حكى ابن أعرابي: قالوا معد يكرب لأنه عدا الفساد. والكرب: الفساد.
ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرعٍ خليت فاسبطرت
اسبطرت: امتدت، والسبطر والسبط بمعنى واحد. يقول: لما رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلوا أعنة دوابهم وأرسلوها، وقرطوا آذانها بها، فكأنها أنهار زرعٍ أرسلت مياهها فامتدت بها. والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار لا على الأنهار، كأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتويًا ومضطربًا. وكما وصف الخيل في انحرافها بزورٍ وصفت أيضًا بنكبٍ، فقال بعضهم:
لأعدائنا نكبٌ إذا الطعن أفقرا
فالنكب: جمع أنكب، وهو الذي ينحط أحد منكبيه عن الآخر، كما أن الزور جمع أزور، وهو المعوج الزور. وهذا من التشبيه الحسن الصائب. وقوله: خليت فاسبطرت جعلًا للجداول على المجاز والسعة، لأن المياه هي التي تخلى وتمتد. وهذا كما يقال نهرٌ جارٍ، وإن كان الماء هو الذي يجري.
فجاشت إلى النفس أول مرةٍ وردت على مكروهها فاستقرت
فجاشت إلى النفس أول مرة. اعترض بعضهم فقال: لولا أنه جبن لما جاشت إليه النفس. قال: ومثله في الرداءة قول عنترة:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم عنها ولكني تضايق مقدمي
[ ١١٧ ]
هلا قال كما قال العباس بن مرداس:
أشد على الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها
قال الشيخ: وليس الأمر كما توهم، لأن ما ذكره عمروٌ وعنترة بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع على طريقةٍ واحدةٍ فيما يدهمها عند الوهلة الأولى، ثم يختلفان: فالجبان يركب نفرته، والشجاع يدفعها فيثبت. فأما قول العباس ابن مرداس فليس مما ذكراها بسبيلٍ، وإنما هو بيان الحالة الثانية وما يعزم عليه بعد الاعتصام والمراجعة والتمسك. فاعلمه الله إن شاء الله. قوله: أول مرةٍ وذات مرةٍ، لا يكونان إلا ظرفين؛ لأن مرةً ليس باسمٍ للزمان لازمٍ، وإنما هو مدخلٌ عليه. فإذا قلت مرةً فإنما حقيقتها فعلةً واحدةً، ويجوز أن يكون وقتًا واحدًا. ويجوز أن يكون الفاء في فجاشت زائدةً، في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش، ويكون جاشت جوابًا للما. والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت نفسي وثارت. وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفًا، كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته فقرت، طعنت أو أبليت. ويدل على ذلك قوله: علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن، فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهومٌ. وهذا كما حذفوا جواب لو رأيت زيدًا وفي يده السيف! وعلى هذا الكلام على المذهبين في قوله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت " أبوابها، وفي قول امرئ القيس:
فلا أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبتٍ ذي قفافٍ عقنقل
وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ وأدل على المراد وأحسن، بدلالة أن المولى إذا قال لعبده: والله لئن قمت إليك وسكت، تزاحمت عليه من الظنون المعترضة للوعيد ما لا يتزاحم لو نص من مؤاخذته على ضربٍ من العذاب. وكذلك إذا قال المتبجح: لو رأيتني شابًا وسكت، جالت الأفكار له بما لم تجل به لو أتى بالجواب.
[ ١١٨ ]
علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
ما في الاستفهام إذا اتصل بحرف جر يحذف الألف من آخره تخفيفًا، على ذلك فبم وبم ولم، إلا إذا اتصل ما بذا فقلت: بماذا ولماذا، لأنه يترك على تمامه. وقوله: تقول الرمح يروى بفتح الحاء وضمها، فإذا نصبت فلأنك جعلت تقول في معنى تظن. وهم - عند الخطاب والكلام استفهام - يحملون القول على الظن. على ذلك قوله:
فمتى تقول الدار تجمعنا
أي متى تظن ذلك فتقول، فجعل القول يدل على الظن لما كان القول ترجمة عن الظن. والخطاب والاستفهام يحتملان ما لا يحتمل غيرهما. وإذا رفعت الرمح فالقول متروكٌ على بابه، والرمح يرتفع بالابتداء، والكلام حكايةٌ، وما بعد القول إذا كان كلامًا مفيدًا يحكى. ومعنى البيت: على أي شيءٍ ولأي وجهٍ تقول: أحمل الرمح فيثقل ساعدي إذا لم أعمله إذا حصل الكر من الخيل بعد الفر، واشتد عليهم الأمر. والمعنى بأي حجةٍ أحمل السلاح إذا لم أبل في الحرب ولم أستعمله في وقته. وهذا الكلام إسقاطٌ للتبجح بالبلاء الذي كان منه أيضًا. وقوله: إذا أنا لم أطعن أي لم يثقل ساعدي الرمح في وقت تركي الطعن زمان كر الخيل، فإذا الأول ظرفٌ لقوله يثقل، وإذا الثاني ظرفٌ لقوله لم أطعن.
لحا الله جرمًا كلما ذر شارقٌ وجوه كلابٍ هارشت فاز بأرت
ازبأر: انتفش حتى ظهر أصول شعره. قال:
فهو ورد اللون في ازبئراره وكميت اللون ما لم يزبئر
كلما انتصب على الظرف، ووجوه انتصب على الشتم والذم، والعامل فيه فعلٌ مضمرٌ وهو أذكر. كأنه شبه وجوههم بوجوه الكلاب في الحالة المذكورة. ويجوز أن يكون انتصابه على البدل من قوله جرمًا. ومعنى لحا الله: قشر الله، أي فعل بهم غداة كل يومٍ، أذكر قومًا يشبهون الكلاب إذا واثبت غيرها وساورت،
[ ١١٩ ]
فانتفشت وتجمعت للوثب؛ وتلك الحالة من أحوالها أشنع وأنكر: وهذا تحقيقٌ للشبه، وتصويرٌ لقباحة المنظر. والذرور في الشمس أصله الانتشار والتفريق. قال:
كالشمس لم تعد سوى ذرورها
أي طلوعها وانتشار ضوئها. قال الخليل: المهارشة من الكلاب وغيرها كالمحارشة. ويقال: فلانٌ يهارش بين الكلبين.
فلم تغن جرمٌ نهدها إذ تلاقيا ولكن جرمًا في اللقاء ابذعرت
جرمٌ ونهدٌ: قبيلتان من قضاعة. ومعنى ايذعرت: تفرقت. وأضاف نهدًا إلى ضمير جرمٍ، لاعتماده كان عليها، واعتقاده الاكتفاء بها. والمعنى لم تنصرها فكانت تكتفي بها وتغنى، ولكن جرمًا انهزمت، وهامت على وجهها فمضت، واصطلت نهدٌ بنار الحرب، فمست حاجتها إلى من يؤازرها، ويناهض الأعداء معها.
ظللت كأني للرماح دريةٌ أقاتل عن أبناء جرمٍ وفرت
يقول: بقيت نهاري منتصبًا في وجوه الأعداء، والطعن يأتيني من جوانبي، وكأني للرماح بمنزلة الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، أذب عن جرمٍ وقد هربت هي. ويجوز أن يكون: كأني للرماح صيدٌ. فقد حكى أبو زيد أنه يقال للصيد خاصةً دريةٌ، غير مهموزةٍ، ودرايا؛ كأن هذا من دريت أن ختلت. فأما الدابة التي يستر بها من الصيد، فإذا أكثب رمي من خلفها، فذكر أبو زيدٍ أنها تسمى دريئة الصيد، بالهمز. قال: ويقال: درأتها نحو الصيد وإلى الصيد وللصيد، إذا سقتها. وكأن هذا من الدرء، وهو الدفع. وقد تسمى تلك الدابة الذريعة والسيقة والقيدة. وأنشدت عن أبي العباس المبرد، ﵀، أنشدنيه حمزة بن الحسن، قال: أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش عنه:
إذا نصبنا لقومٍ لا ندب لهم كما تدب إلى الوحشية الذرع
الذرع: جمع ذريعة، كصحيفة وصحف. وإن جعلت كأني في موضع الحال فأقاتل في موضع الخير لظللت حينئذ.
[ ١٢٠ ]
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
النطق استعمل في الكلام وغيره، ولذلك قيل منطق الطير، ثم توسعوا فقالوا: نطق الكتاب بكذا. يقول: لو أن قومي أبلوا في الحرب واجتهدوا لافتخرت بهم، وذكرت بلاءهم، ولكن رماحهم أجرت لساني، كما يجر لسان الفصيل. وجعل الفعلين للرماح لأن المراد مفهومٌ في أن التقصير كان منهم لا منها. والإجرار: أن يشق لسان الفصيل للرماح فيجعل فيه عويدٌ لئلا يرضع أمه. وقد استعمل الإجرار في الرمح إذا تكسر في المطعون. قال:
أجره الرمح ولا تهاله
وفي طريقه قوله: أنطقتني رماحهم قول الآخر:
أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍ أمعشر تيمٍ أطلقوا عن لسانيا
لأن المعنى أحسنوا إلي ينطلق لساني بشكركم.