[ ٢ / ١٣١ ]
المعنى: لما التقينا انتسبنا لطيء، وانتسبوا إلى نزار، وسبه أصحبه في الشرى في الاقدام والمنازلة، ثم عرض ولم يصح، فقال بين السيف بيننا لمن كان معنيًا بالسؤال عنه وأراد انا حكمنا فيهم السيوف.
(٣٥)
وقال عمرو بن معدي كرب معدي كرب فيه ثلاثة أوجه: معدي كرب مثل خمسة عشر، ومعدي كرب تجر بالإضافة، ومعدي كرب، يجعلها بمنزلة الاسم الواحد.
(من مرفل الكامل والقافية من المتدارك)
ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رُديت بردا
إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدا
معادن: أصول. المعنى: ليس الحسن في تجديد الثياب، إنما الحسن في أسباب تورث المجد نحو كرم الأصول وشرف الآباء.
أعت للحدثان سا بغة وعداء علندى
نهدًا وذا شطب يقـ ـد البيض والأبدان قدا
وعلمت أني يوم ذا ك منازل كعبًا ونهدا
قوم اذا لبسوا الحديـ ـد تنمروا حلقًا وقدا
العداء: الفرس الكثيرة العدو إشارة إلى الحرب، علندى: أي شديد صلب وأصله ضرب من الشجر صلب، وتنمروا: تغيروا، وقد هو شيء كهيئة الدرع كانوا ينسجونه من السيور، وقال بعضهم: أراد به التروس من القد، ولنصب حلقًا وقدا أربعة أوجه: التمييز، والحال، وبإضمار لبسوا، وبحذف الباء، كأنه أراد تنمروا بحلق وقد، والمصدر على تقدير تنمروا تنمر حلق وقد، فحذف المضاف إليه. المعنى: أعددت آلة الحرب لاقتناء المجد درعًا تامًا، وفرسًا
[ ٢ / ١٣٢ ]
صلبًا منيفًا، وسيفًا مشطبًا يقطع المغافر، وعلمت أني محارب القبيلتين كعبًا ونهدا، وهم قوم إذا تسلحوا شبهوا النمر في إظهاره العداوة.
كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استعدا
الهياج: الحرب. المعنى: يصف حزمه وأهبته للأمر قبل وقوعه، يقول: كل امرئ يصير إلى يوم الحرب بما أعده له، وقد أعددت السلاح الذي ذكره، والفرس الذي وصفه.
لما رأيت نساءنا يمحصن بالمعزاء شدا
وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى
نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بُدا
هم ينذرون دمى وانـ ـذر إن لقيت بأن أشدا
يمحصن: يسرعن العدو، كأنهن يبحثن بأقدامهن على الأرض، والمعزاء: الأرض الصلبة، والشد: العدو، ولميس اسم جارية، وهم ينذرون - بضم الذال وكسرها - أي يجعلون قتلى نذرًا عليهم. المعنى: يصف شجاعته، يقول: لما وقعت الصيحة في الحي، ورأيت نساءنا يعدون في الأرض ذات الحجارة، وبرزت لميس من خدرها مبدية محاسنها التي من حكمها أن تخفي قاتلت رئيس القوم ولم ار بدًا من ذلك، لأني كنت عمدة قومي ثم قال: هم ينذرون يعني أعدائي يجتهدون في قتلي، واجتهد في أن أحمل عليهم إذا رأيتهم.
[ ٢ / ١٣٣ ]
كم من أخ لي صالح بوأته بيدي لحدا
ما إن جزعت ولا هلعـ ـت ولا يرد بُكاي زندا
ألبسته أثوابه وخلقت يوم خلقت جلدا
الزند: الخشبة تقدح بها النار، وأراد به شيئًا قليلًا كالفتيل والنقير، وروى بعضهم "زيدًا" يريد أخا عمر بن الخطاب - ﵁ - وكان حليفًا لعمرو بن معدي كرب في الجاهلية، وهذا ليس بجيد من جهة القافية. المعنى: يصف شدة قلبه، ويقول: كم من أخ لي صالح كفنته ودفنته، ولم أجزع عليه، ولم أزل جلدًا، والبكاء لا يرد شيئًا.
أُغني غناء الذاهبيـ ـن أعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا
المعنى: أقوم مقام من سلف من قومي، وإني معد لذلك، وقد ذهب أحبابي وبقيت مفردًا عنهم.
(٣٦)
وقال أيضًا:
(الأول من الرمل والقافية من المتواتر).
ولقد أجمع رجلي بها حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة حين للنفس من الموت هرير
[ ٢ / ١٣٤ ]
كل ما ذلك مني خلق بكل أنا في الروع جدير
وابن صبح سادرًا يُوعدني اله في الناس ما عشت مجير
أجمع رجلي بها أي بفرسي، أضمها عليها ركضًا أي استدرها الجري برجلي، وفرور، مجد في الفرار، ويروي "لقرور" من القرار بالقاف، وهرير أي كراهة، وابن صبح فيه قولان أحدهما: أنه رماه بأنه لغير رشدة أي حملت به أمه وقت الصبح ممن غار على قبيلة إلى الصبح، والآخر أنه يستهزئ به أي يغير وقت الصبح، كما يفعله الشجاع فنسه إليه، كما قالوا ابن الحرب وابن الفيافي، وسادرًا متحيرًا، ويروي "ليس ما عشت له مني مجير". المعنى: يصف خبرته بأمر الحرب وأنه يفر منها إذا وجب الفرار، ويعطف إذا وجب العطف، وإن كرهته النفس وكان ذلك خلق منه، وهو جدير بالعطف والفرار، ثم أوعد ابن صبح أنه لا ينقذه ولا يحفظه منه شيء، ورماه بأنه لغير رشدة: وأنه يوعدني متحيرًا.
(٣٧)
وقال قيس بن الخطيم، قيس من قاس، والخطيم: فعيل بمعنى مفعول، والخطم: الضرب على الأنف، وسمي به لضربة خطمت أنفه أي صارت كالخطام عليه، وهو الزمام.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها
يهون على أن ترد جراحها عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
[ ٢ / ١٣٥ ]
وساعدني فيها ابن عمرو بن عامر زهير فأدى نعمة وأفاءها
النفذ: النفاذ، والشعاع: ما تفرق من الدم، ملكت بها كفي أي شددت من قولهم: ملكت العجين: إذا أنعمت عجنه، أنهرت أي وسعت، وإنما خص النساء بالتداوي لأنهن كن يعالجن الجراحات، وقال بعضهم: خص به النساء لأنهن أجبن، وبلاءها أي نعمتها. المنعى: طعنت ابن عبد القيس طعنة نفذت الجانب الآخر لولا تفرق الد لأضاءها النفذ، ووسعت خرقها حتى يرى من قام من دونها وراءها، ثم قال: يخفى على صرفها العيون عنها لأنها مويسة ن مداواتها إذ حمدت نعمتها، لأني أدركت فيها الثأر، ثم شكر معينه عليها وهو زهير أو خداش على ما روى.
وكنت امرأ لا أسمع الدهر سُبة أسب بها إلا كشفت غطاءها
المعنى: لم يلحقني شيء قط أذم به إلا كشفته عنى، وكنت بهذه الطائلة كالمقنع، فلما أدركتها كشفت عن قناعي لأني أدركت ثأري.
متى يأت هذا الموت لا تُلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
المعنى: لم تكن لي حاجة إلا طلب الثأر، ومتى يأت الموت لا تُلف حاجة لي لم تُقض. يصف أن اهتمامه كان في طلب الثأر.
إذا ما شربت اربعًا حط مئزري واتبعت دلوي في السماح رشاءها
يروي "خط متزري" بالخاء المعجمة أي استرخ ازاري فانجر على الأرض فخط فيها فعل السكران، وقوله: وأتبعت دلوي في السماح رشاءها أي بلغت الأقصى في الكرم والسماحة، وفي الأمثال "اتبع الدلو رشاءها" أي أتمم الصنيعة،
[ ٢ / ١٣٦ ]
ومثله "اتبع الفرس لجامها". ويروي "حط مئرزي" بالحاء المعنى: إذا شربت أربعة أقداح جررت على الأرض مئزري وبالغت في السماح.
ثأرت عديًا والخطيم فلم أضع وصية أشياخ جُعلت إزاءها
واني في الحرب العوان مُوكل بأقدام نفس ما أريد بقاءها
جعلت إزاءها أي القيم بها، يقال: فلان إزاء مال أي يقوم به. المعنى: أدركت ثأري لأني موكل في الحرب بأقدام نفس لا أفكر في بقائها، ويروى: "وإني في الحرب الضروس" والمشهور من الرواية "العوان".
(٣٨)
وقال الحارث بن هشام المخزومي، وهو أخو أبي جهل بن هشام، كان مع المشركين يوم بدر، فلما رأى ظفر النبي ﷺ هرب وقال هذه الأبيات.
[ ٢ / ١٣٧ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مُزبد
وعلمت ان أقاتل واحدًا أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة دونهم طمعًا لهم بعقاب يوم مرصد
ويروى "يوم سرمد" و"يوم مفسد" وعنى بأشقر مزبد دمًا له زبد، ويروي "بأحمر مزبد" يريد أنه جرح وجرى دمه فوق رأسه، وقيل: جرح فرسه لأنه قال: علوه بالدم، وصددت عنهم أعرضت عنهم، ومرصد أي مراقب للمكافآت، وجعله لليوم لأنه فيه يقع. وحكي أن هذه الأبيات إنما أجاب بها عن أبيات عيره بها حسان بن ثابت الأنصاري وهي:
إن كانت كاذبة التي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يُقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام
[ ٢ / ١٣٨ ]
(٣٩)
وقال الفرار السلمي، واسمه حبان بن الحكم، وبهذا الشعر سمي فرارًا، والسلمي منسوب إلى سليم وهو تصغير سلم، يعني الدلو لها عروة واحدة.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم تقص الرماح ظهورهم من بين منعفر وآخر مسند
ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت خلف رجالها- لا تبعد
نفضت لها يدي: أي لم أشغل بها يدي، ويروي" بها يدي" وله وجهان: أحدهما بها أي بفرسي، يصف سرعة ضربه بالسوط، والأخر بها أي بالمقترفة، وقوله: تقص الرماح أي تكسره ويري "من بين منجدل" ويروي "وقتلت دون رجالها". المعنى: يصف تهييجه الحرب بين الناس وخروجه من بينهم يقتل بعضهم بعضًا، ويجرحون، ثم احتج لذلك فقال: ما كان هببن يبكين ويعولن ويقلن "لا تبعد" أي لا تهلك.
(٤٠)
وقال بعض بني أسد
[ ٢ / ١٣٩ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
يديت على ابن حسحاس بن وهب بأسفل ذي الحداة يد الكريم
قصرت له من الحماء لما شهدت وغاب عن دار الحميم
أنبئه بأن الجرح يشوي وأنك فوق عجلة حموم
ولو أني أشاء لكننت منه مكان الفر قدين من النجوم
ذكرت تعله الفتيان يومًا وإلحاق الملامة بالمليم
يديت: أنعمت، والجداة: موضع، ويشوي: يخطئ المقتل، وعجلة: فرس قوية صلبة، وجموم: كثيرة العدو، وقوله: "قصرت له" أي قصرت خطو فرسي، والحماء: اسم فرصة، والحميم: القريب، وقوله: "ولو أنى أشاء" أي لو شئت لسبقته فبعدت عنه بعد ما بين الفر قدين من منازل القمر، وإنما قال مكان الفر قدين من النجوم لأن الفر قدين من النجوم لأوان الفر قدين بمعزل عن منازل القمر، فلا تحلها النجوم السيارة أبدا. ويجوز أن يكون تباعدت عنه تباعد الفر قدين أي تباعد السماء من الأرض، ثم قال: من النجوم أعنى الفر قدين اللذين من النجوم في السماء والصحيح هو الأول، وتعله الفتيان أحاديثهم التي يتعللون بها في نواديهم، ويروي "بأن الجرح يوسي". المعنى: يصف أنعامه على ابن حسحاس ووجوده إياه جريحًا بأسفل ذي الجداة، وأنه وقف فرسه عليه، وطيب نفسه، وقوى قلبه، وشجعه، وأخبره بأن الجرح قد يخطئ المقتل أو يبري، في قول من روى "يوسي" وأن فرسه شديدة الجري، ثم أخبر أنه لو شاء بعد عنه بعد الفر قدين من مجاري النجوم السيارة، ولكنه خاف أن يحدث الفتيان فيلوموه على مجاوزته مع قدرته على إنقاذه.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وقال الشداخ بن يعمر الكتاني من الشداخ وهو كسر شئ غير صلب، ويعمر: يفعل من الفعل.
(أول المنشرح، والقافية من المتراكب)
فقاتلي القوم يا خزاع ولا يدخلكم من قتالهم نشل
القوم أمثالكم لهم شعر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا
ويرى "قاتلوا القوم". المعنى: يحث خزاعة على معاودة الحرب ويشجهم بأن أعداءهم بشر أمثالهم، فلا يجب أن يعجزوا عنهم.
أكلما حاربت خزاعة تحـ ـدوني كأني لأمهم جمل
[ ٢ / ١٤١ ]
المعنى: يظهر التضجر بكثرة استنصار خزاعة أباه وضرب المثل بالجمل الناضج الذي يقاد في الحوائج، ويبتذل في العوارض. ويرى أن عثمان كتب إلى علي﵃- يوم الدار أن ائتني، فخرج علي فأتاه رسوله في بعض الطريق أقم مكانك، فرجع علي إلى مكانه ثم أتاه فأستقبله رسول آخر قد استغنيت عن حضورك، فقال علي: ما مثلي إلا كما قال:
أكلما حاربت خزاعة تحدوني كأني لأمهم جمل
وقيل: أنه تمثل بقول الآخر:
أراك إذا قد صرت للقوم ناضجًا يقال له بالغرب أدبر وأقبل
(٤٢)
وقال الحصين بن الحمام ألمري، الحصين تصغير حصن، والحمام حمى الإبل خاصة، يقال: حمى وحمة يؤنث مرة بالتاء ومرة بالألف.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تأخرت استبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
قوله: فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما، له تأويلان: أحدهما إذا
[ ٢ / ١٤٢ ]
تقدمت ذكرت بالشجاعة دائمًا، فذلك الذكر مثل الحياة، والثاني: أن الجبان يطمع فيه الشجاع، والشجاع يتحاماه الناس فإذا حذر كانت حياته أبقى.
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
أي تقطر الجراحات دمًا. المعنى: نحن شجعان لا نولي في الحرب، فلا تدمى جراحاتنا على أعقابنا، ولكن تقطر جراحتنا على أقدامنا لآنا نحارب مقبلين لا مدبرين.
نفلق هامًا من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
المعنى: نقتل رجالًا أعزة فنقطع الرحم بيننا، وهم كانوا أظلم، لأنهم ابتدئوا الحرب فلم يكن لنا بد من مكافأتهم، وفي المثل قيل: "البادي أظلم".
فلست بمبتاع الحياة بذلة ولا مرتق من خشية الموت سلمًا
(٤٣)
وقال رجل من بني عقيل، وحاربه بنو عمه فقتل منهم.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
بكره سراتنا يا آل عمرو نعاديكم بمرهفة صقال
تعديهن يوم الروع عنكم وإن كانت مثلمة النصال
[ ٢ / ١٤٣ ]
لها لون من الهامات كاب وإن كانت تحادث يالصقال
ونبكي حين نقتلكم عليكم ونقتلكم كأنا لا نبالي
المعنى: يظهر كراهة لقتال من يخاطبهم، لما بينه وبينهم من الرحم، ويعتذر بأن سادة القوم يحملونهم على ذلك، ويذكر أنهم يصرفون السيوف عنهم يوم الحرب، وأن كانت آثار الضرب ظاهرة أنها أعملت في غيرهم، وهي تسليم النضال، ومعنى البيت "لها لون" يقول: لا نجم سيوفنا ضربًا بها الهامات، فلونها متغير من الصدأ، وإن كانت تحادث يالصقال أي تجدد، ومعنى نبكي حين نقتلكم أي إذا قتلناكم بكيناكم لما بيننا من الرحم، ونقتلكم كأنا لا نبالي بقتلكم لأنكم أحوجتمونا إلى ذلك.
(٤٤)
وقال القتال ألكلابي، وهو عبيد المضرحي.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
نشدت زيادًا والمقامة بيننا وذكرته أرحام سمر وهيثم
فلما رأيت أنه غير منته أملت له كفى بلدن مقوم
فلما رأيت أنني قد قتلته ندمت عليه أي ساعة مندم
[ ٢ / ١٤٤ ]
المقامة- بفتح الميم-: الجماعة، والمقامة- بضمها-: الإقامة. المعنى: يصف قتله زيادًا بعد ما ذكره الرحم بحضرة جماعة من الناس، وأنه ندم على قتله حين لم ينفعه الندم.
(٤٥)
وقال قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحه العبثي في قتله حذيفة وحملا ابني بدر يوم جعفر الهباءة:
(الأول من الوافر والقافية متواتر)
شفيت النفس من حمل بن بدر وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد شفيت بهم غليلي فلم أقطع بهم إلا بناني
في البيت مجاز وهو"بهم" والمذكور اثنان، لأنه إذا قتلهما ومن يعولانه فلهذا جمع.
(٤٦)
وقال الحارث بن وعلة الذهلي، والوعلة الموضع المنيع من الجبل.
[ ٢ / ١٤٥ ]
(الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر)
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهن عظمي
يصف أن قومه قتلوا أخاه، وأنه متأرجح في الانتقام منهم، لآن ما أصابهم فقد أصابه، وأن عفاهم عن دمه يعظم لأنه أخوه، وترك الثأر عندهم عيب، وأن سطابهم وانتقم منهم أضعف عظمة بنقصانه من يعزمنهم.
لا تأمنن قومًا ظلمتهم وبدأتهم بالشتم والرغم
أن يأبروا نخلًا لغيرهم والقول تحقره وقد ينمي
المعنى: لا تأمنن قومًا بغيت عليهم وقتلت منهم أن يحالفوا غيرك، ويستنصروا به، فينتقموا منك، ثم قال: والقول تحقره وقد ينمي أي ربما زاد الحقير فصار كبيرًا كما قيل: " الشر يبدؤه صغاره".
وزعمتم أن لا حلوم لنا إن العصا قرعت لدى الحلم
ويروي "وزعمت أنا لا حلوم لنا" أي عرضتم في قولكم بأنا سفهاء، ولم تصرحوا به فاكتفينا بالتعريض عن التصريح كاكتفاء ذي الحلم بقرع العصا. والأثبت أنه عامر بن الضرب العدواني وكان حكم العرب، فلما أسن أعترضته غفلة، فقالت له ابنته: أنك تخطئ في أحكامك، فقال: إذا رأيتني أخطأت فاقرعي عصا على الأرض لأنتبه فكان كلما أخطأ في حكم قرعت بنته عصًا على الأرض فتنتبه وتلافي، وضربت العرب به مثلًا لمن تنبه إذا نبه، وقيل: بل الأصل في ذلك أن بعض الملوك بعث رجلًا إلى ناحية يتعرف أمر الكلأ والخصب، ثم قال بعد
[ ٢ / ١٤٦ ]
خروجه: إن أخبرني بالخصب قتلته وأن أخبرني بالجدب قتلته، وكان للمبعوث أخ يكتب للملك، فقال: أيها الملك تطلق لي أن أقرع له العصا، ثم يفعل به الملك ما شاء، قال: نعم، فلما رجع قال له الملك: كيف وجدت الكلأ فقرع أخوه له العصا فقال: لا خصبًا ولا جدبًا، فنجا. المعنى: يستزيدهم في أنهم سفهوا رأيه.
ووطئتنا وطئًا على حنق وطء المقيد نابت الهرم
وتركتنا لحمًا على وضم لو كنت تستبقي من اللحم
وطئتنا: أي أوقعت بنا، والهرم: جمع هرمة وهو نبت ضعيف يفتت إذا وطئ، ووطء المقيد: يريد به البعير أو الفرس، وإنما خص المقيد لأنه يرفع رجليه ويديه معًا، فهو أشد يوطئه أي بالغت في التناول منا والبغي علينا، وقوله: تركتنا لحمًا على وضم أي ضيعتنا. المعنى: يقول: ظلمتنا ظلمًا عنيفًا، وأذللتنا، وجعلتنا بمنزلة هرمة تحت قدمي المقيد، وتركتنا ضائعين بمنزلة لحم على وضم، ولو كنت تستبقي من اللحم لم تضيعه.
(٤٧)
وقال أعرابي قتل أخوه ابنًا له فقدم إليه ليقتاد منه فألقي السيف من يده وهو يقول:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
تأساء: من تأسيت إذا اقتديت به، وقال بعضهم: هو من الأسى وهو الحزن، والأول أجود لملائمة اللفظين. المعنى: أقول لنفسي وأصبرها وأعزيها: لا تقتلي أخاك مكان ولدك قانهما بمنزلة يديك، وقد فاتت إحداهما فلا تفوتي الأخرى فتزيدي داء إلى داء، ودعي أخاك يكمن مكان ابنك.
[ ٢ / ١٤٧ ]
(٤٨)
وقال إياس بن قبيصة الطائي، إياس مصدر أسته أوسه إياسًا إذا عوضته، قبيصة فعلية من القبص: وهو الأخذ بأطراف الأصابع:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
ما ولدتني حاضن ربيعة إذا أنا مالأت الهوى لأتباعها
ألم تر أن الأرض رحب فسيحة فهل تعجزني بقعة من بقاعها
مالأت: تابعت وشايعت. المعنى: يقسم أنه لم يتابع الهوى لأتباع جارية ذكر أنه يحبها، ولم يحتمل الضيم لأجلها فقال: لست بابن عفيفة من بني ربيعة لئن شايعت الهوى في متابعتها، وقال: لا أحتمل الضيم فإن الأرض واسعة لا تعجزني بقعة منها.
ومبثوثة بث الدبا مسيطرة رددت على بطائها من صراعها
وأقدمت والخطي يخطر بيننا لأعلم من جبانها من شجاعها
ويروي "ليعلم" وهي أبلغ في المعني. المعني: يصف شجاعته وإقدامه ليعلم أنه غير جبان يقول: كم خيل كثيرة متفرقة على وجه الأرض- لكثرتها- رددت أولها على آخرها، وأقدمت والرماح تضطرب ليعلم أي الشجاع فيها.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقال رجل من بني تميم، وطلب منه بعض الملوك فرسًا يقال لها "سكاب" فمنعه وقال:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أبيت اللعن إن سكاب علق نفس لا تعار ولا تباع
مفداة مكرمة علينا يجاع لها العيال وال تجاع
سلسلة سابقين تناجلاها إذا نسبا يضمهما الكراع
فلا تطمع - أبيت اللعن فيها ومنعكهل بشيء يستطاع
المعنى: يخاطب من طمع فيها ويقول: إن مرسي علق نفيس لا أُخرجها من يدي بإعارة ولا بيع وهو مؤثرة عل العيال، وهي من فحل الكراع، فلا تطمع فيها مستطاعًا منعكها بشيء من الأشياء.
(٥٠)
وقالت امرأة من طيء:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
دعا دعوة يوم الشرى يا لمالك ومن لا يجب عند الحفيظة يكلم
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم
[ ٢ / ١٤٩ ]
يعتلونه: يجرونه، من قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إلَى سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾
والعتل: مسمار عظيم ترفع به الحيطان، والفنيق: الفحل المكرم، والمسدم: الذي سد فوهه من هياجه. المعنى: استغاث يوم الشرى هذا المذكور بآل مالك ثم قالت: ومن لا يغث في الحرب ويروى "ومن لا يجب" أي لا يغث المستغيث يكلم يومًا. ثم قالت متعجبة من ضياعه لما أسلم: فيا ضيعة الفتيان اذ يطعن مثل الفحل المشدود الفم، فإنه لا يقدر على الانتصار.
أما في بني حصن من ابن كريهة من القوم طلاب التراث غشمشم
فيقتل جهرًا بامرئ لم يكن له بواء ولكن لا تكايل بالدم
بنو حصن من نبهان، وابن كريهة: أي صاحب شدة وحروب، وغشمشم: يركب رأسه غير مفكر في شيء، وبواء: أي كفؤًا، وقولها: لا تكايل بالدم أي مقايسة بالدم، كانت العرب تفعل ذلك فيقتل من قوم القاتل مثله في الشرف، فإن لم يجدوا مثله فيهم قتلوا جماعة به. المعنى: تحث على قتل قاتل صاحبها، وتزعم أنه ليس كفؤًا له، ولكن لا يطلب المساواة في الدماء.
(٥١)
وقال بعضى بني فقعس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رأيت موالى الأولى يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
[ ٢ / ١٥٠ ]
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا إذ الخصم أبزى مائل الرأس أنكب
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا وفي الأرض مبثوثًا شجاع وعقرب
فلا تأخذوا عقلًا من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
تفاقدوا: دعاء عليهم، الأبزى: الرجل الذي في أسفل ظهره انحناء.
المعنى: يستزيد بني أعمامه، ويذمهمفق على خذلانه وإسلامه فيقول: أعدوني لمثلي من الرجال إذا امتلأت الأرض من الأعداء، ثم حثهم عل طلب الثأر.
كأنك لم تسبق من الدهر ليلة إذًا أنت أدركت الذي كنت تطلب
المعنى: إذا أدركت ما طلبته فكأنك لم تزل معه، وهذا فيه حث لطيف على طلب الثأر.
(٥٢)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلو أن حيًا يقبل المال فدية لسقنا لهم سيلًا من المال مفعمًا
ولكن أبي قوم أصيب أخوهم رضا العار فاختاروا على اللبن الدما
(٥٣)
وقالت كبشة أخت عمرو بن معدي كرب، كبشة اسم مرتجل، وليس
[ ٢ / ١٥١ ]
بتأنيث كبش، لأن ذلك لا مؤنث له من لفظه وإنما هو نعجة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرسل عبد الله إذ حان يومه إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم افالًا وأبكرًا وأترك في بيت بصعة مظلم
عبد الله أخو عمرو بن معدي كرب، والافال: صغار الإبل واحدها أفيل وأبكرهم جمع بكر، وصعدة: موقع باليمن معروف، وعنت ببيت مظلم: القبر وجعلت طمع أخيها المقتول في إدراك ثأره إرسالًا منه. المعنى: تحث على طلب ثأر أخيها عبد الله: وتمنعهم من أخذ الدية وتحقر أمرها.
ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
وهل بطن عمر: أرادت أن تهز عمرًا بذلك القول تقول: بطنه شبر لموضع الطعام، يكفيه القليل منه، فلم يرغب في الدية، مع ما فيها من العار ويترك الثأر وفيه منقبة. المعنى: تبالغ في حث عمرو على الثأر وتحفظه لكي لا يسالم القوم.
فإن أنتم لم تقتلوا واتديتم فمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تردوا إلا فضول نسائكم إذا ارتملت أعقابهن من الدم
اتديتم: أخذتم الدية، فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم يعني نفسه، وهذا كله من قوله: لا تعقلوا إلى آخر الأبيات، ظاهرها أنها من كلام عبد الله المقتول. يقول: إن لم تقتلوا من قتلني فاذنوا بالذل والصغار وكونوا بمنزلة من جدعت أذنه وضربت آذان النعام مثلًا لذلك، ويروى "فمشوا" أي امسحوا مواضع الآذان منكم وأذنوا بالصغار واعلموا إنكم مجدعون إن لم تقتلوا قاتله، وقيل: بل معناه إذا أخذتم الدية لم تحصلوا على شيء، وكنتم بمنزلة من رام مسح يده بأذن النعام ولم
[ ٢ / ١٥٢ ]
يحصل على شيء لأن النعام لا أذن له. وتقول: اشربوا فضول الحيضر أي صرتم في الذل بحيث لا نهاية لأن العزيز يرد الماء قبل كل أحد، ثم الذي يليه ثم الضعيف ثم النساء الطواهر بعد الرجال ثم الحيض بعد الطواهر، فإذا حصلتم في الذل بحيث لا تردون إلا بعد النساء الحيض فقد حصلتم في نهاية الذل، وفضول النساء ما يفضل عنهن إذا استقين، وهو مثل. وقيل: معناه لا تردوا إلا بقايا الحيض من نسائكم أي لا يمكنكم أن تردوا المناهل فلا يكون لكم ماء إلا دم الحيض لما يلحقكم من الذل، وهذا القول أبلغ، ويؤيده ما بعده "إذا ارتملت أعقابهن من الدم" أي اختضبت، يقال: رملت الشيء إذا لطخته. المعنى: تنذرهم بنهاية المذلة إن قبلوا عن دمه الدية.
(٥٤)
وقال عنترة بل الأخرس المعنى من طيء. العنتر والعنترة: الذباب الأزرق، والمعنى الشيء اليسير:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أطل حمل الشناءة لي وبغضي وعش ما شئت فانظر من تضير
فما بيديك نفع أرتجيه وغير صدودك تاخطب الكبير
ألم تر أن شعرى سار عني وشعرك حول بيتك ما يسير
إذا أبصرتني أعرضت عني كأن الشمس من قبلي تدور
الشناءة: البغض، وقوله: كأن الشمس من قبلي تدور، أي من جهتي فلا تقدر أن تملأ عينيك مني، بمنزلة من ينظر إلى الشمس فلا يقدر أن يتمكن من
[ ٢ / ١٥٣ ]
النظر إليها. وقال الجاحظ. يقول: كأني مدبر أمر الفلك فبخسته حظه من الخير فلموجدته على بغض الطرف إذا أبصرني. المعنى: يظهر استغناءه عنه لقلة خيره وسقوط ذكره، ويصف بغضه له ويقول: شعرك الذى قلته في سارعني أي لم يعلق بي، ولم يعمل في، وشعري الذي قلته فيك لزمك وأثر فيك، وصار ذلك كالقلادة لا يزول عنك، ومعنى آخر أن شعري فيك الذي هجوتك به سار عني لجودته، وشعرك في لا يجاوز بيتك ولم يحتمله الرواة لرداءته.
(٥٥)
وقال الأحوص بن محمد الأنصاري، الأحوص: الضيق العين، كأنها مخيطة:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
إني على ما قد علمت محسد أنمي على البغضاء والشنآن
ما تعتريني من خطوب ملمة إلا تشرفني وتعظم شاني
[ ٢ / ١٥٤ ]
فإذا تزول تزول عن متخمط تخشى بوادره على الأقران
إني إذا خفي الرجال وجدتني كالشمس لا تخفى بكل مكان
المتخمط: المتكبر، والبوادر: ما يبدر من الإنسان في غير عمد. المعنى: يصف كثرة الخير عنده، وإن الناس يحسدونه لذلك، وأنه لا ينزل به حادث إلا زاد به شرفًا، لعزة نفسه وترك الضراعة فيها، ويفتخر بشهرته في العلاء، وشبه نفسه بالشمس.
(٥٦)
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
مهلًا بني عمنا موالينا لاتنبشوا بيننا ما كان مدفونًا
مهلًا بني عمنا عن نحت أثلتنا سيروا رويدًا كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذنا
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم ألا تحبونا
كل له نية في بغض صاحبه بنعمة الله تقليكم وتقلونا
ويروى "لا تحسبوا أن تهينونا". المعنى: لا تطمعوا منا فى المحال ولا تلتمسوا إكرامنا إياكم.
[ ٢ / ١٥٥ ]
(٥٧)
وقال الطرماح بن حكيم الطائي، الطرماح: الطويل:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد زادني حبًا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأني شقي باللئام ولا ترى شقيًا بهم إلا كريم الشمائل
المعنى: بغض اللئام إياي زادني حبًا لنفسي لأني عرفت بذلك بعدي منهم لأن كل امرئ يحب من يوافقه ويشاكله، ويعادي من يباينه ويخالفه، كما قيل: الأشكال تأتلف والأضداد تختلف.
إذ ما رآني قطع الطرف بينه وبينى فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كفه حابل
قطع الطرف بيني وبينه أي قصر بصره عني لبغضه إياي، والكفة - بالكسر- ما استدار من الصائد. المعنى: يصف المرء الذي لا طائل عنده، قال: بلغ من بغضه إياي أنه يغض طرفه عني ويعرفني ويظهر أنه بي جاهل، ثم قال: أرغمته بأن ضيقت عليه الأرض حتى كأنها عليه كفة صائد.
أكل امئ ألفى أباه مقصرًا معاد لأهل المكرمات الأوائل
إذا ذكرت مسعاة والده اضطنى ولا يضطني من شتم أهل الفضائل
[ ٢ / ١٥٦ ]
المسعاة؛ المكرمة، اضطنى: تصاغر ذلة، لأنه لا مساعي لوالده، فلا يمكنه أن يفتخر به. المعنى: من لم يكن من آباء كرام عادى أهل المكارم، ويتطاول لشتم أهل الفضائل.
وما منعت دار ولا عز أهلها من الناس إلا بالقنا والقنابل
القنابل: جمع قنبلة وهي جماعة من الخيل، وقوله: وما منعت دار ولا عز أهلها إلا بالقنا والقنابل، يريد عز الدار وأهلها بالسلاح.
(٥٨)
وقال بعض بني فقعس:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
وذوي ضباب مظهرين عداوة قرحى القلوب معاودي الافناد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتم وهم إذا ذكر الصديق أعاد
كما أعدهم لأبعد منهم ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
يعني كم ذوي أضغان وأحقاد الواحد ضب، قرص القلوب: أي شديدي العداوة وقد قرحت قلوبهم من شدة العداوة حتى اسودت، والافناد: الافساد، وقوله: ناسيتهم بغضاءهم، أي تابعت احساني إليهم مع اساءتهم إلي. وقوله: وهم إذا ذكر الصديق أعاد، يعني إذا ذكر الصديق الخالص المودة، وقوله: ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد أي يضطر، المعنى: يصف حسن تدبيره في إصلاح أقاربه وإزالة الأحقاد عن قلوبهم وإعداده إياهم لوقت حاجته إليهم.
[ ٢ / ١٥٧ ]
(٥٩)
وقال زيد بن الحكم الكلابي، زيد مصدر زاد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
دفعناكم بالقول حتى بطرتم وبالراح حتى كان دفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منته وما خاب من أحلامكم غير راجع
مسسنا من الآباء شيئًا وكلنا على حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
مسسننا من الآباء شيئًا: أي فكرنا الآباء وانتسبنا إليهم، فتساوينا في نسب الآباء، وكلنا إلى حسب في قومه غير واضع أي لا يضعه حسبه لأن آباءهم كرام، فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع أي تساوينا في شرف الآباء وفضلناكم في شرف الأمهات، وهذه الأبيات لا تليق بهذا الباب لتعريها من ذكر الشجاعة، وإنما هي من باب الافتخار بشرف الأصل.
(٦٠)
وقال جابر بن رالان السنبسي من طيء، رالان، غير مهموز، فعلان من
[ ٢ / ١٥٨ ]
رولت الخبز في السمن إذا رؤيته منه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
لعمرك ما أخزى إذا ما نسبتني إذا لم تقل بطلًا علي ومينا
ولكما يخزى امرؤ يكلم استه قنا قومه إذا الرماح هوينا
البطل: الباطل، والمين: الكذب، ومعنى يكلم استه إنما يستحي من ينهزم في الحرب إذا أهويت الرماح فهوت حتى يطعن موليًا في استه ولا يثبت مقبلًا، فيكون الجراح قدامه، وقيل: معناه إنما يخزى من تأخره عن الحرب حتى توضع الرماح في استه يقدم عليها، وربما مفلول كذلك. المعنى: يصف إقدامه في الحرب يقول: أني لا أستحي إذا ذكرت نسبي وأفعالي ما لم تكذب، وإنما يستحي من ينهزم حتى يطعن موليًا.
فإن تبغضونا بغضة في صدوركم فانا جدعنا منكم وشرينا
شرينا: أي أسرناكم وبعناكم، وجدعنا: قطعنا آذان جماعة منكم وبعنا ذراريكم، وقيل: معناه فضحناكم حتى صرتم بمنزلة المجدوع والبيع. المعنى: إن تبغضونا فحق لكم ذلك لأنا قد قهرنكم وذللناكم، وبالغنا في الإساءة إليكم.
ونحن غلبنا بالجبال وعزها ونحن ورثنا غيثًا وبدينا
وأي ثنايا المجد لم نطلع لها وأنتم غضاب تحرقون علينا
[ ٢ / ١٥٩ ]
أي غلبنا الناس بأفعال مثل الجبال عظمًا، وغيث وبدين قبيلتان، وتحرقون علينا أي تحرقون علينا أسنانكم غيظًا، بمعنى تحكون. المعني: يفتخر بعظم مساعيهم وأنهم ورثوا القبيلتين وأنهم مطلعو ثنايا المجد.
(٦١)
وقال سيرة بن عمرو الفقعسي، وعيره ضمرة بن ضمرة كثرة أبله، وسبرة: الغداة الباردة وجمعها سبرات، وضمرة من بني نهشل وهو الصحيح.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم وقد سال من ذل عليك قراقر
ونسوتكم في الروع باد وجوهها يخلن إماء والإماء حرائر
مسلم: أي لا ناصر لك، وقراقر: اسم واد أي نالك الذل مثل هذا الوادى، فكأنه جرى عليك سيل من الذل، وقوله: يخلن إماء وإلا ماء حرائر أي يسر، لتبذلهن، إنهن إماء وهن حرائر، يذكر إحسانه إليه! في وقت بلغ الذل منه منتهاه.
[ ٢ / ١٦٠ ]
أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا بن ريطة ظاهر
أي عار زائل كقوله تعالى: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْل﴾ أي باطل: المعنى: عيرتنا ألبان إبلنا ولحومها، وليس ذلك بعيب لما بينه بعد. وقيل: معناه أن الذي عبتنا به وهو كثرة الإبل فخر معروفون به، فلا نتحاشى منه وليس بعيب.
نحابي [بها] أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونفامر
المعنى: هذه الإبل التي عيرتنا بها هي معرضة لمنافع الناصر ومنافعنا، نعطي منها ونهينها في الشرب والمقامرة.
(٦٢)
وقال رجل بن بني فقعس:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أينبغي آل شداد علينا وما يرغى لشداد فصيل
فإن تعمز مفاصلنا تجدنا غلاظًا في أنامل من يصول
يرغى: يحمل على الرغاء، أي ليس في آل شداد من يهب فصيلًا فيرغو إذا قطع عن أمه، وينحر ناقة لأضيافه أو يهبها لزواره فيرغو فصيلها إذا فقد أمه، وقوله: فان تغمز: يعني أن تجربنا تجدنا شدادًا، وأصله في العود يغمز فتعرف صلابته من خوره ورخاوته. المعنى: يصف سخاوة قومه تعريضًا، لأنه إذا ذم آل شداد بالبخل دل على أنه ليس مثلهم، ويصف في البيت الثاني عز قومه.
[ ٢ / ١٦١ ]
(٦٣)
وقال جزء بن كليب الفقعسي، جزء من جزأت الشيء إذا جعلته أجزاء؟
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تبغي ابن كوز والسفاهة كاسمها ليستاد منا أن شتونا لياليا
فما أكبر الأشياء عندي حزازة بأن أبت مزريًا عليك وزاريًا
ابن كوز رجل من بني أسد خطب إلى بعض بني فقعس فأبى عليه، وكانت فقعس قد لحقتها السنة، فقال جزع هذه الأبيات. المعنى: طلب ابن كوز أن ينكح منا امرأة لاختلال أحوالنا فرد وأهون الأشياء عندي رده، وذلك قوله: "والسفاهة كاسمها" على أن فعله كان سفهًا منه.
وإنا على عض الزمان الذي ترى نعالج من كره المخازي الدواهيا
عض الزمان: شدته وما ينال من المكروه فيه. المعني: يقول: نعالج الدواهي من أن تلحق بنا كربة المخازي - وإن كان الزمان قد عض منا وأثر فينا- ونصبر عل اللأواء ولا نتلبس بالعار.
فلا تطلبنها يا بن كوز فإنه غذا الناس مذ قام النبي الجواريا
يعني أن العرب كانت تئد البنات، فلما بعث الني ﷺ نهى عن وأد البنات ونزل القرآن يحظر فلك فغذا الناس بناتهم فلم يئدوهن، فلا تخطب إلينا فإن تزويجك إياها بمنزلة الوأد لنا إذ كان إضاعة لها.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وإن التي حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الآباء كما هيا
المعنى: نحن وان أصابتنا السنة والمحنة فعلى ما كنا عليه من العزة وشرف الهمة، وقيل: معناه نحن على ما كنا عليه في الجاهلة من الكبر والنخوة، وإن كنا قد أسلمنا.
(٦٤)
وقال زيادة بن زيد الحارثي، الحارث بن سعد أخو عذرة.
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
لم أر قومًا مثلنا خير قومهم أقل بنا منا على قومنا فخرًا
وما تزدهينا الكبرياء عليهم إذا كلمونا أن نكلمهم نزرًا
ويروى "ولم أر من قوم هم خير قومهم" وقوله: ما تزهينا: ما تستخقنا، يقال: زهاه الفرح وازدهاه. المعنى: يصف حسن معاشرتهم قومهم يقول: م أر مثلنا أقل فخرًا عل قومها، ولا نتكبر عليهم بأن نقل مخاطبتهم استحقارًا.
ونحن بنو ماء السماء فلا ترى لأنفسنا من دون مملكة قصرًا
ماء السماء من الازد سمي به لأنه إذا قحط القطر اجتبى فأقام ماله مقام القطر
[ ٢ / ١٦٣ ]
وقيل لأبيه مزيقياء، لأنه كان يمزق كل يوم حلتين يلبسهما، ويكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما غيره. المعنى: يصف عزهم وأنهم أهل للملك.
(٦٥)
وقال مسور بن زيادة حين عرض عليه سعيد بن العاص أمير المدينة سبع ديات بأبيه زيادة، وكان هدبة بن خشرم قتله غيلة فرفع أمره إلى معاوية فضن بالرجل عن القود، وحبسه إلى بلوغ ابنه فأبى وقال هذا الشعر، ويقال: هو لعمه عبد الرحمن ابن زيد بن مالك:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
أبعْد الذِي بالنعْف نعْف كويكِب رهينة رمْس ذِي تراب وجندَل
أذكَّر بالبقيَا على مَن أصابني وبقياي أنِّي جاهِد غير مؤتِل
النعف: المرتفع من الأرض كالثنية، كويكب: موضع، الرمس: هو بيت القبر. المعنى: يصف حرصه على القتل لمن قتل أباه لا أخذ الدية.
فالا أنَل ثأرِي مِن اليوْم أَو غَد بنِي عمنَا فالدهْر ذُو متطوَّل
المعنى: يقول: إن لم أدرك ثأري في هذه الحال، انتظرت طول الدهر، وتقلب الحال فلعي أقدر على انتهاز الفرصة فيه.
فلا يدعنِي قومِي ليوْم كريهَة إذَا لَم أعجِّل ضربَة أَو أعجَّل
ويروى «فلا يدعني قومي لزيد بن مالك». المعنى: لست بجلد إذا لم أقتل قاتله أو أهلك.
[ ٢ / ١٦٤ ]
أنختُم علينَا كلكَل الحرْب مرَّة فنحْن منيخوهَا عليكُم بكلكَل
كلكل الحرب: شدتها وهي الصدر. المعنى: أصبتم منا فنحن ننتقم منكم.
يقول رجال مَا أصيب لهُم أَب ولا مِن أَخ أقبل على المال تعقَل
كريم أصابته ذئاب كثيرة فلَم يدْر حتَّى جئْن مِن كُل مدخَل
المعنى: أصابتني ديات كثيرة بدم والدي فلم أدر حتى جئن من غير مدخل لأن مثلي لا يأخذ الدية على مثل ابي.
(٦٦)
وقال بعض بني جرم من طئ، الجرم: القطع:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إخالُك موعدِي بيني جفيْف وهالَة إنني أنهاك هالا
فالا تنتهي يَا هال انِّي أدعْك لمِن يعاديني نكالا
إذا أخصبتُم كنتُم عدوَّا واِن أجدبتُم كنتُم عيالا
يخاطب رجلا من بني هالة وهم قومه وأسرته، وبنو جفيف حلفاء لهم، أخالك: أحسبك- بكسر الألف وفتحها، والكسر أكثر وهي لغة تميم.
[ ٢ / ١٦٥ ]
المعنى: يقول: توعدني بقومك وحلفائك، ثم أقبل على قبيلته فتوعدهم وقال: لئن لم تنته عن ذلك نكلت بك، ويقول: إذا أحسنت حالكم حاربتمونا وان ساءت حالكم ألزمتمونا.
(٦٧)
وقال عويف القوافي، وقيل: لرجل من بني نصر بن سعد بن قعين قال ابن دريد: القعين اشتقاقه من القعن، وهو ارتفاع أرنبة الأنف، ووبر قبيلة من كلاب:
(الأول من البسيط والقافية من المتدارك)
اللؤم أكرَم مِن وبْر ووالدِه واللؤْم أكرَم مِن وبْر ومَا ولدَا
واللؤْم داء لوبْر يقتلون بِه لا يقتلون بداء غيرِه أبدَا
قوْم إذَا مَا جنَي جانيهِم أمنوا مِن لؤْم أحسابهِم أَن يقتلوا قودَا
ومعنى قوم إذا ما جني البيت يعني بلغ من لؤمهم أنه إذا جني جانيهم فقتل ارتغبت أسرة المقتول عن قتله به، فان قيل: لم قال: اللؤم داء لهم يقتلون به
[ ٢ / ١٦٦ ]
فأوجب قتلهم وقال أمنوا أن يقتلوا فهذه مناقضة؟ قيل: إنما نفى أن يقتلوا قصاصا من أحد لأنهم لا يبوؤن بأحد لخستهم، وأثبت قتلهم باللؤم فليس فيه مناقضة المعنى: يصف هذه القبيلة التي اسمها وبر بغاية اللؤم ونهاية الخسة.
(٦٨)
وقال آخر:
(من المتقارب والقافية من المتدارك)
ألا أبلغَا خلتِي راشدَا وصنرِي قديما إذَا مَا اتصَل
بأَن الدقيق يهيج الجليل وأَن العزيز إذَا شاء ذَل
وأَن الحزامَة أَن تصرفوا لحِي سوانَا صدور الأسَل
فاِن كنْت سيدنَا سدتنَا واِن كنْت للخال فاذهَب فخَل
صنوي أي قريني، والخال التكبر، وخالي إذا تكبر ويروي «فخل» بمعناه. المعنى: أبلغا راشدا خليلي وقريني بأن ما أبديته يعظم عليك ضرره، ويعرض بأنه يطلب السيادة ولا يقوم بأعبائها، ويتعظم على أصحابه، وذلك لا يحتمل منه.
(٦٩)
وقال بعض بني أسد، ويروى لبعض بني فقعس، واقتتل فريقان من قومه على بئر ادعاها كل واحد منهما لنفسه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
كِلَا أخوينَا إن يرَع يدْع قومَه ذوِي جامل دثْر وجمع عرمرَم
كِلا أخوينَا ذو رجال كأنهُم أسود الشرَّى مِن كُل أغلَب ضيغَم
فما الرشْد في أَن تشتروا بنعيمكم بئيسا ولا أن تشربوا المال بالدم
ذوي جامل: أي أصحاب إبل كثيرة، والجامل اسم للإبل، وليس بتكسير جمل، إنما هو اسم موضوع للجمع، والدثر: الكثير، والشرى: مأسدة
[ ٢ / ١٦٧ ]
معروفة، وأغلب: غليظ الرقبة، وبئيسا: أي بؤسا، وقوله: ولا أن تشربوا الماء بالدم، أي ليس الرشد أن تقتتلوا على هذه البئر لتشربوا ماءها. المعنى: يصف وقوع التنازع بين أقاربه وكلهم يرجع إلى مال وعدد لأن قوام الحرب بهما، ثم وصفهم بالبسالة فشبههم بأسود الشرى، ثم أنكر عليهم فعلهم وبين أن الرشد ليس في أن تبدلوا الصلاح بالفساد، وتشربوا الماء بالقتل.
(٧٠)
وقال حريث بن عناب النبهاني من طئ:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تعالوا أفاخركُم أأعيَا وفقعَس إلى المجْد أدنَى أَم عشيرة حاتِم
إلى حكَم مِن قيْس عيلان فيصَل وآخَر مِن حيَّى ربيعَة عالِم
أعيا بن طريف بن عمرو بن الحرث وفقعس بن طريف، وأسد وطئ
[ ٢ / ١٦٨ ]
حليفان، ويريد بالحكم من قيس عيلان، عامر بن الظراب العدواني، وآخر من حيي ربيعة قيل هو دغفل النسابة: قاض يفضل الحكم، من الفصل. المعنى: يدعوهم إلى حكمين عالمين أحدهما من قيس عيلان والآخر من ربيعة ليحكم أيهم أشرف طيء أم أعيا وفقعش.
ضربْناكٌمٌ حًتى إذا قام مْيُلُكْم ضربْنًا العٍدى عَنْكٌمْ بٍبٍيض صوارم
فحٌُلوا بأكْنافيٍ وأكْناف معْشري أكْنْ حرْزكُمْ في المأقط الُمتلاحم
فقدْ كان أوْصاني أبي أنْ أضمًكُم إلىً وانهْي عنْكُمُ كُلً ظالم
معنى قوله: ضربناكم حتى البيت، أي قتلنا منكم حين أعوججتم، فلما استقمتم ضربنا أعداءكم لأجلكم، والأكناف: النواحي واحدها كنف، والمأقط: المضيف وجمعه مآقط، والمتلاحم: الضيق. المعنى: انزلوا بناحيتي واقربوا مني أحملكم بعد أن استقمتم، فقد كان أوصاني أبي بحمايتكم والذب عنكم.
(٧١)
وقال إبراهيم بن الحكم النبهاني، ويقال: إنها لرجل حبس وكان له صديق فجفاه صديقه فأفلت فمر بصديقه ومعه هذه الأبيات:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول
[ ٢ / ١٦٩ ]
فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمي وبؤسي والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبية ولا ذللتنا للذي ليس يحما
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعًا لحادثة أو كان يغني التذلل
تبدلت: تغيرت، وقوله: فما لينت أي لم نتضعضع للحوادث بل تجلدنا لها فأحسنا احتمالها. المعنى يقول: لو كان في الجزع فائدة لكان الصبر بالحر أولى، وإن تغيرت الأيام بالخير والشر فما تخضعنا لحوادثها ولكن صبرنا على ما لا يصبر غيرنا، يصف حسن احتمالهم شدائد الزمان، ويقال: أجزع الناس عند المصيبة أبطرهم نعمة.
لكان التعزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أحرى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامه وما لا مرئ مما قضى الله مزحل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل
مزحل: مبعد، يقال: زحل عنا فلان، وبه سمى زحل، وقوله: ولكن رحلناها، يعني حملنا تلك الحوادث نفوسًا، تصبر كرمًا ولا تظهر ألمًا. المعنى: إن الصبر أولى بالحر لو كان الجزع مفيدًا، فكيف ولا يجاوز أحد ما قدر له ولا يبعد مما قضى الله.
(٧٢)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وكم دهمتني من خطوب ملمة صبرت عليها ثم لم أتخشع
[ ٢ / ١٧٠ ]
فأدركت ثاري والذي قد فعلتم قلائد فى أعناقكم لم تقطع
دهمتني: فاجأتني، يعني لزمكم الذم بخذلانكم إياي من حيث لا يزول عنكم، ويروي "لم تقطع" المعنى: بصف جلادته يقول: كم أصابني من شدائد صبرت عليها، ولم أتذلل فيها، وأدركت مطلوبي، وقد لزمكم الذم.
(٧٣)
وقال عويف القوافي الفزاري عويف: تصغير عوف وهو الحال يقال: كيف عوفكم، وقال قطرب: . يقلة طيبة الريح:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فهب الرقاد فلما يحس رقاد مما شجاك ونامب العواد
لما أتاني عن عيينة أنه أمسى عليه تظاهر الأقياد
نخلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد
خبر أتاني عن عيينة موجع كادت عليه تصدع الأكباد
قوله: نخلت له نفسي النصيحة: أي أخلصتها، ومنه نخل الدقيق إخلاصه، وروى بعضهم "نحلت له نفسي" أي أعطت والأول أجود. المعنى:
[ ٢ / ١٧١ ]
يصف فرط اهتمامه بأمر عيينة لما بلغه اعتقاله، وإن كان واجدًا عليه فزال حقده لما نكب، لما كان بينهما من الرحم.
وذكرت أي فتى يسد مكانه بالرفد حين تقاصر الأرفاد
أم من يهين لما كرائم ماله ولنا إذا عدنا إليه معاد
يسد مكانه، أي يقوم مقامه، ويروي "يسد مسده" بالرفد: بالمعونة، المعنى: يمدح صاحبه المعتقل بحسن معونة الإخوان وإهانة ماله للضيفان يقول: ذكرت أي فتى يقوم مقامه لم أجد أحد يسد مسده.
(٧٤)
وقال بشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، البشر: طلاقة الوجه، والمغيرة: مفعلة من أغار، مفعلة من أغار، والمغير - بكسر الميم - وليس في الكلام مفعل إلا هذا ومنتن:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا وأمسى يزيد لي قد أزور جانبه
وكلهم قد نال شبعًا لبطنه وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
[ ٢ / ١٧٢ ]
ازورَّ جانبه: أي أعرض وانحرف المعنى: يستزيد المهلب بن أبي صفرة ويزيد بن المهلب وأبه المغيرة: يقول: كلهم قد نال كفايته وأنا فى إذاعة، وما أتوه من أضاعتي لؤم
فيا عم مهلا واتخذني لنبوة تنوب فإن الدهر جم نواثبة
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
المعنى: يستعطف عمه المهلب ويقول: أحسن إلي وادخرني ليوم تحتاج إلى فيه، فإني أنا السيف بل أمضى منه.
(٧٥)
وقال بعض بني سنبس ويقال عبد شمس.
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
يأيها الراكبان السائران معًا قولا لسنبس فلتقطف قوافيها
إني امرؤ مكرم نفسي ومتئد من أن أقاذعها حتى أجازيها
معني فلتقطف: أي لتبطئ وتتأخر، من قولهم: قطفت الدابةوالمقاذعة: المفاعلة من القذع - بتسكين الذال وفتحها - وهو الفحش من الكلام، ومئتد، متأن أي أرفق فلا أهجو هذه القبيلة. المعنى: ينهي سنبس عن هجائها، ويذكر أنه يترفع عن المشاتمة، ويتأنى حتى يجازي بالفعل، وقال الراياشي فلتقطف قوافيها من قطف الثمرة أي فلتقطفها كقولهم، احصد ما زرعت، وأحس ما
[ ٢ / ١٧٣ ]
مزجت، أي هجونا فكان ثمرة ذلك أن غزوناهم ولنقطف ما أثمرت قوافيها، قال: ويؤيد هذا التفسير قوله: "لما رأوها من الأجزاع طالعة يعني خيله".
لما رأوها من الأجزاع طالعة شعثا فوارسها شعثًا نواصيها
لاذت هنالك بالأشعاف عالمة أن قد أطاعت بليل أمر غاويها
لما رأوها: يعني سنبس لما رأوا الخيل، والأجزاع: جوانب الأودية، والأشعاف: أعالي الجبال جمع شعف، والشعف جمع شعفة، ومعنى أن قد أطاعت بليل أمر غاويها، لما لاذوا بالجبال علموا أن الذي أشار عليهم بمخالفتهم غاو، وأنهم لما دبروا أمرهم بالليل غووا. العرب تقول: "هذا أمر عمل بليل" إذا لم يكن منتظمًا. المعنى: لما رأت سنبس خلينا مغبرة الفوارس والنواصي فزعوا إلى الجبال هربًا، وعلموا أن من أمرهم بمخالفتنا أغواهم.
(٧٦)
وقال آخر فى ابن له من سوداء، وهو زيد بن لثوة، إسلامي
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
لا تعذلي في حدج إن حندجا وليث عفرين لدي سواء
حميت على العهار إطهار أمه وبعض الرجال المدعين جفاء
فجاءت به سبط العظام كأنما عمامته بين الرجال لواء
[ ٢ / ١٧٤ ]
حندج: اسم ابنه، ويروي "جندح" الجيم قبل الحاء، والأول أصح وهو فى اللغة رمل كثير أصفر من النقا، وليث عفرين: دويبة تتصدى للرامب كأنها تريد محاربته، وفى غير هذا الموضع ضرب من العناكب يصيد الذبان وثبا، وليس المراد به هذا لأنه يصف نجدة ابنه فلا يحسن تشبيهه ببعض العناكب، يقول حفظت إطهار أمه مع كثرة الزناة فجاء الولد نجيبًا صحيح النسب قال: وبعض الرجال المدعين جفاء أي باطل، ويروي "غثاء"، وسبط العظام: طويل القامة تام الخلقة، فكأنه رمح عليه لواء، وهم يمدحون بطول القامة، يعني إذا مشى بين الرجال طالهم فكأنه رمح عليه لواء. المعنى: يخاطب امرأته يقول لها: لا تعذليني فى ابني حندج، فهو عندي كليث عفرين، ثم وصف طيب ولده وكمال خلقته.
(٧٧)
وقال أبو الشغب العبسي، إسلامي كان في زمن هشام:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا كان أولاد الرجال حزازة فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانب إذا رامه الأعداء مركبه صعب
وتأخذه عند المكارم هزة كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
وقيل هذه الأبيات لأبي رباط قالها فى ابنه رباط يثني عليه، وقبلها بيت شعر هو:
رأيت رباط حين تم شبابه وولى شبابي ليس في بره عيب
[ ٢ / ١٧٥ ]
وحزازة: أي غمًا وغيظً بقطع قلوبهم، فأنت الحلال: أي الطيب الحلو فى العين والصدر، والبارد العذب: أي بمنزلة الماء البارد، ودميث: أي سهل لين، ويروي "ممتنع" ويروي "مطلبه" أي لا يوصل إليه ويروي "متلفه" أي تلفه لا يقدر عليه أعداؤه ومعنى هذا البيت أنه يلين لنا طاعة، ويصعب على الأعداء شجاعة ثو وصف كرمه فقال: وتأخذه عند المكارم هزة، وشبه اهتزازه بالريح الحادة وهي البارح لأن الباردة ميبسة، والغصن إذا هبت عليه الريح الباردة المعنى: يثني على ولده بحسن بره وطيب عشرته، ولين جانبه له، مع شدته على أعدائه
(٧٨)
وقال صريع الغواني:
وفارقت حتى ما أبالي من انتوي وإن بان جيران على كرام
فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي وعيني على فقد الحبيب تنام
ويروي "ما أبالي من النوى" وهو البعد، وتنطوي تسكن وتقر، يقول:
[ ٢ / ١٧٦ ]
تعودت مفارقة إخواني وجيراني الكرام حتى صار لي عادة، فما أبالي من بعد منهم وإن كان كريمًا، فنفسي تسكن وعيني تنام مع فراق الصديق لقلة مبالاتي به. المعنى: يصف اعتياده النوائب حتى ترب عليها.
(٧٩)
وقال آخر، وهو مؤرخ السدوسي، إسلامي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
روعت بالبين حتى ما أراع له وبالمصائب فى أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي علقًا أضن به إلا اصطفاه بأي أو بهجران
المعنى: يصف اعتياده للمصائب حتى ما يبلي بها، ويشكو الدهر تفريقه بين الأحب وبينه.
(٨٠)
وقال طفيل الغدوي، جاهلي:
وما أنا بالمستنكرين البين إنني بذي لطف الجيران قدمًا مفجع
جدير به من كل حي صحبتهم إذا أنس عزوا على تصدعوا (١)
_________________
(١) هذه رواية التبريزي، وروى المرزوقي "جدير بهم".
[ ٢ / ١٧٧ ]
يروى البين - بالنصب والجر - فالجر على الإضافة (والنصب على المفعولية لاسم الفاعل مستنكر)، وقوله بذي لطف الجيران أراد بلطف الجيران، وذا وذو وذات مما يزاد في الكلام، وإن شئت جعلته مضاف إلى اسم المسمى، والأنس: للناس. المعنى: يصف اعتياده مفارقة الأخوان وتفجيعه بهم، وكل حي ألفته خليق أن أفارقهم.
وقد علموا أنا سنأتي ديارنا فيرعون أجواز العراق ونرفع
ونرفع: يعني نرفع أبلنا فى السير، وقيل: بمعنى نرتفع، ولا يعرف صحته. المعنى: أمدح قومًا يحسنون إلينا لأنهم قد علموا أنا نعود إلى ديارنا فنذكر عنهم ما كان منهم، وقيل: إنهم يهددهم، والمعنى: أنا نأخذ أرضهم ونطردهم إلى العراق، والأول أصح لقوله بعده:
وقد علموا ما الار والضيف مخبر إذا فارقا كل بذلك مولع
فهذا يدل على أنه يمدحهم، ولذلك وصفهم بأنهم قد علموا بأن الضيف يخبر عما أسدى إليه من الإكرام وغيره.
(٨١)
وقال الراعي: سمى بذلك لكثر ة شعره في الإبل، واسمه عبيد بن حصين، مخضرم:
[ ٢ / ١٧٨ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك:
وقَد قادنِي الجيران حينا وقدتهُم وفارقْت حتى مَا تحِن جماليَا
رجاؤُك إنساني تذكُر إخوتِي ومالُك إنساني بوهبين ماليَا
يقول: تبعوني وتبعتهم آلفهم ولا أفارقهم. وفارقت حتى تعودت الفراق فلا أحن، أي ما أعطيتني من مالك أنساني مالي بوهبين، لأن ما أعطيتني أكثر من مالي هناك. المعنى: يمدح هذا المخاطب يقول: لما رأيتك سلوت عن جميع إخواني وأموالي.
(٨٢)
وقال آخر وهو مؤرج السدوسي:
(الثاني من البسيط والقافية متواتر)
لا يمنعنَّك خفْض العيْش في دعَة نزوع نفْس إلى أهْل وأوطان
تلقَى بكُل بلاَد إنْ حللْت بهِا أهْلا بأهْل وجيرانا بجيراَن
ويروى «إخوانا بإخوان» ويروى «أنت ساكنها» و«أنت نازلها»، يقول: إذا كنت في نعمة فلا يخرجنك منها شوقك إلى أهل ووطن، ثم بين وجه ذلك فقال: تلقى بلاد أهلا مكان اهلك وجيرانا مكان جيرانك، فلا تفارق الخفض والدعة شوقا إلى الأهل والوطن.
(٨٣)
وقال بعض بني أسد، إسلامي:
[ ٢ / ١٧٩ ]
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إلا أكُن ممِا علمْت فإننِي إلي نسَب ممِا جهلْت كريم
المعنى: يخاطب امرأة من غير قبيلته يقول: إن لم تعرفي نسبي فاني من قوم كرام.
وإلا أكُن كُل الجواد فإنني على الزاد فِي الظلمًاء غيْر شتيم
المعنى: يذكر جوده يقول: إن لم أكن كحاتم في السخاء فأنني أحسن قرى أضيافي، وأبذل الزاد في الليالي المظلمة.
وإلا أكُن كُل الشجاع فإنني بضرب الطلي والهام حَق عليهم
أي إني إن لم أكن في الشجاعة كعتيبة بن الحارث وعنترة بن شداد، فاني عليهم بضرب الأعناق والرؤوس.
[ ٢ / ١٨٠ ]
(٨٤)
وقال عمرو بن شأس في ابن له من سوداء اسمه عرار، ومكان شأس شاذ غليظ، والعرار صوت النعامة.
(الثالث من الطويل والقافية من المتدارك)
أرادَت عرارا بالهوان ومَن يرِد عرارَا لعمرِي بالهوان فقَد ظلَم
المعنى: أرادت هذه المرأة أن تهين ولدي، ومن يرد اهانته فقد ظلم لأنه أحب الناس الي وأعزهم علي، ثم قال لها:
فاِن كنْت مني أَو تريدين صحبتي فكونِي لَه كالسمْن ربَّت لَه الأدَم
واِن كنْت تهويْن الفراق ظعينتي فكونِي له كالذئْب ضاعَت لَه الغنَم
وإلا فسيرى مثْل ما سار راكِب تجشَّم خمسَا ليْس في سيره أمَم
أي إن كنت توافقيني وكنت من أهلي كوني كالسمن الذي لا يتغير لأن الأديم يعالج برب التمر لئلا يفسد الثمن، وسقاء مربوب مصلح، والأدم: جمع أديم وهو نادر. وقوله: فكوني له كالذئب الخ، يريد لضاعت له الغنم إفسادا، والذئب لا يصالح الغنم بحال، وفي المثل «من استرعى الذئب ظلم» وإلا فسيرى أي اغربي أي ابعدي، وقوله: تجشم خمسا يعني تجمل المشقة خمس ليال، وليس في سيره أمم أي قصد لأنه ممعن في السير. المعنى: يقول لامرأته ان أردت وفاقي
[ ٢ / ١٨١ ]
وصحبتي فأحسني عشرته، وان هويت مفارقتي فاظهري العداوة له، وإلا فاغربي عني وأمعني في السير، فلا حاجة لي فيك: ويروى «تيمم خمسا».
فِان عرارَا إن يكُن ذا شكيمَة تلاقينهَا منْه فما املِك الشيَم
الشكيمة: الشدة واصلها فأس اللجام. المعنى: يقول: إن يكن ولدي صعب الخلق، فان الله يملك الأخلاق ولا أقدر على تغييرها.
واِن عرارَا إن يكُن غير واضَح فانَّي أحِب الجوْن ذا المنكِب العمَم
العمم: التام، وكذلك العميم، والواضح: الأبيض، والجون: الأسود وكذلك الأبيض. المعنى: يقول: إن ابني إن لم يكن واضحا فاني أحب الأسود تام الخلق.
(٨٥)
وقال آخر، وهو اسحق بن خالد في قصيدة طويلة، وهو إسلامي: (الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
لولا أميمَة لَم أجزَع مِن العدَم ولَم أقاس الدجَى في حندِس الظلَم
وزادنِي رغبَة في العيش معرفتِي ذُل اليتيمَة يجفوها ذوُو الرحِم
أميمة: بنت الشاعر وهو تصغير أم. المعنى: يصف فرط اهتمامه بأمر بنيته، فانه لولا هي لم يجزع من العدم والفقر، ولم يطلب الغنى ولم يرغب في العيش إلا ليصونها من جفوة الأقارب.
أحاذِر الفقْر يوما أَن يلِم بها فيهتِك الستْر عَن لحْم على وضَم
تهوَى حياتِي وأهوَى موتهَا شفقَا والموت أكرَم نزال على الحرَم
وإنها بعْد موتِي لا تفيد أبَا أخرَى الليالي إذا غيبت في الرجَم
[ ٢ / ١٨٢ ]
أخرى الليالي: آخرها يعني أبدا، والرجم: القبر لأنه تلقى عليه الحجارة. المعنى: أخشى القبر أن ينزل بابنتي فتضيع، وإنها لا تجد أبا إذا هلكت يصلح أمرها، فلهذا ارغب في العيش.
مَا أنْس لا أنْس اِذ قامَت تودعنِي وقولهَا لِي بدمْع واكِف سجِم
لا تبرحَن واِن متنَا فاِن لنَا ربَّا تكفَّل بالأرزاق والقسَم
أخشَى فظاظَة عَم أَو جفاء أَخ وكنْت أخشَى عليهَا مِن أذَى الكلِم
المعنى: يقول: لا أنسى قولها لا تبرجن وهو مودعة باكية، ثم قال: وان متنا فان لنا ربا تكفل بالأرزاق والقسم، وتريد ابنتي حياتي وأريد موتها، لا بغضا لها، ولكن شفقة عليها، لأني أخشى أن يجفوها بعد موتى عمها أو أخوها، وكنت أرفق بها ولا أوحشها.
(٨٦)
وقال آخر، ويقال حطان بن المعلَّى، وقيل: هو خطاب بن المعلى.
(الثاني من السريع والقافية متواتر)
أنزلنِي الدهْر على حكمِه مِن شامِخ عال إلى خفْض
وغالنِي الدهْر بوفْر الغنَى فليْس لي مال سوَى عرضِي
[ ٢ / ١٨٣ ]
غالني: أهلكني، المعنى: يشكو الدهر أنه قد حط من منزلته واذهب ماله، ويحتمل أن يكون يشكو النشب في البيت الأول، كما قيل: «كل امرئ سيعود مريا».
أبكانِي الدهْر ويَا ربَّما أضحكنِي الدهْر بمَا يرضِي
لولا بنياَّت كزغْب القطَا رددْن مِن بعض إلى بعض
الزغب: جمع زغب وهو من الريش اللين الذي لا يقوم، يصفهن بالصغر، وقوله: رددن من بعض إلى بعض يعني كن في صلبي فرددن إلى قلبي يريد كأنهن سواكن قلبي محبة وشفقة، ويروي «رددن من بعضي إلى بعضي» أي قوسنني من كثرة اهتمامي بهن، هذا قول أبي العميثل ويروى «جمعن من بعضي إلى بعضي «أي هن من أمهات شتى ونساء غير مشفقات عليهن، ويروي «حدون من بعضي» قوله: مضطرب هنا مكان لقوله واسع، ويجوز ان يكون مصدرا أي اضطراب في الأرض. المعنى: يقول: لولا بنياتي الصغار ما أبالي أينما كنت على الأرض.
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض
[ ٢ / ١٨٤ ]
(٨٧)
وقال حيان بن ربيعة حيان: فعلان من الحياة ومن الحيا.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لقَد علِم القبائِل أَن قومِي ذوُو جِد اذَا لبِس الحديد
وأنَّا نعْم أحلاس القوافي اذَا استعَر التنافُر والنشيد
وأنَّا نضرِب الملحاء حتَّى تولي والسيوف لنا شهود
ويروي «ذوو حد» بالحاء وهو أحسن لمجانسته الحديد، يقول: قد شهر أمرنا بين القبائل وعرفوا أنا نجد في الحرب إذا لبس السلاح، وقوله: وأنا نعم أحلاس القوافي، يعني أصحاب الشعر، والأحلاس: الأشكال والأقران، والملحاء: البيضاء، وأراد الكتيبة الكثيرة السلاح كأنها تملح من كثرة السلاح، وقوله: لنا شهود أي بها فلول وثلم تشهد بأنها أعملت في جماجم الأعداء. المعنى: يصف اشتهارهم في قبائل العرب في الجد في الأمور وباجادة الشعر وإعمال السيوف في الحرب.
(٨٨)
وقال الأعرج المعنى: ويكني أبا برزة من طئ قال البرقي: هو من بني
[ ٢ / ١٨٥ ]
ضبة.
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
أنَا أبُو برزَة إذ جَد الوهَل
خلقْت غير زمَّل ولا وكَل
ذَا قوَّة وذَا شباب مقتبَل
لا جزَع اليوْم على قرْب الأجَل
مقتبل: مستقبل في أول شبابه، وعلى قرب الأجل أي مع قرب الأجل. المعنى: يصف أنه مشهور في الحروب، وانه في عنفوان شبابه، وزيادة قوته، وينتفي من الضعف والعجز، ويصف حرصهم على الموت وقلة جزعهم منه.
الموْت أحلى عندنَا مِن العسَل
ردوا علينَا شيخنَا ثُم بجَل
شيخنا: يعني عثمان﵁-، وقوله: ثم بجل أي حسب، وإنما طلب المحال برد عثمان يريد كما لا يوصل إلى ذلك لا يوصل إلى رضانا، فنحن نطاعنكم لأجله أي لا صلح بيننا.
نحْن بنِي ضبَّة أصحاب الجمَل
[ ٢ / ١٨٦ ]
ننعى ابن عفان بأطراف الأسَل
ننعى ابن عفان أي نطلب دمه، يقال: نعيته أنعاه نعيا إذا طالب بدمه وثأره وسالت أبا منصور بن الجبان عن ذلك فأنكره.
ننازِل الموْت إذا المْوت نزَل
لَا عار في الموْت إذا حُم الأجَل
ويروى: «إذا حان الأجل» أي تعودنا الحرب والقتل، ولا عار بالموت مع أن الأجل قريب، ويروى «نحن بني الموت». المعنى: يصفهم بالجرأة.
(٨٩)
وقال آخر من طئ، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
داو ابن عَم السوء بالنأْي والغنَى كفَى بالغنَى والنأْي عنْه مداويَا
يسُل الغنَى والنأْي أدواء صدرِه ويبدِي التدانِي غلظَة وتقاليَا
يسل: يحرج، المعنى: يقول: ابعد عن ابن عمك ولا تجاوره واستغن عنه
[ ٢ / ١٨٧ ]
ولا تبد حاجتك اليه كي لا تكون في قلبه موجدة ويبغضك، فانك ان احتجت اليه استثقلك وان جاورته حسدك، وقيل: تباعدوا في الديار وتقاربوا في القلوب.
جزَي الله عنّي محصنا ببلائِه وإِن كان مولاَي القريب وخاليَا
أعان على الدهْر إِذ حَك بركُه كفَى الدهْر لَو وكلتَه بِي كافيَا
م حصن: اسم رجل وهو في اللغة القط، وببلائه يعني بصنيعه، وان كان ابن عمي أخا وخالا دنيا، ثم بين صنيعه الذي يستجزي عليه وقال: أعان على الدهر اذ حك بركه أي لما انقلب الزمان على واشتد صار على مع الزمان، والبرك: الصدر، وهو البركة، ثم قال: لو لم يعن على الدهر كان في إساءة الدهر إلى كفاية.
(٩٠)
وقال رجل من كلب، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وحنَّت ناقتِي طربا وشوقَا إلى مَن بالحنين تشوقيني
فاني مثْل ما تجديِن وجدِي ولكِن أسمحَت عنهُم قروني
ويروى «أصبحت» ومعناه أسمحت وانقادت، قروني: أي نفسي، المعنى: يصف اشتياق ناقته إلى الوطن ومخاطبته إياها بأن به من الشوق مثل ما بها، ولكن سمحت نفسه عنهم بأن فارقتهم.
رأوْا عرشِي تثلَّم جانباه فلما أن تثلَّم أفردوني
هنيئا لابن عَم السوء إني مجاورة بنِي ثعَل لبوني
[ ٢ / ١٨٨ ]
عرش الرجل: عزه وسلطانه وحسن حاله، فإذا ذهب منه ذلك ثل عرشه، وأفردوني تبرأوا مني وجعلوني فردا، ويروى «أشقذوني» أي طردوني. يقول: هنيئا لهم أي قد تحولت عنهم وصرت في حي بني ثعل، ومن عادة العرب ألا تبعد ذوات الألبان عنهم، فدل بقوله: لبوني مجاورة بني ثعل على أنه مجاورهم.
المعنى: يشكو بني عمه أنهم لما رأوا سوء حاله أعرضوا عنه. ويصف تحوله عنهم إلى بني ثعل.
(٩١)
وقال رجل من بني أسد، وهو كميت بن ثعلبة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وما أنَا بالنكْس الدنِي ولا الذِي إذا صَد عنّي ذُو المودَّة أحرَب
ولكننِي إن دام دمْت واِن يكُن لَه مذهَب عنْي فلي عنْه مذهَب
النكس: الرجل الفسل الذي لا خير فيه، يقول: لست دنيّا ساقطا إذا أعرض عنه صديقه يغضب لذلك، ولكنني ان دام الصديق على المودة دمت له عليها وان يكن له مذهب عني أو ذهاب فلي عنه ذهاب وأحرب: أغضب، والحرب: الغضب. المعنى: لست عاجزا يغتاظ الإعراض صديقه عنه، ولكن أجازيه بمثل فعله.
ألا إن خير الوُد وُد تطوعَت بِه النفْس لا وُد أتَى وهْو متعَب
المعنى: خير الود ما كان عن رغبة، لا ما كان مستجلبا بتعب.
[ ٢ / ١٨٩ ]
(٩٢)
وقال أبو حنبل الطائي، جاهلي كان في أيام امرئ القيس، والحنبل: القصير.
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
لقَد بلانِي على مَا كان مِن حدَث عنْد اختلاَف زجاج القوْم سيار
حتَّى وفيْت بهَا دهمْا معلقَة كالقار أردفَه مِن خلفِه قار
قَد كان سير فخلوا عَن حمولتكُم انِّي لكُل امرئ مِن جارِه جار
قال أبو العميثل: قد كان استيق لسيار ابل فطلبها له أبو حنبل حتى ردها. والحدث: الأمر الحادث، واختلاف زجاج القوم: مطاعنتهم وهو جمع زج، وقيل: أراد به الأسنة، وقوله: حتى وفيت بها أي رددت بها وافية كاملة لم ينقص منها شئ، وقوله: كالقار فيه قولان: أحدهما أنه شبه الإبل في سواد ألوانها بالقارة وهو القير، والآخر شبهها في عظم أجسامها بالجبال الصغار، يقال: قارة وقار وقور، والعرب تقول: جمال كالجبال، والحمولة: الإبل التي يحمل عليها لا واحد لها من لفظها، يقول لأصحابه: قد كان سير شديد، وقد بلغتم المأمن فانزلوا عن إبلكم أني لكل امرئ من جاره جار، والمعنى: يقول: اختبرني سيار على ما وقع عند منازعة القوم من سوق الإبل حتى رددتها وافية، بعضها خلف بعض، ثم يسكن من قومه، ويعدهم كفايته العدو بنفسه، ويروى «سيرا».
(٩٣)
وقال يزيد بن حمان السكوني في يوم ذي قار، حمان: فعلان من الحمة وهو السواد كما سمي اسود، والسكون: اسم مرتجل من السكون:
[ ٢ / ١٩٠ ]
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إني حمدْت بنِي شيبان إذ خمدَت نيران قومِي وفيهم شبت النار
ومِن تكرمهِم في المْحل أنهُم لا يعلَم الجار فيهِم أنَّه الجار
حتَّى يكون عزيزا مِن نفوسهِم أَو أَن يبين جميعا وهْو مختار
كأنَّه صدَع في رأْس شاهقَة مِن دونِه لعتاق الخيْل أوكار
خمدت نيران قومي: أي سكنت أمر الحرب فيما بين قومي، وشبت نار الحرب في بني شبيان. المعنى: يفضل بني شيبان على قومه في الشجاعة، ويصف من كرمهم أنهم يبالغون في إكرام الجار حتى لا يتميز عنهم، فان أقام فيهم أقام عزيزا، وإن ارتحل عنهم ارتحل مختارا موفورا، وشبهه في العز والمنعة بصدع في رأس جبل لا ينتهي اليه جوارح الطير.
(٩٤)
وقال آخر يمدح آل المهلّب، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
نزلْت على آل المهلَّب شاتيا غريبا عَن الأوطان في زمَن محْل
[ ٢ / ١٩١ ]
فما زال بي إكرامهُم واقتفاؤهُم وإلطافهُم حتَّى حسبتهُم أهلِي.
ليس في هذين البيتين ذكر الحماسة، إلا أن الأبيات قبلها اشتملت على الحماسة وإكرام الجار، فأورد أبو تمام هذين البيتين لأنهما في مبالغة إكرام الجار، وشاتيا: في الشتاء والاقتفاء: الإتيان بالبر، سمعت أبا سعيد الفسوي يقول: هو أن يسقى الضيف القفوة من اللبن، وهو القليل منه الخالص ويروى «افتقادهم» أي برهم. المعنى: يشكر لآل المهلب إحسانهم إليه ونزوله عليهم شتاء زمن الجدب وإنهم أكرموه وآثروه حتى صار كأنه منهم.
(٩٥)
وقال جابر بن ثعلب الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقام الى العاذلات يلمنني يقلْن ألا تنفك ترحَل مزحلا
فِان الفتى ذا الحزم رام بنفسِه جواشِن هذا الليْل كي يتمولا
ويروى «ترحل مرحلا بالراء وبالزاي، ومعناه تبعد بعدا، وجواشن الليل: صدره، الواحد الجوشن، ويقال: الجوشن الوسط. المعنى: يقول: لقد لامني النساء على كثرة ارتحالي فقلت: الفتى الحازم يركب أهوال الليل كي يصير ذا مال.
ومَن يفتقِر في قومِه يحمَد الغنَى واِن كان فيهِم واسِط العم مخولا
[ ٢ / ١٩٢ ]
ويزرِي بعقل المرْء قلَّة مالِه واِن كان أسرْى من رجال وأطولا
واسط العم: حسيب العم، والواسط في العشرة: الكريم الحسب فيهم» ومخول: كريم الخال يقال: «غلام معم مخول» إذا كان كريم الطرفين، ويروى «وأحولا» أي أكثر حيلة، ويروى «أحيلا». المعنى: يذم الفقر ويحمد الغنى لئلا يلومه العاذلات على طلب المال.
كأِن الفتَى لَم يعْر يومَا إذا اكتسَى ولمَ يَك صعلوكا إذا مَا تمولا
ولمَ يَك في بؤْس إذا بات ليلَة يناغِي غزالا ساجِي الطرَّف أكحلا
قال الخليل: المناغاة: تكليمك بما تهوى من الكلام، تقول: نغيت إلى فلان إذا ألقيت إليه كلمة وألقى إليك أخرى. المعنى: يصف سهولة المحن إذا انقضت يقول: العاري إذا اكتسى فكأنه لم يعر، والفقير إذا استغنى فكأنه لم يفتقر، ومن أصحاب جارية يناغيها وتناغيه فكأنه لم يكن قبلها في بؤس، يقول: إذا وجدت ما طلبت خف على ما أنا فيه الآن.
(٩٦)
وقال بعض طئ:
(الثاني من السريع والقافية من المتدارك)
إن أدَع الشعَّر فلَم أكدِه إذ أزَم الحق على الباطِل
قَد كنْت أجربه على وجهِه وأكثِر الصَّد عَن الجاهِل
[ ٢ / ١٩٣ ]
أزم الحق على الباطل، غلبه وضيق عليه، تقول: أزمت الباب إذا أغلقته. المعنى: إن اترك قول الشعر فلم يصعب على قبل هذا، وكنت أجرى على وجهه بريئا من كل ما يعاب من الأكفاء والإقواء والسناد والايطاء، وأكثر الصد والإعراض عن الجهال لقلة مبالاتي بهم.
(٩٧)
وقال آخر:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
زعَم العواذِل أَن ناقَة جندُب بجنوب خبْت عريَت وأجمَّت
كذب العواذل لَو رأيْن مناخنَا بالقادسيَّة قلْن لَج وجنَّت
جندب: اسم الشاعر، وخبت: ماء الكلب، وعريت وأجمت: أريحت من الركوب، المعنى: هذا الشاعر بلغه انه ذكر بالتقصير في السير إلى العدو، فانتفى من ذلك، وكذب العواذل فيما حكي عنهن، وادعى كثرة السير على ناقته حتى ذلت.
(٩٨)
وقال الراعي، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
كفانِي عرفان الكرَى وكفيتُه كلوء النجوم والنعاس معانقُه
فبات يريه عرسَه وبناتِه وبت أريه النجْم أيْن مخافقُه
كلوء النجوم: حفظها، وكانوا يرعون النجوم لمعرفة مقادير الليل إذا أرادوا الهرب أو الطلب، والنعاس معانقه: أي ملازمه. يقول: سهرت ونام صاحبي، وكنت أرعى النجوم وهو نائم، وإنما سهرت لئلا يغافلنا عدو، والمخافق: يعني
[ ٢ / ١٩٤ ]
المغارب، ويروى «أنّي مخافقه» أي كيف مغيبه. المعني: يصف تيقظه وتكرمه على صاحبه عرفان، لأنه سهر ونام عرفان، وكان يرى في نومه أهله، وبات هذا يراعي النجوم أين مغيبها.
(٩٩)
وقال آخر إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ولسْت بنازِل إلا ألمت برحلي أَو خيالتهَا الكذوب
وقَد جعلَت قلوص ابني سهيْل مِن الأكوار مرتعهَا قريب
كأَن لها برحْل القوْم بوَّا وما أن طبهَا إلا اللغوب
هذا رجل خرج مسافرا وقد نأى عن حبيبته يقول: ما أنزل منزلا إلا ألمت الجارية التي أهواها برحلي أو خيالها الكذوب، وجعلها كذوبا لأنه لا حقيقة لها، يقال: خيال وخيالة، وقوله: وقد جعلت قلوص يعني قلوص ابني سهيل تقرب مرتعها من الأكوار أي لم تتباعد في الرعي لما حط رحلها، لما بها من الأعياء، فنزلت مكانها أورعت رعيا قريبا ثم بركت، والبو: جلد السقب يحشى ويلقى بين يدي الناقة ترأمه، وطبها أي داؤها، يقول: وما داؤها إلا الكلال فقد أزمت لما بها من الإعياء، رحل القوم، كان لها في الرحل بوأ فلا تبرح. المعنى: يصف رؤيته من يهواها في نومه كثيرا، ويصف فرط كلال قلوص ابني سهيل حتى إنها ترتع بقرب الأكوار وهي الرحال كأنها ترأم بوَّأ لها.
(١٠٠)
وقال جندل بن عمرو، إسلامي، وضرب بنو عمه مولى له يقال له حوشب والجندل: الصخر.
[ ٢ / ١٩٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن كنْت لا ارمَي وترمَى كنانتي تصِب جانحات النْبل كشحِي ومنكبِي
يروى «جائحات» وهو المجتاحات المهلكات، قال أبو سعيد السيرافي «جعل الكنانة مثلا لمولاه لأنه كان يستودعه سره كما يستودع الرجل الكنانة سهمه. يقول إذا رمى مولاي ولم ارم فكأن النبل أصابني فاغتضب وانتصر» وقال غيره: هذا مثلا يضرب، وذلك أن رجلا من بني فزارة وآخر من بني أسد التقيا وكانا راميين، ومع الفزاري كنانة جديدة، ومع الأسدي كنانة رثة فقال الأسدي: أينا أرمى؟ فقال الفزاري أنا، فقال الأسدي: فانصب كنانتك أرم إليها فاني انصب كنانتي حتى ترمي إليها، فنصب الأسدي كنانته وجعل الفزاري يرميها ويقرطس حتى نفدت سهامه كلها، فلما رأى الأسدي سهام الفزاري قد نفدت قال: انصب كنانتك حتى ارميها فنصبها فرمى وسدد السهم نحوه حتى قتله فضرب مثلا لمن يعمل عملا وهو يرى غيره. يقول: إذا تعرض لمن يليني فقد تعرض لي فأكون بمنزلة من يرمى كنانته وهي عليه، لابد أن يصيبه ما يطيش من السهم.
أفيقوا بنِي حزْن وأهواؤنَا معَا وأرحامنَا موصولَة لَم تقضَّب
[ ٢ / ١٩٦ ]
فإن تبعثوهَا تبعثوهَا ذميمَة قبيحَة ذكْر الغِب للمتغيب
سآخُذ منكُم آل حزْم بحوشَب واِن كان لي مولى وكنتُم بنِي أبِي
أي تبعثوا الحرب ذميمة اذ تذمونها لما يلحقكم من القتل فيها، وقوله: قبيحة ذكر الغب أي العاقبة للمتغيب، أي لمن نظر في العاقبة، ويروي «ذكر الغب للمتعقب» ثم قال، ينتصر منهم، سآخذ آل حزم بحوشب أي أطالبكم به وان كنتم أسرتي، وكان حوشب مولى، يريد لا اترك مولاي يضيع ارتشي جنايته عندكم. المعنى: يستعطف بني حزن ويعرفهم إنهم أن يبعثوا الحرب لم يحمد عقباها، ويطالبهم بارش جنايتهم على مولاه.
(١٠١)
وقال آخر.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أبوك أبوك أربَد غير شَك أحلَّك في المخازِي حيْث حَلا
فما أنفيك كَي تزداد لؤمَا لألأَم مِن أبيك ولا أذَلا
التكرير تأكيد المعنى كما قال: «أنا أبو النجم وشعري شعري» المعنى يهجو
[ ٢ / ١٩٧ ]
ابن اربد بدناءة النسب، يقول: أبوك اربد حقا أحلك منزلته من اللؤم ولا أحد ألام منه، أي أكثر لؤما واشد ذلا، فانفيك عن أبيك وأنسبك إليه لتزداد لؤما، وليس في البيتين ما يتعلق بالحماسة.
(١٠٢)
وقال جميل بن عبد الله بن معمر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبوك حباب سارِق الضيف بردَه وجدِّي يا حجاج فارِس شمرَّا
شمر- بفتح الشين- اسم فرس جده، ولا ينصرف للتعريف ومثال الفعل. المعنى: يهجو حجاجا بأن أباه سرق برد ضيفه، ويتمدح بفروسية جده، ويروى «سارق البرد ضيفه».
[ ٢ / ١٩٨ ]
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن لآباء صدق يلقهم حيث سيرًا
فان تغضبوا من قسمة الله حظكم فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
ويروى "بيننا" ويروى "فيكم" والأول أجود، وقوله: إذا لم يرضكم أي لم يعطكم حتى ترضوا. المعنى: يقول: "الله أنزلكم منزلة الدناءة ورفعنا إلى عالي الرتبة وكان الله أبصر بما استحق كل واحد منا".
(١٠٣)
وقال أبو النشناش وكان لصًا، النشناش من قولك: نشنش الطائر ريشه إذا نتفه وألقاه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا المرء لم يسرح سوامًا ولم يرح سوامًا ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من قعوده عديمًا ومن مولى تدب عقاربه
ويروى "من حياته فقيرًا" تدب عقاربه مثل يسري إليه نمائمه. المعنى: إذا افتقر المرء وأعرض عنه أقاربه فالموت خير له من حياته مع الفقر وجفاء الأقارب.
ونائية الأرجاء طامسة الصوى خدت بأبي النشناش فيها ركائبه
الصوى: العلامات والصوة العلم، هي كالمنارة يهتدي بها، خدت: أسرعت، المعنى: يصف مفازة بعيدة الأطراف سار فيها راكبًا.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وسائلةٍ بالغيب عني وسائلٍ ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
ويروى "ابن ارتحالك غدوة" ويروى "وسائلةٍ أين ارتحال وسائلٍ" يقول: كم سائل عن وجه مسراي، ثم قال ابتداء: ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه، لأن مذاهبه مختلفة، المعنى: يصف اختلاف المذاهب بذي الحاجة، حتى انه يبتدئ في المسير ولا يدري أين يحل.
فلم أر مثل الفقر ضاجعة الفتى ولا كسواد الليل أخفق طالبه
ويروى "صاحبه" يقول: لم أر رجلًا يهتم بما يعدم فيضاجع همه ويقاسيه، ولا ينهض في طلب همه. المعنى: يحث على الطلب بالليل وينهى عن التواني فيه.
(١٠٤)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا قالت العصماء يوم لقيتها أراك حديثًا ناعم البال أفرعا
فقلت لها لا تنكريني فقل ما يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وللقارح اليعبوب خير علالة من الجدع المرخى وأبعد منزعا
روى أبو زيد "يوم لقيتها كبرت ولم تجزع من الشيب مجزعًا" قال: أي لم تجزع حتى ينفعها الجزع، فأنني شبت في وقت المشيب، وجائز أن يكون المراد كبرت ولم تجزع أيها المرء من الشيب مجزعًا، ومن روى حديثًا ناعم البال أفرعا، فمعناه قالت: أراك حديث السن تام الشعر، وليس لك غير ذلك أي لا مال لك ولا حال، واليعبوب: الفرس الجاري، والمرخى. الذي يرخي في سيره رويدا رويدًا، وأبعد منزعًا: أبعد غاية، والعلالة: بقية السير وهي العلالة وهي بقية اللبن في الضرع. المعنى: ذكر أن العصماء قالت له: "أراك شابًا لا حال لك فأجابها بأن الفتى قال: ما ينال سيادة إلا بعد الكبر، واستشهد على ذلك بأن القارح أبقى في الجري من الحديث السن، كما قيل. وما رواه أبو زيد أحسن وأظهر لأن الرجل يعتذر للشيب فلولا أنها عابته المشيب ما كان يحتاج إلى العذر.
(١٠٥)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا قالت الخنساء يوم سويقة عهدتك دهرًا طاوي الكشح أهضما
فإما تريني اليوم أصبحت بادنًا لديك فقد ألفى على البزل مرجما
ويروى "يوم لقيتها" ويروى "فقد كنت عن بدن الكواكب مرجما" ويروى "على البرك مرجمًا" وبادنًا: أي ضخمًا ثقيلًا، والمرجم: البعيد الغاية في السفر، المعنى: يذكر أن الخنساء قالت يوم سويقة: رأيتك زمانًا ضربًا خفيفًا وقد تغيرت
[ ٢ / ٢٠١ ]
الآن، وانه أجابها بقوله: إن أصبحت مثقلًا اليوم عندك فاني جلد فيما يحتاج إليه من شدة النفس وقوة الرجال في السفر عند الخصومة، وذهب بعضهم إلى أنه أراد أني كنت قبل هذا بهذه الصفة. وليس في البيت ما يقتضي ذلك، فلا حاجة إلى الفزع إليه، والأخذ بظاهرة ممكن وهو أمدح.
(١٠٦)
وقال شبيب بن عوانة الطائي، إسلامي، شبيب: مصدر شبّ الفرس، وعوانة: اسم مرتجل من العوان لأن الهاء لا تدخل العوان لفائدة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قضى بيننا مروان أمس قضية فما زادنا مروان إلا تنائيا
فلو كنت في الأرض الفضاء لعفتها ولكن أتت أبوابه من ورائيا
يقول: حكم مروان بن الحكم علينا حكمًا فما زادنا الا تنائيًا أي تباعدا عن الرضا بتلك القضية، ولكن أتت أبوابه من ورائيا: أي كنت محبوسًا في داره فلم أجسر على اظهار الكراهة لحكمه.
(١٠٧)
وقال جميل بن عبد الله بن معمر.
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعًا من ثنية يقولون من هذا وهم عرفوني
[ ٢ / ٢٠٢ ]
كان جميل يزور بثينة، وبنو أعمامها يهددونه بالقتل غير مكترث بهم. المعنى: يصف قلة مبالاته بوعيد بني أعمام بثينة، وأنه يتمنى لقاءهم ليروا شجاعته، ثم دلّ على فزعهم منه فأنهم إذا رأوه تجاهلوه فرقًا منه.
يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا ولو ظفروا بي ساعهً قتلوني
فكيف ولا توفي دماؤهم دمي ولا مالهم ذو كثرةٍ فيدوني
ويروى "ذو ندهة" والندهة بضم النون وفتحها المال من صامت وناطق. المعنى: أن رهط بثينة إذا رأوني حيوني فرقًا لا محبة، فإذا تمكنوا مني قتلوني بغضًا، ثم قال: وكيف يقتلوني وهم دوني في الشرف ولا مال لهم فيدوني، وكانت دية الخطير في الجاهلية ألفًا من الإبل، وكانوا يقتلون بالواحد عشرة.
(١٠٨)
وقال يحيى بن منصور الحنفي، اسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وجدنا أبانا كان حل ببلدة سوى بين قيس عيلان والفزر
سوى: منصف في هذا الموضع ووسط بين دار قيس عيلان ودار سعد الفزاري. يريد حلّ بين مضر، ونأى عن ربيعة، وحنيفة من ربيعة. المعنى نذكره عند انقضاء الأبيات.
فلما نأت عنا العشيرة كلها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
العشيرة: أراد بها ربيعة أي لم تطبق جفوننا على وتر في قلوبنا حتى قضينا كل وتر، وأدركنا كل ثأر، وعن علي﵁- "كم أغظى على القذى وأسحب ذيلي على الأذى وأقول لعل وعسى"، ويروى "ولا نحن أغمدنا السيوف على وتر". المعنى: وجدنا أبانا فارق عشيرته ربيعة، وحلّ بين مضر فبعدت عنا عشيرتنا، فجعلنا السيوف حلفاءنا على أهل الدهر، فلم نخب ولم نعدم نصرتها.
(١٠٩)
وقال أبو صخر الهذلي:
[ ٢ / ٢٠٤ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
رأيت فضيلة القرشي لما رأيت الخيل تشجر بالرماح
ورنقت المنية فهي ظل على الأبطال دانية الجناح
فكان أشدهم قلبًا وبأسًا وأصبر في الحروب على الجراح
قال أبو رياش: رأيت فضيلة القرشي_ على التصغير ونصب القرشي، وليس هذان البيتان في ديوان أبي صخر، ولعل معناه ضربت رثة فضيلة بمعنى قتلته، كما يقال: بطنته أصبت بطنه، وان كان من رؤية العين فمعناه رأيت مشتجر الرماح، كأنه شهد هذا الشاعر وفضيلة الحرب فسئل عنه فجمجم، ومما يؤيد ذلك قوله: "ورنقت المنية فهي ظل" ويقوي هذا الوجه ما بعده وهو قوله: "فكان أشدهم بأسًا"، وروت عامة الرواة "رأيت فضيلة القرشي" واحدة الفضائل، وهذا واضح. وتشجر أي تطعن، ورنقت من رنق النسر اذا مدّ جناحه وتهيأ للطيران، ودامية الجناح أي المنية قريبة من الأبطال كأنه جعل السيوف كالجناح للميت، المعنى: يصف في أحد التأويلين شجاعة القرشي في شدة الحرب، وفي قول أبي رياش يصف أنه رأى فضيلة بعريض التلف.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(١١٠)
وقال بعض بني عبس، مخضرم، والحرث بن كعب وضبة إخوة لأم فيما يزعمون.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرق لأرحام أراها قريبة لحار بن كعب لا لجرم وراسب
وأنا نرى أقدامنا في نعالهم وانفنا بين اللحى والحواجب
وأخلاقنا إعطاءنا وإباءنا إذا ما أبينا لا ندر لعاصب
ويروى "شقيقة" أي مشقوقة، وقوله: لحار بن كعب رخم في غير النداء، وعند النحويين قبيح الا إن جاء في الشعر قال مهلهل:
ونبيد الهمام من رهط حار ونشيب القذال بعد القذال
راسب من جرم، وجرم من قضاعة، ونسب حار بن كعب في نزار، وكعب
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وضبة إخوة لأم، وذلك أن امرأة من العرب رأت في منامها أنه خرج من فرجها ثلاث جمرات فتزوجها رجل من اليمن، فولدت له الحارث، ثم تزوجها بغيض بن زبير ابن غطفان فولدت له عبسًا، ثم تزوجها أد فولدت له ضبة فجاءوا فرسانًا من فرسان العرب المشهورة، فهؤلاء الجمرات، فجمرات من مضر وجمرة من اليمن. يخبر أنه يرق لأرحام بينه وبين حار بن كعب في نزار، وان كان انتسابهم إلى اليمن. يقول: أعضاؤنا متشابهة لما بيننا من الرحم فكأن أقدامهم أقدامنا في نعالهم وآنفنا التي بين لحانا وحواجبنا آنفهم. قال أبو رياش: إنما خص الأقدام والآنف لأنه يقال: أكثر الشبه فيهما. يقول: لا يتميز بعضنا من بعض كأناهم. وقوله: "لا ندر لعاصب" مثل، وذلك إن الناقة إذا تأبت شدت فخذها لتدر، والخيط الذي تعصب به عصب، والناقة التي لا تدر إلا على ذلك عصوب. المعنى: يصف رقته للحارث بن كعب فيما جرى عليهم لما بينهم من الرحم وشدة المشابهة حتى لا يتميز بعضهم من بعض.
(١١١)
وقال رجل من شعراء حمير، في وقعة كانت لبني عبد مناة وكلب على حمير، فقتل فيها عقلمة بن ذي يزن الحميري، ويقال: انه لرجل من كلب، وحمير: اسم مرتجل، وزعم ابن الكلبي انه كان يلبس حللًا حمرا.
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
[ ٢ / ٢٠٧ ]
يا من رأى يومنا ويوم بني التيـ ـم إذ التف صيقه بدمه
لما رأوا أن يومهم أشب شدوا حيازيمهم على ألمه
ويروى "اذا التف صيقه وصيده، فيريد احدهما ان الصيد وهم الكماة التبسوا بدم ذلك اليوم رأي ما أريق فيه من الدماء، ومن روى صيقه معناه اجتمع عليهم الصيق يومئذ في الحرب من كثرة الرجال والجراحات، والصيق: الغبار، وأشب: أي ضيق، والحيازيم: جمع حيزوم وهو الصدر، ويقال: انه عظام الصدر، وقوله: شدوا حيازيمهم مثل أي تجلدوا، لأن العرب تقول: اشدد حيازيمك لهذا الأمر أي تجلد فيه، وعلى ألمه يعني على الألم الكائن في يومهم، وقيل: أراد ألم الحيازيم فرد على الواحد. المعنى: يتعجب من شدة يوم الوقعة ويقول: من رأى يومنا ويوم بني التيم اذ كثر فيه القتل والجرح وسطغ فيه الغبار، لما رأوا أن يومهم شديد تجلدوا فيه وصبروا على شدته.
كأنما الأسد في عرينهم ونحن كالليل جاش في قتمه
لا يسلمون الغداة جارهم حتى يزل الشراك عن قدمه
ولا يخيم اللقاء فارسهم حتى يشق الصفوف من كرمه
شبه بني التيم بالأسد في الأجمة، وشبه قومه ونفسه بالليل المقبل بالظلمة، لأن الليل [لا] يمتنع منه شيء، بل يدخل على كل شيء غالبًا، ويروى "في غشمه" أي سواده، وقوله لا يسلمون أي لا يخذلون جارهم أبدًا، ولمن يرد وقتًا بعينه، وأفرد جارهم وأراد من يجاورهم، ومعنى حتى يزلّ الشراك أي أبدًا ما دام يعيش، وقوله: لا يخيم اللقاء أي لا يجبن عند اللقاء. المعنى: شبه بني التيم
[ ٢ / ٢٠٨ ]
بالثبات في الحرب وحفظ الجار فقال: لا يخذل جارهم حتى يموت، ولا يرجع فارسهم عن الحرب حتى يبدد صف العدو من كرمه، لأنه لا يرضى بالعار.
ما برح التيم يعتزون وزر ق الخط تشفي السقيم من سقمه
حتى تولت جموع حمير فالـ ـفل سريع يهوي إلى أممه
وكم تركنا هناك من بطل تسفي عليه الرياح في لممة
زرق الخط: يعني أسنة الرماح، وقوم فل: منهزمون، والهاء في أممه عائدة إلى الفل لفظًا. المعنى: مازالت التيم تنشب في الحرب، والأسدة تجرح وتذهب بخيلاء القوم حتى انهزمت جموع حمير، فأسرع المنهزمون إلى مقاصدهم وكم تركنا هناك من بطل قتيلًا.
(١١٢)
وقال حسان بن نشبة أحد بني عدي بن عبد مناة بن أد بن ضبة، ونشبة من أسماء الذنب، من نشبه إذا علقه، وحسان من الحس والحس لا من الحسن لأنه لا ينصرف، ومناة: اسم مرتجل اسم صنم من مناه يمنيه إذا قدره.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
نحن أجرنا الحي كلبًا وقد أتت لها حمير تزجي الوشيج المقوما
أجرنا: جعلناهم في جوارنا، تزجى: تسوق الرمامح. المعنى: يصف اغاثتهم كلبًا وقد قصدهم العدو وهم حمير حاملة الرماح المثقفة.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
تركنا لهم شق الشمال فأصبحوا جميعًا يزجون المطي المخزما
شق الشمال: ناحية الشمال، وضربه ها هنا مثلًا للانهزام، أي ولوا وتركناهم ومقصدهم، ولم نقف أثرهم، والمخزم: الذي جعل في أنفه الخزام، وهو ما يجعل في أنف البعير من الشعر. المعنى؛ تركنا لكلب طريق الهزيمة فصاروا يحثون مطاياهم على السير منهزمين، خوفًا من أن تقتفي آثارهم.
فلما دنوا صلنا ففرق شملهم سحابتنا تندي أسرتها دمًا
فغادرن قيلا من مقاول حمير كأن بخديه من الدم عندما
الأسرة: بطون الأودية، كأنها أسرة الوجه واليد وهي الخطوط التي فيها، وقيل: الأسرة طريق في السحاب قال البرقي: وهو مثل: والعندم قيل: أنه بقم وقيل دم الأخوين، وشبه حمرة الدم على خدي القتيل بلون العندم. المعنى: لم نقاتلهم للحرب غير مكترثين بهم، فلما دنوا منا حملنا عليهم ففرقنا جمعهم، وجرت الأدوية من دمائهم، وتركت خيلنا رئيسًا من رؤساء حمير قتيلًا، يعني علقمة بن ذي يزن.
أمر على أفواه من ذاق طعمها مطاعمنا يمججن صابًا وعلقمًا
يمججن المطعم: أي يقذفن صابًا وعلقمًا. المعنى: يصف شدتهم على أعدائهم يقول: فنحن لمن ذاقنا في الحروب من المطاعم في المرارة بمنزلة الصاب والعلقم.
[ ٢ / ٢١٠ ]
(١١٣)
وقال في ذلك أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إني وإن لم أفد حيًا سواهم فداء لتيم يوم كلب وحميرًا
أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا
أي أبوا أن يخلوا بين جارهم والعدو، وتكوثر: تفوعل من الكثرة، ومعناه أبلغ من كثر، والكوثر نفسه الغبار، ويروي "حتى تكورا "من كور العمامة، أي ركب بعضه بعضًا. المعنى: يقول: أنا وإن ترفعت أن أفدي حيًا لعزة نفسي فإني فداء لتيم يوم كلب وحمير، لأن تيمًا أبلوا بلاء جميمًا، وظاهروا كثيرًا، لم يخذلوا جارهم وقد اشتدت الحرب.
سموا نحو قيل القوم يبتدرونه بأسيافهم حتى هوى فتقطرا
وكانوا كأنف الليث لاشم مرغمًا ولا نال قط الصيد حتى تعفرا
يقول: أن أحمي الأشياء أنف الليث، وقوله: "ولا نال قط "يروي "ولا نال فظ الصيد "وهو الماء الذي يوجد في الكرش يشرب عند العطش الشديد، لأنهم إذا أجهدهم العطش نحروا ما يصحبهم من اقبل فعصروا فرثه، فيقال: افتظ الرجل. المعنى: يصفهم بالشجاعة ويذكر أنهم قتلوا رئيس حمير حتى سقط قتيلًا. يمدحهم بالعزة وشبههم بأنف الليث.
(١١٤)
وقال هلال بن رزين أخو بني ثور بن عبد مناة بن أد، جاهلي، والرزين: الشيء الثقيل والمرأة رزان، ويقال لها: رزين أيضًا.
[ ٢ / ٢١١ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وبالبيداء لما أن تلاقت بها كلب وحل بها النذور
فحانت حمير لما التقينا وكان لهم بها يوم عسير
وأيقنت القبائل من جناب وعامر أن سيمنعها نصير
أجادت وبل مدجنة قدرت عليهم صوب سارية درور
فولوا تحت قطقطها سراعا تكبهم المهندة الذكور
القطقط: الرذاذ من المطر، والبيداء ها هنا موضع بعينه كانت به وقعة بين كلب وحمير، ويروي "فخابت "من الخيبة، وكان لهم أي لحمير بالبيداء يوم شديد صعب، وجناب: قبيلة من كلب. المعنى: يصف شجاعتهم وتيقن القبائل التي استنجدتهم بنصرتهم إياهم، وبين أن كلبًا كانت عليهم نذور أن ظفروا بحمير، فلما التقوا وجبت نذورهم وهلكت حمير، وشبه أصحابه بسحابة مظلمة لكثرتهم والسهام النافذة إلى حمير بصغار القطر، وإن حمير ولت والسيوف تأخذ منهم قتلًا وصرعا، وسحابتهم تمطر السلاح وبلًا ودرًا.
(١١٥)
وقال جزء بن ضرار، أخو الشماخ، مخضرم:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٢١٢ ]
أتاني فلم أسرر به حين جاءني حديث بأعلى القنتين عجيب
تصاممته لما أتاني يقينه وأفزع منه مخطئ ومصيب
القنتان: جبل مشرف بعض الإشراف، والجمع قنان، ويروي "غداة القنتين "، فأفزع منه مخطئ ومصيب، فالمخطئ الأول الذي كذبه، والمصيب الثاني الذي صدقه. المعنى أتاني حديث عجيب بأعلى القنتين فلم أسرر به وتكلفت أن لا أتيقنه وأبطله حتى أتتني صحته. يستعظم الخبر الوارد عليه بحلول الحوادث في أهله، ويروي "مني مخطئ ".
وحدثت قومي أحدث الدهر فيهم وعهدهم بالحادثات قريب
ويروي "بالنائبات "المعنى: بين في هذا البيت معنى الحديث الذي أتاه بأعلى القنتين فتصامم عنه، وهو إحداث الدهر في أهله حوادث.
فإن يك حقًا ما أتاني فإنهم كرام إذا ما النائبات تنوب
فقيرهم مبدي الغني وغنيهم له ورق للسائلين رطيب
ذلولهم صعب القياد وصعبهم ذلول بحق الراغبين ركوب
أي يتجمل فقيرهم ولا يتضعضع للدهر، ولا يظهر الاستكانة، وقوله: وغنيهم له ورق رطيب للسائلين هذا مثل ضربه، وذلك أن الشجر إذا كان رطب الورق عاشت به إبلهم، وكثر به انتفاعهم، ثم وصفهم بالعزة على من يقصدهم بالضيم، والانقياد لمن يرغب في إحسانهم فقال: ذلولهم صعب القياد أي يصعب ذلولهم على من رام ضيمهم، وصعبهم ذلول ركوب بحق الراغبين أي ينقاد الصعب منهم عند أداء الحق ويصير كالجمل المركوب، والركوب بمعنى مركوب ها هنا. المعنى يصف قومه بالكرم والتجمل عند الفقر، والبذل في حالة الغنى، والعزة عند الضيم والانقياد لا داء الحق.
ومن يغمروا منهم بفضل فإنه إذا ما انتمى في آخرين نجيب
غمرته بكذا أي غلبته. المعنى: يريد أن من ولدوه لا يدرك شاوه شرفًا ومجدًا، ومن فضلوه وغمروه فيهم بفضلهم إذا انتسب إليهم في غير قبيلتهم كان
[ ٢ / ٢١٣ ]
هناك نجيبًا أي مفضولهم فاضل في غيرهم.
إذا رنقت أخلاق قوم مصيبة تصفي لها أخلاقهم وتطيب
رنقت: كدرت. المعنى: يختبر الكرام عند النوائب، فمن لم يتعرض عند الشدائد للدنية فهو عين الكريم يقول: إذا أكدرت مصيبة أخلاق قوم، فإن أخلاقهم تطيب وتصفو بتلك المصيبة، لا يأتون فيها ما يضع منهم، ويقبح ذكرهم كما يفعله غيرهم.
(١١٦)
وقال القطامي واسمه عمير التغلبي، إسلامي، القطامي- بفتح القاف وضمها- الصقر، ويقال: القطام، بالفتح بلا ياء:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي أناس بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإن فينا قنا سلبًا وأفراسًا حسانًا
الحضارة- بفتح الحاء وكسرها-: مصدر الحاضر، وسلبًا: أي طويلة، قال أبو رياش: أرى سلبًا جمع مسلوب إي هو يسلب الأنفس، قال: وسلب أجود
[ ٢ / ٢١٤ ]
لأنه قل ما يقال: رمح سلوب وسالب. المعنى: يقول: من أعجبه نزول الحضر فأي رجال بادية ترانا، وإذا حصلت الرجال أي نحن أهل بادية فكيف ترانا، يفضل أهل البدو على أهل الحضر، ثم قال: من أعجبه إمساك الحمير ورضي بها، فأنا لا نرضى بمثل ذلك، ولكنا أصحاب قنا وخيل حسان.
وكن إذا أغرن على جناب وأعوزهن نهب حيث كانا
أغرن من الرباب على حلول وضبة إنه من حان حانا
وأحيانًا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
وكن: يريد الخيل، وأنزلها منزلة أربابها وهم المغيرون، وبقد روى "أغرن من الضباب "والرباب وضبة قبيلتان، والحلول: الحي الذي يكونون في مكان واحد، وقوله: أنه من حان حانا: أي من قدر له الموت هلك، الأول من الحين وهو الوقت. المعنى: يصف اعتيادهم للغارات، وأنهم يغيرون أبدًا على القبائل الكبار نحو ضبة بن أد وبكر بن وائل، وأنهم يسثقون بأن من حان أجله مات، ما تقدم أو تأخر، لا يجبنون ولا يخافون، فإذا لم يجدوا من يغيرون عليه من أعدائهم أغاروا على من يليهم من أدانيهم لأنهم لا يصبرون عن الغارة.
(١١٧)
وقال الأعرج المعني من بني سليم، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى أم سهل ما تزال تفجع تلوم وما أدري علام توجع
ويروي "ألا أم سهل ما تزال "ويروي "لا تزال "ومعنى تفجع: تتوجع. المعنى: يصف شكاية امرأته من سقيه فرسه لبن ناقته، وقد علمت أنه لا
[ ٢ / ٢١٥ ]
يبالي شكايتها ولومها، فقال على سبيل التعجب، علام توجع، وبين وجه التوجع فقال:
تلوم على أن أعطي الورد لقحة وما تستوي والورد ساعة تفزع
إذا هي قامت حاسرًا مشمعلة نخيب الفؤاد رأسها ما يقنع
وقمت إليه باللجام ميسرًا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع
الورد: اسم فرسه، لقحة: أي لبن لقحة وهي الناقة الحديثة النتاج، وما تستوي أم سهل والورد، نصب لأن الواو بمعنى مع، ورفعه أيضًا حسن، وساعة تفزع يعني المرأة، ثم بين فعلها فقال: إذا هي قامت مشمعلة مشمرة، نخيب الفؤاد: أي منخوبة القلب كأنها لا قلب لها، رأسها ما يقنع أي لا تستر رأسها، وقمت إليه: يعني الورد، ميسرًا: أي مهيئًا للأمر الذي أريده. المعنى: تلوم هذه المرأة على إعطاء فرسي لبن ناقتي، ولا أعطيها ذلك، ولا يستويان هما، إذا وقع الفزع لأنها تزيدني قلقًا بجزعها والكشف عن رأسها وجهها، والفرس أقاتل عليه عدوي وأحفظ به حريمي
(١١٨)
وقال حجر بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد، جاهلي، حجر: فعل من حجرت أي منعت، مرثد: من رثدت المتاع أي أنضدت
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
كلبية علق الفؤاد بذكرها ما إن تزال ترى لها أهوالًا
فأقنى حياءك لا أبا لك إنني في أرض فارس موثق أحوالًا
وإذا هلكت فلا تريدي عاجزًا غسأ ولا برمًا ولا معزالا
واستبدلي ختنًا لأهلك مثله يعطي الجزيل ويقتل الأبطالا
غير الجدير بأن تكون لقوحه ربا عليه ولا الفصيل عيالًا
[ ٢ / ٢١٦ ]
فاقني حياءك أي ألزمي حياءك، فكفي عني نفسك فإني عنك في شغل، لأنه كان مأسورًا، يقال: قني يقنى قني أي حفظ، ومنه القنية، وقوله: لا أبا لك مدح عند العرب وليس بسوء يراد، الغس: الضعيف وجمعه أغساس وغسسة، والبرم: البخيل الذي لا يشهد الميسر، والمعزال له تفسيران: أحدهما الذي لا سلاح معه، والاخر الذي لا ينزل مع القوم في السفر ولكنه ينزل ناحية، واستبدلي ختنا أي تزوجي بعد هلاكي مثلي، ومعنى ولا الفصيل عيالًا أي ولد ناقته يشفق عليه فلا ينحره فهو عياله دون الأضياف، والسخي لا يبالي بنحر ماله. المعنى: هذا الشاعر كان محبوسًا في أرض العجم، فذكر حاله ومن هواها، وأنذرها أن تتزوج عاجزًا ضعيفًا بخيلًا لا يأخذ السلاح، وأمرها أن تتزوج من يعطي الكثير، ويقتل الأبطال، ويهين الأموال، وأراد بذلك تفخيم أمر نفسه ومنعها من التزويج.
(١١٩)
وقال ابن رميض العنبري، وقيل: العنزي، ورميض تصغير رمض وهو إصابة الشمس.
(من مشطور الرجز وقوافيه من المتراكب والمتدارك والمتراكب داخل على المتدارك)
باتوا نيامًا وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم
خدلج الساقين خفاق القدم
قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي غبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر الوضم
[ ٢ / ٢١٧ ]
قال أبو حاتم: يصف إبلًا ساقها ابن هند من أصحابه ولم ينم لأنه كان يسوقها، وقوله: بات يقاسيها أي يحرسها لشهامته ويصبر على السهر والكد في سوقها، وشبهه بالزلم وهو القدح لأن الفتى يشبه بالقدح لاستوائه، كما يشبه بالسيف، وخدلج الساقين ممتلئهما، وخفاق القدم أي خفيف سريع ضراب بها على الأرض، يسمع له خفقان، وقوله: "قد لفها الليل بسواق حطم "يعني طارد أهل نهب وغارة، ولا بجزار على ظهر الوضم أي لا يسوقها لبيع لحمها على الوضم. المعنى: يمدح ابن هند ويصفه باستقامة القد وغلظ الساقين وخفة الخطو، والصبر على سوق الإبل، وإنه لا يسوقها لأنه راع أو جزار، ولكنه بطل كريم يحفظ جاره ويكفيه حفظ ماله.
(١٢٠)
وقال جعفر بن علبة، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا لا أبالي بعد يوم بسحبل إذا لم أعذب أن يجئ حماميا
تركت بجنبي سحبل وتلاعه مراق دم لا يبرح الدهر ثاويًا
إذا ما أتيت الحارثيات فأنعني لهن وخبرهن ألا تلاقيا
وقود قلوصي بينهن فإنها ستضحك مسروًا وتبكي بواكيا
سحبل: واد باليمن كانت فيه حرب بين بني عقيل وبني الحارث بن كعب، وكانت الدائرة على بلحارث فأصيب جعفر هذا الشاعر بجراحة أثخنته فاستسلم للهلاك. المعنى: يصف إدراكه مناه لأنه قتل في تلك الوقعة شريفًا من أشراف عدوه إلا أنه اشترط على نفسه فقال: إذا لم أعذب، أي لم أعاقب على ذنوبي، ثم بين ما فعله فقال: تركت بجنبي سحبل وتلاعه مراق دم لا يبرح الدهر ثاويًا، أي قتلت بها من لا ينسى أبدًا، ثم أمر ناعيه أن ينعاه إلى نساء قومه ليندبنه.
[ ٢ / ٢١٨ ]
(١٢١)
وقال أخر، إسلامي:
(الثاني الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري لرهط المرء خير بقية عليه وإن عالوا به كل مركب
إذا كنت في قوم ولم تك منهم فكل ما علفت من خبيث وطيب
ويروى "في قوم عدى لست منهم". المعنى: يقول: قوم الرجل أبقى عليه -وإن بالغوا في الإساءة إليه- من الأباعد، ثم قال: إذا كنت في غير أهلك لم تجد منهم من النصفة، وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى.
(١٢٢)
وقال البرج بن مسهر الطائي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فنعم الحي كلب غير أنا رأينا في جوارهم هنات
ونعم الحي كلب غير أنا رزئنا من بنين ومن بنات
هنات: أمور مكروهة لا تستعمل إلا في الشر. المعنى: يقول مستهزئا: نعم الحي كلب غير أنهم أساءوا جواري وغدروا بي، فقتلوا أبنائي وسبوا بناتي، يهجوهم ويشكو سوء جوارهم.
[ ٢ / ٢١٩ ]
فإن الغدر قد أمسى وأضحى مقيمًا بين خبت إلى المسات
تركنا قومنا من حرب عام ألا يا قوم للأمر الشتات
وأخرجنا الأيامى من قصور بها دار الإقامة والثبات
فإن نرجع إلى الجبلين يومًا نصالح قومنا حتى الممات
ويروى "الموالي من حصون" ويروى "دار المقامة"، المعنى: يصف كلبا بالغدر، وأن الغدر مقيم في أوطانهم، ثم أخذ يتلهف على ما كان منه من مفارقة قومه لما لحقهم من الذل، ويقول: إن رجعنا إلى قومنا صالحناهم ولم نفارقهم أبدًا.
(١٢٣)
وقال موسى بن جابر الحنفي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا أشتهي يا قوم إلا كارهًا باب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرجال أسنة مذروبة ومزندون شهودهم كالغائب
منهم ليوث لا ترام وبعضهم مما قمشت وضم حبل الحاطب
المعنى: يصف تعززه في نفسه واختلاف أحوال الناس في الغناء والضعف، يقول: لا أحضر باب الأمير ولا دفاع الحاجب إلا كارهًا، والناس مختلفون منهم كالأسنة المحددة مضاء ونفاذًا، ومنهم الضيقو النفوس لا فضل لشهودهم على غيبتهم، ومنهم كالأسود لا يطمع فيها، ومنهم من لا يعبأ بهم، يجمع ويذلل كالقماش والعيدان.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
(١٢٤)
وقال رجل من بني أسد، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقلت لنفسي حين حود رألها مكانك لما تشفقني حين مشفق
مكانك حتى تنظري عم تنجلي عماية هذا العارض المتألق
التخويد: ضرب من السير السريع: والرأل: فرخ النعام، والنعام أشد الأشياء نفارًا، فيشبه به في النفار، ويروى "مكانك" و"رويدك"، والعماية: الظلمة، ويروى "غيابة" و"عماية" والمتالق: المتلاليء. المعنى: يصف أنه لما استشنع الفزع من نفسه شجعها وصبرها وقال: قلت لنفسي لما فزعت: لم تشفقين وليس وقت الاشفاق، فاثبتي حتى تنظري إلى ماذا يصير أمر هذا العارض يعني الجيش ويروى "حين حق دراكها".
(١٢٥)
وقال موسى بن جابر:
[ ٢ / ٢٢١ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
قلت لزيد لا تترتر فإنهم يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا فعرضة عرض الحرب مثلك أو مثلي
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
لا تترتر: لا تقلق ولا تجبن، ويروى "لا تبربر" وهو كثرة الكلام، ويروى "لا تبزبز" والبزبزة: الطيش والإسراع وكثرة الحركة، ولا تثرثر هي أيضًا كثرة الكلام، وكلها متقاربة في المعنى، ويروى "فعرضة حد السيف". المعنى: قلت لصاحبي المسمى زيدًا. لا تقلق ولا تكثر فإن أعداءنا لا يقدرون علينا لأنهم يرقبون المنايا دون قتل واحد منا فإن سالموا فسالم، وإن حاربوا فحارب، فإن رجال الحرب مثلك أو مثلي، فأوهنا بمعنى الواو، يعني مثلك ومثلي.
(١٢٦)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ذراعي وألقى باسته من أفاخر
هلالان حمالان في كل شتوة من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
هلالان: يعني ابني العنبرية، حمالان في كل شتوة: أي يحملان من الحمالات ومؤن الناس في كل حدب ما لا يستطيع حمله الأباعر. المعنى: يفتخر بابني العنبرية ويذكر أنه يغلب لمفاخرتهما، ويصف حسنهما وانتفاع الناس بهما.
(١٢٧)
وقال أيضًا:
[ ٢ / ٢٢٢ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها
وجدت بنفس لا يجاد بمثلها وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذم ربه ونفس امريء في حقها لا يهينها
وجدت بنفسي: أي أقدمت إقدام من لا يبالي بنفسه، حين ساء ظنونها: أي حين خافت وجبنت. المعنى: يصف شجاعته وبذله النفس في حفظ الحقيقة، وبين أنه لا خير في مال لا يقي العرض، ولا في نفس تهان عند الحق.
(١٢٨)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ذهبتم ولذتم بالأمير وقلتم تركنا أحاديثًا ولحمًا موضعا
فما زادني إلا سناء ورفعة وما زادكم في الناس إلا تخضعا
وما نفرت جني ولا فل مبردي ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا
لحمًا موضعا: أي مطروحًا، وخص اللحم لأنه يسرع إليه الفساد، والعرب تقول: فلان ساكن الطائر إذا كان هادئا، ويروى "ثناء ورفعة". المعنى: يعاتب قومًا سعوا به والتجأوا إلى الأمير، وقدروا أنهم ضيعوه، فلم يؤثر ذلك فيه، ولم يكترث بهم بل رفعه ذلك وحط أعداءه.
(١٢٩)
وقال حريث بن جابر بن سري بن سلمة، مخضرم:
[ ٢ / ٢٢٣ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمرك ما أنصفتني حين سمتني هواك مع المولى وأن لا هوى ليا
إذا ظلم المولى فزعت لظلمه فحرك أحشائي وهرت كلابيا
سمتني: كلفتني وظلمتني، والمولى ها هنا ابن العم، حرك أحشائي: أي أزعجني وأقلقني. المعنى: يتبرأ من خذلانه ابن عمه، ويصف فرط اهتمامه بشأنه، وأنه إذا ظلم ابن عمه أعانه وقلق منه، وأنكر على الظالم ظلمه، يعاتب صاحبه في ذلك.
(١٣٥)
وقال البعيث بن حريث الحنفي، إسلامي، البعيث: فعيل بمعنى مفعول كأنه مبعوث:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذب
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فرد بتأهيل وسهل ومرحب
المذبذب: الراتب، والرجل المذبذب: المتردد بين أمرين. المعنى: يصف رؤيته خيال أم السلسبيل وهي على مسافة شهر للبريد المتسرع، وأنه ربح به فأجابه الخيال بمثل ذلك.
معاذ الإله أن تكون كظبية ولا دمية ولا عقيلة ربرب
ولكنها زادت على الحسن كله كمالا ومن طيب على كل طيب
المعنى: ينفي مشابهة أم السلسبيل وهي المرأة التي شبب بها، الظبية في الجيد
[ ٢ / ٢٢٤ ]
والدمية في الحسن، وولد البقرة في العين، ويرفعها عن مساواة هذه الأشياء، لأنها أحسن من كل حسن وأطيب من كل طيب.
وإن مسيري في البلاد ومنزلي لبالمنازل الأقصى إذا لم أقرب
ولست وإن قربت يومًا ببائع خلاقي ولا قومي ابتغاء التحبب
ويعتده قوم كثير تجارة ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
المعنى: يقول: إذا لم يعرف قومي مكاني ولم يجلوني فارقتهم وتباعدت عنهم، ثم قال: ولا أدع أخلاقي لا حلال الناس إياي مبتغيًا التحبب إليهم، وكثير من الناس يعتد ذلك تجارة ببيع دينه بشيء من عرض الدنيا.
دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه وعبس وقد كانا على حد منكب
وقد علما أن العشيرة كلها سوى محضري من خاذلين وغيب
فكنت أنا الحامي حقيقة وائل كما كان يحمي عن حقائقها أبي
المعنى: يصف التقاء القبيلتين عبس ويزيد بعد الضرورة إليه، وقد علم أن حضور غيره لا يعنيهم لأن حضورهم وغيبتهم سواء، فلما دعوه حماهم ودفع عنهم، ثم مدح أباه فقال: كما كان يحمي عن حقائقها أبي أي أنا شجاع ابن شجاع وكريم ابن كريم.
(١٣١)
وقال المثلم بن رياح بن ظالم المري، ورياح: الريح بعينه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
من مبلغ عني سنانا رسالة وشجنة أن قومًا خذا الحق أودعا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
سأكفيك جنبي وضعه ووساده وأغضب إن لم تعط بالحق أشجعا
خذا الحق أو دعا: يحتمل معنيين أحدهما أنكما لا تقدران على ذلك فخذا الحق أو دعا إن قدرتما على ذلك، والآخر خذا الحق أو دعا فإنكما لا تردان على ذلك فلا تطمعا في غيرهما وهذا أقرب، وقوله: سأكفيك أي لا أكلفك من أمري شيئا إن أمسكت وإن رمت ظلم أشجع -وهي قبيلة أعنتها عليكم- غضبت لها. المعنى: يهدد سنانا وشجنة وينهاهما عن ظلم أشجع، ويذكر تعصبه لهم، ويروى "وضعة ووسادة بالتنوين".
تصيح الردينيات فينا وفيهم صياح بنات الماء أصبحن جوعا
لففنا البيوت بالبيوت فأصبحوا بني عمنا من يرمهم يرمنا معا
بنات الماء: الضفادع وقيل: طير الماء. المعنى: يصف شدة المطاعنة حتى ارتفعت أصوات الأسنة في الحديد كأصوات الضفادع إذا جاعت أو طير الماء، ويحصل أن يكون المعنى الإشارة إلى عزمهم على غزو القوم فدل بصياح الرماح مشتهية الطعن على ذلك، وقوله: لففنا البيوت أي لففنا بيوت أشجع ببيوتنا أي خلطناهم بجماعتنا، فأصبحوا كبني عمنا يمسنا ما يمسهم، والمعنى: يصف اتصال أشجع بهم، والتزامهم زمامهم حتى لا يتميزوا عنهم.
(١٣٢)
وقال آخر، وهو سالم بن دارة، إسلامي:
[ ٢ / ٢٢٦ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
يا زمل إني إن تكن لي حاديا أعكر عليك وإن ترغ لا تسبق
إني امرؤ تجد الرجال عداوتي وجد الركاب من الذباب الأزرق
الحادي ها هنا: المهيج، وأعكر عليك: أي أعطف عليك، فإن ترغ: أي تعدل، ويروى "إن تزغ" بالزاي، والذباب الأزرق أشد الذبان أذى. المعنى: يصف جلادته وشدة مكروهه على أعدائه ويقول لزمل: أنك لا تفوتني بحال.
(١٣٣)
وقال الحصين بن الحمام المري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فقلت لهم يا آل ذبيان ما لكم تفاقدتم لا تقدمون مقدما
مواليكم مولى الولادة منهم ومولى اليمين حابس قد تقسما
ذبيان وذبيان، تفاقدتم: دعا عليهم، مولى الولادة ابن العم، ومولى اليمين: مولى العتاقة، ويجوز أن يكون حابس بمعنى محبوس كقوله تعالى:
[ ٢ / ٢٢٧ ]
(من ماء دافق) و"في عشية راضية"، وقوله: قد تقسما: أي قسم قسمة الرق فيما بينهم.
وقلت تبين إنما بين ضارج ونهي الأكف صارخ غير أخرما
من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى من القوم إلا خارجيا مسوما
عليهن فتيان كساهم محرق وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ومطردا من نسج داود محكما
ضارج ماء لبني عبس، وصارخ غير أخرما، الصارخ: المستغيث ها هنا.
غير أخرما: غير منقطع، أي هم متصلون في الصراخ، يرفع بعضهم بعضا، وقال بعضهم: صارخ هنا مغيث، وأحرم: اسم جبل، ومعنى البيت: ليس بين هذين الماءين مفزع إلا ذلك الجبل، ويجوز أن يكون "مطردًا" أي من صفائها وبضيضها كأنها تطرد اطراد الماء. المعنى: يحث أصحابه على استنقاذ مولاهم، ويذكر اتصال الصراخ، ثم وصف الخيل بالجودة، والفرسان بجودة الشكة وأن سيوفهم ودروعهم من عطية عمرو بن هند، وكان عمرو جزل العطية سني الهبة.
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه وإن كان يومًا ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجية بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
المعنى: لما رأينا ألا صبر على ما نلقى منهم، وإن كان يومًا صعبا، والعرب تعبر عن صعوبة اليوم بظهور الكواكب فيه، وتزعم العرب أن يوم حليمة وهو يوم معروف ارتفع الغبار من سنابك الخيل فسد الأفق وستر عين الشمس فظهرت الكواكب، أي ضربنا بأسيافنا مقابلة، والصبر منا سجية. المعنى: لما جاز الأمر
[ ٢ / ٢٢٨ ]
حد الاحتمال والصبر ضربنا بأسيافنا في الحرب، فجعلنا نفلق الرؤوس من أناس أعزة علينا لما بيننا من الرحم، وهم كانوا أقطع للرحم لأنهم بدأونا بالظلم.
ولما رأيت الود ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
المعنى: لما لم ينفع اللين أتيت ما كان أصوب وأدعى إلى الحزم، يعني الحرب. والعرب تقول: "الطعن يظأر" أي يعطف على ما لا يعطف عليه الرحم، أي عمدت إلى الحرب لأني رأيتها أصوب من الاحتمال.
فلست بمبتاع الحياة بذلة ولا مرتق من خشية الموت سلما
المعنى: يقول: إني لا أختار أن أعيش ذليلا على أن أموت عزيزا، ولكن أقاتل حتى أغلب فأعيش عزيزا أو أقتل فأموت كريما.
(١٣٤)
وقال بشامة بن حزن، البشامة شجر يتخذ منه السواك:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد غضبت لخندف ولقيسها لما ونى عن نصرها خذالها
[ ٢ / ٢٢٩ ]
دافعت عن أعراضها فمنعتها ولدي في أمثالها أمثالها
خندف منسوبة إلى أمهم، وقوله: لدي في أمثالها أمثالها، أي عندي في أمثال هذه الحادثة أمثال هذه المعونة التي كانت مني. المعنى: غضبت لهاتين القبيلتين خندف وقيس لما لم ناصرا، فدفعت عنهم شر أعدائهم، وضمنت لهم المعونة في كل نائبة.
إني امرؤ أسم القصائد للعدى إن القصائد شرها أغفالها
اسم القصائد على وجهين: أحدهما أن يكون المراد أجود القصائد في هجاء العدى كي تروى لجزالة معناها وبراعة لفظها، والىخر أن يكون المراد أذكر من أهجوه فيها كي تروى، والأغفال: جمع غفل وهي التي لا سمة عليها. المعنى: يصف تجويد الشعر ليكثر إنشاده.
قومي بنو الحرب العوان بجمعهم والمشرفية والقنا إشعالها
ما زال معروفًا لمرة في الوغى عل القنا وعليهم إنهالها
من عهد عاد كان معروفا لنا أسر الملوك وقتلها وقتالها
ويروى "معروفا لها" ويروى "والقنا أشغالها". المعنى: يصف قومه بأن جميعهم معتادون للحروب بالسيوف والرماح.
(١٣٥)
وقال أرطأة بن سهية، وسهية: تصغير سهوة، وهي كالصفة بين يدي البيوت:
[ ٢ / ٢٣٠ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ونحن بنو عم على ذات بيننا زرابي فيها بغضة وتنافس
ونحن كصدع العس إن يعط شاعبا يدعه وفيه عيبه متشاخس
ذات البين: العداوة، والزرابي: الطنافس ذات الألوان الواحدة زربية، والعس: القدح العظيم من خشب، والشاعب: الذي يرأب الصدع، ومتشاخس: متمايل. المعنى: يصف أحقاد قلوبهم واختلاف أحوالهم، وشبه ذلك بالطنافس الملونة وبصدع العس.
كفى بيننا أن لا ترد تحية على جانب ولا يشمت عاطس
المعنى: دل في هذا البيت على المكاشفة بالعداوة بترك التشميت للعاطس ورد التحية على المسلم.
(١٣٦)
وقال عقيل بن علفة المري، عقيل بمعنى معقول، والعلف: ثمر الأراك، الوحدة: علفة:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٢٣١ ]
تناهوا واسألوا ابن أبي لبيد أأعتبه الضبارمة النجيد
ولستم فاعلين إخال حتى ينال أقاصي الحطب الوقود
تناهوا: أي كفوا وازدجروا، وابن أبي لبيد رجل ناله هذا الشاعر بشر، أأعتبه الضبارمة وهو الأسد، وعنى به نفسه، والنجيد: الشجاع. المعنى: يقول: لستم متناهين عما أكرهه منكم حتى يعمكم الشر ويبلغ منتهاه.
وأبغض من وضعت إلي فيه لساني معشر عنهم أذود
أذود: أمنع. المعنى: يقول: أبغض الأشياء إلي أن أهجو عشيرتي الذين يلزمني الذب عنهم.
ولست بسائل جارات بيتي أغياب رجالك أم شهود
المعنى: يقول: أنا عفيف لا أسأل جاراتي عن رجالهن ولا أختلف إليهن لأن ذلك فعل المريب.
ولست بصادر عن بيت جاري صدور العير غمره الورود
ولا ملق لذي الودعات سوطي ألاعبه وربته أريد
ربته: يعني أمه، وذو الودعات: الصبي، والودعات: الخرز، والتغمير: أن يشرب يسيرًا وبه حاجة إلى الماء، وتدعوه نفسه إليه، وخص العير لأنه أقل الدواب صبرا على الماء، فإذا شرب دون الري وخلي عنه جعل يتلفت إليه المعنى: يقول: أنا عفيف لا ألتفت إلى بيوت الجارات التفات العير نحو الماء إذا شرب الري، ولا أشغل الصبيان بسوطي لأخلو بأمهاتهم.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
(١٣٧)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
المعنى: يقول: إن يحسدوني فلفضلي فلا لوم عليهم، فالفاضل يحسد، فدام لي الفضل ودام لهم الحسد، لأن الحاسد أكثر الناس غمًا، ولهذا قالوا: لا راحة لحسود.
أنا الذي يجدوني في صدورهم لا أرتقي صدرا منها ولا أرد
المعنى: قد نشبت العداوة في صدورهم، لا يقدرون على إخراجها، فكأني شجا في حلوقهم.
(١٣٨)
وقال محمد بن عبد الله الأزدي، إسلامي:
[ ٢ / ٢٣٣ ]
(من الطويل وهو مخروم والقافية من المتدارك)
لا أدفع ابن العم يمشي على شفا وإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه لترجعه يومًا إلي الرواجع
وحسبك من ذل وسوء صنيعة مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
شفا كل شيء: طرفه، أي لا أدفعه في الهلاك، والجنادع: الحيات: وهي أم الأرض واحدها جندع، وهو مثل، وإنما أراد به الأذى وسوء القول. المعنى: يصف كرمه ورعايته الحرم يقول: لا أدفع ابن العم في الهلكة وإن أساء إلي ولكن أساعده إلى أن يعود إلى الواجب، ثم قال: يكفيك من ذل وسوء فعل أن تعادي قريبك وإن كان قاطعا.
(١٣٩)
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
الشر يبدؤه في الأهل أصغره وليس يصلى بجل الحرب جانيها
والحرب يلحق فيها الكارهون كما تدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها
هكذا، كما قيل: كبيرات الأمور صغارها، أي يجنى الحرب الضعيف والعاجز، ويصلى بها القوي والحازم. المعنى: لا تستحقر الحقير من الشر فإنه سيعظم، والحرب ليس يدفع إليها من جناها، وربما يجنيها سفيه، ثم لا يجد أصحابه من الدفع عنه بدا.
إني رأيتك تقضي الدين طالبه وقطرة الدم مكروه تقاضيها
المعنى: يعرض بالقصاص، ويريد بالدين وتقاضيه القود، ويصفه بأنه مكروه.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
(١٤٠)
وقال شريح بن قرواش العبسي، جاهلي، وقرواش: فعوال من القرش وهو الكسب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لما رأيت النفس جاشت عكرتها على مسحل وأي ساعة معكر
عشية نازلت الفوارس عنده وزل سناني عن شريح بن مسهر
جاشت: اجت، وعكرتها: عطفتها، ومسحل: اسم رجل نصره وأنقذه من الأعداء، وزل سناني: أي نبا، لأنه كان دارعا فلم يقتله. المعنى: لما هاجت نفسي عطفا على مسحل رددتها عليه ودافعت عنه، وطعنت شريحا فلم يعمل فيه سناني لأنه كان دارعا وبين ذلك بقوله:
وأقسم لولا درعه لتركته عليه عواف من ضباع وأنسر
عواف: جمع عافية وهو كل آت يطلب شيئا، فالسباع تسمى بذلك لطلبها الصيد. المعنى: أقسم لولا أنه كان دارعا لقتلته لأني أصبت المقتل وسددت الطعن.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وهل غمرات الموت إلا نزالك الـ ـكمي على لحم الكمي المقطر
المعنى: ما شدائد الموت إلا قتالك على الشجاع المقتول، وقيل: على لحم الشجاع: معناه قتل الشجاع.
(١٤١)
وقال طرفة الجذيمي، جذيمة قيس:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
يا راكبا أما عرضت فبلغن بني فقعس قول امريء ناخل الصدر
أي إن عرضت، وما زائدة، ناخل الصدر: أي نخل صدره من الغش والمكر يعني أخلصه، ويروى بالحاء، أي منح النصح من قلبه. المعنى: يعتذر إلى بني فقعس في مفارقته إياهم وبين عذره في قوله:
فوالله ما فارقتكم عن كشاحة ولا طيب نفس عنكم آخر الدهر
ولكنني كنت امرأ من قبيلة بغت وأتتني بالمظالم والفخر
فإني لشر الناس إن لم أبتهم على آلة حدباء نابية الظهر
وحتى يفر الناس من شر بيننا ونقعد لا ندري أننزع أم نجري
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الكشاحة: العداوة، ولا طيب نفس مقدرا آخر الدهر. طيب النفس عنكم، والآلة الحدباء: يعني به الداهية ويروى "الآلة" وهي الحالة، وقال بعضهم: أراد بالحدباء الجنازة، والصحيح على حالة مكروهة، وقوله: نابية الظهر أي قد نبا ظهرها فلا يستقر عليها الراكب. المعنى: يعتذر إلى بني فقعس أنه لم يفارقهم لأنه أبغضهم أو طابت نفسه عنهم، وإنما فارقهم لأن قبيلته كانوا بغوا عليه وظلموه ثم أوعد قومه بأنه يحملهم على داهية شديدة كما وصفها ويروى "من شنا بيننا".
(١٤٢)
وقال أبي بن حمام العبسي، أبي: تصغير أب، والحمام من حمي الإبل، والعبس من العبوس.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تمنى لي الموت المعجل خالد ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
فخل مكانا لم تكن لتسده عزيزا على عبس وذبيان ذائده
فخل مكانا يخاطب خالدًا يقول: دع السيارة فلست من أهلها وإنما يستحق السيادة من يدفع عن قومه ولست بقادر على ذلك. المعنى: يصف نفسه بحماية قومه عبس وذبيان وكفايته إياهم، ويذكر أن خالدًا يتمنى موته حسدًا منه، ولا خير فيمن لا يحسد.
(١٤٣)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
لست بمولى سوءة أدعى لها فإن لسوءات الأمور مواليا
ولن يجد الناس الصديق ولا العدى أديمي إذا عدوا أديمي واهيا
وإن نجاري يابن غنم مخالف نجار اللئام فابغني من ورائيا
أي إني لست بصاحب سوءة، وقيل: المولى ها هنا ابن العم، وادعى لها: انتسب إليها. وقوله: أديمي أراد نفسي وعرضي، والعرب تقول: فلان صحيح الأديم أي لا عيب فيه، والنجار والنجار والنجر: الأصل، وقوله: فابغني من ورائيا أي سل خلقي تنبا عن أمري، ويروى "ابغني من نجاريا". المعنى: يصف كرم نفسه وأصله، وينتفي من السوءة واللؤم.
وسيان عندي أن أموت وأن أرى كبعض رجال يوطنون المخازيا
المعنى: يقول: أقابل كل واحد بما يقابلني به ولا أكرم ما لا يكرمني ولا أنقاد لمن يتطاول علي.
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
العلوق: الناقة ترأم ولدها بأنفها وتمنعه درها، وقيل: العلوق: الناقة يعطف عليها ولد غيرها. وعراضها: معارضتها بالشم، هذا مثلا يضرب لمن يعطي بلسانه ما لا يعقد عليه ضميره. المعنى: لا يبقى الود إذا لم يكن خالصا، كما أن عراض العلوق لا يبقى.
(١٤٤)
وقال عنترة العبسي، جاهلي.
(الضرب الثاني من المتقارب والقافية من المتدارك)
[ ٢ / ٢٣٨ ]
يذبب ورد على إثره وأمكنه وقع مردى خشب
تتابع لا يبتغي غيره بأبيض كالقبس الملتهب
فمن يك في قتله يمتري فإن أبا نوفل قد شجب
وغادرن نضلة في معرك يجر الأسنة كالمحتطب
يذبب: من التذبيب وهو مثل الطرد أي يسرع، ورد: اسم رجل من عبس، على إثره: يعني إثر نضلة أبي نوفل، وأمكنه: أي ساعده على ذلك وقع فرس صلب كالحجر، ويقال: مردى من الرديان، وقيل: المردى في البيت هو السيف وخشب خشن، ومن جعله فرسًا قال: خشب غليظ العظام، ويروى "جشب" بالجيم وهو الغليظ العظام. وتتابع أي تمادى ويروى تدارك، لا يبتغي غيره: أي غير نضلة، ومن روى "يتابع" أي يتابع الركض ويتعمد نضلة، ويمتري: يشك والاسم المرية، وشجب: هلك، والشجب: الهلاك، وغادرن: يعني الخيل تركن نضلة بمعرك في موضع الحرب يجر الأسنة كالمحتطب، من كثرة ما طعن بها وتركت الرماح فيه متكسرة كأنه جمع الحطب فحمله، المعنى: يصف إسراع ورد العبسي بسيف صقيل في إثر نضلة أبي نوفل حتى قتله وكثرة الطعن في نضلة وانكسار الرماح فيه حتى كأنه حامل حطب.
(١٤٥)
وقال عروة بن الورد العبسي، جاهلي:
[ ٢ / ٢٣٩ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لحا الله صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفا كل مجزر
يعد الغنى من نفسه كل ليلة أصاب قراها من صديق ميسر
ينام عشاء ثم يصبح ناعسا يحت الحصى عن جنبه المتعفر
قليل التماس الزاد إلا تعلة إذا هو أضحى كالعريش المجور
يعين نساء الحي ما يستعنه فيضحي طليحا كالبعير المحسر
لحا الله: دعاء عليه، من لحوت العود ولحيته، آلفًا كل مجزر: أي لازم كل موقع جزر ونحر، يقال: مجزر ومجزر، والميسر: التي تنجت إبله وغنمه، وضده المجنب، ومنه عام فيه تجنيب، ويحت الحصى: ينحى الحصى عن جنبه الذي التزق بالأرض لتثاقله، وقوله: ينام عشاء: أي ينام الليل كله، فإذا أصبح كان في نفسه من النوم لكسله، ومعنى قليل الزاد أي لا يهتم لأحد ولا يطلب علاء ولا شرفا، ولا يهمه إلا نفسه، والعريش: ما بني من عيدان الشجر يستظل به، والمجور: المطروح بعضه على بعض، والبعير: المحسر أي حسره السفر فأذهب قوته، ومعنى يعين نساء الحي أي يخدم النساء بما يستخدمنه.
ولكن صعلوكًا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور
مطلا على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المنتظر
فذلك إن يلق المنية يلقها حميدًا وإن يستغن يومًا فأجدر
[ ٢ / ٢٤٠ ]
قوله: "ولكن صعلوكا" فيه إضمار، ومعناه ولكن جبر الله صعلوكًا، والقابس: الذي يعطي القبس، والمتنور: الذي يتبع ضوء النار، والمنيح المشهر ها هنا قدح مشهور بالفوز يستعار ثم يرد إلى صاحبه، وقال الأصمعي: المنيح الذي لا نصيب له فإذا خرج رد ليخرج غيره، فأما ذو الحظ من السهام فإنما إذا خرج لم يعد ثانية، يقول: هو أبدا غير مأمون كالمنيح الذي تراه عند كل إجالة، فهم يجرونه أبدًا: وقال ابن الأعرابي: أراد أن يقول: القداح المشهر فقال: المنيح لأنه فيها، وقال ابن قتيبة: أراد أنهم إذا رأوه زجروه ولعنوه كما يلعن المنيح لأنه لا نصيب له فيغتم صاحبه إذا خرج، وقوله: فذلك يعني بذلك الصعلوك، إن يلق المنية يلقها حميدا أي يحمد لأنه لم يقصر في طلب الرزق.
(١٤٦)
وقال عنترة الفوارس:
[ ٢ / ٢٤١ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
تركت بني الهجيم لهم دوار إذا تمضي جماعتهم تعود
تركت جرية العمري فيه شديد العير معتدل شديد
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقود
دوار: صنم -بفتح الدال وضمها- كأنهم يدورون عليه، أي قتلت من بني الهجيم قتيلا وهم يطوفون حوله كما يطاف على الصنم، وقيل: كأنهم لفرسي دوار أكر عليهم وأطوف بهم، كما يطاف بذلك الصنم، والرجل الثاني الذي قتله اسمه جرية العمري، وإنما قال العمري لأن الهجيم من عمرو بن تميم، وشديد العير: ما نتأ في وسط النصل من قرنته إلى سنخه، وقرنته من طرف نصله. المعنى: قتلت جرية من بني الهجيم، فهم يطوفون حوله. ومن قال: إنه يعني فرسه روى "تركت بني الهجيم له دوار"، ومعنى تمضي جماعتهم: تجاوزهم، مضيت القوم: جاوزتهم. ثم ذكر أنه قتله بسهم رماه به فقال: تركت جرية العمري فيه شديد العير أي معتدل سديد، وصف نصله بالقوة والاستقامة والسداد، ثم قال: فإن يبرأ من هذه الرمية فلم أمن ذلك وإن يهلك فحق له الهلاك لأني قصدت قتله:
وما يدري جرية أن نبلي يكون جفيرها البطل النجيد
الجفير: الجعبة، والنجيد: الشجاع والنجدة: الشجاعة. المعنى: يصف إصابته في الرمي فيقول: وما يدري ذلك القتيل أن نبلي إذا فارق قوسي كان جعبتها البطل الشجاع، أي اتركه فيها.
(١٤٧)
وقال قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، جاهلي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
تعلم أن خير الناس حيا على جفر الهباءة لا يريم
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ولولا ظلمة ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم
تعلم: أي اعلم ولا تقل تتعلم بمعنى تعلم، وإنما يقال ذلك في الأمر، والهباءة: ماء لبني فزارة، وكان قيس بن زهير قتل حذيفة وحملا ابني بدر، وحديثه مشهور في حرب داحس والغبراء، وقوله: ولولا ظلمة الناس أي لولا أنه أحوجني إلى قتله لبكيت عليه دائمًا، والوخيم: الثقيل الذي لا يستمرأ به، ويروى "مصرعه وخيم". المعنى: يرثي قتيله حمل بن بدر، وجعله خير الناس في حياته ثم قال: ولولا ابتداؤه بالظلم لبكيت عليه دائما، ولكنه بغى والبغي يصرع مصرعا ثقيلا.
أظن الحلم دل علي قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوج علي ومستقيم
وقد يستجهل: أي يقدر أنه جاهل لتغافله عن المكافأة. دل علي قومي: أي مكنهم مني: وبين أنه امتحن الرجال وأنه قوم من اعوج عليه منهم.
(١٤٨)
وقال مساور بن هند بن قيس بن جذيمة بن رواحة العبسي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
سائل تميمًا هل وفيت فإنني أعددت مكرمتي ليوم سباب
وأخذت جار بني سلامة عنوة فدفعت ربقته إلى عتاب
وجلبته من أهل أبضة طائعا حتى تحكم فيه أهل إراب
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أعددت مكرمتي ليوم سباب: أي لا يقدر أحد أن يسبني لأنه لا يجد في عيبًا يسبني به، فلا يجد عندي إلا المكارم. عنوة: قهرًا، وأبضة: ماء لطيء ثم لبني ملقط، عليه نخل، وهو على عشرة أميال من ناحية المدينة، وإراب: ماؤ لبني العنبر، وقد يفتح ألفها أيضا، يقول: جلبته عن هذا الموضع حتى تحكم فيه أهل إراب بما أرادوا. المعنى: يصف وفور مكارمه حتى إن من يفاخره لا يجد فيه عيبًا يسبه به، ويذكر أشره جار بني سلامة قهرًا، ودفعه إلى عتاب إذ كان ثأره.
قتلوا ابن أختهم وجار بيوتهم من حينهم وسفاهة الألباب
غدرت جذيمة غير أني لم أكن أبدًا لأؤلف غدرة أثوابي
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركوا أحدًا يذب لكم عن الأحساب
العرب تقول: فلان نقي الثياب إذا لم يكن فيه عيب. المعنى: يشكو قومه جذيمة ويقول: دفعت إليهم أسيرًا، وهم وإن غدروا بقتله فإني لم أغدر، ثم خاطب قومه فقال: إذا فعلتم ذلك الغدر لم تتركوا أحدًا يذب لكم عن أحسابكم لأنه لا يثق بكم أحد.
(١٤٩)
وقال العباس بن مرداس، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبلغ أبا سلمى رسولا تروعه ولو حل ذا سدر وأهلي بعسجل
رسول امريء يهدي إليه نصيحة فإن معشر جازوا بعرضك فابخل
وإن بوؤوك مبركا غير طائل غليظًا فلا تنزل به وتحول
ولا تطعمن ما يعلفونك إنهم أتوك على قرباهم بالمثمل
الرسول ها هنا: الرسالة، ولهذا أنت فقال تروعه، وذو سدر مكان ينبت
[ ٢ / ٢٤٤ ]
السدر، وعسجل: موضع، أي فإن أسلمك معشر فاحفظ نفسك، وإن بوؤك أي أنزلوك، والمبرك: المنزل، والمثمل: السم الناقع، يقول: كن ذا أنفة فقد سقوك السم وإن كانوا أقرباءك فلا تشربه أي لا تصالحهم، ولا تقبل الدية فإنها كالسم المنقع، المعنى: يقول: أبلغ أبا سلمى رسالة تفزعه وإن نأت داري عنه، رسالة رجل ينصح لك، ثم حثه على حفظ نفسه وأن لا يرضى بمنزل لا خير فيه، ونهاه عن أن يصالح أعداءه وإن كانوا أقاربه لأن مصالحتهم كالسم ضربا.
أبعد الإزار مجسدًا لك شاهدا أتيت به في الدار لم يتزيل
أراك إذا قد صرت للقوم ناضحًا يقال له بالغرب ادبر وأقبل
فخذها فليست للعزيز بخطة وفيها مقال لامريء متذلل
المجسد: المصبوغ بالزعفران، وأراد به ها هنا الدم، أي خذ هذه الخطة الدنية، فليست بخطة يرضى بها العزيز، وفيها مقال لمن به التذلل أي يعاب به، فإن قيل لك: إنك ذليل فلا تنكر فإنك لم ترفع نفسك عن ذلك بعد أخذ الدية وقيل: خذها أراد خذ النصيحة، ليست للعزيز بخطة تضع منه، وفيها مقال لمن لا يتعظم. المعنى: يمنع أبا سلمى عن مصالحة قومه الذين قتلوا قريبه، يقول: أبعد الإزار مخضوبا بالدم أتيت به شاهدا تصالحهم؟ فإن فعلت ذلك صرت كالناضح انقيادًا لهم.
(١٥٠)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أتشحذ أرماحًا بأيدي عدونا وتترك أرماحا بهن تكايد
عليك بجار القوم عبد بن حبتر فلا ترشدن إلا وجارك راشد
فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر فخذ خطة ترضاك فيها الأباعد
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الصحيح "نكايد"، والمكايدة: معالجة الأقران، المعنى: يعاتبه على معاونته أعداء قومه، وترك معاونة قومه، ويحث على عبد بن حبتر، وينهاه عن قبول الدية لما فيها من الخطة الدنية.
إذا طالت النجوى بغير أولي النهى أضاعت وأصغت خد من هو فارد
المعنى: إذا شاورت غير أولي الرأي أضاعت المشاورة وأمالت للذل حد الفارد، من انفرد عن قومه.
فحارب فإن مولاك حارد نصره ففي السيف مولى نصره لا يحارد
حارد: نصره أي قل، وأصله في الإبل أن تقل ألبانها وهو المحاردة.
المعنى: حارد عدوك فإن لم يعنك ابن عمك أعانك سيفك.
(١٥١)
وقال العباس أيضا، وهذه الأبيات من المنصفات:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا .. ولا مثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
يعني بالحي المصبح بني أسد، والقوانس: أعالي البيض واحدها قونس وأراد الرؤوس. المعنى: يصف عدوه وقومه بالشجاعة، يقول: لم أر مثل بني أسد حيا صباحا أكر على أعدائهم وأحمي لما يجب حمايته، ولا مثلنا فوارس أضرب بالسيوف منا.
إذا ما شددنا شدة نصبوا لنا صدور المذاكي والرماح المداعسا
[ ٢ / ٢٤٦ ]
شددنا شدة: حملنا حملة، والمداعس: الرماح الشداد. المعنى: يصف ثباتهم على خيلهم مشرعين رماحهم عند الحملة عليهم.
إذا الخيل جالت عن صريع نكرها عليهم فعما يرجعن إلا عوابسا
أي خيلنا جالت عن صريع أي انصرفت عن مقتول منا نكرها عليهم: أي نردها عليهم ثانية لنصرع منهم مثلما صرعوا منا، فما يرجعن إلا عوابسا: أي كوالحا. المعنى: يصف صبرهم على الحرب وانتصافهم من العدو.
(١٥٢)
وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني، جاهلي. الشارق: اسم صنم والشارق: الشمس كأنه عبد شمس.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا حييت عنا يا ردينا نحييها وإن كرمت علينا
يعني نفارقها وإن كرمت علينا، قال أبو رياش: إن رجلا إذا عرف بمحبة المرأة لم يزوجوها له، وإذا سلم عليها عرف أنه يحبها ويهواها، فقال: نسلم عليها وإن كان في السلام بأس منها، وهذا من إفراط شوقه وغلة هواه. وقال غيره: كان هذا الشاعر غائبا عن ردينة فحن إليها واشتاق إلى قربها فقال: ألا خصصت عنا يا ردينة بتحية منا، ثم قال معتذرًا من التسليم عليها في حالة الغيبوبة: نحييها وإن كرمت علينا أي وإن جلت عندنا من أن يتولى تحيتها غيرنا، غيرة منا عليها.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ردينة لو رأيت غداة جئنا على أضماتنا وقد اجتوينا
الأضمات: الأحقاد واحدها أضم، واجتوينا: يروى على ثلاثة أوجه، بالجيم والحاء والخاء، فمن روى اجتوينا أي دويت قلوبنا واحترقت أكبادنا من الغيظ، وهو افتعلنا من الجوى، ومن روى بالحاء معناه: ملأنا أيدينا من الغنائم من احتوى، ومن روى اختوينا بالخاء، فله تفسيران أحدهما: أن الأمعاء إذا امتلأت كان أخذ الطعن منها أكثر، والأخرى أن يكون خروج ذات البطن لما يخرج من النتن. المعنى: يقول: يا ردينا لو رأيتنا مقبلين إلى الحرب على الصفة التي ذكرناها لك لتعجبت منا، فترك جوابه على طريقة العرب.
فأرسلنا أبا عمرو ربيئا فقال ألا انعموا بالقوم عينا
ودسوا فارسا منهم عشاء فلم نغدر بفارسهم لدينا
الربيء والربيئة: الطليعة والجمع ربايا، فقال أبو عمرو ألا انعموا بالقوم عينا أي أن العدو في قلة من العدد، وقوله: دسوا فارسا: أي أخفوه. المعنى: يصف إنفاذ كل واحد من الفريقين رجلا ربيئا لهم، وهذه القصيدة من المنصفات كلما أثبت لقومه شيئا أثبت لعدوه مثله.
فجاءوا عارضا بردًا وجئنا كمثل السيل نركب وازعينا
الوازع: الكافي وجمعه وزعة، والوازع الذي يرد الخيل، ما شذ عنها وتفرق، وثنى فقال: وازعينا، وهو على وجهين أحدهما: أنه أريد به الكثرة فثنى على عادتهم في نحو لبيك وسعديك، والآخر: أن لكل من العسكرين وازعًا وهو
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أميرهم الذي يأمرهم وينهاهم. المعنى: يصف إقبال كل واحد من الفريقين على صاحبه بشدة وهيبة لا يرده شيء، وشبه قومه بالسيل وعدوه بالسحاب ذي البرد.
سمعنا دعوة عن ظهر غيب فجلنا جولًة ثم ارعوينا
فلما أن توافقنا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
فنادوا $$$$ إذ رأونا فقلنا أحسني ملًأ جهينا
بهثة: قبيلة من بني عبد الله، وبهثة: بطنان في العرب، بهثة في بني سليم وبهثة في بني ضبيعة ربيعة وهو ضبيعة أضجم، وهو في الغة ولد الزنا، ويروى "أحسنوا ملأ" أي أحسنوا خلقًا، وقوله: سمعنا دعوة عن ظهر غيب أي من قبل العدو ولم نر من يدعونا، فجلنا جلوة فلم نر أحدًا يبرز إلينا، ثم ارعونا أي كففنا عن الجولان. المعنى: يصف أن العدو دعوا بهثة قبيلتهم، ودعونا جهينة قبيلتنا، وبصف تواقفهم وانتصابهم للرمي حتى نفدت السهام قال:
فلما لم ندع قوسًا وسهمًا مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألو مزنة برقت لأخرى إذا حجلوا بأسياٍف ردينا
المعنى: يصف تواقفهم للرمي حتى نفدت السهام، وبطلت القسي، ثم تقاربهم بالسيوف اللامعة، وردينا أي مشينا بالنشاط.
شددنا شدًة فقتلت منهم ثلاثة فتيٍة وقتلت قينا
وشدوا شدًة أخرى فجروا بأرجٍل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جويٌن ذا حفاٍظ وكان القتل للفتيان زينا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
القين في اللغة الحداد، بأرجل مثلهم أي ثلاثة في العدد أي قتلوا ثلاثة ورموا جوينا أي أصابوه، وجوين: اسم رجل كأنه تصغير جون أي أسود أو أبيض، وكان القتل للفتيان زينًا لأنهم يموتون كرامًا ويمدحون به دائمًا. المعنى: يصف أصابتهم أربعة من أعدائهم، وإصابة أعدائهم منهم مثل ذلك العدد، ويرثي جوينا أخاه ويصفه بالمحافظة على الحرمات.
فآبوا بالرماح مكسراٍت وأبنا بالسيوف قد انحنينا
المعنى: يصف تساوي الفريقين في بطلان أسلحتهم، فهؤلاء رجعوا رماحهم مكسرًة، وأولئك انصرفوا وسيوفهم منحنية.
فباتوا بالصعيد لهم أحاٌح ولو خفت لنا الكلمى سرينا
الأحاح: صوت من الصدر شبه الأنين، والأحاح: العطش أيضًا أي صرعوا وبهم عطش، وهذا أحد ما جود الإنصاف وأخبر عن نفسه بما لحقه وعدوه.
المعنى: يصف تساوي الفريقين في الجراحات وعجزهم عن الحركة.
(١٥٣)
وقال بشر بن أبي العبسي حين غضب على بني زهير فعيرهم بداحس وشؤمها:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إن الرباط النكد من آل داحٍس كبون فما يفلحن يوم رهاٍن
جلبن بإذن الله مقتل مالٍك وطوحن قيسًا من وراء عمان
[ ٢ / ٢٥٠ ]
لطمن على ذات الإصاد وجمعكم يرون الأذى من ذلٍة وهوان
سيمنع منك السبق إن كنت سابقًا وتقتل إن زلت بك القدمان
الرباط: الخيل المربوطة ها هنا، واحدها ربيط، والنكد: جمع أنكد وهو القليل الخير، داحس: اسم فرس لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي، وحديثه معروف إلى أن قال قيس بن زهير للربيع بن زياد ارجعوا إلى قومكم فصالحوهم، فهو خير لكم من الغربة، فأما أنا فوالله ما أنظر في وجه غطفانية وقد قتلت أباها أو أخًا أو حميمًا لها، ثم فارقهم فلزم بريًة عمان حتى هلك هناك، وحديثه مشهور، وهذا معنى قوله: "وطوحن قيسًا من وراء عمان" ومعنى طوحن، بالواو أي اسقطن وذات الإصاد ردهة بين أجبل. وقال أبو سعيد السيرافي: ذات الإصاد الموضع الذي لطم فيه داحس فجنت تلك اللطمة حرب داحس والغبراء، وقوله: سيمنع يقول للعبسي: أن سبقت لم تعط السبق لأنه كان منتقلًا إلى ابن عمه حذيفة وأهل بيته، وأراد أنك لا تعط النصفة، وتقتل أن زلت قدماك يعني أن سبقت فمنعت قتلت. المعنى: يصف شؤم داحس والخيل التي كانت معه أنها لم تأت بخير عند المراهنة، ومن شؤمها قتل مالك بن زهير، ووقع قيس بن زهير في الغربة، ثم بين بقوله: "لطمن" ما فعل بداحس من الرد، وكان في ذلك ذلة وهوان لبني عبس، وإخراج الخطاب بلفظ الواحد في قوله: سيمنع منك السبق.
(١٥٤)
وقال غلاق بن مروان بن الحكم بن زنباع، غلاق فعال من غلق الرهن:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم وأجروا إليها واستحلوا المحارما
[ ٢ / ٢٥١ ]
فيا ليتهم كانوا لأخرى مكانها ولم تلدي شيئًا من القوم فاطما
وأجروا إليها: أي إلى القطيعة، وقوله: يا ليتهم كانوا، يعني يا ليت القوم الذين بيننا وبينهم نسب كانوا لامرأة أخرى، ثم صرف الخطاب إلى المواجهة فقال: ولم تلدي شيئًا من القوم، وفاطمة هذه بنت الحرث بن انمار بن بغيض كانت ولدت الكملة، وهم ربيعة الحفاظ، وأنس الفوارس، عمارة الوهاب، ومالك بنو زياد بن عبد الله، وإنما سموا كملة لأنهم كانوا سادة كاملين. المعنى: يلزم الذنب بني عبس بأنهم ابتدءوا فقطعوا الأرحام، ثم أخذ يتأسف على ما جرى يقول: ليت النسب لم يجمعهم فلم يكن يقع على قتل بعضهم بعضًا تأسف.
فما تدعي من خير عدوة داحٍس فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما
شأمتم بها حيى بغيٍض وغربت أباك فأودى حيث وإلى الأعاجما
وكانت بنو ذبيان عزا وإخوًة فطرتم وطاروا يضربون الجماجما
فأضحت زهيٌر في السنين التي مضت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
معنى فما تدعى: ما تفتخر من أمر داحس فهو شؤم عليك، ومن شؤمه إنك لم تنج سالمًا منها، يعني من العدوة، شأمتم بها أي بالعدوة، وحيي بغيض هما: عبس وفزارة، وكان قيس عبسيًا وحذيفة فزاريًا، يقال: شأم زيد القوم فهو شائم، وقوله: فأودى: أي هلك، وحيث وإلى الأعاجم أي جاورهم من الولي، ومعنى وغربت أباك يعني قيس بن زهير أبعدته عن أهله، ويروى "وعزبت" أي أبعدت، ولا يدعون إلا الاشائما أي لا يسمون.
(١٥٥)
وقال الماسور بن هند بن قيس بن زهير، والمساور: المواثب والمعربد قاله ابن الأعرابي، وهند مرتجل من هنيدة، وهي مائة من الإبل:
[ ٢ / ٢٥٢ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
أودى الشباب فما له متقفر وفقدت أترابي فأين المغبر
وأرى الغواني بعد ما أوجهنني أعرضن ثمت قلن شيٌخ أعور
ورأين رأسي صار وجها كله إلا قفاي ولحيةً ما تضفر
ورأين شيخًا قد تحنى ظهره يمشي فيقعس أو يكب فيعثر
ماله متقفر، ماله مطلب في موضع القفر، وأكثر ما يجيء المؤنث، والمغبر مدر من غبر يغبر إذا بقي يريداني هالك فما بعد المشيب وفقد الأشكال إلا الموت، وقوله: صار وجهًا كله أي نشأ الصلع حتى عم رأسي، ولحية ما تضفر: استعار الضفر للمشط لأن اللحية لا تضفر، ويحتمل أن يكون قد معرت حتى لا يمكن $$$$ وتشنج أخادعه أو يكب على وجهه فيعثر من العثار. المعنى: يصف ذهاب شبابه ودنو أجله وإعراض الغواني عنه بعد إكرامهن إياه لشبابه، ويصف سقوط شعر رأسه، ونقصان شعر لحيته وانحناء صلبه ومشيه راكعًا، كل ذلك من نتاج الهرم.
لما رأيت الناس هروا فتنة عمياء توقد نارها وتسعر
وتشعبوا شعبًا فكل جزيرٍة فيها أمير المؤمنين ومنبر
هروا فتنة أي كرهوها، وجعل الفتنة عمياء لأنه لا يبصر فيها الحق كقولهم ليل نائم، وتشعبوا أي تفرقوا فرقًا مختلفين، يعني أيام عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الذي قتل يوم مرج راهط، وذلك لما مات يزيد بن معاوية تفرقت الفرق وتقاتلت. المعنى: يقول: لما رأيت الناس كرهوا فتنة مظلمة، تعظم وتنتشر وتفرق الناس فرقًا الناس فرقًا مختلفة، وكل جزيرة فيها أمير المؤمنين يدعو إلى نفسه، ومنبر يخطب عليه اكتفيت أنا بعبس، فحذف جواب لما، ولم يقل أمير للمؤمنين لأنه حكي ما يستعمل في الكلام كأنه قال: فيها رجل يقول: أنا أمير المؤمنين.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ولتعلمن ذبيان إن هي أدبرت أنا لنا الشيخ الأغر الأكبر
ولنا قناٌة من ردينة صدقةٌ زوراء حاملها كذلك أزور
أدبرت: يعني عن الحق، وعنى بالشيخ الأغر الأكبر زهير بن جذيمة أو قيس ابن زهير، وقيل: أنه أراد نفسه وهذا غير صحيح، ويروى "الأعز"، ولنا قناة ضربة مثلًا للشدة والمنعة، وردينة امرأة السمهري، وزوراء معوجة لا يقدر على تقويمها. المعنى: يفتخر برئيسهم، ويظهر استغناءه بقومه من بني ذبيان، ويصف منعة قومه وتعززهم.
(١٥٦)
وقال عروة بن الورد العبسي، الورد: الفرس يضرب إلى الحمرة، وجمعه ورد، ويسمى هذا عروة الصعاليك.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قلت لقوٍم في الكنيف تروحوا عشية بتنا عند مأوان رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم إلى مستراٍح من حماٍم مبرح
تروحوا: اخرجوا رواحًا، قال ابن الأعرابي: مأوان واد فيه ماء بين النقرة والربذة، فغلب عليه الماء فسمي مأوان لقوم رزح في الكنيف تروحوا. المعنى: قلت لقوم معينين عشية بتنا عند مأوان، أخرجوا رواحًا لتبلغوا الغنى أو تستريحوا بالموت.
ومن يك مثلي ذا عياٍل ومقترًا من المال يطرح نفسه كل مطرٍح
ليبلغ عذرًا أو يصيب رغيبًة ومبلغ نفٍس عذرها مثل منجح
[ ٢ / ٢٥٤ ]
رغيبة: أي ما يرغب فيه وجمعها رغائب. المعنى: يعتذر لنفسه في الإبعاد بطلب الرزق لبلوغ عذر كي لا ينسب إلى العجز والتواني فإما أن يصيب مالًا وإما أن يعذر والموت والنجح سيان.
(١٥٧)
وقال أيضًا، والأصح أنها لأبي الأبيض العبسي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ألا ليت شعري هل يقولن فوارس وقد حان منهم يوم ذاك قفول
تركنا ولم يجنن من الطير لحمه أبا الأبيض العبسي وهو قتيل
يعني تركنا أبا الأبيض وهو غير مجنون لحمه أي مستور لحمه. المعنى: يتمنى قيل الفوارس: تركناه مقتولًا مبذولًا لحمه للطير، يخبر أنه صاحب أقدام في الحروب وجرأة، فلا يبالي حتى يصير هكذا، ويروى "ولم نجنن" بالنون.
وذي أمل يرجو تراثي وإن ما يصير له مني غدًا لقليل
ومالي ماٌل غير درٍع ومغفٍر وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأسمر خطي القناة مثقٌف وأجرد عريان السراة طويل
أقيه بنفسي في الحروب وأتقي بهاديه إني للخليل وصول
وأبيض: يريد السيف، وأقيه بنفسي: يعني فرسه، والسراة الظهر.
المعنى: يصف قلة ماله وإن وارثه لا يرث من تركته شيئًا إلا درعًا ورمحًا وفرسًا طويلًا، يحفظه في الحروب، ويتقي به من العدو.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
(١٥٨)
وقال قيس بن زهير، جاهلي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لعمرك ما أضاع بنو زياٍد ذمار أبيهم فيمن بضيع
بنو جنيٍة ولدت سيوفًا صوارم كلها ذكٌر صنيع
شرى ودي وشكري من بعيٍد لآخر غالٍب أبدًا ربيع
وهذه الأبيات قالها قيس بن زهير يشكر الربيع بن زياد الكامل قيامه ونصرته في حروب داحس والغبراء ويمدحه، وذلك أن الربيع قد كان ساوم قيسًا على درع له والربيع راكب وقيس راجل، فلما وضعها على قربوصية ركض فرسه فمضى بها، فلما انتجعوا أخذ قيس بن زهير زمام ناقة أمه فاطمة بن الخرشب الأنمارية يريد أن يرتهنها بدرعه، فقالت: أين ضل حلمك يا قيس؟ ترجو الصلاح فيما بينك وبين زياد وقد ذهبت بأمهم يمنة ويسرة، وقال الناس ما شاءوا، وحسبك من شر سماعه، فذهب مثلًا، فعلم قيس أنها صدقت فأرسلها وأغار على إبل الربيع فاستاقها، وكان هذا بينهما. فلما قتل حذيفة بن بدر مالك بن زهير ظن قيس أن الربيع لا يقوم معه، يطلب ثأر أخيه لما بينهما من الشحناء، فلما قام معه قال قيس: "شري ودي وشكري من بعيد" أي كان ما بيني وبينه بعيدًا، فألقى العداوة وراء ظهره، ونصرني للرحم والقرابة، وقوله: لآخر غالب يعني لآخر ما بقي من بني غالب، وغالب عبس والذمار: الحفاظ، وبنو جنية: أي هم في الشهامة كأنهم ولد الجن، ويروى "بنو حنية" بالحاء، والحن قبيلة من الجن، وبنو حن حي من
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قضاعة، وهو حن بن دراح من أخواله قصي بن كلاب. المعنى: يمدح بني زياد ويشكر الربيع ويصفهم برعاية الحرم وشبههم بالسيوف الماضية.
(١٥٩)
وقال هدبة بن الخشرم العذري، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إني من قضاعة من يكدها أكده وهي مني في أمان
ولست بشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان
سأهجو من هجاهم من سواهم وأعرض منهم عمن هجاني
السفساف: الردئ من الشعر، مدره الحرب: المدافع عن أصحابه فيها.
المعنى: يصف مساعدته ويتمدح بالدفع عن أصحابه وأنه لا يجازي قومه بالإساءة إليهم، ويجازي غيرهم على ما يكون منه من الإساءة.
(١٦٠)
وقال عمرو بن كلثوم، جاهلي، كلثوم فعلول من الكلثمة، وهي غلظ الوجه.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا على هالٍك أو أن نضج من القتل
وإنما قال هذا لأن الجزع عند العرب عار. المعنى: يصف جلادتهم وصبرهم حتى لا يجزع من القتل ولا ينوح نساؤهم.
قراع السيوف بالسيوف أحلنا بأرٍض براٍح ذي أراٍك وذي أثل
المعنى: يقول: مضاربتنا بالسيوف آمنتنا الأعداء، فلا نتحصن خوفًا منها، ولكننا ننزل الفضاء ولا نخاف أحدًا، وقيل: معناه محاربتنا بني أبينا أجلتنا عن أوطاننا فأحلتنا بدار الغربة.
فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوى جذم أذواٍد محذفة النسل
ملمال: أراد من المال، الجذم: الأصل، ومعنى محذفة النسل: مقطوعة الأولاد.
ثلاثة أثلاٍث فأثمان خيلنا وأقواتنا وما نسوق إلى العقل
ويروى "إلى القتل" ثلاثة أثلاث أي أموالنا ثلاثة أثلاث ما نسوق إلى القتل لأجل القتل، أي ما نعطي في الديات ونتحمل من المغارم، وثلثه ثمن الخيل، وثلثه للقوت والضيافة.
(١٦١)
وقال المثلم بن عمرو التنوخي، المثلم، المكسر، تنوخ فعول من تنخ بالمكان- بالتشديد والتخفيف- إذا أقام به.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
إني إبى الله أن أموت وفي صدري هم كأنه الجبل
يمنعني لذة الشراب وإن كان قطابًا كأنه العسل
حتى أرى فارس الصموت على أكساء خيل كأنها الإبل
وإن كان قطابًا: أي ممزوجًا من الشراب، وشبهه بالعسل في حلاوته، فارس الصموت يعني نفسه، والصموت: اسم فرسه، والأكساء: الأدبار واحدها كسي. المعنى: إني لا أموت وفي صدري هم عظيم كأنه جبل لا أجد معه لذة الشراب، وإن كان طيبًا كالعسل حتى أراني في أدبار خيل هزمتها، اطردها أطراد الإبل.
لا تحسبني محجلًا سبط السـ اقين أبكي أن يظلع الجمل
إني امرٌؤ من تنوخ ناصره محتمٌل في الحروب ما احتملوا
محجلًا له معنيان أحدهما الذي يحجل أي يسكن الحجلة كالمرأة المخدرة، والثاني محجلًا أي مخلخلًا عليه خلخال هو الحجل- بالكسر- سبط الساقين: ممتد الساقين. المعنى: يصف قوته وجلادته وقيامه بأمر الحرب كما تقوم به تنوخ يقول: لا تظنني كامرأة مخدرة ممتدة الساقين تعجز عن المشي، ثم بين أن ناصره من تنوخ، وأنه يقوم بأمر الحرب قيامهم: فضمن البيت مدحه ومدح قبيلته.
(١٦٢)
وقال عبد الله بن سيرة الحرشي، ويروي الجرشي بالجيم، السبرة: الغداة الباردة، والجرشي منسوب إلى جريش موضع باليمن، إسلامي:
[ ٢ / ٢٥٩ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا شالت الجوزاء والنجم طالٌع فكل مخاضات الفرات معابر
وإني إذا ضن الأمير بإذنه على الإذن من نفسي إذا شئت قادر
المخاضات: جمع مخاضة، المعبر: موضع العبور. المعنى: يقول: إذا اشتد الحر وقلت المياه عبرت الفرات، ولم يمنعني خوف الغرق، وإذا بخل على الأمير بإذنه قدرت على الإذن من نفسي بالانصراف عن بابه وهربت من سلطانه.
(١٦٣)
وقال الربيع بن زياد العبسي، جاهلي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
حرق قيٌس على البلا د حتى إذ اضطرمت أجذما
جنية حرٍب فما تفرج عنه وما أسلما
[ ٢ / ٢٦٠ ]
غداة مررت بآل الربا ب تعجل بالركض أن تلجما
قيس: يعني قيس بن زهير، حتى إذا اضطرمت البلاد شرًا أجذما أي اعتزل عنا، ومعنى أجذم كف وأقلع، يقال: حرقت الأرض وأحرقتها، والمعنى أنه هرب ولم يفعل قيس ما أخبر عنه الربيع، والجنية: الجناية جناها أي جرها، وقوله: فما تفرج عنه وما اسلما أي لم يخذل قيس ولم يسلم لمن أراده من الأعداء. وروى القاسم الديمرتي الرباب- بفتح الراء- وقال: هي امرأة، وروى غيره بالكسر يعني قبيلته، وتعجل أي تعجل أن تلجم فرسك من الفزع. المعنى: يشكو قيس ابن زهير جنايته الحرب واعتزاله عنها، ويصف أنهم لم يسلموه للعدو، ولم يتفرقوا عنه، وصرف شدة الفزع في آل الرباب، ويروى "فما يفرج".
وكنا فوارس يوم الهريـ ر إذ مال سرجك فاستقدما
عطفنا وراءك أفراسنا وقد أسلم الشفتان الفما
إذا نفرت من بياض السيو ف قلنا لها أقدمي مقدما
يوم الهرير من أيامهم مال سرجك لانهزامك، لم تقدر أن تصلحه، أي عطفنا عليك لننجيك لما انهزمت، وقوله: أسلم الشفتان الفما أي كلح كل واحد ما نريد، يعني أكرهناها على الإقدام. المعنى: يصف ثبات أصحابه يوم الهرير ما نيد، يعني أكرهناها على الأقدام. المعنى: يصف ثبات أصحابه يوم الهرير وانهزام من يخاطبه حتى تقدم سرجه، ويصف منهم عليه بعطفهم عليه لتخليصه عند اشتداد الأمر وإكراههم الخيل على الإقدام إذا نفرت من لمع السيوف.
(١٦٤)
وقال الشنفرى الأزدي، جاهلي:
[ ٢ / ٢٦١ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لا تقبروني إن قبري محرٌم عليكم ولكن أبشري أم عامٍر
إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقي ثم سائري
هنالك لا أرضى حياة تسرني سجيس الليالي مبسلًا بالجزائر
قوله: ولكن أبشري أم عامر، فيه قولان أحدهما: أبشري أنت يا أم عامر بأكلي إذا تركت ولم أدفن، وأم عامر الضبع [والثاني اتركوني للتي يقال لها ابشري أم عامر]، ويروى "خامري أم عامر" أي استتري وتواري، وذلك أن الضبع إذا صيدت يقال لهم: ليست الضبع ها هنا، وقوله: إذا احتملت رأسي يعني الضبع، وفي الرأس أكثري يعني أن الرأس مجموع الحواس السمع والبصر والذوق والشم والنطق والعقل، ويقال معنى وفي الرأس أكثري أن الرأس يعرف وحده من غير جسد، والجسد لا يعرف بلا رأس، وقوله: هنالك لا أرجو يعني بعد القتل وتفريق الأجزاء لا أرجو حياة تسرني أي البعث بعد الموت في القيامة، وكانت العرب على مذاهب مختلفة، منهم من أقر بالبعث ومنهم من ينكر، ويحتمل أن يكون مقرًا بالبعث ولكنه لا يحمد عاقبته لكثرة جرائره فقال: لا أرجو حياة تسرني، لم ينف الحياة أصلًا، وإنما نفى حياة تسره، وقوله: مبسلًا أي مسلمًا، وسجيس الليالي: آخر الليالي، أي امتداد الدهر، وذلك أن الشيء إذا طالت مدته تغير في غالب الأمر
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فكأنه قال: لا أكلمك إلى آخر المدة التي يتغير فيها الدهر. المعنى: يصف شجاعته وقلت اكتراثه بالموت يقول: لا تدفنوني في قبري، فإنه حرام عليكم دفني، ولكن اتركوني تأكلني الضباع وهي تأكل الجيف، وقيل بل مراده ادفنوني، وذلك إنه يخاطب أعداءه الذين قتلوه وهو يعلم أنهم لا يطيعونه فيما يقول فقال: لا تدفنوني حتى يدفنوه، وقيل: بل مراده الحث على طلب ثأره، وذلك إن قتل وترك بالفضاء ولم يدفن كأن أشد على قومه وادعى لهم إلى الطلب بثأره، وقال: لا أرجو حياة تسرني بعد أكل الضبع رأسي، إذا صرت بتلك الحالة لا أحيا بعد ذلك آخر الدهر، وقيل: إن الشنفرى من منكري البعث.
(١٦٥)
وقال تأبط شرًا، واسمه ثابت بن عميثل:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
وقالوا لها لا تنكحيه فإنه لأول نصٍل أن يلاقي مجمعا
فلم تر من رأٍي فتيلًا وحاذرت تأيمها من لابس الليل أروعا
قال الأصعمي: "كان تأبط شرًا ابن أبي طرفة الهذلي، وهو ثابت بن جابر وهو من فهم"، وفهم وعدوان أخوان، وكان خطب امرأة من بني عبس فأرادت نكاحه ووعدته، فلما جاءها وجدها قد تغيرت فقال لها: ما غيرك؟ قالت: والله إن الحسب لكريم ولكن قومي يقولون: ما تصنعين برجل يقتل عنك أحد اليومين وتبقين بلا زوج، فانصرف عنها وهو يقول الأبيات ولابس الليل يعني نفسه لأنه يسري فيه. المعنى: يصف شهرته بالشجاعة وتعرضه للموت حتى قيل للمرأة
[ ٢ / ٢٦٣ ]
التي خطبها: لا تنكحيه فإنه يقتل إذا لقي جميعًا، لم سفه رأيها فقال: لم تر شيئًا من رأٍي وحاذرت تأيمها أي أن تصير مني أيما:
قليل غرار النوم أكبر همه دم الثأر أو يلقى كميًا مسفعًا
يماصعه كٌل يشجع قومه وما ضربه هام العدا ليشجعا
قليل ادخار الزاد إلا تعلًة وقد نشز الشرسوف والتصق المعا
يبت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
السفع: المغير اللون، ويروى "مشيعًا" أي هو جريء كأنه معه من يشيعه، وروى البرقي "مقنعًا"، وهو الذي عليه المغفر، وزعم أنه أجود، ويماصعه يقالته بالسيف ويشجعه ينسبه إلى الشجاعة، ويروي "يجالده" أي يحاربه، ويروي "كٌل يشجع يومه" أي يوصف بشجاعته في اليوم الذي لقي فيه عدوه، وقوله: وما ضربه أي لا يريد بالقتال الذكر، وإنما يريد به الذب عن قومه، وإلا تعلًة أي القدر علقة من القوت، والشراسيف رؤوس الأضلاع، والتصق المعافى الجنب للضمر والهزال، يعني ليس هو بمتنعم رهل، ولكنه قليل الزاد من الطعام خفيف اللحم على العظام. المعنى: يصف قلة نومه من شدة همه في طلب الثأر أو يمارس شجاعًا قد تعود الشجاعة، وبين أن ضربه هام العدا ليس للذكر، ومدح نفسه بأنه لا يدخر الزاد إلا مقدار ما يتعلل به، وقد أثر ذلك فيه، وأنه قد ألف البعد عن الناس حتى ألفته الوحش إلا أنه لا يحمي لها مرتعًا.
رأين فتًى لا صيد وحٍش يهمه فلو صافحت إنسًا لصافحنه معا
على غرٍة أو جهرٍة من مكانٍس أطال نزال القوم حتى تسعسعا
ومن غير بالأعداء لابد أنه سيلقى بهم من مصرع القوم مصرعا
المكانس: واحدها مكنس وهو ما يستتر به من الحر والبرد، ويروي "مكانس" وحتى تسعسع أي ذهب أكثره، ويروي "تشعشع" أي تفرق، وقيل:
[ ٢ / ٢٦٤ ]
تشعشع أي طال، ومن يغر بالأعداء أي يولع بهم. المعنى: يصف أن الوحش ألفنه لطول صحبته إياها، لأنه لا يخيفها حتى كادت تصافحه غفلة وعلانية إن دخل معهن الكناس، وقد أثر فيه النزال حتى ضمر ثم قال: من تكلف محاربة الأبطال لابد أن يهلك على أيديهم.
ولكن أرباب المخاض يشفهم إذا اقتفروه واحدًا أو مشيعا
وإني وإن غمرت أعلم أنني سألقى سنان الموت يبرق أصلعا
يشفهم: يغمهم، مشيعًا أي في جماعة، أصلعًا أي ضاحيًا ظاهرًا لا يستره شيء، ويروى في البيت الأول مشنعًا بالنون، ويفسر أنه لابس السلاح، وليس بجيد. المعنى: يصف الفتى الذي ذكر أن صيد وحش لا يهمه، ويقول: أنه يستاق الإبل مغيرًا عليها، فهو يؤذي أرباب المخاض ويبرح بهم إذا اتبعوه واحدًا أو معه أصحابه أي يخافونه على كل حال، ثم ذكر إن غايته الموت وإن طال عمره.
(١٦٦)
وقال بعض بني قيس بن ثعلبة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
دعوت بني قيٍس إلى فشمرت خناذيذ من سعٍد طوال السواعد
إذا ما قلوب الناس طارت مخافًة من الموت أرسوا بالنفوس المواجد
بنو قيس هم الذين وصفهم رسول الله ﷺ بالفروسية فقال: "لله فرسان في السماء وفرسان في الأرض، ففرسانه في الأرض، قيس بن ثعلبة"، والخنذيذ: الكريم يستعمل في الرجال والخيل. المعنى: يمدح بني قيس بالشجاعة وأنهم دعاهم إلى الحرب فأسرعوا إليها، ووصفهم بطول الأيدي وإنهم يثبتون في الحرب إذا فر الجبان.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وقال جحدر بن مالك بن ضبيعة بن قيس بين ثعلبة جد طرفة:
(من مرفل الكامل والقافية من المتدارك)
يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في الـ نجدات والفرس الوقاح
والنثرة الحصداء والـ بيض المكلل والرماح
وتساقط التنواط والـ ذنبات إذ جهد الفضاح
والكر بعد الفر إذ كره التقدم والنطاح
أراد يا بؤس الحرب، وأراهط: حي من العرب، استراحوا: أي تركوا الحرب، ولجاحمها أي شدة حرها، والتخيل: التكبر، والنجدات: الشدائد، الفرس الوقاح: هو الصلب الحافر، والمكلل: الذي ركب على رأسه حديد وغيره، والتنواط: ما يعلقه القارس من المزادة وغيرها، وأراد به الأدعياء والملحقين، والذنبات: السقاط من الناس، والفضاح: الفضيحة. المعنى: يتعجب من وضع الحرب إحياء من بني قيس بن ثعلبة لأن الرجل إذا لم يثبت في المعركة وضعت منه، ومعنى فاستراحوا إنهم لا يعاودون فكر الحرب، ثم بين أن الحرب لا يبقى لشدتها الاستطالة والنشاط، وإنما يبقى لها الفتى الكثير الصبر في الشدائد والفرس الصلب الحافر، والدرع المحكمة، والبيض المكلل والرماح، كأنه يعيبهم بالتقاعد عن الحرب، ويصفهم بالجبن والعجز وقلة السلاح، ثم قال: وتساقط المعلقين بقوم ليسوا منهم.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح
فالهم ببيضات الخدو ر هناك لا النعم المراح
من صد عن نيرانها فأنا ابن قيٍس لا براح
كشفت لهم عن ساقها مثل: أي اشتدت الحرب، بيضات الخدور: الجواري المخدرة، والبراح ضد الثبات. المعنى: يصف حال الأواهط التي وضعتها الحرب ويقول اشتدت بهم الحرب، وخلص لهم الشر فلم يهمهم إلا نساؤهم دون أموالهم، ثم دل على شجاعته وثباته فقال: من أعرض عن نيرانها [فأنا ابن قيس لا براح لي فيها ولا انحراف].
صبرًا بني قيٍس لها حتى تريحوا أو تراحوا
إن الموائل خوفها يعتاقه الأجل المتاح
هيات حال الموت دو ن الفوت وانتضي السلاح
حث بني قيس على الصبر في الحرب حتى تريحوا قومكم بالذب عنهم أو تراحوا بالقتل، الموائل: جمع موئل، وهو ما يفزع إليه، يعتاقه الأجل المتاح: أي يمنعه من الفوز الأجل المقدر فلا ينجو إذا حان أجله، فما يغنيه توقيه وجبنه حال الموت أي لا فوت من الموت، المعنى: يصبر بني أبيه، ويخبرهم أن الجبن لا ينجي من الموت، وأن الأجل المقدر لا يقع معه الفوت والنجاة، وقد جرد السلاح وجاء الأجل المقدر فلن يفوته من قدر له الموت.
يا ليلًة طالت على تفجـ عًا فمتى الصباح
فمتى الحياة إذا خلت منا الظواهر والبطاح
أين الأعزة والأسنة عند ذلك والسماح
بئس الخلائف بعدنا أولاد يشكر واللقاح
[ ٢ / ٢٦٧ ]
البطاح جمع الأبطح وهو السهل من المكان. المعنى يتألم من طول الليل ويتمنى الصباح ويتحزز لسادة قومه وأعزتهم وكرامهم ويذم بني يشكر.
(١٦٨)
وقال جحدر وهو ربيعة بين صبيعة وجحدر القصير، وهو لقب له، واسمه ربيعة، قال هذه الأبيات يوم التحالف، وهو يوم معروف من أيام بكر وتغلب، وحلقت بكر بن وائل رؤوسها استسلامًا للموت، وجعلوا ذلك علامة لهم، وأعطوا النساء الأداوي والهراوي وقالوا لهن: إذا رأيتن صريعًا محلوق الأراهط فاسقينه وأنعشنه فإنه منا، وإذا رأيتن غير ذلك فاضربنه بالهراوي حتى تجهزن عليه، وكان جحدر رجلًا دميمًا، وكانت له لمة حسنة فقال: دعوا لمتي بأول فارس يطلع من الثنية فتركوا لمته، فقطعت بكر بن وائل على القوم فقاتلوا قتالًا شديدًا، وأتاهم جحدر فحمل عليهم وهو يقول:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
ردوا على الخيل إن ألمت
إن لم أطاردها فجزوا لمتي
قد يتمت بنتي وآمت كنتي
وشعثت بعد الدهان جمتي
ثم أصابته جراحات فارتث صريعًا فيما يذكرون، فمرت به نساء بني بكر بن وائل يطفن في الجرحى والقتلى، فوجدنه ذا لمة فقتلنه وهن يحسبن أنه من بني
[ ٢ / ٢٦٨ ]
تغلب، ويروى "ردا وردوا" بالجمع. المعنى: يصف شجاعته وحرصه على لقاء العدو، وبعد من نفسه المناجزة، ويروي "إن لم أناجزها" ويروي "إن لم أطاعنها".
قد علمت والدتي ما ضمت
ولففت في خرق وشمت
أمخدٌج في الحرب أم أتمت
إذا الكماة بالكماة التفت
شمت: بالشين من الشم، ويروى "سمت" بالسين غير المعجمة، المعنى: قالت والدتي في حال صغري وشهامتي ما يكون مني في الحرب إذا اختلفت الكماة لأن آثار شهامتي كانت ظاهرة.
(١٦٩)
وقال شماس بن أسود الطهوي لضمرة بن ضمرة النهشلي، وشماس من
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الشموس، وهو اضطراب الدابة إذا أريد ركوبها.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أغرك يومًا أني قال ابن دارٍم وتقصى كما يقصى من البرك أجرب
وتقصى: تنحى، والبرك: الإبل الباركة. المعنى: أيكفيك من الحسب أن تنتسب إلى دارم لا تأنف إلا إذا أبعدت لؤمًا كما يبعد الجرب من الإبل، أي ما ينفعك شرف آبائك مع دناءة نفسك.
قضى فيكم قيٌس بما الحق غيره كذلك يخزوك العزيز المدرب
فأد إلى قيس بن حسان ذوده وما نيل منك التمر أو هو أطيب
ويروي "نوس" وهو اسم رجل، وقوله: العزيز المدرب: أي من كان القهر من عادته. يصفه بالذل والعجز عن الانتصار، يقول: ظلمك نوس في حكمه عليك وأرغمك رد الذود على حسان، ولم يأمر رد أخذ منك، فصار ذلك لهم كالتمر في الحلاوة لأنه لا تبعة عليه.
فالا تصل رحم ابن عمرو بن مرثٍد يعلمك وصل الرحم غضٌب مجرب
المعنى: إن لم ترع حق القرابة حملت على رعايتها بالسيف قهرًا، وهذا كقولهم: "الطعن يظأر").
(١٧٠)
وقال حجر بن خالد بن قيس بن ثعلبة، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وجدنا أبانا حل في المجد بيته وأعيا رجالًا آخرين مطالعه
فمن يسع منا لا ينل مثل سعيه ولكن متى ما يرتحل فهو تابعه
يسود ثنانًا من سوانا وبدؤنا يسود معدًا كلها ما تدافعه
ويروى "جل في المجد بيته". المعنى: يصف نفسه وآباءه بالشرف والمجد العالي، وأنه يعجز عن مثل مجد أبيه، ثم بالغ في ذلك بأن قال: غير السيد منا سيد غيرنا، والسيد من غيرنا ليس بسيد فينا، ثم قال: معد لا تدفع عن ذلك بل تقربه لنا.
ونحن الذين لا يروع جارنا وبعضهم للغدر صٌم مسامعه
لا يروع جارنا: لا يخوف ولا يفزع لعزنا وذبنا عنه، وقوله: وبعضهم للغدر صم مسامعه، أي بعض الناس لا يبالي بالذم فكأنه أصم لأنه لحبه للغدر لا يسمع اللوم فيغدر بجاره.
ندهدق بضع اللحم للباع والندى وبعضهم تغلي بذم مناقعه
ويحلب ضرس الضيف فينا إذا شتا سديف السنام تستريه أصابعه
ندهاق: قالوا: نزود في القدر بالغليان الشديد، ويروي "ندهمق"، المناقع: جمع منقعة، وهي قديرة صغيرة حجرية تكون للبن يطرح فيها اللبن والتمر، ومعنى يحلب ضرس الضيف أي ينزل بنا فنطعمه السنام، وهو السديف، وقيل: بل معناه ينزل بنا الضيف فنطعمه سديف السنام فهو مضغه ويخرج دسمه فكأنه يحلبه، وتستريه: أي تختاره من الشيء السري الجيد. المعنى: يصف كرمهم وإطعامهم الضيف إذا جاءهم في الجدب بما يعد عندهم من الطعام.
منعنا حمانا واستباحت رماحنا حمى كل حي مستجيٍر مراتعه
أي مستجيرة، ويروى بالماء، كأنه التفاف العشب من الكثرة. المعنى: يصف عزهم وغلبتهم غيرهم حتى حفظت ديارهم وأبيح حمى غيرهم، ويروى "حمى كل قوم".
[ ٢ / ٢٧١ ]
وقال أيضًا:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لعمرك ما ألياء بن عمرٍو بذي لونين مختلف الفعال
غداة أتاه جباٌر باٍد معضلٍة وحاد عن القتال
ففض مجامع الكتفين منه بأبيض ما يغب عن الصقال
ألياء: اسم رجل، وغداة أتاه جبار باد يروي على أربعة أوجه: "بعبد" و"بإد" و"ابن عبد" و"عنيد" ولكل وجه، والاد: الداهية والشر، والعنيد: العادل عن الحق، ومعضلة نعت لاد، لأنه روى "معضلة" و"مغفلة" كأنه استغفله لما أتى جبار الياء، ومجامع الكتفين أي ضربه بذي وجهين وإن كان جبار بن عبد أتاه بداهية فقتله ألياء.
فلو أنا شهدناكم نصرنا بذي لجٍب أزب من العوالي
ولكنا نأينا واكتفيتم ولا ينأى الحفي عن السؤال
المعنى: لو حضرناكم نصرناكم بجيش كثير الرماح، ولكن بعدنا عنكم فاكتفيتم بقوتكم ولم نبعد عن السؤال عنكم.
(١٧٢)
وقال غسان بن وعلة أحد بني مرة بن عتاب، غسان من الغس، وهو الضعيف أو من الغسنة، وهي الخصلة من الشعر، والوعلة أمنع موضع في الجبل:
[ ٢ / ٢٧٢ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا كنت في سعٍد وأمك منهم غريبًا فلا يغررك خالك من سعٍد
فإن ابن أخت القوم مصغى اناؤه إذا لم يزاحم خاله بأٍب جلد
يعني سعد بن زيد مناة بن تيم، ومصغى اناؤه أي ممال. المعنى: إذا كنت غريبًا في سعد وأمك منهم فلا تعتمد أخوالك فإن الرجل إذا لم يقابل خاله باب جلد ينقص حقه ويظلم.
(١٧٣)
وقال بعض جهينة في وقعة كانت لكلب مع فزارة، إسلامي.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا هل أتى الأنصار أن ابن بحدٍل حميدًا شفى كلبًا فقرت عيونها
وأنزل قيسًأ بالهوان ولم تكن لتقلع إلا عند أمٍر يهينها
فقد تركت قتلى حميد بن بحدٍل كثيرًا ضواحيها قليلًأ دفينها
فأنا وكلبا كاليدين متى تقع شمالك في الهيجا تعنها يمينها
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ضواحيها: بوادرها جمع ضاحية. المعنى: يصف إيقاع حميد بن بحدل ببني فزارة وإذلاله قيس بن عيلان وإكثاره القتل منهم، ثم وصف مساعدة جهينة كلبًا وجعلهما بمنزلة اليمين والشمال أي هم يد واحدة على من عاداهم.
(١٧٤)
وقال المنخل بن الحرث اليشكري المنخل: المخلص، والناخلة: الخالصة:
(من مرفل الكامل والقافية من المتواتر)
إن كنت عاذلتي فسيري نحو العراق ولا تجوري
لا تسألي عن جل ما لي واسألي كرمي وخيري
ويروي "ولا تحوري" ويروي "وانظري حسبي وخيري" قوله: فسيري هو عندهم من مكان الطلاق أو يقول: نحو بيتك لا تحوري أي لا ترجعي، ومعنى لا تجوري لا تعدلي، المعنى: يخاطب امرأته وينهاها ويقول: إن كنت تعذليني فأنت طالق، ثم افتخر بكرمه وأمرها بالسؤال عنه وهو أمر المال. ويجوز أن يكون معنى فسري نحو العراق أي لي بها آثار من الكرم والشجاعة فسيري نحوها تخبري
[ ٢ / ٢٧٤ ]
بذلك.
وفوارٍس كأوار حر النـ ار أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهم في كل محكمة القتير
واستلأموا وتلببوا ان التلبب للمغير
وعلى الجياد المضمرا ت فوارٌس مثل الصقور
يخرجن من خلل الشعا ب يجفن بالنعم الكثير
أقررت عيني من أولـ ئك والكواعب بالعبير
وإذا الرياح تناوحت بجوانب البيت الكسير
الفيتني هش اليديـ ن بمري قدحي أو شجيري
الأوار: الوهج، والذكور يعني الخيل القرح، لأن الذكر أثبت في الحرب وأشجع عند الضرب من الأنثى، وشدوا دوابر بيضهم جمع دابرة، وكانت لبيضهم حلق يوثق في الدروع كالكلاليب مخافة أن يسقط إذا أجروا الخيل، وأراد بمحكمة القتير: الدروع والقتير: رؤوس المسامير التي كعيون الجراد، واستلأموا: أي لبسوا اللؤم: يعني الدروع، وتلببوا أي تحزموا، وقوله: يخرجن من خلل الشعاب يروي "يخرجن من قحم الشعاب" جمع قحمة وهي كل أمر شديد، ويجفن: يسرعن من الوجيف، ويروي "الفوائح بالعبير" يعني النساء المتطيبات أقررت عيني منهن منعمًا معهن، هش اليدين أي ضعيف اليدين، والمري: المسح من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب، والشجير: القدح يكمن مع القداح، وتناوحت أي تقابلت شمالًا مرة وجنوبًا مرة، وصبا أخرى، وسميت النساء نوائح لتقابلهن، والبيت الكسير: الذي له كسور واحدها كسر- بكسر الكاف وفتحها-
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وهو ما مس الأرض من هداب الخيم، وإنما يريد به إذا اشتد وكان الشتاء لأن الرياح عند ذلك تختلف. المعنى: يصف شجاعته وتنعمه وأنه أقر عينه بفوارس متأهبين مدججين في السلاح على خيل كالصقور خفة قد تعودوا انتهاب النعم وأقر عينه بجوار متنعمات، ويصف جوده في شدة البرد وزمان الجدب، وأنه خفيف اليدين في الميسر يضرب القداح الذي جربه والذي لم يجربه حبًا للندى، لأن العرب كانت تبخل من لم يدخل في الميسر وتسميه البرم.
ولقد دخلت على الفتاة ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر فل في الدمقس وفي الحرير
يعكفن مثل أساود الـ تنوم لم تعكف لزور
فدفعتها فتدافعت مشيي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست كتنفس الظبي العقير
فدنت وقالت يا منخل ما بجسمك من حرور
ما شف جسمي غير حبك فاهدئي عني وسيري
يعكفن ويعكفن: لازمن، ولم يعكفن لزور فيه قولان: أحدهما لم يعكفن لزينة لغير أزواجهن، وقال الأصمعي: يعني أن شعورهن لم يخلط بها شعر غيرهن وصلا ويكون زورًا، مشي القطاة إلى الغدير: أي مشت متأنية، وقيل: أراد إسراعها لأن القطاة تسرع إلى الماء، والظبي العقير: المرمي، وهو يلهث على ذلك، ويروي كتنفس الظبي البهير أي المبهور، ومن حرور أي من حمى، وروى الأصمعي "عن عرور" وهو قلة اللحم، وقوله: ما شف جسمي: أي ما ترين من هزال وتغير لوني من حبك، وقوله: فاهدئي عني وسيري أي من المسألة عن حالي فقد كفاك ما عرفتك من ذلك، وقيل سيري معناه اسمحي بما أريده منك وهذا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
تعسف في التأويل، وقيل: سيري من السيرة الجميلة أي خذي نفسك بالجميل.
المعنى: يصف تنعمه بالجارية ومغازلته كما فسرنا.
وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
يا هند من لمتيم يا هند للعاني الأسير
المعنى: يصف تساويهما في المحبة وطول ملازمته إياها حتى ألف بعيره ناقتها، ثم قال: من يحسن إلى المتيم إن لم تحسني ومن يطلق أسر الحب إن لم تطلقي، يتلطف لها ويتخضع إليها، وفي هذه القصيدة أبيات رواها بعضهم في هذا الكتاب وهي:
ولقد شربت من المدا مة بالصغير وبالكبير
وشربت بالخيل الانا ث وبالمطهمة الذكور ذ
وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
قال ثعلب عن ابن الأعرابي إنه أراد تصغير ماله وتكبيره ولم يرد إناء، ومما يحقق هذا الرواية التي تقول "ولقد شربت الخمر بالعبد الفصيح وبالأسير" يقول: اشتريت بثمن العبد الخمر وفديت الأسير، ويقال: الصغير والكبير الدراهم والدنانير، والخورنق فارسي معرب وأصله خرنقا أي موضع الأكل والشرب والسدير أيضًا فارسي معرب: أي سد لي أي ثلاث قباب متداخلة، والشويهة تصغير شاة وأصله شوهة. المعنى: يصف شربه الخمر بأمواله ويذكر اختلاف حالتي السكر والصحو.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
(١٧٥)
وقال باعث بن صريم، صريم تصغير صرم، وهو أبيات من الناس مجتمعة:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
سائل أسيد هل ثأرت بوائٍل أم هل شفيت النفس من بلباها
إذ أرسلوني مائحًا بدلائهم فملأتها. علقًا إلى أسبالها
قوله: هل ثأرت بوائٍل أي طلبت قاتله، إذ أرسلوني هذا مثل أي بعثوني طالبًا بترتهم، والمائح: المستقي الذي يدخل ليجمع الماء في الدلو، والمانح الذي يسقي على رأس البئر. فملأتها أي ملأت الدلاء ماء إلى أعاليها، والعلق: الدم نفسه أي أكثرت من القتل حتى بلغت مرادكم وزدت. المعنى: يصف شجاعته وإدراكه الثأر بوائل المقتول وإكثاره القتل به.
إني ومن سمك السماء مكانها والبدر ليلة نصفها وهلالها
آليت أثقف منهٌم ذا لحيٍة أبدًا فتنظر عينه في مالها
يعني والله لأنه رافع السماء سمك أي رفع، وليلة نصفها فيه قولان: إما نصف السماء وإما نصف أيام الشهر وهو الأصح، وجاز أن يكنى عن الأيام ولم يتقدم لها ذكر لأن لفظة البدر دلت عليها. وقوله: آليت أثقف منهم ذا لحية أي لا أثقف منهم، وجاز حذف لا ها هنا لأن جواب القسم إما أن يكون نفيًا أو إيجابًا والإيجاب باللام، فإن تعرى منها كان نفيًا إلا إذا طال الكلام فإنه يجوز حذف اللام، ومعنى أثقف أجد. المعنى: إنه لا يصيب منهم رجلًا فيتركه حيًا مبالغة في التهدد.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وخمار غانية عقدت برأسها أصلًا وكان منشرا بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيم متغطرس أبديت عن خلخالها
عقدت برأسها أي سكنت منها حتى اطمأنت نفسها فعقدت خمارها برأسها لا أنه عقده بيده، ولكنه كان سببًا له، وكان منشرًا أي كان الخمار منشرا بشمال الغانية، وعقيلة البيت أي امرأة كريمة، يسعى عليها قيم يعني الزوج، ويجوز أن يكون المراد به الأب وسائر الأولياء، متغطرس أي متكبر، أبديت من خلخالها، أي امرأة كريمة، يسعى عليها قيم يعني الزوج، ويجوز أن يكون المراد به الأب وسائر الأولياء، متغطرس أي متكبر، أبديت من خلخالها، أي فزعتتها حتى هربت، فشمرت عن ساقها للهرب فبدا خلخالها. المعنى: يصف شجاعته ويقول: رب غانية استنقذتها من العدو فسكنت منها، ورب جارية كريمة من الأعداء أزعجتها عن خدرها حتى تكشفت عن ساقها فبدا خلخالها.
وكتيبة سفع الوجوه بواسل كالأسد حين تذب عن أشبالها
قد قدت أول عنفوان رعيلها فلففتها بكتيبة أمثالها
سفع الوجوه: متغيرة ألوان الوجوه لملازمة السلاح، الرعيل: القطعة من الخيل. يصف شجاعته وبسالته ولفه الخيل بالخيل.
(١٧٦)
وقال الفند الزماني:
(من الهزج الأول والقافية من المتواتر)
أيا طعنة ما شيخ كبير يفن بال
تقيم المأتم الأعلى على جهد وإعوال
ولولا نبل عوض في خصماتي وأوصالي
[ ٢ / ٢٧٩ ]
لطاعنت صدور الخيـ ـل طعنًا ليس بالآلي
ترى الخيل على آثا ـر مهري في السنا العالي
ولا تبقي صروف الدهـ ـر إنسانًا على حال
تفتيت بها إذ كـ ـره الشكة أمثالي
كجيب الدفنس الورها ء ريعت بعد إجفالي
إنما كتبنا هذه الأبيات كلها لأن قوله: تفتيت بها راجع إلى الطعنة التي ذكرها في أول القصيدة، وبينهما اعتراض كثير، يفن: ضعيف، البالي: المسن الهرم، المأتم الأعلى: المصيبة الكبرى، والإعوال البكاءـ ونبل عوض يعني حوادث الدهر، وعوض مبني على الضم والفتح، وإنما سمي الدهر عوضًا لأنه كلما مضى منه جزء خلفه جزء كالعوض من الأول، ويروى ها هنا "عوض" مصروفًا للضرورة، خضماتي: جمع خضمة وهي كل لحمة غليظة، ويروى "خضباتي" على الإبدال، والأوصال: الأعضاء واحدها وصل بكسر الواو، وقوله ليس بالآلي أي المقصر، وقوله ترى الخيل البيت يريد أن الخيل إذا كانت في آثار مهري تابعة غباره فقد بلغت السنا العالي، ويكفيها أن تدعى لمهري، ويجوز أن يكون المعنى إني رئيس أتقدم القوم فيتبعوني سائرين في ضوء سنا الأسنة وغيرها من السلاح، ويجوز أن يكون أراد بالسنا ضوء الغبار الذي يرتفع من سنابك الخيل، وقوله: تفتيت بها: تخلقت بأخلاق الفتيان، والشكة السلاح كله، وذلك لأنه طعن رجلين على فرس فانتظمها برمحه في حرب البسوس، والدفنس المرأة الحمقاء، شبه الطعنة بجيب المرأة الحمقاء لأنها لا يزر عليها قميصها ولا سيما إذا فزعت. المعنى: تعجب من طعنة طعنها على شيخوخته كما يطعن الشباب وأشكاله يكرهون حمل السلاح لضعفهم، وشبه تلك الطعنة بجيب المرأة الحمقاء إذا فزعت واعترض في ذلك بالاعتذار بقوله ولولا تأثير الدهر في لبالغت في الطعنة، ثم افتخر أنه قائد الخيل وأنها تتبعه.
(١٧٧)
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
[ ٢ / ٢٨٠ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أخوك أخوك من يدنو وترجو مودته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي وزاد سلاحه منك اقترابا
أخوك أخوك إن شئت جعلت الثاني بدلا وإن شئت جعلت الثاني خبرًا عن الأول، أي إنما يستحق أن تدعو الرجل أخاك إذا كان في الحقيقة كما قال، وهذا مثل قول أبي النجم "أنا أبو النجم وشعري شعري". المعنى: يذكر في البيتين الأولين أن المحبة إذا لم تكن بالطبع وكانت بمغالبة النفس سئمت المغالبة، وكذلك العطاء إذا كان في عتاب يخشى رغب عنه الناس وتركوا العتاب، ويستزيد أخاه في البيت الثاني، وبين له ما يجب للأخ على أخيه، ويدل على أن من كان بهذه الصفة لا يجب أن يعرض، يقول: أخوك يمحض مودتك ويحسن معونتك، ويساعدك على الشدائد.
وكنت إذا قريني جاذبته حبالي مات أو تبع الجذابا
المجاذبة: المماذة، ويروى مكان مات "طاح" أي سقط. المعنى: يصف قوته وغلبته الأقران، يقول: كنت إذا قرنت بصعب من الناس فنازعني غلبته حتى انقاد لي صاغرًا أو قطعت عنقه فمات.
بمثلي فاشهد النجوى وعالن بي الأعداء والقوم الغضابا
فإن الموعدي يرون دوني أسود خفية الغلب الرقابا
كأن على سواعدهن ورسًا علا لون الأشاجع أو خضابا
الموعدي الذين يوعدونه ويتهددونه، خفية اسم موضع بعينه، والغلب: الغلاظ العناق، المعنى: يمدح نفسه ويصف هيبته في قلوب أعدائه، يقول: أعدائي يرون دوني أسودًا غلاظ الرقاب، ويجوز أن يكون المراد بذلك أصحابه،
[ ٢ / ٢٨١ ]
ويحتمل أن يكون المراد به أعدائي لا يدنون مني كأنهم يروني أسود خفية، ثم بين أنها قد تعودت الفرس والقتل فقال كأن على سواعدهن ورسا أي زعفرانًا، ويقال: بل الورس شيء يشبه الزعفران، والأشاجع عروق ظاهر الكف.
فإن أهلك فذي حنق لظاه علي يكاد يلتهب التهابا
مخضت بدلوه حتى تحسى ذنوب الشر ملأى أو قرابا
الحنق بفتح النون أفصح وبكسر النون أيضًا يقال، لظاه يعني نار عداوته، مخضت بدلوه أي سقيته دلوًا من الشر فتحسى أي شيء بعد شيء، وقال بدلوه وعنى بها الدلو التي سقاه بها. المعنى: بلغت مرادي من أعدائي، وأحللت بهم نهاية الشر فإن أمت فرب مغتاظ علي بلغت منه غاية المكروه.
(١٧٨)
وقال سلمي بن ربيعة من بني السيد من بكر بن سعد بن ضبة جاهلي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
[ ٢ / ٢٨٢ ]
حلت تماضر غربة فاحتلت فلجأ وأهلك باللوى فالحلت
وكأن في العينين حب قرنفل أو سنبلًا كحلت به فانهلت
فلجا يعني واديًا بطريق البصرة بينها وبين مكة. المعنى: يصف مفارقته من يحبها وهي تماضر، ودوام البكا لأجل ذلك يقول: حلت تماضر مكانًا بعيدا منك، لأنها حلت فلجا وحل أهلك الحلت، وبينهما مسيرة عشر ليال، "ويروى "أو فلفلًا".
زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
تربت يداك وهل رأيت لقومه مثلي على يسري وحين تعلتي
رجلًا إذا ما النائبات غشينه أكفى لمعضلة من مطاه وعلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس نهلت قناتي من مطاه وعلت
أبينوها تصغير بنيها على غير قياس، المطا الظهر. المعنى: يصف شهامته وجلالته، وأن أحدًا لا ينوب منابه، ويسفه رأي تماضر -في زعمها- أن بنيها يسدون مكانه، ويدعو عليها بالخيبة.
ثم افتخر بقيامه في أمور الناس على اختلاف أحواله، وكفايته الداهية العظيمة، وطعنه في ظهر المنهزم الطعنة النافذة، وأخرج قوله: "وهل رأيت" مخرج الاستفهام لأنه أبلغ من الإفصاح بالخبر.
وإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالق بيدي من قمع العشار الجلة
[ ٢ / ٢٨٣ ]
تقنعت بالدخان لأنها تصطلي به من شدة البرد، ولا يكون ذلك إلا في الشتاء، وملت أي كببت استعجالا من كلب الجوع وقلة صبرها، والقمع أعالي السنام الواحد قمعة، والجلة المسان من الإبل. المعنى: يصف كرمه وجوده، وأنه إذا اشتد البرد وعظم القحط ستر ضعة القوم، فدارت القداح بيده بأرزاق السؤال من أسنمة الإبل.
ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها وكفيت جانيها اللتيا والتي
وصفحت عن ذي جهلها ورفدتها نصحي ولم تصب العشيرة زلتي
وكفيت مولاي الأحم جريرتي وحبست سائمتي على ذي الخلة
رأبت أصلحت، وثأى العشيرة فسادها، واللتيا والتي يعني الداهية الصغيرة والكبيرة، واللتيا بفتح اللام وضمها، ورفدتها نصحي أعنتها بنصحي، والأحم الأقرب، لا يجوز غيره، ومن روى بالجيم فقط غلط عند أكثر العلماء، وقال بعضهم بالجيم حسن، أي لم أجن على من لم يحمل السلاح كما يظلم القوي الضعيف، وحبست سائمتي على ذي الخلة أي لم أسرح إبلي دون الفقير، ولكني إذا رأيت ذا الحاجة أعطيته منها ما سد خلته، والهاء في جانيها ضمير العشيرة.
(١٧٩)
وقال أبي بن سلمي بن ربيعة بن زبان، ويقال أبان، وزبان فعلان من الزبن، وقيل: الزب والزبب وهو كثرة الشعر.
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
وخيل تلافيت ريعانها بعجلزة جمزى المدخر
جموم الجراء إذا عوقبت وإن نوزقت بزرت بالحضر
سبوح إذا اعترمن في العنان مروح ململة كالحجر
[ ٢ / ٢٨٤ ]
دفعن إلى نعم بالعرا .. ق من حيث أفضى به ذو شمر
فلو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر
ريعان كل شيء أوله، معجلزة أي صلبة شديدة، جمزى المدخر أي سريعة الجري الثاني كأنه ادخره من الجمز وهو الوثوب، ومنه الجمازة، عوقبت فوعلت من العقب وهو الجري الثاني، يقال: فرس ذو عقب إذا كان بهذه الصفة، ونوزقت من النزق وهو الجري الأول، والنزق الخفة والنشاط، ململة مجتمعة، ويروى "البراق" وهو موضع، وذو شمر، بفتح الشين والميم وقيل: ذو شمر يعني فرسًا.
فما سوذنيق على مربأ خفيف الفؤاد حديد النظر
رأى أرنبًا سنحت بالفضاء فبادرها ولجات الخمر
بأسرع منها ولا منزع يقمصه ركضه بالوتر
السوذنيق: من جوارح الطير وهو الشاهين وهو السواذق أيضًا، والمربأ المكان المرتفع، والخمر المكان الكثير الشجر يستر من دخله واستتر فيه، وقوله بأسرع منها يعني فرسه، ويقمصه أي يزعجه، وركضه بالوتر أي دفع الوتر إياه عند النزع، والباء زائدة. المعنى: يصف فرسه بالسرعة والخفة وحدة النظر، وجعلها أسرع من سوذنيق انقض على أرنب، وجعلها أسرع من سهم فارق الوتر.
(١٨٠)
وقال زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب ابن نخالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن ربيعة بن ضبة:
[ ٢ / ٢٨٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تألى ابن أوس حلفة ليردني على نسوة كأنهن مفائد
قصرت له من صدر شولة إنما ينجي من الموت الكريم المناجد
يقول: حلف ابن أوس حلفة ليأسرني ويردني إلى نسوته المهازيل، شبههن بالمفائد وهي السفافيد واحدها مفأد وهو السفود، ويقال: المفائد المساعير وهي التي تحرك بها النار، وابن أوس هو قيس بن أوس بن حارثة بن لأم، وذلك أن زيد الفوارس خرج في خيل من ضبة، فمر ببني جديلة من طيء ولم ينزل فأرسل أوس بن حارثة ابنه قيسًا ليردهم فجد قيس في أثره! حتى إذا لحقه نادى قيس بن أوس يا زيد ارجع، قال زيد: الام ارجع؟ قال قيس: واللات والعزى لأردنك أسيرًا إلى نسوة تركتهن، فلم يكترث زيد ومضى، وكان ابن مرهوب أحد بني هاجر بن كعب على فرس بطيء في اخريات الناس، فلما لحقته خيل طيء نادى زيدًا، وزيد في أوائل خيل ضبة على فرس له تدعى شولة، فعطف زيد على ابن مرهوب، وقال له: كن عن شمالي، فإنني سأكفيك القوم فلحقتهم طيء فاقتتلوا ساعة، ثم إن زيد الفوارس حمل على رئيسهم زيد بن أوس فطعنه في جبهته فخر ميتًا، وشدت عليهم خيل بني ضبة. وقوله: ينجي من الموت أي يخلص، والمناجد: الشجاع المقاتل من النجدة وهي الشجاعة. المعنى: يصف شجاعته واحتياله على عدوه وتخليصه نفسه بعد قربها من الموت ولحوق العدا به، ويروى "من بطن شولة".
دعاني ابن مرهوب على شنء بيننا فقلت له إن الرماح مصايد
أي يصاد بها الأرواح، وإنما قال له في البيت بعده: كن عن شمالي فخض الشمال لأن الضرب والطعن والرمي في العطف وما شاكل ذلك من الجانب الأيسر
[ ٢ / ٢٨٦ ]
أمكن وأيسر منه على الجانب الأيمن، فأمره أن يقف على موضع يمكنه الذب عنه، وقيل فيه وجه آخر وهو أن القلب في الجانب الأيسر فقال كن في الجانب الذي أنا معني به. المعنى: افتخر بأنه ذب عن ابن مرهوب حين استصرخه على ما كان بينهما من العداوة، وهذا شرح البيت الذي بعده.
وقلت له كن عن شمالي فإنني سأكفيك إن ذاد المنية زائد
(١٨١)
وقال الرقاد بن المنذر الضبي، جاهلي، ويقال الرقاد وهو مصدر رقد إذا نام:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد علمت عوذ وبهثة أنني بوادي حمام لا أحاول مغنما
ولكن أصحابي الذين لقيتهم تعادوا سراعًا واتقوا بابن أزنما
فركبت فيه إذ عرفت مكانه بمنقطع الطرفاء لدنا مقوما
ولو أن رمحي لم يخني انكساره جعلت له من صالح القوم يوءما
أي أني طالب ثأر لا أطلب غنيمة ولا نهبًا، ولكن أصحابي تعادوا سراعا أي كفوا عني وجعلوا بيني وبينهم ابن أزنم، أي انهزموا وجعلوا ابن أزنم جنة لهم من أنفسهم ويروى "تفادوا" من الفداء، أي فدى بعض أصحابي بعضهم وخذلوني، فركبت أي طعنته رمحًا لدنا لينًا، ومنقطع الطرفاء موضع بعينه.
المعنى: يفتخر بأنه طالب بالثأر دون طالب المال، ويذكر شجاعته، وأنه طعن ابن أزنم، ولو لم ينكسر رمحه لثناه برجل شريف من حيه، وهم يفتخرون بأن يقتلوا الأشراف أو يقتلهم الأشراف، ولهذا قالت أخت عمرو بن عبد ود لما سئلت عن
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قاتل أخيها فقالت: علي بن أبي طالب، وأرادت بذلك الافتخار.
ولو أن في يمنى الكتيبة شدتي إذا قامت العوجاء تبعت مأتما
الشدة الحملة. المعنى: يقول لو حملت على الكتيبة في يمناها لقتلت ابن العوجاء فكانت أمه تقيم عليه المأتم.
(١٨٢)
وقال أيضا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا المهرة الشقراء أدرك ظهرها فشب الإله الحرب بين القبائل
وأوقد نارًا بينهم بضرامها لها وهج للمصطلي غير طائل
إذا حملتني والسلاح مشيحة إلى الروع لم أصبح على سلم وائل
قدى لفتى ألقى إليَّ برأسها تلادي وأهلي من صديق وجامل
ويروى "أركب ظهرها" أي جاز أن يركب، فشب يدعو بأن يهيج الله الحرب بين الناس، بعد إدراك مهرته، لأنه لم يكن له مركوب غيرها، المشيحة المجدة، وقد أشاح إذا حد، وقوله: على سلم وائل يعني صلح ربيعة، وقوله ألقى إلي برأسها أي وهبها يعني المهرة، وتلادي رفع بخبر الابتداء. المعنى: يتمنى وقوع الحرب بين القبائل إذا صلحت مهرته للركوب لأنه فارس إذا ركب فرسًا مجدًا في السير لم يسالم أعداءه، ثم دعا لمن أعطاه هذا الفرس.
(١٨٣)
وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار، شمعلة منقول من
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الناقة المشمعلة، وهي الجادة الماضية، وهبيرة تصغير هبرة، وهي القطعة من اللحم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ويوم شقيقة الحسنين لاقت بنو شيبان آجالًا قصارا
شككنا بالرماح وهن زور صماخى كبشهم حتى استدارا
فخر على الالاءة لم يوسد وقد كان الدماء له خمارا
وأوجرناه أسمر ذا كعوب يشبه طوله مسدًا مغارا
الحسنان نقيان بالدهناء، والشقيقة: الرملة المستطيلة، وهو الجبل أضافهما إلى الحسنين وهما كثيبان أحدهما يسمى الحسن كالقمرين والعمرين، شككنا شققنا، والالاءة شجرة تنبت في الرمل، ولهذا خبر طويل ومحاربة جرت بين بسطام وبطن من ضبة وعاصم بن خليفة من ضبة ركض فرسه نحو بسطام، وجعل يسقط عليه مهب الريح، فلما حاذاه جمع يديه فى رمحه ثم رماه بفرسه، فطعنه في صماخ أذنه حتى أنفذ الى جانبه الآخر، فخر صريعًا على شجرة تسمى ألاءة، وزور من ازور، وقد كان الدماء له خمارًا أي صبً دماؤه على موضع الخمار منه، المعنى: يصف إيقاعهم ببني شيبان، وقتلهم رئيسهم بسطام بن قيس وطرحهم إياه على الشجر الذي سماه، وقوله: أسمر ذا كعوب يريد به الرمح والمسد المغار المستحصن الفتل، والمغار المفتول يشبه الرمح به.
(١٨٤)
وقال حسيل بن سجيح الضبي، ويروى بالشين وهو ابن زمعة بن شييم بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد بن سعد بن بكر من ضبة، وحسيل تصغير حسل وسجيح تصغير أسجح مرخم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٢ / ٢٨٩ ]
لقد علم الحي المصبح أنني غداة لقينا بالشريف الأحامسا
جعلت لبان الجون للقوم غاية من الطعن حتى آض أحمر وارسا
وأرهبت أولى القوم حتى تنهنهوا كما ذدت يوم الورد هيما خوامسا
الأحامس: بنو عامر بن صعصعة الواحد أحمس، نبزوا في ذلك لتشددهم في دينهم، والحمس قريش، والجون فرس حسيل ها هنا، وغاية من الطعن أي جعلت صدر فرسي غاية لرماحهم ونبلهم لم يجاوزوني. حتى آض أي صار صدر الفرس الأدهم أحمر من كثرة الدم عليه والوارس ذو الورس يقال: هو الزعفران، وأرهبت أي خوفت أوائلهم بشدتي عليهم، حتى تنهنوا أي كفوا، يقول: دفعت الخيل عني كما دفعت يوم الورد ابلًا عطاشًا عن الماء، وقد أبصرته فهي تتزاحم عليه. المعنى: يصف شجاعته في الحرب وقد جرح وقد جرح فرسه، ويذكر دفعه العدو بجهد واندفاعهم عليه بشدة.
بمطرد لدن صحاح كعوبه وذي رونق عضب يقد القوانسا
وبيضاء من نسج ابن داود نثرة تخيرتها يوم اللقاء الملابسا
وحرمية منسوبة وسلاجم خفاف ترى عن حدها السم قالسا
فما زلت حتى جنني الليل عنهم أطرف عني فارسًا ثم فارسا
بمطرد يعني برمح مستو لا أود فيه، لدن أي لينّ، من نسج ابن داود وهو غلط العرب لأن الدروع من نسج داود، ونثلة ونثرة أي واسعة، وسلاجم أي نصال طوال وقوله: ترى عن حدها السم قالسًا أي تقذف بالسم، والقلس القيء، وهذا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
على وجهين أحدهما أنها تقتل كما السم، والآخر أنها مسمومة، وقد أكثر من سمها حتى كأنها تقيء به. المعنى: يصف أعماله ضروب الأسلحة: الرمح والسيف والقوس والسهم وممارسته القوم إلى أن سترته ظلمة الليل، والحرمية ضرب من القسى.
ولا يحمد القوم الكرام أخاهم الـ ـعتيد السلاح عنهم أن يمارسا
العتيد السلاح: الحاضر. المعنى: ليس المراد أن القوم لا يحمدون أخاهم الحاضر أن يمارس عنم، وإنما أراد أنه لا يجد أن يحمدوه إذا كان حاضر السلاح، لأنه إذا كان كذلك أي شيء يعمل سوى الحرب والدفع عن القوم. يقول: لا أمنن عليهم بما فعلت لأني كنت كامل الأداة.
(١٨٥)
وقال محرز بن المكعبر الضبي، محرز نعت من أحرزت الشيء، والمكعبر من كعبرت الرمح قطعت كعابره، وهي عقد أنابيبه:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
نجي ابن نعمان عوفا من أسنتنا ايغاله الركض لما شالت الجذم
حتى أتى علم الدهنا يواعسه والله يعلم بالصمان ما جشموا
حتى انتهوا لمياه الجوف ظاهرة ما لم تسر قبلهم عاد ولا إرم
[ ٢ / ٢٩١ ]
إيغاله الركض أي إمعانه في ركضه الفرس منهزمًا ومتابعته ذلك، والجذم بقايا السياط الواحدة جذمة. وشالت ارتفعت يعنى المنهزمون كانوا يرفعون سياطهم على دوابهم ضربًا لينجوا حتى تقطعت وبقيت الأصول في أيديهم، وعلم الدهنا جبل لبني ضبة يقال له: > والدهناء يمد ويقصر، ويواعسه أي يركض في الوعساء وهي الأرض الرخوة ذات رمل، والصمان موضع بعينه يقول: أتى ذلك المكان، والله أعلم ما تكلفوه من السير وما لحقهم من التعب في ذلك الموضع حتى انتهوا إلى مياه الجوف ظاهرة أي ظهيرة، ما لم يسر قبلهم عاد ولا ارم لسرعة سيرهم وحملهم التعب على أنفسهم لينجوا. المعنى: يصف شدة فزع العدو منهم حتى تكلفوا هذا الهرب البعيد، وان ابن نعمان نجاه إيغاله في الهرب.
(١٨٦)
وقال عامر بن شقيق بن كوز بن كعب بن نخالة بن ذهل بن مالك الضبي.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فانك لو رأيت ولن تريه أكف القوم تخرق بالقنينا
بذي فرقين يوم بنو حبيب نيوبهم علينا يحرقونا
كفاك النأي مما لم تريه ورجيت العواقب للبنينا
تخرق تجرح ويروى > من الخرق وهو ضد الرفق أي لعجلتهم، والقنين والقنون جمع قناة وجمعت بالواو والنون، وذو فرقين هضبة من بلاد بني أسد وتميم بين طريق البصرة والكوفة. المعنى: يخاطب امرأة ويصف لها شدة الحرب على
[ ٢ / ٢٩٢ ]
القوم يقول: لو رأيت بذي فرقين تخارق القوم كفاك قتلهم وبعدهم لأنه لا بعد أبعد من القتل، ويئست من رجالك ورجوت البنين أن يخلفوا آباءهم لانقطاع الطمع فيهم.
(١٨٧)
وقال أبو تمامة بن عازم الضبي ويقال عازب:
(الثاني من المتقارب والقافية من المتدارك)
رددت لضبة أمواهها وكادت بلادهم تستلب
بكر المطي وإتعابه وبالكور أركبه والقتب
أخاصمهم مرة قائما وأجثو إذا ما جثوا للركب
وان منطق زل عن صاحبي تعقبت آخر ذا معتقب
أفر من الشر في رخوة فكيف الفرار إذا ما اقترب
وتروى > ويروى > وأجشو مثل، يريد أقابلهم في الخصومة أن قامت قمت وان جثت جثوت، وقوله: وان منطق يريد وان أخطأ صاحبي الذي أذب عنه تعقبت أي أخذت وجهًا آخر ويروى > ويروى > أي أخذت في طريق ضيق لا يسلكها معي غيري، لأن العرقوب طريق ضيق في الوادي، والجثو القيام على الركب ويروى > أي متطلع من العتبة وهي الدرجة أي لي فيه درج أعتب فيه بالحجة حتى ألقى خصمي بالعويص، ومعنى أفر من الشر في رخوة أي أترك الشر ما وجدت عنه منصرفًا فإذا وقعت فيه لم أجد بدًا من استعماله، وأراد بالشر ها هنا الحجة أي أفر من الحجة أن ثقبت علي، فإذا ثبتت لا يمكن الفرار منها. المعنى: يصف جلادته في الخصومة ومحاجته في الدفع، ويعتذر بقوله أفر من الشر مما أتاه من الخصومة، ويذكر في أول البيت منته على َضبة برد مياههم عليهم.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(١٨٨)
وقال أبو ثمامة أيضًا:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
قلت لمحرز لما التقينا تنكب لا يقطرك الزحام
أتسألني السوية وسط زيد ألا إن السوية أن تضاموا
فجارك عند بيتك لحم ظبي وجاري عند بيتي لا يرام
لا يقطرك أي لا يصرفك الزحام على قطر أي جانب، يقول: انك ضعيف لا تثبت لمزاحمة الرجال فاعدل عن طريقي كي لا تصرع، وزيد رهط من ضبة، وأن تضاموا أن تظلموا يقول: أتطلب مني أن أنصفك وإنصافي لك أأظلمكم لما سبق منكم، والعرب تفتخر بالظلم وتعيب من لا يظلم، وقوله فجارك عند بيتك أي جارك ذليل يتناوله من يطلبه فهو بمنزلة لحم صيد، وجاري عزيز لا يوصل إليه.
(١٨٩)
وقال عبد الله بن عنمة الضبي ويروى لحاتم الطائي، وعنمة واحدة العنم، قال أبو عبيدة هي أطراف الخروب الشامي:
[ ٢ / ٢٩٤ ]
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهم كما يراه بنو كوز ومرهوب
إن تسألوا الحق نعط الحق سائله والدرع محقبة والسيف مقروب
وان أبيتم فانا معشر أنف لا نطعم الخسف إن السم مشروب
فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا إذا يرد وقيد العير مكروب
إن يدع زيد بني ذهل لمغضبة نغضب لزرعة إن الفضل محسوب
السيد هو ابن ضبة، وزيد من ذهل بن شيبان يقول: إن السيد لا تعظم زيدًا كما يعظمه بنو كوز وبنو مرهوب، وقوله: والدرع محقبة أي في الحقيبة، وقوله: مقروب من قربت السيف وأقربته اذا جعلته في قرابه، والخسف والخسف الضيم يقال: سامه الخسف اذا قهره، والخسف لا يطعم، ولكنه لما أراد أن يقول: السم مشروب جعل ذلك مطعومًا للمقابلة، ومكروب مداني من كربت القيد إذا قصرته بعقود أي يجعل العقد قيدا له، والفضل محسوب أي معدود، يطلب ما تمنعون مثلًا بمثل وعددًا بعدد، ويروى > وهو العدد الكثير، أي احتسب بعددي على عددك حتى تعلم أن قومي أكثر عددًا من قومك، وبنو ذهل قوم زيد، والمغضبة الأمر يغضب له. المعنى: نحن نسمح بالإنصاف من غير قتال فمن نازعنا بعد ذلك لم ننقد له، وضرب مثلًا للمتعدي، وأراد بالحمار نفس من يخاطبه يقول: انته عن التعدي إلى ما ليس لك من جهتنا فيلحقك الذل العظيم، وان تدع زيد قومها لأمر يغضب أجبنا نحن لقومنا أيضًا إذا دعونا وغضبنا لهم لأن الفضل يحسب.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وقال عبد الله بن عنمة أيضًا:
(الثاني من البسيط والقافية متواتر)
أبلغ بني الحارث المرجو نصرهم والدهر يحدث بعد المرة الحالا
أنا تركنا فلم نأخذ به بدلا عزًا عزيزًا وأعمامًا وأخوالا
لا تجعلونا إلى مولى يحل بنا عقد الحزام إذا ما لبده مالا
المعنى: يتلهف على مفارقته عشيرته بني الحارث، وانه كان عزيزًا فيما بينهم فقارقهم وقدر أنه يستغني عنهم، فذاق وبال أمره، وبين له خطا رأيه في فراقهم، وذكر أنه كان يأخذ حقه من غير ظلم لحقه وسط تلك القبائل الكثيرة كالسيل في الوادي، ثم خاطب قومه فقاله: لا تقيسونا إلى ضعف لا ناصر له.
(١٩١)
وقال الأخضر بن هبيرة الضبي، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا أيهذا النابح السيد إنني على نأيها مستبسل من ورائها
[ ٢ / ٢٩٦ ]
دع السيد إن السيد كانت قبيلة تقاتل يوم الروع دون نسائها
على ذاك ودوا أنني في ركية تجذ قوى أسبابها دون مائها
السيد: قبيلة، وفي المثل > أي أن الشريف يكون له من اللئام من يذمه مستبسل: مستكره من وراء السيد ويروى > أي مقدم، والركية حظيرة عظيمة تحفر للماء. المعنى: يخاطب الذي يذم السيد وينهاه عن ذمها، ويبين له أنه مناضل عنها، ثم وصف السيد بالشجاعة والمحافظة على الحرم في البيت الثاني، ثم شكا في البيت الثالث السيد وذكر أنهم يتمنون هلاكه مع دفاعه عنهم.
(١٩٢)
وقال سنان بن الفحل أخو بني أم الكهف من طيء:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
وقالوا قد جننت فقلت كلا وربي ما جننت وما اننشيت
ولكني ظلمت فكدت أبكي من الظلم المبين أو بكيت
فان الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
[ ٢ / ٢٩٧ ]
هذا رجل من طيء نوزع من قومه في ماء لبني الكهف من جرم طيء فأكثروا النزاع ورام الدفاع فقالوا له: مجنون أنت أم سكران فقال: فقالوا: قد جننت ثم تبرأ من الجنون والسكر بقوله: وربى ما جننت وما انتشيت، وقوله وبئري ذو حفرت وذو طويت، هذه لغة طيء، ويقولون: > وللمؤنث > ومعنى ذو حفرت أي حفرها أسلافي وقومي، لأن ما فعله قومه فكأنه فعله.
وقبلك رب خصم قد تمالوا على فما هلعت ولا دعوت
ولكني نصبت نصبت لهم جبيني وآلة فارس حتى قريت
وتمالوا: تعاونوا، ولا دعوت أي ما دعوت غيري مستنصرًا به بل قهرته بنفسي، ثم بين مقاومته لخصمه على اختلاف أحواله فقال: ولكني نصب لهم جبينى أي جادلتهم باللسان ما جادلوني به، وآلة فارس وهى الحربة، حتى قريت أي منعت الماء أي غلبتهم على الماء. المعنى: يقطع طمع خصمه عن أن يلغبه، وبين أن خصمًا كثيرًا راموا قمعه فلم يقدروا، وتعاونوا عليه فكفاهم بنفسه، ولم يستنصر عليهم غيره، وأنه جادلهم باللسان ما جادلوه به، ثم عمد إلى السلاح لما احتاج إليه حتى قهر خصمه وحصل مراده.
(١٩٣)
وقال جابر بن حريش، إسلامي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد أرانا يا سمي بحائل نرعي القري فكامسا فالأصفرا
فالجزع بين ضباعة فرصافة فعوارض حو البسابس مقفرا
لا أرض أكثر منك بيض نعامة ومذانبًا تندى وروضًا أصفرا
[ ٢ / ٢٩٨ ]
ومعينًا يحوي الصوار كأنه متخمط قطم إذا ما بربرا
إذ لا تخاف حدوجنا قذف النوى قبل الفساد إقامة وتدبرا
حائل: بطن واد، والقرى: أسم واد ها هنا، وكامس: جبل، وضباعه ورصافة جبلان، والثانية بالصاد، وعوارض: جبل علية جبل حاتم طيء، وجو البسابس: أي خيالها، وقولة: لا أرض أكثر منك بيض نعامة لأن انعامة لا تثبت إلا في خصب من الأرض، والمذانب: مذانب الوادي وأحدهما مذنب ومعينا يعني الثور لأنة كبير العينين، والصوار: قطيع البقر- بكسر الصاد وضمها- ويحويها يجمعها ويسوقها، ومتخمط: متكبر، وقطم: فحل هائج يشتهي الضراب، تدبرا: أي إقامة في الديار.
المعني: يذكر أيام الألفة والاجتماع متأسفا، ويعدد الجبال والأودية التي كان ينزلها وهم مجتمعون، وأنثي علي الأرض التي كانت تجمعهم بالخصب وكثرة الوحش.
(١٩٤)
وقال إياس بن مالك بن عبد الله، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سمونا إلي جيش الحروري بعدما تناذرة أعرابهم والمهاجر
بجمع تظل الأكم ساجدة له وأعلام سلمي والهضاب والنوادر
فلما أدركناهم وقد قلصت بهم إلي الحي خوص كالحني ضوامر
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أنخنا إليهم مثلهن وزادنا جياد السيوف والرماح الخواطر
الحروري: نجدة بن عامر الحنفي، وكأنة رئيسا مذكورا، تناذرة: أي أنذر بعضهم بعضا، وتظل الأكم ساجدة له: أي تخضع الجبال له، وسلمي ها هنا جبل، فلما أدركناهم يعني جيش الحروري، وقد قلصت بهم أي ارتفعت بهم نحونا، الخوص الغائرة العيون، والحني: القسي شبة الخيل بها لضمرها، وقيل: أراد بها الإبل، وهو أقرب لقولة أنخنا، وزادنا جياد السيوف ليست السيوف من الزاد، ولكنهم لما كانوا مقبلين إلي الحرب جعل آلة الحرب زادا لها لأن قوام الحرب بها.
كلا ثقلينا طامع بغنيمة وقد قدر الرحمن ما هو قادر
فلم أر يوما كان أكثر سالبا ومستلبا سربالة لا يناكر
وأكثر منا يافعا يبغي العلا يضارب قرنا دراعا وهو حاسر
فما كلت الأيدي ولا انأطر القنا ولا عثرت منا الجدود العواثر
كلا ثقلينا: أي كلا جميعنا طامع بغنيمة فيه قولان أحدهما الباء بمعني في، والآخر حذف أي طامع أن يرجع بغنيمة، ولا انأطر القنا: أي لم ينعطف تقول أطرت العود فانأطر، أي عطفتة فانعطفت، ولا عثرت منا الجدود العواثر، علي جهة التقدير يعني لا عثرت منا الجدود التي لو عثرت لقيل لها عواثر، وإذا كانت عواثر لابد من أن تعثر.
المعني: يصف طمع الفريقين في الظفر، والغيب محجوب، ويصف أنة لم يصب من قومه بقولة: ولا عثرت منا لجدود العواثر.
(١٩٥)
وقال الأخرم السنبسي، إسلامي:
(الأول من المتقارب والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ألا إن قرطا علي آلة ألا أنني كيده ما أكيد
بعيد الولاء بعيد المحل من ينأ عنك فذاك السعيد
قرط: رجل من سنبس، وقولة: ألا أنني كيده ما أكيد فيه قولان: أحدهما: أن ما زائدة أي أكيد كيده، وأفعل مثل ما يفعل هو، والثاني: أن ما ها هنا للنفي أي ما أكيدة كما يكيدني لأن خيرا منه. ثم بين حال قرط فقال: بعيد الولاء لا يقرب الناس ولا يقرب من يواليه.
المعني: يذم قرطا ويصف قلة الانتفاع به.
وعز المحل لنا بين بناه الاله ومجد تليد
ومأثرة المجد كانت لنا وأورثناها أبونا لبيد
لنا باحة ضبس نابها يهون علي حامييها الوعيد
بها قضب هندوانية وعيص تزاءر فيه الأسود
ثمانون ألفا ولم أحصها وقد بلغت رجمها أو تزيد
بين: أي ظاهر قد علا كل عز، ثم بين أن ذلك العز من أبية، ولنا باحة أي ساحة وضبس أي شديد والناب الرئيس، وحاميها جبلاها أجأ وسلمي. يقول: إذا حصلنا بينهما لا نفكر فيمن يوعدنا، وقيل حاميها الخيل السلاح، وعيص أي أجمة. المعني: يصف عزهم وعز دارهم، وجودة سلاحهم، وشبة الرماح بالأجمة ورجالة بالأسود، ووصف كثرة العدد فجمع أسباب المنفعة.
(١٩٦)
وقال عبد الرحمن المعني ولقبة مرقس، إسلامي:
[ ٢ / ٣٠١ ]
(من مشطور الرجز والقافية من المتواتر)
قد قارعت معن قراعا صلبا
قراع قوم يحسنون الضربا
تري مع الروع الغلام الشطبا
إذا أحس وجعا أو كربا
دنا فما يزداد إلا قربا
تمرس الجرباء لاقت جربا
الشطب: الطويل الممشوق، والتمرس: التحكم. المعني: يصف هذا الشاعر قومه، ويحمد قتالهم، ويثني بأنهم أحسنوا الضرب والأقدام، ولم يزدادوا علي كرب الحرب ووجع الضرب إلا قربا منها، وشبة تحككهم بالأبطال بتحكك الإبل الجربى بعضها ببعض.
(١٩٧)
وقال عبيد بن مأوية الطائي، إسلامي:
(ثالث المتقارب والقافية متدارك)
ألا حي ليلي وأطلالها ورمله ريا وأجبالها
وأنعم بما أرسلت بالها ونال التحية من نالها
فإني لذو مرة إذا ركبت حالة حالها
أقدم بالزجر قبل الوعيد لتنهي القبائل جهالها
[ ٢ / ٣٠٢ ]
رملة ريا أضيف إليها، وقولة: «ونال التحية من نالها» فيه قولان: أحدهما: أن التحية الملك ها هنا أي نال الملك من نال هذه الجارية، والثاني: أنه دعاء أي حيا الله من بلغها تحيتي وهذا أشبة لابتدائه. المعني: ابتداء بالغزل ثم وصل ذلك بذكر الشجاعة، يعني أني ثابت القوة عند ازدحام الأمور، ولا أنسي ريا في حال من الأحوال! ثم بين أنة لا يبدأ بالوعيد لكنة ينذر سطوته لينهي حلماء القبائل جهالها، إذ في كل قبيلة حليم وسفيه.
(١٩٨)
وقال جابر بن رالان السنبسي، جاهلي:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
لما رأت معشرا قلت حمولتهم قالت سعاد أهذا ما لكم بجلا
إما تري مالنا أضحي به خلل فقد يكون قديما يرتق الخللا
بجل بمعني: حسب، ذكر أن سعاد استقلت مالهم فأجابها أن مالهم وأن عرض فيه النقص فإنه من قبل كان يجبر به النقص، فليس ذلك عيبا عليهم.
قد يعلم القوم أنا يوم نجدتهم لا نتقي بالكمي الحارد الأسلا
لكن تري رجلا في أثرة رجل قد غادرا رجلا بالقاع منجدلا
فذاك فينا وإن يهلك تجد خلفا سمح اليدين قويا آية فعلا
يرضي الخليط ويرضي الجار منزلة ولا يري عوض صلدا يرصد العللا
[ ٢ / ٣٠٣ ]
المعنى: يصف شهرنهم في الشجاعة وأنهم لا يجعلون بينهم وبين الرماح شجاعا ولكنهم يتقبلون الرماح بأنفسهم، ثم بين أنهم يجيء الرجل منهم وآخر في أثرة قد خلفا مقتولا من أعدائهما، وبين أن الكرم والشجاعة لا تنقطع فيهم، كلما مات سمح قوي يوجد له خلف مثله يرضاه الخليط ولا يعتل للمنع.
(١٩٩)
وقال قبيصة بن النصراني الجرمي من طيء، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
لم أر خيلا مثلها يوم أدركت بني شمخي خلف اللهيم علي ظهر
أبر بأيمان وأجرأ مقدما وأنقض منا للذي كان من وتر
عشية قطعنا قرائن بيننا بأسيافنا والشاهدون بنو بدر
فأصبحت قد حلت يميني وأدركت بنو ثعل تبلي وراجعني شعري
شمخي: قبيلة من جرم طيء، واللهيم: ماء لهم وقولة علي ظهر فيه قولان: أحدهما: علي غلبة من قولك علية أي غلبته، والآخر: يعني علي خيل أي خيل، وقولة «وراجعني شعري» فيه قولان: أحدهما: أني كنت كالمفحم عن قول الشعر قبل إدراك الثأر، والآن لما أدركت ثأري أنطلق لساني بالشعر لأني أصف حسن بلائي [والآخر يعني بالشعر العلم من قولهم: شعرت أشعر وهو العلم الذي
[ ٢ / ٣٠٤ ]
يوصل إليه من مسلك دقيق، مأخوذ من الشعر أي رجع إلي عرفاني وعقلي]. المعني: يصف شجاعتهم وإدراكهم الثأر من بني شمخي، وحلول نذورهم في ذلك اليوم مع القتل بعضهم بعضا، وإنه كان قبل إدراك الثأر مفحما لأنة لم يقع ما يفتخر به، فلما أردك ثأره أنطلق لسانه.
(٢٠٠)
وقال أدهم بن أبي الزعراء، إسلامي، الزعراء: القليلة الشعر تأنيث أزعر: .
(من مشطور الرجزوالقافية من المتدارك)
قد صبحت معن بجمع ذي لجب
قيسا وعبدانهم بالمنتهب
وأسدا بغارة ذات جدب
رجراجة لم تك مما يؤتشب
إلا صميما عربا إلي عرب
تبكي عواليهم إذا لم تختضب
من ثغر اللبات يوما والحجب
المنتهب: موضع هو بطن حائل واد، وذات حدب يعني الأمراج، والحدب المرتفع من الأرض، ويروي «ذات خدب» بالخاء وهو الضرب بلا أناة، ورجراجة أي تجيء وتذهب يعني الكتيبة، وقولة: لم تك مما تؤشب أي ليس فيهم أخلاط، والإشابة أخلاط الناس، والصميم الخالص، وعربا إلي عرب أي مع عرب،
[ ٢ / ٣٠٥ ]
والحجب جمع حجاب القلب. المعني: يصف قبيلته مهن بالشجاعة وقصدها قيسا وأسدا بغارة عظيمة، ووصفهم بصحة الحسب واعتيادهم الطعن بالرماح حتى كأنها تبكي إذا لم يطعن بها.
(٢٠١)
وقال البرج بن مسهر الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إلي الله أشكو من خليل أوده ثلاث خلال كلها لي غائض
فمنهن ألا تجمع الدهر تلعة بيوتا لنا يا تلع سيلك غامض
ومنهن ألا أستطيع كلامه ولا وده حتى يزول عوارض
ومنهن ذا البأو الشديد كأنة من الذل والبغضاء شهباء ماخض
غائض: ناقص، والغامض الذاهب، وعوارض أسم جبل بلد طيء عليه قبر حاتم. المعني: فيه قولان أحدهما: أن الخليل الذي ذكره في البيت كان قد مات ودفن في موضع يسمي «تلعة» فلهذا قال لا أستطيع كلامه أبدا لأنة ميت، لا يجمع الغزو بيننا لأنة هالك وحمل «أودة» في البيت علي التمني، وقولة «ولا ودة» علي المحبة، والقول الآخر: أن يعني خليلا سيء العشرة، لا تجمع بينهما تلعة لإعراضه عنة، ولا يستطيع كلامه لذلك، ولا يجمع الغزو بينهما، فهذه الخلال
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الثلاث ناقصة جسمه، وهذا أولي يتعقبه من الأبيات، وقولة: «ويترك ذا البأو» البيت، يريد يجعل العزيز ذليلا حتى يصير المتكبر في ذل عجوز حبلي.
فسائل هداك الله أي بني أب من الناس يسعي سعينا ويقارض
نقارضك الأموال والود بيننا كأن القلوب راضها لك رائض
كفي بالقبور صارما لو رعيته ولكن ما أعلنت باد وخافض
المعني: سل من الذي يفعل فعلنا، ويعطي من الود ما نعطيه، نعطيك ودنا وأموالنا حتى كأن قلوبنا قد ريضت لك، ثم قال: وكان القبر يكفي مفرقا بيننا لو صبرت ولم تصرمنا، ولكنك تعجلت الصرم والهجران قبل الموت، ولم يأت باللفظ الظاهر وأتي بالدليل اللائح علي المراد.
(٢٠٢)
وقال قصيبة بن النصراني الجرمي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تر أن الورد عرد صدره وحاد عن الدعوي وضوء البوارق
وأخرجني من فتية لم أرد لهم فراقا وهم في مأزق متضايق
فقلت له لما بلوت بلاءه وأني بمتع من خليل مفارق
وعض علي فأس اللجام وعزني علي أمرة إذ رد أهل الحقائق
أحدث من لاقيت يوما بلاءه وهم يحسبون أنني غير صادق
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الورد: اسم فرس وهو صفة، وعرد صدره أي أخره، فالمعرد الجبان، وحاد أي عدل عن موضع دعوي الرجال وهي الأنتساب ويروي «أبنا بمتع» أي قلت لفرسي لما رجعنا إلي مأمن بمتع من خليل فارقك أي لا يمكنك التمتع به.
المعني: هذا رجل أنهزم في الحرب ثم أعتذر عن نفسه، وجعل الذنب لفرسه إنه لما رأي ضوء السيوف عرد صدره عن موضع دعوي الرجال وأخرجه من بين أصحابة، وهم في ضيق الحرب لم يرد مفارقتهم، وعض علي فأس لجامه، وأظهر التلهف لذلك ثم قال: أنا أذكر فعل فرسي ولا أصدق، وهذه الأبيات إن كان فيها ذكر الحماسة ففيها ما يدل علي قلة الفروسية لأنة عجز عن ضبط دابته.
(٢٠٣)
وقال أيضا:
(من سادس السريع والقافية من المتواتر)
هاجرتي يا بنت آل سعد أأن حلبت لقحة للورد
جهلت من عنانه الممتد ونظري في عطفه الألد
إذا جياد الخيل جاءت تردي مملوءة من غضب وحرد
المعني: يعاتب أهلة علي لومها إياه علي إيثار فرسه بالحليب دونها، ثم بين لها فضل الفرس عليها إذا جاءت الخيل للحرب، فقال جهلت طول عنانه لعجلته في سيرة ونظري في جنبه القوي معجبا به إذا جاءت الخيل مسرعة غضبي لأن الخيل تغضب في الحرب كما يغضب الرجال.
(٢٠٤)
وقال أيضا:
[ ٢ / ٣٠٨ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لعمر أخيك ما ينفك منا أخو ثقة يعاش به متين
مفيد مهلك ولزاز خصم على الميزان ذو زنة رزين
المعني: يمدح قومه بالثقة، والكرم، والقوة، والسلب، والبذل، والجلادة، والرزانة، والزيادة عى غيرهم.
(٢٠٥)
وقال خفاف بن ندبة السلمي، وهو خفاف بن عمير للعباس بن مرادس، وخفاف بمعني خفيف كعجاب وعجيب، وندبه أمه.
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
أعباس إن الذي بيننا أبي أن يجاوزه أربع
علائق من حسب داخل مع الإل والنسب الأرفع
وأن ثنيه رأس الهجاء بيني وبينك لا تطلع
وأبغض إلى باتيانها إذا أنا لم أنسها أدفع
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ويروى "إذا أنا لم آتها"، ومن قال لم أنسها أي أدفع إلى النسيان فآخذ نفسي بنسيانها. المعنى: يعاتب عباس بن مرداس السلمي ويستعطفه بأربعة أشياء وهي الحسب مع القرابة والنسب الأعلى، وتعظيمه في نفسه حتى لا يهجوه وإن كان منه إليه ما يكرهه.
(٢٠٦)
وقال بعض لصوص طئ، وهو شبيب بن عمرو بن كريب بن المعلي بن تيم الطائي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ولما أن رأيت ابني شميط بسكة طئ والباب دوني
تجللت العصا وعلمت أني رهين مخيس إن أدركوني
ولو أنى لبثت لهم قليلا لجرونى إلى شيخ بطين
شديد مجامع الكتفين باق على الحدثان مختلف الشئون
هذا الشاعر كالصًا عاديًا فارسًا، فتعرض لا بل التجار، ثم دخل الكوفة ليًلا فرقي خبره إلى على بن أبي طالب﵁- فبعث إليه أحمر بن شميط، وكان على شرطته فنذر بهم وخرج على فرس يسميه العصا وفاتهم وقال هذا الشعر، وسكة طئ واحدة السكك ويروي "بشكة طئ"، يعني السلاح، والباب دوني يعني باب الدرب، وتجللت العصا أي ركبته وصرت فوقه، وقوله رهين مخيس، المخيس حبس بناه على بن أبي طالب -﵁- بالكوفة، والمخيس: المذلل. المعنى: يصف شهامته وحسن تخلصه، عالمًا بأنه لو لم يتخلص لخلد
[ ٢ / ٣١٠ ]
الحبس، ويريد بشيخ بطين عليًا - ﵇ - ويقال: عظم بطنه كان دليلًا على كثرة علمه لا لكثرة أكله.
(٢٠٧)
وقال حريث بن عناب من طيء، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لما رأيت العبد نبهان تاركي بلماعةٍ فيها الحوادث تخطر
نصرت بمنصور وبابني معرض وسعد وجبارٍ بل الله ينصر
ولله أعطاني المودة منهم وثبت ساقي بعد ما كدت أعثر
اللماعة: المفازة تلمع بالسراب، المعنى: يذم نبيان ويشكو خذلانه إياه ويمدح منصورًا وسعدًا وابني معرض وجبارًا، ويشكر نصرتهم إياه، ووصل ذلك بحمد الله تعالي فقال: بل الله ينصر لأنه عطفهم على وثبت قدمي بعدما كدت أعثر.
إذا ركب الناس الطريق رأيتهم لهم قائد أعمي وآخر مبصر
لهم منطقان يفرق الناس منهما ولحنان معروف وآخر منكر
لكل بني عمرو بن عوفٍ رباعًة وخيرهم في الخير والشر بحتر
لهم قائد أعمى وآخر مبصر، يجوز أن يحمل على مدح ناصريه وعلى هجو خاذليه، فإذا حملته على المدح فمعناه يسيرون الليل والنهار لا يفترون إذا قصدوا عدوًا أو غارة والقائد الأعمى الليل والبصر النهار، والمنطقان في المدح منطق لين في حال رضاهم ومنطق خشونة على أعدائهم، وقوله: يفرق الناس منهما يعني من أحدهما ولكنه أرسل الكلام جملة لأن المعنى مفهوم، وإذا حملته على الهجو كان معناه
[ ٢ / ٣١١ ]
أنهم لصوص يقطعون السبل نهارًا، ويتسورون على جيرانهم ليلًا، والمنطقان في الهجو أنهم أصحاب غدر ومكر وختر، فلهم فيما بينهم مراطنة وكلام غير مفهوم ولحن غير معروف، يتراطنون عند الغدر والمكر، ولهم لغة في الظاهر يتكلمون بها كلغة سائر الناس معروفة، وقيل في الهجو معنى قائد أعمى الذي يغويهم، وآخر مبصر الذي يرشدهم، ورباعة أمر يحتاج إلى حفظه وتعهده، ويقال: ما في بني فلان أحد يضبط رباعته غير فلان، أي شانه ورئاسته - بحتر أن حملت الأبيات على المدح اسم رجل فهو أبو قبيلة أي كلهم مثل ذلك، وأن حملتها على الذم جعلت بحترًا صفة والبحتر القصر، أي لكهم قصير الباع في الخير والشر.
(٢٠٨)
وقال أبان بن عبدة بن العيار بن مسعود بن جابر بن عمرو بن حر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا الدين أودى بالفساد فقل له يدعنا ورأسًا من معد نصادمه
ببيضٍ خفافٍ مرهفات قواطع لداود فيها أثره وخواتمه
وزرق كستها ريشها مضرحية أثيت خوافي ريشها وقوادمه
بجيش تضل البلق في حجراته بيثرب أخراه وبالشام قادمه
الدين ها هنا الطاعة، والفساد اسم حرب معروفة كانت بينهم، ورأسًا أي جماعة يقدمون أنفسهم، ولا يحتاجون إلى ناصر، وقوله: كستها ريشها مضرحية وهي النسور العتيقة، وكذلك الصقور أي ريشت من ريش النسور، ومعنى تضل البلق في حجراته يريد تصادمهم بجيش لا يتبين البلق في نواحيه، بيثرب أخراه أي يسد ما بين الشام والمدين'، وقادمه أوله، ونصادمه الهاء عائدة إلى لفظ الرأس. المعنى: إذا الطاعة بطلت بهذه الحرب وهي الفساد فليدعنا ومقاتلة معد بأسرها،
[ ٢ / ٣١٢ ]
فإنا نقوى لهم لكثرتنا، نقاتلهم بسيوف وسهام كما وصفها، ونقاتلهم بجيش كثير لا يتبين فيه البلق لكثرته.
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب تحرك يقطان التراب ونائمه
قيل يقظان التراب: ما وطيء وسلك من البلاد والطرق، ونائمة ما لم يوطأ، وقيل: يقظان التراب هو المثار بعينه، والنائم المدر والأكم والأرض الصلبة، يريد إذا سرنا أثرنا التراب بحوافر خيلنا ودققنا الأكم والمدر فأثرناها يريد الكثرة.
(٢٠٩)
وقال أنيف بن حكيم النبهاني:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جمعنا لهم من حي عوف ومالك كتائب يردي المقرفين نكالها
له معجز بالحزن فالرمل فاللوي وقد جاوزت حيي جديس رعالها
وتحت نحول الحي حرشف رجلة تتاح لغرات القلوب نبالها
أبى لهم أن يعرفوا الضيم أنهم بنو ناتق كانت كثيرًا عيالها
نكالها يعني نكال الكتائب أي ما يكون منها من الضرب فالقتل، والحزن
[ ٢ / ٣١٣ ]
والرمل واللوى مواضع، حيًا جديس يريد طسمًا وجديسًا، وأراد مواضعهما لأن طسمًا وجديسًا من العرب البائدة الذين أهلكوا بالطاغية ولم يبق منهم على بسيط الأرض باقية، والحرشف الجراد، والرجلة الرجالة، وأراد به سهام الرجالة، وتتاح أي تقدر لغرات القلوب يعني لمن غفل قلبه عن الرمي، وبنو ناتق امرأة كثيرة الأولاد. المعنى: يصف كثرة عددهم وجودة رميهم حتى أنهم لا يخطئون القلوب، وبين أنهم لكثرتهم لا يقبلون الضيم.
فلما أتينا السفح من بطن حائل بحيث تلاقي طلحها وسيالها
دعوا لنزارٍ وانتمينا لطيءٍ كأسد الشرى إقدامها ونزالها
السفح ما انحدر من الجبل طلح وسيال نبتان مختلفا المنابت، المعنى: لما أتينا بطن حائل انتسبوا إلى نزار وانتسبنا إلى طيء، وشبههم بالأسد في الجرأة والحرب.
فلما التقينا بين السيف بيننا لسائلةٍ عنا حفي سؤالها
المعنى: لما تلاقينا استغنى السائل بآثار السيف عن سؤاله، يصف جودة الضرب وكثرة الجراح.
ولما تدانوا بالرماح تضلعت صدور القنا منهم وعلت نهالها
يصف في هذه البيت كثرة الطعن في نزار، كما وصف في البيت الأول كثرة الضرب.
ولما عصينا بالسيوف تقطعت وسائل كانت قبل سلمًا حبالها
فولوا وأطراف الرماح عليهم قوادر مربوعاتها وطوالها
عصينا بالسيوف أي ضربنا بها، قوادر أي غير قواصر، والمربوعات التي ليست بطويلة. المعنى: يصف كثرة ضربهم القوم بالسيوف وقطعهم وسائل الصلح، وانهزام عدوهم، والرماح دانية منهم عاملة فيهم.
[ ٢ / ٣١٤ ]
وقال الكروس بن زيد بن حصن بن مصاد بن معقل بن مالك، والكروس العظيم الرأس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رأتني ومن لبسي المشيب فأملت غنائي فكوني آملًا خير آمل
المعني: يعد صاحبته من نفسه الغناء والكفاية، وأن علاه المشيب، ويروى "فأملت عتابي".
لئن فرحت بي معقل عند شيبتي لقد فرحت بي بين أيدي القوابل
أهل به لما استهل بصوته حسان الوجوه لينات الأنامل
المعنى: يقول لئن فرحت بي قبيلتي عند كبرى، لقد فرحت بي عند ولادتي لما رأت من نجابتي، ثم كني عن نفسه فقال: لما استهل بصوته يعني نفسه أهل به نساء قبيلته، ووصفهن بحسن الوجوه ولين الأنامل، منعمات مكفيات أمر الخدمة.
(٢١١)
وقال القوال:
[ ٢ / ٣١٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيًا هلم فإن المشرفي الفرائض
وإن لنا حمضًا من الموت منقعًا وإنك مختل فهل أنت حامض
أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ستلقاك بيض للنفوس قوابض
الساعي المصدق، ومعنى فإن المشرفي فرائض أي يضع السيف مكان الصدقة، يريد نقتل المصدق ولا نعطيه الصدقة، الحمض ما ملح من النبت، والخلة ما حلا. المعنى: يخاطب مصدقًا أراد أن يصدق ماله، ويوعده بأنه ليس عنده مكان الفريضة إلا السيف، والحمض للناقع من الموت، يعرض عليه ذلك ويهدده بالقتل.
(٢١٢)
وقال وضاح ابن إسماعيل بن عبد كلال بن داود بن أبي أحمد:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
صبا قلبي ومال إليك ميلًا فأرقني خيالك يا أثيلا
يمانية تلم بنا فتبدي دقيق محاسنٍ وتكن غيلا
ذريني ما أممن بنات نعش من الطيف الذي ينتاب ليلا
ولكن إن أردت فهيجينا إذا رمقت بأعينها سهيلا
[ ٢ / ٣١٦ ]
وتكن غيلا أي تستر ساعدها، والغيل الساعد، يقول: لست من شأن الغزل والنساء وأنا قاصد أعدائي، وإذا انصرفت عن حربي فاستقبلت أبلي نحو الغرب فرمقت سهلًا اليماني، فهيجيني إن أردت تهيجي حينئذ، المخاطية للمرأة، والمعنى لنفسه يزجرها عن التذكر وهو محارب. المعنى: يصف هوى قلبه أثيلة ومدافعة خيالها ويستكفها عنه وهو متوجه إلى الحرب كي لا تشغله عنها إلا أن يعود منها، فشأنه حينئذ شأنها.
فإنك لو رأيت الخيل تعدو عوابس يتخذن النقع ذيلا
رأيت على متون الخيل جنا تفيد مغانمًا وتفيت نيلا
المعنى: يعظم أمر الخيل والحرب، ويعتذر في ذهوله عن صاحبته ويقول لها: لو رأيت الخيل مسرعة إلى الحرب مثيرة للغبار رأيت عليها كالجن يغنمون مال العدو ويمنعون ما عندهم.
(٢١٣)
وقال عمرو بن مخلاة، وكان يقال مخلاة الحمار الكلبي:
[ ٢ / ٣١٧ ]
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
لا قوتي قوة الراعي قلائصه يأوي فيأوي إليه الكلب والربع
ولا العسيف الذي يشتد عقبته حتى يبيت وباقي نعله قطع
لا يحمل العبد فينا فوق طاقته ونحن نحمل ما لا تحمل القلع
منا الأناة وبعض القوم يحسبنا أنا بطاء وفي ابطائنا سرع
القلع: السحاب العظام، يصف نفسه وقومه بالقوة والجلادة مع الأناة من غير عجز يقول: ليس قوتي قوة من يرعى صغار الإبل، يرجع إليه الكلب لأنه يمسكه استعانة به، ويرجع إليه الربع وهو ولد الناقة، ولا قوة الأجير الذي يعدو حتى ينقطع نعله، ولكننا نحمل من الأمور العظام ما لا يحمل السحاب، وفينا أناة وقد يغلط بعض الناس فيها فيقدرها بطاء وهو سرع لأنا نتوصل بها إلى مرادنا.
(٢١٤)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ويوم ترى الرايات فيه كأنها حوائم طير مستدير وواقع
أصابت رماح القوم بشرا وثابتا وهرما وكل للعشيرة فاجع
طعنا زيادا في استه وهو مدبر وثور أصابته السيوف القواطع
وأدرك هماما بأبيض صارم فتى من بني عمرو طوال مشايع
[ ٢ / ٣١٨ ]
الحوائم العطاش تحوم حول الماء، وشبه الأعلام بالطير التي تستدير ولا تقع، ثم قال وواقع يعني ما ينهزم صاحبه ويسكن خفقانه عند سكون الريح، وقوله: وكل للعشيرة فاجع يدل على أنهم كبار كرام يؤلم العشيرة فقدهم. المعنى: يصف شدة الحرب وقتلهم بشرا وثابتا وهرما، ويروى "وحزما" وطعنهم زيادا وهو منهزم، وقتلهم ثورا وهماما.
وقد شهد الصفين عمرو بن محرز وضاف عليه المرج والمرج واسع
فمن يك قد لاقي من المرج غبطة فكان لزيد فيه خاص وجادع
الصفين: يعني صفي الحرب، ومن روى "صفين" فقد غلط، والخاصي الذي يخصي، والجادع الذي يجدع أنفه وهو مثل وأراد به المهين المذل. المعني: يصف شدة الأمر في ذلك اليوم على عمرو بن محرز وطول الذل والهوان بقيس.
(٢١٥)
وقال زفر بن الحارث الكلابي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أفي الله أما بحدل وابن بحدل فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ولما يكن يوم أغر محجل
ولما يكن للمشرفية فوقكم شعاع كقرن الشمس حين ترجل
ابن بحدل: يزيد بن معاوية لأن أمه ميسون بنت بحدل الكلابي، وأراد بهذا الشعر عبد الملك بن مروان، لأنه كان على رأي يزيد في قتل بني هاشم، فلقبه بلقبه، وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير قتله الجاج بمكة وصلبه في الحرم، وأم
[ ٢ / ٣١٩ ]
عبد الله أسماء بنت أبي بكر وهي ذات النطاقين، يقول: لا تقتلون ابن الزبير إلا بعد حرب شديدة تعرف ولا تنكر، ولمعان السيوف فيها كالشمس إذا ارتفعت يستعظم قتل ابن الزبير وهو عظيم مع بقاء أعدائه.
(٢١٦)
وقال حسان بن جعد القنفذي، وخرج إلى عبد الله بن خازم بخراسان فلم يحمده - أي لم يجده محمودا - وانصرف من عنده وقال:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
أبلغ بني خازم أني مفارقهم وقائل لجمالي غدوة بيني
إني امرؤ غرض من كل منزلة لا شدتي تبتغي فيها ولا ليني
وقائل لجمالي أي أني أرحل عنهم غدا وأفارقهم، وغرض أي ضجر من كل منزلة لا يحتاج إلي فيها في حالتي الحرب والسلم. المعني: يقول أني أبي النفس لا أرضي ما يرضي به العاجز، إذا لم أر صاحبي مظهرًا الحاجة إلي فارقته.
(٢١٧)
وقال القتال الكلابي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا هم همأ لم ير الليل غمة عليه ولم تصعب عليه المراكب
قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحت منازله تعتس فيها الثعالب
جليد كريم خيمه وطباعه على خير ما تبني عليه الضرائب
[ ٢ / ٣٢٠ ]
قرى الهم أي إضافة، والزماع، العزم على الأمر، تعتس فيها الثعالب أي تطوف فيها، والخيم الخلق. المعنى: يصفه بالجلادة وأن ظلمة الليل لا تمنعه من ركوب الأسفار وأنه لما هم بالشئ أزمعه فأخلى منازله حتى صارت مأوى الثعالب، ثم وصفه بحسن الخلق وكرم الطباع.
إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
يرى أن بعد العسر يسرًا ولا يرى إذا كان عسر أنه الدهر لازب
يبتئس يفتعل من البؤس أي لم يحزن إذا جاع، والساغب الجائع، ولازب دائم. المعنى: يقول: لا يبطره اليسر ولا يبئسه العسر أي هو حسن الاحتمال في الغني والفقر، ويصفه بسعة الخلق وبعد الهمة وأنه لا يقنط من الخير إذا ناله العسر.
(٢١٨)
وقال أوس بن حبناء التميمي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا المرء أولاك الهوان فأوله هوانا وإن كانت قريبا أواصره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه فذره إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لمتكن لك حيلة وصمم إذا أيقنت أنك عاقره
[ ٢ / ٣٢١ ]
الأواصر جمع آصرة وهى القرابة العاطفة، يقال طبق الضارب إذا أصاب المفصل فقطعه، وصمم إذا أصاب العظم ففصله. المعنى: يدل على الدهاء، ويهدي إلى الجلادة، يقول من أهانك فهنه وإن كان بينكما رحم فإن عجزت عن إهانته فلا تظهر له ما في نفسك وانتظر به الوقت الذي تقدر عليه فيه، وداره فإن أيقنت أنك متمكن منه فاستأصله، ويروى عن المأمون أنه قال: "إذا مد العدو إليك يده فاقطعها فإن لم تقدر على ذلك فقبلها".
(٢١٩)
وقال آخر:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه
واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشد فوق بعضهم بالأرويه
هناك أوصيني ولا توصي بيه
أنجية جمع نجي وهو المناجي، والأروية جمع رواء وهو حبل يشد به على البعير خوف السقوط، والهاء في "بيه" لبيان الفتح. المعنى: فيه قولان: أحدهما أنه أراد إذا اجتمع القوم يتناجون في أمر عظيم، واختلفوا فيه اختلاف الحبال إذا التوى بعضها على بعض، وشد فوق بعضهم بالأروية أمسك بالجهد لعجزه هناك أوصيني أيتها المرأة ولا توصي بيه، فإنهم يحتاجون إلي ولا أحتاج إليهم. والقول
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الآخر أنه أراد إذا كان القوم يتناجون في النوم على ظهور رواحلهم لا في اليقظة واضطربوا من النعاس اضطراب الحبال، وشد بعضهم على الرواحل مخافة السقوط هناك أوصيني بجلادتي ولا توصي بي، والأول أصوب لقوله: "كانوا أنجية" ولا خلاف في أنه يصف جلادته.
(٢٢٠)
وقال المتلمس وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله، وهذا قول الكلبي، وقال أبو عبيدة: هو جرير بن زيد وسمي متلمسا ببيت قاله وهو:
فهذا أوان العرض حي ذبابه زنابيره والأزرق المتلمس
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تر أن المرء رهن منية صريعا لعافي الطير أو سوف يرمس
يرمس: يدفن تحت التراب. المعنى يقول: إن الإنسان صائر إلى إحدى المنزلتين يقتل فيعفوه الطير أو يموت على فراشه فيدفن، أي لابد من الموت في كل حال.
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرا وجلدك أملس
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فمن طلب الأوتار ما حز أنفه قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرع القوم رهطه تبين في أثوابه كيف يلبس
جلدك أملس يريد نقيًا من العار، ومعنى فمن طلب الأوتار يعني قصير بن سعد اللخمي، صاحب جذيمة بن مالك بن فهم الأزدي الذي يقال له جذيمة الأبرش وجذيمة الوضاح، وأما بيهس فهو الذيوصف بنعامة والنعامة تحمق، وبيهس هوفزارة، وكان له تسعة أخوة قتلوا جميعًا، فرجع إلى أمه فقالت: أنجوت أنت منبينهم؟ ! فقال: لو خيرت لاخترت، وكانت قبل ذلك لا تحبه، فصارت تحبه لما لم يبق غيره من أولادها، فلما قتل أخوته لم يلبس ثوبه إلا مقلوبًا، وكان يحمق في ذلك أيضًا. المعنى: يهون أمر الموت ويبين أن نيل المراد مع ركوب الخطر.
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
ألم تر أن الجون أصبح راسيا تطيف به الأيام ما يتأيس
عصى تبعا أزمان أهلكت القرى يطان عليه بالصفيح ويكلس
هلم إليها قد أثيرت زروعها وعادت عليها المنجنون تكدس
فهذا أوان العض حي ذبابه نابيره والأزرق المتلمس
أي إنما هم عن قريب لا يكونون كما لم يكونوا من قبل، وتبقى أحاديثهم حسنة أو قبيحة، وما العجز إلا أن يقبلوا الضم فيجلسوا عن طلب الثأر، والجون اسم حصن باليمامة معروف، وراسيًا أي ثابتًا، وقال أبو عبيدة: الجون حصن باليمن من حصون طسم وجديس، وما يتأيس ما يتغير أي لم يقدر تبع على هذا الحصن، التبابعة ملوك اليمن، كما أن الخلائف ملوك الإسلام، ويكلس أي يطين ويصهرج، والصفيح الحجارة الغليظة، وهلم إليها استهزاء، أي أنك لا تقدر عليها فإن قدرت فهلم فقد أثيرت زروعها،
[ ٢ / ٣٢٤ ]
والمنجنون الدولاب وتكدس أي ترتفع وتنحدر كما يتكدس الإنسان في مشيته، يلقى نفسه إلقاء. وقال أبو سعيد التكدس التقحم، والعرض اسم واد معروف، ويروى "جن ذنابه" أي كثر لأن الذباب لا يكون في القفر، وجعل ذبابه لساعًا قتالًا. المعنى: يحث على المنعة ويحذر قبول الضم مخافة أن يتحدث عنه بالعجز، وذكر الجون وعصياته تبعًا فلم يقدر تبع عليه ثم هدد من طمع فيه، ودعاه إليه على سبيل الاستهزاء غير مكترث به.
وجمع بني قران فاعرض عليهم فإن يقبلوا هاتات التي نحن نؤبس
أي نقر أبسه يأبسه أبسًا قهره. والمعنى: أعرض على جمع بني قران مما تريد منا من القهر فإن يقبلوا ذلك فإنا لا نقبل.
فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله وإلا فإنا نحن آبي وأشمس
أي أفعل من الإباء وأشمس من قولهم دابة شموس. المعنى: يذكر العدو والنصفة يقول: إن وددتمونا وددناكم، وإن تعززتهم علينا فنحن أولى بالعزة والإباء.
فإن يك عنا في حبيب تثاقل فقد كان فينا مقنب ما يعرس
حبيب قبيلة وقيل: أنه حبيب لكنه خففه للضرورة، والمقنب جماعة من ثلاثين إلى المائة، وجمعه مقانب. المعنى يقول: إن لميرافدنا بنو حبيب ففينا كفاية.
يكون نذير من وراثي جنة وينصرني منهم جلي وأحمس
نذير قبيلة وجلي وأحمس حيان. المعنى: إن تأخرت بنو حبيب عن نصري فإن في هؤلاء القبائل نذير وجلي وأحمس كفاية.
(٢٢١)
وقال سعد بن ناشب:
[ ٢ / ٣٢٥ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
تفندني فيما ترى من شراستي وشدة نفسي أم سعد فما تدري
فقلت لها إن الكريم وإن حلا ليلفي على حال أمر من الصبر
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ومن لا يهب يحمل على مركب وعر
تفندني أي تجهلني. المعنى يصف امرأته - وهي أم سعد - لامته في صعوبة نفسه ولم تدر وإن أجابها إن الكريم وإن كان حلوًا فقد يضطر أحيانًا إلى المزاودة لأنه اللين يستضعف والشديد يهاب.
وما بي على من لان لي من فظاظة ولكنني فظ أبي على القسر
أقيم صغا ذي الميل حتى أرده وأخطمه حتى يعود إلى القدر
المعنى: ليس بفظ على من لان لي، ولكن فظاظتي على من هو يروم قهري، ومعنى البيت الأخير أقيم ميل المائل حتى أرده إلى القصد وأذله حتى يعود إلى مقداره.
فإن تعذليني تعذلي بي مرزأ كريم نثا الإعسار مشترك اليسر
إذا هم ألقى بين عينيه همه وصمم تصميم السريجي ذي الأثر
المرزأ: الذي أصيب ماله مرة بعد أخرى. المعنى: يصف بأنه معتاد للنوائب، كريم عند العسر، بذول عند اليسر، ماض في الأمور مضي السيف ذي الرونق.
(٢٢٢)
وقال أيضًا:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
لا توعدنا يا بلال فإننا وإن نحن لم نشقق عصا الدين أحرار
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وإن لنا إما خشيناك مذهبا إلى حيث [لا] نخشاك والدهر أطوار
فلا تحملنا بعد سمع وطاعة على غاية فيها الشقاق أو العار
فإنا إذا ما الحرب ألقت قناعها بها حين يجفوها بنوها لأبرار
ولسنا بمحتلين دار هضيمة مخافة موت إن بنا نبت الدار
والدهر أطوار أي أحوال يعني يدور حالا بعد حال، وهذا تهديد منه، أي لا يبقى لك ما أنت فيه، وإن لنا مذهبًا أي لنا طريق الهرب إلى موضع لا نخافك ولا تظلمنا، محتلين: نازلين. المعنى: يخاطب بلال بن أبي بردة ويقول: لا تهددنا فإنا أحرار نأبي الضيم وإن لم نخالفك، وإن خوفتنا فلنا مهرب إل حيث لا تقدر علينا، والدهر لا يبقى على حاله، ولا تحملنا بعد سمع وطاعة لك على أن صبرنا عليه كان عارا، وإن لم نصبر عليه كان شقاقا.
(٢٢٣)
وقال قراد بن عباد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن المرء لم تغضب له حين يغضب فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا
ولم يحبه بالنصر قوم أعزة مقاحيم في الأمر الذي يتهيب
[ ٢ / ٣٢٧ ]
تهضمه أدنى العدو ولم يزل وإن كان عضا بالظلامة يضرب
ويروى بالملامة ويروى "اركبوا الخيل" والعض: الداهية كأنه عضه الدهر وأثر فيه، وهو فعل بمعنى مفعول. المعنى: يقول: إذا انفرد الرجل ولم يكن له فوارس يغضبون بغضبه، ويركبون إلى الحرب بأمره، ولم ينصره قوم يدخلون في الأمور الصعاب استضعفه أدنى العدو، ولم يزل يظلم وإن كان داهية، وفي المثل "من قل ذل".
فآخ لحال السلم من شئت وعلمن بأن سوى مولاك في الحرب أجنب
ومولاك مولاك الذي إن دعوته أجابك طوعًا الدماء تصبب
فلا تخذل المولى وإن كان ظالما فإن به تثأى الأمور وترأب
تثأى: تفسد يعني أمور الأعداء، وترأب أي تصلح أمور ابن عمك. المعنى لا تعتمد في الشدائد الأجانب واعتمد على ابن عمك، فإن دعوته والدماء تسيل أجابك وغيره يجانبك، فلا تخذله واحتمله وإن كان ظالمًا، فإن تفسد أمور الأعداء تصلح أمور الأولياء، وهذه الأبيات فيها حث على مواصلة بني الأعمام.
(٢٢٤)
وقال زاهر أبو كدام التميمي، وبارزه رجل من يشكر يقال له تيم وكان فارسًا فقتله:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
لله تيم أي رمح طراد لاقى الحمام به ونصل جلاد
ومحش حرب مقدم متعرض للموت غير معرد حياد
كالليث لا يثنيه عن إقدامه خوف الردى وقعاقع الإيعاد
[ ٢ / ٣٢٨ ]
مذل بمهجته إذا ما كذبت خوف المنية نجدة الأنجاد
لله تيم يمدحه، أي رمح طراد ونصل حلاد، يشبهه بالرمح والسيف ومحش حرب كقولك: مسعر حرب، وحياد رواع، مذل بمهجته أي قلق بروحه لا يضن بها، إذا كذبت نجدة الأنجاد أي شجاعة الشجعان. المعني: يمدح قرنه الذي قتله بالجلادة وشبهه بالرمح والسيف الليث، ويصفه بأنه يسمح بروحه إذا خاف الشجعان.
ساقيته كأس الردى بأسنة ذلق مؤللة الشفار حداد
فطعنته والخيل في رهج الوغى نجلاء تنضح مثل لون الجادي
فكأنما كانت يدي من حتفه لما انثنيت له على ميعاد
فهوى وجائشها يفور بمزبد من جوفه متدارك الإزباد
ساقيته أي سقيته معناه قتلته بالأسنة الزلق المحددة، والجادي الزعفران، ومعنى فكأنما كانت أي لما انثنيت لطعنه فهلك مع طعنتي فكأنه كانت على ميعاد وهوى سقط، وجائشها أي دم الطعنة، يفور أي يسيل بدم له زبد، وقال: طعنته بأسنة وإنما هو سنان واحد، وقد مدح القرن الذي وصفه، وهم إذا مدحوا القرن بعد القتل كان المدح راجعًا إليهم.
(٢٢٥)
وقال عمرو القنا:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٣٢٩ ]
القائلين إذا هم بالقنا خرجوا من غمرة الموت في حوماتها عودوا
عادوا فعادوا كراما لا تنابلة عند اللقاء ولا رعش رعاديد
الحومة: مزدحم القتال لأن الأقران يحومون هناك، والتنابلة: القصار واحدهم تنبال. المعنى: يصفهم باعتياد الحروب وأنهم إذا خرجوا من شدة الموت فأمروا بمعاودتها عادوا كرامًا من غير عجز ولا جبن، ويروى "القائلون".
لا قوم أكرم منهم حين قال لهم محرض الموت عن أحسابكم ذودوا
(٢٢٦)
وقال الفرزدق:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إن تنصفونا يال مروان نقترب إليكم وإلا فأذنوا ببعاد
فإن لنا عنكم مزاحًا ومذهبًا بعيس إلى ريح الفلاة صواد
مخيسة بزل تخايل في البرى سوار على طول الفلاة غواد
فأذنوا ببعاد أي اعلموا أنا نبعد عنكم هربًا، ومزاحًا: مبعدًا من زاح
[ ٢ / ٣٣٠ ]
يزوح، ومذهبًا أي موضعًا نذهب فيه، ومخيسة مذللة في السير، وتخايل في البرى أي تتكبر، عليها البرى لأنها لا تبالي بالسير. المعنى: يظهر الآباء يقول: يال مروان بن الحجم أن تنصفونا دنونا إليكم بالطاعة وإلا فارقناكم فإنا نجد عنكم مذهبًا بابل عطاش إلى ريح الفلاة مذللة في السير قوية تتكبر في براها، وهي تسير ليلًا ونهارًا على طول الفلاة.
وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب وكل بلاد أوطنت كبلادي
المعنى: الأرض واسعة والبعد عن الجائر فيها ممكن، والبلاد سواء، ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: "ليس بينك وبين البلدان عداوة فخير البلاد ما حللت".
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن خلفنا حفير زياد
فباست أبي الحجاج واست عجوزه عتيد بهم ترتعي بوهاد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف كما كان عبدًا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقر بذله يراوح صبيان القرى ويغادي
حفير زياد: الذي حفره زياد بن سمية، ويقال له زياد بن أبيه، وانتسب إلى بني سفيان وقبيلة معاوية، وقوله فباست البيت العتيد تصغير العتود وهو ما شب ورعى، وإنما سمي عتودا لأنه معتد للأكل شبه عجوزه بعتود تحقيرًا وجعلها ترتعي الوهاد لأنها لا تجسر على النشاز فزعًا، ومعنى يراوح البيت، يقال أن الحجاج كان معلمًا بالطائف في بعض القرى فأراد بالعبد الأجير لأنه ذليل. المعنى: يذم الحجاج ويستخف به ويقول: ما الذي تقدر علينا فينا إذا جاوزنا ناحية البصرة وأخذنا في البادية، ثم قال استهانة باست أبيه واست أمه ما يريده، فهو يشبهها بولد الماعز ضعفًا وجبنا، ثم قال مظهرًا أنه لا قديم له فلولا بنو مروان الذين رفعوا الحجاج كان أجيرًا كما كان في الوقت الذي كان يعلم فيه غلمان القرى.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وقال بعضهم:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
قد علم المستأخرون في الوهل
إذا السيوف عريت من الخلل
أن الفرار لا يزيد في الأجل
المستأخرون: المتأخرون، والخلل سيور تنسج وتجعل في ذؤابة السيف. المعنى: في الأبيات تشجيع يقول: قد علم الذين يتأخرون في الحرب إذا جردت السيوف أن فرارهم لا يزيد في آجالهم فلم يفرقون؟
(٢٢٨)
وقال شبيل الفزاري، وحاربه بنو أخيه فقتلهم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أيا لهفي على من كنت أدعو فيكفيني وساعده الشديد
وما عن ذلةٍ غلبوا ولكن كذاك الأسد تفرسها الأسود
المعنى: يتلهف على من قتل من قومه أنه كان يجيبه إذا دعاه، ويكفيه بساعده الشديد، وقال: لم يغلبوا لذل كان فيهم، ولكن الذين قاتلوهم كانوا مثلهم والأسود يقتلها الأسود، وهذا كما قيل: "الحديد بالحديد يفلح".
فلولا أنهم سبقت إليهم سوابق نبلنا وهم بعيد
لحاسونا حياض الموت حتى تطاير من جوانبنا شريد
[ ٢ / ٣٣٢ ]
لحاسونا كقولك ساقونا من حسا. المعنى: لولا أن سبقناهم بالسهام وهم بعيد فدفعناهم بها عنا لسقونا من حياض الموت أي لقتلونا حتى تطاير الشريد أي الطريد يعني ينهزم المنهزم.
(٢٢٩)
وقال قطري بن الفجاءة، وهو أبو نعامة الخارجي الفزاري.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا أيها الباغي البراز تقربا أساقك بالموت الذعاف المقشبا
فما في تساوي الموت في الحرب سبة على شاربيه فاسقني منه واشربا
الذعاف السم، والمقشب الذي خلط فيه القشب، وهو ضرب من السموم، سبة أي عيب، واشربا أراد واشربن، فوقف على النون الخفيفة. المعنى: يا أيها الطالب مبارزتي أدن مني أسقك السم بالموت، فليس في الموت في الحرب عار فقاتلني، يظهر بسالته.
(٢٣٠)
وقال دارج حين طعن:
(السادس من السريع والقافية من المتواتر)
شدي على العصب أم كهمس
ولا تهلك أذرع وأرؤس
مقطعات ورقاب خنس
فإنما نحن غداة الأنحس
هيم بهيم طليت تمرس
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الكهمس في اللغة القصير، وأم كهمس امرأته، لا تهلك لا تفزعك، وخنس جميع خانس وهو المنقبض، والهيم الإبل العطاش، وتمرس تحكك. المعنى: يأمر امرأته بشد جراحته شديدًا ويسكن منها، ويخفف عندها قطع الأيدي والأرؤس، ويقول: نحن وأعداؤنا صبيحة الأنحس مثل الإبل تحتك بإبل أخرى، يعني شدة القتال.
(٢٣١)
وقال الأرقط بن رعبل بن الكلب العنبري، ولقي هو وابن له يسمى نجمًا لصوصًا فقاتلاهم وظفرا بهم.
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إني ونجمًا يوم أبرق مازن على كثرة الأيدى لمؤتسيان
يلوذ أمامي لوذة بلبانه وترهب عنا نبعة ويمان
ونغشى فنغشى ثم نرمى فنرتمي ونضرب ضربًا ليس فيه توان
أبرق مازن هو الموضع لاذي التقي فيه هو واللصوص، وقوله على كثرة الأيدي يعني أدي الأعداء، ولمؤتسيان أي معتضدان يواسي أحدنا صاحبه ويقتدي به في المجاهدة، وقوله: ويرهب عنا نبعة ويمان أي يفزع اللصوص عنا قوس وسيف، وقله ونغشي فنغشي أي يحمل علينا اللصوص فنحمل عليهم، والتواني التقصير من الونية والونى وهو الكلال. المعنى: يحمد ابنه نجمًا على ما كان منه في مجاهدة اللصوص مساعدة له واقتداء به.
(٢٣٢)
وقال وداك بن ثميل المازني:
[ ٢ / ٣٣٤ ]
(الثالث من السريع والقافية من المتواتر)
نفسي فداء لبني مازن من شمس في الحرب أبطال
هيم إلى الموت إذا خبروا بين تباعات وتقتال
حموا حماهم ومسا بيتهم في باذخات الشرف العالي
بين تباعات وتقتال أي بين ما يتتبعهم من العار أن يفعلوا وبين المقاتلة أي يختارون الموت على العار، وباذخات عاليات. المعنى: يمدح بني مازن بالبطولة ويصفهم بأنهم يختارون الموت على ما فيه العار، وأنهم حفظوا بلادهم من العدو وعلوا في الشرف.
(٢٣٣)
وقال سوار بن المضرب السعدي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
أجنوب إنك لو رأيت فوارسي بالسيف حين تبادر الأشرار
سعة الطريق مخافة أن يؤسروا والخيل تتبعهم وهم فرار
يدعون سوارًا إذا احمر القنا ولكل يوم كريهة سوار
جنوب: اسم امرأة، والسيف: شاطئ البحر، وإذا احمر القنا يعني إذا اشتدت الحرب وكثر الطعن. المعنى: يصف شجاعته واستعانة القوم إياه في عدة الحرب يقول: يا جنوب لو رأيت بالسيف فوارس قومي يهربون ويسبق بعضهم بعضًا مخافة الأسر يدعونني في كل يوم حرب لتعجبت مني أو لعرفت فضلي.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وقال أبو حزابة التميمي:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
من كان أحجم أو خامت حقيقته عند الحفاظ فلم يقدم على القحم
فعقبة بن زهير يوم نازله جمع من الترك لم يحجم ولم يخم
مشمر للمنايا عن شواه إذا ما الوغد أسبل ثوبيه على القدم
خامت حقيقته أي لم يطلبها، والقحم: الأمور العظام، ولم يخم أي لم يجبن، والوغد الدنيء الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، والشوى الأطراف. المعنى: يمدح عقبة بن زهير بأنه لم يجبن في محاربة الترك، وهو متأهب للحرب إذا أرسل اللئيم ثوبه عن رجله فلم يتأهل لها.
خاش الردى في العدا قدما بمنصله والخيل تعلك ثنى الموت باللجم
وهم مئون ألوفًا وهو في نفر شم العرانين ضرابين للبهم
ثنى الموت يعني وسط الموت يريد المعركة، شم العرانين ينسبهم إلى العزة والمنعة. المعنى: يمدح عقبة بن زهير أنه توسط المعركة بسيفه وعدوه في أكثر من مائة ألف، وهو في نفر أعزة شجعاء.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وقال أوس بن ثعلبة:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
جذام حبل الهوى ماضٍ إذا جعلت هواجس الهم بعد النوم تعتكر
وما تجهمنى ليل ولا بلد ولا تكاءدني عن حاجتي سفر
ما تجهمني أي ما قابلني بوجه جهم أي كريه، ولا تكاءدني أي ما شق على، وهو من القصبة الكؤود أي الشاقة. المعنى: يصف نفسه بالصرامة يقول: أنا أقطع سبب المودة إذا خطر الهم ليلًا، وما صعب علي ليل ولا موضع، ولا شق علي سفر فمنعني عن حاجتي.
(٢٣٦)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقول وسيفي في مفارق أغلب وقد خر كالجذع السحوق المشذب
بك الوجبة العظمى أناخت ولم تنخ بشعبة فابعد من صريع ملحب
سقاه الردى سيف إذا سل أومضت إليه ثنايات الموت من كل مرقب
أغلب اسم رجل وهو الغليظ العنق، والسحوق الطويل، والمشذب المقطوع الشذب وهو قضبانه، شبه الرجل لما سقط قتيلًا بجذع طويل قطعت عنه
[ ٢ / ٣٣٧ ]
قضبانه، والوجبة السقطة، ورجل ملحب إذا كان يؤذي الناس. المعنى: يصف شجاعته وقتله أغلب يقول: لما وسط سيفي مفرق أغلب وسقط أنه إذا سل طلع إليه الموت من كل موضع.
ويا عجل عجل القاتلين بذحلهم غريبًا لدينا من قبائل خصب
جنيتم وجرتم إذا أخذتم بحقكم غريبا زعمتم مرملا غير مذنب
وما قتل جار غائب عن نصيره لطالب أوتار بمسلك مطلب
فلم تدركوا ذحلًا ولم تذهبوا بما فعلتم بني عجل إلى وجه مذهب
ولكنكم خفتم أسنة مازن فنكبتم عنها إلى غير منكب
وقد ذقتمونا مرة بعد مرة وعلم بيان المرء عند المجرب
لأنكم فعلتم ما لم يحسن. المعنى: كان بنو عجل قتلوا رجلًا غريبًا بذحل كان لهم في بني مازن، والغريب كان من يحصب فعيرهم ذلك، وقال: خفتم أسنة بني مازن فقتلتم بذحلكم فيه غريبًا فقيرًا من غيرهم فلم تصيبوا في ذلك. ثم قال: لقد ذقتمونا مرارًا، ولا يعرف الرجل حق المعرفة إلا من قد جربه.
(٢٣٧)
وقال بغثر بن لقيط الأسدي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
أما حكيم فالتمست دماغه ومقيل هامته بحد المنصل
وإذا حملت على الكريهة لم أقل بعد العزيمة ليتني لم أفعل
التمست دماغه أي توصلت إليه بالسيف، فكأني التمس دماغه، مقيل هامته هو الدماغ. المعنى: يصف قتله حكيمًا، وانه إذا حمل على الكريهة أمضي عزيمته فيها ولم يندم.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وقال رجل من نمير:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أنا ابن الرابعين من آل عمرو وفرسان المنابر من جناب
نعرض للسيوف إذا التقينا وجوهًا لا تعرض للسباب
فآبائي سراة بني نمير وأخوالي سراة بني كلاب
الرابعون: السادة الذين يأخذون أرباع الغنائم، وفرسان المنابر يعني الأمراء. المعنى: يقول أنا ابن السادة من آل عمرو الأمراء من جناب نقتل من شئنا، ثم بين أنه كريم الطرفين.
(٢٣٩)
وقال الهذلول بن كعب العنبري روى الهيثم بن عدي عن عطاء عن مصعب عن عاصم بن الحدثان الليثي، وأبي الدقيش العنبري قالا: تزوج الهذلول ابن كعب امرأة من بني بهدلة فرأته يومًا يطحن، فضربت صدرها وقالت: أهذا
[ ٢ / ٣٣٩ ]
زوجي؟ ! فبلغه ذلك فقال هذا الشعر. وروى أبو العباس المبرد هذه الأبيات لأعرابي من بني سعد، وكان مملكًا فنزل به ضيف فقام إلى الرحى يطحن فمرت به زوجه في نسوة فقالت أهذا بعلي؟ ! أعظامًا لذلك فأخبر بما قالت فقال:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تقول وصحكت نحرها بيمينها أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجلي وتبيني فعالي إذا التفت علي الفوارس
ألست أرد القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين نائس
وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري خلوف المنايا حين فر المغامس
وأقري الهموم الطارقات حزامة إذا كثرت للطارقات الوساوس
صحكت أي دقت، ويروى "دقت صدرها" والمتقاعس: الرجل الذي خرج صده ويروى "ويركب رأسه" ويركب ردعه أي يسقط منكبه، وأصله في الإبل، ونائس متحرك، والأوق اثقل، وامترى خلوف المنايا أي أقبل، والمغامس الجريء الذي يركب رأسه، فهو يقول: إذا فر الذي يباشر الحروب وينغمس فيها جهلًا ثبت وحلبت ضروع المنايا، وأقرى الهموم أي أجعل الهموم التي تطرق ليلًا بمنزلة الضيف وأسن قراها، واجعل الحزم قرى لها، أي إذا هممت بشيء حزمت فيه. المعنى
[ ٢ / ٣٤٠ ]
يصف أن امرأته استصغرت أمره لما رأته يطحن فوصف لها نفسه وعظم عندها أمره. وبين لها شجاعته وصبره.
إذا خام أقوم تفحمت غمرة يهاب حمياها الألذ المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم لضيفي وإني إن كنت ركبت لفارس
وغني لأشري الحمد أبغي رباحة واترك قرني وهو خزيان ناعس
الحميا: السورة والشدة، والمداعس المطاعن، المعني: يصف نفاده في الشدائد إذا هاب غيره، وبين عذره في طحينه فقال: إني لخادم ضيفي، وهم يفتخرون بخدمة الأضياف لما في عقباها من الحمد.
(٢٤٠)
وقالت كنزة أم شملة:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إن بك ظني ضادقُا بشملة يحبسهم بها محبسًا أزلا
فيا شمل واطلب القوم بالذي أصبت ولا تقبل قصاصًا ولا عقًلا
محبسًا أزلًا أي ضيقًا. المعنى: تحث ابنها على طلب الثأر، وتمنعه من أخذ الدية، والاقتصار على القصاص.
(٢٤١)
وقالت أيضًا:
لهفى على القوم الذين تجمعوا بذي السيد لم يلقوا عليًا ولا عمرا
فإن يك ظني صادق وهو صادقي بشملة يحبسهم بها محبسًا وعرًا
[ ٢ / ٣٤١ ]
ويروى "لم يلقوا ركيكا ولا وعرا" والركيك الضعيف، ووعرا أي صعبا، والسيد موضع. المعنى: تحث ابنها على طلب القوم بالثأر.
(٢٤٢)
وقال شبرمة بن الطفيل:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
لعمرى لريم عند باب ابن محرز أغن عليه اليارقان مشوف
أحب إليكم من بيوت عمادها سيوف وأرماح لهن حفيف
اليارقان: السواران، والمشرف: المجلو، من قوله بالمشوف المعلم، المعنى: يعير قومًا يقول: التنعم والاشتغال بالنساء المسورات أحب إليكم من الوقوف تحت ظلال الرماح والسيوف.
أقولا لفتيان ضرار أبوهم ونحن بصحراء الطعان وقوف
أقيموا صدور الخيل إن نفوسكم لمقيات يوم ما لهن خلوف
خلوف جمع خلف. المعنى: يذكر تشجيعه فتيان ضرار وقوله لهم اثبتوا فإن الموت لابد منه، وسيجيء يوم لا خلف له.
(٢٤٣)
وقال قبيصة بن النصراني الجرمي:
(الأول من الوافر القافية متواتر)
[ ٢ / ٣٤٢ ]
بنيي هيصم هوجدتماني بطيا بالمحاولة احتيالي
وعاجمت الأمور وعاجمتنى كأني كنت في الأمم الخوالي
ويروى "أوجدتماني) وهما بمعنى واحد، عاجمت الأمور أي جربتها كأني كنت في الأمم الخوالي. المعنى: يخاطب رجلين يقول: لم تجداني بطيء الاحتيال لمحاولة الأشياء، ثم أخبر عن نفسه أنه جرب الأمور ومارس الخطوب.
فلسنا من بني جداء بكر ولكنا بنو جد النقال
الجداء المرأة التي لا لبن لها، ويروى "بنو جد الفعال" والنقال: المناقلة في الكلام، ورجل نقل أي فصيح. المعني: لسنا بني المرأة القليلة الولد ولكنا ذوو
[ ٢ / ٣٤٣ ]
عدد وبيان وقدرة على الجواب.
تفرى بيضها عنا فكنا بني الأجلاد منها والرمال
لنا الحصنان من أجأ وسلمى وشرقياهما دون انتحال
وتيماء التي من عهد عاد حميناها بأطراف العوالي
تفرى تشقق، بيضها يعني بيض الأمم وهو استعارة والمراد ولدتنا، والأجلاد الأرضون الصلبة، أي ملأنا الأرضين السهلة والمرتفعة لكثرتنا، وأجأ وسلمى جبلا طيء، ودون انتحال أي حقيقة لا دعوى باطل. المعنى: كثرنا حتى ملأنا المواقع الصلبة والسهلة، ثم افتخر بكون جبلي طيء لهم من غير دعوى لا حقيقة فيها، وافتخر بحفظهم بهما حتى لا يملكهما غيرهم.
(٢٤٤)
وقال سالم بن وابصة:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
عليك بالقصد فيما أنت فاعله إن التخلق يأتي دونه الخلق
التخلق أن يظهر من نفسه خلقًا لا يكون عليه، والقصد الإنصاف والحق. المعنى: أقصد في قولك ولا تظهر ما ليس من خلقك فتفضح.
وموقف مثل حد السيف قمت به أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زلقت ولا أبديت فاحشة إذا الرجال على أمثالها زلقوا
[ ٢ / ٣٤٤ ]
المعنى: يصف جلادته وثباته يقول: كما من موقف مخوف قمت حافظًا للحرم والناس ينظرون إلي فما أخطأت ولا فعلت ما يعاب علي.
(٢٤٥)
وقال آخر:
[من الضرب الثالث المحذوف من الطويل والقافية من المتواتر]
إن أك قصدًا في الرجال فإنني إذا حل أمر ساحتي لجسيم
القصد: المتقارب الذي ليس بتام الخلقة. المعنى: إن لم أكن عظيم الجسم فإني عظيم المنقبة، يتبين ذلك إذانزل بي أمر.
(٢٤٦)
وقال عامر بن الطفيل:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قضي الله في بعض المكاره للفتي برشد وفي بعض الهوى ما يحاذر
ألم تلعمي أني إذا الألف قادني إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
الإلف الصاحب، فعل بمعنى مفعول. ومعنى البيت الأول يقول: ربما يكره الفتي شيئًا وهو خير له، وربما يهوى ما هو شر له، من قوله تعالي: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
(٢٤٧)
وقال مجمع بن هلال؛ غزا مجمع بن هلال بن خالد بن مال بن هلاك بن قتم بن ثعلبة يريد بني سعد بن زيد مناة، فلم يصب شيئًا من حاجته فرجع من غزاته تلك فمر بماء لبني نمير يقال له اللهيمي ويقال: الهييما عليه ناس منبني مجاشع فقتل منهم وأسر وقال في ذلك:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن أمس ما شيخًا كبيرًا فطالما عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع
مضت مائة من مولدي فنضوتها وخمس تباع بع ذاك وأربع
نضيت ونضوت بمعنى واحد أي كشفت. المعنى: يذكر تعميره يقول: إن طال عمري فيما أرى طول العمر ينفع، ذم ذكر أنه عمر مائة وتسع سنين:
وخيل كأسراب القطا قد وزعتها لها سبل فيه المنية تلمع
شهدت وغنم قد حويت ولذة أتيت وماذا العيش إلا التمتع
أسراب القطا: جماعاتها، وقد وزعتها أي كنت القيم عليها، والوازع النقيب، وها سبل أي ما يتفرق، والسبل ما ينحسم من المطر. المعنى: يصف زعامته على الخيول والأقران وحوزة الغنائم، ثم قال: وما العيش إلا التمتع أي لا انتفاع به في مدة لتقطعه، ويروى "لها عارض فيه المنية تلمع".
وعاثرة يوم اللهيما رأيتها وقد ضمها من داخل القلب مجزع
[ ٢ / ٣٤٦ ]
لها غلل في الصدر ليس ببارح شجي نشب والعين بالماء تدمع
تقول وقد أفردتها من حليلها تعست كما أتعستني يا مجمع
فقلت لها بل تعس أخت مجاشع وقومك حتى خدك اليوم أضرع
عبأت له رمحًا طويلًا وآلة كأن قبس يعلي بها حين تشرع
أي كم امرأة قد عثرت على وجهها لما لحقها من الجزع، لها غلل: جمع غلة وهو توقد وحرارة، نشب متعلق في الصدر. المعنى: يصف ما كان منه يوم "الهييما" من قتله الرجال وإرماله النساء يقول: كم امرأة رأيتها تعثر على وجهها لما دخل قلبها من الجزع ولا تبرح حرارة صدرها وهي تبكي، وتدعو علي لأني قتلت زوجها فرددت عليها الدعاء، ثم ذكر أنه قتل زوجها طعنًا برمح يضيء سنانه.
وكائن تركت من كريمة معشر عليها الخموش ذات حزن تفجع
الخموش والخدوش، وخمشت وجهها خدشته. المعنى: كم قتلت من كبار الناس وتركت كريمته قد خمشت وجهها عليه تفجعًا.
(٢٤٨)
ذوقال الأخنس بن شهاب التغلبي جاهلي، الأخنس المنبسط قصبة الأنف:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فمن يك أمسى في بلاد مقامة يسائل أطلالًا لها لا تجاوب
فلابنة حطان بن قيس منازل كما نمق العنوان في الرق كاتب
[ ٢ / ٣٤٧ ]
تمشي بها حول النعام كأنها إماء تزجى بالعشي حواطب
وقفت بها أبكي وأشعر سخنة كما اعتاد محمومًا بخيبر ظالب
ويروى "كما رقش العنوان" أي خطط وزين، حول النعام جمع حائل وهي التي لا تبيض سنة ولا فرخ لها، وتزجى: تسوق، وصالب يريد حمى شديدة، وأشد ما تكون الحمى بخيبر المعنى: يذرك خلو المكان من ابنة حطان واستبدال النعام بها، ووقوفه في منازلها باكي العين، محترق الأحشاء كأن به حمى صالبة، ويروى "وقفت بها أعرى" من العروراء وهي الحمى تأخذه بالرعدة.
خليلاي هوجاء النجاء شملة وذو شطب لا يجتويه المصاحب
ليسأل ربع الدار صب متيم أخو قفرة ما تحتويه المذاهب
النجاء: السرعة، والشملة: الناقة السريعة الخفيفة، ما تجتويه أي ما تكرهه الطرق أي ما يكره المذاهب. المعنى: يقول: خليلاي من الدنيا ناقة سريعة وسيف مخطط ماض أي أنا صاحب سفر وأخو حرب.
وقد عشت دهرًا والغواة صحابتي أولئك أخواني الذين أصاحب
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قرينة من أعيا وقلد حبله وحاذر جراه الصديق الأقارب
فأديت عني ما استعرت من الصبا فللمال عندي اليوم راع وكاسب
الغواة جمع غاو، وقلد حبله أي ألقى حبله على غاربه، وجراه جريرته، والصديق بمعنى الجمع. المعنى: قد عشت زمانً غاويًا مع الغواة مؤاخيا لهم، قد خلعه قومه لسفهه وخشية أصدقائه ولجنايته، فارعويت اليوم عن الجهل، وأقبلت على حالي أصلحه.
لكل أناس من معد عمارة عروض إليها يلجأون وجانب
لكيز لها البحران والسيف كله وأن يأتها بأس من الهند كارب
تطير على أعجاز جون كأنها جهام أراق ماءه فهو آيب
وبكر لها صحن العراق وإن تشأ يحل دونها من اليمامة حاجب
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا كمعزى الحجاز أعوزتها الزرائب
فيغبقن أحلابًا ويصبحن مثلها فهن من التعداء قبل شوازب
فوارسها من تغلب ابنة وائل حماة كماة ليس فيهم أشائب
هم يضربون الكبش يبرق بيضه على وجهه من الدماء سبائب
وإن قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى القوم الذين نضارب
[ ٢ / ٣٤٩ ]
عمارة: رفعه على الأصل وخفضه على الجوار، عروض أي ناحية، كارب أي أمر شديد يكرب، شبه الخيل الجهام لأنه أسرع وأخف، لا حجاز بأرضنا أي ما تحتجز به من حصن أو جبل، وما نلقى ما زائدة أي نلقى مع الغيث، رائدات الخيل تجيء وتذهب، وشبهها بمعزى الحجاز لأنها أكثر وأفرط في تكثيرها، وقال أعوزتها الزرائب أي لم تضمها الزرائب وهي الحظائر لكثرتها، فهي أكثر جولانًا من غيرها. المعنى يقول: لكل أناس موضع يلجأون إليه ونحن لا حصن بأرضنا نلجأ إليه، ولكننا نوجد مع الغيث لعزنا، وخيلنا مرسلة كمعزى الحجاز كثرة لا يجسر عليها أحد، وهي مكرمة تسقى اللبن، مضمرة من كثرة العدو، ثم وصف فوارسها في الحماسة والشجاعة.
فلله قوم مثل قومي عصابة إذا احتفلت عند الملوك العصائب
أرى كل قومٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب
سارب: أي ذاهب، المعنى: يمدح قومه ويصفهم بالعزة والمنعة يقول: كل أناس ترتع أبلهم حولهم لا تبعد عنهم خوف الغارة، ونحن نخلي سرب ابلنا ترعى كيف شاءت لعزنا وثقتنا بأنه لا يجسر أحد على الإقدام عليها فهي آمنة رائعة.
(٢٤٩)
وقال العديل بن الفرخ العجلي، إسلامي وهو ممن هرب من الحجاج:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد وذات الثنايا الغر بالفاحم الجعد
وذات اللثات الحم والعارض الذي به أبرقت عمدًا بأبيض كالشهد
كأن ثناياها اغتبقن مدامة ثوت حججًا في رأس ذي قنة فرد
يريد ألا يا هذه اسلمي، والقنة أعلى الجبل، يقول: كأن ثنايا هذه الجارية شربت خمرًا كانت على رأس جبل ناء عن الناس فتركت حتى عتقت. المعني: يحيي صاحبته ويصف محاسنها وعذوبة ثناياها.
لعمري لقد مرت بي الطير آنفا بما لم يكن إذ مرت الطير من بد
جرى بفراق العامرية غدوة شواحج سود ما تعيد وما تبدي
إذا ما نعقن قلت هذا فراقها وإن هن لم ينعقن سلين من وجدي
البد: السعة، وشواحج غربان. المعنى: لقد مرت بي الطير بما احتجت إلهي لأعلم ما أبني عليه من أمري، ثم بين بماذا مرت، فقال: جرى بفراق العامرية غربان سود إذا صوتن فزعت لصوتها لأنها إمارة البيت، وإذا سكتن سكن وجدي وهو الحزن.
لعل الذي قاد النوى أن يردها إلينا فقد يدنى البعيد من البعد
وعل النوى في الدار يجمع بيننا وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
[ ٢ / ٣٥١ ]
وكيف ترجيها وقد حال دونها نمير وأجبال تعرضن من نجدٍ
المعنى: يؤمل لقاء حبيبته على ما بينهما من البعد، ثم استبعد ذلك فقال: وهل يجمع السيفان ويحك في غمد أي لا تجمع بيننا، ثم بيّن وجه اليأس وهي العداوة في بني نمير قومها.
ظللت أساقي الهم اخوتى الأولى أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد
كلانا ينادي يا نزار وبيننا قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند
قروم تسامي من نزار عليهم مضاعفة من نسج داود والسغد
إذا ما حملنا حملة مثلوا لنا بمرهفة تذري السواعد من صعد
وإن نحن نازلناهم بصوارم ردوا في سرابيل الحديد كما نردي
كفى حزنًا أن لا أزال أرى القنا تمج نجيعًا من ذراعي ومن عضدي
أساقى الهم أي أعمهم ويروى "أساقي السم" أبوهم أبي أي في كل حال، السغد بلد، مثلوا لنا ثبتوا، ويروى أيضًا "ثبتوا لنا" وتذرى السواعد أي تسقطها. المعنى: يذكر محاربته بني أعمامه وأنهم ينسبون إلى نزار، وكلهم سادة وأقران يكمل بعضهم بعضًا، ومعهم الرماح وعليهم الدروع. ثم أخذ يتأسف على محاربته من يحل منه محل نفسه، فلهذا قال: يمج نجيعًا من ذراعي ومن عضدي أي من أقاربي.
لعمري لئن رمت الخروج عليهم بقيس على قيس وعوف على سعد
وضيعت عمرًا والرباب ودرامًا وعمرو بن ود كيف أصبر عن ود
[ ٢ / ٣٥٢ ]
لكنت كمهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابيةٍ صلد
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد
يعني قيس عيلان الذين هم عشيرتي لأن قيس عيلان من مضر، وهذا عجلي من ربيعة على قيس الذين هم عشيرتي يعني قيس بن ثعلبة بن عكابة، لأن هذا من بني عجل، ويعني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض الذين هم عشيرتي، وقوله كمرضعة يعني الذئبة لأنها تترك أولادها وترضع أولاد الضبع، والرقراق ماء قليل. المعنى يقول: لئن حاربت قيسًا وسعدًا وضيعت الذين هم أولى بحفظهم عمرًا والرباب دارمًا وعمرو بن ود كنت كمن ترك الحزم وأراق الماء في سقائه لما يظهر له من السراب، وكنتن كذئبة ضيعت ولدها وأرضعت ولد غيرها.
فأوصيكما يا ابني نزار فتابعا وصية مفضي النصح والصدق والود
فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي ولا ترميا بالنبل ويحكما بعدي
أما ترهبان النار في ابني أبيكما ولا ترجوان الله في جنة الخلد
فما ترب أثرى لو جمعت ترابها بأكثر من ابني نزار على العد
هما كنفا الأرض اللذا لو ترعزعا تزعزع ما بين الجنوب إلى السد
قطع ألف الوصل في ابني نزار وذلك قليل جائز، ويروى "فلا تعلمن الحرب" أي لا تحوجون إلى قتالكم فأقاتل حتى أقتل فتعرف الحرب هامتي مطرحة في الهامات، ولا تقاتلوا بعدي أيضًا، ويروى "فلا تعلمن الحرب" مفتوحة بنصب الحرب، يعني لا تقاتلوا بعدي فتعلم بذلك هامتي وصداى في هام الموتى، واللذا أراد اللذان فحذف النون كقوله: "هما خطتا"، ويروى "فما ترب أثرى"
[ ٢ / ٣٥٣ ]
المعنى: يوصي أقاربه بالتواصل وترك التدابر والتقاتل، ويحذرهم الناران تقاطعوا، ويطمعهم في الجنة أن تواصلوا، ويذكرهم كثرة عدوهم وعزهم، وأشار إلى أن محاربتهم تذهب عزهم وتنقص عددهم.
وإني وإن عاديتهم وجفوتهم لتألم مما عض أكبادهم كبدي
لأن أبي عند الحفاظ أبوهم وخالهم خالي وجدهم جدي
رماحهم في الطول مثل رماحنا وهم مثلنا قد السيور من الجلد
المعنى يقول: وإن جفوت بني نزار فإنه يوجعني ما يوجعهم، لضم نسب الأب والأم أيانا، ونصب قد السيور على المصدر، ومعناه قدوا منا قد السيور من الجلد.
(٢٥٠)
وقال عبد القيس بن خفاف، أحد بني حنظلة بن مالك البرجمي:
[ ٢ / ٣٥٤ ]
(الأول من المتقارب والقافية متواتر)
صحوت وزايلني باطلي لعمر أبيك زيالا طويلا
وأصبحت لا نزقا للحاء ولا للحوم صديقى أكولا
ولا سابقي كاشح نازح بذحل إذا ما طلبت الذحولا
وأصبحت أعددت للنائبات عرضا بريئا وعضبا صقيلا
ووقع لسان كحد السنان ورمحا طويل القناة عسولا
وسابغة من جياد الدروع تسمع للسيف فيها صليلا
كمتن الغدير زهته الدبور يجر المدجج منها فضولا
صحوت: سلوت، وزايلني: فارقني، ولا للحوم صديقي، أي لا أغتاب أصدقائي. المعنى يصف ارعواءه واستعماله محاسن الأخلاق، وأنه لا يطيش ولا يغتاب ولا يفوته أحد بذحله، ويصف إعداده آلة الحرب من السيف - الرمح والدرع.
(٢٥١)
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم في يوم الفجار، وإنما سمي الفجار لأنه كان في الشهر الحرام، وهي مخضرمة:
[ ٢ / ٣٥٥ ]
(من مرفل الوافر والقافية من المتواتر)
سائل بنا في قومنا وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا في مجمع باق شناعه
فيه السنور والقنا والكبش ملتمع قناعه
بعكاظ يعشي الناظريـ ـن إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكا قسرا وأسلمه رعاعه
ومجدلا غادرنه بالقاع تنهشه ضباعه
الباء في بكا مكان أي كقوله الله تعالي: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ أي سائل قيسًا يخبرك ببلائنا يوم الفجار، وشناعه أي قبحه، وملتمعًا قناعه أي علم نفسه بجرأته فلا يخفى، والرعاع أوباش الناس وأرذالهم، لا واحد له من لفظه. المعنى تفتخر بما كان لهم من الظفر والغلبة على قيس يوم الفجار، تقول: سل عنا قيسًا يخبرك ببلائنا في حرب يوم الفجار لما حاربت قيس قريشًا وكنانة طالبة بثأر عروة، وكان قتله البراض الكناني، وحديثه معروف، ثم قالت، وليكف من شر سماعه أي أنا واثقون بما نخبر به إن سألت، ثم وصفت السلاح وما كان لهم من الغلبة والقتل.
(٢٥٢)
وقالت امرأة من بني عامر، قال أبو رياش هي قشيرية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وحرب يضج القوم من نفيانها ضجيج الجمال الجلة الدبرات
سيتركها قوم ويصلى بحرها بنو نسوة للثكل مصطبرات
[ ٢ / ٣٥٦ ]
فإن يك ظني صادقًا وهو صادقي بكم وبأحلام لكم صفرات
تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ويمسكن بالأكباد منكسرات
النفيان: ما تطاير من قطر المطر مأخوذ من النفي كأن السحاب ينفيه، وأرادت ما يتقاطر من الدم، والدبرات التي دبرت فهي أكثر ضجيجًا وأقل صبرًا، ومنه المثل "كأن على الأملس ما لاقي الدبر" وقولها: أحلام لكم صفرات أي خالية من الخير والحزم، والأحلام ها هنا العقول، تعد فيكم أي تنحر رماحنا كما تنحر الجزور، ونطاعن بها حتى تنكسر أعاليها فتؤخذ بأوساطها، وكبد كل شيء وسطه. المعنى: تصف شدة حرب تقع، ويضج الناس من دمائها، كما تضج الإبل المسان الدبرات تحت أثقالها، يعدل عنها قوم ويصلي بها آخرون قد اعتادوا الحروب. ثم قالت: ظني أن نقتلكم برماحنا طعنًا تتكسر فيه الرماح من شدته حتى نمسك بأوساطها.
(٢٥٣)
وقال معبد بن علقمة، إسلامي كان في زمن الفرزدق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
غيبت عن قتل الحتات وليتني شهدت حتاتًا يوم ضرج بالدم
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وفي الكف مني صارم ذو حفيظة منى ما يقدم في الضريبة يقدم
فيعلم حيا مالك ولفيفها بأن لست عن قتل الحتات بمحرم
الحتات: اسم رجل، وصارم ذو حفيظة أي سيف يبقى على الاستعمال، ويروى "ذو حقيقة" ولفيف القوم ولفهم أوباشهم الذين يلفهم معظم القوم، وفعيل وفعل بمعنى مفعول، المعنى: يتحسر على فوته حضور مقتل الحتات، فيكون هو قاتله.
فقل لزهير إن شتمت سراتنا فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبي الظلام ونعتصي بكل رقيق الشرفتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
المتشتم: المتعرض للشتم، والظلام - بالكسر - المظالمة، وقد يكون بمعنى الظلم، ونعتصي أي نضرب بالسيف. المعنى. يقولك لا نشتغل بالشتم فعل السفهاء، ولا نقبل الضيم بل نضع السيف مكان الشتم، فشتمنا بالفعل لا بالكلام.
وإن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم
التمادي: تجاوز المدى وهو الغاية، واستأخر أي تأخر. المعنى: يقول: مجاوزة ما كان بيننا في يديك لأني لا أظلمك ولكني أنتقم، فتأخر إن شئت أو تقدم.
(٢٥٤)
وقال أمية بن أبي الصلت، وتروى لابن عبد الأعلى، الصلت: السيف المجرد، ورجل صلت الجبين عريضه:
[ ٢ / ٣٥٨ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا تعل بما أدني إليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت لشكواك إلا ساهرًا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني وعيني تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي منك جبهًا وغلظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معدًا للخلاف كأنه برد على أهل الصواب موكل
ويروى "تعل بما أدنى إليك" و"أجنى إليك" أي اكتسب علتك أي أنفقت عليك، والجبة الرد، أصله الضرب على الجبهة. المعنى: يشكو ولده، ويذكر أنعامه عليه في التربية والشفقة، وأنه لما بلغ جازاه بالرد والجفوة، يقول: ليتك إن لم تجازني جزاء الآباء، جازيتني جزاء الجيران.
(٢٥٥)
وقالت امرأة من بني هزان في ابنها وقد عقها وهي أم ثواب، وهزان فعلان من
[ ٢ / ٣٥٩ ]
هززت، ولا يجوز أن يكون من هوازن لأنه لو كان كذلك لانصرف:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه أم الطعام ترى في جلده زغبًا
حتى إذا آض كالفحال شذبه أباره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يمزق أثوابي يؤدبني أبعد شيبي عندي يبتغي الأدبا
أم الطعام يعني أم المعدة، أي أعظم شيء في بدنه إذ ذاك حوصلته، تعني الفرخ الذي وصفت ابنها به، أي حيث أكبر شيء فيه بطنه، وروى "أطعمه" من الطعام، والفحال فحل النخل، وشذبه قد تقدم، والكرب أصول السعف التي تقطع فتيبس فتصير مثل الكتف. المعنى: تشكو ابنها وأنها ربته صغيرًا فلما تمت قامته كالنخل المشذب، وهو الذي يقطع ما تفرق من أغصانه، جفاها، ومزق ثيابها.
إني لأبصر في ترجيل لمته وخط لحيته في خده عجبًا
قالت له عرسه يومًا لتسمعني مهلًا فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نار مسعرة ثم استطاعات لزادت فوقها حطبا
ويروي "في نار مضرمة" ويروى "لألقت فوقي الخطبا" مكان "ثم استطاعت لألقت فوقها حطبا. المعنى: تذكر نبات لحية ابنها، وحسن تأميلها فيه وتذكر استهزاء امرأته بها مظهرة الميل إليها مع إضمار عداوتها.
(٢٥٦)
وقال ابن السلماني، ويروي ابن السليماني، والأول أصح، وهو
[ ٢ / ٣٦٠ ]
إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري إني يوم سلع للائم لنفسي ولكن ما يرد التلوم
أأمكنت من نفسي عدوي ضلة ألهفي على ما فات لو كنت أعلم
لو أن صدور الأمر يبدون للفتى كأعقابه لم تلقه يتندم
التلوم التحسر على الشيء، يتلهف على ما فات، وصدور الأمر أوائله، وأواخره أعقابه، يتندم أي يندم شيئًا بعد شيء. المعنى: يلوم نفسه حين لا ينفعه الندم على ما كان منه من تمكين عدوه من نفسه، ويروي "لم تلفه يتندم" أي لم تجده، ويروى "ألهفي على ما فات".
لعمري لقد كانت فجاج عريضة وليل سخامي الجناحين أدهم
إذ الأرض لم تجهل على فروجها وإذ لي عن دار الهوان مراغم
فلو شئت إذ بالأمر يسر لقلصت برحل فتلاء الذراعين عيهم
عليها دليل بالبلاد نهاره وبالليل لا يخطي لها القصد منسم
ويروي "مراغم" أي مذهب، وقلصت برحلي ارتفعت، والعيهم الناقة السريعة، وفتلاء الذراعين التي ف يديها انحناء، وقوله: عليها دليل يعني بالدليل نفسه يقول: أنا بصير يسير الليل والنهار والبلاد والطرق، المعنى: هذا تفسير ما ندم عليه يقول: كان يمكنني أن أنجو بنفسي فلا يتمكن مني عدوي، فلقد كانت طرق واسعة وليل مظلم، ومذهب عن دار الهوان فلو شئت لنجوت على راحلتي.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وقال قتادة بن مسلمة الحنفي، جاهلي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
بكرت علي من السفاه تلومني سفهًا تعجز بعلها وتلوم
لما رأتني قد رزثت فوارسي وبدت بجسمي نهكة وكلوم
ما كنت أول من أصاب بنكبة دهر وحي باسلون صميم
قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم والخيل في سبل الدماء تعوم
إذ تتقي بسراة آل مقاعس حذر الأسنة والسيوف تميم
لم ألق قبلهم فوارس مثلهم أحمى وهن هوازم وهزيم
تعجز بعلها تنسبه إلى العجز، رزئت فوارسي أي أصبت بهم، صميم: خالص النسب، حتى تكافأ جمعهم أي استوى الجبان والشجاع في هزمي إياهم، والسبل القاطر، وتعوم: تجري وهزيم فعيل بمعنى مفعول أي مهزومة. المعنى: يقول: لامتني امرأتي سفهًا وتنسبني إلى العجز لما رأتني متغير الجسم لهلاك فوارسي، ثم اعتذر عن نفسه فقال: لست أول من أصيب بحي كرام، ثم دل على شجاعته فقال: قاتلت أعدائي حتى استوى في الهزيمة شجاعهم وجبانهم.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
لما التقى الصفان واختلف القنا والخيل في النقع العجاج أزوم
في النقع ساهمة الوجوه عوابس وبهن من دعس الرماح كلوم
يممت كبشهم بطعنة فيصل فهوى لحر الوجه وهو ذميم
ومعي أسود من حنيفة في الوغي للبيض فوق رؤوسهم تسويم
قوم إذا لبسوا الحديد كأنهم في البيض والحلق الدلاص نجوم
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو يموت كريم
ويروى "نحو الغنائم" وأزوم جمع آزم أي عضاض على اللجم، والأزم العض فهو لحر الوجه أي على وجهه، وهو ذميم أي مذموم لأنه لم يدفع عن نفسه، والتسويم العلامات، وشبه الدروع والبيض بالنجوم لبريقها، وقيل: شبهها بها لأنه يقتدي بها، والأول أقرب، وهذا أغرب. المعنى: يصف قتله رئيس تميم لما اشتدت الحرب، ثم مدح قومه وأوعد العدو بعودة.
(٢٥٨)
وقال رجل من يشكر فيما كان بينهم وبين ذهل:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا أبلغ بني ذهل رسولًا وخص بها سراة بني النطاح
بأنا قد قتلنا بالمثنى عبيدة منكم وأبا الجلاح
فإن ترضوا فإنا قد رضينا وإن تأبوا فأطراف الرماح
[ ٢ / ٣٦٣ ]
مقومة وبيض مرهفات تتر جماجمًا وبنان راح
ويروي "وخص إلى سراة بني النطاح"، ويروي "قتلنا بالمعلى" ويروي "تبن جماجمًا" من أبانه إذا قطعه منه، والراح جمع الراحة وهو الكف. المعنى يصف انتقاصه من بني ذهل ويقول: إن رضيتم فأنا قد رضينا، وإن أبيتم وأردتم العودة فإنا معدون لذلك [رماحًا مثقفة وسيوفًا قواطع، تسقط الجماجم وتقطع أطراف الأكف].
(٢٥٩)
[وقال جريبة بن الأشيب الفقعسي، والأصح جريبة بن الأشيم الفقعسي:
[ ٢ / ٣٦٤ ]
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
فدي لفوارسي المعلميـ ـن تحت العجاجة خالي وعم
هم كشفوا عيبة العائبين من العار أوجههم كالحمم
ويروي "غيبة الغائبين". المعنى: يفدي فوارسه خاله وعمه ويثني عليهم بأنهم أزالوا عن قومه ما كانوا يعابون به، وينسبون إليه من الجبن والخور، فلما أبلوا كذبوا العائبين وسودوا وجوههم.
إذا الخيل صاحت صياح النسور حززنا شراسيفها بالجذم
الشراسيف: رؤوس الأضلاع، والجذم السياط، المعنى يقول: إذا أعيت الخيل وضعف صوتها شددنا عليها بالسياط ضربًاز
إذا الدهر أعيتك أنيابه لدى الشر فأزم به ما أزم
ولا تلف في شره هائيًا كأسك فيه مسر السقم
فأزم به ما أزم أي عض عليه. المعنى: لا تظهر العجز لحوادث الدهر وتجلد في كل حال.
عرضنا نزال فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أطم
وقد شبهوا العير أفراسنا فقد وجدوا ميرها ذا بشم
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أطم: أعظم، والطامة: المحنة. المعنى: دعوناهم للمبارزة فصعبت عليهم، وشبهوا خيلنا عيرًا، وقالوا: نغنمها فكذبنا تقديرهم ووجدوا ميرتها ذات بشم لأنها قتلوا أو قتلهم من عليها.
(٢٦٠)
وقال آخر:
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
أعددت بيضاء للحروب ومصـ ـقول الغرارين يقصم الحلقا
وقارحًا نبعة وملء جفير من نصال تخالها ورقا
وأريحيا عضبًا وذا خصل مخلولق المتن سابحًا تثقا
يملأ عينيك بالفناء وير ضيك عقابًا إن شئت أو نزقا
البيضاء: الدرع الصافية، مصقول الغرارين يعني سيفًا، ويروي "يفصم" أي يقطع، وقارحًا يعني قوسًا، والجفير الكنانة، والورق: الفضة مضروبة وغير مضروبة، شبه النصال بها لصفائها وقيل لخفتها، وأريحيًا سيفًا منسوبًا إلى "أريحا" وقيل: هو السيف الذي يهتز عند الضرب لجودة حديدته، وتثقا أي ممتلئًا نشاطًأ، ويرضيك عقابًا أي يعطيك جريًا بعد جري، والنزق الخفة، المعنى: يصف ما أعده للحرب من الدروع والسيف والقوس والنبل والفرس الكريم.
(٢٦١)
وقال الأسدي:
[ ٢ / ٣٦٦ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أتاني عن أبي أنس وعيد فسل لغيظة الضحاك جسمي
ولم أعص الأمير ولم أربه ولم أسبق أبا أنس بوغم
ولكن البعوث جرت علينا فصرنا بين تطويح وغرم
وخافت من جبال السغد نفسي وخافت من جبال خواررزم
وقارعت البعوث وقارعوني ففاز بضجعة في الحي سهمي
فأعطيت الجعالة مستميتًا خفيف الحاذ من فتيان جرم
أبو أنس الضحاك وهو الأمير الذي ذكره، وسل جسمي أذابه، والوغم: الحقد، والتطويح التبعيد، وطاح سقط وطوحه غيره، والغرم أن يخرج بديلًا ويقيم هو فيغرم جعالته، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، وقوله ففاز بضجعة في الحي سهمي أي بأن أخلف في الحي وأكون ضجيع داري. وخفيف الحاذ قال أبو عبيدة: الحاذ يريد خفة الظهر، ومستميتًا متعرضًا للموت مستسلمًا له. المعنى يذكر وعيد الضحاك إياه، وشدة جزعه من وعيده ويعتذر بأنه لم يعصه، ولم يفعل ما يوجب حقده، ولكنه خاف من جبال خراسان فأقام بديلًا عنه، ويروى "وجاشت من جبال خوارزم".
* * *
تم باب الحماسة
[ ٢ / ٣٦٧ ]