نتاهوا واسألوا ابن أبي لبيدٍ أأعتبه الضبارمة النجيد
يقول: كفوا عما أنتم عليه من تهييج الشر، وأمسكوا عن الشر في تأريث نار الحرب، واسألوا هذا الرجل: هل أرضاه الأسدى القوي الغليظ الشديد لما تحكك به، وهل وفاه ما استحقه عليه. كأنه جعل إنزاله السوء به والزيادة عند تكرهه له إعتابًا، على التهكم والسخرية. ومثله في ذلك قول بشرٍ:
غضبت تميمٌ أن تقتل عامرٌ يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
والضبارمة، قال الخليل: هو الجرئ على الأعداء. وسمي الأسد ضبارمًا. قال: ويقال هو الأسد الوثيق الخلق، المكتنز اللحم. ويجوز عندي أن يكون من معنى المضبر لا من لفظه، فيكون من باب دمثٍ ودمثرٍ، ودلامصٍ ودلاصٍ وسبطٍ وسبطرٍ. والنجيد: ذو النجدة، وهي البأس والشدة.
ولستم فاعلين إخال حتى ينال أقاصى الحطب الوقود
[ ٢٨٩ ]
حذف مفعول قوله فاعلين، وهو ما دل عليه قوله في البيت قبله " تناهوا " كأنه قال: ولستم فاعلين التناهي. يقول: ما أرى أنكم تنتهون إلى ما رسمت، أو تقبلون كلامي الذي إليه أشرت، حتى يعظم الخطب، ويبلغ البلاء أقصى مبالغ الجهد، فيتعدى الأقارب إلى الأباعد، ويتأدى من السقيم إلى البرئ. وذكر الحطب والوقود ها هنا مثلٌ لتفاقم الشأن واستفحاله، واتساع المكروه واشتماله. وقد مضى القول في " إخال " وكسر الهمزة منه.
وأبغض من وضعت إلى فيه لساني معشرٌ عنهم أذود
يقول: إني متعطفٌ على عشيرتي وإن كانوا مسيئين إلي، متكرمٌ معهم وإن كانوا متحاملين علي، فأبغض إنسانٍ أذكره وأتناوله بلساني متنقصًا له، قومٌ أدفع عنهم في وقتي، وأحامي عليهم في ظاهري أمري. وفي البيت تقديمٌ وتأخيرٌ، وأصل ترتيبه: أبغض من وضعت لساني فيه إلى قومٌ هكذا شأني معهم. وهذا تنبيهٌ على أن الرشاد في المحافظة على حرم ذوي الرحم وإن كانوا منابذين. فمن من قوله " أبغض من " نكرةٌ موصوفةٌ، وصفته وضعت لساني فيه الجملة. وقد فصل بين بعضها والبعض الآخر بقوله " إلي " وهو أجنبي منها. وهذا في الصفة أقرب منه في الصلة، فاحتماله فيه أقرب. ومثل هذا قول جرير:
فلو شاء قومي كان حلمي فيهم وكان على جهال أعدائهم جهلي
ومعنى أذود: أدفع، ومنه سمي اللسان المذود، وهذا كما سمي المفصل.
ولست بسائلٍ جارات بيتي أغيابٌ رجالك أم شهود
يحتمل وجهين: أحدهما أن يتبجح بتعففه في جاراته، وأنه لا يتطلب مفارقة القيمين بهن، بمرصدًا للتمكن منهن، فيكون ذلك باعثًا للسؤال عن رجالهن، ليغتنم الخلوة بهن. والثاني أن يريد رفع الطمع عن جيرته، وقلة الفكر في تتبع أحوالهم، عند حضورهم وغيبتهم، إذ لم يكن همه في النيل منهم، ومشاركتهم فيما يتجدد لهم من خير، فعل المسف للمطامع الدنية. ويكون هذا كما قال الآخر:
وإذا أتى من وجهه بطريقه لم أطلع مما وراء خبائه
وهذا أوجه، لأن ذكر العفة قد جاء من بعد.
ولست بصادرٍِ عن بيت جاري صدور العير غمره الورود
[ ٢٩٠ ]
هذا يشهد لما اخترناه في تفسير ما قبله، فيقول: وإذا دعاني الجار إلى بيته يكرمني ببره، ويشركني في خيره، لا أنصرف عنه والطمع فيه بحاله، والاستغنام للحقير من ماله وطعامه على حده، انصراف العير عن الماء وقد غمره الورود. والتغمير كالتصريد، وهو شربٌ دون الري ومنه الغمر: القدح الصغير، وقال الخليل: يتكايل به الماء في المهامه. وأنشد:
تكفيه حزه فلذٍ إن ألم بها من الشواء ويروى شربه الغمر
وقيل في غمره معناه أرواه من الغمر: الماء الكثير، فيكون المعنى: إني لا أتهالك على طامه فعل المنهوم الخسيس الهمة فاتضلع، لكني آكل أكلًا كريمًا. وهذا المعنى أقرب عندي.
ولا ملقٍ لذي الودعات سوطى ألاعبه وريبته أريد
هذا مثل قول الآخر:
لا آخذ الصبيان ألثمهم والأمر قد يغري به الأمر
وفي طريقته أيضًا قول الآخر:
أحب صبي السوء من أجل أمه وأبغضه من بغضها، وهو حادر
أي حسن الخلق: يصف عفته فيقول: لا ألقي سوطي بين يدي الصبي الذي في عنقه عوذٌ وتمائم لصغره، ألاعبه في الظاهر، وأضمر التودد إلى أمه وأطلب الخلوة بها لاشتغاله. وهذا إذا رويت: " وربته أريد "، وقوله ألاعبه في موضع الحال. ويروى: " وريبته " وهو أكشف. ورأيت من يقصر الأبيات الثلاثة على صفة العفة عن الجارات، وأن يكون كل بيتٍ منها لمعنىً أحسن وأولى.