مأخوذٌ من زيب الرجل.
نبيث عمرًا غارزًا رأسه في سنةٍ يوعد أخواله
جعل غرز الرأس كنايةً عن الجهل والذهاب عما عليه وله من التحفظ. ونبئ وأنبئ مما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. فعمرًا انتصب على أنه مفعول ثانٍ. وغارزًا، انتصب على أنه مفعولٌ ثالث، ورأسه انتصب من غارزًا. وأراد بالسنة: الغفلة، وهي ما يحدث من أوائل النوم في العين ولم يستحكم بعد. وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض. والإيعاد إذا كان على وصف حقيقٌ بالتهجين. يدل على ذلك قوله.
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنةٌ وليس بنائم
وقد فصل الله تعالى بينهما بقوله: " لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ ". والفعل وسن يوسن وسنًا. وموضع يوعد نصبٌ على الحال. ومعنى غارزًا رأسه: مدخلًا؛ ومنه الغرز بالإبر. ويقال: غرز فلانٌ رجله في الغرز، أي في الركاب. وتوسعوا حتى قالوا: اغترز فلانٌ في ركاب القول.
وتلك منه غير مأمونةٍ أن يفعل الشيء إذا قاله
[ ١٠٦ ]
هذا الكلام تهكمٌ وسخريةٌ، وفي طريقته قول الآخر:
وأما أخو قرطٍ فلست بساخرٍ فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما
قال هذا ومرة معرض لكل بلاء. أن يفعل موضعه رفعٌ على البدل من قوله وتلك منه. والمعنى تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمروٍ، وهو فعله لما يقوله.
الرمح لا أملأ كفي به واللبد لا اتبع تزواله
هذا التمدح منه تعريضٌ بخصمه وإزراءٌ بفروسيته، وإشارةٌ إلى أن أضداد هذه الأوصاف مجتمعة فيه. فيجوز أن يكون المعنى: إني لا أقتصر من تعاطي أنواع السلاح على الرمح فقط، ولكني أجمع في الاستعمال بينها. وهذا كما يقال: ملأ كفه من كذا فليس فيه موضعٌ لغيره. ويجوز أن يكون المعنى: إني أستعمل رمحي بأطراف أصابعي لحذقي واقتداري، ولا آخذه بجميع كفي. وهذا كما يقال: أقبصه ولا أقبضه؛ لأن القبص: الأخذ بأطراف الأصابع، والقبض بالكف كلها. ومثله قول الآخر:
لبيقًا بتصريف القناة بنانيا
وقوله: واللبد لا أتبع تزواله أراد: ألزم ظهر دابتي، وإن مال اللبد لم أمل معه. وهذا كما قال أبو النجم:
أدرك عقلًا والرهان عمله ثقفٌ أعاليه وقارٌ أسفله
أي كأنه يلصق الأسفل بظهر الفرس فلا يزول ولا يميل.
والدرع لا أبغي بها ثروةً كل امرئٍ مستودعٌ ماله
لولا أن قصده في التمدح إلى التعريض بالمختبر عنه لكان لا معنى لهذا الكلام. ألا ترى أن قوله: والدرع لا أبغي بها ثروة وقد فسر على أنه يجوز أن يكون المراد: لا أقتني الدرع لكي أتجر فيها فأتمول. وترك التجارة في الأسلحة ليس فيه
[ ١٠٧ ]
كبير تمدح. ويجوز أن يكون المعنى: لا أعدها سببًا في ارتفاق المغانم فأثرى، ويكون كقول عنترة:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وقوله: كل امرئٍ مستودعٌ ماله، يريد به: المال ودائع عند الناس، ولا بد من ارتجاعها والتقاضي بها وإن أمهلوا مدةً، فلم أتجر في درعي أو لم البسها لتغنم الأنفال بها، والمال هذه حاله عند أربابه. ويكون هذا كما قال الآخر:
وما المال والأهلون إلا ودائعٌ ولا بد يومًا أن ترد الودائع
ويجوز أن يكون ما من قوله ماله بمعنى الذي، فيكون المعنى: كل امرئ مرتهنٌ بأجله، وبالذي كتب له، ولا يمتنع أن يكون أشار بما إلى ما يقتنى من أغراض الدنيا. ويروى: كل امرئٍ مستودعٌ ماله بكسر الدال، والمعنى أن ما يجمعه المرء بكسبه إذا جاء محتوم القضاء يتركه لغيره لا محالة، فلم أرغب فيه وفي ادخاره، وأزهد في اكتساب المحامد والمعالي؟ وهذا الكلام نهايةٌ في التنقص ممن عرض به، وغايةٌ في الطعن عليه، والقدح في عادته. ويروى: والدرع لا أبغي بها نثرةً، وهي الواسعة. والمعنى: إني أكتفي من الدرع ببدنةٍ، فلا أطلب ما يفيض فيضًا، ويجب مع هذه الرواية والتفسير أن يكون معنى المصراع الثاني: كل امرئٍ مرتهنٌ بأجله، وممهلٌ ليومه.
آليت لا أدفن قتلاكم فدخنوا المرء وسرباله
هذا البيت لم أجده في نسخٍ كثيرة، فيغلب في ظني أنه ليس من الاختيار. وعلى ما به فله قصةٌ مشهورةٌ زعموا. وهي أنه يروى فيه أن واحدًا من المخاطبين كان أحدث في حربٍ حضرها خوفًا على نفسه، فعرض الشاعر بهم وذكرهم سوء بلائهم، وضعف ثباتهم. وإنما يريد أنهم إذا صرعوا في المعركة عثر منهم إن لم يطيبوا على مثل ما فعله ذلك الواحد المعرض به، أو استدل بالرائحة عليه فافتضحوا. وهذا تهكمٌ
[ ١٠٨ ]
أيضًا وتعييرٌ بالاتفاق السيء. وآليت معناه حلفت ولفظه لفظ الخبر، والمعنى معنى القسم. وربما قالوا: آليت على نفسي.