إلا أكن ممن علمت فإنني إلى نسبٍ ممن جهلت كريم
يقول: إن لم أكن ممن عرفتهم بالشرف، فإني أنتمي إلى شرفٍ كريم ممن جهلتهم. كأنه يريد: ليس الاعتبار بما تعدينه شرفًا أو تعرفينه نسبًا، لكن الاعتبار بحصول الكرم على أي وجهٍ حصل، وحوز المجد وإن جهله من جهل. وقوله " إلى نسبٍ " يتعلق بفعل مضمرٍ، كأنه قال: فإنني أنتمي إلى نسبٍ.
وإلا أكن كل الجواد فإنني على الزاد في الظلماء غير شتيم
يقول: إن لم أكن النهاية في الجود فإني لا أشتم بسبب الزاد في الليلة المظلمة، فلا أذم لصرفي الصيف عن نفسي بالعلل الكاذبة في الشتوة القحطة. وقد اشتمل قوله " على الزاد في الظلماء " على ما بينا وأكثر منه. وهذا الذي خبر به عن نفسه هو الجود، لكنه أراد أن يرى من نفسه ترك ادعاء النهايات، والأخذ بالاقتصاد في الحالات، وإن كان تناهى من حيث اقتصد. ويقال زيدٌ الشجاع كل الشجاع، والمعنى أنه الكامل في معناه. ومن هذا الباب قوله ﷿: " وإنا أو وإياكم لعلى هدى أو في ضلالٍ ". وهذا كلام من نظر لنفسه وغيره، وتبين ما عليه وله، فأثبت ما أثبت في أحسن معرضٍ، ودفع ما دفع بألطف تعريضٍ. وتعلق على من قوله: " على الزاد " بشتيم وإن كان مضافًا إليه، لأنه أجري غير مجرى لا،
[ ٢٠٢ ]
لأنهما للنفي، فحمل الكلام على المعنى فكأنه قال: إنني على الزاد لا أشتم. ونزيد هذا شرحًا فيما بعده.
وإلا أكن كل الشجاع فإنني بضرب الطلى والهام حق عليم
هذا كالبيت الذي قبله. يقول: إن لم أكن النهاية في الشجاعة، والمعنى إن لم يكن فعلي النهاية فيما يفعله الشجاع، فإنني عالمٌ حقًا بضرب الرءوس والطلى. والمتناهي في الشجاعة لا يتعدى فعله هذا، لكنه سلك طريقته فيما قبله. الطلى: الأعناق وأعراضها، والواحدة طليةٌ. والباء من قوله " بضرب الطلى " تعلق بقوله عليم.
فإن قيل: كيف ساغ ذلك والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؟ قلتك لما كان قوله " حق عليم " لا زيادة فيه إلا التوكيد لم يعتد بالمضاف، فحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، فكأنه قال: إنني بضرب الطلى عليمٌ جدًا. ويجري هذا المجرى إجازتهم لقول القائل أنت زيدًا غير ضاربٍ، مع امتناعهم من إجازة أنت زيدًا مثل ضاربٍ، لما كانت معنى غيرٍ معنى لا، فحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، حتى كأنه قيل: أنت زيدًا لا ضاربٌ. فاعلمه، وبالله التوفيق.