الوعلة: الصخرة المشرفة من أعلى الجبل.
قومي هم قتلوا أميم أخيٍ فإذا رميت يصيبني سهمي
يقول: قومي، يا أميمة، هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزنٌ وتفجعٌ وليس بإخبار.
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولتن سطوت لأوهنن عظمي
عفا عن المذنب والذنب عفوًا، إذا صفح. وحفذ حرف الجر فوصل لأعفون بنفسه. والكلام تحشرٌ وتوجع. يقول: إن تركت مؤاخذتهم، واطرحت طلب الانتقام منهم، صفحت عن أمرٍ عظيمٍ، وإن سطوت عليهم أضعفت عظمي، وهددت ركني. والجلل يزعم أهل اللغة أنه من الأضداد، يقع على الصغير والكبير، وها هنا يراد به
[ ١٤٩ ]
الكبير. وكذلك في قوله:
ومن الأرزاء رزء ذو جلل
والسطو: الأخذ بعنف. وفي كل واحدٍ من المصراعين يمينٌ مضمرةٌ، جوابها في الأول لأعفون، وفي الثاني لأوهنن. واللام من لئن في الموضعين موطئة للقسم.
لا تأمتن قومًا ظلمتهم وبدأتهم بالشتم والرغم
حول الكلام عن الإخبار توجعًا على عادتهم إلى الخطاب، متوعدًا. يقول: لا تسكن إلى ناحية قوم اهتضمتهم وبدأتهم بسبهم واطراحهم، وإسقاطهم وتذليلهم. وظلمتهم مع ما بعده من صفة القوم. والرغم مصدر رغمت فلانًا إذا قلت له رغمًا أو فعلت به ما يرغم به أنفه ويذله. والرغام: التراب، وحكى الخليل: أرغمته: حملته على ما لا يقدر على الامتناع منه.
أن يأبروا نخلًا لغيرهم والقول تحقره وقد ينمى
موضع قوله أن يأبروا نصبٌ على البدل من قومًا من البيت الذي قبله، كأنه قال: لا تأمن أبر قومٍ ظلمتهم وأوحشتهم نخلًا لغيرهم. ويقال: أبرت النخل وأبرته، إذا ألقحته. وجعل هذا الكلام وعيدًا في مفارقة القوم الذين وصفهم إياهم، وتقويتهم لأعدائهم بعد الانتقال إليهم، وإصلاحهم الفاسد من فخرهم وأمرهم نصرةً لهم، وجعل قوله أن يأبروا كناية عن هذا المعنى، كما قال طرفة:
ولي الأصل الذي في مثله يصلح الآبر زرع المؤتبر
وقد قيل: أراد: لا تأمن قومًا أسأت في معاملتهم أن يتركوا أرضهم وديارهم ويلحقوا بالأعداء فيأبروا نخيلهم ويتصرفوا في مهنهم، ليكونوا معهم عليكم. والأول أحسن وأغرب. وقوله والقول تحقره وقد ينمى يجوز أن يكون ضربه مثلًا في التهاون بما لا يجوز التهاون فيه، ويجوز أن يشير بالقول إلى ما يقوله في شعره هذا، ويريد أنه سيزداد بانضمام الفعل إليه.
[ ١٥٠ ]
وزعمتم أن لا حلوم لنا إن العصا قرعت لذي الحلم
زعم زعمًا وزعمًا ومزعمًا، وأكثر ما يستعمل فيه ما كان باطلًا أو فيه ارتيابٌ. ولذلك يقال: تزعم، أي تكذب؛ وزعم في غير مزعمٍ، أي طمع في مطمعٍ. وأن لا حلوم أن فيه مخففة من الثقيلة. أراد: زعمتم أنه لا حلوم لنا. والهاء ضميرٌ للأمر والحديث، ولا حلوم في موضع الخبر. أراد: وزعمتم أن الأمر والشأن لا عقول لنا، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، فإن عامر بن الظرب حكم العرب كان يقرع له العصا فينبه، لما كان يزيغ في الحكم لكبرته وسنه. وهذا الكلام تهكم وسخرية. ومثله قولك لمن أنكر عليك ما لا يشك في صلاحه وصحته: إن كان ذلك فاسدًا فصححه أنت. وهذا ظاهرٌ. وذو الحلم الذي قرع له العصا مختلفٌ فيه، فتدعيه اليمن وتقول: هو عمرو بن حممة الدوسي، روى ذلك الشعبي عن ابن عباس ﵁. وتدعيه مضر، فتقول: هو عامر بن الظرب العدواني، وإياه عنى ذو الإصبع في قوله:
ومنهم حكمٌ يقضي ولا ينقض ما يقضي
وتدعيه ربيعة فتقول: هو قيس بن خالد الشيباني، وهو جد بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد.
ووطئتنا وطئًا على حنقٍ وطء المقيد نابت الهرم
يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذه الشجيرة. وخص المقيد لأن وطأته أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. والهرم: ضربٌ من الحمض، يقال جملٌ هارمٌ، وإبلٌ هوارم إذا رعت الهرم. وانتصب وطء المقيد على البدل، أي وطئًا يشبه هذا الوطء. ومما حكي عن العرب: أعوذ بالله من طئة الذليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد، لسوء ملكته، كما قال الآخر:
ولم يغلبك مثل مغلب
وعلى هذا قيل: ضربته ضربة الجبان، وضبطته ضبطة الأعمى.
[ ١٥١ ]
وتركتنا لحمًا على وضم لو كنت تستبقي من اللحم
هذا مثلٌ يضرب في الانقياد والذل. ولذلك يقولون: النساء لحمٌ على وضمٍ إلا ما ذب عنه. يقول: تركتنا لا دفاع بنا، كاللحم على خوان الجزار يتناوله من شاء، لو كنت تترك منا بقية، وتطلب علينا بقية. والمعنى أنك تروم استئصالنا، فلست ترضى بالإذلال. وجواب لو فيما تقدم عليه.