وجدنا أبانا كان حي ببلدةٍ سوى ببن قيسٍ قيس عليلان والفزر
سوى في موضع جرٍ على أنه صفةٌ لبلدةٍ. والمعنى وجدنا أبانا حل ببلدةٍ متوسطة لديار قيس بن عيلان وسعد بن زيد مناة. والمعنى حل بين مضر ونأى عن ربيعة، لأن قيسًا والفزر من مضر. والفزر: لقبٌ لسعد بن زيد مناة. وقال الأخفش: سوى وسواءٌ في معنى العدل. وفي القرآن: " إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ". وفي موضع آخر: " اجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا سوى "، أي مكانًا عدلًا.
فلما نأت عنا العشيرة كلها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فلما أسلمتنا عندً يوم كريهةٍ ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
يقول: لما خذلتنا عشيرتنا - وهم ربيعة - فيما نابتتا، وتباعدت بنصرتها ومعونتها عنا، وترخصت في القعود عن مساعدتنا، اكتفينا بأنفسنا فأقمنا بدار الحفاظ والصبر، واتخذنا سيوفنا حلفاء على الدهر، فما خذلتنا في يوم حربٍ وعند مدافعةٍ وجهدٍ، ولا نحن غمضنا جفوننا على وترٍ وحقدٍ. والمعنى: إنا وسيوفنا توافينا فيما عليه تعاقدنا، وتوازرنا فيما له تحالفنا، فبلغنا نحن أقصى المبالغ في طلب الأوتار، وانتهت هي إلى
[ ٢٣٧ ]
أبعد النهايات في المعاونة والإحلاب. وهذا مثلٌ ضربه لا ستقلالهم فيما نهضوا فيه بعددهم وعدتهم، وبلائهم وصبرهم واستفنائهم عن القاعدين عن التحمل معهم والذب عنهم من عشيرتهم. وقوله: أنخنا كنايةٌ عن الإقامة والثبات في وجوه الأعداء، إلى أن وصلوا إلى المراد.
؟ وقال أبو صخرٍ الهذلي:
رأيت فضيلة القرشي لما رأيت الخيل تشجر بالرماح
جعل القرشي جنسًا لا عينًا. والمعنى: رأيت فضيلة القرشيين حين قستهم إلى غيرهم عند اشتجار الخيل بالرماح، وانتظامها بها للطعن المختلف بينهم، المتردد فيهم. وجواب لما مقدمٌ، وهو رأيت في صدر البيت. يريد: عند هذا الأمر بأن فضلهم على الناس، وقوله تشجر كل شيءٍ دخل بعضه في بعض فقد تشاجر، ومنه سمي المشجب مشجرًا، وتشاجر القوم بالرماح: تطاعنوا.
ورنقت المنية فهي ظلٌ على الأبطال دانية الجناح
انعطف رنقت على الفعل الذي تناوله لما. فيقول: ولما استدارت المنية وحلقت على رءوس الأبطال، فهي ظلٌ دانية الجناح من قمم رءوسهم. وهذا مثلٌ. والمعنى: لما أشرفت المنية عليهم إشراف الطائر على ما يريد إنكداره عليه، بانت فضيلتهم. ويقال: رنق الطائر في الهواء، إذا حلق واستدار، وجعل للمنية ظلًا تحقيقًا للاستعارة من الطائر، لأنه يوقع ظله في تلك الحالة. وجعل الجناح دانيًا تأكيدًا لطمع الموات في الفوز بالأرواح الاختلاس. وكذا الطائر في التحليق عند الانقضاض. وارتفع دانية الجناح وظلٌ جميعًا على أن يكونان خبرين لقوله هي، كما تقول: هذا حلوٌ حامضٌ، ويجوز أن يكون دانيةً صفة للظل، وأنثها على المعنى. ويجوز أن يروى دانية بالنصب على أن يكون حالًا.
[ ٢٣٨ ]
؟ وقال بعض بني عبسٍ:
أرق لأرحامٍ أراها قريبةً لحار بن كعبٍ لا لجرمٍ وراسب
يقول: يرق قلبي بما تملكه من الرحمة، فانعطف من أجل أواصر أراها قريبةً مشتبكةً بيننا، من جهة الحارث بن كعبٍ، لا من جهة جرمٍ وراسبٍ. والحارث بن كعبٍ في نزارٍ، وجرمٌ وراسبٌ من قضاعة، وهم من اليمن، وكان الحارث بن كعب انتقلت إلى اليمن، ولم تكن منهم، فلهذا قال ما قال. وقيل: عيسٌ وضبة والحارث بن كعبٍ إخوةٌ لأم " ورخم الحارث في غير النداء وذاك في الشعر جائز ".
وأنا نرى أقدامنا في نعالهم وآنفنا بين اللحى والحواجب
ذكر المشابه الحاصلة بينهم تأكيدًا للقربى والقرابة، الموجبة لما ذكر من الرقة والشفقة، على ما حدث فيهم من وقوع الفرقة، وسقوط التجاور والخلطة. فيقول: أرق للرحم القريبة، ولأنا نرى أقدامهم في النعال كأقدامنا، وآنفهم بين لحاهم وحواجبهم كآنفنا. وقال يبين اللحى ولم يقل لحاهم، لأنه بإضافة الأقدام والنعال اكتفى. وذكر الأطراف لأنها تظهر للعيون، والمشابه تعلق بها أكثر.
وأخلاقنا إطاءها وإباءنا إذا ما أبينا لا ندر لعاصب
جعل الشبه في البيت الأول في الخلق وها هنا في الخلق، تأكيدًا للأمر. وكان يجب أن يقول وأخلاقنا أخلاقهم، فاعتمد على أن العطف على قوله أقدامنا يدل ويغني - لما يفيده من الاشتراك - ما يغنى في قولهم قام زيدٌ وعمروٌ، وإن زيدًا منطلقٌ وعمروٌ. فكأنه قال: وأنا نرى أخلاقنا كأخلاقهم، إذا أعطينا أو أبينا. ثم ذكر ما دل على تشددهم بعد الامتناع فقال: وإذا أبينا لا نتسهل لمن يريد قهرنا. وأصل العصب الشد، ومنه العصابة. وضرع الحلوبة إذا اشتد الزمان بها، وساء خلقها فرفعت اللبن، يشد ويحتلب وإن ضجرت، لمساس الحاجة، واستيلاء الفاقة. وهذا الكلام مثلٌ ها هنا. ومثل البيت قول الآخر:
لا يخرج الكره مني غير مأبيةٍ ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
[ ٢٣٩ ]
يريد: إن الإكراه لا يزيدنا إلا امتناعًا، والاقتسار لا يحصل منا إلا إباءً. ويشبه من حيث النظم قوله: إذا ما أبينا لا ندر لعاصب الالتفات. ألا ترى أنه ترك ما كان يطرده من القول وصار كأنه التفت فقال ذلك.
؟ وقال بعض شعراء حمير:
من رأى يومنا ويوم بني التيم إذا التف صيقه بدمه
ذكر أنها قيلت في وقعةٍ كانت بين حمير وعبد مناة وكلبٍ، وكانت على حمير، وقتل فيها علقمة بن ذي يزن. وقوله من رأى لفظه استفهامٌ، ومعناه التفظيع والتعظيم. وأراد باليوم الوقعة، لولا ذلك لما صلح أن يكون إذا ظرفًا له. ومثله قوله تعالى: " إذا نقر في الناقور. فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ " ألا ترى أن في قوله " يوم عسيرٌ " معنى فعلٍ، فصار يومئذ ظرفًا له، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ نقر يومٍ عسير. فيقول: من شاهد يومنا مع بني التيم حين التف غبار الجو بالدم، وتندى به وابتل، حتى قل. والصيق: الغبار الجائل في الجو. وأضافه إلى اليوم لكونه فيه، والتفافه كان برشاش الدم القاطر من الجراح. ويقال صيقهٌ أيضًا: قال رؤية:
يتركن ترب الأرض مجنون الصيق
وصيقٌ: جمع صيقةٍ.
لما رأوا أن يومهم أشبٌ شدوا حيازيمهم على ألمه
قوله أشبٌ أي كثير الجلبة، ضيق الاختلاط، والمكان الأشب فيه شجرٌ ملتفٌ. وجواب لما شدوا. يقول: لما أحس بنو التيم بفظاعة الأمر واختلاط الشأن، وتضايق المجال والمكر، وطنوا أنفسهم على الألم، وشدوا حيزومهم للجهد. وتهيئوا للصبر على ما ابتلوا به وشقوا له. والحيزوم: الصدر، لأنه موضع الحزم والعزم، لاشتماله على القلب الذي هو موضعهما. ويسمى حزيمًا أيضًا، كأنه الموضع الذي يشد بالحزام. والحزام من الحزم أيضًا. وشد الحيازيم مثل للصبر على ما
[ ٢٤٠ ]
لحقهم. ويروى عن أمير المؤمنين ﵇:
حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك
يريد أشدد حيازيمك.
كأنما الأسد في عرينهم ونحن كالليل جاش في قتمه
يقول: إن هؤلاء القوم يتمنعون على الأعداء، ويبطشون بهم، تمنع الأسد في أجمتها وبطشها منها، ونحن كالليل، يريد نحن في كثرتنا وهولنا وإحاطتنا بهم، وإدراكنا إياهم كالليل إذا جاش ظلمته، وتراكم سواده. والقتام والقتم والقتمة، يجيء في الظلمة والغبار والريح، وجاء الفعل منه فقيل قتم يقتم قتمًا وقتامًا. وذكر بعضهم أنه أراد بالقتم القتام فحذف الألف، كما قال غيره ورواه قطربٌ:
ألا لا بارك الله في سهيلٍ إذا ما الله بارك في الرجال
ومصدر ما كان على فعل الفعل في الأكثر، فلا أدري لم أنكره حتى اعتذر بما ذكره. والعرين: الأجمة، أجمة الأسد، ثم يسمى مقتتل القوم عرينًا. ويقال للرجل: هو عرنةٌ لا يطاق، إذا كان خبيثًا وقوله عرينهم موضعه موضع الحال، والأسد خبر مبتدإ محذوفٍ، كأنه قال كأنما هم الأسد في مقتتلهم، ونحن كالليل في هولنا وإدراكنا، ويكون قوله جاش في قتمه، في موضع الحال أيضًا، والأجود أن يكون قد معه مضمرةً، أي كالليل وقد جاش.
لا يسلمون الغداة جارهم حتى يزل الشراك عن قدمه
مدحهم بحسن المحاماة على الجار. وترك الإسلام له مدة بقائه فيهم. وقوله الغداة أشار بها إلى غداة اللقاء، أو صباح الغوار. وقوله حتى يزل الشرك عن قدمه فيه قلبٌ، والأصل زلت القدم عن الشراك. وهذا مثلٌ لموته، لأنه لا يلبسها بعده. واحتمل الكلام القلب لأن المعنى لا يخيل كما لا يخيل في قولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي. وهذا كما يقال هريق جفانه، وصفر وطابه، وطوى حصيره، وخلى مكانه. والمعنى لا يسلمون الجار إلى أن يموت فيهم. ويجوز أن يكون الهاء من قدمه راجعًا إلى الشراك ويكون الكلام مثلًا لتفظيع الأمر،
[ ٢٤١ ]
وهذا كما يقال: زال السرج عن المعد وبلغ الحزام الطبيين وما أشبههما. والمعنى إلى أن يزلق الرجل عن مقره فلا يثبت في النعل، والمعنى إلى أن يبلغ الأمر كل مبلغٍ فظيع.
ولا يخيم اللقاء فارسهم حتى يشق الصفوف من كرمه
يقول: ولا يجبن عن اللقاء فارسهم فيحجم، ولا يضعف دونه فيحار، بل يقدم إقدامًا تخرق الصفوف به عزة نفسٍ، وكرم عرقٍ. واللقاء ينتصب على المفعول، الأصل عن اللقاء، فلما حذف حرف الجر تخفيفًا وصل الفعل فعمل. ويجوز أن يكون ظرفًا كمطلع الشمس، أراد وقت اللقاء: وقوله " حتى شق الصفوف " يريد إلى أن يشقها كرمًا منه، كأنه لا يرضى بأدون المنزلتين في اللقاء لنفسه، بل يأبى إلا النهاية والغلو. ويقال خام الرجل يخيم، إذا كاد كيدًا فلم يفلح فيه، أو تقدم في الحرب فنكص ولم يظفر. قال الشاعر، وأنشده الخيل:
رموني عن قسى الزور حتى أخامهم الإله بها فخاموا
ويجوز أن يكون قولهم خيم بالمكان، إذا أقام، والخيمة واحدة الخيام، منه أخذا.
وما برح التيم يعتزون وزر ق الخط تشفي السقيم من سقمه
ما برح وما زال بمعنىً، وليس هذا من البراح من المكان. ألا ترى أن الله قال: " لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ". ومحالٌ أن يبلغ هذا الموضع، وهو لم يبرح من مكانه. وكأن الكلمة في اللغة تدل على معنى المجاوزة، ولذلك قيل:
أبرحت ربًا وأبرحت جارًا
[ ٢٤٢ ]
أي جاوزت ما يكون عليه أمثالك من الخلال المرضية. والمعنى: ما زال بنو التيم ينتسبون ويدعون بيا لفلانٍ معتزين، أو بخذ الطعنة وأنا فلانٌ مدعين، والرماح المحمولة من الخط الزرق في ألوانها تشفي المتكبر من كبره، والعدو المخاتل من دائه. وقوله " السقيم " يجوز أن يكون كنايةً عن المنافق المداجي، كما قال الله تعالى لما وصفهم: " في قلوبهم مرضٌ ". ويجوز أن يكون يراد به الصلف التياه، كما يقال عند صفته: في طرفه شوس، وكما جاء في صفة السيوف:
يداوى بها الصاد الذي في النواظر
ويجوز أن يكون المعنى: والرماح في اختلافها تشفي الموتورين من أوتارهم وذحولهم. وجعل الفعل للرماح على المجاز والسعة. وقوله " وزرق الخط " الواو واو الحال. ويعتزون خبر ما برح.
حتى تولت جموع حمير فالفل سريعٌ يهوي إلى أممه
يريد: ما زالوا بهذه الحالة إلى أن انهزمت جيوش حمير، فصار المفول المنهزم مبادرًا في السرعة إلى مقصده. وقوله الفل مصدرٌ في الأصل وصف في وهو موضوعٌ موضع المفعول، ولذلك جاز أن تقول رجلٌ فلٌ وقومٌ فلٌ ونسوةٌ فلٌ. ومثله رجل فرٌ، إلا أنه موضع موضع فارٍ، ويقع للواحد والجميع.
وكم تركنا هناك من بطلٍ تسفى عليه الرياح في لممه
موضع كم نصبٌ على المفعول من تركنا. يقول: وكثيرًا تركنا في تلك المعركة من الأبطال وهم مصرعون معفرون في تلك المعركة، بادون للضياء والظلمة، تأتي الرياح بسفاها وتجعله في لممهم ولحاهم. وأشار بقوله هناك إلى معتزك القوم ومزدحم الطعن والضرب.
[ ٢٤٣ ]
؟ وقال حسان بن نشبة:
ونحن أجرنا الحي كلبًا وقد أتت لها حميرٌ تزجي الوشيج المقوما
يقول: أدخلنا في جوارنا هذه القبيلة، وضمنا لها الذب عنها وسلامتها على ما يعرض لها، وقد قصدت لها حمير بعددها وعدتها، تسوق نحوها الخيل المطهمة، والرماح المنقفة. والوشيج أصله عروقٌ، ثم جعل للرماح أنفسها. وجعلها مثقفةٍ، ليرى عنايتهم بإعداد الآلة لزمان المقاتلة.
تركنا لهم شق الشمال فأصبحوا جميعًا يزجون المطي المخزما
لهم يعني لحمير. والعرب تجعل الشمال كنايةً عن الشؤم. فمن أمثالهم:
صبحناهم فغدوا شأمةً
ويقولون: خليناهم والجانب الأشأم، وخليناهم والناحية الشؤمي. فكأنهم يقولون ذلك للمنهزم وإن كان مأخذه في الشق الأيمن، لأن الشؤم معه والإدبار، أي طريق أخذ، ومسلكٍ توجه. وهذا كما يقال: فلانٌ مني باليمين، وفلانٌ بالشمال، وفلانٌ بعلياء عندي، وفلانٌ في المهابط؛ إذا جعلت منزلته عليةً أو متسفلةً. ومعنى البيت: خلينا لهم في الانهزام شق الشؤم وجانبه، فأصبحوا يزجون مطاياهم مخزمةً حسرى كالةً لا يبقى على وجاها، ولا يتقي حفاها والخزم: الشد والقطع. ويقال شراك مخزوم، أي مقطوعٌ.
فلما دنوا صلنا ففرق جمعهم سحابتنا تندى أسرتهم دما
يقول، لما قربوا في الالتقاء، صلنا عليهم وبطشنا بهم، فبدد شملهم جيشنا الذي كأنه سحابةٌ تندى طرائقها دمًا. جعل السحابة ترشح بالدم لما كثر سفكهم له. وتندى في موضع الحال. وانتصب دمًا على التمييز. ويقال: ندى يندى ندىً. والأسرة: الأوساط والطرائق، واحدها سررٌ، ويستعمل في بطون الأودية أيضًا.
فغادرن قليلًا من مقاول حميرٍ كأن يخديه من الدم عندما
[ ٢٤٤ ]
يقول: تركت الخيل في تجوالها منهم رئيسًا مصروعًا، قد سال الدم على خذيه فكأنهما خضبا بالعندم، وهو دم الأخوين. والمقول بلغة أهل اليمن: القيل، والمقاول والمقاولة جمعه، وهم الأقوال والإقبال. وقيلٌ مخففٌ من قيلٍ، فهو من الواو أيضًا، ومعناه هو الذي ينفذ قوله، ويعتمد أمره ونهيه. ووصف به الملك كما وصف بالهمام، لما كان إذا هم بالشيء فعل، لا يرد ولا يدفع. وقيل للسلان مقولٌ لما كان آلةً في القول.
أمر على أفواه من ذاق طعمها مطاعمنا يمججن صابًا وعلقما
يقول: صارت مطاعمنا مرة على أفواه من ذاقها، حتى إنها تمج بعد ذواقها صابًا وعلقمًا، والصاب: شجرةٌ لها لبنٌ إذا أصاب العين حلبها. والعلقم: شجرٌ مرٌ، وقيل هو الحنظل. حكى أن العلقمة المرارة. ويقال علقم الحنظل. إذا أدرك مرارته. وقوله: " يمججن " حالٌ للأفواه، والتقدير أمر مطاعمنا على أفواه الذائقين طعمها، ماجةً صابًا وعلقمًا، أي إذا ذاقت رمت بما هو كهذين. والمعنى: إذا خبرنا حصل منا على ما هو كذلك. وجاز في طعمها الإضمار قبل الذكر؛ لأن الكلام يحتمل نية التقديم والتأخير، لما كان رتبة الفاعل وهو مطاعمنا التقديم، ورتبة المفعول وما يجري مدراه التأخير، وهو على أفواه من ذاق طعمها. وفي طريقة هذا البيت قول الآخر:
فإن نغمز مفاصلنا تجدنا غلاظًا في أنامل من يصول
والطعم: الذوق، والمطاعم: جمع المطعم. ويقال هو حسن المطعم، أي طيب الطعام.
؟ وقال في ذلك أيضًا:
وإني وإن لم أفد حيًا سواهم فداءٌ لتيمٍ يوم كلبٍ وحميرا
يقول: أنا وإن كنت أربأ بقدري، وأرفع نفسي أن أجعلها فداءً الغيري، أفدي تيمًا بها؛ لما كان منهم من حسن البلاء يوم اجتماع كلبٍ وحمير للقتال. وجواب الشرط، وهو قوله " إن لم أفد " قد اشتمل عليه الكلام، لأن المعنى: إن لم أفد غيرهم ترفعًا، فإني أفديهم تشكرًا.
[ ٢٤٥ ]
أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا
أبا، الفعل لبني التيم. يقول: امتنعوا من أن يخلوا بين جيرانهم قبيلة كلبٍ وبين أعدائهم حمير، وقد ارتفع غبار الموت حتى التف في الجو. وأراد بالجار والعدو الكثرة، إذ كان المراد بهما القبيلتين، وإنما أضاف النقع إلى الموت تهويلًا، ويجوز أن يريد بالموت الحرب. وتكوثر: تفوعل من الكثرة، يريد تراكم الغبار والتفافه. وهذا الذي أشار إليه بقوله تكوثر من التراكم، جعله بعضهم كالسحاب، وجعله بعضهم يسد عين الشمس حتى ظهرت له الكواكب، وحتى صار النهار بسببه كالليل. وتجاوز المتنبي جميع ذلك، حتى بلغ حدًا من الإفراط مسنشنعًا فقال:
عقدت سنابكها عليها عثيرًا لو تبتغي عنقًا عليه أمكنا
وإذا أردت بالموت المنية يكون المراد: كأن الموت أثار الرهج في سلب النفوس حتى كثف في الهواء. وهذا مثلٌ.
سموا نحو قيل القوم يبتدرونه بأسيافهم حتى هوى فتقطرا
يعني بني تيمٍ. يقول: ارتفعوا نحو رئيس القوم مستبقين إليه بأسيافهم فتناولوه حتى سقط. ومعنى تقطر: وقع على أحد قطريه. والقطران: الجانبان. وفي الكلام اختصارٌ، كأنه قال: ابتدروه بالأسياف وضربوه حتى سقط، فحذف ضربوه. وموضع يبتدرونه نصبٌ على الحال، وتعلق حتى بالمحذوف الذي بينته.
وكانوا كأنف الليث لا شم مرغمًا ولا نال قط الصيد حتى تعفرا
الأسد أحمى الحيوان أنفًا، ويبلغ من عجبه بنفسه أنه لا يتواضع لأكل صيد غيره. ونسب الأنفة إلى الأنف كما ينسب الحمية إليه. يقال: هو أحمى أنفًا من فلان، وآنف أنفًا منه، وحمى فلانٌ أنفه من كذا، أي أنف منه ولم يرض به. وحسن في الكناية عن الإباء والتصون عن الدناءة والمذلة قوله: " لا شم مرغمًا " بعد ذكر الأنف. فيقول: وكان بنو التيم في التمنع كالليث الذي لا يغمض على قذى، ولا يشم مرغمًا ومذلًا، ولا يصبر لشيءٍ على هوان، ولا يعطف على مكرهٍ وصغارٍ، ولا ينال الصيد قط حتى يكون هو المعفر. والعفر: التراب. هذا إذا رويت " قط الصيد
[ ٢٤٦ ]
حتى تعفرا " وقال ذلك لأنه فيما يتصيده لا يرضى بالاختلاس، ولا يعتمد على صيد غيره والإصابة منه. ويروى: ولا نال فظ الصيد حتى تعفرا. والفظ: ماء الكرش. ويقال افتظظت الكرش، إذا استخرجت ذلك الماء منه. والمعنى: ولا نال الفظ من بطن الصيد حتى يتعفر أي يسقط في العفر ويتمكن منه. والأسد يبدأ من الصيد بحشو بطنه، فلذلك خص الفظ. والثميلة خلاف الفظ، لأنه اسمٌ لما يبقى في البطن من العلف والرطبٍ. وقط في الماضي كأبدًا في المستقبل، وهو معرفةٌ مبنيٌ كأمس، وأبدًا نكرةٌ كغدًا. ولا نال ولا شم في معنى لم يشم ولم ينل. ومثله قوله تعالى: " فلا صدق ولا صلى ".
؟