رأيت موالي الأولى يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
الموالي ها هنا: أبناء العم. والأولى في معنى الذين، ويخذلونني من صلته. يقول: رأيت أبناء عمي هم الذن يقعدون عن نصرتي على تقلب الزمان، وتصرف الحدثان. وقوله على حدثان الدهر في موضع الحال، أي يخذلونني مقاسيًا لما يحدث في الدهر أوان تقلبه وتغيره.
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب
قوله: تفاقدوا دعاء، وقد اعترض بين أول الكلام وآخره، ولكنه أكد مايقتصه فصلح لذلك. يقول: هلا جعلوني عدة لرجلٍ مثلي، فقد بعضهم بعضًا وقد جاءهم
[ ١٥٦ ]
الخصم متأخر العجز مائل الرأس منحرفًا. وهذا تصويرٌ لحال المقاتل إذا انتصب في وجه مقصوده، وهو أبلغ في الوصف من كل تشبيه، ومثله قول الآخر: جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط ألا ترىأنه صور لون المذق لما قال: هل رأيت الذئب قط؟ وقوله: إذا الخصم هو حكاية الحال المتوهمة، وهو الرواية المختارة. وقد روي: إذا الخصم والجملة التي تبين بها إذا هذه يجب أن يكون فيها فعلٌ، وقد عريت منه ها هنا، وأظن أن الأخفش جوز مثله. والمعنى: لم أفاتوني أنفسهم، وهلا ادخروني ليوم الحاجة إذا كان الخصم هكذا. وأراد بالخصم الجنس. وقال الأصمعي: البزي: تأخر العجز. وقال غيره: هو إشراف وسط الظهر على الإست. والبيت يشهد للأصمعي. والنكب: شبه الميل في المشي ومنه الأنكب من الإبل، وهو الذي يمشي في شق.
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا وفي الأرض مبثوثٌ شجاعٌ وعقرب
الكلام في تفاقدوا وأنه دعاءٌ واعتراض، على ما مر. وإنما وكرر ما كرره على وجه التأكيد، وتفظيعًا للأمر. والمعنى: هلا جعلوني عدة لرجلٍ مثلي في البأس، فقد بعضهم بعضًا. وقد انتشر في الأرض أعداءٌ كثيرة، وأنواعٌ من الشر فظيعة. والشجاع: الحية. وكنى بالعقرب وبه عن الأعداء والشر. وارتفاع شجاعٌ، يجوز أن يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الابتداء ومبثوثٌ خبرٌ له قدم عليه، ويجوز أن ينصبمبثوث على الحال، ويجعل في الأرض الخبر. ولم يثن مبثوث لأن القصد بالشجاع والعقرب إلى خيل الأعداء والشر، فكأنهما شيءٌ واحد.
فلا تأخذوا عقلًا من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
لك أن ترفع المعاقل على الاستئناف، ولك أن تحمله على ما قبله فتطفه على العار. يقول: لا ترغبوا في قبول الدية فإنه عارٌ، والعار يبقى أثره، والأموال تفنى. والمعاقل: جمع المعقلة. والمعقلة والعقل: الدية، وأصله الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، وهو مصدرٌ وصف به. وحكى الأصمعي: صار دمه معقلةً على قومه، أي صاروا يدونه.
[ ١٥٧ ]
كأنك لم تسبق من الدهر ليلةً إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
يقول: من أدرك ما طلبه من الثأر فكأنه لم يصب ولم يوتر. وهذا بعث وتحضيض على طلب الدم والزهد في الدية. وفي طريقته قول الآخر:
كأن الفتى لم يعر يومًا إذا اكتسى ولم يك صعلوكًا إذا ما تمولا
لكن هذا بعثٌ على طلب المال.
وقال آخر:
فلو أن حيًا يقبل المال فديةً لسقنا لكم سيلًا من المال مفعما
انتصب فديةً على الحال من المال، والمراد به الإبل لا غير، ونكر قوله حيًا وهو يقصد به قصد حيٍ بعينه، لأن المراد كان مفهومًا عند من عرف القصة، فجعله كالتعريض. وقوله سيلًا مفعما والسيل يفعم به الشيء، يجوز أن يكون من باب همٌ ناصبٌ وما أشبهه، ويكون المعنى سيلًا ذا إفعامٍ، ولكن أكثر ما يجيء معنى النسبة فيما كان للفاعل، كطالقٍ ومرضعٍ. ومثله قولهم نخلةٌ موقرٌ. ويجوز وهو الأجود أن يكون عبر عن الكثرة بقوله مفعم كما عبر في قولهم شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ عن التناهي بلفظ فاعل، وإن كان الموت لا يموت، والشعر لا يشعر، كما أن السيل لا يفعم. وقد قيل امرأةٌ فعمة المخلخل، أي غليظةٌ كثيرة اللحم عليه. والمعنى: لو كانت معاملتنا مع حيٍ يرى قبول المال فداءً لأرضيناه بالمال الكثير.
ولكن أبى قومٌ أصيب أخوهم رضى العار واختاروا على اللبن الدما
يقول: ولكن امتنع قومٌ أصبنا صاحبهم من الرضا بالدنية، وآثروا طلب الدم على قبول الدية. وجعل اللبن كنايةً عن الإبل تؤدي عقلًا، لأنه منها، وكما نكر حيًا في البيت الأول نكر أيضًا في الثاني قوله أبى قومٌ، والغرض بهما على حدٍ واحد، ولا يجوز أن يكون يقبل المال فديةٌ صفة لقوله حيا، لأنه يبقى أن بلا خبر. فأما قوله أصيب أخوهم فهو صفةٌ لقوله قومٌ. وقوله رضى العار العار في موضع المفعول، أي أبوا أن يرضوا العار خطةً لأنفسهم.
[ ١٥٨ ]