ولا نقاتل بالعص ي ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بدا هة سابحٍ نهد الجزاره
وإذا كان الأمر على هذا فمعنى التبجح أن تكون منيتهم بالسيوف ظاهرة. وأما قوله:
لو بأبانين جاء يخطبها رمل ما أنف خاطبٍ بدم
فإن الفحل الهجين إذا تعرض للناقة الكريمة قرع أنفه بالعصا وضرب وجهه بها، فهو من ذاك مأخوذ.
صفونا فلم نكد وأخلص سرنا إناثٌ أطابت حملنا وفحول
أشار بهذا الكلام إلى كرم المناصب والمناسب، وطيب المنبت والمغرس. فيقول: صفت أنسابنا فلم يشبها كدورةٌ. وخلص نكاحنا أمهاتٌ طيبت حملنا، وآباءٌ كرمت عروقنا. ويقال: كدر الماء يكدر كدرًا وكدورًا وكدورةً، وهو أكدر وكدرٌ. وفي ضده صفا الماء يصفو صفوًا؛ والصفاء الاسم. ومن أمثالهم: خذ ما صفا ودع ما كدر. والسر: النكاح. وسر الشيء: خالصه. ويجوز أن يكون قولهم سريةٌ فعلية من هذا.
علونا إلى خير الظهور وحطنا لوقتٍ إلى خير البطون نزول
يصف ترددهم في شرف المصعد والمنحدر، وكرم العنصر والمتحول، كما ذكر طهارة المنكح والمولد، وجلالة المعتلى والمستقر، فيقولك علونا في خير الظهور، أي حصلنا في أعلى المراتب من ظهور أكرم الآباء، وحدرنا منها لوقتٍ معلومٍ - يشير
[ ٨٩ ]
إلى وقت الأطهار - نزولٌ إلى خير البطون من أشرف الأمهات. والمعنى أنا كرام الأطراف. وهذه الأبيات إذا تؤملت أدى التأمل منها إلى سلامة اللفظ والمعنى من كل معاب. وحصول الفخامة والجلالة لها في كل جانبٍ وبابٍ.
فنحن كماء المزن ما في نصابنا كهامٌ ولا فينا يعد بخيل
ماء المطر أصفى المياه عندهم، فشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر. والمزن: السحاب. وقوله: ما في نصابنا كهامٌ، أي ليس فينا كليل الحد، ولكن كلٌ منا ماضٍ نافذٌ، ولا فينا بخيل فيعد. وهو نفيٌ للبخل رأسًا، وليس يريد أن فيهم بخيلًا ومع ذلك لا يعد. ومثله:
ولا ترى الضب بها ينجحر
أي ليس بها ضبٌ رأسًا فينجحر، ومثل هذا كثير. ويقال كهم وكهم يكهم ويكهم كهامةً، فهو كهامٌ وكهيمٌ. يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كل.
ننكر إن شينا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
هذا مثل قول الآخر:
وما يستطيعالاس عقدًا نشده وننقضه منهم وإن كان مبرما
يصف رياستهم وعلو كلامهم ونفاذ حكمهم، ورجوع الناس في المهمات إلى رأيهم، والاعتماد على تدبيرهم ومشورتهم. فيقول: نغير ما نريد تغييره من قول غيرنا، وأحدٌ لا يجسر على الاعتراض علينا، والإنكار لقولنا، انقيادًا لهوانا، واقتداءً بحزمنا. وهذا كما قال الأعشى:
كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا
إذا سيدٌ منا خلا قام سيدٌ قؤولٌ لما قال الكرام فعول
[ ٩٠ ]
يشبهه قول حاتم:
إذا مات منا سيدٌ قام بعده نظيرٌ له يغني غناه ويخلف
وقول عروة:
إذا مات منهم سيدٌ قام بعده على مجده غمر المروءة سيد
وما أخمدت نارٌ لنا دون طارقٍ ولا ذمَّنا في النازلين نزيل
أراد بقوله نارٌ لنا نار الضيافة. يقول: نديم إيقادها فلا تطفا دون طارق ليلٍ. والضيف إذا فارقنا حمدنا ولم يذممنا، لحسن توفرنا عليه، واحتفالنا عند سوق الخير إليه. والنزيل، كالرفيق والجليس والأكيل. والطروق يختص بالليل. وسمي النجم طارقًا لذلك.
وأيامنا مشهورةٌ في عدونا لها غررٌ معلومةٌ وحجول
يقول: وقعاتنا مشهورةٌ في أعدائنا معلومةٌ، فهي بين الأيام كالأفراس الغر المحجلة بين الخيل، يعرف بلاؤنا فيها، وحسن آثارنا عند النهوض لها. وهذا كما قال:
ولما يكن يومٌ أغر محجل
والتحجيل: أن يبيض من الأوظفة مواضع الحجل، وهو القيد والخلخال. فإذا ارتفع التحجيل حتى يبلغ الفخذين فما فوق فهو التجويف. قال طفيلٌ:
شميط الذنابي جوفت فهي جونةٌ
وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ بها من قراع الدار عين فلول
مثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائب
[ ٩١ ]
يقول: قد تفللت سيوفنا بما نضارب بها الأعداء، في مشارق الأرض ومغاربها. وقال: من قراع الدارعين، لأن الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منهم؛ وفي أكمل الاستعداد لهم. وقوله: في كل غربٍ ومشرقٍ ظرف لقراع الدارعين. أي بأسيافنا فلولٌ من القراع في كل غربٍ ومشرق.
معودةً ألا تسل نضالهافتغمد حتى يستباح قبيل
مثله قول الآخر:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت
وانتصب معودةً على الحال. ويجوز أن ترفع على أن تكون خبر ابتداءٍ مضمر، والعامل فيه إذا كان حالًا ما يدل عليه قوله: بها من قراع الدارعين فلول. فيقول: عودت سيوفنا ألا تجرد من أغمادها فترد فيها إلا بعد أن يستباح بها قبائل. ويقال: عودته كذا فتعوده واعتاده. والعادة من العود وهو الرجوع، ولذلك قالوا للمواظب على الشيء: هو معاودٌ له. وقوله فتغمد، يقال غمدت السيف وأغمدته، وأصله الستر، ومنه تغمده الله برحمته.
سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم وليس سواءً عالمٌ وجهول
يروى: عنا فتخبري. كأنه استدل على تصحيح ما ادعاها من الخصال التي عددها بشهادة الناس له وتصديقهم مقاله. يقول: سلي الناس عنا إن جهلت ما حكيته من أفعالنا حتى تخبري فتؤمني به وتسكني إليه، فليس العالم بالشيء كالمخمن أو المجوز أو الشاك أو الحادس أو المقدر. والعلم قد يحصل بإخبار المخبرين كما يحصل بالمشاهدة، فلذلك دعاها إلى ما دعا من السؤال والكشف. وقوله: فتخبري ينتصب بأن مضمرة وهو جواب الأمر بالفاء. والسواء يكون مصدرًا ووصفًا في معنى مستوٍ. يقال: هذا درهمٌ سواءٌ، أي مستوٍ؛ وهذا درهمٌ واء أي استواءً، كما تقول هذا درهمٌ تمامًا، أي تم تمامًا. وفي القرآن: " في أربعة أيامٍ سواءٍ للسائلين " أي مستويات، وقرى " سواءً " على المصدر كأنه قال: استواءً. حكى أبو الحسن الأخفش: هما سواءٌ وهما سواءان.
[ ٩٢ ]
فإن بني الديان قطبٌ لقومهم تدور رحاهم حولهم وتجول
القطب: الحديدة في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى. وسمي قطب السماء لما يدور عليه الفلك. وعلى التشبيه قالو: فلانٌ قطب بني فلانٍ، أي سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب.