طلقت إن لم تسألي أي فارسٍ حليللك إذ لاقى صداءً وخثعما
جعل الإقسام عليها بما يضيق طريقها في التجوز والإهمال، لما ولاها البحث والسؤال. هذا إذا جعلت الكلام دعاءً. يقول: ينت من زوجك إن لم تفشي بالسؤال عن أحواله حين لاقى هاتين القبيلتين، هل أبلى في ملاقاتهما، وكيف ثبت في وجوههما. ويجوز أن يكون طلقت وعيدًا توعدها به إن لم تنته إلى مرسومها. والحليل: الزوج، سمي بذلك لنه يحال صاحبته. وخثعم هو خثعم بن أنمارٍ. والخثعمة: التلطخ بالدم. ويقال: كانوا تحالفوا فغمسوا أيديهم في دم بعيرٍ نحروه واجتمعوا عليه فسموا خثعمًا. ومفعول تسألي محذوفٌ، المراد تسألي الناس. وقوله أي فارس هو المسألة، وهو في موضع المفعول أيضًا. وجواب الشرط مقدم، كأنه قال: إن لم تسألي الناس عن هذه المسألة فأنت مطلقةٌ من بعد، أو فجعل الله خاتمة أمرك كذلك.
أكر عليهم دعلجًا ولبانه إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما
أجمل في اقتصاص بلائه، ثقةً بأن بحثها واستقصاءها يأتي على تفاصيله. يقول: أعطف فرسي دعلجًا عليهم، حالًا بعد حالٍ، وكرًا بعد فرٍ، وغذا اشتكى من كثرة وقوع الطعن بصدره حمحم. وجعل الفعل للصدر على المجاز والسعة لكونه موقع الطعن. هذا إذا رويت: ولبانه بالرفع، لأن بعض الناس روى ولبانه بالنصب، كأنه فر من أن يكون الاشتكاء والتحمحم للبان على كثرة نسبة الاشتكاء إلى الأعضاء الآلمة. فوقع فيما هو أقبح؛ لأن المراد أكر عليهم فرسي، فلا معنى لعطف اللبان عليه. وسمعت من يجعله من باب تكرير البعض من الكل بالعطف عليه، وإن
[ ١١٤ ]
كان داخلًا فيما دخل فيه على وجه الاختصاص وتفخيم الشأن، كقوله ﷿: " من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ". قال: ووجه الاختصاص أن الذكر بصدره، كان أن الأنثى بعجزه. والدعلج: المرح في السير والتردد، ويوصف به الفرس والبعير والحمار، وذكر بعضهم أنه يقال في الضب الهائج ايضًا. وقد أحسن عنترة كل الإحسان حين سلك هذا السبيل فقال:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرةٍ وتحمحم