أتاني فلم أسرر به حين جاءني حديث بأعلى القنتين عجيب
تقديره: أناني حديثٌ عجيب بأعلى القنتين، فلم أسرر به حين جاءني. وإنما استعجب من الحديث لتضمنه ما كرهه، فكان يرده بما يقوى في أمله من ضده. وقد اجتمع فعلان أتاني وجاءني، فأعمل الأول. ومثله قول الآخر:
ولم أمدح لأرضيه بشعري لئيمًا
تصاممته حتى أتاني يقينه وأفزع منه مخطئٌ ومصبب
تصاممته، أراد تصاممت عنه، حتى أتاني يقينه، أي الجلي الواضح منه. وأفزع يجوز أن يكون معناه صادف الفزع فلا يقتضي مفعولًا، ويجوز أن يكون أفزع الغير فيكون مفعوله محذوفًا. ومعنى البيت: تكلفت الصمم عن ذلك الخبر حتى جاء ما لم يمكن رده، لكون الشبه منتفيةً عنه، واتفق المخطئ والمصيب على تصحيحه، وصادفا الفزع فيه، أو أفزعا الغير منه. ومثل قوله " تصاممته " في انحذاف حرف الجر منه قول الآخر:
وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
[ ٢٤٩ ]
يريد: لقضى علي. وفي القرآن: " وإذا كالوهم أو وزنوهم "، يريد كالوا عليهم أو وزنوا عليهم. وأضاف اليقين إلى ضمير الخبر لأنه يريد المتيقن منه.
وحدثت قومي أحدت الدهر فيهم وعهدهم بالحادثات قريب
فإن يك حقًا ما أتاني فإنهم كرامٌ إذا ما النائبات تنوب
قوله " حدثت " يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فالأول قام مقام الفاعل وضميره التاء، والثاني قومي، والثالث أحدث الدهر فيهم أحداثًا. وكما قال الآخر:
وإن تكلمك تبلت
يريد تبلت كلامها. ويجوز أن يكون أجرى قوله " أحدث الدهر فيهم " مجرى نكى الدهر فيهم، فاستغنى عن المفعول. وقوله: " وعهدهم بالحادثات قريب " يجوز أن يكون من جملة ما بلغ وأنبئ به، ويجوز أن يكون الواو للحال، كأنه نكى الدهر فيهم وحالهم قرب العهد بحوادثه، ويجوز أن يكون جاريًا مجرى الاعتراض بين ما قبله وما بعده، وحقيقة معناه تصديقه لما خبر به، وأن قومه من الكرام الذين لا يسلمون على الدهر، بل يولع بالتأثير فيهم كما قال:؟ أرى الدهر يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد وإذا عزل هذا الاعتراض يكون الكلام: وحدثت قومي أحدث الدهر فيهم، فإن يك حقًا ما أتاني. ومعنى البيتين: أنبئت أن قومي نكى الدهر فيهم، وحمل أثقاله عليهم، فإن كان ما بلغت حقًا من إخناء الدهر عليهم، وسوء تأثيره فيهم، فإن أخبارهم كريمة في النوائب إذا نابتهم، ونفوسهم عزيزة تأبى الانقياد لما لا يحسن، والمطاوعة فيما يشين ولا يزن. وجواب فإن يك حقًا ما دل عليه قوله فإنهم كرامٌ،
[ ٢٥٠ ]
لأن معناه فإنهم يصبرون صبر الكرام. ومثله قوله تعالى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك "؛ لأن المعنى: فإنك تملكهم وتقدر عليهم.
فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم له ورق للسائلين رطيب
يقول: محتاجهم متجملٌ، وبما لا تناله مقدرته ولا ينهض وسعة متكثرٌ، وظاهره الغنى اكتفاءً بما يملكه، وتصنعًا لم ن يرمقه؛ وغنيهم له إفضال على العفاة، ومعروفٌ عند السؤال، يحيون في جنابه، ويعيشون في كنفه وظلاله. وقوله " له ورقٌ " مثلٌ ضربه للندى، وأصله ها هنا ورق الشجر، وبه عيش المال: الإبل والغنم. وإذا لم يمنعوا من الورق عاش الناس في فنائهم. هذا الأصل، ثم يتمثل به بعد لغيره من ضروب المنافع، ووجوه المرازئ. وسلك في هذه الاستعارة والتمثيل مسلك زهير حيث يقول:
وليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ يومًا ولا معدمًا من خايطٍ ورقا
ويقال: ورقت الشجرة وأورقت، وشجرة وريقةٌ، إذا كثر ورقها والوراق: زمن خروج الورق، كالصرام والجداد.
ذلو لهم صعب القياد وصعبهم ذلولٌ بحق الراغبين ركوب
يقول: من كان سهل الجانب منهم تراه متعسرًا إذا سيم الضيم، متصعبًا في التزام الظلم والجور؛ والأبي الخشن الخلق منهم معترفٌ بحق الراغبين، يركب به ولا يمنع، ويقاد له ولا يأبى. وقوله ركوبٌ، هو في معنى مفعول ها هنا. والذلول: الوطئ الظهر، والذُّل والذل يرجعان إلى السهولة والوطاءة، وإن كان كلٌ تفرد بمعنىً يتميز عن صاحبه بمايضاده. ألا ترى أن ضد الذل باضم العز، وضد الذل بالكسر الصعوبة.
إذا رنقت أخلاق قومٍ مصببةٌ تصفى بها أخلاقهم وتطيب
يقول: إذا كدرت المصائب أخلاق الناس فتغيرت، حتى لا يصير عليها محمل، ولا إليها من النوائب ملجأٌ، فإن أخلاق هؤلاء تصفى بها ولها وتطيب عند تحاملها؛ كأنهم كلما ازدادوا امتحانًا بالدهر ازدادوا طلاقةً وهشاشةً، ولين معطفٍ ولدونةً،
[ ٢٥١ ]
ونهوضًا بالأعباء، وصبرًا لدى الأواء. ويقال ماءٌ رنقٌ ورنقٌ، وما في عيشه رنقٌ أي كدر.
ومن يغمروا منهم بفضلٍ فإنه إذا ما انتمى في آخرين نجيب
أصل الغمر التغطية، ومنه قولهم: دخل في غمار الناس. والنجيب: الكريم من الناس والخيل والإبل، ولذلك قيل للمختار من كل شيء المنتجب، وقد نجب الرجل نجابةً، وأنجب: أتى بأولادٍ نجباء. يقول: والمغمور الخامل منهم، لظهور الفضل عليه، إذا انتسب في قومٍ آخرين عد نحيبًا. ومثله قول الآخر:
يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا يسود معدًا كلها ما تدافعه
وإن كان هذا زائدًا على ذلك. وحذف مفعول " يغمروا " لأنه لا يلتبس. أراد ومن يغمروه، أي المفضول فيهم إذا انتمى في غيرهم كان فاضلًا.