أنزلني الدهر على حكمه من شامخٍ عالٍ إلى خفض
يقول للدهر حكمٌ معروفٌ، وطريقٌ مألوفٌ، في رفع الوضيع، وحط الرفيع، فأجرى حكمه على، وأنزلني عن رتبةٍ عاليةٍ إلى منزلةٍ منخفضةٍ، والخفض: ضد الرفع، وهو مصدرٌ وضع موضع المفعول. يريد إلى مكان منخفض.
وغالني الدهر بوفر الغنى فليس لي مالٌ سوى عرضي
يروى: عالني ومعناه غلبني، ويروى: غالني ومعناه أهلكني بارتجاع عواريه من المال، واستلاب ما كنت وفرت به من العتاد، فمالي مالٌ سوى نفسي، وليس النفس من المال في شيءٍ. وموضع سوى نصبٌ على أنه استثناءٌ خارجٌ، وهذا الاستثناء يتأكد به انتفاء الغنى. ومثله قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائب
ويجوز أن يكون المعنى: ليس لي غنىً سوى غنى نفسي، فحذف المضاف، والمعنى: إن نفسي غنيةٌ فلا تطمع في المكاسب الوضيعة، ولا تتدنس بالمآكل الخبيثة. وقوله بوفر الغنى أي بسلب وفر الغنى، فحذف المضاف. ويتعلق الباء منه بقوله غالني. والوفر: كثرة المال، وأضافه إلى الغنى، لأن المراد المال الذي يحصل به الغنى. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة بينهما، سواءٌ كان له أو عليه، أو معه أو فيه، أو من أجله، أو مما يليه. ويجوز أن يكون موضع بوفر الغنى نصبًا على الحال للدهر، كما تقول: فاتني فلانٌ بكذا، والمعنى فاتني مستصحبًا له. ومثله: جاء في أطمارٍ، أي لابسًا لها. ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى، فعدى غالني تعدية فجعني، لأنه في معناه فكأنه قال: فجعني بوفر الغنى وأصابني.
[ ٢٠٧ ]
أبكاني الدهر ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضي
قوله بما يرضي يدل على أنه أضمر مع قوله أبكاني الدهر شيئًا يكون في مقابلته، وحذف لأن المراد مفهومٌ. والمعنى أبكاني الدهر بما يسخط. وقوله يا ربما المنادى فيه محذوف، كأنه قال: يا قوم ربما. وهذا النداء على وجه التحسر والتوجع من معاملة الدهر وسوء تنقله. وقوله ربما ما هذه دخلت كافة لرب العمل، ومخرجه لها إلى أن تصير مشتركة حتى جاز وقوع أضحكني بعده. ومثله قوله تعالى: " ربما يود الذين كفروا ". ومعنى البيت: أبكاني الدهر بما أسخطني، ويا قوم ربما أضحكني الدهر فيما مضى بما أرضاني. وفي طريقته قول الآخر:
فإن تسكن الأيام أحسن مرةً إلى فقد عادت لهن ذنوب
لولا بنياتٌ كزغب القطا رددن من بعضٍ إلى بعض
بنياتٌ في موضع المبتدأ، وجاز الابتداء به لكونه محدودًا بما اتصل به من الصفات. وجواب لولا لكان لي مضطربٌ واسعٌ وهو أول البيت الذي يليه، واستغنى به عن خير المبتدأ، والتقدير: لولا بنياتٌ صفاتهن هذه مانعةٌ لي لفعلت. ومعنى البيت: لولا بنياتٌ لي صغيراتٌ كفراخ القطا التي عليها الزغب - وهو الشعر اللين لصغرهن - اجتمعن لي في مدةٍ يسيرةٍ، فمن ثانيةٍ بعد أولى، وواحدةٍ إلى جنب أخرى فكثرن - لكان كذا. ومثله:
تجمعن من شتى ثلاثًا وأربعًا وواحدة حتى اجتمعن ثمانيا
أى جئن متوالياب. ويروى: " رددن من بعضي إلى بعضي "، بفتح الراء من رددن وإضافة البعض، والمعنى: قوسنني وحنين ظهري. ويجوز في الرواية الأولى أن يكون المعنى أن هذه البنات زوجن فرددن مع بناتٍ لهن صغار. ويقال: ابنتك مردودة، أي مطلقةٌ. وإلي في موضع مع، يقال هذا إلى ذلك أي معه. ويكون " من بعضٍ إلى بعض " في موضع الحال، أي رددن مع غيرهن. وقد شبه لحطيئة وغيره
[ ٢٠٨ ]
الأولاد بزغب القطا، فقال:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ زعب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
يجوز أن يروى رددن على ما لم يسم فاعله. ومن بعضي إلى بعضي مضافين. والمعنى: كن في صلبي، فلما ولدتهن صرن في كبدي فهي تحترق عليهن لفرط شفقتي.
لكان لي مضطربٌ واسعٌ في الأرض ذات الطول والعرض
المضطرب يكون الاضطراب، ويكون موضع الاضطراب. يقول: لولا خوفي من ضياعهن وإبقائي عليهن، لكان لي مجالٌ واسعٌ، ومذهبٌ فسيحٌ في الأرض الطويلة العريضة. وإنما تلومت ولزمت مكاني هذا لهن وبسببهن.
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض
يقول: محل أولادنا من أنفسنا فيما بيننا وإن كانت ماشية على الأرض محل الأكباد من الأجواف. " الولد فلذةٌ من الكبدي "، أي قطعةٌ. وقوله " تمشي على الأرض " في موضع الحال للأولاد، وبيننا ظرفٌ لتمشي. والتقدير: أولادنا وهي ماشيةٌ على الأرض بيننا أكبادنا. وقوله " إنما " يدخل لتحقيق الشيء على وجه مع نفي غيره عنه.
؟؟؟؟؟