دعا دعوةً يوم الشرى يا لمالكٍ ومن لا يجب عند الحفيظة يكلم
يقول: استغاث هذا الرجل في يوم اجتماعنا بالشرى - وهو مكانٌ معروف اتفقت فيه وقعةٌ فنسب يومها إليه - استغاثةً وقال: يا لمالكٍ؛ ومن لا يجب. إذا استصرخ، ولم يغث إذا استنصر، يهتضم ويجرح. وقوله يا لمالكٍ اللام فيه للإضافة، وإنما فتح لأنه دخل على ما هو واقعٌ موقع المضمر، فكما يفتح لام الإضافة مع المضمر كذلك فتح مع المنادى لوقوعه موقعه. فإن قيل: فما المدعو؟ قلت: مالك، كأنهقال: دعائي لمالكٍ. والحفيظة: الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها، أي يغضب. وكذلك الحفظة. قال:
وحفظةٍ أكنها ضميري
وقوله يكلم كناية عن الغلبة أو القتل.
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم
الفنيق: الفحل المفنق لا يركب لكرامته على أهله. والمسدم: الفحل الهائج الممنوع. ويقال: عتله يعتله ويعتله جميعًا، إذا قاده بعنف. ومعنى يا ضيعة الفتيان وإن كان لفظه لفظ النداء، معنى الخبر، كأنه قال: ضاع الفتيان جدًا. فيقول على وجه التعجب والاختصاص: ما أضيع الفتيان في ذلك الوقت وفي تلك الحالة. كأنه لما لم ينصر في تلك الحالة ولم يحضره فتىً يعينه كان الفتيان ضائعين، إذ كانوا يعنفون في قودهم إياه، وهو كأنه فحل مشدود الفم خوفًا من صياله، فلا يناكر
[ ١٥٥ ]
بنفسه، ولا يدافع أحد دونه. وذكر بعضهم أن هذا المقتول هو بهدل بن قرفة، أحد بني نبهان، وأخذ بسبب دم ابن جعدة المخزومي فقتل بالمدينة صبرًا. وما اقتص في الأبيات يدل على خلافه.
أما في بني حصنٍ من ابن كريهةٍ من القوم طلاب التراث غشمشم
هذا الكلام بعثٌ وتحضيض لأبناء حصن. والغشمشم: الذي يركب رأسه ولا يهاب الإقدام على شيء. والكلام لفظة استفهامٌ، والمعنى معنى التمني، كأنه يبعث ويحضض من يطلب دمه إذ فات نصرته حيًا. فيقول: أما في هذه القبيلة ابن حربٍ متناهٍ في طلب الدم وإدراك الثأر، ظلومٌ غشوم، يركب الكرائه والأمور الصعبة، غير مرعوٍ ولا منقبض.
فيقتل جبرًا بامرئ لم يكن له بواءً ولكن لا تكايل بالدم
جبرٌ هو القاتل لولي هذه المرأة. ويقال: باء فلانٌ بفلان يبوء بواءً، إذا ارتضى لقتله بدلًا منه. وأبأت فلانًا بفلانٍ، أي قتلته. وانتصب يقتل على أنه جواب التمني بالفاء، والعامل في الفعل أن مضمرة، أي أما فيهم رجلٌ هكذا فيقتل هذا الرجل برجل لم يكن له نظيرًا، فيكون في دمه وفاءٌ بدمه، ولكن سقطت المكايلة في الدماء منذ جاء الإسلام، فلا يقتل بدل الواحد إلا واحدٌ، شريفًا كان أو وضيعًا.