يأيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت
المطية من المطا، وهو الظهر. ويقال مطاه وامتطاه، إذا ركبه. وللحوق الهاء به صار اسمًا، وقد مر مثله. ويروى: بلغ بني أسدٍ. وقوله: ما هذه الصوت الجملة في موضع المفعول، وارتفع الصوت على أنه عطف البيان. يخاطب الراكب السائق لمطيته بإعجالٍ، يسأله أن يبلغ بني أسدٍ عنه عن طريق الفحص والاستعلام: ما هذه الجلبة. وهذا الكلام تهكمٌ وسخرية، لأنه هو الذي أثار عليهم ما اهتاجوا له، وجلب عليهم ما أشكاهم. وإنما قال ما هذه الصوت، والصوت مذكر، لأنه قصد به إلى الصيحة والجلبة. وهذا كما قال حاتمٌ:
أماوي قد طال التجنب والهجر وقد عذرتني في طلابكم العذر
يريد المعذرة. وكما قال الآخر:
وكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر
فأنث الشخوص لأنه قصد بها إلى النفوس. وحكي عن أبي عمرو ابن العلاء أنه سمع بعضهم يقول: جاءنه كتابي فاحتقرها. قال أبو عمرو: فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: نعم، أليست هي صحيفة؟ وقد قيل: لما كانت الشخوص شخوص النساء أنث العدد. وقوله: الراكب المزجي الراكب يقع على راكب البعير خاصةً؛ لأن راكب الخيل يقال له فارس. والمزجي، يقال زجا الشيء يزجو زجوًا وزجاءً، وأزجيته أنا وزجيته، إذا استحثثته. ومنه زجاء الخراج. وفي هذا الكلام دلالةٌ على أنه ليس يقنعه ما أوقعهم فيه. ألا ترى أنه يتوعد بالاستئصال إن لم يصح عذرهم. ويجوز أن يكون المراد بقوله ما هذه الصوت مالذي يتأدى إلي عنكم، ويتحدث به الناس من شانكم وقصتكم. ويقال: ذهب صوت هذا الأمر في الناس للتحدث به، وذهب صيت بني فلانٍ في الناس إذا ذكروا بالخير. فكأنه على هذا يوهمهم أنه لم يصح
[ ١٢٤ ]
عنده ما يقال، وأنهم إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة الساحة حينئذ عاقبهم. وهذا المعنى في نهاية الحسن.
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولًا يبرئكم إني أنا الموت
مفعول بادروا محذوف، كأنه قال: بادروا العقاب بالعذر، أي سابقوه. يقول: قل لهم: سارعوا بالعذر فيما ركبتموه واطلبوا قولًا يبرئ ساحتكم، إني أنا حتفكم إن لم تفعلوا، أي أقرب حينكم، وأسعى في هلاككم إن لم تفعلوا. ويقال: لمس والتمس في معنى طلب. على ذلك قول الله تعالى حاكيًا عن مسترقة السمع: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا "، أي طلبناها. وقال الشاعر:
ألام على تبكيه وألمسه فلا أجده
ويبرئكم في موضع الصفة للقول، أي قولًا مبرئًا لكم من الذنب.
إن تذنبوا ثم يأتيني يقينكم فما علي بذنبٍ عندكم فوت
قوله بذنبٍ أي بسبب ذنبٍ، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال بجزاء ذنبٍ، ويقال: لا فوت عليك في كذا، كما يقال لا بأس عليك. والمعنى: لا يفوتك. وفي هذا الكلام إيذانٌ بأنه مستعملٌ الأناة والحلم معهم، ثقةً بأنهم لا يفوتونه. يقول: إن تجرموا ثم يصح عندي تعمدكم في إجرامكم وتيقنكم ما يلحقكم من لائمةٍ وعيبٍ وأنكم أقدمتم مستهينين، وبمن يأخذكم نكيره غير حافلين، فما يفوتني مكافأتكم، ولا يعييني مؤاخذتكم ومحاسبتكم. وروي: ثم يأتيني يقيتكم وفسر على وجهين: أحدهما أن المعنى ثم تأتيني خياركم وأماثلكم، يقيمون معذرة أنفسهم، ويبينون أنهم لم يساعدوكم لا بالراي ولا بالفعل. وهذا كما يقال: فلانٌ من بقية أهله، أي من أفاضلهم. والآخر أن يكون المعنى: ثم تأتيني بقيتكم الذين لم يذنبوا متنصلين بأنهم قد فارقوكم وأسلموكم، لعظيم جنايتكم، وخلعوا ربقة النصرة والمعاونة لكم.
[ ١٢٥ ]