المراد بني العنبر، ولهذا وجب ألا يصحب الكسرة التي في الراء التنوين. وإنما حذف النون من بني لاجتماعه مع اللام من العنبر، وتقاربهما في المخرج. وذلك لأنه لما تعذر الإدغام منه جعل الحذف بدلًا من الإدغام. وإنما تعذر الإدغام لأن الأول متحرك والثاني ساكن سكونًا لازمًا، فلما كان من شرط المدغم تحريك الثاني إذا أدغم الأول فيه، وكان لام التعريف ساكنًا سكونًا لازمًا، جعل الحذف لكونه مؤذيًا إلى التخفيف المطلوب من الإدغام بدلًا لما تعذر هو. ولا يلزم على هذا أن يحذف النون من بنى النجار لأن اللام قد أدغم فى النون التى بعده، فلا يمكن تقدير إدغام النون التى قبله فيه، حتى إذا تعذر جعل الحذف بدلًا من الإدغام، بدلالة أن ثلاثة أشباه لا يصح إدغام بعضها في بعض، ومما يشبه هذا من اجتماع المتجانسين من كلمتين واستعمال الحذف في أحدهما بدلًا من الإدغام قولهم علماء بنو فلان، والمعنى على الماء. ومما يشبه لكنهما التقيا في كلمة واحدة، قولهم ظللت ومسست يقال منهما ظلت ومست، وإن شئت ظلت ومست. تلقى حركة المحذوف على فاء الفعل. قال الله تعالى: " فظلتم تفكهون ". وإنما تعذر الإدغام ها هنا لأن لام الفعل في مثل هذا المكان إذا اتصل به ضمير الفاعل يسكن البتة، فلما لزمه السكون لم يصح إدغام العين فيه، فلذلك حذف.
والعنبر في اللغة: الترس والطيب. وعنبرة الشتاء: شدته. وعنبرة القوم: خلوص أنسابهم. ويقال: رأيته بهذا البلد عنبريًا. يضرب به مثلًا في الهداية. وبنو العنبر أهدى قوم. ويمكن تقدير النون زائدة فيه، فيكون فنعلًا من عبرت، كأنه بحسن تأتيه للاهتداء يعبر الطرق. ومنه قيل في البعير: " هو " عبر أسفار.
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، هم بنو أخي العنبر بن عمرو بن تميم، وإذا كان كذلك فمدح هذا الشاعر لهم يجري مجرى الافتخار بهم، وفي بني مازن عصبية
[ ٢٠ ]
شديدة قد عرفوا بها وحمدوا من أجلها، ولذلك قال بعض الشعراء موبخًا لغيرهم:
فهلا سعيتم سعي عصبة مازن وهل كفلائي في الوفاء سواء
كأن دنانيرًا على قسماتهم وإن كان قد شف الوجوه لقاء
وقصد الشاعر في هذه الأبيات عندي إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه ومهتضميه، وتهييجهم وهزهم، لا ذمهم. وكيف ووبال الذم راجع إليه؟! لكنه في هذا المعنى سالك لطريقة كبشة أخت عمرو بن معد يكرب في قولها:
أرسل عبد الله إذ حان يومه إلىقومه لا تعقلوا لهم دمي
ألا ترى أنها قالت في جملة هذه الأبيات:
ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم وهل بطن عمر غير شبر لمطعم
فلا يجوز أن يتوهم أنها كانت تهجو أخاها عمرًا أو تنسبه إلى العجز والتقصير في طلب ثأر أخيه، وعمر هو الذي كان يعد بألف فارس، ولكن مرادها بعثه وتهييجه. وهذا كما يقول العبد لمولاه والغلام لصاحبه وقد لحقتهما هضيمة من أجنبي: لو كنا في خدمة فلان عمك أو أخيك لما جسر هذا أن ينالنا بمكروه! ولا يجوز أن يقال إنهما هجوا سيدهما أو فضلا غيرهما عليهما، ولكن المراد تحريكهما لهما، وإذا كان الأمر على هذا فمن الظاهر بطلان قول من يذهب إلى أن هذا الشاعر هجا قومه ومدح بني مازن يؤكد ما قلته قوله:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
لأنه لا يقال لمن يمسك عجزًا عن الانتصار إنه غفر، ولا لمن يقدر على جزاء الإساءة إنه اختار الإحسان. فإن قيل: أليس قد قال:
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا.
وقال أيضًا:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا
[ ٢١ ]
قلت: ليس يزيد شيء مما قاله على قول كبشة:
ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم.
وإذا كانت أبياتها باتفاق من أصحاب المعاني لا تكون هجوًا، فكذلك أبيات هذا العنبري. ومما يشهد للطريقة التي سلكناها ويؤيدها، أن في جملة أبياته التي وصف فيها قومه:
لاخبون نيرانهم حتى إذا خمدت شبوا لموقد نار الحرب نيرانا
وهذا المعنى هو مثل ما افتخر به غيره في صفات نفسه فقال:
أفر من الشر في رخوة فكيف الفرار إذا ما اقترب
بل الذي ذكره العنبري أزيد، لأنه وصفهم بالاحتمال والصبر ما أمكن، فإذا اهتاجوا زادوا على كل هائج. ألا ترى أنه قال:
شبوا لموقد نار الحرب نيرانا
ومعنى البيت لو كنت مازنيًا لم تغر بنو اللقيطة على إبلي.
ولقيطة ألحق بها الهاء وإن كان فعيلًا في معنى مفعولة، لأنه أفرد عن الموصوف به وجعل اسمًا. وهذا كما يقال النشيطة والذبيحة، والبنية في الكعبة.
فأما الاستباحة، فقد قيل هي في معنى الإباحة، وقد قيل: إن الإباحة هي التخلية بين الشيء وبين طالبه، والاستباحة اتخاذ الشيء مباحًا للنفس. وكأن الأصل في الإباحة إظهار الشىء للمناظر ليتناوله من شاء ومنه باح بسره بوحًا وبؤحًا. والمازن في اللغة: بيض النمل، ويقال: هو يتمزن على أصحابه، كأنه يتفضل عليهم. وذهل من ذهلت عن الشىء.
إذًا لقام بنصرى معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
اللام في لقام جواب يمين مضمرة، والتقدير إذًا والله لقام " بنصرى ".
فإن قيل: فأين جواب لو كنت؟ قلت: هو لم تستبح إبلى. وفائدة إذًا هو أن هذا أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولواستباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذًا لقام بنصرى معشر خشن. قال سيبويه: إذًا جواب وجزاء، وإذا كان كذلك فهاذا
[ ٢٢ ]
البيت جواب لهذا السائل وجزاء على فعل المستبيح. ويجوز أن يكون أيضًا إذا ًلقام جواب لو، كأنهأجيب بجوابين. وهذا كما تقول: لو كنت حرًا لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذًالاستحسنت ما يفعله الأحرار. وقوله إن ذو لوثة يرتفع ذو عند حذاق النحوين بفعل مضمر، الفعل الذي بعده تفسيره، وهو لان. والتقدير إن لان ذو لوثة لانا. وإنما قالوا هذا لأن إن لما كان شرطًا كان بالفعل أولى، وعمله الجزم فيجب أن لايفارق معموله في اللفظ والتقدير. وليس هذا موضع الكلام على من يجعل ذو بعد إن وما أشبهه مبتدأ. ومعنى البيت إذًا والله لقام بنصرى، أي لتكفل به قوم أشداء عند الغضب، إذا الضعيف لان. ويقال: قام بالأمر، أى تكفل به. وهو القائم والقيم. وقام بالقسط والعدل في الرعية، وقام عليه إذا ساسه ووليه، ومنه القيوم والقيام في صفات الله تعالى، وقوله " إلاما دمت عليه قائمًا " أي قاهرًا. وأقمت الرمح فقام، بمعنى قمّته فتقوم. وقوله إن ذو لوثة تعريض منه بقومه ليغضبوا ويهتاجوا لنصرته. وهو في البعث والتهيج أحسن من التصريح، كما أنه في الذم والهجو كذلك. وهذا بعض الناس رواه إن ذو لوثةٍ وزعم أن ذو لوثةٍ ليس بجيد لأن الضعيف أبدًا مهينن، والواجب أن يقول إن القوي لان، واللّوثة هي القوة. والرواية الصحيحة هي ضم اللام من اللوثة. والفائدة ما ذكرت من التعريض بقومه. ولأن يكون طرفا البيت متناولين بمعنيين متقابلين، أحسن من أن يكونا مفيدين لمعنى واحد والمعشر اسم للجماعة لا واحد له من لفظه. وقال الخليل: هو اسم لجماعةٍ أمرهم واحد. ويقال جاءوا معشر معشر، أي عشرةً عشرةً. وخشن: جمع خشن وأخشن. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها، أي يغضب. وقيل هي الحمية، وفي المثل: الحفائظ تحلل الأحقاد وقيل أيضًا أهل الحفائظ أهل الحفاظ. وذلك أن ذا الأنف يحترس من العار، فلايزال يتحفظ ويحافظ حتى يسلم منه. وكأن الأصل في الكل الحفظ الذي هو نقيض النسيان. وقد طابق الخشونة باللين فظهرت الصنعة به، وجاد البيت له، كأنه قال معشر خشنون عند الحفيظة إن كان ذوو اللوثة لينين عندها.
قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
أراد أن يصف بني مازن بما يهتاج له قومه فينصرونه، فقال: هم قوم إذا ظهر لهم الشر واشتد سارعوا إليه غير متوقعين لتجمع، ولامعرجين على تأهب، لكنهم
[ ٢٣ ]
يتبادرون أفرادًا وثباتٍ، وأشتاتًا وجماعاتٍ. وإبداءٌالناجذ - وهو ضرس الحلم - مثلٌ لاشتداد الشر. ومثله قول الآخر:
فمن يك معزال اليدين، مكانه إذا كشرت عن نابها الحرب خامل
فأما قول عنترة:
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وقول الأعشى:
سعة الشدق عن الناب كلح
وقول اللآخر:
وقد أسلم الشفتان الفما
فإنما هو صفةٌ للمصطلى بنار الحرب عند اشتداد الأمر عليه. ومثله لبعض البلغاء: صار الأكس كالأروق، والمحتال كالأحمق؟ وذو البصيرة كالأخرق. ويقال: عض على ناجده، إذاصبر على الأمر. ونجدته الأمور: أحكمته. قال الشاعر:
ونجدني مداورة الشؤون.
ويقول الرجل إذا أراد أن يتشدد على صاحبه: لأربنك ناجدي! والمعنى أنه يكشر له ويكلح في وجهه حتى يبدو ناجده. ويقولون: خلته لعبوسه يبتسم، ولإقدامه ينهجم. وقال بعضهم: النواجذ: الضواحك، واحتج بحديث النبي ﷺ أنه ضحك حتى بدت نواجذه. قال: وأقاصي السنان لايبديها الضحك. والصحيح الأول، فأما الخبر فمحول على المبالغة وإن لم تبدالنواجذ. وجواب إذا طاروا. ووحدانا هو جمع واحد، وواحد صفة، كصاحب وصحبان، وراع ورعيان. ويقال طرت إلى كذا، إذا أسرعت إليه، وطرت بكذا، أى
[ ٢٤ ]
سبقت به. والزرافات: الجماعات، واشتاقه من الزرف، وهو الزيادة على الشيىء. ويقال زرفت القوم قدامى، أى قدمتهم فرقًا. وحكي في الزرافة تشديد الفاء، يقال جاء القوم بزرافتهم، أي بجماعتهم؛ وهو غريب. والمعنى أنهم لحرصهم على القتال وجرأتهم، لاينتظر بعضهم بعضًا، لكن كلًا منهم يعتقد أن الإجابة تعينت عليه إذا تشدد الشر لهم. وفي طريقته قول بعض الشعراء
قومٌ إذا هتف الصريخ رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع.
سافع: آخذ بناصية فرسه. ومنه قول الله تعالى: " لنسفعًا بالناصية ".
وقول الآخر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفةٍ أشمر حتى ينصف الساق مئزري
لايسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
الأصل في الندبة - وإن اشتهرت ببكاء الأموات وقولهم عنده: وافلاناه: - الدعاء، وتسعوا فيه فقالوا: ندب فلان لكذا وكذا، إذا نصب له ورشح للقيام به. ويقولون: تكلم فلان فانتدب له فلان، إذا عارضه. والشاعر يقول: هؤلاء القوم، يعني بني مازن، لحسن محافظتهم وقوة تناهيهم في نصرة المنتسب إليهم والمعلق حبله بحبلهم، لايسألون الواحد منهم إذادعاهم حجة على دعواه، ولايراجعونه في كيفية ماألجأه إليهم، لكنهم يعجلون الإغاثة له. وهذا تعريض منه بما لحقه من قومه أو رآه من عاداتهم عندالاستغاثة بهم. والعرب تقول: يا أخا قريش؛ والمعنى يا واحدًامنهم. ومثله:
إذا استنجدوا لم يسألما من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان
وقد وصف بني مازن غير واحد من الشعراء بمثل ما وصفهم هذا الشاعر، فمن ذلك قول بعضهم:
نفسي فداء لبني مازن من شمس في الحرب أبطال
وقول الآخر:
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن وهل كفلائي في الوفاء سواء
[ ٢٥ ]
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
رجع إلى صفة قومه بما يأنفون منه عنده؛ وتدخلهم الحمية لدى الإصغاء إليه، وليس قصده ذمهم فقال: لكن قومي وإن كان فيهم كثرة عدد وعدة ليسوا من دفع الشر وإنكاره، وقصده وإرتكابه في شيء، وإن كان فيه خفة وقلة. وقد قابل الشرط بالشرط في الصدر والعجز، وطابق العدد والكثرة بالهون والخفة في الكلام، ويريد أن يصفهم بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجناة ما أمكن، ولو أرادوا الإنتقام لقدروا بعددهم وعدتهم ولكن المراقبة والتقوى تدعوهم إلى إيثار الحسنى.
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
روى بعضهم من ظلم أهل الظلم والظلم بالفتح المصدر وبالضم الاسم. وهذه الرواية عندي أحسن. وقد بينت ما فى المغفرة والإحسان من الدلالة على أنهم كانوا يقدرون على إيثار ضدهما. والظلم: انتقاص الحظ والنصيب. وقيل هو وضع الشيء في غير موضعه، ونقيضه العدل. وينتصب إحسانًا بيجزون مضمرًا، كأنه قال: ويجزون من الإساءة إحسانًا. وجاز حذفه لأن الفعل قبله يدل عليه.
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانًا
الخشية والخشى والمخشاة: مصدر خشى. ويقولون: هذا المكان أخشى من ذاك، وهو نادر لأن المكان يخشى فهو مفعول. ورجل خشيان وامرأة خشيانة. وقوله سواهم من جميع الناس هو استثناء مقدم، ولو وقع موقعه لكان الكلام لم يخلق لخشيته إنسانًاسواهم فكان يجوز في سواهم البدل والإستثناء والصفة، فلما قدم بطل أن يكون بدلًا وصفةً، لأنهما لا يتقدمان علىالموصوف والمبدل منه، فبقى أن يكون استثناء. وقد نبه بهذا الكلام أن احتما لهم لاحتساب الأجر على زعمهم، وإبقاءهم في الإنتقام لخشية فوات الذخر في دعواهم، فكأن الله لم يخلق لخوفه غيرهم.
[ ٢٦ ]
وقال شهل بن شيبان الزماني: ويلقب بالفند. والفند في اللغة: القطعة العظيمة من الجبل، وجمعه أفناد. قال الدرديري: لقب به لعظم شخصه. قال: وهو أحد الفرسان. وقال غيره: لقب به لأنه قال لأصحابه في يوم حرب: استندوا إلي فإني لكم فند.
صفحنا عن بني ذهل ِ وقلنا القوم إخوان
صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال أعرضت عن الأمر صفحًا، إذا تركته. وقد يقال: أصفحت عنه، كما يقال أضربت عنه. ويقال: أبدى لي صفحته، إذا مكنك من نفسه. يقول عفونا عن جرم هؤلاء القوم، وراعينا من الأحوال المتواشجة بيننا وبينهم، ما حملنا على الإغضاء على قبيح يتفق منهم، والتجاوز عن هفوة تحصل من جهتهم، وقلنا: إن ما بيننا وبينهم من الاخوة يقتضي الإبقاء على الحال معهم، وانتظارًا لفيئة تكون منهم. وحقيقة صفحنا عن بني ذهل: أعرضنا عنهم: وليناهم صفحة أعناقنا ووجوهنا، وهي جانبها، فلم نؤاخذهم بما كان منهم. وقال في هذا المعنى ضربنا عنهم صفحًا، وفي القرآن: " أفنضرب عنكم الذكر صفحًا ".
عسى الأيام أن يرجع ن قومًا كالذي كانوا
إنما نسكر قوما لأن فائدته مثل فائدة المعارف، ألاترى أنه لافصل بين أن تقول عفوت عن زيد فلعل الأيام ترد رجلًا مثل الذي كان، وبين أن تقول فلعل الأيام ترد الرجل مثل الذي كان؛ لأنك تريد في الموضعين به رجلًا أوالرجل. والمعنى فعلنا ذلك بهم رجاء أن تردهم الأيام إلى أحسن ماكانوا عليه من قبل. وعسى من أفعال المقاربة. وأن يرجعن في موضع خبر عسى، ولو قال عسى أن يرجع الأيام قوما لكان أن يرجع في موضع فاعل عسى وكان يكتفي به؛ وذلك لأن عسى لمقاربة الفعل، والفعل لابد له من الفاعل، فإذا تقدم الفعل مع أن وتبعه الفاعل فقد حصل مايطلبه، فإذا وليه الاسم بقي ينتظر الفعل وإن ارتفع ذلك الاسم به، فيجري الفعل مع أن بعده مجرى خبر كان بعد إسم كان. ومعنى يرجعن: يرددن، وهو باب فعل وفعلته. يقال رجع فلان رجوعا ومرجعًا ورجعى ورجعانًا،
[ ٢٧ ]
ورجعته رجعًا. ومعنى يرجعن قومًا يرددن بأمرهم أمر قوم، وبائتلافهم ائتلاف قوم. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وخبركان محذوف كأنه قال كالذي كانوه، أي كانوا عليه قبل من الائتلاف والاتفاق. والضمير الذي أظهرناه في كانوه هو الذي تصح الصلة به، لأن الموصول لابد من أن يكون في صلته ضمير يعود إليه إذا كان اسمًا، والذي ليس يرجع إليه من كانوا شىء إلاما أبرزناه من الضمير. ومن جوز حذف الجار والمجرور من الصفة في نحوقوله تعالى: " واتقوا يومًا لاتجزى نفس عن نفس شيئا " ويقدر فيه أن الكلام لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، لا يسوغ له أن يقدر في الصلة أيضا كذلك. وإذا كان الأمر على هذا فلا يجوز أن يكون التقدير يرجعن قومًا كالذي كانوا عليه، لأن مثل عليه لايجوز حذفه من الصلة، لاتقول الذي مررت جالس، وأنت تريد مررت به، والذي دخلت منطلق، وأنت تريد الذي دخلت عليه. وبمثل هذا توصل من زعم في الآية أن التقدير: واتقوا يومًا لاتجزيه نفس عن نفس شيئا، لأنه قال: الصفة كالصلة، فكما لا يجوز حذف فيه وأشباهه من الصلة، كذلك لا يجوز حذفها من الصفة، فاعلمه. ويجوز أن يكون قوله كالذي كانوا، أراد كالذين كانوا، وحذف النون تخفيفا، كما قال:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
فيكون المعنى يرجعن بهم قومًا كالذين كانوا من قبل. وفي هذا الوجه يجوز أن يجعل الذي للجنس، كما قال الله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " ثم قال " أولئك هم المتقون "، والفصل بين هذا الوجه وبين الوجه الأول أنه أمّل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدبتهم الأيام وردت أحوالهم في التواد والتحاب كأحوالهم فيما مضى، وأزالت من فساد ذات البين ما اعترض بسوء عشرتهم. وفي الوجه الثاني أمّل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم كما عهدت: سلامة صدور، وكرم اعتقاد وعهود.
فلما صرح الشر فأمسى وهو عريان
فائدة أمسى وأصبح وظل وبات في مثل هذا المكان على حد الفائدة في صار لو وقع موقعها، ألا ترى قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا "، والبشارة بالأنثى تقع ليلًاو نهارا. وكذلك تقول: أصبحوا خاسرين وأمسوا نادمين، وإن كانوا في كل أوقاتهم على ذلك. " ولما " علم للظرف،
[ ٢٨ ]
وهو لوقوع الشئ لوقوع غيره، ولهذا لابد له من جواب. ويقال صرح الشيء إذا كشف عنه وأظهره، وصرح هو إذا انكشف. ومثله بين الشئ وبين هو، وفي المثل قد يبين الصبح لذى عينيت. وفعل بمعنى تفعل واسع، يقال وجهه بمعنى توجه، وقدم بمعنىتقدم، ونبه بمعنى تنبه، ونكب بمعنى تنكب. فيقول: لما ظهر الشر كل الظهور وصار بحيث لايستره شئ ولم يبق بيننا وبينهم سوى الصبر على الظلم الصريح. والمعنى أنهم لما تجاوز الأحوال المتشابكة، والأخذ بالإنصاف والمعدلة، إلى استعمال الظلم ورفع الحشمة، حينئذ جازيناهم بمثل ما ابتدءونا. وذكر العريان مثل لظهور الشر. وقد اشتمل هذا الكلام على تفسير البيت الذي يتلوه، وهو قوله:
ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا
العدوان والعداء والعدو: الظلم. وأما قوله دناهم كما دانوا، والأول ليس بجزاء، فهذا لميلهم إلى المطابقة والموافقة، وإخراج اللفظ في معرض صاحبه ليعلم أنه جزاؤه على حده وقدره، أو ابتداؤه. وعلى ذلك قوله تعالى: " يخادعون الله وهو خادعهم " و" الله يستهزئ بهم " وما أشبهه. وجواب لما صرح دناهم. وقوله في البيت التالي هو تفصيل لما أجمله قوله دناهم، لأنه فسر كيف كان ذلك الجزاء. والدين لفظة مشتركة في عدة معان: الجزاء، والعادة، والطاعة، والحساب. وهو ها هنا الجزاء. ويقولون: كما تدين تدان أي كما تصنع يصنع بك.
مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان
كرر الليث ولم يأت بضميره تفخيمًا وتهويلًا، وهم يفعلون ذلك في أسماء الأجناس والأحلام. قال عدي:
لا أرى الموت بسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فيقول: سعينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع، وكنى عن الجوع بالغضب لأنه يصحبه. وهذا التشبيه أخرج ما لا قوة له في التصور إلى ما له قوة فيه، ومن روى عدا على أن يكون من العدوان فليست روايته بحسنة، لأن الليث في أكثر أحواله ظالم عاد. والمشية: اسم الحالة التي يكون عليها الماشي في مشيه، والمشية
[ ٢٩ ]
المرة الواحدة، والفعل يتعدى إلى كل واحد منهما. والليث من أسماء الأسد. ويقال: استليث الرجل، إذ اشتد وقوي.
بضرب فيه توهي ن وتخضيع وإقران
تعلق الباء منه بمشينا، أي مشينا بضرب في ذلك الضرب تضعيف للمضروب به، وتذليل ولين. ويجوز أن يكون المعنى فيه توهين وصوت في القطع وكسر العظام وإطاقة وقوة. ويكون حينئذ تخضيع من الخضعة والخضيعة وهما اختلاط الصوت في الحرب. ومنه خضيعة بطن الفرس، قال الأصمعي: يقال للسياط خضعة لا أدري أمن الصوت هو أن من القطع. وقد روى بعضهم:
والضاربين الهام تحت الخضيعة
وقال: هي السيوف. وإقران من قولهم: أقرن فلان، أي أطاق. قال الله تعالى: " وما كنا له مقرنين ". وفي الأول إقران من قولهم: أقرن الدمل، إذا نضج ولان. ويقال استقرن الحبن أيضًا. وتخضيع من الخضوع يكون، وهو الذل. ويقال خضع الرجل وأخضع، إذا لين كلامه للنساء. وفي الحديث: نهى أن يخضع الرجل لغير امرأته، أي يلين كلامه.
وطعن كفم الزق غذا والزق ملآن
كرر ذكر الزق كما كرر ذكر الليث فيما قبله. وهذا الوصف أبلغ من قول النابغة:
وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
[ ٣٠ ]
وهذا التشبيه أبرز ما يقل في الاعتياد في صورة من يكثر فيه: ومثله:
فجبهناهم بضرب كما يخ رج من خربة المزاد الماء
أي وبطعن في اتساعه وخروج الدم منه كفم الزق إذا سال بما فيه وهو مملوء. وغذا يغذو غذاوًّا، إذا سال. وغذاه يغذوه غذوًا. والاسم الغذاء. فأما قول الهذلي:
فالطعن شغشة والضرب هيقعة
فهو حكاية صوت الوقع، وقوله غذا في موضع النصب على الحال، والأجود أن يجعل قد مضمرة.
وبعض الحلم عند الجه ل للذلة إذعان
يعتذر من تركهم التحلم مع الأوداء والأقارب، لما كان مفضيًا إلى اكساء ذل، واكتساب خضوع وعار. والتقدير: بعض الحلم إذعان للذلة عند جهل الجاهل. وهذا إذا توهم أن المحتمل إنما فعل ما فعله خوفًا وعجزًا؛ لاميلا منه إلى التجاوز والإغضاء واستبقاء الأخوة والوداد. ويقال: أذعن لكذا: إذا انقادله. ومنه ناقة مذعان. وأذعن بكذا: أقر به.
وفي الشر نجاة حي ن لا ينجيك إحسان
قوله في الشر نجاة أراد: وفي دفع الشر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يريد: وفي عمل الشر نجاة، كأنه يريد وفي الإساءة مخلص إذا لم يخلصك الإحسان. وهذا مثل قولهم: الطعن يظأر أي يعطف، ن وكما قال زهير:
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه مطيع العوالي ركبت كل لهذم
وهذا الكلام يجري منه مجرى الإعتذار مما أجرى إليه مع القوم، فاعلمه ويقولون أيضًا: من لم تقومه الكرامة قومته الإهانة.
[ ٣١ ]
وقال أبو الغول الطهوي: الغول مأخوذ من غاله يغوله غولًا، إذا أهلكه. وهم يسمون كل داهية غولًا. وبذلك سموا الشيطان والحية غولًا. والغيلان عندهم سحرة الجن. قال:
كما تلون في أثوابها الغول
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني
لفظه لفظ الخبر. والمعنى معنى الدعاء. يقول: تفدى نفسي مالي أجمع فوارس يكونون عند الظن بهم في الحرب، وقد روى آخر البيت على وجوه تتقارب معانيها. روى: فوارس صدقت فيهم ظنوني. ويكون ظنوني في موضع رفع بصدقت وبروى: صدقت فيهم ظنوني بفتح الصاد. وتضعيف عين الفعل يدل على التكثير. وظنوني يرتفع بالفعل. وتخصيص اليمين في قوله: وما ملكت يميني لفضلها وقوة التصرف بها. وهم يقيمون البعض مقام الجملة فينسبون إليه الأحداث والأخبار كثيرًا، على ذلك قوله تعالى: " فظلت أعناقهم لها خاضعين ". وقولهم: عذت بحقو فلان. وهو عبد المقذ، وحر الوجه، ولئيم القفا وما أاشبهه. وفي القرآن: " أو ما ملكت أيمانكم ". وفوارس شاذ في الجموع عند سيبويه، لأن فواعل إنما تكون جمع فاعلة في صفات ما يعقل دون فاعل، واستدرك علىسيبويه هالك في الهوالك. وبيت الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار
[ ٣٢ ]
وبيت عتيبة بن الحارث:
ومثلي في غوائبكم قليل
وقال أبو العباس المبرد: هو الأصل في جميعه، ن ويجوز في الشعر.
فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون
مللت الشيء أمله ملالًا وملالة ومللًا، إذا سئمته. ويقال: فلان ذو ملة طرف، إذا ضجر بشيء فتطرفه. قال:
إنك والله لذو ملة
ويجوز الرفع في فوارس على أن يكون خبر ابتداء مضمر، كأنه قال: هم فوارس. ويجوز النصب فيه على أن يكون بدلًا من فوارس الأولى، ولا يملون في موضع الصفة للفوارس. والمعنى فدت نفسي فوارس لا يضجرون بمكايدة الحرب ومقاساة الشدائد فيها، ولا يكرهون المقاتلة إذا دارت رحى الحرب بأهلها. والزبون: الدفوع، ومنه الزبانية. وإنما شبه الحرب بالناقة الزبون فوصف بصفتها، وهي التي تزبن حالبها وتدفعه برجلها. قال:
تزبن بالخفاف والمناسم عن ذروة تخضب كف الهاشم
ويقولون: ثبت فلان في رحى الحرب، أي حيث دارت رحاها. ومنية ومنايا، كصحيفة وصحائف، والأصل منائي فاستثقلت الضمة في الياء فحذفت ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء ألفًا فصار مناءا، فأبدلوا من الهمزة لتوسطها ألفين ياء فصار منايا.
ولايجزون من حسن بسيء ولايجزون من غلظ بلين
هذا الكلام من صفة الفوارس. يريد أنهم يعرفون مجاري الأمور ومقادير الأحوال فيوازنون الخشن بالخشن واللين باللين، كما قال الآخر:
تجازى الوافي بكيل واف ملآن والطفاف بالطفاف
[ ٣٣ ]
وقوله بسيء أراد بسيٍ فخفف، كما قالوا في هين هين وفي لين لين. وروى بعضهم: بسي والمعنى أنهم يزيدون في الحزاء على قدر الابتداء. وليس ذلك بشيء لأن سيء في مقابلة حسن، كما أن اللين في مقابلة الغلظ، وفي العدول عنه إلىسيٍ إخلال بالتقابل، والبيت إنما حسن به.
ولا تبلى بسالتهم وإنهم صلوا بالحرب حينًا بعد حين
يقال: بلي الثوب يبلى بلى وبلاء، ويستعار فيقال: لبست فلانًا وبليته، إذا اسيمتعت به وتمليته. وإنما يصفهم بلاستمرار على حالة واحدة في مزاولة الحرب، وأن شجاعتهم لاتنقص ولاتبلى عند امتداد الشر، واتصال البلاء. والبسالة توصف بها الأسد والرجال، يقال أسد باسل وبسول. كما يقال رجل باسل وبسول. قال امرؤ القيس:
ما غركم بالأسد الباسل
وصلوا هو من صليت بكذا أي منيت به، وهو من الفعل فعلوا بكسر العين، ولهذا انضم اللام من صلوا، ولو كان فعلوا بفتح العين لقيل صلوا، كما قيل دعوا ورموا. فإن قيل: فأين جواب الشرط في قوله وإن هم صلوا بالحرب؟ قيل: هو متقدم، والتقدير إن صلوا ومنوا بالحرب لم تخلق شجاعتهم. وفصل بين الفعل وإن ب هم، لأنه ماض لم يظهر فيه أثر إن بالجزم. ولو كان مستقبلًا لظهر الجزم فيه، ولما حسن الفصل بينه وبين إن بالإسم. يقبح أن يقال إن زيد يأتني أكرمه، وتقول إن الله أقدرني على زيد فعلت به كذا. وهذا شيء يجوز في إن دون سائر حروف الجزاء، لأنه الاصل في الجزاء والحرف الذي لايزول عنه. وروى بعضهم: ولا تبلى بسالتهم من بلوته إذا اختبرته، ويكون المعنى لا يمكن اختبار شجاعتهم فيعرف غورها ومنتهاها على مر الأزمان، واختلاف الأحوال.
هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون
[ ٣٤ ]
قوله بضرب يؤلف وقد وقع المنع والضرب جميعًا حكاية حال، لولا ذلك لقال: بضرب ألف. ومثله في القرآن: " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ". يقول: هؤلاء القوم الذين أشرت إليهم بقولي: فوارس صدقوا فيهم ظنوني، هم الذين منعوا حمى هذا المكان بضرب يجمع بين المنايا المتفرقة. وهذا تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم: والحمى: موضع الماء والكلأ. ويقال: أحميت المكان، أي جعلته حمى. وحميته: ذببت عنه. وقوله يؤلف من صفة الضرب، ويحتمل وجوهًا: ويجوز أن يكون المعنى إن هؤلاء لو بقوا في أماكنهم ولم يجتمعوا في هذه المعركة لوقعت موتاهم متفرقة في أمكنة متغايرة، وأزمنة متفاوتة، فلما اجتمعوا تحت الضرب الذي وصفه صار الضرب جامعًا لتلك المنايا ووجوهها. وحكي عن أبي سعيد الضرير أن المعنى إذا وقع بهم ألف بين أقدارهم التي قدرت عليهم. ويجوز أن يكون المعنى أن أسباب الموت مختلفة، وكأن هذا الضرب جمع بين الأسباب كلها. ويجوز أن يكون المراد ضربًا لا ينفس المضروب ولا يمهله، لأنه جمع فرق الموت له. وقوله أشتاب المنون واحدها شت. والمنون: الموت، وهو من مننت أي قطعت.
فنكب عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون
نكب قد جاء متعديًا إلى مفعولين، قال أوس:
نكبتها ماءهم لما رأيتهم صهب السبال بأيديهم بيازير
والأكثر نكبت عن كذا. يقول: حرف عن هؤلاء القوم هذا الضرب اعوجاج الأعداء وخلافهم، وداووا الشر بالشر. وهذا كما يقال: الحديد بالحديد يفلح. وكما قيل: لايفل الحديد إلا الحديد. وأصل النكب: الميل، ولذلك يقال نكبت الإناء، إذا أملته. ونكب الرجل نكبةً. وعلى هذا النكباء في صفة الريح: والدرء، أصله الدفع، ثم استعمل في الخلاف، لأن المختلفين يتدافعان. ومثله:
وقومت عنه درأه فتنكبا
[ ٣٥ ]
ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا أرض الهدون
يروى: ولا روض الهدون، وهو أفصح. والهدون: الصلح والسكون. وفي الحديث: هدنة على دخن، أي صلح على فساد دخيلة. يصفهم بالميل إلى الشر، والحرص على القتال والقتل، وأنهم يؤثرون جانب الخصومة على الصلح، وناحية الذعر على السكون، فيقول: الخصال السهلة والأمور الهينة، ولا ينزلون منازل الأمن والراحة. والهوينى: تصغير الهونى، و: تأنيث الأهوان. ويجوز أن يكون الهونى فعلى اسمًا مبنيًا من الهينة، وهي السكون. ولا تجعله تأنيث الأهون.
وقال جعفر بن علبة الحارثي:
ألهفى بقرى سحبل حين أحلبت علينا الولايا والعدو المباسل
التلهف يكون على الفائت بعد الإشراف عليه، يقولون: وا لهفاه، ووا لهف أماه. ولهف نفسه وأمه إذا قال ذلك. وفي المثل: إلى أمه يلهف اللهفان. وقوله ألهفى يجوز أن يكون منادى مفردا، ويجوز أن يكون مضافًا. فإذا جعلته مضافًا فإن أصله ألهفى أو ألهف. فإذا كان ألهفى فكأنه فر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفا. وعلى ذلك يا غلاما أقبل. وقوله:
وهل جزع أن قلت وا بأباهما
وإنما، المعنى بأبى هما، وعلى ذلك طريقتهم في مدارى ومدارى، وعذارى وعذارى، وصحارى وصحارى، وفى بقى بقى، وفى رضى رضى. وإذا كان ألهف يكون الألف قد زيدت لامتداد الصوت به ليكون أدل على التحسر. وكذا إن جعلته ألهف مفردًا يكون الألف زيدت لذلك. ومعنى " أحلبت ": أعانت. وأصله الإعانة في الحلب خاصة، ثم استمرت في الإعانات كلها. وقد يكون الشيء مختصًا في الأصل ثم يصير بالعرف عامًا، كما قد يكون عامًا في الأصل ثم يصير به مختصًا. وروي: " الولايا " وهي جمع الولية، وهي البرذعة، وهي تكون كنايةً عن النساء إن شئت، وعن الضعفاء الذين لا غناء عندهم إن شئت. ويشبه هذا قول أم تأبط شرًا تؤبنه: " وا ابناه ليس بعلفوف، حشي من صوف، تلفه هوف ". وقولهم " هو كالحلس
[ ٣٦ ]
الملقى ". ويروى: " الموالي " ومعنى البيت أنه يتلهف لما نزل بهم في الموضع الذي ذكره حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم أو من يجري مجرى الحرم من الضعفاء الذين لا دفاع بهم؛ لما وجب عليهم من الذب عنهم، والاشتغال بالحماية عليهم. ومن روى الموالي - وهم أبناء العم - فإنما خصهم بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيرًا في النفس. ألا ترى أن من كان بنو عمه عليه فهو كمن قوتل بسلاحه، ألا ترى إلى قول الآخر حيث يقول:
مخافة جورٍ من أميرٍ مسلطٍ ورهطي وما عاداك مثل الأقارب
والعدو إشارة إلى الجنس. والمباسل، من البسالة. وأجراه على لفظ العدو لا على معناه. وفي القرآن: " فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين ".
فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما صدور رماحٍ أشرعت أو سلاسل
التاء في " ثنتان " كالتاء في بنتان، إلا أنه لم يستعمل واحده كما استعمل بنت. وكذلك التاء في اثنتان كالتاء في ابنتان إلا أنهم لم يقولوا اثنةٌ كما قالوا ابنة. والشاعر حكى كما دار بينهم عند الالتقاء فيقول: أدارنا أعداؤنا على خصلتين حكمواعلينا بهما، وخيرونا فيهما، وهو الاستسلام الذي آخره الأسر، أو القتل الذي أوله الامتناع والدفع. وقوله " ثنتان " أراد خصلتان اثنتان، ثم فسرهما بقثوله " صدور رماح أشرعت " وخص الصدور لأن المقاتلة بها تقع، ويجوز أن يكون ذكر الصدور وإن كان المراد الكل كما قال:
الواطئين على صدور نعالهم
وإن كان الوطء للصدور والأعجاز. وكنى عن الأسر بالسلاسل. وقوله " لا بد منهما " أراد لا بد منهما على طريق التعاقب لا على طريق الجمع بينهما، وإلا سقط التخيير الذي أفاده " أو " من قوله " أو سلاسل ". ألا ترى أنه إذا قال خذ الدينار أو الثوب، وكل السمك أو اشرب اللبن، فليس فيه الجمع بينهما. وإذا كان الأمر على هذا فالمعنى لا بد من إحداهما. و" أشرعت ": هيئت للطعن. وكذلك شرعت. ويستعمل في السيف أيضًا وكان الأصل فيه مشارع المياه. وفي المثل: " أهون الورد التشريع "، أي إيراد الشريعة.
[ ٣٧ ]
فقلنا لهم تلكم إذًا بعد كرةٍ تغادر صرعى نوءها متخاذل
يقول: أجبناهم وقلنا تلكم، " أي تلك " التخييرة وذلك التحكم. ولا يجوز أن تكون الإشارة بتلكم إلى واحدة من هاتين الخصلتين اللتين تقدم ذكرهما، لأنه لا اختيار فيهما لمختارٍ حكمه حكم هؤلاء، إلا أن يكون الكلام على طريق التهكم والسخرية. والمعنى إنما يكون ذلك بعد عطفةٍ وجلوٍ تترك بيننا قومًا مصروعين يخذلهم النهوض ولا يطيقون الحراك. وإذًا، هو جوابٌ وجزاءٌ، وهو ملغىً هاهنا. وكم من تلكم للخطاب لا للضمير، فلا موضع له من الإعراب. واختار أن يقول " متخاذل " لأن هذا النباء يختص بما يحدث شيئًا بعد شيء. على ذلك قولهم تداعى البناء كأن أجزاء النمهوض يخذل بعضها بعضًا فلا يكمل، وكأنه أنكر عليهم الاشترط والتحكم والإلجاء منهم إلى ذلك، فقال: يسوغ متا ابتدأتم فيه لكم بعد جولةٍ يتعقبها هذا الأمر. ويجوز أن يكون الحكم والتخيير بقوله " ثنتان لا بد منها " وقع بين الحرب والاستئسار، لا القتل والاستئصال، فاختاروا المحاربة. والإشارة بقوله تلكم حينئذ يجوز أن تكون على ما قدمته، ويجوز أنم تكون إلى ما دل عليه قوله أو سلاسل، من الأسر فكأنه قال: الخصلة الثانية نؤخرها وننظر في الأولى ماذا ينتتج منها. وقوله " تغادرصفةٌ للكرة، وقوله " نوءها " الضمير يعود إلى صرعى، والجمع مآله إلى التأنيث، ولو قال نوءهم لكان أحسن. والنوء: النهوض، وهو أصل المناوأة، وإن اشتهرت في المعاداة. ويكون النوء: السقوط أيضًا. ويشبه هذا قول الآخر:
ينوء بصدره والرمح فيه
ولم ندر إن جضنا من الموت جيضةً كم العمر باقٍ والمدى متطاول
جاض عن قرنه وحاص بمعنىً، أي عدل وانحرف. والعمر والعمر لغتان: الحياة والبقاء. ومنه قولهم: لعمر الله، وعمرك الله. إلا أنه في اليمين لا يستعمل إلا بفتح العين. وقوله " كم العمر " في موضع الظرف، والمعنى كم يومًا أو وقتًا العمر باقٍ. وارتفع العمر بالابتداء. والواو في وقته " والمدى متطاول " واو الحال، أي كم العمر باقٍ ومداه متطاول. ولم يأت بالضمير لأن الواو أغنى عنه، والمعنى لم نعلم إن عدلنا عن الحرب عدلةً كم بقي من أعمارنا، وغايات العمر ممتدة مبهمة حتى لا ينتهي أحدٌ منها إلى حد إلا وكما يرجو أن يتصل بعده أيضًا لا يأمن أن ينقطع، فكأنه قال: إذا كان الحال في الأعمار على هذا أبدًا فلا معنى للعدول عن الحرب، إذ لا
[ ٣٨ ]
يمتنع من تطاول المدى في رجاء العمر أن يقصر في نفسه وينقطع عن المأمول فيه. ويجوز أن يتعلق الحال الذي دل عليه " والمدى متطاول " بإن جضنا. والتقدير لم ندر إن جضنا مدانا متطاولٌ كم العمر باقٍ أي مدى رجائنا. وهذا حسنٌ عندي. ويجوز أن يكون الواو عاطفةً كأنه قال: لم نعلم كم العمر باقٍ وكم المدى متطاولٌ إن جضنا. وحكي عن بعض المتأخرين أنه فسر العمر على أنه الحين، قال ومنه قوله تعالى: " فقد لبثت فيكم عمرًا " وهذا إذا حقق يرجع إلى الأول.
إذا ما ابتدرنا مأزقًا فرجت لنا بأيماننا بيضٌ جلتها الصياقل
يقول: إذا ما استبقنا إلى مضيق في الحرب وسعته لنا سيوف مصقولة بأيماننا والفائدة فى قوله " جعلتها الصياقل " اهتماتهم بإصلاح آلات الحرب، لدوام مزاولتهم لها. وجعل الفعل للسيوف على المزاج والسعة.
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ ولي منه ما ضمت عليه الأنامل
هذا مثل قوله:
منابرهن بطون الأكف وأغمادهن رءوس الملوك
وإن كان فى هذا تقسيم خلا منه المشبه. ولك أن تروى " ما ضمت عليه الأنامل " و" ضمت "، فإذا قلت ضمت فالمعنى ضبطت عليه الأنامل.
وإذا قلت فالمعنى قبضته الأنامل. والبطحاء والأبطح: مسيل فيه دقاق الحصى واسع. وهما صفتان أخرجتا إلى باب الأسماء. وبطحاء مكة وأبطحها معروفان، والتأنيث والتذكير فيهما يحملان على البلدة والبقعة، والبلد والمكان، إلا أنه لايقال مكان أبطح ولا بقعة بطحاء. ويقال: تبطح السيل، إذا سال عريضًا. فأما " سحبل " فاسم موضعٍ أضيف البطحاء إليه، كما يقال صحراء سحبل. ويقال ضب سحبل، إذا كان عريض البطن. ولا يمتنع أن يكون المكان سمى به لاتساعه.
وقال أيضًا:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرةٍ يرى غمرات الموت ثم يزروها
معنى " يرى غمرات الموت " أن يتحققها بالممارسة حتى يصير كأنه أدركها بحاسة العين وشاهدها، فيقول: لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجلٌ كريم يرى قحم
[ ٣٩ ]
الموت ثم يتوسطها ويصبر فيها ولا يعدل عنها. وإنما قال " ابن حرةٍ " لينبه على زوال الهجنة منه، وخلوص مولده مما يشوبه، وليصير كرمه مهيجًا لأنفته، ومصبرًا له على كل ما يدفع إليه من الشر إلا أن يزيله. ولأن ما يستنكف منه العرب هو الهجة إذ كان من ليس أبوه من العرب خارجًا من أن يكون عربيًا. والغماء والغم والغمة والغمم مرجع جميعها إلى التغطية. فإن قيل: لم عطف الزيارة على رؤية الغمرات بحرف المهلة، وهلا جعلها عقيب الرؤية؟ قلت: إن " ثم " وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه الجملة على الجملة ليس كذاك. ألا ترى قوله ﷿: " وما أدراك ما العقبة. فك رقبةٍ. أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبةٍ. يتيمًا ذا مقربةٍ. أو مسكينًا ذا متربةٍ. ثم كان من الذين آمنوا ". ولا يجوز تراخي الإيمان عن شيء مما عدده وذكره.
تقاسمهم أسيافنا شر قسمةٍ ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وضع " قسمةٍ " موضع مقاسمة، أراد شر مقاسمةٍ. وانتصاب " شر " على المصدر. والغواشي: القوائم، وتكون الأغماد أيضًا. والصدور، أراد بها المضارب، وإنما قال: شر قسمةٍ، لأن من حمل على مثل هذه القسمة فيما يقاسم عليه كان الشر له. وهذا أيضًا مثل قوله:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ
والمعنى قاسمناهم سيوفنا ففينا مقابضها وفيهم مضاربها.
وقال أيضًا:
هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ جنيبٌ وجثماني بمكة موثق
هذه الأبيات ضمنها هذا الباب اما اشتملت عليه من حسن صبره على البلاء، وقلة ذعره من الموت والفناء، واستهانته بوعيد المنوعد وحذقه برسفان المقيد. و" هواي " ياء الإضافة فتحت منه على الأصل، وذاك أن هذه الياء لما كان ضمير اسمٍ على حرفٍ واحدٍ متطرف كرهوا أن تسكن فتختل فجعلوا من أصله التحريك، فإذا كان
[ ٤٠ ]
ما قبله متحركًا كغلامي وداري: كان لك فيه وجوهٌ: تحريك الياء وهو الأصل، وتسكينه تخفيفا، وحذفه من النداء إذا قلت يا غلام، وإبدال الألف منها مع انفتاح ما قبلها كقولك وابأباهما ويا غلاما أقبل. وإذا سكن ما قبله فمتى كان واوًا أو ياءً أدغم فيه ولم يكن بدٌ من تحريكه لئلا يلتقي ساكنان، تقول مسلمي في الجميع ومسلمي في التثنية. وإذا كان ما قبله ألفًا كعصاي وقفاي وهواي، لم يكن بدٌ من الإتيان به على الأصل، وهو تحريكه، لئلا يلتقي ساكنان أيضًا، ولا يجوز الإدغام ها هنا كما جاز مع الواو والياء، لأن الألف لا تدغم في شيء ولا يدغم فيها غيرها، لكنها هوائيةً لا معتمد لها في المخرج، إلا في لغة هذيلٍ، لأنهم يبدلون من الألف الياء ويدغمون. على هذا قوله:
سبقوا هوىً وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنبٍ مصرع
واليمانون: جمع يمانٍ، والنسبة إلى يمنٍ يمنىٌ، لكنه حذف إحدى ياءي النسب وأتي بالألف عوضًا منه. ومثله شآمٍ وتهامٍ، ومعنى البيت هواي راحلٌ ومبعدٌ مع ركبان الإبل القاصدين نحو اليمن، منضمٌ إليهم، مقودٌ معهم، وبدني مأسورٌ مقيدٌ بمكة. وراكبٌ وركبٌ مثل تاجرٍ وتجرٍ. وقد قيل في الجثمان إنه الشخص والجسمان الجسم، هكذا قاله الأصمعي. والشخص إنما يستعمل في بدن الإنسان إذا كان قائمًا. والخليل ذكر في العين أن الجثمان والجسمان بمعنىً واحدٍ. وأصعد في الأرض: أبعد، وحكي أن صعدة اسمٌ علمٌ للأرض، وأن الصعيد منه. ولهذا قيل لحمر الوحش: بنات صعدة، وأولاد صعدة. وهذا إن ثبت فهو كما يقال بنات البر. وقوله " جنيبٌ " أي مجنوبٌ مستتبعٌ. وذكر أن بعضهم يرويه " حثيثٌ "، والصحيح الأول لفظًا ومعنىً.
عجبت لمسراها وأنى تخلصت إلي وباب السجن دوني مغلق
يقول: تعجبت من سير هذه الخيال إلي، ومن حسن توصلها مع هذه الحال، وهو أن باب السجن مرتجٌ دوني. فأما تعجبه من سيرها فعلى غادة العرب والشعراء في وصف الخيال، وذاك أنهم يجرونها مجرى المرأة نفسها، فيستطرفون منها ما
[ ٤١ ]
يستطرف من تلك لو وقع الفعل منها على الحقيقة مع نعمتها. وهذا كما قال غيره:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج سدكًا بأرحلنا ولم يتعرج
وكما قال الآخر:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
وأما تعجبه من توصلها فهو تعجب من لطفها في ذلك، وحسن تأتيها، مع العوارض والموانع. والمسرى يصلح في اللغة أن يكون مصدرًا ومكانًا ووقتًا والبيت لا يمتنع من وجوهه. وأنى معناه كيف، أو من أين، كذا قال سيبويه. وقد تجرد لأن يكون بمعنى كيف في قول الكميت:
أنى ومن أين آبك الطرب
أتتنا فحيت ثم قامت فودعت فلما تولت كادت النفس تزهق
التحية: السلام والملك والبقاء. والمحيا: الوجه من الإنسان، لأنه يخص عند التسليم بالذكر فيقال حيا الله وجهك، وإن كانت الجملة متلقاةً به. وقيل التحية مشتقة من الحياة أوالحياء. والمحاياة: تحية القوم بعضهم بعضا. والمحيا من الفرس: حيث انفرق اللحم تحت الناصية. فيقول حاكيًا لحال الخيال: جاءتنا فسلمت علينا، ثم لم تلبث إلا قليلًا حتى قامت وأعرضت، فلما تولت كادت النفس تخرج في أثرها. ويروى: " ألمت فحيت ". والإلمام: الزيارة الخفيفة. وقوله " لما تولت " جوابه " كادت النفس " وهو علمٌ للظرف. ومتى كان علمًا للظرف لم يكن له بدٌ من جوابٍ، لأنه يكون لوقوع الشيء لوقوع غيره. وتزهق خبر كادت، لأن كاد ككان وأخواته ها هنا إذا وقع بعده الاسم، وهو موضوعٌ لمشارفة الفعل ومشافهته، ولهذا وجب ألا يكون معه " أن ". تقول: كاد يفعل، ولا يجوز أن يفعل إلا في الشعر. ومعنى تزهق: تهلك، ومنه قيل للبئر البعيدة القعر والمتلفة البعيدة: زاهقةٌ وزهوق. وفي القرآن: " فإذا هو زاهقٌ ". ويجوز أن يريد به في البيت
[ ٤٢ ]
تخرج في إثرها سريعةً لما تولت. ومنه زهقت الراحلة: تقدمت. وزهق السهم: أسرع.
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيءٍ ولا أني من الموت أفرق
ترك الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها، جريًا على عادتهم في التنقل والافتنان في التصرف. ومعنى تخشعت: تكلفت الخشوع. والخشوع في البصر كالخضوع في البدن. ويقال: اختشع فلانٌ، إذا طأطأ رأسه راميًا ببصره إلى الأرض وهو خاشع الطرف خاضع العنق. يقول مستهينًا بما اجتمع عليه من الحبس والتقييد، ومتبجحًا عندها بالصبر على الهوى والتهالك فيه - وبهذا دخلت الأبيات في الحماسة - لا تظني أني تكلفت الخشوع بعدكم لشيءٍ عارضٍ، ولا أني أخاف من الموت. والفرق: الخوف، وهو فرقٌ وفروقٌ وفروقة. وقال:
أنورًا سرع ماذا يا فروق
فإن قيل: فأين مفعول تحسبي؟ قلت: قد نابت الجملة، وهو قوله " أني تخشعت بعدكم " عن المفعولين. ألا ترى أن تقديره لا تحسبيني خاشعًا، فكما أن المفعولين يحصلان من دون " أن " كذلك إذا دخل " أن " في الكلام ينوب مع ما بعده عنهما، لأن اللفظ بالمفعولين قد حصل وإن كانا في صلة أن. وأن وما بعده في تقدير اسمٍ، وهذا كما تقول: لو أنك جئتني لأكرمتك، إذ كنت قد لفظت بالفعل في صلة أن، وإن كنت لا تقول لو مجيئك.
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
الوعيد والوعد من أصلٍ واحدٍ، وإن كان أحدهما ضمانًا في الخير والآخر ضمانًا في الشر، لكنه فرق بين المعنيين بتغيير البناءين، كما فعلوا مثل ذلك في العدل والعديل، فجعلوا أحدهما في الأناسي والآخر في غيرهم. يقول: ولا تظني أن نفسي يستخفها تهددكم، ولا أنني ضجرت بالرسفان، وهو المشي في القيد. ويقال زهاه زهوًا وازدهاه، إذا استخفه. ويستعمل الزهو في الباطل والتزيد في القول. يقال: قال زهوًا، وفي الكبر يقال زهي لا غير، وهو مزهوٌ، والأصل الخفة. والأخرق: القليل
[ ٤٣ ]
الرفق بالشيء. وقال أهل اللغة: الخرق: ضد الرفق. وفلان رقيقٌ وفلان أخرق. وربما قالوا: فلانٌ صنع وفلان أخرق. قال:
وهى صناع الرجل خرفاء اليد
ويروى " أخرق " بضم الراء فيكون فعلًا، و" أخرق " بفتح الراء فيكون صفةً.
ولكن عرتني من هواك صبابةٌ كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
قوله " كما كنت ألقى منك "، الأجود أن يكون " ما " موصوفة غير موصولة، لأنك إذا جعلتها موصوله كانت معرفة وفي تقدير الذي، والقصد إلى تشبيه صبابةٍ مجهولةٍ بمثلها، والتقدير عرت صبابةٌ تشبه صبابةً كنت أكابدها فيك في ذلك الوقت. كأنه شبه حاله فيها بعد ما مني به بحاله من قبل. ومفعول ألقى محذوف تخفيفًا له، أراد كما كنت ألقاه منك. ويقال عراه وأعراه بمعنىً واحد. ومنه عراء الدار وعروتها بفتح العين، أي حيث تعرى منه أي حيث تؤتى. يقول: ولكني تعروني في الهوى رقة شوقٍ وجهد صبابة، كما كنت أقاسيه منك وفيك حين كنت مطلقًا ومخلىً. والفعل من الصبابة صببت بكسر الباء، والصفة صبٌ. وقوله " إذ أنا مطلق " الجملة في موضع جر بالإضافة، وقد شرح بها " إذ " كأنه قال: وقت إطلاقي.
وقال أبو عطاء السندي:
ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر
يعني بالخطي رمح نفسه، أي يتردد بالطعن. كأنه يصور حاله وما يكابده في مجاهدة أعدائه. والخط: سيف البحرين وعمان وإليه ينسب القنا. وكأن قولهم: الخطيطة، وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، منه. والخطر أصله التحرك، يقال مر يخطر خطرًا، وخطر البعير بذنبه خطرًا وخطرانًا. فنبه بهذا الكلام على قلة مبالاته بالحرب، وأن نفسه تاقت والرمح يختلف بالطعن بينهم إليها حتى كانت تلك همه وشغله، فقال: ذكرتك بقلبي ورماح الخط تضطرب في الحرب بيننا، وقد رويت منا أي من دمائنا. وروى بعضهم: " وقد نهكت منا المثقفة " من نهك المرض، وليس
[ ٤٤ ]
بشيءٍ: ومصدر ذكرتك ذكر بضم الذال، لأن الذُكر بالقلب والذِكر باللسان. والاسم من نهلت النهل. والمورد: المنهل: وقد عد الناهل في الأضداد، لوقوعه على الريان والعطشان، وكأن حقيقة النهل أول السقي، والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع فلذلك استعمل الناهل في الري والعطش.
فوالله ما أدري وإني لصادقٌ أداءٌ عراني من حبابك أم سحر
أقسم بالله على استواء علمه بالحالتين اللتين ذكرهما. ويسمي الألف التي في قوله " أداءٌ عراني " ألف التسوية، لهذا الذي ذكرناه. وكذلك لو قال: ليت شعري أزيدٌ في الدار أم عمروٌ، لكان الألف ألف التسوية أيضًا، لأنه بتمنيه العلم بما ذكره من الأمرين، دل على استواء درايته بهما: " وعراني " معناه أصابني. يقال عراه يعروه، واعتراه يعتريه، وعره يعره بمعنىً واحد.
و" الحباب " بمعنى الحب، كأنه مصدر حببته. وقد يكون مصدر حاببته ويكون من اثنين. ويكون أيضًا جمع الحب، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، كما تجمع الشمس على مواقعها. ويروى " جنابك " والمعنى من ناحيتك. وقوله " إني لصادقٌ " يجوز أن يريد به صدقه في الخبر، ويجوز أن يريد بره في الحلف، ومرجع الوجهين إلى معنىً واحدٍ.
فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى وإن كان داء غيره فلك العذر
السحر والتمويه يرجعان إلى معنىً واحد، ولذلك قال تعالى: " سحروا أعين الناس "، أي أخرجوه على وجهٍ في ورأى العين وحقيقته على خلافه. والسحارة: لعبة ذلك صفتها. ويقال عنزٌ مسحورةٌ، إذا عظم ضرعها وقل لبنها. وأرض مسحورة، إذا لم تنبت شيئًا: فيقول: إن كان ما بي سحرًا فلي عذرٌ في هواك، لأن من يسحر يحبب، وإن كان داءً غير السحر فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في محاسنك، والدلالة على أن " فاعذريني " في موضع فلي عذرٌ، ما قابله به من قوله " فلك العذر ". وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال اعذريني ولاذنب له وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب أو يتصور بصورته، وانتصاب " داء " على أن يكون خبر كان، كأنه قال: وإن كان مابي داءً. ويجوز أن يكون توهم أن تلك تصورته بصورة المذنب فيما أظهره من عشقه فقال لها: إن أنت فتنتني وأوقعتني في حبالك لما عرضت علي من محاسنك فلي عذرٌ حين افتتنت،
[ ٤٥ ]
لأن مثل محاسنك تزل العفيف، وتنقل عن طبعه الحليم. وإن كنت المتعرض لك والجالب على نفسي ما شقيت به، فالعذر لك.
وقال آخر:
وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍ إذا تألى على مكروهه صدقا
جعل للموت غمارًا على التشبيه بالماء، ثم جعله منغمسًا فيها فحسنت الاستعارة جدًا: وتألى وائتل وآلى من الألية. ولا حلف ثم، إنما يريد الحتم والإيجاب، فيقول: رب فارسٍ داخلٍ في شدائد الموت إذا حلف على ما يكره منه أو يكون كريهًا في نفسه بر ولم يحنث أنا فعلت به كذا. ويروي " مكروهةٍ " والمعنى خصلة تكره وتشق. فعلى هذا يكون صفةً مفردةً عن الموصوف. ويجوز أن يكون مصدرًا كالمصدوقة وما أشبهها من المصادر الجائية على زنة المفعول. وأضاف المكروه إذا رويت " مكروهه " إلى الفارس لوقوعه منه. والمنغمس: الداخل في الشيء، يقال غمسته في الماء وغيره، ورجلٌ مغامسٌ للذي يغشى الحرب ويتردد فيها. والغمار والغمرات جمع غمرةٍ، وهي في الماء والحرب والشر ترجع إلى الستر. ويقال رجل مغامرٌ، إذا ألقى نفسه في الغمرات والمهالك. وروى بعضهم " في غمار الموت " بضم الغين، وكسرها أجود مع ذكر المنغمس.
غشيته وهو في جأواء باسلةٍ عضبًا أصاب سواء الرأس فانفلقا
العضب: القطع، وتوسعوا فيه فقالوا: عضبه عن حاجته، أي حبسه، وامرأةٌ معضوبةٌ أي معضولة، وسيفٌ عضبٌ أي قاطع، كأنه وصف بالمصدر. والتغشي أصله الإتيان والملابسة، ومنه الغشاوة: الغطاء. وتوسعوا فيه حتى قيل تغشاهم بالعدل أو الجور. وفي القرآن: " إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه ". فقوله غشيته، هو كما يقال قنعته، وهو جواب رب فارسٍ هكذا أنا ضربته وهو في جيشٍ تام السلاح كريه اللقاء، بسيف قاطع أصاب وسط رأسه فشقه. والسواء: الوسط ها هنا، وفي التنزيل: " في سواء الجحيم ". ويوضع موضع المصدر ثم يوصف به، وفي التنزيل: " سواء للسائلين ". وأصاب،
[ ٤٦ ]
بمعنى طلب وبمعنى نال، ويقال أصبت الصواب فأخطأته. والجأواء: المخضرة، وهو من الجؤوة، يعني اخضرار السلاح. والبسالة تستعمل في الناس وغيرهم، وهي الشجاعة. ويقال رجلٌ باسل وأسدٌ باسلٌ وبسول. قال:
ما غركم بالأسد الباسل
وهذا يجوز أن يكون من البسل، وهو الحرام، كأنه لنمنعه محرم.
بضربةٍ لم تكن مني مخالسةً ولا تعجلتها جبنًا ولا فرقا
يقال تعجلت الشيء، أي تكلفته على عجلة. ويقال أيضا أعجلته واستعجلته وتعجلته بمعنىً. والخلس: أخذ الشيء مخاتلةً، وقيل الاختلاس أوحى من الخلس. ويقال هو لك خلسةٌ، كما يقال نهزةٌ وفرصةٌ، يقول: غشيته سيفًا بأن ضربته ضربةً هكذا. فأما قوله لم تكن مني مخالسةً، فهو خلاف قول الآخر:
وقد أختلس الضرب ة لا يدمى لها نصلي
وقول الهذلي:
وطعنة خلسٍ قد طعنت مرشةٍ
لأن قصد الشاعر هاهنا إلى أنه تناول من خصمه ما تناول بتثبت وقوة قلب لا كما يفعله الجبان. وثم يذكر تمكنه من خصمه على شدة احترازٍ منه حتى تناول ما تناوله خلسًا. وقد وصف الشجاع بالمخالس والخليس، وكذلك المصارع. ومن مدحه خصمه ثم ذكر غلبته له كان أبلغ في الافتخار به، فاعرف فرق ما بين الموضعين. وقوله: " ولا تعجلتها جبنًا ولافرقًا " يؤكد ما ذكرناه. وانتصاب " جنبًا " على أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدرًا لعلة. والمعنى: ولم أتكلف عجلتها لضعف قلبي ولا لخوفي من صاحبي. وضربة الجبان أعجل وأسرع.
[ ٤٧ ]
وقال ربيعة بن مقرومٍ الضبي
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها بسلم أوظفة القوائم هيكل
اطراد الماء والسراب والكلام: اتساقها على حد الاستقامة والمراد. ويقال: جدولٌ مطردٌ، وبلدٌ طرادٌ، أي واسعٌ يطرد فيه السراب. وأراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، ألا ترى أنه قال " يوم طرادها ". والطراد من الفرسان: حمل بعضهم على بعضٍ. وعلى هذا ما روي عن النبي ﷺ، وهو " يا خيل الله اركبي ". والمعنى حضرتهم يوم تطاردهم بالرماح وأنا على فرسٍ ضخمٍ سليم الأوظفة من العيوب. ول " شهدت " موضعان: الحضور من قول الله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين ". وقوله ﷿: " ما أشهدتم خلق السموات والأرض "، وحينئذ يتعدى إلى مفعول واحدٍ. والعلم والتبيين، على ذلك قول الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، وحينئذ يتعدى إلى مفعولين. وقد يقسم به كما يقسم بالعلم، فيقال يشهد الله كما يقال يعلم الله. فأما شهادة الشاهد فلابد من القول فيها. والهيكل أصله في البناء العظيم، ثم وصف به الفرس.
فدعوا نزل فكنت أول نازلٍ وعلام أركبه إذا لم أنزل
قوله " دعوا نزال " أي صاحوا: نزال نزال. ومنه قيل لتطريب النائحة في نياحتها: التدعي. وهذا كما قال الأعشى:
قالوا الطراد فقلناتلك عادتنا
وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". ويجوز أن يكونوا جعلوا نزال على التوسع هي المدعوة وإن كانت دعي إليها؛ ويشهد لهذا الوجه قولهم:
دعيت نزال ولح في الذعر
[ ٤٨ ]
وفي القرآن: " دعوا هنالك ثبورًا. لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا ". ونزال: اسم لا نزل، مبني على الكسر، معرفةٌ مؤنث معدول. والدلالة على تأنيثه قول زهير:
دعيت نزال ولج في الذعر
والمعنى تنادوا وقالوا نزال فكنت أول النازلين. ثم قال مظهرًا لترك التحمد بذلك، وأنه فيما فعله كمن أدى واجبًا عليه: " وعلام أركبه ". المعنى لأي شيء أركب فرسي إذا لم أنزل إذا دعيت إلى النزال. و" ما " من " علام " حذف ألفه لأنه في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يخفف بالحذف، على ذلك بم ولم وفيم وعم مم، إلا إذا اتصل بذا فيقال بماذا ولماذا، لأنه يصير ماذا كالشيء الواحد فلا يغير " ما "، وقوله " وعلام أركبه إذا لم أنزل " يجري مجرى الالتفات ويقاربه، وفائدته أنه أسقط التحمد بما فعله. به. وفي طريقته من جهة المعنى قول الآخر:
ولايحمد القوم الكرام أخاهم ال عتيد السلاح عنهم أن يمارسا
ومثل الأول قوله:
علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وألد ذي حنقٍ على كأنما تغلى عداوة صدره في مرجل
أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر، حتى تجلى، فصار كالمشاهد. والألد: الشديد الخصومة. كأنه لد بالخصومة، أي أوجر فلد به. ولذلك كان اللدد مصدر ألد. ويقال في معناه ألندد. والحنق: شدة الغيظ، يقال أحنقه فحنق، يقول رب خصم شديد الخصومة ذي غيظٍ وغضبٍ علي تغلي عداوته لي في صدره غليان المرجل بما فيه إذا كان على النار، أنا دفعته عن نفسي. وجواب رب هو صدر البيت الثاني. والحنئى يجوز أن يكون من اللزوق، كأن الحقد لزق بصدره، ومنه يقال أحنقت الدابة، إذا ضمرته.
[ ٤٩ ]
أرجيته عني فأبصر قصده وكويته فوق النواظر من عل
ذكر بعض المتأخرين في أرجيته، أن الرواية الصحيحة " أوجيته " وما عداه تصحيف. قال. وهو أفعلته من الوجى، وإنما أوجب ذلك ليكون لفق قوله بزعمه: " وكويته ". والمعنى أذللته ورددته رازحًا كرزوح الفرس الوجى. ثم أنشد قول طرفة مؤنسًا به:
وقومٍ تناهوا عن أذاتي بعدما أصاب الوجى منهم مشاش السنابك
قال الشيخ: ولقد قضيت العجب من هذا المستدرك، ومن ضلاله عن طريق الرشاد فيما قصده من المعنى، ورواه في الاستشهاد، وذلك أن شعر طرفة إنما هو:
وما زال شربي الراح حتى أشرني صديقي وحتى ساءني بعض ذلك
وحتى يقول الأقربون نصاحةً دع الغي واصرم حبله من حبالك
وحتى تناهوا عن أذاني بعد ما أصاب الوجى منهم مشاش السنابك
فقوله: " حتى تناهوا " ليس مما فسره واستشهد له بسبيل، إنما يريد طرفة أنه أبعد غايته في الخسارة، وتمادى في تعاطي الصبا والجهالة، فلم يصخ لناصحٍ، ولم يرعو لعاذلٍ، حتى نفضوا أيديهم من إنابته، ويئسوا من قبوله وإعتابه، فألقوا حبله على غاربه: وصاروا من بين ناسبٍ له إلى الشر، ومسيءٍ إليه في القول، وقاذفٍ إياه بالغي، فأفضت بهم الحال إلى أن تناهوا بعد أن بلغ منهم العناء كل مبلغ، وأثر فيهم الإعياء والإخفاء أشد تأثير. ألا ترى أنه جعل الوجى في المشاش من السنابك منهم. فهذا ما عليه في الرواية، والذهاب عن طريقة الشاعر. وبعد فإنه لا يقال أوجيت الدابة عني ويراد الإخفاء، ولم يسمع في التذليل ذكر الحفى والوجى مستعارًا كما سمع الكي والوسم فيه. وبعد الغوص لا يدري على ماذا يهجم بصاحبه. والرواية الصحيحة " أرجأته " و" أرجيته " وهما لغتان، والهمز أفصح. قد قرى: " ترجى من تشاء منهن " و" ترجى ". ويروى: " أوحيته "، ويروى: " أزجيته " والمعاني تتقارب في الكل. يقول: رب خصمٍ هكذا أنا وحيته عن نفسي وصرفته، وقد أبصر رشده، وعرف مقدار نفسه، فعاد إليه بعد أن كان يشتط فيما له، ويتغابى عما عليه. والقصد: ما لا سرف فيه، ولذلك قيل اقتصد في كذا. وطريقٌ قاصدٌ إذا كان على حد الاستواء. ومن كلامهم: ضل عن قصد الطريق، كما قيل: ضل عن
[ ٥٠ ]
سواء السبيل. قال الراجز:
إني إذا حار الجبان الهدره ركبت من قصد الطريقٍ منجره
وقوله: " وكويته فوق النواظر " يشبهه قول الآخر:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما
أي كويته من عل فوق ناظره، أي وسمته بسمةٍ من الذل اشتهر بها، ولم يمكنه إخفاؤها. ويقال لمن يتوعد بالإذلال والتشويه: لأسمنك وسمًا لا يفارقك. ولذلك قال جرير:
لما وضعت على الفرزدق مبسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
وكما يجعلون هذه السمة في الجبين يجعلونها في الأنف، ولذلك قال الأعشى:
أنف من أنت واسم
وفي القرآن: " سنسمه على الخرطوم ". فإن قيل: لم أتى بقوله من عل، وقد قال فوق النواظر ويعلم منه أنه أعلى؟ قيل: إن التقدير كويته من عل فوق النواظر، أي من أعلاه فوق ناظره، وفيه التقديم والتأخير، ولو سكت على من عل لكان يجوظ أن يكون فوق النواظر ودون النواظر، لكنه بين أن قصده إلى الجبين بميسمه. والمعنى شهرته بإذلالي، ووسمته بكي حيث يظهر للناظرين ولا يخفى. وانتصاب " فوق " يجوز أن يكون على التبدل من الضمير في كويته، لأن " فوق " من الظروف المتمكنة. ويجوز أن تجعله ظرفًا تريد كويته في هذا المكان مما علا منه. وإنما لم يبن من عل لأنه جعله نكرة، كما تقول أتيته قبلًا أي أولا، وأنت لا تقصد إلى أنه مضاف إلى معرفةٍ مخصوصةٍ، فاعلمه. ومنه:
كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
[ ٥١ ]
فالكسرة في الموضعين كسرة إعراب، وإن شئت جعلته معتل الآخر لا منقوصًا كشجٍ وقاضٍ، وجعلته في النية مضافًا، فيكون معرفة وتنوى ضمة البناء في موضع لامه، كما تنويها في الياء من قاضٍ وغازٍ إذا ناديت بهما واحدًا بعينه. وفي على لغاتٌ كثيرةٌ، وله نحوٌ في البناء والإعراب ليس لأخواته من الغايات، وليس هذا موضع شرحه.
قال سعد بن ناشب بن مازن بن عمرو بن تميم:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا
القضاء، أصله الحتم والإيجاب، ثم يستعمل في إكمال الصنع والفراغ من الشيء. ولهذا قيل قضي قضاؤك، أي فرغ من أمرك. وفي القرآن: " فقضاهن سبع سموات ". ويروى: " قضاء الله " بالرفع والنصب، فإذا رفعته فإنه يكون فاعلا لجالبًا علي، وما كان جالبًا في موضع مفعوله، ويكون القضاء بمعنى الحكم. والتقدير: سأغسل العار عن نفسي باستعمال السيف في الأعداء، في حال جلب حكم الله على الشيء الذي يجلبه. وإذا نصب القضاء فإنه يكون مفعولًا لجالبًا وفاعله ما كان جالبًا، ويكون القضاء الموت المحتوم والقدر المقدور، كما يقال للمصيد الصيد، وللمخلوق الخلق. والمعنى جالبًا الموت على جالبه. وذكر بعضهم أن " كان " من قوله ما كان جالبًا في معنى صار. قال: ومثله:
بتيهاء قفرٍ والمطي كأنه قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
لأن المعنى قد صارت.
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذمة حاجبا
الذهول: ترك الشيء متناسيًا له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهلٍ. يقول: إذا ضاق المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، وأجعل خرابه وقاية للنفس من
[ ٥٢ ]
العار الباقي، والذم اللاحق. وهذا قريبٌ من قوله:
وإذا نبابك منزلٌ فتحول
وهو ضد المعنى الذي يقصدونه بالثبات فيه والصبر عليه، من الإقامة في دار الحفاظ والافتخار به، لأن الاتنقال ثم هو الجالب للعار، كما أن الأقامة هنا هو الجالب. فمن ذلك قوله:
وتقيم في دار الحفاظ بيوتنا زمنًا ويطغن غيرها للأمرع
ومنه قوله:
يقال محبسها أدنى لمرتعها وإن تعادى ببكءٍ كل محلوب
وفي ضده قوله:
دار الهوان لمن رآها داره أفراحلٌ عنها كمن لم يرحل
وقول الآخر:
ولسنا بمحتلين دار هضيمةٍ مخافة موتٍ إن بنا نبت الدار
وانتصب " حاجبا " على أنه مفعول ثانٍ لأجعل، لأنه بمعنى أصير. والتقدير: أجعل هدمها حاجبًا لعرضي، ومانعًا من باقي الذم. ول " جعلت " غير مواضع، يكون بمعنى خلقت وأنشأت فيتعدى إلى مفعولٍ واحد، كقول الله تعالى: " وجعل الظلمات والنور "؛ ويكون بمعنى سميت، كقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا "؛ ويكون بمعنى ظننت، تقول: جعلته عبدًا وشتمته، أي ظننته؛ ويكون بمعنى طفق فلا يتعدى. تقول جعل يكلمه، أي أقبل. وعلى هذا قوله:
جعلت وما بي من جفاءٍ ولاقلى أزوركم يومًا وأهجركم شهرا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
[ ٥٣ ]
أراد بقوله " يصغر " صغر القدر وخفته ونزارته في الهم والفكر. وخص " التلاد " وهو المال القديم، لأن النفس بمثله أضن، وبه أنفس، وله أضبط. نبه بهذا الكلام على أنه يخف عل قلبه ترك الدار والوطن خوفًا من التزام العار، كذلك يقل في عينه إنفاق المال عند انصراف اليد حائرةً للمطلوب، جامعةً له. وجواب " إذا " قدم عليه وهو قوله " يصغر "، فأما قوله " كنت طالبًا "، فقد حذف منه الضمير العائد إلى الذي، والتقدير كنت طالبه.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراث كريمٍ لا يبالي العواقبا
الهدم: القلع والتخريب، ويسمى المهدوم هدمًا. قال:
كأنه هدجم في الجفر منقاض
وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدمٌ، وجمعه أهدامٌ. وقيل عجوزٌ متهدمةٌ أي هرمةٌ فانية. وتهدم عليه من الغضب، كما يقال تهجم. والغدر: ترك الوفاء، ومنه غادرته، والغدير. وكأن هذا الرجل كان أخل بداره لنائبةٍ نابته فصار يخاطب أعداءه ويريهم قلة فكره فيما تجري عليه أحواله من جهتهم، وفيما تفضي عواقب أمره إليه معهم، فيقول: إن تخربوا داري غدرًا منكم فإنها ميراث رجلٍ هكذا، ويعني به نفسه، وسمي ملكه ميراثًا وهو حيٌ، والمعني أنه سيورث، وهذا تسمية الشيء المتنقل في أيدي ملاكه والمتصرفين فيه على التشبيه: ميراثًا، وإن لم يتنقل بالأسباب والأنساب. على ذلك قول الله ﷿: " ولله ميراث السموات والأرض "، وقوله: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ". وتراث، أصله وراثٌ، والتاء فيه كالتاء في تكأةٍ وتخمةٍ. وقوله: " تراث كريمٍ " أراد بالكرم التنزه عن الأقذار، والتباعد من جوالب العار. على ذلك قول الله تعالى: " وإذا مروا باللغو مروا كرامًا ". وقوله: " لايبالي العواقبا " يقال: ما باليته بالةً وباليةً ومبالاةً وبلاء، وما باليت به. وكأنه أخذ من البلاء، واستعمل في المفاخرة وتعداد الخصال الحسنة عند المنافرة، ثم كثر استعماله حتى صار يقال في الاستهانة بالشيء. ويشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر:
مالي أراك قائمًا تبالي وأنت قدمت من الهزال
[ ٥٤ ]
أي تفاخر.
أخي عزماتٍ لا يريد على الذي يهم به من مقطع الأمر صاحبا
يقال: ما له عزمٌ وماله عزيمةٌ، أي تثبتٌ وصبرٌ فيما يعزم عليه. وحقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله ﷿. والاعتزام: لزوم القصد وترك الانثناء، ولذلم قيل اعتزم الفرس على الجري. يصف نفسه بأنه صاحب هممٍ وأخو عزماتٍ، مستبدٌ برأيه فيها غير متخذٍ رفيقأً، ولا مستنصرٍ أخًا وصديقًا، و" مقطع الأمر " أراد فصله والخروج منه. ويروى: " أخي غمرات " وهي الشدائد. ويروى: " من مفظع الأمر " وهو من مفظع الأمر وأفظع، فظاعةًَ وإفظاعًا، وهو فظيعٌ ومفظعٌ. أو من أفظعني الأمر ففظعت به، أي أعياني فضقت به ذرعا. وقوله: " صاحبا " صغةٌ في الأصل استعملت استعمال الأسماء، فلم يجر مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والدٌ.
إذا هم لم تردع عزيمة همه ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
اللهم: ما تحيل لفعله وإيقاعه فكرك. والهمة: اسم الحالة التي تكون عليها في ذلك. ويقال في المثل لمن يعير بطول الأمل: " تهم ويهم بك "، ومنه المهمات، وهذا يخبر عن نفسه بأنه يتبع الرأي الأول. وهذا طريقه الفتاك لأن الرجوع عن الرأي إلى غيره طريقة من يتدبر العواقب فيترك الشيء إلى الشيء لما يرجوه من حسن المآب. فقال: إذا هم هذا الرجل بشيء أنفذ عزيمته ولم يردعها، ولم يفعل ما يفعله خائفًا. ومثله قول الآخر:
جسور لا يروع عند هم ولا يثني عزيمته اتقاء
ويقال: ردعته فارتدع، أي كففته ورددته ردعًا. ومنه الرداع في العلة وهو النكس، يقال ردع ردعًا ورداعًا. والهيبة تكون من الذعر ومن الإجلال جميعًا، ويقال للجبان هيوب وهيوبة، والهاء للمبالغة، وللمحتشم مهيب. وفي الحديث: " الإيمان هيوب ". ويقال: تهيبت الشيء وتهيبني بمعنى، لما كان لا يلتبس، ومثله من المقلوب كثير.
[ ٥٥ ]
فيال رزام رشحوا بي مقدمًا إلى الموت خواضًا إليه الكتائبا
ويروى: " الكرائبا ". الفاء من قوله " فيال رزام " النية بها استئناف ما بعدها وإن نسق بها جملة على جملة. واللام من يال رزام، هو لام الاستغاثة، ورزام ينجر به وهم المدعوون. وأصل حركة لام الإضافة إذا دخل على ظاهر الكسر، ولهذا إذا عطف على الام بلام أخرى كسرت الثانية، تقول: يالزيد لعمرو، ولكن هذه فتحت لكون ما بعدها منادى، ووقوع المنادى على هذا الحد موقع المضمرات، فكما قيل لك وله، قيل يالزيد. وقوله " رشحوا بي مقدما " بكسر الدال بمعنى متقدما، فهذا كما يقال وجه بمعنى توحه، ونبه بمعنى تنبه ونكب بمعنى تنكب. وعلى هذا قولهم مقدمة الجيش، ومن فتح الدال فالمعنى على أنه يقدم ليقيهم بنفسه. " خواضًا إليه الكتائبا "، انتصب الكتائب على أنه مفعول خواص. ويروى " الكرائب " وهي الشدائد جمع كريبة، والأصل في الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس. والترشيح أصله التنبيت والتربية، ومنه قيل رشحت المرأة ولدها إذا درجته في اللبن، ثم قيل رشح فلان لكذا، توسعًا. ومعنى البيت: يا بنى رزام هيئوا بي رجلًا يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الجيوش والشدائد غير متنكب ولا حائد. ويروى: " رشحوا بي مقدمًا "، وتلخيصه: رشحوا بترشيحكم رجلًا هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
قوله: " ألقى بين عينيه عزمه "، أى جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابل قوله ألقى بين عينيه عزمه، بقوله: نكب عن ذكر العواقب جانبا. ومثله قول الآخر:
ولا ناظر عند الوغى في العواقب
وانتصب " جانبا " على أنه ظرف. ونكب يكون بمعنى تنكب. والمعنى أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب. ويجوز أن ينتصب جانبا على المفعول، ويكون نكب بمعنى حرف. والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. وسمي المعزوم عليه عزما على عادة العرب في وصف الفاعل والمفعول بالمصادر.
[ ٥٦ ]
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
مثل المصراع الأول قول ابن هرمة:
ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
ويقارب الثاني قول الآخر:
ففي السيف مولى نصره لايحارد
والشاعر يصف استبداده وتفرده عندما يدهمه بما يأتيه فعلًا ورأيًا. وإنما نبه على الرأي بقوله: " لم يستشر "، وعلى الفعل بقوله: " ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ". وانتصب قائم على أنه استثناء مقدم. ألا ترى أن الأصل ولم يرض صاحبًا إلا قائم السيف. ولو أتى على هذا لكان الوجه أن يكون بدلًا، فقدم المستثنى كما ترى.
وقال تأبط شرًا:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
قوله لم يحتل ذهب بعضهم إلى أن الحيلة مأخوذة من قولهم حال الشيء، أي انقلب عن جهته، كأن صاحبها يريد أن يستنبط ما يحول عند غيره ولذلك قيل: فلان حول قلب. وقوله جد جده أي ازداد جده جدًا. ويكون مثل قوله:
حتى استدق نحولها
المعنى ازداد دقيقها دقة، ويجوز أن يكون المعنى صار غير الجد جدًا بمآله، وهذا كما يقال ريع روعه، وخرجت خوارجه، وجن جنونه، وقال الهذلي:
يدعون حمسًا ولم يرتع لهم فزع
وإنما هو ريع أمنه، وخرجت دواخله، ولم يرتع لهم أمن. فسمى الشيء بما آل إليه. وقوله أضاع يجوز أن يكون معناه وجد أمره ضائعًا، ويجوز أن يكون بمعنى
[ ٥٧ ]
ضيع. ويقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعًا، وتركهم بضيعة ومضيعة. وإذا أخذ الرجل فيما لا يعنيه، قيل: فشت عليه الضيعة. ويقاربه قولهم:
اتسع الخرق على الراقع
وقوله: وهو مدبر يجوز أن يكون الضمير للأمر، والمعنى قاسى أمره، أي شقي به وهو مول فائت. ويجوز أن يكون الضمير للمرء، والمعنى عالج أمره وكابده مدبرًا فيه غير مقبل ولا منصور، ومعنى البيت إذا الرجل لم يطلب رشده ولم ينفذ الحيلة في إصلاح أمره، في الوقت الذي يجب أن يفعله، وقد صار الأمر جدًا لا شبهة فيه، عالجه وهو هكذا، أو عالجه والأمر هكذا. ومثله:
ولكن من لا يلق أمرًا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزل
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
السائر عنهم في مثل قولهم: روئ تحزم، فإذا روّأت فاعزم، فيقول: صاحب الحزم هو الذي يستعد للأمر قبل نزوله، ويدبره قبل فوته، حتى إذا نزل به يكون عارفًا بالقصة فيه، سالكًا للوجه الذي يفصله منه. وهذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن. والحزم في اللغة: الشد والضبط، ومنه الحزام، والحزمة، والحيزوم، والمحزم، والخطب: الأمر المطلوب، ويقال خطبت الأمر فأخطب، كما تقول طلبته فأطلب.
فذاك قريع الدهر ما عاش حول إذا سد منه منخر جاش منخر
ذاك أشار به إلى أخى الحزم. وقريع الدهر يحتمل وجهين: يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت الشيء أي اخترته وخصصته بقرعتي، ويقال هو قريعهم وقريعتهم وقريعهم بمعنى واحد. ويجوز أن يكون بمعنى من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. ويكون قريع في الوجهين فعيلًا في معنى مفعول. ولا يمتنع أن يكون المراد بقريع الدهر فحل الدهر، ويكون في هذا الوجه قريع في معنى فاعل، لأنه يقرع الناقة أي يضربها. وما تقدم أحسن. وقوله ما عاش في
[ ٥٨ ]
موضع الظرف، والمعنى مدة عيشه. وقوله إذا سد منه منخر مثل للمكروب المضيق عليه، وهذا كما استعمل فيه الخنق والخناق. وأصل المنخر في الأنف من النخير؛ ويسمى النخرة أيضًا. والجميع النخر. والنخير: مد النفس، ومنه نخير الحمار. وقيل نخرتا الأنف: حرفاه. وجاشت القدر: غلت. وجاش البحر: اهتاج، وأصله التحرك في الموضعين والاضطراب؛ ومنه الجيش واحد الجيوش. والمعنى: لافتنانه في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر. والحول: الكثير التحول في الأمور. ويقال هو قلب وحول، وفي معناه رجل حول وحوالي. قال ابن أحمر:
أوينسئن يومي إلى غيره أني حوالي وأني حذر
ويقال: هو ذو حول وحويل، وفي المثل: لو كان ذا حيلة تحول. فأما قولهم: هو ذو محلة، فهو في معنى محالة، وليس من بنائه، لأن الميم في محلة أصلية، وفي محالة زائدة.
أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الحجر معور
من كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء، وقرع الفناء. وهذه الاستعارة من شمول القحط وهلاك المال. ولحيان: بطن من هذيل كان تأبط شرًا راغمهم ووترهم، فكانوا يطلبون غفلته، حتى اتفق منه الصعود إلى الجبل الذي وصفه ليشتار العسل، ولم يكن له إلا طريق واحد، فجاءوا وأخذوا عليه ذلك الطريق، فقال: أقول لهم، يعني عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل. وقوله وقد صفرت لهم وطابي يحتمل وجوهًا: يجوز أن يكون المعنى وقد خلا قلبي من ودهم. وبعضهم يستضعف هذا ويقول: ومتى كان يودهم؟ وهذا اللفظ كيف يفيد هذا المعنى. ويمكن أن يقال في ذلك إنما أراد وطاب ودي. وهذا كما قال تبشر:
وإذ صفرت عياب الود منكم ولم يك بيننا فيها ذمام
[ ٥٩ ]
كأنه تبين منهم أنهم لا يبقون عليه، ولا يرعون ذمامًا له، فلا رعة ولا رقة لديهم، ولا بقيا ولا محافظة عندهم، فصار اعتقاده فيهم كما بان له اعتقادهم. فيه. فلهذا قال ما قال. ويجوز أن يكون المعنى أشرفت نفسي، بسببهم ولتعرضهم وهمهم بانتهاز الفرصة لما أمكنهم، على الهلاك. ويكون هذا من قوله:
ولو أدركنه صفر الوطاب
وفي طريقته قول الآخر:
هرقن بساحوق جفانًا كثيرة وأدين أخرى من حقين وحازر
وقال غيره:
يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئت بثنى صفين يعلو فوقها القتر
ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم، أي كاد تفارقه الروح. وهذا كما يقال: الإنسان: زق منفوخ. ويحوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي اشتارها لأنه لما تيقن قصدهم لقتله وتركهم مسامحته صب العسل. على الجبل من الجانب الآخر وركبه متزلقًا عليه، حتى لحق بالسهل. قوله: ويومي ضيق الحجر معور، أي ضيق الناحية ممكن. ويقال في الحجر الحجرة أيضًا. وفي المثل: يربض حجرة ويرتمي وسطًا. ومعور، من أعور لك الشيء، إذا بدت لك عورته، وهي موضع المخافة. قال الله تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي ﷺ: " إن بيوتنا عورة " أي واهية يجب سترها وتحصينها بالرجال، وكما قيل يوم معور قيل مكان معور، أي مخوف. ويقال: عور المكان إذا صار كذلك، وقرئ: " إن بيوتنا عورة ". وقال بعضهم: كل ما طلبته فأمكنك فقد أعورك وأعور لك. ومعنى البيت: أقول لهؤلاء القوم والحال هذا، وهو أني قد جعلت لنفسي طريقًا إلى الخلاص منهم أو أني أشرفت على الهلاك واليوم يوم شديد عسير.
[ ٦٠ ]
هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر
الخطة مأخوذة من الخط، وهي تجري مجرى القصة، وإن كان لها مواضع تنفرد بها، وحذف النون من خطتا إذا رفعت إما إسار استطالة للاسم، كأنه استطال خطتا ببدله وهو قوله إما إسار، كما استطال الشاعر الآخر الموصول " بصلته، والموصوف " بصفته فقال:
أبني كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
فحذف النون من اللذا. ومثله في الحذف قول الآخر:
لها متنتان خظاتا كما أكب على ساعديه النمر
فحذف النون من خظاتا. وقول الآخر:
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها لأولادها ثنتا وما بيننا عنز
ويجوز أن يكون الحذف على وجه الحكاية، كأنه قال: هما خطتا قولكم إما كذا وإما كذا، فلما نوى ذلك حذف النون للإضافة. وكأنهم كانوا يديرونه على الخصلتين، فأخذ يتهكم عليهم ويحكي مقالتهم، ونحوه قول الخليل في قوله: " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا "، قال معناه لننزعن من المتشايعين الذي يقال لعتوه أيهم أشد؛ فحكى. وقوله:
فأبيت لا حرج ولا محروم
وإذا جررت إما إسار يكون حذف النون لنية الإضافة، والتقدير: هما خطتا إسار ومنة. والمعنى ليس " لي " إلا واحدة من خصلتين اثنتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل وهو بالحر أجدر من التعرض لما
[ ٦١ ]
يخزيه ويكسبه الذل. فهاتان الخصلتان هما اللتان أشار إليهما بقوله هما خطتان؛ وقد ثلثهما بخطة أخرى ذكرها فيما بعد. وفي هذا الكلام تهكم وهزء. وقوله: والقتل بالحر أجدر يسمى اعتراضًا لوقوعه بين ما عدده من الخصال.
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها لمورد حزم إن فعلت ومصدر
المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء والإتيان به على أتقنه، ومنه يقال: إنه لصدى مال، إذا كان حسن القيام به. يقول: وها هنا خصلة أخرى أداري نفسي فيها، وأداورها عليها، وإنها للموضع الذي يرده الحزم ويصدر عنه إن فعلت. وهذا إنما قسم الكلام هذه الأقسام لأنه رآهم يبنون أمره عليها، ولأنه نظر إلى جهتي الجبل فعلم أنه إن رضي الطريق التي عليها بنو لحيان لنفسه طريقًا كان فيها إحدى الحالتين: من الأسر أو القتل، على ما كانوا يزعمون ويقولون. وإن احتال للجهة الأخرى والحزم فيها، لأن خلاصه منها، كان أمرًا ثالثًا. ثم اقتص ما فعله. وقوله وإنها لمورد حزم اعتراض أيضًا، لوقوعه بين قوله وأخرى أصادى النفس عنها، وبين تبيين كيفية مزاولته لها وشرحها.
فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
الفرش: البسط، ثم توسعوا فيه فقالوا: فرشته أمري، وافترش لسانه فتكلم كيف شاء. وقوله لها الضمير للخصلة التي عبر عنها بقوله وأخرى. يقول: فرشت من أجل هذه الخطة صدري على الصفا. وهذا حين صب العسل فزلق " به " عن الصفا. أي بصدره صدر ضخم ومتن دقيق، والصدر والمتن صدره ومتنه، ولكن أخرجه مخرج قولهم: لقيت بزيد الأسد، وزيد هو الأسد عندهم. ووضع فرشت موضع ألقيت ووضعت. ويقال: فرشت ساحتي بالآجر، وافترشت الشاة للذبح إذا أضجعتها. وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون الضمير من لها للصفاة، والكلمة مقلوبة، والمعنى فرشتها لصدري. وفي هذا إضمار قبل الذكر والقلب، وإذا كان كذا فالأول هو الوجه.
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحة والموت خزيان ينظر
الخلط أصله تداخل أجزاء الشيء في الشيء، وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خلط، إذا اختلط بالناس كثيرًا. وجاء في الحديث: لا خلاط ولا وراط، وفي
[ ٦٢ ]
المثل: ليس أوان يكره الخلاط. يقول: أسهلت ولم يؤثر الصفا في صدري أثرًا، لا خدشًا ولا خمشًا، والموت كان طمع في، فلما رآني وقد تخلصت بقي مستحييًا ينظر ويتحير. والواو من قوله والموت واو الحال. وهذا من فصيح الكلام، ومن الاستعارات المليحة. وقد حمل قول الله ﷿: " وأنتم حينئذ تنظرون " على أن يكون المعنى تتحيرون. وقد سلك أبو تمام مسلك هذه الاستعارة فقال:
إن تنفلت وأنوف الموت راغمة
ويقال إن الموضع الذي يقع عليه كان بينه وبين الطريق الذي عليه بنو لحيان أميال عدة. وقوله ينظر يجوز أن يكون في موضع الحال ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر. ويكون معناه فى مقابلتي. ويقال: بيوتهم تتناظر، إذا تقابلت، لأن النظر تقليب العين نحو المرئي وفي مقابلته. لذلك صح أن يقال للأعمى: نظر إلي، ويجوز أن يكون معنى ينظر يعلم حسن حيلتي وغنائي فيما يدهمني. وفسر قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنون. وقوله لم يكدح الصفا قيل الكدح بالأسنان والحجر دون الكدم، ومنه قيل المكدح المكدم في حمار الوحش، لتعضيض بعضها بعضًا. وقوله خزيان يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون في الخزاية: الاستحياء.
فأبت إلى فهم ولم أك آيبًا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
يقول: رجعت إلى قبيلتي فهم، وكدت لا أؤوب، لأني شافهت التلف. ويجوز أن يريد: ولم أك آيبًا في تقديرهم وظنهم. واختار بعضهم أن يروى: فأبت إلى فهم وما كدت آيبًا وقال: كذا وجدته في أصل شعره. قال: ومثله في أنه رد إلى الأصل ووضع اسم الفاعل موضع الفعل قول الآخر:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا لا تكثرن إني عسيت صائما
[ ٦٣ ]
والمثل السائر: عسى الغوير أبؤسا. ولا أدري لم اختار هذه الرواية؟ ألأن فيها ما هو مرفوضٌ في الاستعمال شاذٌ، أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر كذا قاله في الأصل؟ وكلاهما لا يوجب الاختيار. على أني نظرت فوجدت أبا تمام قد غير كثيرًا من ألفاظ البيوت التي اشتمل عليها هذا الكتاب، ولعله لو أنشر الله الشعراء الذين قالوها لتبعوه وسلموا له. ويروى: ولم آل آيبًا والمعنى لم أدع جهدي آيبًا وفي الإياب. والأول أحسن. وكم مثلها، أي كم مثل هذه الخطة فارقتها بالخروج منها، وهي مغلوبة تضغو وأنا الغالب. وصفير الطائر معروف، ومنه ما في الدار صافر، أي ذو صفير.
وقال أبو كبير الهذلي:
ولقد سريت على الظلام بمغشمٍ جلدٍ من الفتيان غير مثقل
يقال سرى يسري سرىً، وأسرى إسراءً بمعنى، وهو سير الليل. وفي القرآن: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ". وعلى الظلام، أي في الظلام موضعه نصبٌ على الظرف. ويقال فعلته ظلامًا وليلًا في مقابلة فعلته نهارًا. ويقولون: عم ظلامًا وعم صباحًا، وهذا كما جعلوا في مقابلة اليوم الليلة. ويجوز أن يكون على الظلام في موضع الحال، أي وأنا على الظلام، أي راكبٌ له. يقول: ولقد سريت ليلًا برجلٍ غشومٍ قوي من الرجال غير منسوبٍ إلى الثقل والكسل في الأمور. فإن قال قائلٌ: إذا كان السرى لا يكون إلا ليلًا فلم قال على الظلام، ولم جاء في القرآن: " أسرى بعبده ليلًا " و: " فأسر بعبادي ليلًا "؟ قلت: المراد توسط الليل والدخول في معظمه، تقول: جاء فلانٌ البارحة بليلٍ، أي في معظم ظلمته وتمكن ذلك الوقت من ليلته. والجلد: الصلب القوي؛ ومنه الجلد من الأرض. وإنما قال مغشمٍ لأنه جعله كالآلة في الغشم، ومفعل بناء لهذا المعنى، ويريد به تأبط شرًا. وكان لأبي كبيرٍ معه قصةٌ معروفة، والأبيات مقصورةٌ عليها، وناطقةٌ بها أو بأكثرها. والغشم والاعتساف يتقاربان. ويقال غشم الوالي
[ ٦٤ ]
رعيته غشمًا وفي كلام بعضهم: أسدٌ حطومٌ خيرٌ من سلطان غشومٍ. ويجوز أن يكون معنى غير مثقل أي كان حسن القبول، محببًا إلى القلوب.
ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل
قوله: وهن عواقدٌ حبك حكاية الحال وإن كان ذلك فيما مضى. ومثله قوله تعالى: " وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد. ويروى: " مما حملن به " أي هو من الحمل الذي حملن به. والضمير في حملن للنساء ولم يجر لهن ذكرٌ، ولكن لما كان المراد مفهومًا جاز إضمارها. ويروى: ممن حملن به، والمعنى: هذا الفتى من الفتيان الذين حملت أمهاتهم بهم وهن غير مستعدات للفراش ولا واضعات ثياب الحفلة فنشأ محمودًا مرضيًا، لم يدع عليه بالهبل والثكل. وإنما قيل: ممن حملن به، لأنه رد الضمير على لفظ من، ولو رد على المعنى لقال بهم. وفي القرآن في موضع: " ومنهم من يستمع إليك "، وفي آخر: " ومنهم من يستمعون إليك ". وحكي عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة فأغضبها عند الجماع. وأنشد:
تسنمتها غضبى فجاء مسهدًا وأنفع أولاد الرجال المسهد
وكذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق. والحبك: الطرائق. والنطاق: ما تشد المرأة في حقوها. والرواية: حبك الثياب، لأن النطاق قد جاء من بعد في صفة أم المغشم فتكرر، ولأن النطاق لا يكون له حبكٌ وطرائق. وواحد الحبك حبيك، ومنه قوله تعالى: " والسماء ذات الحبك ". وقال الباهلي: الحبكة والحباك: الإزار أيضًا. وقد احتبكت المرأة. وذكر بعضهم أن المهبل: المعتوه الذي لا يتماسك فإن صح ذلك فكأنه من الإسراع، يقال جملٌ هبلٌ.
ومبرأًٍ من كل غبر حيضةٍ وفساد مرضعةٍ وداءٍ مع
غبر الحيض وغبره باقيه قبل الطهر. وكذلك غبر اللبن: باقيه في الضرع. وتزوج رجلٌ من العرب بامرأةٍ مسنةٍ فقيل له في ذلك، فقال: لعلي أتغبر منها ولد. والحيضة والحيض واحدٌ. والغبر يكون جمع غابرٍ أيضًا. ولم يرض بلفظ التبرئة حتى
[ ٦٥ ]
أتى بلفظ الكل معه تأكيدًا، كأنه نفى قليل ذلك وكثيره. وأضاف الفساد إلى المرضعة لأنه أراد الفساد الذي يكون من قبلها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ. ويروى مبرأً بالنصب والجر، فإذا نصبته فإنه ينعطف على غير مهبل، كأنه قال: شب في هاتين الحالتين. وإذا جررته ينعطف على قوله جلدٍ من الفتيان كأنه بمغشمٍ جلدٍ ومبرإ. والمعنى أن الأم حملت به وهي طاهرٌ ليس بها بقية حيضٍ، ووضعته ولا داء به استصحبه من بطنها فلا يقبل علاجًا، لأن داء البطن لا يفارق. ولم ترضعه أمه غيلًا، وهي أن تسقيه وهي حبلى بعد ذلك. ويروى عن أم تأبط شرًا قالت: ما وضعته يتنًا، ولا أرضعته غيلًا، ولا أبته مئقًا، ولا رأيت بنفسي دمًا. ولقد حملت به في ليلةٍ مظلمة وتحت رأسي سرجٌ، وعلى أبيه درعٌ. وإنما تريد بهذا الكلام الآخر ما تقول العرب من أن المرأة إذا أكرهت على الوطء، أو وطئت مذعورة، أنجبت وأذكرت. الداء المعضل: الذي لا دواء له كأنه أعضل الأطباء وأعياهم، وأصل العضل المنع، ومنه عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فلم يخرج. وعضلتها: منعتها من التزويج ظلمًا.
حملت به في ليلةٍ مزؤودةٍ كرهًا وعقد نطاقها لم يحلل
الزأد: الذعر، وقد زئد فهو مزؤود. والمعنى حملت الأم بهذا المغشم. ويروى مزؤودةً بالنصب على الحال للمرأة؛ ويروى مزؤودةٍ بالجر، ويجوز فيه وجهان: أحدهما أن تجعله صفةً لليلةٍ، كأنه لما وقع الزؤود والذعر فيها جعله لها، والأكثر في المجاز والاتساع أن ينسب الفعل إلى الوقت فيؤتى به على أنه فاعل، كما قيل: نهاره صائمٌ، وليله قائمٌ. وحسن هذا لأن الظرف قد يقدر تقدير المفعول الصحيح، بأن ينزع منه معنى في، كما قال الشاعر:
ويوم شهدناه سليمًا
فعلى ذلك تقول شهدت الليلة، وزئدت الليلة، وليلةٌ مشهودة ومزؤودة. ويجوز أن يكون انجراره في الجوار، وهو في الحقيقة للمرأة، كما قيل: هذا جحر ضبٍ
[ ٦٦ ]
خربٍ. وهذا لميلهم إلى الحمل على الأقرب، ولأمنهم الالتباس. وانتصاب كرهًا على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير كارهةً. ومعنى البيت بما تقدم ظاهر. وقوله: عقد نطاقها لم يحلل، ابتداء وخبرٌ، والواو للحال. وأظهر التضعيف قي قوله لم يحلل، وهو لغة تميم، ووجه الكلام لم يحل. والنطاق: ما تنتطق به المرأة: تشد به وسطها للعمل. قال الأصمعي: كن في القديم ينتطقن بخيطٍ أو تكةٍ. وذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر ﵁. والمنطقة أخذت من هذا. والمعنى أكرهت ولم تحل نطاقها. وحكي عنها في وصف ابنها قالت فيه: إنه والله شيطان، ما رأيته قط مستثقلًا ولا ضحكًا ولا هم بشيء منذ كان صبيًا إلا فعله، ولقد حملت به في ليلةٍ ظلماء وإن نطاقي لمشدود.
فأتت به حوش الفؤاد مبطنًا سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
حوش الفؤاد وحوشي الفؤاد: وحشيه، لحدته وتوقده. ورجلٌ حوشيٌ: لا يخالط الناس. وليلٌ حوشيٌ: مظلم هائلٌ، وكذلك إبلٌ حوشٌ وحوشيةٌ أي وحشيةٌ. وهذا كما يقال: ليلٌ سخامٌ وسخاميٌ: أسود. وقيل: الحوش: بلاد الجن. مبطنًا: خميص البطن. وقوله نام ليل الهوجل، جعل الفعل لليل، لوقوعه فيه. والمعنى نام الهوجل في ليله. والهوجل: الثقيل الكسلان ذو الغفلة. يقول: أتت الأم بهذا الولد متيقظًا حذرًا، حديد الفؤاد ذكيًا، يسهر إذا نام الثقيل البليد. والسهاد والسهد: السهر. ورجلٌ سهدٌ ومسهدٌ. ويقولون للملدوغ: سهدوه لا يسر فيه السم. وقيل الهوجل: الأحمق لا مسكة به. قالوا: وبه سمي الفلاة لا أعلام بها ولا يهتدى فيها: الهوجل.
وإذا نبذت له الحصاة رأيته فزعًا لوقعتها طمور الأخيل
يقال: نبذت الشيء من يدي، إذا طرحته، وتوسعوا فيه فقيل صبيٌ منبوذٌ، ونابذت فلانًا، إذا فارقته عن قلىً. والحصى: صغار الحجارة. والشاعر إنما يحكي ما رآه منه؛ وذلك أن أبا كبيرٍ ذكر أنه كان أراد أن يغتاله، وكان يطلب منه فرصةً ينتهزها
[ ٦٧ ]
في نومه وغفلته مع أنه كان لا يجترئ عليه، فكان يروز أحواله ليتمكن من مراده فيه. والمعنى إذا رميته بحصاة وهو نائمٌ وجدته ينتبه انتباه من سمع بوقعتها هدةً عظيمة، فيطمر طمور الأخيل، وهو الشقراق. وانتصاب طمور بما دل عليه قوله فزعًا لوقعتها، كأنه " رأيته " يطمر طموره؛ لأن الخائف المتيقظ يفعل ذلك. والطمور: الوثب؛ ومنه قيل فرسٌ طمرٌ، أي وثابٌ. وذكر أبو العباس أن الطمر في وصف الفرس هو المشرف، ومنه قيل للموضع العالي: طمار. وفزعًا انتصابه على الحال، وجواب إذا قوله رأيته. وقال بعضهم: الأخيل: الشاهين. ومنه قيل تخيل الرجل، إذا جبن عند القتال فلم يتثبت. والتخيل: المضي والسرعة والتلون.
وإذا يهب من المنام رأيته كرتوب كعب الساق ليس بزمل
أصل هب تحرك واضطرب، ثم قيل هب من نومه هبًا، وهبت الريح هبوبًا، وهبت الناقة في سيرها هبابًا، وهب التيس هبيبًا. وأهببت السيف: هززته. يقول: إذا استيقظ هذا الرجل من منامه انتصب في مضجعه سريعًا كانتصاب كعب الساق في الساق، وهو ليس بضعيف. وإنمايعني شهامته وتشمره في تلك الحالة. وكعب الساق منتصبٌ أبدًا في موضعه، فلذلك شبهه به. والراتب: القائم، ومنه المراتب. وتحقيق الكلام: وإذا يهب رأيت رتوبه كرتوب كعب الساق، لكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا التشبيه يجري مجرى التصوير. والزمل والزمال والزميلة، كله الضعيف، واشتقاقه من التلفف كأنه متساقطٌ لا متشمرٌ متجردٌ.
ما إن يمس الأرض إلا جانبٌ منه وحرف الساق طي المحمل
إن، زيد لتوكيد النفي، ويبطل عمل ما بانضمامه إليه في لغة من يعمله. وانتصب طيّ على المصدر مما دل عليه ما قبله، لأنه لما قال، ما يمس الأرض منه إذا نام إلا جانبه وحرف الساق، علم منه أن الرجل مطويٌ غير سمينٍ، وهضيم الكشح غير ثقيل. والمعنى أنه إذا نام لا يتبسط على الأرض ولا يتمكن منها بأعضائه كلها، فعل من يرخيه نومه ويتمكن منه، حتى لا يكاد يتجمع ويتشمر عند الانتباه إلا بعد مزاولةٍ وتهيؤٍ يعمله في كل عضو. وهذا من أبياتٍ كتاب سيبويه. واحتج به بقوله طي المحمل. وأراد بالمحمل حمائل السيف، وهذا كما يقال: هو كالجديل، وكالزمام، والمحمل والحمالة بمعنىً.
[ ٦٨ ]
وإذا رميت به الفجاج رأيته يهوى غواربها هوى الأجدل
قال الخليل: الفج: الطريق الواسع من قبل جبلٍ ونحوه، والجميع الفجاج. وغارب كل شيءٍ: أعلاه، ومنه غارب البعير. والشاعر يحكي في هذا أيضًا عنه ما رآه منه عند استصحابه له، فيقول: إذا وجهته في طرق الجبل رأيته يقصد عاليها قصد الصقر. والهوي بضم الهاء، هو القصد إلى أعلى، وبفتح الهاء القصد إلى أسفل. على ذلك قوله:
هوي الدلو أسلمه الرشاء
ولا تختر في رواية البيت على الضم. وأنشد فيه قوله:
كأن هويها خفقان ريحٍ خريقٍ بين أعلام طوال
ويروى: مخارمها. والمخارم: جمع المخرم؛ وهو منقطع أنف الجبل. والخرم: أنف الجبل، وجمعه خرومٌ. ومن فصيح كلامهم: هذه يمينٌ طلعت في المخارم، وهي التي تجعل لصاحبها منها مخرجًا. والأجدل، من جدل الخلق.
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه يرقت كبرق المارض المنهلل
الخطوط التي في الجبهة الأغلب عليها سرارٌ ويجمع على الأسرة، والتي في الكف الأغلب عليها سررٌ وسرٌ وبجمع على الأسرار. قال:
انظر إلى كفٍ وأسرارها هل أنت إن أوعدتني ضائري
وقد قيل: الأسرة: الطرائق. يقول: إذا نظرت في وجه هذا الرجل رأيت أسارير وجهه تبرق وتشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق. يصفه بحسن البشر وتطلق الوجه في كل حال. والعارض: ما يعرض في جانبٍ من السماء من السحاب. وعلى ذلك العارض في الأسنان، ولهذا قيل العارضان لما يبدو من جانبيها. ويقال: تهلل الرجل فرحًا، واهتل، إذا افتر عن أسنانه في التبسم.
[ ٦٩ ]
قال آخر، ويقال إنها لتأبط شرًا:
إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌ به لابن عم الصدق شمس بن مالك
لا يقال في الهدية إلا أهديت. ويقال في العروس: هديتها وأهديتها جميعًا. والأصل واحد، لأن المعنى على القصد والدلالة، فيقول: إني أمدح ابن عمي الكريم الصادق في الود شمس بن مالك، بما أقصد به راغبًا، وأنفذه إليه متحفًا. والمعنى: إني في غيبتي منه وحضوري له، مولعٌ بالثناء عليه، فلا أخليه من المدح في الحالتين جميعًا. واللام في قوله: لابن عم الصدق يجوز أن يتعلق بمهدٍ، يقال: أهديت له كذا، وعلى هذا تكون أعملت الفعل الأول، وما أهداه يكون محذوفًا لعلم السامع بأنه يريد شعره وتقريظه. وكان الأجود أن يقال فقاصدٌ إياه به، ويجوز أن يكون على قول من يزيد من في الواجب أن يكون قوله ثنائي مفعول مهدٍ، فيكون أهداه مذكورًا. ويجوز أن يتعلق اللام بقوله فقاصدٌ، يقال قصدته بكذا وقصدت له به. وعلى هذا تكون قد أعملت الفعل الثاني، وهو المختار إذا جمعت بين فعلين عند أصحابنا البصريين، ويقال هذا ثوب صدقٍ وأخو صدق، وضع الصدق موضع الفضل والصلاح. والتسمية بالشمس كالتسمية بالبدر والهلال. وذكر بعض المتأخرين أنه يروى شمس بن مالك بضم الشين، قال: ويكون هذا في أنه علمٌ لهذا الرجل فقط، كحجرٍ في أنه علم أبي أوسٍ الشاعر، وأبي سلمى في أنه علم أبي زهير الشاعر. والأعلام لا مضايقة فيها.
أهز به في ندوة الحي عطفه كما هز عطفي بالهجان الأوارك
عطف كل شيءٍ: جانبه. ويقال ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. وكأن القوس والرداء سميا عطافًا لاشتمالهما عند التوشح بهما على العطف. يقول: أحرك بالثناء جانبه كما حرك جانبي بعطيته، أي أسره بذلك حتى يرتاح ويطرب كما سرني حتى اهتززت. والهجان: الإبل البيض الكرام. والأوارك: التي رعت الأراك، يقال أركت الإبل فهي أركةٌ. وقال ابن السكيت: الأوارك التي ترعى الأرك، وهو نبتٌ. والندوة أصله الجمع، ويقال نداهم النادي، أي جمعهم.
[ ٧٠ ]
وانتدى القوم وتنادوا، إذا تجمعوا. ومنه دار الندوة. والندي: المجلس، والجميع أندية. ويقع لفظ هجانٍ للواحد والجمع، يقال ناقةٌ هجانٌ ونوقٌ هجانٌ، ومثله درعٌ دلاصٌ، ودروعٌ دلاصٌ، وذلك لأن فعالًا وفعيلًا يتشاركان كثيرًا، وكما جمع فعيلٌ فعالًا كذلك جمع فعالٌ فعالًا. ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد وحرف المد من كل واحدٍ بإزاء ما في الآخر؟ فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن فعالًا إذا كان جمعًا ينوى بحركاته وألفه أنها حركات بنائه وهو جمعٌ لا واحد، كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظرافٍ وكرامٍ، لا الكسرة التي في أول حمارٍ وإزارٍ، وكذلك ألفه فاعلمه.
قليل التشكي للمهم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك
المهم يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي هو القصد. يقول: هو صبورٌ على النوائب والعلات، لا يكاد يتألم مما يعروه من المهمات. واستعمل لفظ القليل والقصد إلى نفي الكل، وهذا كما يقال فلانٌ قليل الاكتراث بوعيد فلانٍ، والمعنى لا يكترث. وعلى ذلك قولهم: قل رجلٌ يقول كذا، وأقل رجلٍ يقول كذا. والمعنى معنى النفي، وليس يراد به إثبات قليلٍ من كثير. فإن قيل: من أي ساغ أن يستعمل لفظ القليل وهو للإثبات في النفي؟ قلت: إن القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتد به ولا يعرج عليه، لدخوله بخفة قدره في ملكة الفناء، والدروس والامحاء، فلما كان كذلك استعمل لفظه في النفي على ما في ظاهره من الإثبات محترزين من الرد، ومجملين في القول، وليكون كالتعريض الذي أثره أبلغ وأنكى من التصريح. وقوله: كثير الهوى طابق القليل بقوله كثيرٌ، من حيث اللفظ لا أنه أثبت بالأول شيئًا نزرًا فقابله بكثير. والمعنى أنه كثير الهم مختلف الوجه والطرق، لا يوقف منه على مدى غوره في الأمور، ولا يقف به أمله على فن لا يتجاوزه إلى الفنون. ويريد بالهوى الجنس وكذلك النوى، وهي وجهته التي ينويها. ومثله قول الآخر:
باق على الحدثان مختلف الشؤون
[ ٧١ ]
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرها جحيشًا ويعروري ظهور المهالك
الموماة: المفازة، ووزنه فعللةٌ، وجمعها موام. وإنما قال يمسي بغيرها ولم يقل يبيت، لأن قصده إلى أن يصفه بأنه يقطع في بياض نهاره مفازةً، ولو قال يبيت لم يتبين منه ذلك. فيقول: بقطع المفاوز لاكتساب المكارم، فتراه يكون نهاره بمفازةٍ فإذا أتى عليه المساء تجده في أخرى فريدًا وحيدًا - ويقال: حل فلانٌ جحيشًا، أي منفردًا - ويركب ظهور المهالك والمعاطب غير مستصحبٍ رفيقًا، ولا مستجمعٍ سلاحًا. وهذا كما يقال: أعروريت الفرس، إذا ركبته عريًا. وكانت طباعهم أن من كد نفسه وابتذلها، وتوحش في المهالك ولزمها، وتعرض للمعاطب ولم يتوقها، كان ذلك أدعى إلى ما ينوه به ويميزه عن رجال جنسه. وانتصب جحيشًا على الحال، وقولها بغيرها لا يجوز أن يكون مستقرًا فاعلمه.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي بمنخرقٍ من شدة المتدارك
قوله من حيث ينتحي يجوز أن يكون للممدوح، ويجوز أن يكون لوفد الريح، لأن المراد أنه يسبقه وإن أعطاه مهلةً. ومعنى ينتحي: يقصد. والشاعر إنما يصف خفته وتشمره وجده وتيقظه، فيقول: من حيث اعتمد في السير جاء سابقًا للريح بعدوٍ له واسعٍ من عدوه. المتدارك: المتتابع. وجعل العدو منخرقًا لاتساعه. والمتدارك: المتلاحق. ويقال: أدرك فلانٌ عدةً من أصحابه، أي لحقهم وشاهد أيامهم. وأخذ أبو تمامٍ هذا فزاد عليه وإن كان في لفظة ركاكة، فقال:
فمر ولو يجاري الريح خيلت لديه الريح ترسف في القيود
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل له كالئٌ من قلب شيحان فاتك
الكرى: النوم الخفيف، وكأنه مأخوذٌ من كريت، إذا عدوت عدوًا شديدًا. فقوله: خاط عينيه يريد مر فيه، وليس يريد التمكن منه حتى يجعل أجفانه كالمخيطة. ومنه قوله:
حتى تخيط بالبياض قروني
[ ٧٢ ]
وأضاف الكرى إلى النوم كما يضاف البعض إلى الجنس، كأن النوم لجنس الفعل، والكرى لما كان على جهةٍ مخصوصةٍ. يقول: إذا نام النومة التي أشار إليها لم يزل له رقيبٌ وحافظٌ من قلب رجلٍ جادٍ في الأمور، مفاجئ عريضٍ، وهذا الرجل هو هو. كأنه يريد إذا نام عينه لا ينام قلبه. والشيحان والشائح والشيح: الحذر الحازم. قال الهذلي:
وشايحت قبل اليوم أنك شيح
والفاتك: الذي يفاجئ غيره بمكروهٍ أو قتلٍ. وفي الحديث: الإيمان قيّد الفتك. وقال الدريدي: هو الذي إذا هم بالشيء فعل.
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلة من حد أخلق باتك
يروى:
إذا طلعت أولى العدي فنفره إلى سلةٍ
وهي أسلم الروايتين. والعدي: الرجالة الذين يعدون قدام الخيل. وهو اسم صيغ للجمع، كالكليب والضئين. وعلى الرواية الأولى يقول: لا يغفل قلبه عن التحفظ، وعينه ديذبانه إلى سل سيفه. فإن قيل: كيف يكون العين ديذبان القلب، وهذا يقول إذا نام بعينه لم ينم بقلبه، أم كيف تصح هذه الرواية وفيها يتكرر معنىً واحدٌ في مصراعى البيتين، وهل الواجب في هذا إلا أن يقال إن القلب هو ديذبان العين، لأن العين نائمةٌ والقلب منتبهٌ؟ قلت: إنه وصف حالتين، بالمتقدم صفة حال النوم، والثاني هو صفة حال اليقظة والمعنى أن العين رقيب القلب، والمنتظر لإظهار ما يكرهه وتغييره، فإذا كره القلب شيئًا كان العين صاحبه الذي يظهره، فهو ربيئته إلى نزع السيف وتجريده، وإنكار ما أنكره وتغييره. والأخلق: الأملس. والبانك: القاطع. وقوله " إلى سلةٍ " يجوز أن يكون إلى بمعنى مع، كما تقول هذا إلى ذاك، أي
[ ٧٣ ]
مع ذاك، ويجوز أن يكون المعنى أنها ربيئته إلى أن يستل سيفه، وبعد ذلك فالعمل للقلب، ويكون إلى الانتهاء. وقوله: من حد أخلق فيه توسع، لأن السيف يستل من الغمد فيصير مسلولًا. ألا ترى قوله:
إذا سل من جفنٍ تأكل أثره على مثل مصحاة اللجين تأكلا
وهذا جعل الجفن مسلولًا والسيف مسلولًا منه. ألا ترى قوله: إلى سلةٍ من حد أخلق، فهو في ذلك كقولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي.
إذا هزه في عظم قرنٍ تهللتنواجذ أفواه المنايا الضواحك
مثله قول الآخر:
سقاه الردى سيفٌ إذا سل أومضت إليه تنايا الموت من كل مرقب
وإن كان هذا وصف السيف وقوة صاحبه في الضرب. والمعنى أنه متى حركه في الضريبة ضحك الموت علمًا بظفره بالمضروب. وذكر التهلل والناجذ مثلٌ وتصويرٌ للمراد. وقوله المنايا الضواحك. أي التي من شأنها أن تضحك عند الظفر بمطلوبها، وإنما قال في عظم قرن إيذانًا بأنه لا يتعرض له إلا من يقارنه بأسًا وشدة، وكذلك هو لا يعمل هذا السيف إلا في عظم من يقارنه حزمًا ونجدةً، ونسبة التهلل إلى النواجذ مجاز وسعةٌ، وهذا كما يقال سر فلانٌ بكذا حتى صار لكل سنٍ له ضحكٌ. وقد سميت ما يبدو من الأسنان عند الضحك الضواحك.
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
قوله: يرى الوحشة الأنس أي ذلك مذهبه. وهذا كما يقال هو يرى رأى أبي حنيفة، أي يذهب مذهبه. فيقول: أنس هذا الرجل التام في التفرد الذي يعده غيره وحشةً. وإتباعه الأنس الأنيس تأكيدٌوإظهارٌ مبالغة. وهذا كما قيل: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء. وهم يبنون من لفظ الشيء ما يتبعونه به طريق التأكيد. وقوله: يهتدي بحيث اهتدت يصف علمه بالطرق واستغناءه عن الدليل. وقد قيل في أم النجوم إنه الشمس، وقيل هو المجرة. والمعنى أنه يهتدي بحيث تهتدي الشمس.
[ ٧٤ ]
ويسمى معظم الشيء أمه. والشمس أعظم الكواكب. ويسمى جامع الأشياء أمها، يعنى أنها تأوي إليه. والشوابك: المشتبكة. وإذا جعلت أم النجوم المجرةفيجوز أن يكون المعنى أن يهتدي بالكواكب التي تجمعها، فجعل الفعل لها لاجتماعها فيها. ويجوز أن يكون المعنى أنه يستغني عن الدليل كما تستغني تلك.
قال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال إنها لبشامة بن جزءٍ النهشلي:
إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
يقول: إنا مسلمون عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام وسقيتهم فأجرينا مجراهم فإنا منهم. والأصل في التحية أن يقال حياك الله، ثم استعمل في غيره من الدعاء عند اللقاء. وأما قوله:
ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية
فالمراد به تحية الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن! وقيل في سقيت إن معناه: إن دعوت لأماثل الناس بالسقيا فادعي لنا أيضًا. والأشهر في الدعاء أن يقال فيه سقيت فلانًا فيثقل، " والحجة في التخفيف قول أبي ذؤيب:
سقيت به دارها إذ نأت وصدقت الخال فيه الأنوحا "
وعلى هذا يكون في الكلام إضمار، كأنه قال: وإن سقيت بظهر الغيب الكرام بالدعاء عند ذكرهم فافعلي بنا مثله، وقولي سقاكم الله. وقد فصل بعضهم بين سقيت وأسقيت بأن قال: أسقيته: جعلت له سقيا يفعل بها ما شاء، وسقيته: أعطيته ماءً لفيه. ومثله كسوته وأكسيته، لأن معنى كسوته ألبسته، وأكسيته جعلت له كسوة، وبعضهم يجعلهما سواءً، ويحتج ببيت لبيد:
سقى قومي بني مجدٍ وأسقى نميرًا والقبائل من هلال
[ ٧٥ ]
وإذا فصل بينهما في البيت لم يختل به لفظًا ولا معنىً، كما أنه إذا سوي بينهما لم يختل معنىً ولا لفظًا، فكأنه لا حجة فيه لواحدٍ من القولين. والقصد في الدعاء بالسقيا إلى أن يمد الله المدعو له بما يزيد في نمائه ونضارته. ألا ترى الآخر قال لما دعا على ما تسخطه:
إذا سقى الله أرضًا صوب غاديةٍ فلا سقاهن إلا النار تضطرم
فذكر ما يحرق ويستأصل.
وإن دعوت إلى جلى ومكرمةٍ يومًا سراة كرام الناس فادعينا
جلى فعلى، أجراها مجرى الأسماء ويراد بها جليلةٌ. كما يراد بأفعل فاعلٌ وفعيلٌ، نحو قوله تعالى: " وهو أهون عليه "، أي هين؛ وكما قال:
فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد
أي بواحدٍ؛ وكقولك: الله أكبر، تريد كبير. يقول: إن أشدت بذكر خيار الناس بجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضت وسنحت، فأشيدي بذكرنا أيضًا. وهذا الكلام ظاهره استعطافٌ لها، والقصد به التوصل إلى بيان شرفه واستحقاقه ما يستحقه الأفاضل الأشراف، والأماثل الكرام. ولا سقى ثم ولا تحية ولا دعاء ولا مغاثة. ألا ترى كيف اشتغل بمقصوده من الافتخار فيما يتلو هذا البيت. وهم كما يتخلصون من التشبيبات وغيرها إلى أغراضهم على اختلافها فإنهم قد يتوصلون بمبادئ كلامهم إلى أمثالها، فتقل المؤونة، وتخف الكلفة. ولهذا نظائر وأشباهٌ تجيء فيما بعد. والسراة في الناس، والشراة بالشين معجمةً في المال والخيل. وفي حديث أم زرع: " فنكحت بعده رجلًا سريًا، ركب شريًا، وأخذ خطيًا، وأراح على نعمًا ثريًا ". والجلى بالألف واللام: تأنيث الأجل، كما يقال الأكبر والكبرى، وكما قيل السبع الطول جمع الطولى. ولا يحذف الألف واللام منه حينئذ، لأن أصله يكون أفعل الذي يتم بمن. ويقال لكل ما علا شيئًا: جلله، ومنه الجلالة.
[ ٧٦ ]
إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
ندعي: نفتعل من الدعوة. وقوله " عنه " تعلق به. ويقال ادعى فلانٌ في بني هاشمٍ، إذا انتسب إليهم؛ وادعى عنهم، إذا عدل بنسبه عنهم. وهذا كما يقال: رغبت في كذا ورغبت عن كذا. وقوله: " لأبٍ " أي من أجل أبٍ ولمكان أبٍ. وانتصاب " بني " على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر بني نهشل. وهذا على الاختصاص والمدح. وخبر إن " لا ندعي ". ولو رفع فقال: بنو نهشلٍ، على أن يكون خبر إن لكان لا ندعي في موضع الحال. والفصل بين أن يكون اختصاصًا وبين أن يكون خبرًا صراحًا: هو أنه لو جعله خبرًا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، أو جهلٍ من المخاطب بشأنهم. فإذا جعل اختصاصًا فقد أمن هو الأمرين جميعًا. فقال مفتخرًا: إنا نذكر من لا يخفى شأنه، لا نفعل كذا وكذا. وإنما قلت خبرًا صراحًا، لأن لفظ الخبر قد يستعار لمعنى الاختصاص، لكنه يستدل على المراد منه بقرائنه؛ على هذا قوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
ومعنى البيت: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، لأنه قد رضي كلٌ منا بصاحبه، علمًا بأن الاختيار لا يعدوه لو خير فاختار. ويقال: شريت الشيء بمعنى بعته واشتريته جميعًا، ومنه الشروى، وهو المثل.
إن تبتدر غايةٌ يومًا لمكرمةٍ تلق السوابق منا والمصلينا
يقال: بادرته مكان كذا وكذا، وإلى مكان كذا. قال:
فبادرها ولجات الخمر
وكذلك يقال: ابتدرنا الغاية وإلى الغاية. وقوله: " لمكرمةٍ " أي لاكتساب مكرمةٍ. ويجوز أن يكون اللام مضيفةً للغاية إلى المكرمة، كأنه يريد تسابقهم إلى
[ ٧٧ ]
أقصاها. يقول: إن تستبق نهاية مجدٍ أو غاية مكرمةٍ تر السابقين منا والتالين أيضًا منا. وإنما قال " المصلين ولم يقل المصليات مع السوابق، لأن قصده إلى الآدميين، وإن كان استعارهما من صفات الخيل. ويجوز أن يكون أخرج السابق لانقطاعه عن الموصوف في أكثر الأحوال، ولنيابته عن المجلي وهو اسم الأول منها إلى باب الأسماء فجمعه على السوابق، كما يقال كاهلٌ وكواهل، وغاربٌ وغوارب. والمصلى هو الذي يتلو السابق فيكون رأسه عند صلاه. والصلوان: العظمان الناتئان من جانبي العجز. وقال الدريدي: هو العظم الذي فيه معرز عجب الذنب. وقال بعض أهل اللغة: هما عرقان في موضع الردف.
ليس يهلك منا سيدٌ أبدًا إلا افتلينا غلامًا سيدًا فينا
نبه بهذا الكلام على أن من يستحق السيادة فيهم يكثر ولا يقل، فمتى درج منهم رئيسٌ ترشح لسد مكانه واحدٌ. وهذا مثل قوله:
وإني من القوم الذين هم هم إذا ما ت منهم سيدٌ قام صاحبه
والافتلاء: الافتطام والأخذ عن الأمر، ومنه الفلو. والمعنى هنا الترشيح والتهيئة والصرف عما عليه إلى الرياسة. وأبدًا في المستقبل بمنزلة قط في المضي. والقصد أنهم كل وقتٍ على ذلك، فلا يحتاجون إلى الاستعانة بالأجانب دون الأقارب. والأبد: الدهر، وقيل سميت الوحش أوابد لأنها تعمر على الدهر، حتى لا تموت إلا بآفة. وأن يكون من التأبد التوحش أحسن، وإن أمكن رد الكل إلى أصلٍ واحد.
إنا لنرخص يوم الروح أنفسنا ولو نسام بها في الأمن أغلينا
أغلينا الألف للإطلاق، والنون ضمير الأنفس، ومعنى أغلين وجدت غاليةً أو جعلت غاليةً. وهو هكذا أجود، وليس يريد أنهم مع الغلاء يمكنون منها، بل المراد قطع المقدرة عنها. ومثل هذا:
نعرض للسيوف بكل ثغرٍ خدودًا لا تعرض للسباب
[ ٧٨ ]
فيقول: نبتذل أنفسنا في الحروب ولا نصونها، ولو عرض علينا إذالتها في غيرها لامتنعنا. وهذا لحرصهم على تخليد الذكر الجميل، والأبانة عن محل النفس في الشجاعة. والرخص في السعر: سهولته ولينه، وهو من قولهم فيما أظن امراةٌ رخصةً، إذا كانت ناعمةً. وقوله: ولو نسام بها أي نحمل على أن نسوم بها. ويقال سام بسلعته كذا وكذا، واستام أيضًا، وأغلى السوم والسيمة. وأسمته أنا، أي حملته على أن سام. ولا يمتنع أن يكون قولهم: سمته خسفًا، أصله من ذاك وإن استعمل في المكروه، ومنه قوله تعالى: " يسومونكم سوء العذاب ". وفي البيت طباقٌ بذكر الإرخاص والإغلاء، والروع والأمن، في موضعين، وهو حسنٌ جيد.
بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
يروى: بيض معارفنا، وهي الوجوه. والمراد بذلك نقاء العرض وانتفاء الذم والعيب. ويقال: امرأةٌ حسنة المعارف، أي الوجه بما يشتمل عليه. وقيل الأنف وما والاه. وقيل: الحسن في الأنف، والملاحة في الأسنان. وواحد المعارف معرفٌ ومعرفٌ، وكأن الوجه سمي بها لأن معرفة الأجسام وتمييزها تقع بها. والأشهر والأحسن بيضٌ مفارقنا. ويجوز أن يكون أراد ابيضت مفارقنا من كثرة ما نقاسي الشدائد. وهذا كما يقال أمرٌ يشيب الذوائب. وفي القرآن: " يومًا يجعل الولدان شيبا ". وتغلي مراجلنا أي حروبنا، كقول الآخر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا لانحسار الشعر عنها، باعتيادنا لبس المغافر والبيض، وإدماننا إياه، ويكون هذا كما قال:
قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نومًا غير تهجاع
[ ٧٩ ]
وتكون المراجل على هذا كنايةً عن الحروب أيضًا. ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا من كثرة استعمالنا للطيب، ويكون كقول الآخر:
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقة
ويكون على هذا معنى تغلي مراجلنا أي قدورنا للضيافة، ويجوز أن يريد: مشيبنا مشيب الكرام، لا مشيب اللئام. وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
وشبت مشيب العبد في نقرة القفا وشيب كرام الناس فوق المفارق
وعلى هذا يحمل المراجل على أن المراد بها قدور الضيافة. فأما قوله: نأسو بأموالنا آثار أيدينا فإنما يريد ترفعهم عن القود ودفع أطماع الناس عن مقاصتهم، فيداوون جراحاتهم ببذل الأروش والديات. والأسو: مداواة الجرح وإن استعمل في موضع الإصلاح. قال:
والأساة الشفاة للداء ذي الري بة والمدركون للأوغام
ويقال للضار النافع: يشج ويأسو. ومنه اشتقاق الإسوة، ويقال الأسوة أيضًا. ويروى أن مصعب بن الزبير لما انهزم الناس عنه يوم مسكن جعل يقاتل ويتمثل:
وإن الأولى بالطف من آل هاشمٍ تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم، وسلامةٌ مما يجلب عليه التهجين.
إني لمن معشرٍ أفنى أوائلهم قول الكماة ألا أين المحامونا
يقاربه قول الخنساء:
أقلت مساماة الرجال عديدنا
فيقول مفتخرًا إني لمن قومٍ أهلك أسلافهم قول الأبطال لهم ألا أين الذابون والمحامون؟ فكانوا يتقدمون ويفنون. والكماة: جمع الكمي، وهو من قولهم كمى
[ ٨٠ ]
شهادته، إذا كتمها؛ لأن الشجاع يستغني بالفعال، عن الدعوى والمقال، فكأنه يستر أمره وشأنه لوقت الحاجة، ولأنه إذا سكت دل على صفاته بلاؤه.
لو كان في الألف منا واحدٌ فدعوا من فارسٌ خالهم إياه يعنونا
يعني بقوله فدعوا أعلنوا الاستغاثة بيال فلانٍ، ومن فتىً، وما أشبهه. ويقال خلته أخاله خيلًا ومخيلةً وخيلانًا. وهذا مثل قول طرفة:
إذا القوم قالوا من فتىً خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وقد زاد هذا عليه بقوله لو كان فى الألف منًا واحدٌ ". لأن ذلك قال:
إذا القوم قالوا من فتىً، فنصب نفسه مع قومه؛ وهذا جعله منضمًا مع الكثرة إلى الغرباء. وإنما قال: من فارسٌ فنكر، كما قال طرفة: من فتى فنكر. ولم يعرف واحدٌ، منهما، لأن السؤال بالمنكر لشدة إبهامه يكون أشمل لتناوله واحدًا واحدًا لا سيما وليس القصد في الاستفهام إلى معهودٍ معين، ولا إلى الجنس فيقال: من الفتى، ومن الفارس. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
إذا القوم قالوا من فتىً لعظيمةٍ فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
وبيت بشامة أجود الثلاثة. وقد أحسن الفرزدق كل الإحسان لما أشار إلى هذا المعنى فقال:
إذا ما قيل يا لحماة قومٍ فنحن بدعوة الداعي عنينا
إذا الكماة تنحوا أن ينالهم حد الظبات وصلناها بأيدينا
إنما قال حد الظبات - وظبة: السيف حده - لأنه أراد المضارب بأسرها. وكما صلح أن يقال أصابته ظبة السيف صلح أن يقال حد الظبة. وقيل الظبة: طرف السيف، والشباة حد طرفه. يقول: إذا الأبطال تباعدوا عن المصادمة والمكافحة، مخافة أن ينالهم حد السيوف مددنا أبواعنا إليهم بها أو وصلناها، وفي هذا المعنى قوله:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا للتضارب
[ ٨١ ]
وقوله تنحوا أن ينالهم أي تنحوا أن ينالهم، ومخافة أن ينالهم؛ فلما حذف من وصل الفعل فعمل. وعلى هذا قولهم: تحصن فلانٌ أن يطلب، وقول الله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا ". وقوله: وصلناها بأيدينا أي إذا عجزت جعلنا وصلها أيدينا. وهذه الأبيات إذا تؤملت فكلٌ منها غاية يدعو إلى نفسه لفظًا ومعنىً.
ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم مع البكاة على من مات يبكونا
يصف تعودهم للثكل، وإلفهم للمصائب والقتل، وأن قلوبهم قد مرتت عليها حتى قست، فلا يبكون مع البكاة على من قتل منهم. ومثله قول عمرو بن كلثوم:
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا على هالكٍ أو أن نصيح من القتل
ونركب الكره أحيانًا فيفرجه عنا الحفاظ وأسيافٌ تواتينا
يجوز أن يكون هذا كما قال الآخر:
فحالفنا السيوف على الدهر
ويجوز أن يكون أراد بالسيوف كأنهم السيوف مضاءً ونفاذًا. والأول أولى. وإنما يصف خطارهم بمهجهم، وركوبهم المهالك، ورميهم بأنفسهم المرامي المعطبة. فيقول: إذا فعلنا ذلك في الوقت بعد الوقت، وسعت المضايق عنا محافظتنا على الكرم وصبرنا على الشدائد، واستعمالنا سيوفنا المطاوعة لنا. ومعنى يفرجه: يكشفه ويوسعه. ويقال: فرج الله غمّه وفرجه، بالتخفيف والتشديد. ومنه سمي ما بين القوائم: الفروج. وإطلاق لفظ الفرج على العورة يجري مجرى الكنايات. وعلى هذا قيل: رجلٌ فرجةٌ، إذا كان كشافًا لأسراره.
عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، ويقال إنه للسموءل ابن عاديا اليهودي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداءٍ يرتديه جميل
[ ٨٢ ]
يقال: دنس دنسًا، وتدنس تدنسًا، إذا تكلفه. فيقول: إذا لم يتدنس الرجل باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس لبسه بعد ذلك كان حسنًا جميلًا. وذكر الرداء ها هنا مستعار، وقد قيل: ردَّاه الله رداء عمله، فجعل كنايةً عن مكافأة العبد بما يعمله، أو تشهيره به، كما جعله هذا الشاعر كنايةً عن الفعل نفسه. وتحقيقه: فأي عملٍ عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنًا. واللؤم: اسمٌ لخصالٍ تجتمع، وهي البخل واختيار ما تتقيه المروءة، والصبر على الدنية، ودناءة النفس والآباء. وإذا يتضمن معنى الجزاء، والفاء مع ما بعده جوابه. وليس هنا من قول عمرو بن معد يكرب:
ليس الجمال بمئزرٍ فاعلم وإن رديت بردا
فيعتقد أنه يريد بالرداء الثياب بسبيلٍ، فاعلمه.
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
يقول: إذا المرء لم يحمل ظلم نفسه عليها، ولم يصبرها على مكارهها، فليس له طريقٌ إلى الثناء الحسن. وهذا يشير إلى كظم الغيظ، واستعمال الحلم، وترك الظلم والبغي مع ذويه، والصبر على المشاق، وإهانة النفس في طلب الحقوق؛ لأن من تعود هذه الأشياء علا ذكره، وحسن ثناؤه. ويقال: ضامه ضيمًا، وهو مضيمٌ، إذا عدل به عن طريق النصفة واهتضمه. ومنه قيل: قعد في ضيم الجبل، أي في ناحيةٍ تنعدل إليه. وكما استعمل الضيم من ضام، كذلك استعمل الهضم واحد أهضام الوادي من هضم. ويبعد من طريق المعنى أن يريد بقوله ضيمها ضيم الغير لها فأضاف المصجر إلى المفعول، لأن احتمال ضيم الغير لهم يأنفون منه، ويعدونه تذللًا.
تعيرنا إنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
يقال عيرته كذا، وهو المختار الحسن، وقد جاء عيرته بكذا. قال عديٌ:
أيها الشامت المعير بالده ر أأنت المبرأ الموفور
والمعنى أنكرت منا قلة عددنا فعدته عارًا، فأجبتها وقلت إن الكرام يقلون. والكرم: اسمٌ لخصالٍ تضاد خصال اللؤم، وقد ذكرناها. وهذا الاعتراف الذي حصل
[ ٨٣ ]
منه إنما هو اعترافٌ بقلة العدد لا بقلة القدر والغناء، ألا ترى أنه رجع عليه بالنفي في البيت الثاني فقال:
وما قل من كانت بقاياه مثلنا
على أن قوله إن الكرام قليل يشتمل على معانٍ كثيرة: وهي ولوع الدهر بهم، واعتيام الموت إياهم، وقلة النسل فيهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم، وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ابتناه أسلافهم. وكل ذلك يقلل العدد، ويقصر المدد. وقليلٌ وكثيرٌ يوصف بهما الواحد والجمع.
وما قل من كان بقاياه مثلنا شبابٌ تسامى للعلا وكهول
الهاء من قوله بقاياه راجعة إلى لفظ من لأن معناه الكثرة. ولو رد عليه لقال بقاياهم. يقول: وما حصلت القلة في القدر والغناء، ولا لحقت الذلة في اللقاء والدفاع لأسلافٍ أخلافهم نحن، شبانٌ وكهولٌ يتسامون في اكتساب المعال، ن ويترقون في درجات الفضل. وشبابٌ مصدرٌ في الأصل ووصف به، ولذلك لا يثنى ولا يجمع. يقال شب الصبي يشب شبابًا. وقوله تسامى أراد تتسامى، فحذف إحدى التاءين استثقالًا للجمع بينهما. فإن قلت: هلا أدغمت كما أدغمت في ادراك - والأصل تدارك؟ قلت: ليس هذا موضع إدغام، لأنه فعل مضارع. ألا ترى أنه لو أدغم لاحتيج إلى جلب ألف الوصل لكون أوله، وألف الوصل لا يدخل على الفعل المضارع. والكهل: الذي قد وخطه الشيب، ومنه اكتهل النبت، إذا شمله النور.
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
في هذا الكلام تعريض بعشيرة من جاذبه الكلام. يقول: وما يضرنا قلة عددنا وجارنا في عزٍ، وجار من لهم العدد والكثرة في ذل. وقوله: وما ضرنا يجوز أن يكون ما حرف نفي، والمعنى لم يضرنا؛ ويجوز أن يكون اسمًا مستفهمًا به على طريق التقرير، والمعنى أي شيء يضرنا. والواو من قوله: وجارنا عزيزٌ واو الحال، أي لا يضرنا ذلك والحال هذا. وكذلك الواو من قوله: وجار الأكثرين ذليل واو الحال. وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو كانا لذات واحدة لم يصلح. والعز والعزازة استعمل في القدرة والمنع، وفي الصلابة
[ ٨٤ ]
والشدة. ويقال: تعزز اللحم، لأن الكل يرجع إلى أصل واحد. كما ان الذل والذل الذي هو ضده استعمل في الانقياد والسهولة واللين والوطاءة، إذ جميعه يدعو إلى شيءٍ واحد. وفي طريقته:
فجارك عند بيتك لحم ظبيٍ وجاري عند بيتي لا يرام
وقول الآخر:
وهم يمنعون جارهم أن يقردا
لنا جبلٌ يحتله من نجيره منيعٌ يرد الطرف وهو كليل
ومثله:
لنا هضبةٌ لا يدخل الذل وسطها ويأوي إليها المستجير ليعصما
وأراد بذكر الجبل العز والسمو. فيقول: لنا جبل عزٍ يدخله من ندخله في جوارنا، ممتنعٌ على طالبه، يرد لإشرافه وسموقه طرف الناظر إليه وهو حسير. ومنيعٌ: اسم الفاعل من منع مناعةً ومناعًا، ومنه المنعة. ويجوز أن يكون فعيلًا في معنى مفعول، أي ممنوع منه، وكما استعمل المنيع في العز استعمل أيضًا في العفة، فقيل امرأة منيعةٌ وممتنعةٌ أي عفيفةٌ. وحل واحتل بمعنىً. والطرف: النظر والعين جميعًا. وقال الدريدي: طرف العين امتداد لحظها.
رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرعٌ لا ينال طويل
رسا الجبل: ثبت أصله في الأرض. ومنه رست السفن، إذا انتهت إلى قرار البحر. والرسو والرسوخ يتقاربان. والثرى: الندى. وما تحت الأرض ثرىً. ويقال: ثرىً ثريٌ، على المبالغة. يقول: ثبت أصل هذا الجبل - وهو يريد العز على ما بينت - تحت الأرض وارتفع به أعلى طويلٌ لا ينال إلى محل النجم. والمراد: عزنا أصله تحت الأرض السابعة، وفرعه عند النجم. ومعنى لا ينال: لا يوصل إليه ولا يحصل
[ ٨٥ ]
مثله. وكما كان يقال في الرفيع الشأن العالي القدر: هو في النجم وهو في السكاك، وكان قصده في الفرع أنه مديدٌ حتى اتصل بالنجم، زاده صفةً فقال طويل. وقد طابق الرسو بالسمو، كما قابل الأصل بالفرع. ونقله أبو تمامٍ فقال:
لنا نبعةٌ فرعها في السماء وفي هامة الحوت أعراقها
وإنا لقومٌ ما نرى القتل سبةً إذا ما رأته عامرٌ وسلول
كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبةً، حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تعرى منه، لكنه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى. وقد جاء في الصلة مثل هذا، وهو فيه أفظع، قال:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
والوجه سمته حتى لا يعرى الصلة من ضمير الموصول. قال أبو عثمان المازني: لولا صحة مورده وتكرره لرددته. فضل عشيرته في الصبر على الموت، والثبات في الحرب على عامرٍ وسلول، وهما قبيلتان. فيقول: إذا حسب هؤلاء القتل والقتال عارًا ومنقصةً عدهما عشيرتي فخرًا ومكرمةً. والسبة: ما يسب به، كما أن الخدعة ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وهذا كما يقال: فلانٌ يقطع أعراض الناس. وقوله: ما نرى أي لا نجعل ذلك مذهبًا.
يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
قوله: يقرب حب الموت أي حبنا للموت. وجعل في مقابلته: وتكرهه آجالهم لأنه يشتمل على ما يوفيها حقها من اللفظ. وإن كانت من حيث المعنى قد حصلت: ويبعد بغضهم إياه آجالهم. ويكون الشاعر ملمًا في المصراع الأول بقول الآخر:
رأيت الكريم الحر ليس له عمر
لأنه يشير إلى أنهم يعتبطون لاقتحامهم المنايا، وحرصهم على ملابسة الحروب، وأن أولئك يعمرون لمجانبتهم الشرور، وزهدهم في مجاذبة العدو. ويجوز
[ ٨٦ ]
أن يكون أضاف الحب من قوله حب الموت إلى الفاعل، فيكون المعنى: يقرب حب الموت لنا آجالنا، ويكون هذا كقول طرفة:
أرى الموت بعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
ويكون على هذا قوله وتكرهه آجالهم محمولًا على أنه إذا كرهت آجالهم الموت فقد كره الموت آجالهم أيضًا. ألا ترى قول دريد:
أبى القتل إلا آل صمة إنهم أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
وقول متمم:
أرى الموت طلاعًا على من ترفعا
وإذا كان كذلك فالتقابل في هذا الوجه حاصلٌ أيضًا. وبعضهم روى: يقصر حب الموت واختاره، ليكون القصر بإزاء الطول. وهم لا يراعون مثل هذا إذا تناسبت المعاني وتقابلت، ويكون ذلكمنهم كالمتبرئ من التكلف. ألا ترى أبا ذؤيب الهذلي قال:
وشيك الفصول بعيد القفول إلا مشاحًا به أو مشيحا
وقد كان يمكنه أن يقول بطيء القفول فلم يراع ذلك. وقد أحسن عنترة كل الإحسان في سلوك هذه الطريقة، حين قال:
ليس الكريم على القنا بمحرم
وما مات منا سيدٌ حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل
حتف انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا هو محتوف. وليس هذا مثل تبسمت وميض البرق، فاعلمه. يقول: لم يمت رئيسٌ منا على فراشه، بل
[ ٨٧ ]
مات ميتةً كريمةً في الحرب تحت ظلال السيوف والرماح، ولا أبطل دم قتيلٍ منا حيث كان، وعلى يد من اتفق. وهذا غاية ما يتحمد به الفتاك وأبناء الحروب، حتى إن بعضهم اعتذر عمن مات على فراشه فقال:
بحمد من سنابك لا بذم أبا قران مت على مثال
وفي هذه الطريقة قوله:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
وقوله: مات حتف أنفه يقال إن أول من تكلم به النبي ﷺ. وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، لا دفعةً واحدة. ويقال خص الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الرمق. ويقال: طل دمه يطل طلًا، إذا أهدر.
تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير السيوف تسيل
يروى: تسيل على حد السيوف نفوسنا. ولم يقل وليست على غيرها تسيل في الروايتين، لأنهم يكررون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولاسيما إذا قصدوا التفخيم بها. كما قال عديٌ:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وفي الرواية الثانية - وهي المشهورة - أضاف الحد إلى الظبات. وهذا فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد بالظبات السيوف كلها ثم أضاف الحد إليها، والمعنى: تسيل على حد السيوف دماؤنا وليست تسيل على غيرها. وهذا كما يسمى السيف كما هو نصلًا، وكما يسمى السهم نصلًا كما هو. والثاني أن إضافة الحد إلى الظبات كإضافة البعض إلى الكل، ويكون التقدير: تسيل على الحد من الظبات، وتكون الظبات مضارب السيوف. فإن قيل: كيف تبجح بأن تكون دماؤهم تسيل على حد السيوف لا على غيره؟ قلت: إن الدماء قد تسال بالعصي وبغيرها مما لا يكون شرفًا،
[ ٨٨ ]
فعد القتلة التي تكون بالسيف أكرم. ألا ترى أن بني أسدٍ يسمون عبيد العصا لما كان حجرٌ أبو امرئ القيس حين أوقع بهم قتلهم بها، لتكون قتلتهم ذميمة. وقد قتل كثير منهم بالجلاميد والصخور، ولذلك قال بعضهم:
جلاميد أملاء الأكف كأنها رؤوس رجالٍ حلقت في المواسم