باتوا نيامًا وابن هند لم ينم
باتٍ يقاسيها غلامٌ كالزلم
يقول: مكث الناس نائمين في ليلهم، وهذا الرجل لم ينم، لأنه كان بيت للغارة، ثم قال " بات يقاسيها "، أي يعاني الغارة كيف يوقعها ويدبرها متى يأخذ فيها، غلامٌ مدمج الخلق خفيفٌ ثقفٌ مشمرٌ، كأنه قدحٌ. يعني ابن هندٍ. والزلم بفتح الزاء وضمها: القدح كان يستقسم به. قال الله تعالى: " وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسقٌ ". ويجوز أن يكون المضمرين في باتوا المغار عليهم.
خدلج الساقين خفاق القدم
قد لفها الليل بسواقٍ حطم
بصفة بأنه غليظ الساقين، ولوطئه الأرض صوتٌ، ولقدمه خفقٌ، وهو سرعة الخطو مع ضرب الأرض بها، كأنه يشير بهذا إلى ثباته وقوته في العمل والسير،
[ ٢٥٧ ]
وشدة بلائه وصبره على الكد. وقوله " قد لفها " يريد الإبل. وجعل الفعل لليل على المجاز. والمعنى: جمعها برجل متناهى القوة، عنيف السوق، يكسر الطرائد بعضًا على بعض، لقلة رفقه وكثرة عسفه، ولأنه قليل الفكر فيها إذ كانت حصلت بالغارة، فإن سلمت فهي غنمٌ، وإن تلفت فليست بغرمٍ، فالعوض منها بالقرب. وقوله " حطم " بناءٌ للمبالغة، وهو من الحطم الكسر.
ليس براعي إبلٍ ولا غنم
ولا بجزارٍ على ظهر الوضم
يقول: لا يرفق هذا الرجل بوسائقه رفق الرعاة، ولا رفق الجزار، وذلك أن الراعي مكتري لاستصلاح مرعيه، وحفظ ما ضم إليه بجهده، والجزار لا يستهلك ماله ولا يعنف عنف من لا يبالي به. وهذا صفة المغوار القليل الفكر في فساد ما يحويه منها، الذاهب عن استبقائها، لا يبالي كيف استوسقت، وعلى أي حالةٍ تحصلت.