إن أدع الشعر فلم أكده إذ أزم الحق على الباطل
قوله إذ أزم ظرفٌ لقوله أدع. وتقدير الكلام: إن أدع الشعر إذ أزم الحق على الباطل فلم أكده. ويريد بالحق كبرته وشيخوخته، وما أخذ به النفس عنده من مراعاة الحق، والرجوع عن الهزل إلى الجد. وأراد بالباطل الصبا واللهو وما يتبعهما مما يعد سفها وقوله فلم أكده أصله من حفر فأكدى، إذا بلغ الكدية، فتعذر عليه الحفر وإنباط الماء. والكدية: مكانٌ صلبٌ يعني الحافر. ويقال أيضًا: حفر فأجبل، إذا بلغ جبلًا. وتوسعوا فيه فقالوا: أكدى في الشعر والعطاء. وفي القرآن: " وأعطى قليلًا وأكدى ". وقالوا أيضاَ: فلانٌ بلغ الناس كديته، أي كان يعطي ثم أمسك. ومعنى البيت: إن تركت الشعر حين تحملت وارعويت، وصار الحق عاضًا على باطلتي، والحلم مانعًا من جهالتي، فلم أتركه عن عجزٍ لاحقٍ، وإفحامٍ حاصلٍ. والازم: العض، وتوسع فيه، فقيل: نعم الدواء الأزم، يريدون الحمية.
[ ٢٢٣ ]
قد كنت أجريه على وجهه وأكثر الصد عن الجاهل
يقول: كنت أجري الشعر على حقه وكنهه، وأقرضه مستمرًا فيه على حده أيام شبابي، وقبل ارتداعي، ومع ذلك كنت أكثر الإعراض عن الجهال، وأتصون عن مكايلتهم وموازنتهم. وهذا يجري مجرى قول الآخر:
إني امرؤٌ مكرمٌ نفسي ومتئدٌ من أن أقاذعها حتى أجازيها
والمعنى أربأ بقدري عن مقارضة الشعر، ومجاذبة السفهاء، ولكن إن دعت الحال معهم، والضجر بهم، إلى المجازاة مع مراجعة الحلم، فبالفعل لا بالقول، وعلى هذا كنت قبل هذا الأوان مع الجهال.
وقال آخر:
زعم العواذل أن ناقة جندبٍ بجنوبٍ خبتٍ عريت وأجمت
يقول: قال اللوائم عاتبةً على جندبٍ، ومنكرةً لتودعه وميله إلى الراحة والخفض وترك السفر: إن ناقته حط عنها رحلها، وأزيل كلالها، فهي جامةٌ بجنوب خبتٍ: والخبت، أصله ما اطمأن من الأرض. ويقال أخبت الرجل، إذا صار في الخبت؛ وتوسع فيه فقيل للمتأله الخاشع: هو مخبتٌ.
كذب العواذل لو رأين مناخنا بالقادسية قلن لج وذلت
أبطل قولهن فذكر أنهن لو رأين منزلنا ومبركنا بهذا البلد، لقلن لج جندبٌ في السير وذلت الناقة. ويجوز أن يكون قوله مناخنا لم يشر به إلى إناخةٍ وإلى موضعٍ لها، وإنما يكون كقوله:
فإن المندى رحلة وركوب
فيكون المعنى: لو رأين ما جعل بدلًا لناقتنا في موضع الإناخة لقلن ذلك. ومثله:
تعليقها الإسراج والإلجام
[ ٢٢٤ ]
أي جعل الإسراج بدلًا مما كان يعلق عليه. ويقرب منه قوله:
لما تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرعٌ بالنواقيس
وإنما شاهد وقتهما فذكرهما به، ولم يكن ثم دجاجٌ ولا نواقيس.