وذوي ضبابٍ مظهرين عداوةً قرحي القلوب معاودي الإفناد
يقول: رب قومٍ ذوي أحقادٍ وضغائن، مجاهرين بعداوتي، مراجعين حالًا بعد حالٍ قول الفحش في، متقرحي الأفئدة لشدة الحسد والبغض لي، فعلت بهم كذا. وجواب رب فيما بعد. وذكر قرح القلب مثلًا في العداوة، كما يذكر مرضه مثلًا في النفاق. على ذلك قول الله تعالى: " في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا ". فأما ذكر الصعر والشوس فهو من هذا الباب، لكنه تصوير حال المباغض أو المتكبر في نظره، أو إقباله أو التفاته، وكذلك ما يشبهه. وقوله " معاودي الإفناد " الإفناد بكسر الهمزة: مصدر أفند الرجل، إذا أتى بالفند. وإذا روي " الأفناد " بفتح الهمزة فهو جمع الفند، وهو الفحش والخطأ في الرأي. ويقال في اللوم: فندته، لأنه يجمع تخطئة الرأي وذكر القبيح. والضباب: جمع الضب، وهو الحقد. قال:
يا رب ذي ضغنٍ وضبٍ فارض
ويقال: فلان خبٌ ضبٌ، إذا كان منكرًا في المعاداة.
[ ١٦٨ ]
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم وهم إذا ذكر الصديق أعاد
يقول: رب قومٍ هكذا أنا نسيت بغضهم لي حتى نسوا أيضًا - لأن المناساة تكون من اثنين فصاعدًا - وتركتهم وهم من جملة الأعداء، إذا ميزت بالذكر الأصدقاء. وقوله " الصديق " أراد به الجنس.
كيما أعدهم لأبعد منهم ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
يقول: لم أكاشفهم، ولا أظهرت لهم علمي بعداوتهم، بل استمررت في مداجاتهم ومساترتهم، وعركت بجنبي ما بدر من هفواتهم، طلبًا لأن أعدهم لمن هو أبعد شأوًا في العداوة، أو أشد تأخرًا في الالتحام والقرابة. ثم قال: ولقد يضطر الإنسان إلى نصرة بني الأعمام وإن كانوا منطوين على ضغائن، فإذا قاتل ببعضهم بعضًا لاءمه ذلك ووافقه، وحصلت الدبرة على من حصل، إذ كان فيه تفانيهم، واشتفاء الصدور منهم. وهذا كما قيل لبعض حكماء العرب ما تقول في ابن العم؟ قال: عدوك وعدو عدوك.