النسيب مصدر نسب الشاعر بالمرأة إذا ذكر محاسنها.
(١)
وقال الصمة بن عبد الله القشيري، إسلامي:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا
ريا اسم امرأة، باعدت أبعدت، يعني فارقت ريًا كائنًا شعباكما معًا، كما
[ ٣ / ٥٨ ]
تقول: زرته والشمع طالعة، والشعب: القبيلة العظيمة.
فما حسٌن أن تأتي الأمر طائعًا وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
داعي الصبابة أسمعا: مثل يريد به اهتياج الشوق الشديد حتى كأنه يدعوه بصوت يسمع. المعنى: لا يحسن أن تفعل شيئًا ثم تجزع ندمًا.
قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى وقل لنجٍد عندنا أن يودعا
المعنى: يكلف صاحبيه الوقوف بدار حبيبته للتوديع ويستقل التوديع لها.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
البشر جبل بالجزيرة، وكانت به وقعة معروفة، أعرض دوننا أي اعترض بيني وبين من فارقته، وبنات الشوق: القلب والعينان وكل عضو يؤثر شوقًا، ونزعا جمع نازع من النزاع وهو الشوق.
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وقد أكثروا في الأرض في هذا المعنى: ونحن نذكر ما بلغنا من ذلك إن شاء الله. قال المفجع في كتاب الترجمان: العين ها هنا عين السحاب، وهي سحابة تنشأ من
[ ٣ / ٥٩ ]
عين قبلة العراق يقول: هذه السحابة أمطرت فزجرتها لئلا تصوب على محلة أحبتي فيستغنوا بمصابها عن النجعة حتى ألقاهم، فنشأت سحابة أخرى فمطرتا كلتاهما فآيستاني. قال أبو علي الاستراباذي: وهذا غلط من وجوه: أحدها أنه قال: عينه اليمنى فأضافها إلى نفسه، الثاي أنه قال بعد الشيب أو الحلم، على حسب الرواية، ولا تعلق للسحاب بالشيب أو الحلم أو الجهل، والثالث أنه قد تقدم ذكر الدمع والعين فوجب أن يكون ما يليه مشاكلًا، والرابع أن أحدًا لا يزجر السحاب حتى يزجرها هو، وإنما جرت العادة بالاستمطار، وقيل في تفسيره أيضًا: إنما خص اليمين بالبكاء لأن لها ابتداء بالبكاء، وكل شيء من البدن قوته من الشق الأيمن أكثر، والدمع أول ما يخرج من العين اليمنى قال: وهذا أيضًا لا نعرف صحته، وقيل: إنما خص اليمنى بالبكاء ابتداء لأن دار حبيبته كانت عن يمينه، وهو تعسف أيضًا، لأن العين لا تتميز بالعلم فيكون منه الفعل اختيارًا، ولا أعلم أحدًا يبكي بعين دون عين لأنه ممتنع عن الإنسان، وقد حكي أن الذئب ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى وينظر بها، وهو شائع في العرب حتى قال حميد بن ثور:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
وفي الحيوان ما ينام مفتوح العين وهو الأرنب، وقد يتفق ذلك في الناس فأما البكاء بإحدى العينين دون الأخرى وكلتاهما صحيحة فلا، وقيل: إنه كان أعور اليسرى وهذا أصح الوجوه كأنه بكى بالعين الصحيحة ثم ساعدتها المؤوفة كما قال الآخر:
عذرتك يا عيني الصحيحة بالبكا فما أولع العوراء بالهملان
ويروي أن عمر﵁- قال لمتمم بن نويرة- وكان أعور- ما بلغ بك
[ ٣ / ٦٠ ]
من حزنك على أخيك؟ قال: بكيت عليه بعيني الصحيحة، وأسعدتها الأخرى الذاهبة.
فليست عشيات الحمى برواجٍع إليك ولكن خل عينيك تدمعا
ويروي "ألا ليس أيام الصبا برواجع إليك" المعنى: لن يعود إليك ما قد فاتك ولكن أكثر البكاء فإنه يشفي الصدور.
تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا
الليت: صفحة العنق وجمعه اللتات والأخدع في الليت، المعنى لما استحكم البعد بيني وبينها وهاج الشوق إليها أكثرت من التفاتي نحو ديارها حتى وجعت من كثرة الالتفات.
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشيٍة أن تصدعا
ويروي "أن تقطعا" المعنى: أذكر أيام الوصل من الحمى وما فاتني من الأنس بها فأنثني على كبدي الموجعة أسفًا ولهفًأ فأمسك عليها خوف التصدع.
(٢)
وقال آخر، إسلامي:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعٍة إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي به الجاة أم كنت أمرًأ لا أطيعها
[ ٣ / ٦١ ]
بشفاعة أي بشفيع ولهذا كنى عنه بقوله فتبتغي به الجاه. المعنى: أخبرت أن ليلى استشفعت إلي في حاجة، وما احتاجت إلى شفاعة أحد، لأني لا أخالفها، يصف فنزلتها عنده وطاعته لها.
(٣)
وقال ابن الدمينة بن دريد:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
أما يستفيق القلب إلا انبرى له توهم صيٍف من سعاد ومربع
يستفيق: يفيق، صيف: أراد به منزل الصيف لقوله مربع، انبرى: عرض وظهر.
المعنى: يعاتب نفسه في شغل القلب لسعاد.
أخادع عن أطلالها العين إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع
المعنى: يذكر تجلده في تناسيها، ويشكو عينه أنها تبكي كلما رأت آثارها.
عهدت بها وحشًا عليها براقٌع وهذي وحوٌش أصبحت لم تبرقع
يعني نساء متبرقعات، وهذي وحوش جمع وحش البر، والوحش الأول مجاز أي فارق الأطلال وأهلها وسكنها الوحش بدلًا منهم. المعنى: يصف استبدال منازل حبيبته الوحوش بأهلها.
[ ٣ / ٦٢ ]
(٤)
وقال آخر:
"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"
فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري
يعني لم يذهب عطشها، ويروي "ولم ترو هامتي" والمعنى فيه قولان: الأول يا رب لم تروني من ليلى قبل أن أموت بما يروي به المحب من حبيبته من نظرة وألفة، لم يكن قبر أعطش من قبري، أي لا مقبور أعطش مني، وخص الهامة بالعطش لأنها محله، والثاني أنه مبالغة في النحول والهلاك من حبها أي صار هامة كما يزعمون، أن الميت يصير بعد موته هامة أي يخرج من دماغه، فإذا كان مقتولًا ولم يدرك بثأره لا يزال يقول: اسقوني إلى أن يثأر، ويقال للشيخ الفاني: هو هامة يومه أو غده، فعلى هذا الوجه معناه إن لم يرو الخيال الباقي مني من ليلى فلا هامة أعطش من هامتي.
وإن أك عن ليلى سلوت فإنما تسليت من يأس ولم أسل من صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلٌد فرب غني نفٍس قريٍب من الفقر
إن تركت ذكر ليلى فسلوي سلو يأس لا صبر، ثم قال: إن استغنيت بامرأة غيرك فليست هي عوضًا منك، وكل ما تقنع به النفس فقر، فغناي بغيرك كالفقر إليك.
[ ٣ / ٦٣ ]
(٥)
وقال آخر، وهو جران العود النميري، إسلامي
"الثاني من البسيط والقافية من المتواتر"
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي والعقل متلٌه والقلب مشغول
متله- بكسر اللام وفتحها- مفتعل من الوله، ورجل واله ومتله. المعنى يصف دهشه بحبها حتى قدم ما يجب أن يؤخره وذلك أن يلقي البرذعة على ظهر البعير قبل الرحيل.
ثم انصرف إلى نضوي لأبعثه اثر الحدود الغوادي وهو معقول
النضو: البعير المهزول وجمعه أنضاء، والبلو: مثله وهو الذي قد أبلاه السفر، والحدج مركب من مراكب النساء وجمعه حدوج. المعنى يقول: قصدت أن أبعث بعيري قبل حل عقاله وذلك أنه يحل عقاله ثم يبعث.
(٦)
وقال جران العود أيضًا:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
أيا كبدًا كانت عشية غرٍب من الشوق اثر الظاعنين تصدع
عشية ما فيمن أقام بغرٍب مقاٌم ولا فيمن مضى متسرع
[ ٣ / ٦٤ ]
غرب: جبل دون الشام ببلاد كلب، والمقام: الإقامة. المعنى: البيتان معلقان كأنه قال: أطلب كبدا كادت تصدع شوقًا إلى من ارتحل في الوقت الذي يمكنني المقام مع المقيمين بغرب، والارتحال مع المرتحلين عنها.
(٧)
وقال الحسين بن مطير الأسدي، إسلامي:
"الأول من الطويل والقافية من المتراكب"
لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى على كبدي نارًا بطيئًا خمودها
المعنى يقول: كنت جلدًا قبل مفارقة أوداي والتهاب الشوق في كبدي إليهم، وقد ذهبت جلادتي الآن بمفارقتي لهم، يصف تأثير الفراق فيه.
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا قدمت أيامها وعهودها
المعنى يقول: كنت أرجو أن تقادم الأيام يزيل صبابتي إليها.
لقد جعلت في حبة القلب والحشا عهدا الهوى تولى بشوٍق يعيدها
(العهاد جمع عهدة وهو مطر أول السنة، والولي المطرة الثانية بعد الوسمي) شبه أول الشوق بالعهاد وما يوليه بالولي، وبشوق يعيدها أي يعيد العهاد من أعاد، وكان ثعلب يروي "بعيدها" من البعد أي ما بعد من العهاد، ومعناه يقويها تقوية الولي للوسمي.
بسوٍد نواصيها وحمٍر أكفها وصفٍر تراقيها وبيٍض خدودها
[ ٣ / ٦٥ ]
صفر تراقيها قيل من الطيب وقيل: من حلي الذهب، المعنى يصف الجواري بسواد الشعر وخضاب الكف واستعمال الطيب ولبس الحلي.
مخصرة الأوساط زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
مخصرة الأوساط أي لطيفتها، وفي الحديث "خصروا فعالكم" زانت عقودها أي أنها تحسن العقود ولا تحسنها العقود.
يمنينا حتى ترف قلوبنا رفيف الخزامى بات طٌل يجودها
يمنيننا أي يطمعننا من الأمنية، حتى ترف قلوبنا أي ترتاح وتفرح، رفيف الخزامى وهو خيري البر، ورفيفها اهتزازها، إذا كانت خضراء ناعمة، وبات طل يجودها أي ندى يجود عليها.
(٨)
وقال أبو صخر الهذلي، إسلامي:
"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"
أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر
المعنى: يحلف بالله أنه يحسد زوجين من الوحش لا يفزعان من شيء أن يكون مكانهما مع من يهواه.
فيا حبها زدني جوًي كل ليلٍة ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر
[ ٣ / ٦٦ ]
الجوى: داء في الجوف. المعنى: يستلذ بحبها ويستديم السقم الذي يكون منه ويودع السلو عنه إلى يوم القيامة.
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
إن قيل: كيف يستقيم هذا البيت لأنه استدام الجوى في البيت الأول، ويذكر في هذا انقضاء ما بينهما قيل: الأول على ما فسر صحيح، ولم يقل في الثاني انقضى الحب، ومعناه أن الدهر لم يزل يسعى في فساد ألفتنا فلما انقضى ما بينا من جهة الدهر أي فرق بيننا سكن الدهر، فليس يسعى في إفسادها ما بين محبين غيرنا، وقال بعضهم: معناه يسعى بيننا بعوائقه، فلما اجتمعنا ووصل كل منا إلى مناه يئس الدهر من الفساد بيننا فسكن سكون يائس.
(٩)
وقال أيضًا:
"من الكامل والقافية من المتواتر"
بيد الذي شغف الفؤاد بكم تفريج ما ألقى من الهم
أي الذي غلب الحب على قلبي، ومعناه الله الذي شغفني بكم هو القادر على تفريج الغم عني.
ويقر عيني وهي نازحٌة ما لا يقر بعين ذي الحلم
أني أرى وأظن أن سترى وضح النهار وعالي النجم
يقر عيني ما لا يقر عين حليم عاقل، وأفرح باليسير الذي لا يفرح به عاقل، وهو أن أرى وضح النهار وعالي النجم وأظن أنها ستراها، وأني أرى: بدل من ما لا يقر، وهذا كقول الآخر في المعنى:
[ ٣ / ٦٧ ]
أليس الله يجمعني وليلى كفاك بها وذاك لها تدان
ترى وضح النهار كما أراه ويعلوها النهار كما علاني
وقيل: إن هذا توعد لقومها أي أمري أمرًا عظيمًا، وسترى هي من قتل النفوس لأجلها، والعرب تصف اليوم الشديد بظهور النجم كما قال:
يومًا لا توارى كواكبه.
وقال طرفة:
وتريه النجم يجري بالظهر.
والأصل فيه أن النهار إذا أظلم ظهرت فيه النجوم، فعلى هذا الوجه لابد من كسر إني أرى.
ولليلٌة منها تعود لنا في غير ما رفثٍ ولا إثم
أشهى إلى نفسي ولو نزحت مما ملكت ومن بني سهم
[ ٣ / ٦٨ ]
ولو نزحت أي لو بعدت نفسي من ملكي يعني ذهاب ماله، وبنو سهم قبيلته، المعنى: لليلة تتفق لنا في غير ريبة أحب إلي من مالي وأهلي وقبيلتي.
ولو أن لومًا فيك أو عذلًا كلٌم بجسمي قد بدا كلمي
العذل أشد من اللوم، المعنى: قد أكثروا علي العذل واللوم فيك، فلو كان اللوم يجرح لظهرت بي جراحة.
قد كان صرٌم في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم
الصرم القطيعة، المعنى يقول: لو بقيت على الوصال كان الموت يفرق بيننا فعجلت بالفرقة قبل الموت وفعلت ما كنت أخشى أن يفعله الموت.
ولما بقيت ليبقين جوى بين الجوانح مضرٌع جسمي
المعنى: أنس حياتي بك فإن بعدت أو هلكت فلا خير في الحياة بعدك.
فتعلمي أن قد كلفت بكم ثم افعلي ما شئت عن علم
تعلمي أي اعلمي. المعنى: تحققي صدق محبتي لك ثم افعلي بعد العلم ما شئت. يستعطفها ويشير إلى أنك لا تفعلين بعد العلم ما لا يليق بالحال.
(١٠)
وقال آخر.
"الأول من الكامل والقافية من المتدارك"
إن التي زعمت فؤادك ملها خلقت هواك كما خلقت هوى لها
[ ٣ / ٦٩ ]
الهوى ها هنا المحبوب أي المهوي. المعنى: إن التي ظنت وقالت إنك مللتها ليس كذلك بل أنت تحبها كما تحبك هي.
بيضا باكرها النعيم فصاغها بلباقٍة فأدقها وأجلها
باكرها النعيم سبق النعيم في ابتداء خلقها، فصاغها بلباقة أي جعلها النعيم لبقة، فأدقها أي خصرها، وأجلها أي أردافها وقيل: أدق في محاسنها وأجلها في عيون الناس، والأول أجود. المعنى: يصفها بالنعمة ودقة الخصر وعظم الردف.
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها
ما كان أكثرها يعني التحية أي ما كان أكثرها في الانتفاع، وأقلها يعني قلة الألفاظ، وقيل: ما كان أكثرها لنا فيما مضى وأقلها الآن. المعنى: يتأسف على انقطاع تحيتها عنه.
وإذا وجدت لها وساس سلوٍة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
ويروي "شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها" ويروي "شفع الضمير لها إلي فسلها"، وقوله وساوس سلوة ما يخطر بباله، يقول: كيف أسلو عنها إن كان الضمير شفيعها إلي، وقوله: "فسلها" فأخرجها أي أخرج الوساوس من قلبي.
[ ٣ / ٧٠ ]
المعنى: لا أسلو عنها أبدًا وإن خطرت السلوة بقلبي زال ذلك سريعًا لأنه إذا كان الضمير أو القلب شفيعها فلا يحصل مضمر.
(١١)
وقال آخر:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
أما والذي حجت له العيس ترتمي لمرضاته شعٌث طويٌل ذميلها
يحلف بالله الذي حج له أهل العيس، شعث: غبر، ذميلها: سرعة سيرها، ويروي "ترتمي" أي تستبق في السير.
لئن نائبات الدهر يومًأ أدلن لي على أم عمرٍو دولًة لا أقيلها
أدلن لي بمعنى جعلن لي دولة أي ظفرًا، لا أقيلها قال بعضهم: أراد أعذبها كما عذبتني، ولا أتجاوز عن ذنبها من قولهم: "أقلت عثرته" وهو غلط، لأنه يخرج حينئذ عن حد النسيب، ومعناه- والله أعلم- لئن أظفرتني صروف الدهر بأم عمرو لا أقيلها أي لا أفارقها من إقالة البيع، وهو رد المبيع. المعنى: يندم على مفارقتها، ويحلف أنه إن ظفر بها بعد ذلك لم يفارقها.
(١٢)
وقال آخر:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًأ أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادٌر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
جعل العين رائدًا للقلب لأنه يشتهي ما تستحسنه العين، ويكره ما تستكرهه، المعنى: من يحفظ العينين عن إدامة النظر تحصل له السلامة.
[ ٣ / ٧١ ]
وقال آخر:
"الأول من الوافر والقافية من المتواتر"
أقول لصاحبي والعيس تهوى بنا بين المنفية فالضمار
تمتع من شميم عرار نجٍد فما بعد العشية من عرار
المنيفة والضمار موضعان، ويروي "تحدي" أي تسرع، وشميم: مصدر شم، والعرار نبت طيب الرائحة أصفر اللون، المعنى: يحكى بأنه أمر صاحبه بشميم عرار نجد فإنه مفارقه، وإنما فخم أمر عرار نجد لأنه في ديار حبيبته.
ألا يا حبذا نفحات نجٍد وريا روضة غب القطار
ريا روضه روائحه، وغب القطار بعد المطر، المعنى: يذكر استطابته نجدًا وما فيه.
وأهلك إذ يحل الحي نجدًا وأنت على زمانك غير زار
شهوٌر ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار
السر، بفتح السين وكسرها، آخر الشهر قدر استسرار القمر، وأيام السرور تستقصر لطيبها، وأيام الحزن تستطال لشدتها. المعنى: يستقصر أيام السرور.
(١٤)
وقال آخر:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
[ ٣ / ٧٢ ]
ومما شجاني أنها يوم أعرضت تولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيٍد بنظرٍة إلى التفاتًا أسلمتها المحاجر
أسلمتها المحاجر، وهي ما حول العين. المعنى: يصف حزنه عند فراقها وتهيؤه للبكاء عند صدودها، وإرساله الدمع عند التفاتها إليه، لأنها أسقمته بذلك وأجزعته.
(١٥)
وقال آخر، إسلامي:
"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"
ولما رأيت الكاشحين تتبعوا هوانا وأبدوا دوننا نظرًا شزرا
جعلت وما بي من جفاٍء ولا قلى أزوركم يومًأ وأهجركم شهرا
تتبعوا هوانا أي راموا فساد أمرنا، وهذان البيتان للشاعر العرجي، وذكر إسحاق ابن إبراهيم الموصلي أنه لما مات عمر بن أبي ربيعة رئيت جارية تبكي وتلطم وتقول: من لمكة وذكر شعابها ونسائها؟ فقيل لها: طيبي نفسًا فإنه قد نشأ فتى من آل عثمان بن عفان يقال له العرجي يحذو حذوه قالت: فأنشدوني بعض ما قال فأنشدوها "لما رأيت الكاشحين" قال: فمسحت عينيها ورفعت يديها إلى السماء وقالت الحمد لله الذي لم يضيع حرمه. والمعنى يعتذر في إقلال الزيارة ويزعم أنه خوف العدى.
[ ٣ / ٧٣ ]
وقال بعض القرشيين:
"الأول من الخفيف والقافية من المتواتر"
بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعًا والعيس تهوي هويا
خطرت خطرٌة على القلب من ذكـ راك وهنًا فما استطعت مضيًا
قلبت لبيك إذ دعاني لك الشو ق وللحاديين كرا المطيا
البلاكث والقاع موضعان، وتهوى هويا أي تسرع، وبينما للمباغتة، ووهنا أي بعد ساعة من الليل، ولبيك أي ها أنا ذا مقيم بين يديك إقامة بعد إقامة من ألب بالمكان ويروي "حثا المطيا" أي قلت للحاديين سوقا الإبل فإني قد عجزت عن السوق والحدو، وقيل: بل معناه أمرت الحاديين بسوق المطي نحوها. المعنى: يصف ما لحقه من الفتور عند ذكرها، والعجز عن سوق لابل وحدوها.
(١٧)
وقال آخر، وهو ابن هرمة، إسلامي:
"الأول من البسيط والقافية من المتراكب"
[ ٣ / ٧٤ ]
استبق دمعك لا يود البكاء به واكفف مدامع من عينيك تستبق
ليس الشؤون وإن جادت بباقيٍة ولا الجفون على هذا ولا الحدق
اكفف مدامع أي امنعها من السيلان، والمدامع: مجاري الدمع، تستبق: من السبق. المعنى: يكف نفسه عن البكاء ويذكرها بأن البكاء مفسد للعين.
(١٨)
وقال آخر، إسلامي:
"الثاني من الطويل والقافية متدارك"
قد كنت أعلو الحب حينًا فلم يزل بي النقص والإبرام حتى علانيا
ولم أر مثلينا خليلي جنايٍة أشد على رغم العدو تصافيا
خليلين لا نرجو لقاء ولا ترى خليلين إلا يرجوان التلاقيا
أعلو الحب أظهر وأقوى عليه. المعنى يقول: كنت أغلب الهوى زمانًا فجرت على أمور مختلفة من الهوى فغلبني، وصف مصافاتها على بعد الدار واليأس من الالتقاء.
(١٩)
وقال قيس بن ذريح، إسلامي:
"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"
[ ٣ / ٧٥ ]
وكل مصيبات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
الخطب: الأمر العظيم يستعمل في المكروه، المعنى: هون المصائب كلها إلا فراق الأحبة.
(٢٠)
وقال الحسين بن مطير:
"الأول من الطويل والقافية من التواتر"
فيا عجبًا للناس يستشرفونني كأن لم يروا بعدي محبًا ولا قبلي
يستشرفوني: يرفعون أبصارهم إلي كأنهم ينظرون إلي إلى موضع عال، ويروي "يستسرفونني" أي يجدونني مسرفًا في الحب عندهم، والأول أجود.
المعنى: يتعجب من تعجب الناس منه.
يقولون لي أصرم يرجع العقل كله وصرم حبيب النفس أذهب للعقل
المعنى: يخطئ رأيهم في صرفه الحبيب ليرجع عقله، وبين أن صرمه ذهاب للعقل لأنه إنما تغير عقله من الصدود والصرم أبلغ من ذلك.
ويا عجبًا من حب من هو قاتلي كأني أجزيه المودة من قتلي
أجزيه أجازيه. المعنى: يتعجب م حبه من يقتله صدا وإعراضًا وقال: كأني
[ ٣ / ٧٦ ]
جعلت مودتي له جزاء عن قلته إياي، فكلما زادني قتلًا زدته ودا، وعني بالقتل أسباب القتل.
ومن بينات الحب أن كان أهلها أحب إلى قلبي وعيني من أهلي
المعنى: يقول: من علامات الحب أنها أحب إلي من أهلي.
(٢١)
وقال عمر بن أبي ربيعة، إسلامي:
"الأول من الطويل والقافية من المتدارك"
ولما تفاوضنا الحديث وأسفرت وجوٌه زهاها الحسن أن تتقنعا
زهاها الحسن أي استخفها الحسن، فلم تتقنع ثقة بحسنها، وكانت المرأة من العرب إذا كانت رائعة الجمال ألقت نقابها فإذا كانت كريهة الوجه سترت وجهها.
تبالهن بالعرفان لما عرفنني وقلن امرؤ باٍغ أضل وأوضعا
تبالهن أظهرن البله من أنفسهن، المعنى: يصف حصوله عند نساء حسان عرفنه وأنكرن معرفته وداعبنه ونسبنه إلى التمادي.
وقربن أسباب الهوى لمتيٍم يقيس ذراعًا كلما قسن إصبعا
[ ٣ / ٧٧ ]
يقيس ذراعًا مثل أي يطمع في الكثير منهن إذا أطمعنه في اليسير من وصلهن.
وقلت لمطريهن ويحك إنما ضررت فهل تستطيع نفعًا فتنفعا
المطري: المادح والمزين، أطريت فلانًا أثنيت عليه، ومدحته بفضله وأصله من الطراوة. المعنى: يذكر طلب وصلهن على ألطف الوجوه.
(٢٢)
وقال ربيس التغلبي، والربيس تصغير الربس، وهو حبل يصعب به النخل:
"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"
هل تبلغني أم عمرٍو وتقذفن على طرٍب بيوت هم أقاتله
على طرب بيوت هم أقاتله يعني هما يبيت معه، ومقاتلة الهم مدافعته ومغالبته، يعني هل تقذف هما أقاسيه على طرب.
مبنية عتق حسن خٍد ومرفقًا به جنٌف أن يعرك الدف شاغله
مبينة عتق يعني ناقة تبين عتقها وكرمها في حسن خدها ومرفها به جنف يعن بالمرفق أي ميل لئلا يعرك الدف أي الجنب، وشاغله أي شاغل المرفق. يعني يريد أنها فتلاء الذراعين، والعراك أن يعرك المرفق الجنب من الضاغط يكون بالبعير.
مطارة قلٍب إن ثنى الرجل ربها بسلم غرٍز في مناٍخ تعاجله
[ ٣ / ٧٨ ]
مطارة قلب نعت للناقة أي حديدة قلب، كأنه أطير لذكائه وحدته، وأن ثني الرجل يعني إذا ركبها صاحبها تسرع في السير، وجعل الركاب سلمًا لأنه يتوصل به إلى ظهر الناقة تشبيهًا بسلم السطح. وفي ذكر السلم إشارة إلى طول الناقة، ويعاجله أي يعجل إليه ربها، والغرز ركاب من خشب.
يباري بها القود النوافخ في البري قليل النزول أغيد الخلق عاطله
يعني يباري صاحبها بها يعني الناقة، النوافخ في البري أي تنفخ في براها المرح والنشاط في طول وشدة السير، والبري جمع البرة، وهي حلقة في أنف البعير، قليل النزول يعني نفسه، يقل نزوله لدوام سيره، أغيد الخلق أي ناعم الشباب عاطله، الهاء للخلق ويفسر على وجهين: أحدهما أنه لا حلي عليه لأنه لا يتزين لدوام سفره، والآخر عاطله حسن الخلق، والعطل الحسن قاله الخليل.
مراجع نجد بعد فرك وبغضة مطلق بصري أصمع القلب جافله
أي كان يهوى نجدًا ثم سلي عنه وأبغضه، فراجعه الهوى فعاد إلى نجد، مطلق بصري أي تاركها، وبصري بالشام، وأصمع القلب أي ذكي القلب، جافله أي خفيف.
(٢٣)
وقال عبد الله بن العجلان النهدي
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
وحقه مسك من نساء لبستها شبابي وكأس باكرتني شمولها
[ ٣ / ٧٩ ]
يقول: كم من جارية طيبة كحقة مسك لبستها شبابي أي عاشرتها في شبابي، وكم من قدح فيه خمر شربتها بكرة، والشمول جنس من الخمر.
جديدة سربال الشباب كأنها سقية بردي نمتها غيولها
جديدة سربال يعني جدة شبابها وطراوتها، وحذف الهاء في جديد أكثر وسقية بردي، يعني ما سقي من البردي، والبردي نبت يشبه القصب، والغيول جمع غيل وهو الماء يجري على وجه الأرض، ومعنى نمتها أي نبتها أي تنبت في الماء الجاري فكأنها نبت الماء، ويروي "غذتها غيولها "من الغذاء ويروي "سقتها "والجميع حسن والأول أبدع.
ومخملة باللحم من دون ثوبها تطول القصار والطوال تطولها
ومخملة باللحم يعني السمن والغضاضة، والخمل هو الذي يستر الثوب من الزبير، وقال من دون ثوبها ليخرج من ذلك اليدان والرجلان والوجه، لأن كثرة اللحم لا يستحسن على هذه، تطول القصار أي هي ربعة تزيد عليهم في الطول، والطوال يزدن عليها يقال: طاولت فلانًا فطلته أي كنت أطول منه.
كأن دمقسًا أو فروع غمامة على متنها حيث استقر جديلها
فروع غمامة: أعلاها، وهو أبيض حسن لأنه مما يلي الشمس ومن علا قلل الجبال ربما رأى ذلك، لأن السحاب ينسحب دونه، والجديل الزمام، جدلته أي أحكم فتله، وأراد بالجديل هنا الذوائب أو ما يوصل به أطراف الذوائب وتسمى القصاص ومسقطها على المتن. يقول: كأن ما انتهى العقاص إليه من متنها عليه دمقس أو فروع غمامة لنقائه وبياضه، وقيل: أنه أراد بالجديل الوشاح، وما أراه كذلك، لأن الوشاح لا يكون على المتن ولا يستقر عليه، وإنما يكون إرساله على الصدر لا على الظهر. المعنى يقول: رب جارية طيبة الريح شابة غضة بضة صحبتها في شبابي ورب كأس سقيتها قبل أصحابي.
[ ٣ / ٨٠ ]
وأبيض منقوف وزق وقينة وصهباء في بيضاء باد حجولها
وأبيض قيل أراد به القدح، والمنقوف: المفتوح الرأس، وقيل: إنه أراد به العود لأن المنقوف هو المثقوب يقال: جذع منقوف ونقيف، وحجولها استدارتها في الزجاج وهو موضع انتهاء الخمر إليه من الزجاج يقال: فرس باد حجولها.
إذا صب في الراووق منها تضوعت كميت يلذ الشاربين قتيلها
الراووق: المصفاة لأنه يروق به الشراب، كميت يعني الخمر للونها تلذ الشاربين أي تجعلهم لذاذًا وتسقيهم لذاذًا. المعنى: يصف الخمر وأسبابها.
(٢٤)
وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي: إسلامي:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
ولما لحقنا بالحمول ودوننا خميص الحشا توهي القميص عواتقه
الحمول: الأحمال، والحمولة الإبل التي تحمل الأثقال وغيرها. وأراد به الظعن ها هنا ويروي "ودونها "خميص الحشا يعني رجلًا ضامر البطن، وهو الذي يحفظ النساء، توهي القميص عواتقه لقوته وجلده، لأنه ليس بعظيم الجنبين فتحملان الثوب فينخرق موضع الجيب.
قليل قذى العينين يعلم أنه هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه
[ ٣ / ٨١ ]
قليل قذى العينين يعني الغيور، يقول هو حديد البصر شديد النظر لا تقذي عينه بشيء فيمنعه من إدراك ما ينظر إليه، وقيل معناه لا تقذي عنه بشيء، لأنه غيور سيء الظن، كلما ظن بشيء يريبه غيره، فلا ينام على قدى ولا يجسر أحد أن يريه ما يكره فعلم أنه هو الموت.
عرضنا فسلمنا فسلم كارهًا علينا وتبريح من الغيظ خانقة
تبريح من الغيظ أي شدة من الغيظ كان يخنقه لأنه سيء الظن بالناس، فسلم كارهًا أي كره قربنا منه.
فسايرته مقدار ميل وليتني بكرهي له ما دام حيًا أرافقه
ويروي "موافقه "وهو أجود، ويروي "على رغمه طول الحياة أرافقه "المعنى: لما فارقه ندم لأنه وإن كان يكره قربه فقد كان يرى في بعض الأوقات صاحبته.
فلما رأت أن لا وصال وأنه مدى الصرم مضروبًا علينا سرادقه
فلما رأت يعني الجارية أن لا وصال، وأن مدى الصرم مضروب علينا سرادقه أي مضروب علينا حجابه وهو مثل.
رمتني بطرف لو كميًا رمت به لبل نجيعًا نحره وبنائقه
أي رمتني بطرف وبلمح وهو الإشارة لو رمت به شجاعًا لأدمته حتى بل الدم نحره وبنائق قميصه.
ولمح بعينيها كأن وميضه وميض الحيا تهدي لنجد شقائقه
يقول: كأن وميض اللمح وميض البرق وهو لمعانه، شبه لمع عينيها بلمع البرق شقائقه أي المطر الشديد الواحد شقيقة.
[ ٣ / ٨٢ ]
(٢٥)
وقال أبو الطمحان القيني، جاهلي (١):
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
ألا عللاني قبل صدح النوائح وقبل ارتقاء النفس بين الجوانح (٢)
عللته: طيبت نفسه بشيء، وصدح النوائح صوتهن، والصدح: الصوت، ويقال صدح الديك إذا صاح وصوت، ورجل مصدح حسن الصوت.
المعنى: يخاطب حبيبه يقول: عللني بوعد أو ما أسكن إليه قبل أن أهلك.
وقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ولست برائح
يقول: عللني قبل وقت الرحيل، وخطابه لحبيبه، وأخرج الخطاب مخرج التثنية على مذهب العرب.
(٢٦)
وقال آخر
«الأول من الطويل والقافية من المتواتر»
[ ٣ / ٨٣ ]
هل الوجد إلا أن قلبي لودنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
المعنى: يشكو لوعة الهوى، وشدة ضرامه وحره في قلبه، وقيد الرمح وقاده وقوده.
أفي الحق أني مغرم بك هائم وأنك لا خل هواك ولا خمر
المغرم: المولع بالشيء، لا خل هواك ولا خمر، هذا مثل يضرب للخير والشر، أي ليس عندك ما أنتفع به من قليل أو كثير، ويروي "ولا حلو لديك ولا مر ".
فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برئ السحر
المطبوب هو المسحور، والطب: السحر فإن قيل: فلم فرق بينهما؟ ففيه جوابان أحدهما أنه سمع بعض الناس يقولون: هو مطبوب فأجابهم على لفظهم، والآخر أن المطبوب أشد حالًا من المسحور، لأن السحر كالخدع والتعليل والطب ما يؤثر في النفس ويضعف الجسم. المعنى: يشكو لوعة الهوى ويعاتب حبيبته يقول: أحق أني كلف بك، وأنك لا تفكرين بي، ثم أظهر الرضا بجميع أحوال الهوى
(٢٧)
وقال آخر
«الأول من الطويل والقافية من المتواتر»
تشكي المحبون الصبابة ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
وكانت لنفسي لذة الحب وحدها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي (٣)
[ ٣ / ٨٤ ]
المعنى: هذا رجل يتمنى أن يكون به جميع ما يشكوه المحبون، ويعتد بعذاب الهوى لذة
(٢٨)
وقال شبرمة بن الطفيل، مخضرم، الشبرمة نبت يقال إنه نوع من الشيح ويقال: الشبرم القصير.
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
ويوم شديد الحر قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
لدن عدوة حتى أروح وصحبتي عصاة على الناهين شم المناخر
ليس في هذه الأبيات نسيب إنما فيها ذكر الشرب والقصف لدن غدوة يعني أول النهار، ولا ينصب بشيء من حروف الجر إلا بلدن، وشم المناخر أي أباة لا يذلون ولا ينقادون كما يقال شمخ بأنفه.
كأن أباريق الشمول لديهم إوز بأعلى الطف عوج الحناجر
الطف شاطئ الفرات، وعوج الحناجر أي معوجة الأعناق والإبريق: أشبه شيء بما شبهه به- المعنى: يصف تقصير يومه بالشرب والنقر وشبه الأباريق بالإوز.
(٢٩)
وقال جابر بن الثعلب الجرمي، جاهلي:
«الثالث من الطويل والقافية من المتواتر»
[ ٣ / ٨٥ ]
ومستخبر عن سر ريا رددته بعمياء من ريا بغير يقين
فقال انتصحني إنني لك ناصح وما أنا إن خبرته بأمين
رددته بعمياء أي بحالة عمياء، انتصحني أي أقبل نصيحتي، وبأمين أي مأمون يقول: إن خبرته بسرها لست ممن أوتمن، يصف كتمان سر صاحبته.
(٣٠)
وقال نفر بن قيس وهو جد الطرماح، جاهلي، نفر مصدر نفر الناس من منى وغيرها وهو يوم النفرة.
«الأول من الوافر والقافية من المتواتر»
ألا قالت بهيسة ما لنفر أراه غيرت منه الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعدي وكنت كأنك الشعري العبور
الشعريان ثنتان إحداهما "العبور "والأخرى "الغميصاء "وتشبه النساء بالعبور، وهي التي كان قوم من المشركيين يعبدونها، والعرب تزعم أن إحدى الشعريين عبرت المجرة فسميت العبور، والأخرى لما تخلفت عنها بكت شوقًا إليها حتى غمصت فسميت "الغميصاء ". المعنى: يذكر أن بهيسة عيرته تغيره عما كان عليه في حال شبابه، وأنه أجابها بمثل ذلك.
(٣١)
وقال برج بن مسهر الطائي، جاهلي:
[ ٣ / ٨٦ ]
«الأول من الوافر والقافية من المتواتر»
وندمان يزيد الكأس طيبًا سقيت إذا تغورت النجوم
يزيد الكأس طيبًا بحسن خلقه وحسن مفاكهته، إذا تغورت النجوم يعني الغبوق، ويروي "إذا تعرضت النجوم "يعني انتصاف النهار.
رفعت برأسه وكشفت عنه بمعرقة ملامة من يلوم
يعني شربنا وقد انتصف الليل بمعرفة، بكأس قليلة المزاج، وقوله: "رفعت برأسه "أي رأسه من النوم بأن سقيته كأسًا، وكشفت عنه ملامة من يلوم بتلك المعرقة فلم يفكر في اللوم أحد.
فلما أن تنشى قام خرق من الفتيان مختلق هضيم
تنشى أي سكر، قام خرق أي سخي كريم يعني نفسه، مختلق تام الخلقة، هضيم: دقيق الخصر ليس ببطين ويروي "هضوم "أي منفاق يهضم ماله.
إلى وجناء ناوية فكاست وهي العرقوب منها والصميم
وجناء: أي ناقة عظيمة الوجنة، ناوية: سمينة ومنه نوت الناقة: سمنت، وكاست: مشت على ثلاث قوائم لأنه لما سكر قام فعرقبها لتؤكل، وقوله "وهي العرقوب منها "أي ضعف عرقوبها لما عقرها، والصميم أراد الساق أي سقطت الناقة ولم يقلها عرقوبها وساقها بعد العقر.
كهاة شارف كانت لشيخ له خلق يحاذره الغريم
[ ٣ / ٨٧ ]
الكهاة: الناقة الضخمة، والشارف: المسنة، وقوله: له خلق يحاذره الغريم، لأنه يتلف ماله ولا يدخر شيئًا فغريمه يحاذره أن لا تصل منه إلى حقه لأن خلقه نحر الإبل وإنفاق المال.
فأشبع شربه وجرى عليهم بابريقين كأسهما رذوم
فأشبع شربه هم القوم الذين يشربون، رذوم سائل أي سقاهم بعد أن أشبعهم وأرواهم.
تراها في الإناء لها حميًا كميتًا مثل ما فقع الأديم
ترنح شربها حتى تراهم كأن القوم تنزفهم كلوم
ترنح شربها أي تميل بهم كأن القوم كلوم أي تميل بهم، يعني بشربها حتى إنهم كأنهم أصابتهم جراحات وكثر خروج الدم منها فضعفوا ومالوا، يقال: نزفت الجراحة دمه إذا جرح فخرج منه. المعنى: يصف جوده بالطعام والشراب، ويقول: كم من نديم حسن الخلق سقيت فلما سكر نحرت له ناقة كبيرة، أطعمت القوم وسقيتهم حتى مالوا وسكروا.
فقمنا والركاب مخيسات إلى فتل المرافق وهي كوم
مخسيات: مذللات أي معقولة للنحر والركوب، وإلى فتل المرافق، وهي كوم جمع كوماء وهي العظيمة السنام.
كأنا والرحال على صوار برمل خزاق أسلمه الصريم
الصوار: البقر الوحشية، وخزاق موضع، وأسلمه الصريم أي فارق الرمل وهو الصريم، والقطعة صريمة، فإذا فارق الوحش الرمل وصار إلى الجدد كان السير فيه أسهل، يقول: كأنا وكأن رحالنا على بقر وحشي برمل خزاق صار إلى الجدد، يعني السرعة والخفة، وقيل: إنما شبه رواحله بالبقر لبياضها، والأول أشبه بمعناه. المعنى: يصف ركوبه وركوب أصحابه نوقًا كرامًا خفافًا بعد الأكل والشرب.
[ ٣ / ٨٨ ]
فبتنا بيْن ذاك وبيْن مسْك فيَا عجبا لعيْش لَو يدوم
وفينَا مسمعات عنْد شرْب وغزلان يعُد لها الحميم
وبين مسك أي طيب، وغزلان يعني الجواري، يعد لها الحميم يعني الماء الحار للاغتسال كناية عن الجماع، وقيل: انهم كانوا يسقون الجواري الخمر، وكانوا يعللوهن بالغسل والماء الحار، وقيل: انهم كانوا يشربون الخمر في الشتاء بالماء الحار فلذلك ذكر الحميم، والأول الوجه. المعنى يصف مبيته في اللهو واللذة والطيب والغناء والتمتع بالجواري.
نطوِّف مَا نطوِّف ثُم يأوي ذوُو الأموال منَّا والعديِم
إلى حفَر أسافلهُن جوف وأعلاهُن صفاح مقيِم
إلى حفر يعني القبور، وأسافلهن جوف جمع جوفاء، وأجوف يعني اللحد، والصفاح الحجارة العراض يطبق بها فوق اللحد والقبر، الواحدة صفاحة.
المعنى: هذه الأبيات بالزهد أشبه منها بالنسيب، لأنه ذكر التنعيم والتلذذ، وختم بالموعظة وذكر القبر يقول: مصير الغني والفقير منا إلى القبور.
(٣٢)
وقال اياس بن الأرت الطائي، إسلامي:
«الأول من الطويل والقافية من المتواتر»
هلُم خليلي والغوايَة قَد تصبِي هلم نحَي المنتشين مِن الشرْب
نسَل ملامات الرجال بريَّة ونفْر شرور اليوْم باللهْو واللعْب
المنتشين يعني السكارى، والنشوة السكر، والغواية قد تصبي إي تزيغ عن الرشد، نسل أي نزيل ونخرج لأن الإنسان إذا عمل فيه الشراب لا يعمل فيه اللوم، فإنه أزاله عن نفسه ممن حيث لا يفكر فيه، وبربة هي فعلة من رويت، ونفري أي
[ ٣ / ٨٩ ]
نقطع والفري على جهة الإصلاح، والافرار: القطع على جهة الإفساد.
إذا مَا تراخَت ساعَة فاجعلنهَا لخيْر فاِن الدهْر أعصَل ذُو شغْب
فاِن يَك خيْر أَو يكُن بعْض راحَة فانَّك لاَق مِن هموم ومِن كرْب
إذا ما تراخت ساعة: أي تطاولت وامتدت، الدهر أعصل أي معوج.
المعنى: يدعو إلى الشرب واستقصار الأيام باللهو واللعب.
(٣٣)
وقال آخر:
«الأول من الوافر والقافية من المتواتر»
أحِب الأرْض تسكنهَا سليمَى واِن كانَت توارثهَا الجدوُب
ومَا دهرِي بحُب تراب أرض ولكِن مَن يحل بهَا حبيب
توارثها الجدوب أي مرت عليها الجدوب أي جدب بعد جدب بعد جدب كأنها توارثتها، وما دهري بحب كقولهم وما طي بكذا أي ما هواي وهمتي. المعنى: يصف حبه بلدها لأجل أنها تسكنه، ويروى «وما طبي بحب» أي علمي.
أعاذِل لو شربْت الخمْر حتَّى يكون لكُل أنملَة دبيب
إذا لعذرتنِي وعلمْت أنِّي بمَا أتلفْت مِن مالي مصيب
عني بدبيبها تأثير الخمر فيها، وإنما قال هذا على ما كان عند العاذلة.
المعنى: لو شربت الخمر وأخذتك الأريحية فعلت بمالك ما فعلت بمالي وعذرتني.
(٣٤)
وقال أبو صعترة البولاني، إسلامي:
[ ٣ / ٩٠ ]
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
فمَا نطفَة مِن مزْن تقاذفَت بِه حسُن الجودِي والليْل دامِس
النطفة: الماء القليل وجمعها نطف، وحب مزن: قطر سحاب، وتقاذفت: ترامت، ويروى «جنبتا الجودي» وجنبتا مثنى جنبة أي ناحية، والجودي جبل، استقرت عليه سفينة نوح ﵇، وقال بعضهم: اسم رجل، وحسن الجودي شواهقه.
فلمَا أقرتْه اللصَاب تنفسَّت شمال لأعلَى متنِه فهْو قارِس
بأطيَب مِن فيهَا ومَا ذقْت طعمَه ولكنني فيما ترَى العين قارس
اللصاب جمع لصْب: شق في الجبل، واللهب أوسع منه، وقارس بارد.
المعني: يصف طيب فم الجارية ظنا لأنه قال: وما ذقت طعمه.
(٣٥)
وقال الحارث بن خالد المخزومي، إسلامي كان في زمن عمر بن أبي ربعة
«الضرب الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر»
إني ومَا نحروا غداة منى عند الجوار تؤودُها العقْل
لَو بدلَت أعلى مساكنهَا سفلا وأصبَح سفلهَا يعلُو
[ ٣ / ٩١ ]
لعرفْت مغناهَا لمَا ضمنَت منِّي الضلوع لأهلهَا قبْل
تؤودها: تثقلها، والعقل جمع العقال، لما ضمنت يعني لما أضمره من محبة أهلها لأجلها. المعنى: يحلف بالبدن التي تنحر يوم مني أنه عين البصير بمنازلها يعرفها لو تغيرت، لما تردد إليها في هواها.
(٣٦)
وقال آخر:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
مريضات أوبات التهادِي كأنما تخاف على أحشائها أَن تقطعَا
قوله: مريضات أوبات التهادي، جعل أوبات تهاديها مريضة أي ضعيفة، والتهادي التمايل، كأن هؤلاء النسوة تخاف على أحشائها أن تقطعا أي تقطع لدقة خصورهن وعظم أردافهن، ثم شبه مشيهن بدبيب الحية في البرد في البيت الثاني فقال:
تسيب انسياب الأيْم أخضرَه الندَى فرفَع مِن أعطافِه مَا ترفعَا
الأيم والأين الحية، وسابت وانسابت جرت، وأخصره الندى أصابه الطل، خصر الرجل إذا آلمه البرد، فرفع لأن الحية أعجز شئ في البرد فإذا حلت على وجه الأرض تجتهد أن ترفع نفسها عن وجه الأرض لئلا يصيبها بردها، ولا تقدر على ذلك لضعفها من البرد فترفع رأسها وتجر سائرها برفق. المعنى: يصف تأني مشي النساء لكبر أردافهن، وشبه مشيهن بدبيب الحية الخصرة.
(٣٧)
وقال آخر:
[ ٣ / ٩٢ ]
«الثاني من الكامل والقافية من المتواتر»
أبَت الروادِف والثدِي لقمصهَا مَس البطون وأَن تمَس ظهورا
وإذا الرياح مَع العشِّي تناوحَت نبهْن حاسدَة وهجْن غيورا
ويروى «الروانف» والرانفتان: طرفا الاليتين، تناوحت تقابلت. المعنى: يصف نساء بالخمص ونهود الثدي وكبر الارداف يقول: تمنع أردافها وثديها أن تمس قمصها بطونها وظهورها، وقوله: «اذا الرياح تناوحت» أي هبت مرة من خلفهن ومرت من أمامهن فألصق ثيابهن بأجسادهن، فبان نهود ثديهن وعظم أردافهن فحرك ذلك من يحسدهن من النساء، وهيج من يغار عليهن من الرجال.
(٣٨)
وقال بكر بن النطاح، إسلامي كان في زمن أبي دلف العجلي، والنطاح مصدر ناطح، ويكون نطح:
«الأول من الكامل والقافية من المتدارك»
[ ٣ / ٩٣ ]
بيضاء تسحَب مِن قيام فرعها وتغيِب فيِه وهْو وحْف أسحَم
فكأنها فيِه نهار ساطِع وكأنَّه ليْل عليهَا مظلِم
فكأنها أي كأن الجارية في الشعر الأسحم نهار، وكأن الشعر عليها ليل مظلم، المعنى: يصف طول ذوائبها مع شدة سواد وحسن وجهها، وشبه حسن وجهها بالنهار العالي، وشعرها بالليل المظلم.
(٣٩)
وقال آخر:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
تأملتهَا مغترَّة فكأنمَّا رأيْت بهَا مِن سنَّة البدْر مطلعَا
اذَا مَا ملأْت العيْن منها ملأتهَا مِن الدمْع حتَّى أنزَف الدمْع أجمعَا
سنة البدر صفحته، وكذلك سنة الوجه، يعني لما طلعت فكأن البدر طلع بطلوعها فرأيته، والمغترة: الغافلة. المعنى: يصف حسن وجهها واستيلاء البكاء عليه عند رؤيتها، حسرة وتلهفا عليها، يقول: رأيتها مغترة أي لا تمكن من النظر إليها، أي هي تتستر، فأنا رأيتها على غفلة، فكأنما رأيت البدر، ويحتمل أن يكون المراد رؤيتها بغتة غير متصنعة، لأن النساء إذا أحسن بالرجال تزين لهم، فرآها غير متزينة فكانت كالبدر، فإذا تزينت كانت أحسن وأفتن.
(٤٠)
وقال كثير، وكثير تصغير كثير أو كثار:
«الثاني من الطويل والقافية متدارك»
وددْت ومَا تغنِي الودادَة أننِي بمَا في ضمير الحاجبيَّة عالِم
[ ٣ / ٩٤ ]
فإن كاَن خيرْا سرنِي وعلمتُه واِن كان شرّا لَم تلمنِي اللوائِم
وودت تمنيت هنا. المعنى يتمنى أن يتحقق بما في قلبها، أتحبه أم لا. قال: لم تلمني اللوائم بل يلومونها هي ويقولون الذنب لها.
ومَا ذكرتْك النفْس إلا تفرقَت فريقيْن منها عاذِر لي ولائِم
المعنى تعذر نفسي تارة لأن مثلها أهل لأن يشغف بها، وتلومني تارة للافراط في هواها، أو تلومني على حب من لا يقدر عليه ولا مطمع فيه.
(٤١)
وقال أيضا:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
وأنْت التي حببْت شغبَا إلى بدا إلي وأوطانِي بلاَد سواهما
شغب وبدا: قريتان على طريق المدينة إلى مصر. المعنى: يصف اشتهاره بحبب بلدها لأجلها.
وحلَّن بهذا حلَّة ثُم أصبحَت بهذا فطاَب الواديان كلاهما
المعنى: يصف طيب محلها لطيبها.
(٤٢)
وقال نصيْب:
[ ٣ / ٩٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقَد هتفَت في جنْح ليْل حمامَة على فنَن وهنا وانِّي لنائِم
كذبْت وبيْت الله لَو كنْت عاشقَا لما سبقتنِي بالبكاء الحمائِم
المعنى: يوبخ نفسه في تركه البكاء واشتغاله بالنوم وهو عاشق، لما سمع صوت الحمامة، ويكذب نفسه في ادعائه العشق.
(٤٣)
وقال آخر (١):
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أحقّا يَا حمامَة بطْن وَج بهذا الوجْد أنَّك تصدقينَا
أرار الله مخَّك في السلامَى إلى مَن بالحنين تعولينَا
فانِّي مثلما تجديِن وجدِي ولكنِّي أمِر وتعلنينَا
وَبي مثْل الذِي بِك غيْر أني أجَل عَن العقال وتعقلينا
وانِّي إن بكيْت جرَت دموعِي وانَّك تعولين فتكذبينَا
[ ٣ / ٩٦ ]
أرار الله مخك أي أرق الله مخك أي جعل مخك رقيقا، يدعو عليها بالضعف،، يقال مخ رير أي ضعيف، والسلامى عظم في البعير وهو آخر ما يبقى فيه النقي فإذا ذهب النقي من السلامى فقد بلغ الهزال النهاية، وانك تعولين أي تبكين فتكذبينا لأن صوتك يشبه البكاء، والعويل لا يكون الا مع الصوت ولهذا جعل العويل للناقة والبكاء لنفسه، ثم صدقها فقال: وبي مثل الذي بك من الشوق غير أني أجل عن العقال أي رفع عني أن أعقل كما تعقلين. المعنى ظاهر في هذه الأبيات ما خلا البيت الأول، انه يخاطب ناقته والبيت الأول في مخاطبة الحمامة، ولا يخلو أما أن يكون البيت الأول من هذه القصيدة أو من غيرها، فان كان من غيرها فقد غلط في الجمع بينه وبين هذه الأبيات، وان كان منها فلا يخلو من أن يكون البيت الأول في ذكر الحمامة ثم صرف الخطاب إلى الناقة لأن السلامى لم يسمع في الطائر، ولأنه وان كان يشد فلا يقال يعقل، ولا يقال لرباطه العقال أو أن يكون العقال مجازا هنا والسلامى كذلك، وأن يكون سمى ناقته حمامة تشبيها بها لسرعتها، وهذا أحسن ما قيل، ووج اسم للطائف.
(٤٤)
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولما أبَى الا جماحا فؤادُه ولَم يسْل عَن ليلى بمال ولا أهْل
تسلَّى بأخرَى غيرها فاذا التِي تسلَّى بها تغرِي بليلى ولا تسلي
[ ٣ / ٩٧ ]
الجماح: الشدة، المعنى: يشكو قلبه، ويقول: لما أبى القلب إلا ذهابا في مراده ولم يسل بها عن ليلى فزادتني محبة لأنها لم تكن مثل ليلى في الجمال والكمال.
(٤٥)
وقال آخر وهو كثير، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
عجبْت لبري منْك يا عَز بعدما عمرْت زمانا منْك غيْر صحيح
فاِن كان برء النفْس لي منْك راحَة فقَد برئَت اِن كان ذاك مريحي
تجلَّى غطاء الرأس عنِّي ولَم يكَد غطاء فؤادِي ينجلي لسريحي
تجلى غطاء الرأس له معنيان: احدهما قد زال ظاهر الهوى عني، وبقيت في فؤادي، والآخر أراد به الشباب يقول: قد انكشف الشباب عن راسي وشبت، ولا يكاد قلبي يصلح، وقوله: "لسريحي" يريد خلاصي. المعنى: يصف أنه عاش زمانا مستهاما بها، ثم تعجب من سلوه عنها، ثم شكا بقية في فؤاده من حبها.
(٤٦)
وقال عروة بن أذينة الكناني، إسلامي كان في زمن هشام بن عبد الملك:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إلفان تعنيهما للبيْن فرقتُه ولا يملاَّن طول الدهْر مَا اجتمعَا
[ ٣ / ٩٨ ]
إلفان: صديقان والجمع ألاف وقيل: ألاف، وتعيينهما للبين فرقته، أي يغتمان للبين خوفًا أن يحدث.
مستقبلان نشاصا من شبابهما إذا دعا دعوة داعي الهوى سمعا
يعنى للوصل مستقبلان نشاطًا من شبابهما أي اقتبالًا يقول هما مقتبلا الشباب، وأصل النشوص الارتفاع تقول: نش السحاب إذا ارتفع في قطر الهواء.
لا يعجبان بقول عن عرض ويعجبان بما قالا وما صنعا
عن عرض أي عن جانب، المعنى: يصف صديقين شابين يهتمان للفرقة، ولا يضجران بالألفة، ويقضيان حق الهوى ولا يفكران في لوم الناس.
(٤٧)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ولما بدأ لي منك ميل مع العدا سواي ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صد الرمي نطاولت به مدة الأيام وهو قتيل
الرمي: الصيد المرمي. المعني: يقول: لما رأيتك ملت مع العدا صددت عنك صدود يأس لا صدود سلوة، وأنا أعلم أهواك قاتلي كالرمي من الوحش، تقتله الرمية لا محالة، وإن امتدت أيامه.
(٤٨)
وقال أخر:
[ ٣ / ٩٩ ]
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أحبا على حب وأنت بخيلة وقد زعموا ألا يحب بخيل
أي لأحبك حبًا بعد حب، وأنت بخيلة، وقد زعموا أن البخيل لا يحب، كأنه تعجب من حبه لها مع بخلها عليه.
بلى والذي حج الملبون بيته ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل
وإن بنا لو تعلمين لغلة إليك كما بالحائمات غليل
قوله: يشفي الهوى بالنيل وهو قليل، يريد شفي صاحب الهوى بقليل من النيل، والحائمات اللواتي يحمن حول الماء تراه ولا تصل إليه، وإننا شبه نفسه بالحائمات لأنه كان يقرب منهما ولا يصل إليها، ويقال: أنه لا يهلك أحد من العطش إلا بقرب الماء عاينه أو لم يعاينه. المعني: عابقها ابتداء وقال: أحبك حبًا بعد حب، وانت بخيلة بالمحبة، ثم ندم على ذلك وأقسم بالله أنه يحبها مع بخلها ثم ذكر ما به من جهد الهوى، وشبه نفسه بالعطاش حول الماء تحوم حواليه ولا تصل إليه.
(٤٩)
وقال آخر:
[ ٣ / ١٠٠ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا كان لا يسليك عمن توده تناء ولا يشفيك طول تلاق
فما أنت إلا مستعير حشاشة لمهجة نفس آذنت بفراق
المعنى: يقول: إن كنت لا يسليك بعد ولا يشفيك لقاء فأنت هالك، ولست إلا من به رمق من حياة قد أشرف على خروج نفسه.
(٥٠)
وقال عبد الله بن الدمينة، وتروى لنُصيب
«الأول من الطويل والقافية من المتواتر»
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدًا على وجد
المعنى: يستخبر ريح الصبا عن وقت مفارقتها نجدًا، ويذكر أنه استجد بمسراها حزنًا.
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى على فنن غض النبات من الرند
رونق الضحى: صدر النهار، والرند شجرة طيبة الرائحة، والفنن الغصن.
بكيت كما يبكي الوليد ولم تزل جليدًا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن النأي يشفي من الوجد
[ ٣ / ١٠١ ]
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على ذاك قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود
جليدًا أي جلدًا، بكل تداوينا يعني من الدنو والنأي، على ذاك يعني على تداوينا وعلى تجيبنا. المعنى: يعاتب نفسه في بكائه لما سمع صوت الحمامة، وقال لنفسه: لم تزل جليدًا فلم جزعت، وقد قيل: "يمل" وأن النأي يشفي، ثم أجاب نفسه عن هذا فقال: بكل تداوينا يعني بالدنو والبعد، فلم يشف ذا ولا ذا، وفضل القرب على البعد على كل حال، ويقال: أنه أراد بقوله: "أن المحب إذا دنا يمل".
(٥١)
وقال آخر:
[ ٣ / ١٠٢ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا طرقتنا آخر الليل زينب عليك سلام هل لما فات مطلب
وقال: تجنبنا ولا تقربنا فكيف وأنتم حاجتي أتجنب
أي فقلت: عليك سلام، وهي تحية الموتى وإنما جعل تحية الموتى لأنه جواب ولا يلزم الجواب جواب، والموتى لا يخاطبون بما يقتضي الجواب، ولما كان الخيال غير صاحبه حسنت إزالة التحية عن وجهها. المعنى: يصف رؤية خيالها، والتماسه استدراك الفائت من وصله وتأبيها عليه، وقوله لها: كيف أتجنب وأنتم حاجتي.
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل خطب الشيب إن كنت كلما بدت شيبة يعري من اللهو مركب المعنى: تعيرني بالغزل بعد الثلاثين فقلت: وهل يعقل أحد قبل الثلاثين الهوى وطعمه وطرقه.
(٥٢)
وقال كثير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني بقول يحل العصم سهل الأباطح
يحل العصم أي بقول لين يخدع به من لا ينخدع، والعصم: الأوعال واحدها أعصم وعصماء، وإنما قيل لها ذلك لبياض أيديها، والأباطح جمع الأبطح وهو المكان السهل.
[ ٣ / ١٠٣ ]
تناءيت عني حين لا لي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح
فما حب ليلى بالوشيك انقطاعه ولا بالمؤدي عند رد المنائح
ويروى "تناهيت عني" و"تباعدت" والمنائح العواري. المعنى: يعاتبها ويقول لها قربتني حتى خدعتني، وأنا هالك في هواك، ثم دل على أن حبها دائم لا يرد إذا ردت العواري أي لا أستطيق من حبها أبدًا ولا أسلو.
(٥٣)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا من النبل لا بالطائشات الخواطف
أي قربن منا مقدار ما إلى الصيد من المسافة، ثم رميننا من النبل، والطائشات التي تطيش عن الهدف وتعدل عنه، والخواطف التي تقارب الهدف فتمر ولا تصيب أو تصيب شيئًا ولا تثبت فيه، يقول: هؤلاء النسوة رميننا بعيونهن لا بسهام تطيش ولا تصيب.
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم فيا عجبًا للقاتلات الضعائف
[ ٣ / ١٠٤ ]
ضعائف: يعني النساء يقتلن الرجال الأقوياء بلا دم لهن، ثم أظهر التعجب فقال يا عجبًا. المعنى: يصف تأثير عيون النساء في القلوب واصطيادهن الرجال بها.
وللعين ملهي في التلاد ولم يقد هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
المعنى يقول: للعين مسرة في الأهواء القديمة والأشياء المألوفة، ولا يقود النفس شيء، ولا تغلب عليه محبته كالطرائف المستحدثة كقولهم: لكل جديد لذة.
(٥٤)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا لأفقر مني إنني لفقير
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت فهل يأتيني بالطلاق بشير
المعنى: يصف حاجته إلى ترشف رضابها، ويصف حاجته إلى تطليق زوجتها إياها فلعله يصل إليها.
(٥٥)
وقال آخر وهو عبد الله بن الدمينة، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سلي البانة الغناء بالأجزع الذي به البان هل حيين أطلال دارك
[ ٣ / ١٠٥ ]
الغناء: الكثيرة الأغصان، وقرية غناء أي كثير أهلها، ويروى "الغيناء" وهي الكثيرة الأغصان، والأجرع: الأرض السهلة ذات الرمل، والمؤنث جرعاء.
وهل قمت في أظلالهن عشية مقام أخي البأساء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ورقراق عيني رهبة من زيالك
رقراق عيني: سيلان الدمع، والزيال: الفراق. المعنى: يصف بكاءه لها وفرط جزعه خشية فراقها، واستشهد بالشجرة التي فعل عندها يقول: سلي البانة لما مررت بدارك بالأجرع هل تذكرت أيامك وهل بكيت وقمت هناك اختيارًا؟ ثم قال: ليهنك بكائي بها، وامساكي بكفي من حبك على كبدي خوف فراقك.
(٥٦)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
يقر بعيني أن أرى رملة الغضا إذا ما بدت يومًا لعيني قلالها
ولست وإن أحييت من يسكن الغضا بأول راج حاجة لا ينالها
المعنى: يصف محبته رؤية خيال أرضها لفرط محبته لها، ثم تعزى فقال: إن لم أظفر بحاجتي منها فلست أول خائب في الدنيا.
[ ٣ / ١٠٦ ]
(٥٧)
وقال أبو دهبل الجمحي، دهبل: طائر، وجمح: فعل من جمح.
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن عليك شجي في القلب حين تلين
وإن هي أعطتك الليان فإنها لغيرك من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
الليان: الملاينة، وقوله: فليس لمخضوب البنان يمين أي لا تعتمديه من النساء. المعنى: لا وفاء للنساء فلا تأس على بعدهن، ولا تغتر بأيمانهن، واستمستك بما تسهل منهن وأعلم أن وصلك وصل غيرك.
(٥٨)
وقال حميد بن ثور الهلالي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ١٠٧ ]
قليلة لحم الناظرين يزينها شباب ومخفوض من العيش بارد
بارد أي طيب ناعم، ومنه الغنيمة الباردة، المعنى: يصفها بالطاقة وأنها ليست جهمة الوجه، ويذكر شبابها ونعمته ونعمتها.
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم إليه ولكن طأطأته الولائد
تنتاش: تتناول، طأطأته: خفضته، المعنى: يصفها بالطاقة ويذكر أنها مخدمة.
تناهى إلى لهو الحديث كأنها أخو سقطة قد أسلمته العوائد
أخو سقطة أي كمن به سقطة أي عليل يعجز عن الحركة، وأسلمته العوائد أي تركت عيادته. المعنى: يصف نعمتها يقول: تنتهي إلى جارتها لتلهو معهن فتأتي منتهزة وكأنها مريضة لترفها ونعمتها.
(٥٩)
وقال توبة بن الحمير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولو أن ليلى العامرية سلمت علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
[ ٣ / ١٠٨ ]
ويروى "ودوني جندل وصفائح" يعني فوقي، لسلمت يعني لسرني سلامها وردت روحي إلى بدني، وزقا: صاح. المعنى: يصف فرط محبته لها، ويقول: لو سلمت ليلي عليّ وأنا مقبور أحياني سلامها وأجيبها عنه مسرورًا أو أجابها صداي. ويرى أن ليلى الأخيلية مرت بقبر توبة فعدلت عنه وكان من عشقها فبلغ ذلك الحجاج فقال لها: يا قليلة الوفاء رجل هلك في هواك لم تريه أهلًا للزيارة فاعتذرت بأن قالت أني سمعته يقول: ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت ألبيتان، فلم أحب أن أكذبه بعد موته.
وأغبط من ليلى بما لا أناله ألا كل ما قرب به العين صالح
المعنى: الوشاة يقدرون أني أنال من ليلى مرادي، ويغبطوني بذلك، ثم طيب نفسه بأن ذلك يسره لأنه يرغم أعداءه فقال: كل ما قرت به العين صالح.
ولو أن ليلى في السماء لصعدت بطرفي إلى ليلى العيون اللوامح
العين: الرقباء هنا. المعنى يقول: لو أن ليلى في السماء لقال الرقباء الكاشحون إن طرفه يصعد إليها وشاية لها، ويروى أن ليلى هذه مرت بقبر توبة مع زوجها وكانا راكبين فقال زوجها: هذا قبر توبة، وهو الذي يقول: ولو أن ليلى الأخيلية .. وأنشد الأبيات، وأنا أسألك أن تسلمي عليه فأبت، فحلف عليها بالطلاق أن تدنو من القبر وتسلم عليه، فدنت منه وقالت: سلام عليك يا توبة أنا ليلى الأخيلية، فخرجت من قبره قطاة كانت اتخذته مأوى لها فطارت وصاحت، فنفر بعيرها الذي كانت عليه فوقصت وماتت فدفنت إلى جنبه.
(٦٠)
وقال آخر:
[ ٣ / ١٠٩ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها خيالًا يوافيني على النأي هاديا
المعنى: هذا رجل حجب عنه هواه ومحادثته، فهو يعلل نفسه ويقول: إن حجبتم فلا تقدرون على حجاب خيالها ولا على منعي من الشعر والبكاء لها.
(٦١)
وقال نصيب:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
كأن القلب ليلة قبل يغني بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
ويروى "غرها" من التغرير، فباتت تجاذبه أي باتت القطاة تجاذب الشرك.
المعنى: يصف حاله في ضيق القلب وقلة الحيلة عند ارتحال من يهواه، وشبه قلبه بقطاة وقعت في شبكة فهي تضطرب فيها وقد علق جناحها بها.
[ ٣ / ١١٠ ]
(٦٢)
وقال أبو حية النميري:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
رمتني وستر الله بيني وبينها ونحن بأكناف الحجاز رميم
فلو أنها لما رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم
رميم اسم جارية، وهي التي رمته بعينها، وستر الله قالوا: هو الشيب وقالوا: هو ستر البيت الحرام، وقالوا هنا: هو الإسلام، وما يحجزه عن الفجور وهذا أحسن. المعنى يقول: دعتنى بطرفها فأصابتني بمحاسبنها، ولولا الإسلام لرميتها كما رمتني ولكني نائب، وإن حملته على أن المراد بستر الله الشيب كان وجهًا.
(٦٣)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أسجنًا وقيدًا واشتياقًا وعبرة ونأي حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل ما قاسيته لكريم
[ ٣ / ١١١ ]
نصب هذه الأشياء على معنى أتجمع علي هذه الأشياء كقولهم: "أحشفا وسوء كيلة" المعنى: يذكر كم عهده وثبات وده.
(٦٤)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رعاك ضمان الله يا أم مالك ولله أن يشفيك أغنى وأوسع
يذكرنيك الخير والشر والذي أخاف وأرجو والذي أتوقع
المعنى: يدعو لها بالرعاية والسقيا على مذهب العرب، ومعنى يذكرنيك الخير والشر يقول: كلما رأيت الخير شبهته وصلك وكلما رأيت الشر شبهته صدك فذكرتك عندها والذي أخاف من مكروه وأستدفعه عنك، والذي أتوقع من محبوب أتمناه لك.
(٦٥)
وقال الحكم الخضري:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
تساهم ثوباها ففي الدرع رأدة وفي المرط لفاوان ردفهما عبل
[ ٣ / ١١٢ ]
تساهم: يريد المقارعة من السهم، ضرب ثوباها فيها بسهمين ليصير لأحدهما أعلاها والآخر أسفلها، ورأدة: فتاة ناعمة مهتزة، ويقال رؤدة بهذا المعنى. لفاوان: فخذان ضخمتان فهو اللف، وقد لفت الجارية، والعبل: الضخم. المعنى: يصفها بطول القامة وامتلاء الأسافل وأراد معنى قول الأول: "أعلاها قضيب وأسفلها كثيب".
فوالله ما أدري أزيدت ملاحة وحسنًأ على النسوان أم ليس لي عقل
المعنى: يحلف بالله أنه متحير في أمرها فلا يدري هل هي أكثر النساء حسنًا أم ليس له عقل لأنها عنده أحسن من جميع النساء.
(٦٦)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتوات)
أروح ولم أحدث لليلي زيارة لبئس إذا راعي المودة والوصل
تراب لأهلي لا زلا نعمة لهم لشد إذا ما قد تعبدني أهلي
تراب لأهلي كقولهم: عليه العفاء، معناه خاب أهلي فيما يأمرونني من ترك مودتها، أي كان في أيديهم التراب، وقد تعبدني أهلي أي اتخذوني عبدًا لهم: يقال: تعبده وعبده. المعنى: يعاقب نفسه في إغباب الزيارة، ويشتم أهله إذا شغلوه عنها.
(٦٧)
وقال أبو دهبل الجمحي، إسلامي كان في زمن معاوية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ١١٣ ]
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة إني إذا لصبور
هبوني امرأ منكم أضل بعيره له ذمة إن الذمام كبير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضل بعير
عفا الله عن ليلى الغداة فإنها إذا وليت حكمًا علي تجور
سوى ليلة أي سوى مسيرة ليلة، المعنى: لا تلوموني على طلب لقاء ليلى، وبيني وبينها مسيرة ليلة فإنها مرادي، ومن أضل بعيره اشتغل بطلبه، فأنزلوني منزلة من أضل بعيره، لا يلام في بغائه إياه، وهوى النفس أوجب حقًا من بعير يضل، ثم استغفر لها لما كانت تقصده من ظلمه.
(٦٨)
وقال حفص الغليمي من كلب، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
لا تزعني: لا تكفني، ولا تذعر علي الغوانيا أي لا تنفرهن، وقال عليّ لأنه إذا ذعرها فقد أفسدها عليّ أي أفسد وصلها. المعنى: يذكر كراهة الشيب لنفور النساء عنه ويذكر صحبتها للهومة عقله.
طلبت الهوى الغوري حتى بلغته وسيرت في نجديه ما كفانيا
المعنى: يصف نيله مراده من حبيبته من أهل نجد والغور.
فيا رب إن لم تقضها لي فلا تدع قذور لهم واقبض قذور كما هيا
قذور: اسم امرأة. المعنى: يسأل الله إن لم يوصله إليها أن يميتها كما هي، أي غير متزوجة كي لا تعظم حسرته.
[ ٣ / ١١٤ ]
ويا ليت أن الله إن لم ألاقها قضى بين كل اثنين أن لا تلاقيا
المعنى: يتمنى الأنس لأن الممتحن إذا وجد من كان في مثل محبته خف بعض ما به، وهذا مشهور، ولهذا قالوا: "لولا الوئام لهلك الأنام".
(٦٩)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت عند هبوب
مزيدك عندي أن أقبك من الردى وود كماء المزن غير مشوب
المعنى: هذه امرأة بعدت عن حبيبها فكان يأتيها طيفه، فقالت بلفظ الاستفهام، والمراد التقرير أي آخر شيء أنت في كل هجعة، وأول شيء عند هبوب، أي آخر ما أنتبه عليه خيالك أو ذكرك، وأول ما آخذ به بعد الانتباه ذكرك، تريد استغراق ذكره وقتي الحلم والنبه، ثم وصفت صفاء ودها ووقايته بنفسها.
(٧٠)
وقال آخر، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ما أنصفت ذلفاء أما دنوها فهجر وأما نأبها فيشوق
[ ٣ / ١١٥ ]
تباعد ممن واصلت وكأنها لآخر ممن لا تود صديق
ذلقاء هنا اسم وأصله صفة وهي قصيرة الأنف، وصديق صفة لها، وقال أما دنوها فهجر وأما نأيها فيشوق ولو قال مشوق كأن أولى. المعنى: يتكلم عن ذلفاء وجعل جنوها هجرًا لأنها لا تباسط، ونأيها شوقًا لأنه لا يصبر عنها، ووصفها بأنها تبعد ممن تحبه وتحدث من لا تود لحذقها بحفظ الحال كي لا يتهم.
(٧١)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقفت لليلي بالملا بعد حقبة بمنزلة فانهلت العين تدمع
الملأ هنا اسم موضع بعينه، وفي اللغة هي الأرض الواسعة، والحقبة: الدهر الطويل وجمعها حقب.
وأتبع ليلى حيث سارت وودعت وما الناس إلا آلف ومودع
كأن زمامًا في الفؤاد معلقًا تقود به حيث استقرت فاتبع
الآلف: الذي يلزم حبيبه ولا يفارقه، والمودع: الذي ودعه وفارقه.
المعنى: يصف إتباعه ليلى حيث كانت لفرط محبته لها وشبه قلبه في ميله إليها بمزموم يقاد به.
(٧٢)
وقال آخر، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ١١٦ ]
خليلي عوجا بارك الله فيكما وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ولكننا جرنا لنلقاكم عمدًا
المعنى: يريد صاحبته هندًا، وأمرهما بأن يعلماهما أنهما قصداها عمدًا لتوجب لمزارهما حمدًا.
(٧٣)
وقال آخر من عكل، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيًا في كل حين مخالفة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي
قوله: وإن وجد الهوى حلو المذاق يعني وإن نال مراده في هواه. المعنى: يصف حال المحب، وأنه لا يعدم البكاء والحزن في حالتي القرب والبعد.
(٧٤)
وقال يزيد بن الطثرية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
عقيلية أما ملاث إزارها فدعص وأما خصرها فبتيل
[ ٣ / ١١٧ ]
ملاث إزارها: الموضع الذي يدور عليه الإزار وهو العجز، بتيل: يكاد ينقطع، فشبه خصرها في الدقة بما هو منقطع. المعنى: يصفها بعظم الردف ودقة الخصر.
تقيظ أكناف الحمى ويظلها بنعمان من وادي الأراك مقيل
تقيظ: أي تقيم في القيظ، وهو شدة الحر، ونعمان هو واد بعرفات - بفتح النون - والأراك شجر. المعنى: يصف تنعمها وأنها تستظل في شدة الحر في أطيب موضع ذكره.
أليس قليلًا نظرة إن نظرتها إليك وكلًا ليس منك قليل
فيا خلة النفس التي ليس دونها لنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبه لم نطع به عدوًا ولم يؤمن علبه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النوى وخوف العدا فيه إليك سبيل
المعنى: يستكثر اليسير مما يونس في هواه، ويريد بكلًا ردًا على نفسه، والدخيل: المداخل يقول: يا من لا يتقدمها عندنا خليل، ولا نفش سرها إلى دخيل هل إليك سبيل من مقام أشكو فيه، وما لحقني من بعد الفراق وخوف الأعداء فيك.
فدينك أعدائي كثير وشقتي بعيد وأشياعي لديك قليل
ويروى "وخطتي بعيد" المعنى: يشكو كثرة الأعداء وطول السفر وقلة الأنصار، والشقة السفر.
[ ٣ / ١١٨ ]
وكنت إذا ما جئت جئت بعلة فأفتين علاني فكيف أقول
فما كل يوم لي بأرضك حاجة ولا كل يوم لي إليك رسول
علات: جمع علة، المعنى: يعتذر إليها من ترك الزيارة لانقضاء العلل.
(٧٥)
وقال عمرو بن حكيم، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
خللي أمسي حب خرقاء عامدي ففي القلب منه وقرة وصدوع
الوقرة شبه وكنة إلا أن لها حفرة، والوقرة في الحجر والحافر هزمة فيهما يعني في القلب كسر، يشكو إلى صاحبته حبها وشدة تأثيره في قلبه.
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل على جدبنا ألا يصوب ربيع
لم نبل، أي لم نبال، المعنى: يقول: قرب خرقاء أحب إلينا من المطر في الجدب الذي فيه الحياة.
(٧٦)
وقال آخر، وهو ذو الرمة:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ١١٩ ]
ألمًا على الدار التي لو وجدتها بها أهلها ما كان وحشًا مقيلها
وإن لم يكن إلا معرج ساعة قليلًا فإني نافع لي قليلها
ألمًا: انزلا قليلًا للزيارة، معرج وتعريج واحد، وهو التحبس والتلوم، تقول: مالي عليه عرجة أي تحبس. المعنى: يستوقف صاحبيه على دارها، وهي مرتحلة عنها ويستوحش الدار لخلوها، ويستنفع قليل ما يتعلل به من أسبابها.
(٧٧)
وقال رجل من بني كلاب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ماذا عليك إذا خبرت بي دنفًا رهن المنية يومًا أن تعودينا
أو تجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا
المعنى: يعاتبها ويستعطفها إلى عيادته أو معالجته برضابها ليشتفي بذلك.
(٧٨)
وقال جميل بن معمر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
بثينة ما فيها إذا ما تبصرت معاب ولا فيها إذا نسبت أشب
[ ٣ / ١٢٠ ]
معاب أي عيب، أشب أي خلط، يقول: هي صميمة النسب، والإشابة القوم المجتمعون المعنى: يصفها بنظافة الخلق وطهارة الأصل.
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة وإن كرت الأبصار كان لها العقب
يقول لها على القوم أن يبدأوها بالنظرة إذا كانت في نساء ولها بسطة في الجسم، وإن كروا أبصارهم في النساء كان النظر الثاني أيضًا لها لأنهم لا يرون مثلها فيهن، فإذا رمقن أخذت العيون غيرها. المعنى: يصفها بنهاية الحسن، والله أعلم.
إذا ابتذلت لم يزرها ترك زينة وفيها إذ ازدانت لذي نيقة حسب
ويروي "لم يردها" أي لم يقصر بها، والدردي: الضعيف الناقص، ويزرها بمعنى لم يعبها، والنيقة: الحسن، وحسب بمعنى كاف وازدانت تزينت. المعنى يقول: إنها بارعة الجمال تزينت أم تركت الزينة.
(٧٩)
وقال خلف بن خليفة، ويقال: هي لعبد الملك بن عبد الرحيم الحرثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سلبت عظامي لحمها فتركتها مجردة تضحي إليك وتخصر
مجردة يعني عظامه عارية من اللحم، تضحي إليك تبرز وتظهر، وتحضر أي تجد البرد.
وأخليتها من مخها فكأنها قوارير في أجوافها الريح تصفر
[ ٣ / ١٢١ ]
ويروى "فكأنها أنابيب" أي تركتها أنابيب في أجوافها الريح صافرة.
إذا سمعت باسم الفراق تقعقعت مفاصلها من هول ما تنتظر
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني بي الضر إلا أنني أتستر
تقعقعت: أي أصاب بعضها بعضًا فسمع لها صوت. المعنى: يصف ما لحقه من الضر، وضعف الناس في هواها، ويبالغ في ذلك.
(٨٠)
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن الزهري، ويقال: هي لمالك بن أسماء الفرازي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولما نزلنا منزلًا طله الندى أنيقًا وبستانًا من النور حاليًا
أجد لنا طيب الزمان وحسنه منى فتمنينا فكنت الأمانيا
طله الندى: بله، والأنيق: الحسن المعجب، وحاليًا متزينًا، المعنى: يصف أنها تزيد على كل حسن في الدنيا، وأنهم لما حصلوا في النزهة التي تسكن النفوس إليها وتزول الهموم منها تمنوها لأنها كانت دونها وحشة.
[ ٣ / ١٢٢ ]
(٨١)
وقال معدان بن المضرب الكندي، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به عدوا ولم نسمع به قول صاحب
فلما تولى ود ليلى لجانب وقوم تولينا لقوم وجانب
فكل خليل بعد ليلى يخافني على الغدر أو يرضى بود مقارب
ود مقارب غير متناه في الخلوص. المعنى يصف أنه عامل بمثل معاملتها إياه، صفا وده لها ما صفا ودها له، فلما رغبت عنه رغب عنها ثم قال: وكل خليل بعدها يخاف غدري مقدرًا أني غدرت بليلى ولا يعلم أنها أعرضت أولًا أوي رضى بود مقارب.
(٨٢)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وذكرك لا يسري إليّ كما يسري
وهل يدع الواشون إفساد بيننا وحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري
[ ٣ / ١٢٣ ]
العاثور: حفرة تحفر ليقع فيها الإنسان، المعنى: هذا الرجل يتمنى السلامة من حبها في البيتين جميعًا لأنه إنما يدع الواشون إفساد بينهم إذا ترك هواها.
(٨٣)
وقال آخر وهو ابن الدمينة:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البرئ ولم تزل به سكنة حتى يقال: مريب
المريب: الذي أتى بالسوء فلا تنفعه المعاذير، المعنى: يفديها بنفسه وأهله لأنها غرة ليست يصاحبه حيل وسلاطة، فإذا وبخت لم تحسن أن تعتذر وتسكت إلى أن تتهم بريبة.
(٨٤)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة غزال كحيل المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ولكن من تتأين عنه غريب
وجرة: موضع، ويرى "غضيض المقلتين" أي مغضوضهما، المعنى: يشبه الجارية بالغزال جيدًا ومقلة ثم قال: لا تحسبي أن الغريب هو الذي بعد عن وطنه وقومه فليس هو كذلك، ولكن الغريب من نأى عنه مثلك، وإن كان في قومه وعشيرته.
[ ٣ / ١٢٤ ]
(٨٥)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى كل أرض دمنتها وإن مضت لها حجج يزداد طيبًا ترابها
دمنتها: سودتها، حجج أي سنون. المعنى: يصف طيب كل أرض تنزل بها وأن تقادم عهدها لا يزول طيبها عنه لفرط طيبها.
ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة دعوتك فيها مخلصًا لو أجابها
فيها يعني الجارية بأن يعطفها عليه. المعنى: يصف فرط رغبته في دعوة كانت إلى الله تعالى ودعاءه فيها مرة بعد مرة.
فأقسم لو أني أرى نسبًا لها ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
المعنى: يصف أنه لفرط محبتها يحب كل من قرب منها ولو كان بينها وبين الذئاب نسب لأحبها. وقيل: إنه أراد بذئاب الفلا أعداءه الذين هم كالذئاب.
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها
معناه معروف، يقسم أنها وإن تباعدت عنه وصارت بوادي القرى في غربة فإنه ما ضر بعدها سواه.
(٨٦)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ١٢٥ ]
لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا بداراء إلا أن تهب جنوب
أعاشر في داراء من لا أحبه وبالرمل مهجور إلى حبيب
إذا هب علوي الرياح وجدتني كأني لعلوي الرياح نسيب
داراء موضع. المعنى: هذا رجل كان مقيمًا بداراء وهواه بالعالية يقول: إذا هبت جنوب تبكي لأنها بداراء من ناحية حبيبك فتشوقك إليه وتلهفك عليه، والعلوي المنسوب إلى العالية، على غير قياس، والنسيب: الغريب. المعنى: أنا أحب الريح الهابة من جهة العالية لأنها تأتي من ناحية هواء، فكأني لشدة محبتي للجنوب بيني وبينها رحم.
(٨٧)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
هل الحب إلا زفرة بعد زفرة وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يامي كلما بذا علم من أرضكم لم يكن يبدو
العلم: الجبل وكل ما يهتدي به، المعنى: ليس الحب إلا لهيب الصدر وسيلان الدمع وإظهار الجزع.
(٨٨)
وقال ابن ميادة، ميادة فعالة من ماد يميد إذا تمايل واهتز:
[ ٣ / ١٢٦ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
كأن فؤادي في يد ضبئت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضيه
الضبث: القبض على الشيء بعنف، المعنى: يصف شدة وقوع قلبه في جهد الهوى قال: كأن فؤادي في يد ضبثت به أي في صائد وقع في حبالته وحش قوي، فهو يتشبث بحبله، ويقبض عليه حذارًا أن يقطع ما وقع فيه وينجو.
وأشفق من وشك الفراق وأنني أظن لمحمول عليه فراكبه
المعنى يقول: أحذر من قرب الفراق، وأني أعلم أني مدفوع إليه، يظهر الجزع من الفرقة.
فوالله ما أدري أيغلبني الهوى إذا جد جد البين أم أنا غالبه
إذا جد جد البين أي استقلت الركاب ورأى حبيبه مرتحلًا. المعنى يقول: لا أدري أأقدر على الصبر إذا فارقتني أم أفتضح، ولم يتحقق حاله في الوقت لأنه يفتضح العشق في وقت الرحيل.
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
المعنى يقول: إن قدرت صبرت وإن غلبني الهوى فالأمر فيه صعب، يغلب في مثله الرجال، فلا بأس إن غلبت أنا.
(٨٩)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ١٢٧ ]
فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم من أمثالها حتى تجودوا بها ليا
فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها وإلا وجدت ريحها في ثيابيا
إنما خص وقت ذكرها بمسيس جنبه الأرض لأنه عند النوم تقع المضاجعة بين الرجل وبين من يناله من هواه. المعنى يقول: أكثر الله فيكم من أمثال ليلى حتى أنالها، وإن الشيء إذا كثر هان وإذا قل عز، ثم ذكر ما تقدم من مضاجعته إياها وبقاء طيبها في ثوبه.
(٩٠)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبعد الذي قد لج تتخذينني عدوًا وقد جرعتني السم منقعًا
يعني الهوى قد لج. المعنى يقول: أبعد ما لج الهوى تتخذينني عدوًا وقد آذيتني.
وشفعت من يبغي علي ولم أكن لأرجع من يبغي عليك مشفعًا
المعنى يقول: شفعت الوشاة الذين يبغون عليّ، ولو جاءني من يبغي عليك ما سمعت قوله.
فقالت وما همت برجع جوابنا بل أنت أبيت الدهر إلا تضرعًا
فقلت لها ما كنت أول ذي هوى تحمل حملًا فادحًا فتوجعا
فادح مثقل، فدحه الدين أثقله. المعنى: يحكي عنها أنها حطت عليه الذنب وأنه أجابها بأني تضرعت بعجزي عن حمل ثقل هواك ..
[ ٣ / ١٢٨ ]
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
يقول العدا لا بارك الله في العدا قد أقصر عن ليلى ورثت حبائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا لكان هوى ليلى حديثًا أوائله
المعنى: كأنه غير أنه يحبها وقد كبرت فأجاب بأنها لو عجزت ودبت على العصا هرمًا لما تغير هواها.
(٩٢)
وقال أبو الأسود الدؤلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
[ ٣ / ١٢٩ ]
كسحق اليماني قد تقادم عهده ورفعته ما شئت في العين واليد
يفند: يكذب، وقوله: ورقعته ما شئت في العين واليد أي خرقته، يريد لمستها بيد، وأبصرتها بعينك كثيرًا، والرقعة كناية عن الوجه. المعنى: هذا رجل كان يجب عجوزًا فاعتذر معترفًا بأن من أحب العجوز جهل فقال: لا يحب القلب غيرها.
(٩٣)
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
هجرتك أيامًا بذي الغمر إنني على هجر أيام بذي الغمر نادم
وإني وذاك الهجر لو تعلمينه كعازبة عن طفلها وهي رائم
ذو الغمر موضع، والعازبة: وقد عزب عزوبًا وهي رائم أي عاطفة، والرئمان العطف، وقد رئمت المرأة على ولدها ترأم أي تعطف. المعنى يقول: هجرتك على فرط محبتي لك، وكنت أيام الهجر كامرأة بعدت عن طفلها وهي محبة له عاطفة عليه، يعتذر إليها ويصف حاله لها.
(٩٤)
وقال جميل بن عبد الله:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ١٣٠ ]
ما أحدث النأي المفرق بيننا سلوًا ولا طول اجتماع تقاليا
المعنى يقول: بعدي عنك لا يسليني، وكثرة اجتماعي معك لا يسئمني، أراد تكذيب قول الأول:
"وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن النأي يشفي من الوجد"
خليلي إلا تبكيا لي أستعن خليلًا إذا أنزفت دمعًا بكى ليا
أنزفت معًا: أنفدته. المعنى: يصف مساعدة صاحبيه على البكاء ويذكر استراحته إليه واستيفاءه به.
كأن لم بين إذا كان كان بعده تلاق ولكن لا إخال التلاقيا
المعنى: اللقاء ينسي وحشة الفراق ولكن لا أرجو اللقاء.
(٩٥)
وقال جميل بن معمر العدوي، وحارب الفخذ التي منها بثينة:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
تفرق أهلانا بثين فمنهم فريق أقام واستقل فريق
فلو كنت خوارًا لقد باخ ميسمي ولكنني صلب القناة عتيق
باخ: سكن، وباخت النار: خمدت، والميسم هنا القوة يقول: لو كنت ضعيفًا لم أقدر على أن أؤثر في قومك كما يؤثر الميسم في البهائم، وصلب القناة أي شديد النفس، وعتيق: كريم. المعنى يقول: تفرق أهلي وأهلك يا بثينة لما حدث بينهم في الحرب، ثم وصف جلادة نفسه.
[ ٣ / ١٣١ ]
كأن لم نحارب يا بثين لو أنها تكشف غماها وأنت صديق
المعنى يقول: أتحمل في هواك ما جنته الحرب، ولو خلصت لي لم أكترث بما جرى ولم أحقد على قومك، ولا أطالبهم بذحل ونكون كأن لم نحارب.
(٩٦)
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
شيب أيام الفراق مفارقي وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
أنشزن أي أشخصن ودفعن، يردي أشخصه إلى الحلقوم، ومعنى شيب أيام الفراق مفارقي أثرت كما يؤثر الشيب. المعنى: اشتدت أيام الفراق عليّ وكادت تقتلني وأزعجت روحي حتى بلغت الحلقوم.
وقد لان أيام الحمى ثم لم يكد من العيش شيء بعدهن يلين
معنى لين أيام الحمى طيبها، ويروى "أيام اللوى" يحمد أيام مقامة باللوي بأنها ساعفته ما بعدها لأنه فارق هواه بعد مفارقته ذلك الموضع.
يقولون ما أبلاك والمال غامر عليك وضاحي الجلد منك كنين
ما أبلاك: ما هزلك من البلي، والمال غافر: أي كثير، ويروى "وضاحي الحال منك كنين" أي ظاهره، وكنين مستور.
فقلت لهم لا تعذلوني وانظروا إلى النازع المقصور كيف يكون
المقصور: المحبوس عما يريده، وأراد به البعير المقيد ويشتق إلى وطنه. المعنى يقول الناس: ما الذي هزلك وأثر فيك ومالك كثير وظاهر جسمك صحيح،
[ ٣ / ١٣٢ ]
فقلت لهم: لا تلوموني وانظروا إلى البعير المشتاق إلى وطنه الممنوع من الابتعاث كيف حاله أشار إلى أنه أبلاه النزاع إلى هواه.
(٩٧)
وقال أبو دهبل الجمحي:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
أقول والركب قد مالت عمائمهم وقد سقى القوم كأس النعسة السهر
مالت عمائمهم أي رؤوسهم من النوم، وقد سقى أي ألقى عليهم النعاس، يريد طال سهرهم فغلبهم النعاس.
يا ليت أني بأثوابي وراحلتي عبد لأهلك هذا الشهر مؤنجر
مؤنجر: مفتعل من الأجر، تقول: ائتجرت الرجل: أخذته بالأجرة. المعنى اختلف فيه فقال بعضهم: تمنى أن يكون أجيرًا في أهلها بأثوابه وراحلته أي ومعه أثوابه وراحلته ليكون أعز عندهم، وقيل: بل معناه: يقول: ليتني كنت أجيرًا
[ ٣ / ١٣٣ ]
عند أهلك عوضًا عن أثوابي وراحلتي، كما تقول: ليتني أراك بما أملكه أي عوضًا عما أملكه، وكقولهم: "ما يسرني بهذا الأمر منفس" أي يذهب عني ذلك بعوض منفسي وهذا أقرب.
إن كان ذا قدرًا يعطيك نافلة منا ويحرمنا ما أنصف القدر
المعنى يقول: إن كان هوانا تقديرًا يعطيك خالص ودي ويحرمني خالص ودك فلم ينصف التقدير.
جنية أو لها جن يعلمها رمي القلوب بقوس ماله وتر
المعنى: يتعجب من إصابتها القلوب بعينها، وجعلها جنية ومتعلمة من الجن لسحرها الرجال بعينها.
(٩٨)
وقال توبة بن الحمير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
يقول أناس لا يضيرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها
أليس يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها
[ ٣ / ١٣٤ ]
شف النفوس: أذابها وهزلها. المعنى: رد على من طيب بنفسه وقال: لا يضرك بعدها، ودل على أنه كثير البكاء دائم السهر لمفارقته إياها.
(٩٩)
وقال ابن أبي دباكل الخزاعي: سمعت أبا علي القاساني يقول: هو أبو دباكل: ودباكل اسم مرتجل غير منقول من جنس كأنه جمع دبكل، ودبكل فيعل من الدكلة وهي القطعة من الطين:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
يطول اليوم لا ألقاك فيه ويوم نلتقي فيه قصير
وقالوا لا يضيرك نأي شهر فقلت لصاحبي فما يضير
المعنى: يقول: إذا سعدت بقربها ما ضرني شيء معها، يدلك عليه قوله فما يضير أي لا يضيرك النأي.
(١٠٠)
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال الأصمعي هو عمر
[ ٣ / ١٣٥ ]
ابن عبد الله بن عتبة، وكف بصره في آخر عمره، وكان صاحب حديث، فقيل له:
أنت صاحب حديث فمالك والشعر؟ فقال: إن المصدور لا بد له من أن يرمي بحواشي صدره.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور
ذررت أي نثرت هواك في القلب، فليم من لأم أراد لئم فلم يستقم له فلين الهمزة، وألحقه ببنات الياء مثل بيع وسير، فالتام الفطور أي التأمت، فطوره، يعني فطور القلب، والفطور الشقوق الواحد فطر. المعنى: يصف تمكن حبها من قلبه واختلاطه وينسب ذلك إلى فعلها، تغلغل دخل ووصل إليه.
تأثل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير
عثمة: اسم من يهواها، وتأثل: استحكم وقوي، والبادي الظاهر، والخافي المستتر.
(١٠١)
وقال ابن ميادة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وما أنس مل أشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
[ ٣ / ١٣٦ ]
مل أشياء يريد من الأشياء، أذرت العين دمعها أسألته، والمكاحل مواضع الكحل كأنها نحلة، فلما بكت سالت دموعها بالكحل، وهذا الوجه أصح لأن أذرى بمعنى سال ليس بصحيح. المعنى: يقول: مهما نسيت شيئًا من الأشياء فإني لا أنسى قولها وهي تبكي:
تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول
(١٠٢)
وقال آخر:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
بيضاء آنسة الحديث كأنها قمر توسط جنح ليل مبرد
مبرد وبرداء أي ليل ذو برد وليلة ذات برد، شبهها بالقمر توسط السماء في ليلة الشتاء، وإنما خص الشتاء دون الصيف لأن القمر فيه أتم نورًا لنقاء الجو من الغبرة التي تكون في الصيف، وجعله متوسطًا في جنح ليل لأنه أراد البدر.
موسومة بالحسن ذات حواسد إن الحسان مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلة سوداء ترغب عن سواد الأثمد
ويروى "مطية" يعني حسد الحاسد، وترغب عن سواد الأثمد وهو الكحل. المعنى: يصفها بطيب الحديث وحسن الوجه، وجعلها موضع حسد لقصورهن عن حسنها.
[ ٣ / ١٣٧ ]
(١٠٣)
وقال آخر:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
صفراء من بقر الجواء كأنها ترك الحياة بها رداع سقيم
الجواء: موضع بالصمان، والرداع الأثر من ضعف، يقول: كأنها من فرط الحياء سقيمة.
من مخذيات أخي الهوى جرع الأسى بذلال غانية ومقلة ريم
وقصيرة الأيام ود جليسها لو دام مجلسها لفقد حميم
مخذيات أخي الهوى: معطياته. المعنى: يصفها بفرط حياء وفتنة من يهواها بحسن دلالها وسواد مقلتها، ويصف طيب محاسنها.
(١٠٤)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ونار كبحر القور ترفع ضوءها مع الليل هبات الرياح الصوارد
السحر: الرئة بفتح السين وضمها، والعود: الناقة المسنة، والنار إذا رئيت من بعيد ولم تكن عظيمة أشبهت رئة البعير لحمرتها، الصوارد: البوارد، والصرد: البرد، يعني في ليل الشتاء.
أصد بأيدي العيس عن قصد أهلها وقلبي إليها بالمودة قاصد
المعنى يقول: لرب نار رأيتها في الليالي الباردة تضيء من ناحية الحبيب صددت عن قصد أهلها خوفًا، وقلبي قاصد إليهم بالمودة لأنها نار حبيبتي.
[ ٣ / ١٣٨ ]
(١٠٥)
وقال حسين بن مطير الأسدي، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
وكنت أذود العين أن ترد البكا فقد وردت ما كنت عنه أذودها
كأنه قال: وكنت أمنع أن تنظر العين إلى مورثها البكا فجعل سبب البكاء بكاء.
المعنى: يلزم ذنب الهوى عينه لأنها كانت السبب.
خليلي ما بالعيش عتب لو أننا وجدنا لأيام الحمي من يعيدها
المعنى يقول: لوردت علينا أيام الحمى لكان عيشنا على ما كان مرضيًا عنه.
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها
المعنى: يصف شدة ما أورثه الصدود في قلبه من الحزن والقلق، ويشبه ذلك بامرأة قد أصيب وليدها فبكاؤها وحزنها دائم.
[ ٣ / ١٣٩ ]
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت أم الله إم لم يعف عنها يعيدها
المعنى معروف يتمنى أيام البطالة، واستفهامه على هذا الوجه ضرب من البطالة أيضًا.
(١٠٦)
وقال سوار بن المضرب السعدي، إسلامي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
يا أيها القلب هل تنهاك موعظة أو يحدثن لك طول الدهر نسيانًا
إني سأستر ما ذو العقل ساتره من حاجة وأميت السر كتمانًا
المعنى: يعاتب قلبه، ويعرض عليه الاتعاظ والسلوة، ويصف نفسه بكتمان السر.
وحاجة دون أخرى قد سنحت لها جعلتها للتي أخفيت عنوانًا
ويروى "سمحت بها" وعنوانًا أي ابتداء يتوصل به إلى غيره. المعنى يصف دهاءه وتأتيه لاستنجاز الحوائج، يقول: كم حاجة أردتها فأخفيتها في نفسي، وذكرت غيرها، وتوصلت بها إلى ما في نفسي.
إني كأني أرى من لا حياة له ولا أمانة وسط الناس عريانًا
المعنى: يصف نفسه بالحياء والأمانة ويقول: من خلا من الأمانة والحياء فإنه متكشف قد بدت سوءته بقبح القباحة والخيانة.
[ ٣ / ١٤٠ ]
(١٠٧)
وقال ابن الدمينة الخثعمي، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ولا النفس عن وادي المياه تطيب
أحب هبوط الواديين وإنني لمشتهر بالواديين غريب
أحقًا عباد الله أن لست صادرًا ولا واردًا إلا على رقيب
ولا زائرًا فردًا ولا في جماعة من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحن نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب
وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى إلىّ وإن لم آته لحبيب
المعنى: يقول: أي ريبة في حنين المحب إلى حبيبه، وضرب المثل بالإبل لأنها لا تلام إذا نسبت، فكأنه أشار إلى أنه إذا لم تلم النجيبة والنجيب من الإبل في الحنين فالأولى أن لا نلام نحن، يذكر محبته لنزول حبيبه وإن بعد.
لك الله إني واصل ما وصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب
لك الله أي لك عهد الله. المعنى يعطيها عهد الله وميثاقه أنه يواصلها ما وصلت ويثني عليها بما فعلت، ويشكرها على ما أولت، ويستعطفها ويصف شدة وجدة بها.
فلا تتركي نفسي شعاعًا فإنها من الوجد قد كادت عليك تذوب
وإني لأستحييك حتى كأنما عليّ بظهر الغيب منك رقيب
البيت كلام مستسلم، وشعاعًا: متفرقة، يعني متفرقة الخواطر، وقلب الحزين كالمتفرق بكثرة وساوسه، وقلب الخلي ساكن مجتمع، وقوله: وإني
[ ٣ / ١٤١ ]
لأستحييك حتى كأنما يريد ذكر مراعاته لها وتركه ما تكرهه منه على كل حال حتى كأن عليه رقيبًا من جهتها.
(١٠٨)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أهابك إجلالًا وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها
أي لإجلالك أهابك لا لأنك تقدرين عليّ ومعنى ملء العين أنه لا ينظر إلى غيرها فكأنه يملأ عينه منها، إذا رآها فلا تتفرغ إلى غيرها.
وما هجرتك النفس أنك عندها قليل ولكن قل منها نصيبها
المعنى: يعتذر إليها من إعراضه عنها، ويقول: ليس ذلك لبغض ولكن لقلة الحظ منك.
(١٠٩)
وقال آخر، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي وللناس أشجان ولي شجن وحدي
أحبكم ما دمت حيًا فإن أمت فواكبدًا ممن يحبكم بعدي
المعنى: يذكر وجده بها ويتحسر لمن يحبها بعده.
[ ٣ / ١٤٢ ]
(١١٠)
وقال أبو حية النميري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم
ويروى "رقود الضحى" أناة أي جارية ذات أناة أي متأنية، وإنما وصفها بنؤوم الضحى لأنها مكفية، لها من يخدمها، فهي تنام وقت الضحى، وله معنى آخر هو كل من كان أنعم بدنا وأكثر سمنا كان النوم إليها أشهى.
فجاء كخوط البان لا متتابع ولكن بسيما ذي وقار وميسم
فجاء يعني الفتى الذي رمته الجارية، كخوط البان لا متتابع أي لا متسرع، ولكن بسيما ذي وقار وميسم أي بآثار الوقور والحسن يقول: أصابته الجارية بعينها فتوقر وتجلد وجاء وهو شاب كغصن البان.
فقلن لها سرًا فديناك لا يرح صحيحًا وإن لم تقتليه فالممي
فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم
قوله: واتقت بأحسن موصولين يعني سترت وجهها بكفها ومعصمها، فألممي من اللمم وهو شدة الجنون.
وقالت فلما أفرغت في فؤاده وعينيه منها السحر قلن له قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه تنادوا وقالوا في المناخ له نم
المعنى: يصف ختل الجارية إياه، أغراها صويحباتها حتى بالغت في إصبائه بإلقاء القناع والاتقاء بالكف والمعصم وفتنته في الوقت حتى ود أن يترك معها بجدع الأنف.
[ ٣ / ١٤٣ ]
(١١١)
وقال آخر، إسلامي:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدراك»
نظرت كأني من وراء زجاجة إلى النار من فرط الصبابة أنظر
مجاز هذا البيت كأني من فرط الصبابة أنظر إلى الدار من وراء الزجاجة، يصف كثرة اجتماع الدمع في عينيه حتى حجب بين ناظره وبين ما ينظر إليه، كما تحجب الزجاجة وهذا أملح التشبيهات.
فعيناي طورًا تغرقان من البكا فأغشى وطورًا تحسران فأبصر
أعشى: لا يبصر شيئًا، تحسران أي تكشفان الدمع. المعنى: يصف غلبة الدمع عينيه.
(١١٢)
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
وما شئنا خرفاء واهيتا الكلى سقى بهما ساق فلم يتبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلما توهمت ربعًا أو تذكرت منزلًا
الشنة: القربة البالية، بأضيع من عينيك يعني بأشد إضاعة، وقوله: كلما
[ ٣ / ١٤٤ ]
توهمت ربعًا أو تذكرت منزلًا يعني للحبيب، وفيه حذف يعني بأضيع للماء من عينيك للدمع، وواهية الكلي يريد به من عيب السقاء، وجعله خرقاء لا رفق لها بالخرز ولا تمسك الماء. المعنى يقول: عيناك أسرع هملانًا إذا توهمت ربع حبيبك من سقائي خلق منخرقين من خرز امرأة غير بصيرة بالخرز إذ جعل فيهما الماء.
(١١٣)
وقال أبو الشيص الخزاعي، الشيص: التمر الرديء، الواحدة شيطة. وقد أشاصت النخلة إذا أثمرت الشيص.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة حبًا لذكرك فليلمني اللوم.
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ صار حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرًا ما من يهون عليك ممن أكرم
المعنى: يصف أن هواها ملكه فاقتاده إليها، فلا معدل له عنها، ثم وصف قلة مبالاته باللوم فيها بل يحب اللوم فيها لتضمنه ذكرها، ثم ذكر نهاية الموافقة لها بحبه أعداءه لمماثلة حظه منهم حظه منها، ولمجانبه خلافها بإذلاله نفسه لها.
(١١٤)
وقال آخر، إسلامي:
[ ٣ / ١٤٥ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولا غزو إلا ما يحبر سالم بأن بني أستاهها نذروا دمي
لا غرو: لا عجب، ولا يصرف منه فعل، وقوله بأن بني أستاهها نذروا دمي هجاء قبيح يرمي أمهم بالإفضاء وأنها وضعتهم من دبرهالا من قبلها، وسالم المذكور وهو الذي أخبره أنهم نذروا دمه.
وما لي من ذنب إليهم علمته سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمي ثم اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
سرحة: كناية عن جارية. المعنى: يتعجب من وعيدهم إياه فإنه لا يبالي بهم، ويذكر أنه ليس له جرم بتوديعه هواه، نؤدي عنه، ثم أظهر الجرأة عليهم فكرر التحية للسرحة.
(١١٥)
وقال خليد مولى العباس بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عباس، وخليد هو أبو أبي العميثل وصاحب عبد الله بن طاهر، واسم أبي العميثل عبد الله بن خليد:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
رعاك الله يا سلمى رعاك ودارك باللوى ذات الدكاك
قتلت بفاحم وبذي غروب أخا قوم وما قتلوا أخاك
أما والراقصات بذات عرق ومن صلى بنعمان الأراك
[ ٣ / ١٤٦ ]
الفاحم: الأسود، وبذي غروب يريد بها الأسنان، أقسم تعظيمًا، ومن صلى بنعمان الأراك يعني الحجاج، ونعمان وادٍ بعرفات.
لقد أضمرت حبك في فؤادي وما أضمرت حبًا من سواك
أريت الأمريك بصرم حبلي مريهم في أحبتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم وإن عاصوك فاعصي من عصاك
عاصوك: أي عصوك المعنى: يقسم بالحجيج وابلهم أنه لا يحب سواها، ثم تلطف لها في عصيان الوشاة.
(١١٦)
وقال أبو القمقام الأسدي، والقمقام السيد، وأصله البحر لأنه يجمع الماء، والسيد مجمع الناس:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
اقرأ على الوشل السلام وقل له كل المشارب مذ هجرت ذميم
الوشل ها هنا ماء بعينه، وفي اللغة ماء قليل، وذميم أي مذموم أي لم أحمد مشربًا بعدك.
سقًا لظلك بالعشي وبالضحى وليرد مائك والمياه جميم
الظل لا يحتاج إلى السقي ولكن له غرضًا في ذلك، وكذلك برد مائك كأنه يعني بعض أهل ذلك الماء.
[ ٣ / ١٤٧ ]
(١١٧)
وقال ابن الدمينة:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وأنت التي كلفتني دلج السرى وجون القطا بالجهلتين جثوم
وأنت التي قطعت قلبي حزازة وقرفت قرح القلب فهو كليم
الجلهتان موضع، وجون القطا سودها، وجثوم جمع جاثم، وقرفت قرح الفؤاد أي قرفت القرح في قلبي فما فيه موضع إلا وفيه جرح، وكليم جريح.
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم بعيد الرضا داني الصدود كظيم
أحفظت قومي: أغضبتهم عليّ، لأنهم كانوا يمنعونني عن هواك فكلهم بعيد الرضا داني الصدود لأجلك، لا يكاد يرضى عني. المعنى: يعاتب خلته في سير الليل لأجلها والطير نائمة وفي ايحاشها إياه، ويصف المبالغة في حزنه، ومعاداة قومه إياه لأجلها.
(١١٨)
فاجابته أمامة فقالت:
(الوزن ذاته والقافية ذاتها)
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني لهم غرضًا أرمي وأنت سليم
فلو أن قولًا يكلم الجسم قد بدا بجسمي من قول الوشاة كلوم
تقول: جعلتني للناس بمنزلة الهدف يرمونني بالسهام وأنت سالم من ذلك، ويكلم يجرح. المعنى: تعاتبه مجيبة بأنه أخلفها وعده، وأشمت بها لوامها، وجعلها شهرة تذكر بما تكره.
[ ٣ / ١٤٨ ]
(١١٩)
وقال المعلوط السعدي، وتروي هذه لجرير بن عطية وأولها:
"إن الذين مضوا بلبك غادروا" وهو المعلوط بن بدل، إسلامي، مفعول من علط البعير إذا وسمه في عرض خده واسم السمة علاط، وجرير حبل يشد في الخطام.
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
إن الظعائن يوم جو سويقة أبكين عند فراقهن عيونًا
غيضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
بل لو يساعفنا الغيور بداره يومًا لقد مات الهوى وحيينا
[ ٣ / ١٤٩ ]
غيضن نقضن واحتلن في ردها، وربما رددن بأناملهن، والغيور الزوج ومن يغار على المرأة، وداره موضع. المعنى: يصف سؤال الجواري عن حاله عند المفارقة وإخفاءهن دموعهن، وتمنى مساعدته أهلها بقربها ليذهب وجده، ويحيا قلبه.
(١٢٠)
وقال جميل بن عبد الله بن معمر العذري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك وامق
المعنى: يقول: لم آت في هواك ريبة أعير بها فإذا عابني الوشاة لم يعيبوني إلا بأني عاشق.
نعم صدق الواشون أنت كريمة علينا وإن لم تصف منك الخلائق
المعنى يقول: قد صدق الواشون أني أحبك وإن كنت شرسة الأخلاق، ويروى أن جميلًا حين حضرته الوفاة حلف أنه لم يمس بثينة بما لا يرضاه الله - ﷿ - وذلك قوله: "سوى أن يقولوا إنني لم وامق".
(١٢١)
وقالآخر:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
[ ٣ / ١٥٠ ]
وإذا عتبت على بت كأنني بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني علق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حدث الزمان وريبه وعلى جفائك إنه لكريم
يبقى على حدث الزمان، يبقى راجع إلى علق عاقني علق يبقى على تصرف الزمان وعلى جفائك، ثم مدحه، فقال إنه لكريم لا يفارقنا. المعنى: يصف قلقه لعتبها وعجزه عن الصبر عنها، ويصف هواه بكرم العهد، والبقاء على ضروب الجفوة.
(١٢٢)
وقال آخر، وهو مزاحم العقيلي:
(الثاني عن الطويل والقافية من المتدارك)
وما برح الواشون حتى ارتموا بنا وحتى قلوب عن قلوب صوادف
وحتى رأينا أحسن الوصل بيننا مساكنة لا يقرف الشر قارف
ارتموا أي رموا موضعًا، ورموا بها موضعًا يعني فرقوا بيننا، صوادف معرضة، صدف أعرض، مساكتة يسكت بعضنا عن بعض، لا يقرف الشر قارف تفسير المساكتة. المعنى يشكو تفريق الوشاة إباهما، وإفساد قلبها عليه، حتى أحوجا إلى أن يسكت كل واحد منهما عن صاحبه.
(١٢٣)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ١٥١ ]
فإن ترجع الأيام بيني وبينها بذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذه مرائر إن جاذبتها لم تقطع
ذو الاثل: موضع. وبعد هذه أي بعد هذه الكرة، ومن روى "بعد هدأة" أي بعد ساعة من الليل، ومرائر حبالًا، واحدتها مريرة، إن جاذبتها يعني النوى لم تتقطع. المعنى: هذا رجل ندم على مفارقة هواه وتضمن إن ردته الأيام إليه استمسك بقربه ولم يفارقه.
(١٢٤)
وقال كلثوم بن صعب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
دعا داعيًا بين فمن كان باكيًا معي من فراق الحي فليأتني غدا
فليت غدًا يوم سواه وما بقى من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا
داعيًا بين: غرابان. المعنى: أخبر بارتحال الأحبة غدًا فانزعج مع ذلك، وتمنى أن غدًا لا يأتي، ويكون ما بقي من الدهر ليلة لئلا يرتحلوا.
لتبك غرانيق الشباب فإنني اخال غدًا من فرقة الحي موعدًا
الغرانيق جمع الغرانق وهو الشاب، المعنى يستبكي الشباب على نفسه لأنه شاب مثلهم، ويظهر الجزع من فراقهم.
(١٢٥)
وقال آخر:
[ ٣ / ١٥٢ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ألمم على دمن تقادم عهدها بالجزع واستلب الزمان جمالها
دمن جمع دمنة، وهي آثار الديار، وألمم أي انزل، ويروى "حلالها" جمع حلة.
رسم لقائلة الغرانق ما به إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهله وهي التي فعلت به أفعالها
المعنى: يستنزل صاحبه بدار حبيبته وقد ارتحلت عنها، وأوحشت بمفارقتها، ودل على حسن أهلها، وذكر تهزؤ الجارية بسؤالها أهله عنه، مع علمها بما صار له منها.
(١٢٦)
وقال زياد بن حمل بن سعيد بن عمير بن حريث، ويقال: زياد بن منقذ، وهو أحد بلعدوية من تميم، وأتى اليمن فنزع إلى وطنه:
«الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ولا شعوب هوى مني ولا نقم
صنعاء وشعوب: بلدان ويروى "ولا هبوب" وروى الديمرتي "ولا بفم"
[ ٣ / ١٥٣ ]
بالباء مفتوحة، وروى البرقي بالنون والقاف مضمومين وهذا أصح.
ولن أحب بلادًا قد رأيت بها عنسًا ولا بلدًا حلت به قدم
عنس، بالنون، قبيلة من اليمن من مذحج، رهط عمار بن ياسر، وكان منهم الأسود بن كعب العنسي، ومن روى بالباء فقد صحف لأنه لم يرد عبس بن بغيض، وقدم بفتح القاف والدال وهو غلط، وإنما هو قدم مثل زفر وهو حي من العرب.
إذا سقى الله أرضًا صوب غادية فلا سقاهن إلا النار تضطرم
وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشي وفتيان به هضم
إنما قال: حين تمسي الريح باردة لأن القحط في الشتاء، فأراد أنهم يطعمون فيه. المعنى: هذا رجل قد غاب من بلده وحل ببلاد اليمن فاجتواها فدعا عليها بالحريق واشتاق إلى وطنه فمدحه وأثنى عليه.
الحاملون إذا ما جر غيرهم على العشيرة والكافون ما جرموا
ويروى "الواسعون إذا ما جر غيرهم" أي يبذلون إذا جنى غيرهم ما يرضى به الخصم، وإن جنوا هم لم يلزموا قومهم تلك الجناية وتحملوها في مالهم ويكفون ذلك.
[ ٣ / ١٥٤ ]
والمطعمون إذا هبت شامية وباكر الحي من صرادها صرم
شامية يعني الشمال وهي أشد الرياح بردًا، والصراد غيم رقيق معه برد شديد وصرم قطع من الإبل واحدها صرمة شبه هذا الشاعر قطع السحاب بصرم الإبل.
وشتوة فللوا أنياب لزبتها عنهم إذا كلحت أنيابها الأزم
فللوا: كسروا، واللزبة: الضيق والشدة وكلحت أجدبت، وكلحت كسرت. المعنى يمدحهم بتحمل جنايات غيرهم وتركهم إلزام العشيرة جناياتهم، ويصفهم بالجود والشجاعة.
هم البحور عطاء حين تسألهم وفي اللقاء إذا تلقاهم بهم
البهم: جمع بهمة وهو الرجل الشجاع، شبهه بالصخر الأملس لشدته ونجدته.
وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
الكواثب: جمع كاثبة وهو من الفرس قدام القربوس، ومن البعير الكاهل، وحال في متن فرسه إذا ركبها بخفة حولًا، والميل جمع أميل وهو الذي لا يثيت على الفرس، والقزم: الضعاف من الناس، ورجل قزم وقوم قزم، المعنى: يصفهم بالفروسية.
لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم إلا يزيدهم حبًا إلى هم
يقول لم ألق بعدهم أحدًا فاختبرته، وعرفت حاله إلا ازداد حبًا إلى لإيفائهم عليّ ضرًا وفضلًا.
كم فيهم من فتى حلو شمائله جم الرماد إذا ما أخمد البرم
[ ٣ / ١٥٥ ]
جم الرماد: كثير الرماد، لأنه يطبخ للأضياف، فيكثر الرماد، والبرم: البخيل الذي لا يدخل مع القوم في الميسر فيخمد ناره كي لا يهتدي إليه. المعنى: يذكر من فيهم ممن يرجع إلى حسن الخلق وإكرام الضيف.
تحب زوجات أقوام حلائله إذا الأنوف امترى مكنونها الشبم
ترى الأرامل والهلاك تتبعه يستن منه عليهم وابل رذم
امترى: استخرج، والشبم البرد، يعني ماء الأنف من البرد، ويستن يجيء على سنن، والرذم السائل، يصفه بكثرة الخير وتحقيق مال الأرامل والضعفاء إذا قصدوه، ويريد بالهلاك هنا الفقراء.
كان أصحابه بالقفر يمطرهم من مستحير غزير صوبه ديم
غمر الندى لا يبيت الحق يثمده إلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم
المستحير: الغيث الثابت، لا يبيت الحق يثمده أي لا يجعله مثمودًا، يعني لا يقلل ماله، ويلح عليه بجهده، إلا وهو سامي الطرف مبتسم إلى المكارم، ومثمود من الثمد وهو الماء القليل.
إلى المكارم يبينها ويعمرها حتى ينال أمورًا دونها قحم
تشقى به كل مرباع مودعه عرفاء بشتو عليها تامك شنم
أمورًا دونها قحم أمورًا صعابًا شدادًا، المرباع: الناقة التي من عادتها أن تنتج في أيام الربيع، مودعة: مرهفة فلا تركب لنفاستها، عرفاء: غليظة موضع العرف يريد العنق، وقيل العرفاء الطويلة السنام، المعنى: يصفه بكثرة العطاء ودوامه وأنه إن جهد العطاء ماله لا يكتئب لذلك، ولكن يرتاح، ويصفه بنحر كرائم الإبل، وقرى الأضياف والأسباغ عليهم.
ترى الجفان من الشيزى مكللة قدامه زانها التشريف والكرم
ينوبها الناس أفواجًا إذا نهلوا علوا كما عل بعد النهلة النعم
الجفان جمع جفنة، والأفواج جمع فوج وهو الطائفة من الناس، والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني.
[ ٣ / ١٥٦ ]
زارت رويقة شعثًا بعدما هجعوا لدى نواحل في أرساغها الخدم
رويقة: اسم امرأة، وشعثًا يعني قومًا قد شعثوا من طول السفر، يعني جاء خيال رويقة ليلًا بعد النوم لدى نواحل يعني إبلًا قد نحلت وهزلت، وفي أرساغها الخدم، يزعم أنها حفيت فشد في أرساغها نعالها.
وقمت للزور مرتاعًا فأرقني فقلت أهي سرت أم عادني حلم
فكان عهدي بها والمشي يبهظها من القرب ومنها النوم والسأم
وبالتكاليف تأتي بيت جارتها تمشي الهوينى وما تبدو لها قدم
يعني بالزور الخيال، والتكاليف المشقة، يعني كان عهدي بها أنها كانت تأتي بيت جارتها بالمشقة فكيف قطعت المسافة البعيدة.
سود ذوائبها بيض ترائبها درم مرافقها في خلقها عمم
مرفق درم إذا لم يكن له حجم لاكتنازه باللحم، في خلقها عمم أي طول.
المعنى: يصف ورود خيال من يهواها ومناظراته إياها، ووصفها بسواد الشعر وبياض الصدر وامتلاء العضد وكمال الحسن.
روبق إني وما حج الحجيج له وما أهل بجنبي نخلة الحرم
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم عيش سلوت به عنكم ولا قدم
ولم تشاركك عندي بعد غانية لا والذي أصبحت عندي له نعم
الحرم: جمع الحرام، لا والذي: يريد به الله تعالى عزه. المعنى: يقسم بالله تعالى وبالبيت أنه مذ فارقها لم ينسها شيء ولا تسلى عنها لطول الوقت ولا أحب معها غيرها.
متى أمر على الشقراء معتسفًا خل النقا بمروح لحمها زيم
الشقراء بلد، معتسفًا على غير قصد، خل النقا: موضع، ونصبه مفعولًا به
[ ٣ / ١٥٧ ]
بمعتسف، وبمروح أي ناقة نشيطة تمرح في السير، وقيل أراد بمروح فرسًا، وزيم: مكتنز غليظ.
والوشم قد خرجت منه وقابلها من الثنايا التي لم أقلها ثرم
الوشم: بلد ذو نخل دون اليمامة، وخرجت يعني الناقة أو الفرس من الوشم، وقابلها من الثنايا ثرم اسم ثنية، مجازه وقابل الناقة ثرم من الثنايا، وقوله لم أقلها يريد لم أبغضها، والثنايا: الطرق في الجبال. المعنى: يتمنى ورود خل النقاراكبًا، والنظر إلى بلاده.
يا ليت شعري عن جنبي مكسحة وحيث تبنى من الحناءة الأطم
مكسحة: موضع، والحناءة رمل، وهمزتها أصلية، والأطم: الحصن وجمعه آطام.
عن الأشاءة هل زالت مخارمها وهل تغير من آرامها إرم
وجنة ما يذم الدهر حاضرها جبارها بالندى والحمل محتزم
ما يذم الدهر حاضرها لأنهم يقرون منها، والجبار: ما فات اليد من النخل يصف طول النخل، وقوله: "بالندى والحمل محتزم" أراد بالندى أهله أي أهله محيطون به. وسماهم الندى لأنهم ذوو الندى، والأول أجود لأنه يدل على الخصب والري، وهذا يدل على قلة النخل وعزته.
فيها عقائل أمثال الدمى خرد لم يغذهن شقا عيش ولا يتم
أي في الجنة كرائم خيار، وقد قيل: أراد النخل وشبهه بالنساء، والأول أصح لقوله بعده "لم يغذهن شقا عيش ولا يتم" والشقا مصدر يمد ويقصر، واليتم مصدر اليتيم.
[ ٣ / ١٥٨ ]
ينتابهن كرام ما يذمهم جار غريب ولا يؤذي لهم حشم
أي ينتاب هؤلاء العقائل قوم كرام، ما يذمهم جار غريب لأنهم يحسنون قراه، ويكرمون مثواه، فلا يؤذي لهم حشم من عزهم. [وحشم الرجل: أتباعه ومن يلزمه أن يغضب لهم].
مخدمون ثقال في مجالسهم وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم
أراد بالثقال الرزان أي عليهم سكينة الوقار والحلم، وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم يريد أنهم يخدمون من صاحبهم في السفر لكرمهم. المعنى: يتمنى العلم بأحوال بلاده. ويصف خصبها، ويذكر بالكرم والسيادة أهلها.
بل ليت شعري متى اغدو تعارضني جرداء سابحة أو سابح قدم
نحو الأميلح أو سمنان مبتكرًا بفتية فيهم المرار والحكم
قدم متقدم يوصف به الذكر والأنثى، والأميلح: ماء بيني ربيعة وسمنان بفتح السين، من ديارهم، والمرار والحكم رجلان من حية.
ليست عليهم إذا يغدون أردية إلا جياد قسي النبع واللجم
قوله: ليست عليهم إذا يغدون أردية البيت، يريد أنهم كانوا يضعون اللجم على عواتقهم إذا ابتكروا من منازلهم فيأتون خيلهم فيلجمونها.
من غير عدم ولكن من تبذلهم للصيد حين يصيد القانص اللحم
ويروى "يصيح" أي يستمع الصوت، وأصاخ وبمعنى واحد، واللحم المشتهي للحم.
فيفزعون إلى جرد مسحجة أفنى دوابرهن الركض والأكم
[ ٣ / ١٥٩ ]
أي ينفرون إلى خيل جرد، ومسحجة فسرها بقوله: أفنى دوابرهن الركض والأكم، وأصل السحج القشر، والدوابر: مآخير الحافر.
يرضحم صم الحصا في كل هاجرة كما تصايح عن مرضاحه العجم
المعنى: يصف شدة عدون وصلابة خوافرهن يقول: إذا وقعت حوافرها على صلاب الحجر بدت عنها فكأنها ترميه، ويروى "يضرحن" أي يبعدن.
والمضرح: الإبعاد. وتصايح: أي تطاير، وكل شيء تصدع أو تشقق فقد تصيح، شبه تطاير الحصى تحت الحوافر بتطاير النوى تحت المدق.
يغدو أمامهم في كل مربأة طلاع أنجدة في كشحه هضم
المربأة المرقبة، وهو الموضع الذي يربأ فيه، وأنجدة جمع نجد، وأراد بطلاع أنجدة أنه ركاب الأمور العام، خراج منها، وقوله: في كشحه هضم أي في خصره رقة، يتمنى كونه في دياره، وركوبه مع أصحابه.
(١٢٧)
وقال عمرو بن ضبيعة الرفاشي، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
تضيق جفون العين عن عبراتها فتسفحها بعد التجلد والصبر
وغصة صدر أظهرتها فرفهت حزازة حر في الجوانح والصدر
فتسفحها: تصبها. المعنى: يصف كثرة الدمع وكرب الصدر وأن البكاء خفف من وجده.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ألا ليقل من شاء ما شاء أما يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
قضى الله حب المالكية فاصطبر عليه فقد تجري الأمور على قدر
المعنى: يعترف بالعجز ويستسلم للقضاء.
(١٢٨)
وقالت وجيهة بنت أوس الضبية، إسلامية:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وعاذلة تغدو علي تلومني على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب
المعنى: تشكو لأئمة لامتها على الشوق، ثم احتجت على نفسها فقالت: وما لي من ذنب إن أحببت أرض قومي.
فلو أن ريحًا بلغت وحي مرسل حفي لنا جيت الجنوب على النقب
حفي مبالغ في الأمر، وروي بالخاء وهو تصحيف، لناجيت الجنوب أي ساررتها وحملتها رسالة إلى من أحبه، والنقب طريق بين الجبلين.
فقلت لها أدى إليهم تحيتي ولا تخلطيها طال سعدك بالترب
فإني إذا هبت شمالًا سألتها هل ازداد صداح النميرة من قرب
لا تخلطيها بالترب أي لا تذليها، والنميرة موضع، وصداح النميرة قالوا: هو الديك، إنه ما من قرية إلا وفيها ديك، وقيل: صداح النميرة أهلها لأن الصدح الصوت، وقيل: هو حادي إبلها، وقال بعض من لا يوثق بعلمه هو موضع. المعنى: تتمنى إبلاغ الريح رسالتها إلى من تهواهم.
[ ٣ / ١٦١ ]
(١٢٩)
وقال مرداس بن همام الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
هويتك حتى كاد يقتلني الهوى وزرتك حتى لامني كل صاحب
وحتى رأى مني أدانيك رقة عليهم ولولا أنت ما لان جانبي
قوله: وحتى رأى مني. البيت أي خضعت لهم، وذللت ولولاك لم أفعل. المعنى: يصف اشتداد الهوى به وإفراطه في زيارتها، وانقياده لأهلها بسببها، ولولا حبه إياها ما انقاد لهم.
ألا حبذا لومًا الحياء وربما منحت الهوى من ليس بالمتقارب
بأهلي ظباء من ربيعة عامر عذاب الثنايا مشرفات الحقائب
كأنه قال: حبذا ظباء افديهن بأهلي، منحت أي أحببت من لا ينصفني ولا مطمع فيه، والحقائب الأعجاز. المعنى يقول: حبذا ما أعمل في هواك لولا الحياء، وقد أحببت من لا ينصفني، ثم فدى نساء ربيعة بأهله ووصفهن بعذوبة الريق وعظم العجز.
(١٣٠)
وقال بعض بني أشد، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
تبعت الهوى يا طيب حتى كأنني من أجلك مضروس الجرير قؤود
[ ٣ / ١٦٢ ]
مضروس الجرير أي بعير ضرسه الجرير، والضرب في الجرير أن يلوي عليه قد أو وتر ثم يفقر أنف البعير، أي تحز قصبة الأنف فيوضع ذلك الموضع من الجرير عليه، والقؤود الذي ينقاد بغير صعوبة.
تعجرف دهرًا ثم قاود أهله فصرفه الرواد حيث تريد
ويروى "حيث يرود" والعجرفة: الاقدام في هوج، وتعجرف ركب رأسه، ومعنى يرود يجيء ويذهب. المعنى: يصف انقياده للهوى بعد امتناعه فيه وشبه حاله ببعير مضروس الجرير، لا يأبي على قائده، فهو في نهاية الذل بعدما كان صعبًا، راكبًا رأسه.
وإن ذياد الحب عنك وقد بدت لعيني آيات الهوى لشديد
المعنى: يعترف بالعجز عن منع حبها عن قلبه، بعدما رأى محاسنها.
ما كل ما في النفس للناس مظهر ولا كل ما لا تستطيع تذوذ
وإني لأرجو الوصل منك كما رجا صدى الجوف مرتادًا كداه صلود
صدى الجوف: عطشان، والكدي جمع كدية وهو شيء بين الحجارة والطين لا يعمل فيه المعول، صلود لا يندى ولا يخرج منه شيء. المعنى يقول: لا مطمع لي فيك يا طيبة كما لا مطمع للعطشان إذا حفر في الكدي.
فكيف طلابي وصل من لو سألته قذى العين لم يطلب وذاك زهيد
أطلب: أحوج إلى الطلب، وأطلب أعطي الطلبة، وزهيد قليل، والمزهد: القليل المال، المعنى: يؤيس نفسه من وصلها لأنها لا تسعفه بما لا خطر له فكيف تسعفه بنفسها.
[ ٣ / ١٦٣ ]
ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي أراك صحيحًا والفؤاد جليد
المعنى يقول: أنها لا تشفق عليه فلو رأت روحه سائلة لنسبته إلى الصحة.
فيا أيها الريم المحلى لبانه بكرمين كرمي فضة وفريد
المحلى لبانه: أي المزين صدره بكرمين: بقلادتين، والفريد الدر، وفي البيت أقواء ومن الناس من يرويه بإزالة الأقواء فينشده كرمي فضة وفريد" أي فيها فريد وهذا بعيد، ويروي "كرما فضة وفريد"، ومن الناس من يشتبه عليه هذا الوجه فيغير وينشد "كرم فضة وفريد" وهذا لو روي كان حسنًا، ولكن الشعر رواية لا يحسن تغييرها، وأكثر الأشعار يمكن تغييرها عما قيل ابتداء، فلو ساغ هذا الوجه لم يحتج إلى الرواية.
أجدك لا أمسي برمان خاليًا وغضور إلا قيل أين تريد
رمان موضع، وغضور: ماء لطييء. المعنى: يشكو إليها تعرض الرقباء، ويروى "لا أمشي".
(١٣١)
وقال رجل من بني الحارث، إسلامي:
[ ٣ / ١٦٤ ]
(الأول من الطويل والقافية متواتر)
مني إن تكن حقًا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
رغدًا أي واسعًا، وكانوا يرددون الاسم في بيت واحد إما لغرض وإما تأنسًا بها، وتفخيمًا لها أو تذكيرًا لها.
أماني من سعدي حسان كأنما سقتك بها سعدي على ظمأ بردًا
على ظمأ بردًا أي ماء باردًا. المعنى: هذا الرجل يتلذذ بالمنى، ويشبه مواعيد الحبيب بالماء البارد عند العطش.
(١٣٢)
وقال بعض الأعراب؟:
(الثاني من الصويل والقافية من المتدارك)
وخبرت سوداء القرون مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
ويروى "سوداء القلوب" وسوداء القلوب تنصبها لأن خبرت يقتضي ثلاثة
[ ٣ / ١٦٥ ]
مفعولين، فالأول التاء والثاني سوداء والثالث مريضة، قال الديمرتي جعلها سوداء القلوب لقساوة قلبها، وإنما جمع فقال القلوب لأنه يريد ما اتصل بالقلب وهو ما حواليه، كما يقال: فلان لبن الأجياد وعظيم المناكب، وقيل: سوداء القلوب كان اسمها فأضافها إلى القلوب لتعلق القلوب بها، كما قال ابن الدمينة:
قفي يا أميم القلب نقض تحية ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك
وهذا وجه حسن، وقيل: إنه جعلها سوداء القلوب أي محبوبة فمحلها أوساط قلوب الناس.
فوالله ما أدرى إذا أنا جئتها أوبرئها من دائها أم أزيدها
المعنى: يصف قصده عيادة من يهواه، ويحلف أنه لا يدري أيبرئها من دائها أنسأ بلقائه أم يزيدها في دائها خوفًا من أهلها عليه وشفقة.
(١٣٣)
وقال بعضهم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وإني على هجران بيتك كالذي رأى نهلًا ربًا وليس بناهل
يرى برد ماء ذيد عنه وروضة برود الضحى فينانة بالأصائل
الناهل: الريان هنا، ويكون العطشان في غيرها، وبرود الضحى أي طيبًا
[ ٣ / ١٦٦ ]
ماؤه قبل الزوال، وفينانة كثيرة الأفنان. المعنى: يعتذر إلى هواه في تركه زيارتها يقول: لم أهجر بيتك مختارًا، وشبه نفسه بالعطشان منع عن ورود الماء فهو يراه باردًا، ويتحسر عليه.
(١٣٤)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
مرًا على أهل الغضا إن بالغضا رقارق لا زرق العيون ولا رمدًا
الغضا هاهنا موضع، وفي اللغة شجر معروف، ورقاق يعني نساء نواعم، وقوله: لا زرق العيون ولا رمدًا أي هن كحل، وقيل: إنه أراد عيون الماء، وليس بجيد لأن الماء يوصف بالزرقة إذا أرادوا صفاءه والرمد جمع أرمد وهو الذي به رمد.
أكاد غداة الجمع أبدى صبابة وقد كنت غلاب الهوى ماضيًا جلدًا\
فلله دري أي نظرة ذي هوى نظرت وأيدي العيس قد نكبت رقدًا
يقربن ما قدامنا من تنوفة ويزددن ممن خلفهن بنا بعدا
المعنى: يستعطف صاحبيه إلى أهل الغضا لأن هوى قلبه فيهم، وذكر سبب الفراق، وجلادته، وتعجب من نظره وقد استقلت الإبل وازدادت بهم بعدًا كل ساعة من أحبابهم.
(١٣٥)
وقال ابن هرم الكلابي:
[ ٣ / ١٦٧ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إني على طول التجنب والنوى ووراش أتاها بي وواش لها عندي
لأحسن رم الوصل من أم جعفر بحذ القوافي والمنوقة الجرد
حذ القوافي: هي التي لا تكون مضمنة ببيت آخر قبله، والمنوقة الجرد هي الخيل وهي مفعلة من النيقة وهي إحسان الصنعة.
وأستخبر الأخبار من نحو أرضها وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي
فإن ذكرت فاضت من العين عبرة على لحيتي نثر الجمان من العقد
الجمان: أمثال اللؤلؤ يتخذ من الفضة، الواحدة جمانة، يصف تأتيه في أسباب الهوى وحفظ الوصال مع كثرة الوشاة من الجانبين، ويذكر تعلله بالاستخبار عن خبرها لينذ بذكرها، فإذا ذكرت فاضت دموعه جزعًا وحسرة.
(١٣٦)
وقال ابن المولى:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا بأبينا جعفر وبأمنا نقول إذا الهيجاء سار لواؤها
ولا عيب فيه غير ما خوف قومه على نفسه ألا يطول بقاؤها
ليس البيتان من النسيب في شيء وهما بالحماسة أولى. المعنى: إذا سار لواء
[ ٣ / ١٦٨ ]
الهيجاء فدينا جعفرًا بأبينا وأمنا، ولا عيب فيه غير الشجاعة، وعبر عن الشجاعة بخوف قومه عليه ألا يطول بقاؤه، ولأنه من ألقى نفسه في الغمرات خيف عليه.
تم باب النسيب
[ ٣ / ١٦٩ ]