في الجانب الأيمن الأعلى للورقة الأولى من مخطوطة هذا الشرح نجد عبارة تفيد بأن "جميع هذا الكتاب من خط ياقوت بن عبد الله"، كما نجد في الورقة الأخيرة ما يفيد بان هذا الكتاب قد "فرغ من كتبه ياقوت بن عبد الله في الشهر المبارك من سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة"، وهذا يدل على أن ناسخ هذا الشرح يدعى ياقوت ابن عبد الله، فمن هو ياقوت هذا؟
لقد حاولنا أن نبحث عن كل من يحمل هذا الاسم في كتب التراجم فوجدنا أنهم ثلاثة: أحدهم: أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب الملقب أمين الدين، والثاني أبو الدر ياقوت بن عبد الله الملقب مهذب الدين الشاعر، والثالث أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي الملقب شهاب الدين، وهؤلاء الثلاثة منهم اثنان اشتغلا بالكتاب ونسخ الكتب أحدهما أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الذي أفاد ياقوت الحموي وابن خلكان أنه كان متقنًا للكتابة على طريقة ابن البواب، وكان ينسخ الكتب ويبيعها، وكانت كتبه التي ينسخها غالية الثمن لجودة خطه فيها، والآخر أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي صاحب معجم الأدباء ومعجم البلدان، فقد ذكر كل من القفطي وابن خلكان اشتغاله بالكتابة ونسخ
[ ٢ / ٦٣ ]
الكتب في فترة من فترات حياته. أما الثالث أبو الدر ياقوت بن عبد الله مهذب الدين فقد كان شاعرًا ولم يشتغل بالكتابة أو نسخ الكتب، ومن ثم فلا علاقة له بهذه المخطوطة.
فإذا نظرنا إلى كل من ياقوت الموصلي وياقوت الحموي وجدنا أن وفاة الأول كانت في سنة ٦١٢ هـ، أم الثاني فقد توفي سنة ٦٢٦ هـ، فضلًا عن أن ابن خلكان ذكر أن ولادته كانت في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة.
ومن ثم فإن هذه المخطوطة - وتاريخها كما ذكرنا يرجع إلى سنة ٤٣٨ هـ - لا يمكن أن تكون قد نسخت من قبل أحدهما، وليس بصحيح ما ذكره الدكتور عسيلان في دراسته أن هذه المخطوطة من نسخ ياقوت الرومى لأن ياقوتًا هذا الذي عناه قد ولد - على ما ذكر ابن خلكان - بعد تاريخ الفراغ من المخطوطة بنحو سبعة وثلاثين عامًا، كما أن المخطوطة وقعت فيها أخطاء تتصل بالنحو واللغة يستبعد وقوعها من رجل في مثل علم ياقوت الحموي ومعرفته الدقيقة بعلوم العربية.
ولكن من هو ياقوت بن عبد الله هذا الذي قام بنسخ هذا الشرح وفرغ منه فى سنة ٤٣٨ هـ، ثم قابله بنسخة الشيخ أبي طاهر الشيرازي في سنة ٤٦٦ هـ؟ .
أغلب ظننا أنه رجل آخر غير من ذكرتهم كتب التراجم، وهذا يدفعنا إلى الوقوف مع رأي أوضحه الدكتور صلاح الدين المنجد في دراسته لياقوت الحموي، فقد ذكر أن العادة عند العرب أن يطلقوا على الأرقاء أسماء الأحجار الكريمة وبعض أنواع الطيب كالزمرد والياقوت والعنبر الكافور لقربهم من المخدومين، كما أن تسمية الأب في مثل هذه الحال ليست لها علة في رأيه، وإنما جاءت اعتباطًا لجهالة اسم الأب لأن اسم الأب إذا كان مجهولًا جعلوه عبدًا من عبيد الله.
[ ٢ / ٦٤ ]
وبناء على هذا الرأي الذي صرنا في حيز منه يمكن القول بان هذا الاسم "ياقوت بن عبد الله" قد يكون كثيرًا يتجاوز في عدده هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم كتب التراجم، ومن هنا فلا يكون بعيدًا إذا قلنا أن ياقوت بن عبد الله ناسخ هذه المخطوطة هو واحد من أولئك الأرقام المجهولي الاسم والأب فانطبق عليه رأي الدكتور صلاح الدين المنجد، كما انطبق على ياقوت الحموي صاحب المعجمين المشهورين.
هذا ما يتصل بناسخ المخطوطة، أما المخطوطة نفسها فهي الوحيدة التي عثر عليها حتى الآن، ويوجد أصلها في مكتبة "لاه لي" بتركيا تحت رقم ١٨١٣، وتوجد نسخة مصورة منها في معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة تحت رقم ٥١٨ أدب، وهي بخط نسخي واضح، وتقع في ١٩٤ ورقة كل ورقة ذات صفحتين يبلغ عدد أسطر الصفحة الواحدة ثلاثة وعشرين سطرًا.
- ٥ -