وما أنا بالنكس الدني ولا الذي إذا صدعني ذو المودة أحرب
النكس أصله في السهام، ونقل إلى الضعيف من الرجال. يقال نكسته نكساَ ثم يسمى المنكوس نكسًا، كما يقال نقضته نقضًا ثم يسمى المنقوض نقضًا بكسر النون. كأن السهم انكسر فوقه فنكس فسمي نكسًا. فيقول: ما أنا بالمستضعف اللئيم، ولا الذي إذا انحرف عنه من يواده دعا بالويل والحرب فقال: واحرباه. وفي طريقته.
ولا أقول إذا ما خلةٌ صرمت يا ويح نفسي من شوقٍ وإشفاق
ويجوز أن يكون معنى أحرب: أغتاظ. ومنه قوله:
إني إذا الشاعر المغرور حر بني
وهذا أسلك في طريقة العربية؛ وكان يجب أن يقول: ولا الذي إذا صد عنه ذو المودة يحرب، حتى يكون في الصلة ما يعود إلى الموصول، لكنه لما كان القصد في الإخبار إلى نفسه وكان الآخر هو الأول، لم يبال برد الضمير على الأول وحمل الكلام على المعنى، لأمنه من الإلتباس. وهو مع ذلك قبيحٌ عند النحويين، حتى إن أبا
[ ٢١٦ ]
عثمان المازني قال: لولا اشتهار موده وكثرته لرددته. ومثله:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
ولكنني إن دام دمت وإن يكن له مذهبٌ عني فلى عنه مذهب
يقول: أملك نفسي وودي في مصادقة الأخلاء، فإن داموا لي على العهد دمت لهم، ولزمت الوفاء معهم، وإن رأوا ذهابًا عني وميلًا إلى غيري ذهبت عنهم، وملت إلى غيرهم. ويروى: ولكنني ما دام دمت ويكون موضع ما دام ظرفًا، وخبر لكن دمت. وفي الأولى يكون الجزاء وجوابه خبرًا. وفي طريقته قول لبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ولخير واصل خلةٍ صرامها
ألا إن خير الود ودٌ تطوعت به النفس لا ودٌ أتى وهو متعب
يقول: خير الود ما جاء عفوًا من غير جهدٍ، ولا إكراه نفس وطبع، بل يبعثه الميل، ويحكمه الخلوص؛ فأما المتعب من المودات، والمشوب بالتعمل والتكلف، فلا طائل فيه. ومثله قول بعضهم:
ولا خير في ود امرىءٍ متكارهٍ عليك ولا في صاحبٍ لا توافقه
وقول الآخر:
إذا أنت لا يثنيك إلا شفاعةٌ فلا خير في ودٍ يكون بشافع