يجدر بنا أن نشير أولًا أنه لما كانت هذه المخطوطة واضحة الخط انتفت الصعوبة في قراءتها إلا في القليل النادر، كما أن توافق هذا الشرح مع شرح التبريزي المطبوع في نحو ثلاثة وثلاثين ومائة موضع قد أعاننا كثيرًا في الوصول إلى معرفة ما غمض من خط الناسخ، علمًا بأن الغامض الذي صادفنا فيها كان قليلًا، لا يقاس بالوضوح الذي شملها، غير أننا - مع هذا الوضوح - لاحظنا بعض الأخطاء النحوية واللغوية التي ندت عن قلم الناسخ، كما لاحظنا سقط بعض العبارات أو الجمل وأحيانًا بعض الألفاظ، كنا نستعين في سد ثغراتها بما اتفق مع شرح التبريزي أو بما توصلنا إليه باجتهادنا حتى تحققت للكلام استقامته التي يقتضيها السياق، وقد بينا جميع ذلك في الهوامش التي صنعناها لهذا الشرح.
كذلك أفدنا من الشرحين المطبوعين: شرح المرزوقي وشرح التبريزي وذلك بالموازنة المتتابعة في رواية المتن وتوضيح الفروق التي نجمت بين هذه الشروح، كما
[ ٢ / ٦٥ ]
استعنا بهما أيضًا في توضيح ما فات على المصنف توضيحه في شرح الشعر، هذا فضلًا عن إفادتنا من شروح أخرى مخطوطة جمعناها من مكتبات مختلفة.
وبجانب هذا الذي ذكرناه يمكن أن نلخص منهجنا في تحقيق هذا الشرح في الجوانب التالية:
أولًا: تقديم نص صحيح للقارئ وفق الرسم المعاصر للحرف المقروء الآن، وذلك لأن طريقة رسم الحرف عند الناسخ يختلف بعضها عما هو مألوف لدينا اليوم، ومن أمثلته:
أ/ عدم كتابة الهمزة المتطرفة اثر ألف والاكتفاء عنها بوضع علامة المد على الألف فالكلمات مثل سماء ونساء ودعاء يكتبها الناسخ هكذا: سمآ، نسآ، دعآ.
ب/ عدم كتابة الهمزة التي تأتي على ألف في الأفعال مثل: قرأتها، ويسأل، ويأبى، تكتب عنده: قراتها، يسال، يابي.
جـ/ كتابة همزة فعائل ونحوها ياء مثل طبائع وصنائع كتائب، تكتب عنده طبايع، صنايع، كتايب.
ثانيًا: الإسهام في تبيان قائلي القطع التي وردت في الاختيار غفلًا عن أصحابها وذلك وفق المصادر التى توفرت لدينا والشروح المخطوطة التي وقفنا عليها.
ثالثًا: الوقوف على رأي راجح حين ينسب الشعر إلى أكثر من قائل، وذلك بناء على ما اهتدينا إليه في المصادر الأخرى.
رابعًا: التعريف بشعراء الحماسة وبيان المصادر التي ذكرتهم أو روت شعرهم الذي اختاره أبو تمام وكذلك التعريف بسائر الأعلام الذين ورد ذكرهم في ثنايا الشرح وبيان المصادر والمراجع التي ترجمت لهم أو كتبت عنهم.
خامسًا: نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، إلاّ ما لم تسعفنا به المظان التي رجعنا إليها.
[ ٢ / ٦٦ ]
سادسًا: نسبة الآيات القرآنية إلى سورها وتوضيح أرقامها في هذه السور وكذلك إرجاع الأحاديث النبوية إلى مصادرها التي روتها.
سابعًا: القيام بالتعقيب في الهامش بما يوضح نقطة اقتضت الضرورة توضيحها أو مسألة رأينا تسليط الضوء عليها حتى تتحقق الفائدة المرجوة لقارئ هذا الشعر هذا فضلًا عن التعقيبات التي قمنا بها في مواضع بدا فيها نقص ند عن المصنف في شرحه وألزمنا الصواب أن نقف عندها برأينا حينًا وبرأي الشراح الآخرين أحيانًا أخرى.
ثامنًا: وربما كانت أبرز خدمة قمنا بها لهذا الشحر هي أننا لاحظنا أن المصنف والناسخ قد تضافرت جهودهما في تحديد بحور جملة من القطع الشعرية وأضربها وأنواع قوافيها، غير أن الكثير قد فات عليهما في هذا الجانب حاولنا أن نستعين فيه بشرح التبريزي لتكملته، وذلك لأن التبريزي كان أمامه شرح شيخه أبي العلاء المعري، وكان أبو العلاء من القلائل الذين عنوا في شروحهم بهذا الجانب، بيد أن هنالك جملة من القطع فات على التبريزي كذلك توضيح بحورها وأضربها ونوع قوافيها، فاجتهدنا بما لدينا من معرفة في علم العروض والقوافي في توضيحها وجعلنا لذلك رمزًا فما أخذناه من المصنف والناسخ والتبريزي وضعناه بين قوسين هكذا «». أما ما أكملنا بجهدنا اثنتين وستين قطعة هي القطعة ١٤٥ من باب الحماسة، والقطع: ٤٢، ١٠٧، ١٣٦، ١٣٧ من باب المراثي، والقطعة ٤٧ من باب الأدب، والقطع ٦، ١٩، ٢٩، ٦٤، ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٣، ٩٠ من باب النسيب، القطع ٧، ٢٦، ٢٨، ٥٠، ٦٠، ٦٢، ٦٦، ٦٩ من باب الهجاء، والقطع ١٥، ٣١، ٤٣، ٤٧، ٩١، ٩٥، ٩٧، ٩٩، ١٠٢، ١٠٩، ١١٥، ١١٦، ١١٨، ١٢٠، ١٢٢، ١٢٦، ١٢٧، ١٣٢، ١٣٥، ١٣٦، من باب الأضياف، والقطعة الرابعة من باب الصفات، والقطعة الأولى من باب السير والنعاس، والقطع ١٠، ١١، ١٣، ١٤، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٥، ٢٦ من باب الملح، والقطعتان ١٣، ١٤ من باب مذمة النساء.
[ ٢ / ٦٧ ]
ولا نغالي إذا قلنا أن هذا الجهد الذي بذلناه في تحديد بحور هذا القطع وأضربها وقوافيها قد حقق فائدة في قيام شرح ثالث - غير شرح التبريزي ذي النقص وغير شرح المرزوقي الذي لم يعن بهذا الجانب - يحقق للدارسين في الحماسة عونًا يفيدهم في معرفة البحور والأضرب والقوافي لكل ما اختاره أبو تمام من شعر.
تاسعًا: ولقد ذيلنا هذا الشرح بفهارس لكل ما ورد فيه - دون الهوامش - من أعلام وأمكنة وآيات قرآنية وأحاديث وقواف، فضلًا عن فهرس المصادر المراجع التي استخدمناها في دراسته وتحقيقه.
ويقتضي الحق أن نقول أن هذه الجهود التي قمنا بها لخدمة هذا الشرح كان وراءها أعمال رجال سبقونا في هذا المضمار، وبخاصة ما قام به عبد السلام هارون في تحقيقه شرح المرزوقي وصنواه أحمد محمد شاكر وعبد الستار أحمد فراج وغيرهم ممن حقق كتبًا كانت لها صلة بشعراء الحماسة أو شعرهم، كما كان وراء هذه الجهود أيضًا فضل لزملاء أعزاء فتحوا لي مكتباتهم الخاصة آخذ منها ما أشاء أخص منهم بالذكر الأستاذ الدكتور هاشم الشريف والأستاذ محمد مسعود جبران والأستاذ الهادي الخمائسي. نفعني الله بهؤلاء جميعًا ونفع غيري بهم، وإني لأسأل الله تعالى أن يحقق بعملي هذا ما أملته في أن يكون إسهامًا متواضعًا في خدمة تراثنا الأدبي أنه سميع مجيب، وهو حسبي إلى يوم الدين.
محمد عثمان علي
[ ٢ / ٦٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا يوازي جميل نعمه، ويضاهي جزيل قسمه، وصلواته على سيدنا خير العجم والعرب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين.
ذكر سبب تأليف أبي تمام حبيب بن أوس لكتاب الحماسة:
حكي أن أبا تمام لما قفل من نيسابور متوجهًا نحو العراق، دخل همذان والزمان شات، فحال الثلج بينه وبين الرحيل، فأضافه أبو الوفاء محمد بن عبد العزيز بن سهل وكان أديبًا من أولاد الرؤساء وله شعر يرتضيه الشعاء، وهو القائل:
وظللت من ماء الكروم كأنني غصن أمالته الصبا فتأودا
أرمي فعيني الرياض واجتني من حليهن لآلئًا وزبرجدا
يفتر مبتسمًا كأن وميضه شور أصابته الصبا فتوقدا
حمراء ناصعة وأصفر فاقعا ومزعفرًا في لونه وموردا
فسره لزوم أبي تمام، وأحضره أبو الوفاء كتبه فاختار أبو تمام منها هذا، والوحشي وشيئًا من انتخاب. ثم شخص أبو تمام وبقيت الكتب عند أبي الوفاء، لا يمكن أحدًا منها إلى أن مات، ووقعت الكتب تحت رجل من أهل الدينور يعرف بأبي العواذل، فنسخ هذه الكتب الثلاثة، وحملها إلى أصبهان، فانتشرت النسخ
[ ٢ / ٧٥ ]
منها: وعني أهل اصبهان بتصحيحها، ومنها هذا الكتاب [الذي شاع] في الآفاق، فلهذا لا تجد أحدًا يرويه مسددًا إلى أبي تمام رواية، وقيل: أن ذلك غير صحيح. حدثني أبو مسهر محمد بن أحمد بن مروان العثماني الشافعي قال: حدثنا أبو عبد الله النمري، قال: حدثنا أبو رياش قال: قال لي أبو أحمد:
[ ٢ / ٧٦ ]