- ١ - الْمَعْنى يَقُول يَا ليتنى بعد لأحوزه وياليته وجد ليحوزنى فنجتمع وَلَا نفترق وَقَالَ الواحدى لقد ضمنى واشتمل على وجد بِمن ضمه الْبعد وقارنه فياليتنى بعد لأحوزه فَأَكُون مَعَه وياليته وجد ليحوزنى ويتصل بى
٢ - الْغَرِيب الصلد الشَّديد الصلب الْمَعْنى يَقُول أسر بِأَن يجدد لى الْهوى ذكر شئ قد مضى من أَيَّام وصل الْأَحِبَّة وَلَذَّة التواصل وَإِن كَانَ الْحجر الصلب لَا يبْقى لَهُ تأسفا عَلَيْهِ وحنينا إِلَيْهِ
٣ - الْغَرِيب السرب الْجَمَاعَة من الْإِبِل وَالْغنم وَغَيرهمَا والقلام نبت خَبِيث الرائجة وَقيل هُوَ القاقلى وَهُوَ أردأ النَّبَات وَقيل هُوَ الحمض الْمَعْنى يَقُول السهاد إِذا كَانَ لأجلكم رقاد عندنَا فى الطّيب والقلام على خبث رِيحه إِذا رعته إبلكم ورد وَالْمعْنَى لحبى إياك أستلذ الصعب وَيحسن فى عينى مَا لم يحسن
٤ - الْإِعْرَاب يُرِيد أَنْت ممثلة أى مصورة فى خاطرى وسرى فكأنك حَاضِرَة عندى لم تفارقينى وَحَتَّى كَانَ إياسى من وصلك وعد مِنْك لى بالوصال
٥ - الْإِعْرَاب من روى يعبق بِالْفَتْح عطفه على تكادى وَمن رَفعه عطفه على تمسحين الْمَعْنى يَقُول لما صُورَتك فى خاطرى وفكرى قربت منى حَتَّى كَادَت تعبق روائحك فى ثوبى وَحَتَّى كدت تمسحين مدامعى الْجَارِيَة من خدى لِأَنَّك مصورة فى فكرى وَقد جعلتك مَوْجُودَة لذَلِك الْقرب قَالَ أَبُو الْفَتْح وَمثله
(لِئِنْ بَعُدَتْ عْنِّى لقَدْ سَكَنَتْ قَلْبِى )
[ ٢ / ٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول إِذا غدرت الْحَسْنَاء لم تعد سجاياها لِأَن عَادَتهَا الْغدر وَقد وفت بالعهد إِذا غدرت لِأَن عهدها أَن لَا تبقى على عهد فوفاؤها غدر وَهَذَا // معنى حسن جدا //
٧ - الْغَرِيب الفرك بِالْكَسْرِ البغض وَمِنْه قَول رؤبة
(فعَفَّ عَن أسْرارِها بعدَ الغَسَقْ وَلم يُضِعْها بَين فِرْك وعَشَقْ)
وفركت الْمَرْأَة زَوجهَا بِالْكَسْرِ تفركه فركا إِذا أبغضته فهى فارك وفروك وَكَذَلِكَ فركها زَوجهَا وَهَذَا الْحَرْف يخْتَص الْمَرْأَة وَزوجهَا الْمَعْنى يَقُول النِّسَاء إِذا أحببن فهن أَشد فى الْحبّ من الرِّجَال وَإِذا أبغضن كن كَذَلِك لِأَنَّهُنَّ أرق طباعا من الرِّجَال وَأَقل صبرا وَهن إِذا أبغضن جاوزن الْحَد فى البغض وَلم يكن قصدا وَقَوله فَاذْهَبْ حَشْو تمّ بِهِ الْوَزْن أى لَا تطمع فى حبها إِذا أبغضت واذهب لشأنك قَالَ الواحدى وَإِن شِئْت قلت فَاذْهَبْ فى ذَاك الفرك
٨ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا مُبَالغَة فى كلتا حالتيها من الحقد وَالرِّضَا
٩ - الْإِعْرَاب الْكَاف للتشبيه يُرِيد الذى ذكرت من أَحْوَال النِّسَاء كَذَلِك وأخلاق فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ أى مثل ذَلِك أَخْلَاق وَإِن شِئْت جعلته الْخَبَر وَالضَّمِير فِي بهَا رَاجع إِلَى الْأَخْلَاق لِأَن ضلال الهادى بأخلاقهن إِذا اغْترَّ بصبابتهن الْمَعْنى يَقُول أخلاقهن كَمَا ذكرت والذى يهدى غَيره رُبمَا يضل بِهن وَيخْفى عَلَيْهِ الرشد حَتَّى يبتلى بِهن قَالَ أَبُو الْفَتْح يخلصن فى أول الْأَمر فَإِذا تمكن من قُلُوب الرِّجَال نكصن عَن وصلهن
١ - الْمَعْنى يَقُول لحب الصِّبَا فضل على غَيره وَهَذَا اعتذار مِنْهُ لِأَنَّهُ ذكر غدرهن ومساوئ أخلاقهن واستدرك على نَفسه بِأَنَّهُ لَا يقدر على مُفَارقَة هوى نَشأ عَلَيْهِ طفْلا فَهُوَ يزْدَاد على طول الْأَيَّام حِدة وَشدَّة
[ ٢ / ٤ ]
- الْغَرِيب المزن جمع مزنة وهى المطرة قَالَ أَوْس بن حجر
(ألم تَرَ أنَّ الله أنزل مزنة وعُفْر الظِّباء فى الكِناس تَقَمَّعُ)
والمزنة أَيْضا السحابة الْبَيْضَاء وَالْبرد حب المزن وَسَقَى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا﴾ وَقَالَ ﴿لأسقيناهم﴾ وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر ﴿نسقيكم﴾ فى النَّحْل والإفلاح الْمُؤمنِينَ بِفَتْح النُّون من سقى وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ من سقى الْمَعْنى أحسن فى المخلص لامتزاجه بالنسيب وَجعل الممدوح يسقى السَّحَاب لِأَن نداه أَكثر من فيض السَّحَاب فَالْمَعْنى سقى الممدوح كل سَحَابَة سقتكم مُكَافَأَة فها على مَا فعلت من سقيكم فَهُوَ يَغْدُو إِلَيْهَا بالسقيا كَمَا كَانَت تَغْدُو إِلَيْكُم وَهَذَا مُبَالغَة فى الْمَدْح
١٢ - الْمَعْنى يُرِيد لتروى السَّحَاب كَمَا تروى بلادك وينبت الْفَخر وَالْمجد فَوْقك لِأَن عطاياك تورث الشّرف وَالْمجد فتشرف السَّحَاب بِمَا تنَال من جدوك وَيكون الْفَخر وَالْمجد نابتين فِيهَا لما شربت من سقياك وَهَذَا كَلَام أَبى الْفَتْح وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا
١٣ - الْإِعْرَاب الْبَاء فى قَوْله بِمن مُتَعَلقَة بينبت أى ينْبت بجود من أَو بِسَبَبِهِ وَإِن شِئْت كَانَت مُتَعَلقَة بقوله لتروى الْغَرِيب زحمته زحما فَهُوَ مصدر زحمته وزاحمته زحاما الْمَعْنى يَقُول إِذا ركب شخصت الْأَبْصَار لركوبه لعظم قدره وجلالته وَالنَّظَر إِلَيْهِ ليتعجبوا من حسنه وهيبته
١٤ - الْغَرِيب البنان واحده بَنَاته وهى الْأَصَابِع والإيماء الْإِشَارَة الْمَعْنى يَقُول إِذا بدا اشْتغل النَّاس بِالنّظرِ إِلَيْهِ والإيماء نَحوه فيلقون مَا فى أَيْديهم من السِّلَاح وَلَا يَشْعُرُونَ وَهَذَا من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾
[ ٢ / ٥ ]
- الْمَعْنى يَقُول هُوَ ضروب لهام الشجعان الْأَبْطَال فى الْحَرْب وَهُوَ خَفِيف مسرع إِلَى الْحَرْب وَقيل خَفِيف لحذقه بالفروسية إِذا أجهد الْفرس وَبلغ بِهِ من الْجهد مَا يثقل عَلَيْهِ حمل اللبدى يُرِيد أَنه شُجَاع سريع إِلَى لِقَاء الْأَعْدَاء
١٦ - الْإِعْرَاب بَصِير بدل من ضروب وَهُوَ خبر الِابْتِدَاء وَالضَّمِير فى خبأته رَاجع إِلَى الْحَمد الْمَعْنى يَقُول هُوَ بَصِير بكسب الْحَمد فَهُوَ يتَوَصَّل إِلَيْهِ من كل جِهَة بإحسانه وَكَرمه وَلَو بعد الْوُصُول إِلَيْهِ فَلَو لَاحَ لَهُ الْحَمد فى فَم الْأسد لتوصل إِلَيْهِ رَغْبَة فِيهِ
١٧ - الْإِعْرَاب الْبَاء فى قَوْله بتأميله تتَعَلَّق بيغنى وبالذعر مُتَعَلق بينقد الْمَعْنى يُرِيد أَن أمله يغنى وخوفه يقتل فَإِذا أمله أحد صَار غَنِيا قبل أَن يَأْخُذ عطاءه وَمعنى غناهُ أَنه ينْفق مَا يملكهُ ثِقَة بالخلف من عِنْده إِذا كَانَ أمله عطاءه فيعيش عَيْش الْأَغْنِيَاء وَإِذا خافه أحد يقطع خوفًا مِنْهُ قبل أَن يقْتله
١٨ - الْإِعْرَاب الْوَاو فى قَوْله وسيفى وَاو قسم الْمَعْنى أقسم بِسَيْفِهِ على أَن الممدوح السَّيْف لَا الذى يَسلهُ للضرب لِأَنَّهُ أمضى فى الآمور مِنْهُ وَقَوله
(وَمِمَّا السَّيْف مِنْهُ لَك الغمد )
يُرِيد وغمدك من الْحَدِيد الذى مِنْهُ السَّيْف يعْنى درعه وَالْمعْنَى إِذا لبست الدرْع كنت فِيهِ كالسيف وَكَانَ لَك كالغمد قَالَ أَبُو الْفَتْح لأَنْت السَّيْف لَا الذى تسله لضرب الْأَعْدَاء أى أَنْت فى الْحَقِيقَة سيف لَا الذى يطبع من الْحَدِيد فَإِذا لبست الدرْع والجوشن كنت كالسيف وَكَانَا لَك كالغمد
١٩ - الْإِعْرَاب النجيع دم الْجوف ويثقب يضئ والزند القداحة الْمَعْنى لولاك وَلَوْلَا جودة طعنك لم يعْمل الرمْح شَيْئا كَمَا أَنه لَوْلَا الْقدح لم تضئ النَّار وَإِنَّمَا استخرج بالقدح وَالْعرب تقسم بِالسَّيْفِ وَالرمْح وَالْفرس قَالَ هجرس بن كُلَيْب
(أما وسيفى وغراريه ورمحى ونصليه وفرسى وَأُذُنَيْهِ لَا يدع الرجل قَاتل أَبِيه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ)
والمتنبى جرى على هَذَا الْقسم
[ ٢ / ٦ ]
- الْإِعْرَاب قَوْله من يتَعَلَّق بِمَحْذُوف فَمن جعله الْآبَاء أَرَادَ أَن كرمه وجوده خلائقه من الْآبَاء وَمن قَالَ هُوَ الرِّجَال أثبت لَهُ أَقْوَامًا يَفْعَلُونَ فعله الْمَعْنى يَقُول هم يشكروننى على الْأَخْذ وَالْقَبُول وَأَنا أشكرهم على الإنعام وهم يبرون بِأَن يبروا فَيُؤْخَذ برهم قَالَ أَبُو الْفَتْح أشكرهم على برهم وهم يشكروننى على مسألتى إيَّاهُم وَقبُول برهم فَهُوَ ينعم عَلَيْهِم بِقبُول إنعامهم كَقَوْل زُهَيْر
(كأنَّكَ تُعْطِيهَ الذى أنتَ سائِلُهْ )
٢١ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى جعل الشُّكْر الذى شكره وعَلى أَخذ نوالهم هبة ثَانِيَة مِنْهُم لَهُ وَلَفظ الْهِبَة فى الشُّكْر هَهُنَا يستحسن وَزِيَادَة فى الْمَعْنى وَمثله للخريمى
(كأنَّ عَلَيْهِ الشُّكْرَ فِى كُلّ نِعْمَةٍ يُقَلدُنِها بادِيا ويُعِيدُها )
٢٢ - الْغَرِيب صِيَام يُرِيد قيام يُقَال صَامَ الْفرس إِذا وقف والجياد الْخُيُول الْمَعْنى يَقُول خيولهم واقفة عِنْد أَبْوَابهم وهى كَأَنَّهَا تعدو فى قُلُوب الْأَعْدَاء لخوفهم مِنْهُم وَالْمعْنَى أَنهم يخوفون وَإِن لم يقصدوا أحدا
٢٣ - الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَفد وهم الَّذين يقدمُونَ على الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول هم غير محجوبين عَمَّن يقصدهم من الْوُفُود وَأَمْوَالهمْ ترد على من يفد إِلَيْهِم لأَنهم يبعثونها إِلَيْهِ فهم غير محجوبين وَأَمْوَالهمْ مبذولة لمن أَتَى وَمن لم يَأْتِ
[ ٢ / ٧ ]
- الْغَرِيب العبدى جمع عبد يُقَال عباد وَعبيد وعبدى وعبداء والمطهمة الْخَيل الحسان والجرد القليلة الشّعْر الْمَعْنى يَقُول عطياته كالعساكر تجمع كل شئ فَفِيهَا الْخَيل وَالْعَبِيد وَهَذِه كلهَا مَوْجُودَة فى عطياته
٢٥ - الْمَعْنى أَنه جعله قمرا وأباه شمسا لعلوهما وشهرتهما يُرِيد قد لبس الْعلَا ثوبا ثمَّ قَالَ ترفق حَتَّى تبلغ الرجولية
٢٦ - الْغَرِيب غالها ذهب بهَا أى رَفعهَا من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول قد استوفى بقده قد الدرْع من جَمِيع الجوانب وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه طَوِيل الْقَامَة لَيْسَ بأقعس وَلَا أحدب لِأَنَّهُمَا يرفعان من جَمِيع الجوانب وَجعل قده بقد الرمْح لطوله واعتداله
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول تخلق بالمكارم فى حَال مروديته وَكَذَا آباؤه فعلوا فعله وهم مرد
٢٨ - الْغَرِيب الْعَدَم الْفقر وَكَذَلِكَ الْعَدَم وَالضَّم لُغَة فِيهِ كالسقم والسقم والرشد والرشد والحزن والحزن إِذا ضممت الأول سكنت الثانى وَإِن فَتحته فتحت الثانى والرمد جمع رمدة ورمد الرجل هَاجَتْ عينه فَهُوَ رمد وأرمد الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا نظر إِلَيْهِ الأرمد بَرِئت عينه وَجعل الْعَدَم كالداء الذى يطْلب لَهُ الشِّفَاء وَجعل الممدوح يشفى الْأَعْين الرمد بحسنه وجماله وَهُوَ كَقَوْل ابْن الرومى
(يَا أرْمَدَ العَيْنِ قُمْ قُبالَتَهُ فَدَاوِ باللَّحْظِ نحوَهُ رَمَدَكْ)
٢٩ - الْإِعْرَاب إِنَّهَا من فتحهَا جعلهَا مَفْعُولا لَهُ وَالتَّقْدِير حبانى بذلك لِأَنَّهَا فَلَمَّا حذف اللَّام نَصبه بحبانى وَقيل هى بدل اشْتِمَال وَمن كسرهَا جعلهَا ابْتِدَاء وَتمّ الْكَلَام عِنْد مَخَافَة سيرى وَالْبَاء فى بأثمان مُتَعَلقَة بحبانى الْمَعْنى يَقُول أعطانى عَن الْخُيُول السوابق الدَّنَانِير وَالْفِضَّة لِأَنَّهَا أَثمَان الْخَيل وَغَيرهَا وَلم يُعْط الْخَيل خوفًا أَن أسافر عَلَيْهَا وأفارقه لِأَن الْخَيل تعين الرجل على السّفر والبعد وهى من أَسبَاب الْفِرَاق
[ ٢ / ٨ ]
- الْإِعْرَاب شَهْوَة عطف على مَخَافَة وَقَوله بهَا الضَّمِير للأثمان وَقيل بل الضَّمِير لقَوْله ثَنَاء ثَنَاء الْغَرِيب ثَنَاء ثَنَاء يُرِيد مثنى مثنى الْمَعْنى يُرِيد أعطانى شَهْوَة معاودة الْبر أشتهى أَن يعود لى فى الْعَطاء لِأَن جوده مثنى وَإِن كَانَ هُوَ فَردا لَا نَظِير لَهُ
٣١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى مثلهَا رَاجع إِلَى العطايا وهى أَثمَان السوابق وَإِن شِئْت إِلَى قَوْله ثَنَاء ثَنَاء وَقَوله وفى يدهم وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع وَأَرَادَ أَيْديهم الْغَرِيب الرفد بِالْكَسْرِ الْعَطاء وبالفتح الْمصدر تَقول رفدته أرفده بِالْكَسْرِ وَالضَّم رفدا والرفادة شئ كَانَت قُرَيْش تترافد بِهِ فى الْجَاهِلِيَّة تخرج فِيمَا بَينهَا مَالا تشترى بِهِ للحجاج طَعَاما يَأْكُلُونَهُ أَيَّام الْمَوْسِم فَكَانَت الرفادة والسقاية لبنى هَاشم والسدانة واللواء لبنى عبد الدَّار والرافدان دجلة والفرات قَالَ الفرزدق يُخَاطب يزِيد بن عبد الْملك ويهجو عمر بن هُبَيْرَة الفزازى
(أأطْعَمْتَ العِراقَ وَرَافِدَيْهِ فزاريًّا أحَذَّ يَدَ القميصِ)
يُرِيد أَنه خَفِيف الْيَد نسبه إِلَى الْخِيَانَة الْمَعْنى يَقُول لَا زلت ألْقى حاسدى بِمثل عطاياه حَتَّى أفطر قُلُوبهم فيموتوا غيطا وحسدا
٣٢ - الْغَرِيب القباطى جمع قبطية وهى ثِيَاب بيض تعْمل فى مصر والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا دُعَاء عَلَيْهِم بِأَن لَا يرزقوا شَيْئا ويجحدوا مَا رزقوه إِن كَانُوا رزقوا شَيْئا لانْقِطَاع الْخَيْر عَنْهُم قَالَ الواحدى وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بل هَذَا الْمَعْنى مختل وَالْمعْنَى أَنهم يجحدون وَيُنْكِرُونَ مَا أعطانيه وَيَقُولُونَ لم يُعْطه وَلم ينل شَيْئا يَقُول فَلَا زَالَ الْأَمر على هَذَا آخذ الْأَمْوَال وَيَقُولُونَ لم يَأْخُذ
٣٣ - الْغَرِيب الشأو الْغَايَة ويرمون يطْلبُونَ الْمَعْنى يَقُول الشُّعَرَاء يطْلبُونَ أَن يبلغُوا غايتى فى الشّعْر وهم لَا يقدرُونَ فهم كالقرد الذى يحْكى ابْن آدم فى أَفعاله مَا خلا الْكَلَام فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يحكيه فهم كالقرود لَا يقدرُونَ أَن يتكلموا بِمثل كلامى
[ ٢ / ٩ ]
- الْغَرِيب ابْن دأية الْغُرَاب لِأَنَّهُ يَقع على دأية الْبَعِير فينقرها قَالَ الشَّاعِر
(إنَّ ابْنَ دَأْيَةَ بالفِراقِ لَمُولَعٌ وبِمَا كَرِهْتُ لَدائمُ التَّنْعابِ)
والخلد جنس من الفأر أعمى يُوصف بحدة السّمع وفى الْمثل أسمع من خلد الْمَعْنى يَقُول جموعهم قَليلَة أى لَا يبصرها الْغُرَاب مَعَ حِدة نظره وَلَا يسمع أَصْوَاتهم الْخلد مَعَ حِدة سَمعه يُرِيد أَنهم على حقارتهم وقلتهم كلا شئ
٣٥ - الْمَعْنى يَقُول منى اسْتَفَادَ النَّاس الغرائب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَمر النَّاس بالمجازاة أى فجازوا يَا قوم عَن ذَلِك بترك الذَّم إِن لم يكن حمد قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى قَوْله
(فجازوا )
كَمَا تَقول هَذَا الدِّرْهَم يجوز على خبث نَقده أى يتسمح بِهِ فغايتهم أَن لَا يذموا فَأَما أَن يحْمَدُوا فَلَا قَالَ العروضى قضيت الْعجب مِمَّن يخفى عَلَيْهِ مثل هَذَا ثمَّ يدعى أَنه أحكم سَماع تَفْسِيره مِنْهُ وَإِنَّمَا يَقُول النَّاس منى استفادوا كل شعر غَرِيب وَكَلَام بارع ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْخطاب فَقَالَ فجازونى على فوائدى بترك الذَّم إِن لم تحمدونى عَلَيْهَا قَالَ ابْن فورجة كَذَا يتمحل للمحال وَمَا يصنع بِهَذَا الْبَيْت على حسنه وَكَونه مثلا سائرا إِذا كَانَ تَفْسِيره مَا قد زعم فَلَقَد تعجبت من مثل فَضله إِذا سقط على مثل هَذِه الرذيلة وَإِنَّمَا قَوْله
(فجازوا )
أَمر من المجازاة يَقُول منى استفدتم كل غَرِيبَة فَإِن لم تحمدونى عَلَيْهَا فجاوزني بترك المذمة
٣٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَن عليا أَبَا الممدوح وَابْنه الْحُسَيْن هما خير قومهما وهم خير قوم فى النَّاس ثمَّ بعد هَؤُلَاءِ اسْتَوَى الْأَحْرَار وَالْعَبِيد فَلَا يكون لأحد على أحد فضل وَهَذَا كَقَوْل أَبى تَمام
(مُتَوَاطِئُو عَقِبَيْكَ فِى طَلَبِ العُلا والمَجْدِ ثُمَّتَ تَسْتَوِى الأقْدَامُ)
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول فى مَكَانَهُ أى فى الْمَكَان الذى ينبغى أَن يكون فِيهِ لِأَنَّهُ أهل للمدح فَزَاد حسنا كَمَا أَن العقد يستحسن فى علق الْمَرْأَة الْحَسْنَاء هَذَا قَول أَبى الْفَتْح نَقله الواحدى حرفا فحرفا
[ ٢ / ١٠ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول اتّفقت لنا زِيَارَة هَذِه الْقرْيَة بَغْتَة وَكَانَت لطيبها كالنوم فى جفن الساهد
٢ - الْغَرِيب المعج ضرب من السّير سهل لين معجت الرّيح إِذا هبت هبوبا لينًا وَكَذَلِكَ الْإِبِل وَالْخَيْل وَقَالَ
(يَبصِلُ الشَّدَّ بِشَدّ فإذَا وَنَتِ الخيلُ مَع الشدّ مَعَجْ)
وَأَصله فى الْإِبِل وَقد يستعار للخيل الْمَعْنى يَقُول سَارَتْ بِنَا الْخَيل سيرا لينًا سهلا مَعَ هَذَا الممدوح وَأَبُو مُحَمَّد يقْصد ضَيْعَة لَهُ وَأَبُو الطّيب لَا يدرى
٣ - الْمَعْنى يَقُول هى تشبه الْجنَّة لطيبها وخصبها وَكَثْرَة مَائِهَا لَو كَانَ ساكنها مخلدأ
٤ - الْغَرِيب الأغيد الناعم الْمَعْنى قَالَ الواحدي شبه خضرَة نباتها على حمرَة ترابها بخضرة الشَّارِب على الخد المورد والغيد لَا يُنبئ عَن الْحمرَة لكنه أَرَادَ أغيد مورد الخد حَيْثُ شبه الخضرة الْحمرَة بِمَا فى خَدّه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(كأنَّ أيْدِيهِنَّ بالمَوْماةِ أيْدِى جَوَارٍ بِتْنَ ناعماتِ)
يُرِيد أَن أيدى الْإِبِل انخضبت من الدَّم كَمَا أَن أيدى الجوارى الناعمات حمر بالخضاب وَلَيْسَت النعومة من الخضاب فى شئ
٥ - الْمَعْنى يَقُول أردْت أَن أشبههَا بشئ فَوجدت الشبيه مَعْدُوما لَهَا أَو كالمستحيل الْوُجُود وَقَالَ الواحدى فَإِن قيل هَذَا يُنَاقض مَا قبله لِأَنَّهُ ذكر التَّشْبِيه قُلْنَا ذَاك تَشْبِيه جزئى لِأَنَّهُ ذكر خضرَة النَّبَات على حمرَة التُّرَاب وَأَرَادَ هُنَا تَشْبِيه الْجُمْلَة فَلم يتعارضا
٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا وَاحِدَة فى الْحسن لأوحد فى الْمجد
[ ٢ / ١١ ]
- ١ - الْغَرِيب الوغد الرجل الدنئ وَهُوَ الذى يخْدم بِطَعَام بَطْنه يُقَال وغد الرجل بِضَم الْغَيْن والوغد قدح من سِهَام الميسر لَا نصيب لَهُ الْمَعْنى يَقُول رَأَيْت الْعَاقِل الثبت بك دنيئا وأحرار الْمُلُوك عبيدا يُرِيد شرفه وسيادته
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّرَاب قد أَخذ مِنْهُ وَأَنه أَرَادَ النهوض عَنهُ فَمَنعه وَيَقُول لَهُ أَنْت أعرف بِكُل شئ وَأَنت أهْدى النَّاس إِلَى المكارم والفضائل
٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنا أَحْمد لَا أنصرف فَإِن تفضلت بانصرافى عددته من عنْدك عَطِيَّة
٧٨
- ١ - الْمَعْنى يَقُول قد بلغت المُرَاد من كل شئ وَبَلغت الْغَايَة حَتَّى سبقت بنى آدم فى كل غَايَة
٣ - الْغَرِيب السمانى جنس من الطير أكبر من العصفور وَيكون السمانى وَاحِدًا وجمعا كالحبارى
[ ٢ / ١٢ ]
- ١ - الْغَرِيب الشامخ العالى والأقود المنقاد طولا والأصيد الذى فى عُنُقه اعوجاج من دَاء بِهِ وَالصَّيْد دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فى أعناقها الْمَعْنى يُرِيد أَن رَأس هَذَا الْجَبَل الشامخ يَمْتَد فى الْهَوَاء وَفِيه اعوجاج فَشبه بيافوخ أى بِرَأْس الْبَعِير الذى بِهِ الصَّيْد وَهُوَ اعوجاج الْعُنُق
٣ - الْغَرِيب الجلمد الصخر والمسد حَبل من لِيف أَو شعر الْمَعْنى يُرِيد أَنه يسَار من هَذَا الْجَبَل فى طَرِيق ضيق يلتوى عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قوى المسد فى التوائه واعوجاجه
٥ - الْغَرِيب التمرد اللّعب والبطر الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى إِنَّمَا قَالَ لم يعْهَد لِأَن الْأَمِير مَشْغُول بالجد والتشمير عَن اللّعب قَالَ ابْن فورجة يعْهَد بِفَتْح الْيَاء أى لم يعْهَد الْجَبَل الصَّيْد فِيهِ لعلوه وارتفاعه وَلم يقدر على وحشه إِلَّا هَذَا الْأَمِير أَلا ترى كَيفَ وَصفه بالارتفاع ووعورة الطَّرِيق قَالَ الواحدى وَيجوز على رِوَايَة من ضم الْيَاء أَن الصَّيْد لم يعْهَد بِهَذَا الْجَبَل فَيكون الْمَعْنى على مَا ذكر ابْن فورجة
٧ - الْمَعْنى أى بِكُل كلب يسقى دم الصَّيْد أسود اللَّوْن معاود يعاود الصَّيْد ويتكرر عَلَيْهِ مقود جعل لَهُ مقود يُقَاد بِهِ إِلَى الصَّيْد مقلد أى قلادة
[ ٢ / ١٣ ]
- الْغَرِيب ذرب حاد والحفافان الجانبان الْمَعْنى أى لهَذَا الْكَلْب كل نَاب حاد على جانبى حنك كالمبرد للطرائق الَّتِى فِيهَا
١١ - الْغَرِيب الثأر دم الْقَتِيل يُقَال ثأر فلَان أَبَاهُ إِذا أَخذ بدمه الْمَعْنى هُوَ كطالب الثأر من غير حقد أى بغض وضغن يطْلب ثأرا من الصَّيْد وَلم يكن عَلَيْهِ ضغن وَقَوله
(وَلَا يدى )
أى لم يُطَالب بدية وَلَا تجب عَلَيْهِ دِيَة
١٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يطْلب من هَذِه الخشفان فَوضع الخشف مَكَان الخشفان وَهُوَ ولد الظبية
١٥ - الْمَعْنى يَقُول ثار الخشف من مَكَان أَخْضَر أى نَبَات أَخْضَر وَشبهه فى خضرته بالشعر أول مَا يَبْدُو فى خد أَمْرَد
١٧ - الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ محير لَا يهتدى إِلَّا لحتفه وَهُوَ هَلَاكه فَكَأَنَّهُ يطْلب حتفه لسرعته إِلَيْهِ وَلم يَقع إِلَّا على بطن يَد الْكَلْب فَحصل فِيهِ وَقَالَ الواحدى إِنَّه لما يئس من الْفَوْت مد يَدَيْهِ لاطئا بِالْأَرْضِ
[ ٢ / ١٤ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى لَهُ للشاعر لَا للخشف قَالَ الواحدى وَابْن جنى جعله للخشف وَلَا معنى لَهُ وَقَالَ هُوَ للكلب لم يدع وَصفا لنَفسِهِ يَقُوله الشَّاعِر لَهُ الْمَعْنى قَالَ لم يدع الْكَلْب وَصفا لَهُ يصفه بِهِ الشَّاعِر لِأَنَّهُ لَو اجْتهد فى وَصفه لم يُمكنهُ أَن يأتى بِأَكْثَرَ مِمَّا فعله الْكَلْب من سرعَة الْعَدو والثقافة للصَّيْد
٢١ - الْغَرِيب القرم السَّيِّد المكرم وَأَصله من الْبَعِير المقرم وَهُوَ الذى لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل والأبطال جمع بَطل وَهُوَ الشجاع والغر الْبيض الْمَعْنى يُرِيد أَنه سيد مكرم مسود فى قومه يقبض أَرْوَاح الشجعان بِسَيْفِهِ وَله نعم بيض عود تعود مرّة بعد مرّة
٢٣ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه النعم الْبيض لَا أقدر على حصرها وَإِذا ذكرت فَضله لَا يفنى لِأَن فَضله كثير ومناقبه غزيرة ويروى
(إذَا أرَدْت حَدَّها لم أحْدُدِ )
وَالْمعْنَى وَاحِد
[ ٢ / ١٥ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ هَذَا الْوَدَاع وداع الْمُحب الكمد بل هُوَ وداع الرّوح للجسد لأنى أَمُوت وَلَقَد نظر فى هَذَا إِلَى قَول الْقَائِل
(أتَتْ ودموعُها فى الخدّ تحكِى قَلائدَها وَقد جعلَتْ تَقُول)
(غَداةَ غِدٍ تُحَثُّ بِنا المَطايا فهلْ لكَ مِن وَداع يَا خليلُ)
(فقلتُ لهَا لَعَمرُكِ لَا أبالى أَقَامَ الحىُّ أم جدّ الرَّحيلُ)
(يُهَدَّدُ بالنَّوَى مَن كَانَ حَيًّا وَهَا أَنا قبلَ بَيْنكُم قتيلُ)
٢ - الْغَرِيب زفته حركته وساقته زفاه يزفيه زفيانا وَعدا جَاوز الرملة من بِلَاد الشَّام وهى بِلَاد الممدوح الْمَعْنى إِذا أرسل الله سحابا فَلَا جَاوز بِلَادكُمْ دَعَا لَهُم بالسقيا وَالْخصب وَالْبركَة حبا لَهُم
٣ - الْمَعْنى يُرِيد يَا فراته لَا تعد إِلَيْنَا أبدا فَإنَّا نكره فِرَاقه
[ ٢ / ١٦ ]
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد وبنية أى مَبْنِيَّة يعْنى مَا اتخذ من الخيزران لهَذِهِ البطيخة وعَاء وَلما قَالَ
(بطيخة )
جعلهَا نابتة وَجعل نباتها بِنَار فى كف صانعها وَذَلِكَ أَنَّهَا أديرت بِالْيَدِ على النَّار حَتَّى كملت صناعتها وَأغْرب فى هَذَا الْمَعْنى
٢ - إِنَّه شبه القلادة الْمَنْظُومَة فى حسنها بِفِعْلِهِ وَكَلَامه الذى يتَكَلَّم بِهِ كل مشْهد من النَّاس وهم الْجَمَاعَة بِاللُّؤْلُؤِ المنظوم
٣ - الْغَرِيب الكأس مُؤَنّثَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بكأس من معِين بَيْضَاء﴾ وَقَالَ أُميَّة ابْن أَبى الصَّلْت
(مَن لم يُمتْ عَبْطَةً يُمت هَرَما للمَوْت كأسٌ والمَرءُ ذائِقُها)
وَقيل لَا تسمى كأسا حَتَّى يكون فِيهَا الشَّرَاب الْمَعْنى إِنَّه جعل الشَّرَاب أسود لسواد الكأس ثمَّ جعله ممزوجا ليعلوه الزّبد فَيُشبه القلادة الَّتِى عَلَيْهَا قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ تَشْبِيه وَاقع وَإِن كَانَ على شراب أسود وفى لَفظه مَا لَيْسَ فى لفظ الشَّرَاب الْأَصْفَر والأحمر إِلَّا أَنه شبه مَا رأى بِمَا أشبهه أَلا ترى إِلَى قَول الْقَائِل فى تشبيهه
(لَو ترانى وفِى يَدي قَدحُ الدُّو شابِ أبصَرْتَ بازِيا وغَزَالا ١)
[ ٢ / ١٧ ]
- ٢ - الْغَرِيب رواعى جمع راعية وهى أول شَعْرَة تطلع من الشيب وفى مَعْنَاهَا رائعة وروائع لِأَنَّهَا تروع قَالَ أَبُو الْفَتْح الْجَعْد الْأسود لِأَن السوَاد أبدا يكون مَعَ الجعودة قَالَ ابْن فورجة لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الزنج يشيبون وَلَا تَزُول الجعودة وَإِنَّمَا أَتَى بالجعد للقافية وروى الخوارزمى
(دواعى )
بِالدَّال يعْنى أَوَائِله الْمَعْنى يَقُول هَذِه البطيخة السَّوْدَاء الَّتِى عَلَيْهَا لآلئ هى من الند وَكَأن بقايا العنبر عَلَيْهَا أول الشيب فى السوَاد يُرِيد هى سَوْدَاء واللون أَبيض فَشبه اللَّوْن بِأول الشيب فى الشّعْر الْأسود وَهَذَا حسن جدا
٨٣
- ٢ - الْغَرِيب المعوصات الصعبات وأعوص الْأَمر واعتاص أى اشْتَدَّ وأراكض أطارد وقسرا قهرا وَكرها وقسره أكرهه وغلبه الْمَعْنى يَقُول أَنا أكره وأغلب عويص الشّعْر حَتَّى يلين لى فأذلله وغيرى الشُّعَرَاء بعد فى المطاردة فَلم يتَمَكَّن من أَخذ الصَّيْد يصف قُوَّة فكره وَسُرْعَة خاطره وَجعل الشّعْر كالصيد النافر يصطاد كرها فَلهَذَا اسْتعْمل لفظ الطراد
[ ٢ / ١٨ ]
- ١ - الْإِعْرَاب نصب بَيْننَا مَفْعُولا بِهِ لَا ظرفا وَالضَّمِير فى جنده للبين الْمَعْنى أحب من الْأَيَّام أَن تنصف وَتجمع بينى وَبَين من أحب وَهَذَا مَا لَا تحبه الْأَيَّام وأشكو إِلَيْهَا الْفِرَاق وهى الَّتِى حتمت بالبين فَكيف تشكينى وَالْأَيَّام جند الْفِرَاق لِأَنَّهَا سَبَب الْبعد والتفريق وَالزَّمَان هُوَ الذى حتم بِالْعَبدِ بَيْننَا
٢ - الْإِعْرَاب وَصله وصده معطوفان على الضَّمِير فى يجتمعن من غير توكيد وَهُوَ جَائِز عندنَا وَقد بَيناهُ عِنْد قَوْله
(مضى وَبَنوهُ وانفردت بفضلهم )
وَذكرنَا حجتنا وَحجَّة الْبَصرِيين الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَت الْأَيَّام تبَاعد منا الْحبّ المواصل لنا فَكيف تقرب الْحبّ الْقَاطِع الهاجر لنا وَجعل الْأَيَّام تَجْتَمِع مَعَ الْوَصْل والصد لِأَنَّهُمَا يكونَانِ فِيهَا والظرف مُتَضَمّن للْفِعْل فَإِذا تضمنه فقد لابسه فَكَأَنَّهُ اجْتمع مَعَه وَالْمعْنَى الْأَيَّام تبَاعد عَنى حبيبا وَوَصله مَوْجُود فَكيف أطمع فى حبيب صده مَوْجُود
٣ - الْمَعْنى خلق الدُّنْيَا يَأْبَى أَن تديم حبيبا فَكيف نطلب مِنْهَا شَيْئا ترده علينا قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا كَانَ مَا فى يدك لَا يبْقى عَلَيْك فَمَا قد مضى أبعد من الرُّجُوع إِلَيْك وَقَالَ الواحدى الدُّنْيَا قد أَبَت أَن تديم لنا على الْوِصَال حبيبا فَكيف أطلب مِنْهَا حبيبا تَمنعهُ عَن وصالنا أَو كَيفَ أطلب مِنْهَا أَن ترده إِلَى الْوِصَال وَهَذَا كَمَا قيل لبَعْضهِم قد ظهر نبى يحيى الْأَمْوَات فَقَالَ مَا نُرِيد هَذَا بل نُرِيد أَن يتْرك الْأَحْيَاء فَلَا يميتهم
٤ - الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا لَو ساعفتنا بِقرب أحبتنا لما دَامَ ذَلِك لنا لِأَنَّهَا بنيت على التَّغَيُّر والتنقيل فَإِذا فعلت غير ذَلِك كَانَت كمن تكلّف شَيْئا هُوَ ضد طباعه فيدعه عَن قريب وَيعود إِلَى طبعه وَهَذَا كَقَوْل الْأَعْوَر
(ومَن يقترف خُلْقا سِوَى خُلْق نَفْسِهِ يَدَعْهُ وتغْلِبه عَلَيْهِ الطَّبائعُ)
(وأدْوَمُ أخْلاقِ الفَتى مَا نَشابِهِ وأقْصَرُ أفْعالِ الرّجالِ البَدَائِعُ)
وكقول حَاتِم
(ومَن يبْتدِعْ مَا ليسَ مِن خِيمِ نفسِه يَدَعْه ويغلِبْهُ على النَّفْسِ خِيمُها)
وكقول إِبْرَاهِيم بن المهدى
(من تحلى شِيمَة لَيست لَهُ فارقته وأقامت شيمه)
(يَأيُّها المُتَحَلِّى غيرَ شِيمَتِه إنَّ التَّخلُّقَ يأتى دونه الخُلُقْ)
وأصل هَذَا كُله من كَلَام الْحَكِيم تغير الْأَفْعَال الَّتِى هى غير مطبوعة أَشد انقلابا من الرّيح الهبوب وَأحسن أَبُو الطّيب بقوله
(فى طباعك ضِدّه )
كل الْحسن
[ ٢ / ١٩ ]
- الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والمها بقر الْوَحْش ويولى يمطر وَهُوَ من الولى أى الْمَطَر الثانى وَالْأول الوسمى الْمَعْنى يَدْعُو لهَذِهِ الْإِبِل الَّتِى حملت فَوْقهَا النسْوَة اللاتى دُمُوعهنَّ جرين على خدودهن لأجل الْفِرَاق جَريا بعد جرى فَجعل بكاءهن كالمطر على خدودهن جَريا من أجل فرقتنا // وَهَذَا كَلَام حسن //
٦ - الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق الْمَعْنى يُرِيد ان الوادى كَانَ متزينا بهم فَلَمَّا ارتحلوا عَنهُ تعطل كالعنق إِذا سقط عَنهُ العقد وهى القلادة من الْجَوْهَر قَالَ أَبُو الْفَتْح بقى الوادى مستوحشا لرحيلهم عَنهُ كالجيد إِذا سقط عقده وَبِه مَا بالقلوب أى قد قَتله الوجد لفقدهم قَالَ وَيجوز أَن يكون شبه تفرق الحمول والظعن يدر تناثر فَتفرق وَنقل الواحدى قَوْله الأول حرفا فحرفا وَنقل ابْن القطاع قَوْله الثانى حرفا فحرفا وَزَاد فِيهِ يصف زهو الوادى وَحسنه فتعوض بالعطل من الحلى
٧ - الْغَرِيب الأحداج جمع حدج وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة حدوج وَهُوَ مركب النِّسَاء مثل المحفة وحدجت الْبَعِير أحدجه بِالْكَسْرِ حدجا إِذا شددت عَلَيْهِ الحدج وَأنْشد الْأَعْشَى
(أَلا قُلْ لَمْيثاءَ مَا بالُها ألِلْبَيْنِ تُحْدَجُ أجْمالُهَا)
وتفاوح تفَاعل من فاح يفوح وهى لَفْظَة فصيحة حَسَنَة والغانيات جمع غانية وهى الْمَرْأَة الَّتِى غنيت بجمالها وَقيل بزوجها والرند نبت طيب الرَّائِحَة يُقَال إِنَّه الآس الْمَعْنى يَقُول لما سَارَتْ الأجمال المحدجة فَوق الرند والغانيات قد تطيبن بالمسك اخْتلطت الريحان ففاحت فعبق الوادى بِالرِّيحِ الطّيبَة قَالَ أَبُو الْفَتْح قَالَ لى المتنبى لما قلت هَذِه القصيدة وَقلت تفاوح أَخذ شعراء مصر هَذِه اللَّفْظَة فتداولوها بَينهم قَالَ أَبُو الْفَتْح وهى لَفْظَة فصيحة مستعملة سَأَلت شيخى أَبَا الْحرم مكى بن رَيَّان الماكسينى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ الدِّيوَان سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة مَا بَال شعر المتنبى فى كافور أَجود من شعره فى عضد الدولة وأبى الْفضل ابْن العميد فَقَالَ كَانَ المتنبى يعْمل الشّعْر للنَّاس لَا للممدوح وَكَانَ أَبُو الْفضل ابْن العميد وعضد الدولة فى بِلَاد خَالِيَة من الْفُضَلَاء وَكَانَ بِمصْر جمَاعَة من الْفُضَلَاء وَالشعرَاء فَكَانَ يعْمل الشّعْر لأجلهم وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْد سيف الدولة بن حمدَان جمَاعَة من الْفُضَلَاء والأدباء فَكَانَ يعْمل الشّعْر لأجلهم وَلَا يبالى بالممدوح وَالدَّلِيل على هَذَا مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح عَنهُ فى قَوْله
(تفاوَح )
لِأَنَّهُ لما قَالَهَا أنكرها عَلَيْهِ قوم حَتَّى حققوها فَدلَّ أَنه كَانَ يعْمل // الشّعْر الْجيد // لمن يكون بِالْمَكَانِ من الْفُضَلَاء
[ ٢ / ٢٠ ]
- الْإِعْرَاب أى وَرب حَال قَالَ أَصْحَابنَا وَاو رب تعْمل فى النكرَة الْخَفْض بِنَفسِهَا وَإِلَيْهِ ذهب الْمبرد وَقَالَ البصريون الْعَمَل لرب مقدرَة وَحجَّتنَا أَنَّهَا نائبة عَنْهَا فَلَمَّا نابت عملت الْخَفْض بِنَفسِهَا وَكَانَت كواو الْقسم لِأَنَّهَا نابت عَن الْبَاء وَيدل على أَنَّهَا لَيست عاطفة أَن حرف الْعَطف لَا يجوز الِابْتِدَاء بِهِ وَنحن نرى الشَّاعِر يَبْتَدِئ بِالْوَاو فى أول القصيدة كَقَوْلِه
(وبلدةٍ ليسَ بهَا أنِيسُ )
وَمثله كثير يدل على أَنَّهَا لَيست عاطفة وَحجَّة الْبَصرِيين على أَن الْوَاو وَاو عطف وحرف الْعَطف لَا يعْمل شَيْئا لِأَن الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وحرف الْعَطف غير مُخْتَصّ فَوَجَبَ أَن لَا يكون عَاملا وَإِذا لم يكن عَاملا وَجب أَن الْعَامِل رب مقدرَة وَيدل على أَن رب مضمرة أَنه يجوز ظُهُورهَا مَعهَا نَحْو وَرب بَلْدَة الْغَرِيب غول الطَّرِيق مَا يغول سالكه من تَعبه أى يهلكه الْمَعْنى يَقُول رب حَال فى الصعوبة كإحدى هَؤُلَاءِ النسْوَة فى بعد الْوُصُول إِلَيْهَا من دونهَا بعد الطَّرِيق وتعبه وَمَا فِيهِ من المهالك يُرِيد أَنه يطْلب أحوالا عَظِيمَة لَا يقدر على الْوُصُول إِلَيْهَا كَمَا أَنه لَا يقدر على الْوُصُول إِلَى إِحْدَى هَؤُلَاءِ الغانيات قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيجوز أَن تكون الْحَال حَسَنَة كإحدى هَؤُلَاءِ الغوانى فى الْحسن
[ ٢ / ٢١ ]
- الْغَرِيب الوجد السعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ كَأَنَّهُ يَقُول أَنا أتعب خلق الله لزِيَادَة همتى وقصور طاقتى من العى عَن مبلغ مَا أهم بِهِ وَهَذَا مَأْخُوذ مِمَّا فى الحَدِيث " إِن بعض الْعُقَلَاء سُئِلَ عَن أَسْوَأ النَّاس حَالا فَقَالَ من قويت شَهْوَته وبعدت همته واتسعت مَعْرفَته وَضَاقَتْ مقدرته " وَقد قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد
(رُزِقْتُ لُبًاّ وَلم أُرْزَقْ مروءته وَمَا المروء إِلَّا كَثْرَة المَال ) إِذا أردْت مساماة تَقاعَدُ بِى عَمَّا يُنَوِّهُ باسمِى رِقَّةُ الحالِ)
وأصل هَذَا كُله من قَول الْحَكِيم أتعب النَّاس من قصرت مقدرته واتسعت مروءته
١٠ - الْمَعْنى يَقُول لَا تسرف فى الْعَطِيَّة فالإسراف غير مَحْمُود وَلَا تذْهب مَالك كُله فى طلب الْمجد والرياسة لِأَن الْمجد لَا يعْقد إِلَّا بِالْمَالِ فَإِذا ذهب المَال انحل ذَلِك العقد الذى كَانَ يعْقد بِالْمَالِ أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر عبد الله بن مُعَاوِيَة
(أرَى نفسِى إِلَى أُمورٍ يٌ قصِّرُ دُون مَبلغهنّ مالى)
(فَلَا نَفْسِى تُطاوِعنى لبُخْلٍ وَلا مالى يبلِّغُنِى فَعالى)
يتأسف على قُصُور مَاله عَن مبلغ مُرَاده وَأَبُو الطّيب يَقُول ينبغى أَن تقصد فى الْعَطاء وتدخر الْأَمْوَال لتعطيك الرِّجَال فتنال الْعلَا وَتصل إِلَى الشّرف وَضرب لَهُ مثلا فَقَالَ
١١ - الْمَعْنى يُرِيد لَا يقوم الْكَفّ إِلَّا بالزند وَكَذَا الْأَعْدَاء لَا تبيدهم إِلَّا بِالْمَالِ فَجعل الْكَفّ مثلا للمجد والزند مثلا لِلْمَالِ فَكَمَا لَا يحصل الضَّرْب إِلَّا باجتماع الْكَفّ والزند كَذَلِك لَا يحصل الْعُلُوّ وَالْكَرم إِلَّا باجتماع المَال وَالْمجد فهما قرينان وَقد بَينه فِيمَا بعده
[ ٢ / ٢٢ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن صَاحب المَال بِلَا مجد فَقير وَصَاحب الْمجد بِلَا مَال مُتَوَجّه عَلَيْهِ زَوَال مجده لعدم المَال وَيُرِيد أَن صَاحب المَال إِذا لم يطْلب الْمجد بِمَالِه فَكَأَنَّهُ لَا مَال لَهُ لمساواته الْفَقِير وَهَذَا كُله من قَول الْحَكِيم أعظم النَّاس محنة من قل مَاله وَعظم مجده وَلَا مَال لمن كثر مَاله وَقل مجده
١٣ - الْمَعْنى يَقُول فى النَّاس من هُوَ دنئ الهمة يرضى بِدُونِ الْعَيْش وَلَا يبالى وَلَا يطْلب مَا وَرَاء ذَلِك ويرضى أَن يعِيش عَارِيا رَاجِلا وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الذى قد يصل الْعَارِف بِهِ للمعالى وَهُوَ من كَانَ يرضى بِهَذَا الْعَيْش طَائِعا لله تَعَالَى فَهَذَا عندى هُوَ صَاحب الهمة الْعَالِيَة
١٤ - الْمَعْنى يَقُول أَنا لى قلب لَيْسَ لَهُ غَايَة ينتهى إِلَيْهَا فى مَطْلُوب أجعَل لَهُ حدا لأنى إِذا جعلت لَهُ حدا من مطلوبى لَا يرضى بذلك بل يطْلب مَا وَرَاءه قَالَ أَبُو الْفَتْح وصف نَفسه بقلة الْعقل وَمَا أبعد قَوْله هَذَا من قَوْله
(لِسَرِىًّ لِبَاسه خَشِنُ الْقطن )
فَاسْتَكْثر المروى وَلم يذكر الديباج وَالْحلَل فَقَوله هُنَا سُقُوط وَقَوله لسرى جُنُون
١٥ - الْغَرِيب الشفوف جمع شف وهى الثِّيَاب الرقيقة تربه تنعمه الْمَعْنى يَقُول قلبى يَأْبَى التنعم وَإِنَّمَا يطْلب المعالى بِلبْس الدروع الَّتِى تثقله فَلَا يطْلب رفاهية لجسمه بِأَن يكسوه ثيابًا رقيقَة ناعمة فيختار لبس الدروع المثقلة على لبس الثِّيَاب الْخَفِيفَة لِأَنَّهَا أدعى إِلَى طلب الْفَخر والشرف
١٦ - الْغَرِيب التهجير السّير فى كل الهواجر والمهمه الفلاة الواسعة من الأَرْض والربد النعام الذى خالط سوادها بَيَاض الْمَعْنى يَقُول قلبى يكلفنى السّير فى كل هاجرة فى كل فلاة بعيدَة لَا لفرسى عليق إِلَّا نبتها وَلَا لى زَاد بهَا إِلَّا النعام أصيدها فآكلها
١٧ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح رجاؤه وقصده عشيرة من لَا عشيرة لَهُ وَقَالَ الواحدى رَجَاء أَبى الْمسك وقصدى إِيَّاه أمضى سلَاح أتقلده على الْحَوَادِث والنوائب يُرِيد أَنَّهُمَا يدفعان مَا أخافه وَهُوَ أحسن من قَول أَبى الْفَتْح وَهُوَ المخلص من أحسن المخالص
[ ٢ / ٢٣ ]
- الْغَرِيب الأسرة الْأَهْل والأقارب الْمَعْنى يُرِيد رجاؤه وقصده عشيرة من لَا عشير لَهُ كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيُرِيد أَنَّهُمَا ينصران على الزَّمَان من لَا نَاصِر لَهُ من حوادثه وتصرفه
١٩ - الْغَرِيب الْوَلَد يكون جمعا وَيكون وَاحِدًا قَالَ الشَّاعِر
(فليتَ زِيادًا كَانَ فى بطن أُمِّهِ وليتَ زِيادًا كَانَ وُلْدَ حِمارِ)
وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة والكسائى فى سُورَة نوح ﴿مَاله وَولده﴾ بِضَم الْوَاو وَسُكُون اللَّام أَرَادوا الْجمع وَهُوَ كَقِرَاءَة البَاقِينَ فى الْمَعْنى الْمَعْنى يُرِيد أَنه وهب لَهُ غلمانا وَأَنه مِنْهُم فى عشيرة لِأَنَّهُ إِذا ركب ركبُوا مَعَه وأطافوا بِهِ فكأنهم عشائره وأقاربه فَهُوَ لنا كالوالد وَنحن لَهُ كالأولاد البررة نفديه بِأَنْفُسِنَا
٢٠ - الْغَرِيب الدّرّ اللَّبن يُقَال در الضَّرع بِاللَّبنِ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه قد عَم بِمَالِه الصَّغِير وَالْكَبِير فالذى يملكهُ هُوَ مِمَّا وهبه لَهُ والذى يرضعه الصَّغِير والذى يمهد لَهُ للنوم وَهُوَ سَرِير ينَام فِيهِ الصبى يمهد لَهُ بفرش وَهُوَ المهد هُوَ أَيْضا من مَاله لِأَنَّهُ ملك لَهُ الشّرف وَالعطَاء وَالْفضل فى كل شئ قَالَ أَبُو الْفَتْح يهب للنَّاس أنفسهم كَمَا يهب لَهُم المَال لِأَنَّهُ مَالك الْجَمِيع كَبِيرهمْ وصغيرهم
٢١ - الْإِعْرَاب قَوْله وجرده وحد الضَّمِير وَلم يقل وجردها لِأَن الرِّبَاط اسْم وَاحِد غير متكثر بِمَنْزِلَة الْقَوْم والرهط الْغَرِيب الخطى مَنْسُوب إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ خطّ هجر لِأَن الرماح تقوم فِيهِ والرباط اسْم لجَماعَة الْخَيل وَيُقَال الرِّبَاط الْخَيل الْخمس فَمَا فَوْقهَا قَالَ الشَّاعِر الْعَدْوى بشير بن أَبى حمام العبسى
(وإنَّ الرّباطَ النُّكْد من آل داحس أبَيْنَ فَمَا يُفْلِحْنَ يَوْمَ رِهانٍ)
وتردى الرديان وَهُوَ ضرب من الْعَدو الْمَعْنى يَقُول نَحن فى خدمته أَيْن نزل وَأَيْنَ ضرب قبابه تعدو بِنَا الْخَيل فى صحبته القب والضوامر
[ ٢ / ٢٤ ]
- الْغَرِيب نمتحن أى نختبر وامتحنت الْبِئْر إِذا أخرجت مَا فِيهَا من التُّرَاب والطين والقسى الفارسية يُرِيد المنسوبة إِلَى فَارس يُرِيد صَنْعَة الْعَجم الْمَعْنى لما جعل السِّهَام وابلا اسْتعَار لَهَا رعدا وَشبههَا بالوابل لكثرتها وبدوى الرَّعْد لِكَثْرَة أصواتها يَقُول نَحن نتناضل بالقسى ونترامى بِالسِّهَامِ فهم يتلاعبون بالأسلحة كعادة الفرسان فى الْحَرْب
٢٣ - الْإِعْرَاب الشرى أَو عرينه الشرى فى مَوضِع نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ أَو عرينه عطف عَلَيْهِ وروى أَبُو الْفَتْح
(فَإِن الَّتِى فِيهَا )
أنث لإِرَادَة الْجَمَاعَة والفئة الْغَرِيب الشرى الْموضع الْكثير الْأسد وَقَالَ الجوهرى أَصله طَرِيق فى سلمى كثير الْأسد والعرين الأجمة الْمَعْنى يَقُول إِن لم تكن مصر هَذَا الْموضع الْكثير الْأسد وَلَا مَوَاضِع الْأسد فَإِن أَهلهَا من النَّاس أسود الشرى وَيجوز على رِوَايَة ابْن جنى إِرَادَة التَّأْنِيث لِأَن الْأسود مُؤَنّثَة فأنث الْمَوْصُول
٢٤ - الْإِعْرَاب سبائك بدل من أسده يُرِيد أَن الذى فِيهَا من النَّاس سبائك كافور الْغَرِيب السبائك جمع سبيكة من ذهب وَفِضة وَهُوَ مَا يذاب مِنْهُمَا والعقيان الذَّهَب الْمَعْنى يَقُول غلمانه الَّذين اخْتَارَهُمْ وادخرهم للحرب سماهم باسم الذَّهَب وَالْفِضَّة لأَنهم مثل الذَّخَائِر لغيره وَالْأَمْوَال لِأَنَّهُ بهم يصل إِلَى مطالبه كَمَا يصل غَيره إِلَى مطالبه بالأموال وَلَكِن نقد هَذِه السبائك لَا يكون بالأنامل إِنَّمَا يكون بِالرِّمَاحِ يشتغلون بِالرِّمَاحِ فيتبين المطعان وَمن يصلح للحرب مِمَّن لَا يصلح لَهَا
٢٥ - الْغَرِيب بلاها اختبرها وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم﴾ الْآيَة الْمَعْنى يَقُول اختبرها الْعَدو حوالى كافور لِكَثْرَة مَا حَاربُوا أعداءه مَعَه وشهدوا مَعَه المعارك فصاروا مجربين بِكَثْرَة الْقِتَال وَيُرِيد بهزل الطراد أَنهم يطارد بَعضهم بَعْضًا ملاعبة وجده مطاعنة الْأَعْدَاء فى الْحَرْب
[ ٢ / ٢٥ ]
- الْمَعْنى أَبُو الْمسك كنية كافور يَقُول عَفوه أَكثر من ذَنْب الجانى وَأَنه كثير الْعَفو وَأَنه لَيْسَ بحقود فَإِذا اعتذر إِلَيْهِ الجانى ذهب حقده وَهَذَا // معنى حسن جدا //
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول إِذا سعى نصر سَعْيه بالجد لِأَن الله ينصره وجده أَيْضا مَنْصُور بسعيه وسعيه سَعَادَة لجده وَزِيَادَة فى قدره وَالْمعْنَى أَن النَّصْر والسعادة قد اجْتمعَا لَهُ وَالْجد والسعى إِذا اجْتمعَا لإِنْسَان نَالَ مَا يُرِيد من المطلوبات
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول لما شبت وَذهب عَنى الشَّبَاب أعطيتنى الْخلف من الصِّبَا يُرِيد أَنى فرحت بك فَرح الشَّبَاب فَلم يضرنى فقد الشَّبَاب مَعَ رؤيتك وَكذب فِيمَا قَالَ لِأَن كافورا لَا صُورَة لَهُ وَلَا معنى بل كَانَ من أقبح صور السودَان
٢٩ - الْمَعْنى يُرِيد تَأْكِيد مَا قَالَه وَأَن الكهول فى حسن سيرتك وعدلك صَارُوا شبانا والأحداث عِنْد غَيْرك قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا تَعْرِيض بِسيف الدولة أى صَارُوا عِنْد غَيْرك بظلمه وَسُوء سيرته شيبا وَيجوز أَن يكون هَذَا من المقلوب هجوا يُرِيد أَن الكهول عنْدك لما ينالهم من الذل وَالظُّلم والاحتقار كَحال الصّبيان وَأَن المرد وهم الشبَّان عِنْد غَيْرك بالاحترام لَهُم وَرفع أقدارهم صَارُوا شيبا أى موقرين توقير الشُّيُوخ
٣٠ - الْإِعْرَاب اللَّيْل عطف على اسْم لَيْت وَقَوله
(فتسأله )
نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب التمنى وَمثله فى الْمَعْنى قِرَاءَة حَفْص عَن عَاصِم
(لعلى أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع )
لما كَانَ فى لَعَلَّ معنى التمنى الْمَعْنى أَنه يُرِيد شدَّة مَا لقى فى طَرِيقه إِلَيْهِ من حر النَّهَار وَبرد اللَّيْل وَهَذَا يكون فى أَوَاخِر أَيَّام الصَّيف وَأول الخريف لِأَن النَّهَار يكون كربا وَاللَّيْل بَارِدًا وَمَا أحسن مَا جمع بَعضهم الْفُصُول الْأَرْبَعَة فَقَالَ
(إِذا كانَ يُؤْذيكَ حضرُّ المَصيفِ وكَرْبُ الخَرِيفِ وبَرْدُ الشِّتا)
(ويُلْهِيكَ حُسْنُ زَمانِ الرَّبيعِ ففعلُك للخير قُلْ لى مَتى)
[ ٢ / ٢٦ ]
- الْغَرِيب ترعانى لَيْسَ هُوَ من رِعَايَة الْحِفْظ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى ترانى وتراقبنى وحيران مَاء بِالشَّام بِالْقربِ من سلمية على يَوْم مِنْهَا ومعرض ظَاهر يُقَال أعرض الشئ إِذا بدا للنَّاظِر وَمِنْه قَوْله
(وأعْرَضَتِ اليمامَة واشْمَخَرَّتُ )
الْمَعْنى يَقُول ليتك ترعانى وَأَنا على هَذَا المَاء فَكنت ترى انكماشى فتعلم أَنى مَاض فى الْأُمُور كمضاء السَّيْف
٣٢ - الْغَرِيب أقاصيه أباعده وأشده أصعبه الْمَعْنى يُرِيد إِذا طلبت أمرا سهل على أصعبه وَهَان شديده لعزمى وَقُوَّة همتى يصف نَفسه بِالْجلدِ والشجاعة
٣٣ - الْإِعْرَاب قَوْله لى يتَعَلَّق بيشتبهون وَإِلَيْك يتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَهُوَ حَال وَالتَّقْدِير سائرا إِلَيْك وقاصدا إِلَيْك الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ أهل الدَّهْر يتشاكلون ويتساوون فى مسيرى إِلَيْك فَلَمَّا ظَهرت لى ظهر الْفَرد الذى لَا يشاكله أحد مِنْهُم وَهَذَا كَقَوْلِه
(النَّاسُ مَا لم يَرَوك أشْباهُ والدَّهْرُ لَفْظٌ وأنْتَ مَعْناهُ)
قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا فى غَايَة الْحسن فى الْمَدْح وَلَو أَرَادَ مُرِيد أَن يَنْقُلهُ هجو الْأَمْكِنَة لَوْلَا تَقْدِيم الْمَدْح فِيهِ
٣٤ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا تَفْسِير لما قبله يَقُول إِذا رَأَيْت جَيْشًا وَملكه فاستعظمته قيل أمامك أى قدامك ملك هَذَا الذى ترَاهُ عَبده فَكيف هُوَ فَالَّذِينَ رَآهُمْ هم الَّذين اشتبهوا لَهُ والذى قيل لَهُ رب هَذَا الْجَيْش عَبده هُوَ الْفَرد الذى لَاحَ لَهُ
[ ٢ / ٢٧ ]
- الْإِعْرَاب قَوْله بذى الْكَفّ أى بِهَذِهِ الْكَفّ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بِصَاحِب الْكَفّ وَالْأول أَجود الْمَعْنى يُرِيد أَنى إِذا لقِيت إنْسَانا ضَاحِكا علمت أَنه قريب عهد بكفك وعطائك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لما قبل كفك كسته الضحك لبركتها وسعادة من يصل إِلَيْهَا لِأَنَّك أغنيته فَكثر ضحكه
٣٦ - الْإِعْرَاب قدم الِاسْتِثْنَاء كَقَوْل الْكُمَيْت
(وَمالِىَ إِلَّا آلَ أحمدَ شِيعَةٌ ومالىَ إِلَّا مذهبَ الحقّ مذْهبُ)
وَرفع زهده على الِابْتِدَاء لتقديم الظّرْف الذى هُوَ خَبره وَتَقْدِيره زهده فى النَّاس إِلَّا فِيك الْمَعْنى يَقُول زارك رجل يعْنى نَفسه اشتياقه كُله إِلَى رؤيتك وزهده فى النَّاس كلهم إِلَّا فِيك وَحدك يُرِيد أَنه زهد فى قصد النَّاس سواهُ
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول غَايَة كل طَالب مرتبَة دَارك وَنِهَايَة مَا يَأْتِيهِ مكتسب الْمجد أَن يقصدك فَمن لم يَأْتِ دَارك فقد خلف غَايَة إِذا أَتَاهَا علم أَن ذَلِك جهده فى ابتناء الْمجد واكتساب المَال كَقَوْلِه
(هى الغَرَضُ الأقصَى ورُؤْيتك المُنَى )
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول إِن بلغت أمْلى فِيك فَلَا عجب فكم قد بلغت الْمُمْتَنع من الْأُمُور الَّتِى لَا تدْرك وَجعل المَاء الذى لَا يردهُ الطير مثلا للممتنع من الْأُمُور وَإِنَّمَا ضرب هَذَا الْمثل لأمله فِيهِ لبعد الطَّرِيق إِلَيْهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح يُمكن أَن يقلب هجوا مَعْنَاهُ إِن أخذت مِنْك شَيْئا عَن بخلك وامتناعك من الْعَطاء فكم قد وصلت إِلَى المستصعبات واستخرجت الْأَشْيَاء الصعبة
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول وَعدك نقد لِأَن الْفِعْل قبل الْوَعْد نقد وَمن كَانَ وافيا بمواعيده فوعده نَظِير فعله لِأَنَّهُ إِذا وعد شَيْئا فعله لركون النَّفس إِلَى وعده فَكَأَنَّهُ نقد
[ ٢ / ٢٨ ]
- الْغَرِيب التَّقْرِيب ضرب من الْعَدو وَقرب الْفرس إِذا رفع يَدَيْهِ مَعًا وَوَضعهمَا مَعًا فى الْعَدو وَهُوَ دون الْحَضَر وَله تقريبان أَعلَى وَأدنى والشد الْعَدو وَشد أى عدا الْمَعْنى يَقُول جربنى فى اصطناعك إياى ليبين لَك أَنى مَوضِع الصنيعة والتجربة تعرف الْفرس وأنواع جريه من التَّقْرِيب والعدو وَقَالَ أَبُو الْفَتْح جربنى ليظْهر لَك صَغِير أمرى وكبيره فإمَّا تصطنعنى وَإِمَّا ترفضنى فَلَا فضل بينى وَبَين غيرى إِذا لم تجربنى
٤١ - الْغَرِيب يُقَال نَفَاهُ ونفاه مخففا ومشددا قابله فاختبره الْمَعْنى يَقُول إِذا جربت السَّيْف بَان لَك صَلَاحه وفساده فإمَّا أَن تلقيه لِأَنَّهُ كهام وَإِمَّا أَن تتخذه للحرب لِأَنَّهُ حسام وَهَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ فَيَقُول جربنى فإمَّا أَن تصطنعنى وَإِمَّا أَن ترفضنى فَلَا فضل للسيف الهندوانى على غَيره من السيوف إِذا لم يجرب
٤٢ - الْغَرِيب الهندى الْقَاطِع من ضرب الْهِنْد والنجاد حمائل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول السَّيْف الهندى الْقَاطِع كَغَيْرِهِ من السيوف إِذا كَانَ فى غمده وَلم يجرب وَإِنَّمَا يعرف مضاؤه إِذا سل وجرب وَأَنا كَذَلِك إِذا لم أجرب لم يعرف مَا عندى وَلم يكن بينى وَبَين غيرى فرق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ يطْلب مِنْهُ أَن يوليه ولَايَة فَقَالَ لَهُ جربنى لتعرف مَا عندى من الْكِفَايَة وأنى أصلح أَن أكون واليا وَهَذَا من قَول الطائى
(لمَّا انْتضَيتك للخُطوب كَفَيْتَها والسَّيفُ لَا يَكْفِيك حَتَّى يُنتَضَى)
٤٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى رفده يرجع إِلَى المشكور كَمَا تَقول أَنْت الذى قَامَ أَخُوهُ الْمَعْنى يَقُول أَنْت المشكور عندى فى كل حَالَة وَإِن لم ترفدنى إِلَّا بشاشة وَجهك أَنا أكتفى مِنْك بِأَن أَرَاك طلق الْوَجْه وَأَنا أشكرك على ذَلِك
٤٤ - الْغَرِيب الند الْمثل والند الضِّدّ وَجمعه أنداد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتجعلون لَهُ أندادا﴾ الْمَعْنى يَقُول نظرك إِلَى نَظِير كل نوال آخذه مِنْك أَو أَخَذته
[ ٢ / ٢٩ ]
- الْغَرِيب الْمَدّ الزِّيَادَة وَمد الْبَحْر زَاد الْمَعْنى يَقُول انا فى بَحر من الْخَيْر يُرِيد لِكَثْرَة مَا يصل إِلَيْهِ من الْبر والصلات وَيُرِيد إنى أَرْجُو عطاياك فَإِنَّهَا زِيَادَة الْبَحْر الذى أَنا فِيهِ
٤٦ - الْغَرِيب العسجد الذَّهَب الْمَعْنى يَقُول لَا أَرغب فى مَال من جهتك وَلَكِن فى مفخر جَدِيد لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب مِنْهُ ولَايَة وَهَذَا كَقَوْل المهلبى
(يَا ذَا اليمينَيْن لم أزُرْك وَلم أصَحبكَ مِن خَلَّة وَلَا عَدَمِ)
(زَارَكَ بى هِمَّةٌ مُنازِعَةٌ إِلَى جَسيمٍ من غايَةِ الهِمَمِ)
وَمثله أَيْضا لَهُ
(لم تَزُرنى أَبَا علىّ سِنو الْجد بِ وعندى بعد الكفاف فضولُ)
(غير أَنى باغى الجليلِ مِنَ الأمْرِ وَعند الجَليل يُبْغَى الجليلَ)
وَمثله لحبيب
(وَمن خَدَم الأقوَامَ يبغى نوالهم فإنى لم أخذمك إِلَّا لأخدما)
وَمثله للطائي أَيْضا
(يَا رُبمَا رفْعَة قد كنتُ آمُلُها لديك لَا فضَّة أبْغِى وَلَا ذَهبا)
وَقد كَرَّرَه أَبُو الطّيب بقوله
(وسِرْتُ إليكَ فىِ طَلَبِ المَعالى وَسَار الغيرُ فى طَلَبِ المَعاش)
٤٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تجود بِهِ وجودك فاضح جود غَيْرك بِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ وأحمدك أَنا وحمدى يفضح حمد غيرى لِأَن حمدى فَوْقه
٤٨ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت تسعد المنحوس وتغنى الْفَقِير فَإِذا مر المتحوس بكوكب وقابلته بِوَجْهِك زَالَ النحس عَنهُ وَسعد وَهَذَا كَقَوْل الطائى
(تَلْقَى السُّعودَ بوَجهه وبحُبهِ )
[ ٢ / ٣٠ ]
- ١ - الْغَرِيب الحسم الْقَاطِع وأذاع السِّرّ أفشاه وأظهره الْمَعْنى يَقُول الصُّلْح قد قطع الذى اشتهاه الْعَدو وأذاعه أظهره لِسَان الحسود بَيْنكُمَا
٢ - الْمَعْنى والذى أَرَادَتْهُ وتمنته أنفس حَال رَأْيك أى منعهَا رَأْيك عَن ذَلِك وحجز بَينهَا وَبَين مَا أَرَادَتْهُ من انتشار الشَّرّ
٣ - الْغَرِيب أوضع الرَّاكِب بعيره إِذا حمله على السّير السَّرِيع والخبب ضرب من الْعَدو يُقَال خب الْفرس يخب بِالضَّمِّ خبا وخببا وخبيبا إِذا راوح بَين يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وأخبه صَاحبه يُقَال جَاءُوا مخبين الْمَعْنى يَقُول صَار فعل من سعى بَيْنكُم بالنميمة زِيَادَة فى ودادكم لِأَن الود بعد الْقِتَال أصفى وَهُوَ قريب من قَول أَبى نواس
(كَأَنَّمَا أثْنَوا وَلم يعلَموا عليكَ عندِى بالَّذى عابُوا)
٤ - الْإِعْرَاب على الأحباب فى مَوضِع نصب خبر لليس وعَلى الأضداد فى مَوضِع مفعول سُلْطَانه تَقْدِيره تسلطه على الأضداد الْمَعْنى كَلَام الوشاة لَا يُؤثر شَيْئا فى الْأَحِبَّة إِنَّمَا يُؤثر فى الْأَعْدَاء
٥ - الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا يبلغ القَوْل النجاح إِذا سَمعه من يُوَافق هَوَاهُ ذَلِك القَوْل ينفى عَن ابْن الأخشيد مُوَافقَة قلبه كَلَام الوشاة
[ ٢ / ٣١ ]
- الْغَرِيب الأطواد جمع طؤد وَهُوَ الْجَبَل الْعَظِيم ألفيت وجدت وَمِنْه ﴿ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أى وجدنَا الْمَعْنى يَقُول حركت بِمَا قيل لَك فَوجدت أوثق الْجبَال الَّتِى لَا تتحرك يُرِيد أَنَّك لم يُؤثر فِيك الواشون والساعون بالنميمة
٧ - الْمَعْنى يَقُول أشارت رجال بِمَا أَبيت وكرهت وَكنت أهْدى مِنْهَا إِلَى الْإِرْشَاد لأَنهم أشاروا بالشقاق وَالْخلاف فأبيت ذَلِك فَكنت أرشدهم
٨ - الْغَرِيب أشوى يشوى إِذا أَخطَأ ورماه فأشواه إِذا لم يصب قَالَ الهذلى
(فإنَّ مِن القوْلِ الَّتِى لَا شَوى لهَا إِذا زَلّ عَن ظَهْرِ اللِّسان انْفِلاتُها)
الْمَعْنى يَقُول قد يُصِيب المشير الذى لم يجْتَهد وَقد يُخطئ الْمُجْتَهد بعد الِاجْتِهَاد يُرِيد إِن الَّذين أعملوا الرأى أخطئوا حِين أشاروا عَلَيْك بِإِظْهَار الْخلاف وَأَنت أصبت الرأى حِين ملت إِلَى الصُّلْح يُرِيد أَن رَأْيك كَانَ أرشد من رَأْيهمْ الذى أعملوه
٩ - الْمَعْنى يُرِيد السيوف والرماح وهم الْبيض والسمر فَأتى بالمقابلة يُرِيد نلْت بِرَأْيِك السديد مَا لَا ينَال بِالسُّيُوفِ والرماح لما ملت إِلَى الصُّلْح وصنت أى حفظت الْأَرْوَاح فى أجسادها وَلم ترق دَمًا
١٠ - الْمَعْنى يَقُول بلغت مَا لم يبلغُوا وقنا الْخط مركوزة لم ترفع لقِتَال وَكَذَلِكَ سيوفك لم تسل عَن أغمادها والرماح لم تحرّك لطعن وَالسُّيُوف لم تسل لضرب
١١ - الْمَعْنى يَقُول لم يعلم النَّاس لما رأوك سَاكن الْقلب أَنَّك تطارد بِرَأْيِك وتجتهد فى إعماله فى الصَّوَاب فصح لَك دونهم الصَّوَاب
[ ٢ / ٣٢ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن رَأْيك تلاد مَعَك لم يفدك إِيَّاه أحد إِنَّمَا هُوَ إلهام من الله فَفَدَاهُ كل رأى مُسْتَفَاد معلم
٥ - الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يطبع الْمَرْء على الْحلم الغريزى لم يفده علو سنه وَتَقْدِيم ميلاده وَلَيْسَ الشَّيْخ أولى بِصِحَّة الرأى من الشَّاب وَهَذَا من قَول الْحَكِيم بالغريزة يتَعَلَّق الْأَدَب بتقادم السن
٦ - الْمَعْنى يَقُول بِهَذَا الرأى فى هَذِه الْحَادِثَة وبمثله فى سَائِر الْحَوَادِث سدت النَّاس وانقاد لَك مَا لَا ينقاد لغيرك وَذَلِكَ لحسن رَأْيك
٧ - الْمَعْنى يَقُول وبمثل هَذَا الرأى أطاعك النَّاس الَّذين كَأَنَّهُمْ أسود غير أَن الْأسود لَيْسَ من خلقهَا الدُّخُول تَحت الطَّاعَة قَالَ أَبُو الْفَتْح إِنَّمَا أطاعك الرِّجَال الَّتِى كَأَنَّهَا الْأسد لِأَن مثلهَا من يؤلف مِنْهُ الدُّخُول تَحت الطَّاعَة
٨ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت فى تربيتك إِيَّاه كالوالد وَالْوَالِد الْقَاطِع أبر من الْوَلَد وَإِن كَانَ يصله يُرِيد إِنَّك ربيت ابْن سيدك وَأَنت أشْفق عَلَيْهِ من كل أحد
٩ - الْمَعْنى هَذَا على طَرِيق الدُّعَاء يَقُول لَا يُجَاوز الشَّرّ من يطْلب لَكمَا الشَّرّ أى لَا زَالَ فى الشَّرّ من يطْلب لَكمَا الشَّرّ وَلَا يعدو الْفساد من طلب فَسَاد أمركما وَقَوله
(لاعدا )
أى لَا يُجَاوز
١٠ - الْمَعْنى يَقُول مثلكما فى الِاتِّفَاق كالروح والجسد إِذا اتفقَا صلح الْبدن وَاسْتغْنى عَن الطَّبِيب والعائد وَإِذا تنافرا فسد الْبدن وَالْمعْنَى لَا وَقع بَيْنكُمَا خلف
[ ٢ / ٣٣ ]
- الْغَرِيب الصعاد جمع صعدة وهى الْقَنَاة المستقيمة والطيش الخفة والأنابيب جمع أنبوب الْمَعْنى جعل الأنابيب مثلا للأتباع والصدور مثلا للرؤساء يَقُول إِذا اخْتلفت الخدم جرى بَين السَّادة التَّنَازُع والتحارب كالرماح إِذا اخْتلفت أنابيبها لم تستقم صدورها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ فى رُءُوس الصعاد لَكَانَ أولى لِأَن الطيش يكون فِيهَا وَلِأَنَّهُ أقرب إِلَى الرياسة بِسَبَب الْعُلُوّ
١٢ - الْغَرِيب الشراة هم الْخَوَارِج سموا أنفسهم بِهَذَا الِاسْم يعنون أَنهم اشْتَروا أنفسهم من الله بِالْقِتَالِ فى دينه عَداهَا جمع عَدو وَرب فَارس هُوَ سَابُور ذُو الأكتاف وإياد بِكَسْر الْهمزَة حى من معد الْمَعْنى يَقُول الْخلاف الذى وَقع بَين النَّاس الَّذين كَانُوا قبلكما أدلهم إِلَى شماتة الْأَعْدَاء فَتمكن مِنْهُم عدوهم بِسَبَب الِاخْتِلَاف الذى وَقع بَينهم كالخوارج ظفر بهم الْمُهلب بن أَبى صفرَة وَذَلِكَ أَنهم لما كَانُوا مُجْتَمعين لم يكن الْمُهلب يقوى بهم فاحتال على نصال لَهُم كَانَ يتَّخذ لَهُم نصالا مَسْمُومَة فَكتب إِلَيْهِ الْمُهلب وصل مَا بعثت لنا من النصال المخترمة للآجال وحمدنا فعلك وشكرنا فضلك وسنرفع ذكرك ونعلى قدرك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبعث الْكتاب على يَد من أعثرهم عَلَيْهِ فَاخْتَلَفُوا فى قَتله فصوبته طَائِفَة وخطأته أُخْرَى فَاقْتَتلُوا حَتَّى قد عَددهمْ وَأما إياد فَاخْتَلَفُوا وَتَفَرَّقُوا فى الْبِلَاد فَتمكن مِنْهُم ذُو الأكتاف سَابُور ملك فَارس فأهلكهم وقصبة بِلَاد فَارس شيراز
١٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تولى للخلف وَبنى البريدى مَفْعُوله وَالْبَاء مُتَعَلقَة بتولى والظرف مُتَعَلق بتمزقوا الْمَعْنى يَقُول تولى الْخلف بنى البريدى وهم أَبُو الْحسن وَأَبُو عبد الله وَأَبُو يُوسُف قصدُوا الْبَصْرَة وأخرجوا مِنْهَا عَامل الْخَلِيفَة وَهُوَ ابْن رائق واستولوا عَلَيْهَا ثمَّ اخْتلفُوا وَذهب ملكهم عِنْد اخْتلَافهمْ
١٤ - الْإِعْرَاب نصب ملوكا بتولى أى تولى الْخلف ملوكا وَالْكَاف فى مَوضِع نصب لِأَنَّهُ صفة الْمُلُوك الْغَرِيب طسم وَأُخْتهَا جديس قبيلتان من عَاد كَانَتَا فى أول الدَّهْر وانقرضتا الْمَعْنى يَقُول تولى الْخلف ملوكا عَهدهم منا كأمس وَآخَرين بعد عَهدهم كطسم وجديس لما اخْتلفُوا هَلَكُوا
[ ٢ / ٣٤ ]
- الْإِعْرَاب قَوْله بكما الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره بت عائذا بِاللَّه أَن يَقع بكما وَقَالَ الواحدى بكما أى لأجلكما الْغَرِيب العادى الظَّالِم يُقَال عدا عَلَيْهِ فَهُوَ عَاد عدوا وعداء وَمِنْه ﴿فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم﴾ وَقَرَأَ الْحسن البصرى عدوا وَأَصله تجَاوز الْحَد بالظلم الْمَعْنى يَقُول أُعِيذكُمَا بِاللَّه من الْخلاف وَمن كيد الباغين والعادين
١٦ - الْإِعْرَاب بلبيكما هما شَيْئَانِ من شَيْئَيْنِ وَهَذَا هُوَ الأَصْل وَلَو قَالَ بألبابكما لَكَانَ جَائِزا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ الْغَرِيب الأصليين الثابتين واللب الْعقل والبيب الْعَاقِل والجياد الْخَيل الْمَعْنى يَقُول أعوذ بِاللَّه أَن يَقع الْخلاف بلبيكما فتختلفا فَيَقَع الْخلاف بَيْنكُمَا حَتَّى تفرق الرماح بَين الْجِيَاد فى الْحَرْب لِكَثْرَة الطعان الذى يجرى بَيْنكُمَا
١٧ - الْإِعْرَاب أَو يكون مَنْصُوب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله أَن تفرق وَالْبَاء مُتَعَلق بِأَشْقَى وَمن عتاد مُتَعَلق بتذخرانه الْغَرِيب الولى الْمُحب الموالى والعتاد الْعدة يُقَال أَخذ لِلْأَمْرِ عدته وعتاده أى أهبته وآلته والعتاد أَيْضا الْقدح الضخم وَأنْشد أَبُو عَمْرو
(فَكُلْ هَنِيئا ثُمَّ لَا تُزَمِّلِ وَادْعُ هُدِيتَ بعَتادٍ جُنْبُلِ)
الْمَعْنى يَقُول أعوذ بِاللَّه أَن يقتل بَعْضكُم بَعْضًا بِمَا تذخران من السِّلَاح وَالسِّلَاح إِنَّمَا يذخر للأعداء لَا للأولياء وَإِذا قتل بَعْضكُم بَعْضًا صرتم أَعدَاء
١٨ - الْغَرِيب العداة جمع عَدو وَإِذا أدخلت الْهَاء قلت عداة بِضَم الْعين والعدى بِكَسْر الْعين جمع عَدو وَهُوَ جمع لَا نَظِير لَهُ قَالَ ابْن السّكيت لم يَأْتِ فعل فى النعوت إِلَّا حرف وَاحِد تَقول هَؤُلَاءِ قوم عدى وَأنْشد لسَعِيد بن عَمْرو بن حسان
(إِذا كنتَ فى قومٍ عدىً لستَ منهمُ فكُلْ مَا عُلِفْتَ من خبيثٍ وطيِّبِ)
الْمَعْنى يَقُول الذى يبْقى مِنْكُمَا بعد الماضى هَل يسره مَا تَقول الْأَعْدَاء فى الْمجَالِس وَيَتَحَدَّثُونَ عَنهُ بعده وَترك حُرْمَة صَاحبه وَهَذَا اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار
[ ٢ / ٣٥ ]
- الْغَرِيب الود الْمحبَّة وَالرِّعَايَة حفظ العهود والسودد السِّيَادَة والأحقاد جمع حقد وَهُوَ الضغن الْمَعْنى تمنعكم هَذِه الْأَشْيَاء من البغض وَلَو كَانَت قُلُوبكُمْ من الجماد لرق بَعْضهَا لبَعض فَهَذِهِ الَّتِى منعت من الْبغضَاء
٢٠ - الْغَرِيب يُرِيد بالجماد الْحِجَارَة الْمَعْنى يُرِيد حُقُوق التربية وَالْقِيَام عَلَيْهِ وَهُوَ طِفْل صَغِير ترقق قلبه لَك وقلبك لَهُ وَلَو كَانَت من حِجَارَة
٢١ - الْغَرِيب الباهر الْغَالِب وبهر بهرا غَلبه والبهر بِالضَّمِّ تتَابع النَّفس وبالفتح مصدر بهره الْجمال يبهره بهرا والسداد الاسْتقَامَة وَالصَّوَاب والسداد بِكَسْر السِّين سداد الثغر والقارورة قَالَ العرجى
(أضاعونى وأىَّ فَتى أضاعُوا ليَوْمِ كَرِيهَةٍ وسِدادِ ثَغر)
أما سداد من عوز وسداد من عَيْش فَهُوَ مَا يسد بِهِ الْخلَّة يكسر وَيفتح وَالْكَسْر أفْصح والسد والسد لُغَتَانِ وَهُوَ الْجَبَل والحاجز وَقَرَأَ فى الْكَهْف بِفَتْح السِّين ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص وَحَمْزَة والكسائى وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وفى يس بِالْفَتْح أهل الْكُوفَة إِلَّا أَبَا بكر الْمَعْنى الْملك شَاكر لما فعلتما وَهُوَ غَالب
٢٢ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى الظّرْف للصلح يُرِيد فى هَذَا الصُّلْح وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِمَحْذُوف وَالتَّقْدِير ثَابِتَة على الظفر وثابتة على الأكباد الْمَعْنى يُرِيد أَن أكبادهم تألمت فأمسكوها بِأَيْدِيهِم وأيديكما على الظفر مجَاز لِأَن الظفر عرض لَا تناله الأيدى وَلكنه لما قَالَ ﴿وأيدى قوم على الأكباد﴾ اسْتعَار ذَلِك للظفر
[ ٢ / ٣٦ ]
- الْغَرِيب الرأفة الرَّحْمَة والتعطف وَيُقَال رأفة بِسُكُون الْهمزَة وَفتحهَا وَقَرَأَ ابْن كثير بِفَتْح الْهمزَة ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة﴾ والندى الْكَرم والأيادى النعم تجمع على هَذَا الْمِثَال الْمَعْنى يَقُول دولتكما دولة الْأَشْيَاء الَّتِى ذكرت فَلَا تعرضاها للْخلاف
٢٤ - الْغَرِيب كسفت الشَّمْس تكسف كسوفا وكسفها الله يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى قَالَ جرير
(والشَّمسُ طالعةٌ لَيست بكاسفةٍ تبكى عليكَ نجومَ الليلِ والقَمرَا)
يُرِيد لَيست بكاسفه نُجُوم اللَّيْل وَالْقَمَر من حزنها عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول الذى جرى بَيْنكُمَا كَانَ كَمَا تكسف الشَّمْس سَاعَة ثمَّ زَالَ ذَلِك فَعَاد إِلَى أَكثر مَا كَانَ من الود كَالشَّمْسِ إِذا ذهب عَنْهَا الْكُسُوف عَادَتْ إِلَى أتم مَا كَانَت فِيهِ من النُّور
٢٥ - الْغَرِيب المارد العاتى وَقد مرد بِالضَّمِّ مُرَادة فَهُوَ مارد والمريد الشَّديد المرادة وَقيل المارد الْخَبيث وَمِنْه ﴿من كل شَيْطَان مارد﴾ وَالْمرَاد جمع مُرِيد وَهُوَ الْخَبيث الْمَعْنى يُرِيد أَن ركنها وَهُوَ قوتها وسعادتها يدْفع الدَّهْر عَن أذاها بفتى مارد أى عَاتٍ على الْأَعْدَاء يُرِيد كافورا لِأَنَّهُ لَا ينقاد لمن مرد عَلَيْهِ وطغى وَلَكِن يدحضه ويستأصله
٢٦ - الْغَرِيب متْلف أى مهلك للأموال مخلف مخلفها إِذا ذهبت اكتسبها بِسَيْفِهِ أَبى يَأْبَى الذل للمكارم حَازِم سديد الرأى الْمَعْنى يُرِيد يدْفع الدَّهْر عَن أذاها بفتى هَذِه صِفَاته متْلف الْأَمْوَال مكسبها وفى للْعهد أَبى للذل عَالم بتدبير الرّعية والحروب حَازِم فى رَأْيه بَطل كريم يجود على النَّاس بِمَا يملكهُ
[ ٢ / ٣٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول النَّاس أَسْرعُوا ذَاهِبين عَن طَرِيقه فَتَرَكُوهُ وَلم يعارضوه من قصورهم عَنهُ وذلت لَهُ رِقَاب النَّاس فملكهم وَفِيه ضرب من الهجو لَو انْقَلب لَكَانَ هجوا
٢٨ - الْإِعْرَاب من روى ضيق بالخفض جعله نعتا لسيل وَهَذَا كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل حسن وَجهه وَهَذِه صفة سَبَبِيَّة وَمن روى ضيق بِالرَّفْع فهى جملَة ابْتِدَاء وَخبر وهى فى مَوضِع جر صفة لسيل وَعَن أتيه يتَعَلَّق بِضيق الْغَرِيب الأتى السَّيْل الذى يأتى من مَوضِع إِلَى مَوضِع الْمَعْنى يَقُول كَيفَ لَا يتْرك الطَّرِيق لسيل يضيق عَن مَائه الوادى وَإِذا كَانَ المَاء غَالِبا ضَاقَ عَنهُ بطن الوادى وكل مَوضِع أَتَى عَلَيْهِ صَار طَرِيقا لَهُ وَهَذَا مثل لكافور كَمَا أَن السَّيْل إِذا غلب على مَكَان لَا يُرِيد عَن وَجهه كَذَلِك هُوَ لَا يُعَارضهُ أحد
[ ٢ / ٣٨ ]
- ١ - الْإِعْرَاب الْبَاء فى قَوْله بأية يجوز أَن تكون للتعدية فَيكون الْمَعْنى أَيَّة حَال الْغَرِيب الْعِيد وَاحِد الأعياد وَإِنَّمَا جمع بِالْيَاءِ وَأَصله الْوَاو للزومها فى الْوَاحِد وَقيل للْفرق بَينه وَبَين أَعْوَاد الْخشب وعيدوا شهدُوا الْعِيد وَهُوَ من عَاد يعود لِأَنَّهُ يعود فى الْعَام مرَّتَيْنِ وأصل الْعِيد مَا اعتادك من هم أَو غَيره قَالَ
(فالقَلْبُ يعْتادُ من حُبِّها عِيدُ )
وَقَالَ عمر بن أَبى ربيعَة المخزومى
(أمْسَى بأسماءَ هَذَا القلْبُ مَعْمُودا إِذا أقُولُ صَحا يعْتادُه عِيدًا)
(أجرِى على موْعدٍ مِنْهَا فَتُخْلِفُنِى فَلا أمَلُّ وَلَا تُوفِى المَوَاعيدَا)
قَوْله
(يعتاده عيدا )
هُوَ الشَّاهِد ونصبه لِأَنَّهُ فى مَوضِع الْحَال تَقْدِيره يعتاده السكر عَائِدًا يَقُول هَذَا الْيَوْم الذى أَنا فِيهِ عيد ثمَّ أقبل بِالْخِطَابِ على الْعِيد فَقَالَ بأية حَال ثمَّ فسر الْحَال فَقَالَ بِمَا مضى أم بِأَمْر مُجَدد تَقْدِيره هَل تجدّد لى حَالَة سوى مَا مضى أم بِالْحَال الَّتِى أَعهد
٢ - الْغَرِيب الْبَيْدَاء الفلاة جمعهَا بيد لِأَنَّهَا تبيد من يسلكها الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعِيد لم يسر بقدومه لِأَنَّهُ يتأسف على بعد أحبته يَقُول أما أحبتى فعلى الْبعد منى فليتك يَا عيد كنت بَعيدا وَكَانَ بينى وَبَيْنك من الْبعد ضعف مَا بينى وَبَين الْأَحِبَّة كَقَوْل الآخر
(مَن سرّهُ العِيدُ الجَد يدُ فمَا لقيتُ بِهِ السرورَا)
(كانَ السُّرورُ يَتِمُّ لِى لَو كانَ أحْبابى حُضُوراَ)
٣ - الْغَرِيب تجوب تقطع وأجوب أقطع ﴿وَمِنْه الَّذين جابوا الصخر بالواد﴾ والوجناء النَّاقة الْعَظِيمَة الوجنات وَقيل الغليظة الْخلق مَأْخُوذَة من الوجين وَهُوَ الغليظ من الأَرْض والحرف النَّاقة الضامرة والجرداء الْفرس الْقصير الشّعْر والقيدود الطَّوِيلَة الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا طلب المعالى لم تقطع بى الفلاة نَاقَة وَلَا فرس وَجعلهَا تجوب بِهِ لِأَنَّهَا تسير بِهِ وَهُوَ أَيْضا يجوب بهَا الفلاة قَالَ الواحدى مَا أجوب بهَا يعْنى الفلاة كِنَايَة عَن المراحل ثمَّ فسره بالمصراع الثانى قَالَ ابْن فورجة مَا أجوب بهَا مَعْنَاهُ الذى أجوب وموضعه نصب وعَلى هَذَا مَا كِنَايَة عَن الفلاة الَّتِى أجوب بهَا والوجناء فاعلة لم تجب وعَلى هَذَا الضَّمِير فى بهَا كِنَايَة عَن الوجناء قبل الذّكر قَالَ وَالْقَوْل الأول أظهر
[ ٢ / ٣٩ ]
- الْإِعْرَاب مضاجعة تَمْيِيز الْغَرِيب رونق السَّيْف بياضه ونقاؤه والغيد جمع غيداء وهى الناعمة والأماليد أَيْضا الناعمات رجل أملود وَجَارِيَة أملودة وشاب أملود وَامْرَأَة ملداء الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا طلبى الْعلَا لَكُنْت أضاجع جوارى هَذِه صفتهن أطيب من مضاجعتى سيفى وإذنما أضاجع السَّيْف وأترك هَؤُلَاءِ الجوارى لأطلب الْعلَا
٥ - الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق وَجمعه أجياد وتيمه الْحبّ أى عَبده وذلله الْمَعْنى يَقُول قد زَالَ عَنى الْغَزل وأفضت بى الْأُمُور إِلَى الْجد والتشمير لِأَن الدَّهْر بأحداثه ونوائبه قد سلى عَن قلبى هوى الْعُيُون والأجياد
٦ - الْمَعْنى يُخَاطب سَاقيه يَقُول أخمر مَا سقيتمانى أم هم وسهاد فَلَا يزيدنى مَا أشربه إِلَّا الْهم وَلَا يسلى همى ذَلِك لبعده عَن الْأَحِبَّة فَهُوَ لَا يطرب على الشَّرَاب أَو لِأَن الْخمر لَا تُؤثر فِيهِ لوفور عقله
٧ - الْغَرِيب المدام والمدامة الْخمر والأغاريد صَوت الْغناء والغرد بِالتَّحْرِيكِ التطريب بالصوت والغناء يُقَال غرد الطَّائِر فَهُوَ غرد والتغريد مثله وَكَذَلِكَ التغرد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(يغرّد بالأسْحار فى كلّ سُدْفَةٍ تَغَرُّدَ مِرّيح النَّدَامى المُطَرِّبِ)
الْمَعْنى يَقُول إِن الْخمر والأغانى لَا تطربه وَلَا تُؤثر فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ صَخْرَة يابسة لَا يُؤثر فِيهَا السماع وَالشرَاب وفى مَعْنَاهُ
(خليلىّ قد قلّ الشَّرابُ وَلم أجِدْ لهَا سَوْرَةً فى عَظْمِ ساقٍ وَلَا يَد)
[ ٢ / ٤٠ ]
- الْإِعْرَاب صَافِيَة حَال من الْكُمَيْت وَالْعَامِل فى الظّرْف وَجدتهَا الْغَرِيب الْكُمَيْت من أَسمَاء الْخمر لما فِيهَا من سَواد وَحُمرَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ سَأَلت الْخَلِيل عَن الْكُمَيْت فَقَالَ إِنَّمَا صغر لِأَنَّهُ بَين السوَاد والحمرة وَلم يخلص لَهُ وَاحِد مِنْهُمَا وَأَرَادَ بِالتَّصْغِيرِ أَنه مِنْهُمَا قريب الْمَعْنى يَقُول الْخمر لَا تطيب إِلَّا مَعَ الحبيب وحبيبى بعيد عَنى فَلَيْسَ يسوغ لى الْخمر وَالْمعْنَى يُرِيد إِذا طلبت الْخمر وَجدتهَا وَإِذا طلبت حبيبى لم أَجِدهُ يتشوق إِلَى أَهله وأحبته وَقَالَ أَبُو الْفَتْح حبيب الْقلب عِنْده الْمجد وَإِذا تشاغل بِشرب الْخمر فقد المعالى وَيجوز أَن يكون عَنى بحبيب النَّفس أَهله لبعده عَنْهُم
٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الشُّعَرَاء يحسدونه على كافور وَهُوَ باك بِمَا يلقى من كافور وبخله يُرِيد أَنه يشكو مَا لقِيه من عجائب الدَّهْر وتصاريفه ثمَّ قَالَ أعجبها مَا أَنا فِيهِ وَذَلِكَ أَنى مَحْسُود بِمَا أشكوه وأبكيه وَهَذَا من قَول الْحَكِيم استبصار الْعُقَلَاء ضد لتمنى الجهلاء فالجاهل يحْسد الْعَاقِل على مَا يبكيه فالحال الَّتِى يبكى الْعَاقِل مِنْهَا يحسده الْجَاهِل عَلَيْهَا وَلَقَد نظمه أَبُو الطّيب فَأحْسن وَمِنْه رب مغبوط بدواء هُوَ داؤه
١٠ - الْإِعْرَاب نصب خَازِنًا ويدا على التَّمْيِيز الْغَرِيب المثرى الْغنى والثراء المَال الْمَعْنى يَقُول خازنى ويدى فى رَاحَة لِأَن أموالى مواعيد كافور وَهُوَ مَال لَا أحتاج فِيهِ إِلَى خَزَائِن وَلَا إِلَى حفظه بيدى فيدى فى رَاحَة من تَعب حفظه وخازنى فى رَاحَة من حفظه وَهُوَ من قَول الْحَكِيم لَا غنى لمن ملكه الطمع واستولت عَلَيْهِ الأمانى
١١ - الْغَرِيب الْقرى قرى الضَّيْف وَهُوَ الْإِحْسَان إِلَيْهِ يُقَال قريت الضَّيْف قرى وقراء إِذا كسرت الْقَاف قصرت وَإِذا فتحت مددت ومحدود مَمْنُوع وَمِنْه الْحُدُود لِأَنَّهَا تمنع الْمَحْدُود عَن المعاصى وَمِنْه حُدُود الدَّار لِامْتِنَاع أَن يدْخل بَعْضهَا فى بعض وَمِنْه قيل للبواب حداد لمَنعه من يدْخل حَتَّى يُؤذن لَهُ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم كذابون فِيمَا يعدون وَلَا يحسنون إِلَى ضيفهم وَلَا يمكنونه من الرحيل عَنْهُم
[ ٢ / ٤١ ]
- الْإِعْرَاب أَرَادَ من الألسن فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع الْمَعْنى يَقُول النَّاس كرمهم من أَيْديهم وَهَؤُلَاء يجودون بالمواعيد دون الْأَمْوَال ثمَّ دَعَا عَلَيْهِم فَقَالَ لَا كَانُوا وَلَا كَانَ جودهم وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(مَلقى الرّجاءِ وملقى الرّحلِ فى نفر الجودُ عندهُم قولٌ بِلَا عملِ)
وَمن قَوْله أَيْضا
(وأقلُّ الأشْياء محصول نفْعٍ صحَّةُ القوْلِ والفَعالُ مريضُ)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول الْمَوْت يستقذر نُفُوسهم فَلَا يُبَاشِرهَا بِيَدِهِ من نتنها بل يَأْخُذهَا بِعُود كَمَا ترفع الجيفة بِعُود تقذرا مِنْهَا
١٤ - الْإِعْرَاب من رفع معدودا جعله من جملَة ثَانِيَة كَأَنَّهُ قَالَ لَا هُوَ مَعْدُود فى الرِّجَال وَلَا فى النِّسَاء الْغَرِيب الوكاء مَا تشد بِهِ الْقرْبَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه خصى يعْنى كافور وَالَّذين حوله من الخصيان رخو لَا وكاء على مَا فى بَطْنه من الرّيح والمنفتق الموسع لِكَثْرَة لَحْمه كَأَنَّهُ قد انفتق وَانْشَقَّ وَهُوَ لَا ذكر وَلَا أُنْثَى فَهُوَ غير مَعْدُود فيهمَا فَإِن قيل رجل فَلَا لحية وَلَا ذكر وَإِن قيل امْرَأَة فَلَا فرج لَهُ
١٥ - الْغَرِيب اغتال أهلك وَقتل غيلَة الْمَعْنى يَقُول أكلما وَهُوَ اسْتِفْهَام إنكارى أى لَا يجب هَذَا يَقُول لما قتل العَبْد الْأسود سَيّده مهد أمره أهل مصر وأطاعوه وقبلوا أمره وانقادوا لَهُ وَهَذَا لَا يجب أَن يكون كَمَا فعلوا
١٦ - الْغَرِيب الْآبِق الهارب من سَيّده ومستعبد مذلل وَمِنْه طَرِيق معبد أى مذلل ومعبود مُطَاع مذعن لَهُ بالعبودية الْمَعْنى يَقُول كل عبد آبق من سَيّده قد حوى عِنْده فَهُوَ إِمَام الهاربين الْمُخَالفين لساداتهم كَمَا هُوَ مُخَالف سَيّده
[ ٢ / ٤٢ ]
- الْغَرِيب النواظير جمع نَاظر وَهُوَ الذى يحفظ الْكَرم وَالنَّخْل وَذكره الجوهرى والأزهرى فى حرف الطَّاء الْمُهْملَة قَالَ أَبُو الْفَتْح أقره المتنبى بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَعْرُوف بِالْمُعْجَمَةِ لِأَنَّهُ من نظرت وَقيل هُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ بِالْمُعْجَمَةِ وبالنبطية بِالْمُهْمَلَةِ الْمَعْنى يُرِيد بالنواظير السادات الْكِبَار وبالثعالب العبيد والأرذال فَهُوَ يُرِيد أَن السَّادة غفلت عَن الأرذال فقد أكلُوا فَوق الشِّبَع وَهُوَ قَوْله بشمن أى شَبِعُوا ونفرت أنفسهم عَن الطَّعَام يُرِيد أَنهم قد شَبِعُوا وعاثوا فى أَمْوَال النَّاس وَجعل العناقيد مثلا للأموال
١٨ - الْمَعْنى الْحر لَا يؤاخى العَبْد لبعد مَا بَينهمَا فى الْأَخْلَاق وَهَذَا كُله إغراء لِابْنِ سَيّده بِهِ يعْنى إِن العَبْد إِن أظهر الود فَلَيْسَ هُوَ بمصاف لَهُ مخلص
١٩ - الْغَرِيب المناكيد جمع منكود وَهُوَ الذى فِيهِ نكد الْمَعْنى يَقُول العَبْد لَا يعْمل مَعَه الْإِحْسَان وَلَا يصلح لَك إِلَّا بِالضَّرْبِ لسوء خلقه فَلَا يجِئ إِلَّا على الهوان لَا على الْإِحْسَان وَهُوَ من قَول بشار
(الحُرُّ يُلْحَى والعَصَا للعَبْدِ )
وكقول الحكم بن عبدل من أَبْيَات الحماسة
(والعبْدُ لَا يَطْلُبُ العَلاءَ وَلا يُرْضِيكَ شَيْئا إِلَّا إِذا رَهِبا)
(مِثلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظهْرِ لَا يُحْسِنُ مَشيًا إِلَّا إِذا ضُرِبا)
٢٠ - الْغَرِيب سَاءَ بِهِ وَإِلَيْهِ قَالَ كثير
(أسِيئى بِنا أَو أحْسنِى لَا مَلُومةً )
الْمَعْنى يَقُول مَا كنت أَظن أَن يؤخرنى الْأَجَل إِلَى زمَان يسئ إِلَى فِيهِ شَرّ الخليقة وَأَنا أحتاج أَن أَحْمَده وأمدحه وَلَا يمكننى أَن أظهر الشكوى وَيجوز أَن يكون يسئ بى على معنى ويهزأ بى ويسخر بى فعداه بِالْبَاء على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ
[ ٢ / ٤٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول وَلم أتوهم أَن الْكِرَام فقدوا حَتَّى لَا يُوجد مِنْهُم أحد وَأَن مثل هَذَا مَوْجُود بعد فقدهم وكناه بأبى الْبَيْضَاء سخرية بِهِ
٢٢ - الْغَرِيب العضاريط الأتباع وَقيل الْأَجِير الذى يخْدم بِطَعَام بَطْنه واحدهم عضروط والرعاديد جمع رعديد وَهُوَ الجبان والرعديد أَيْضا الْمَرْأَة الرُّخْصَة الْمَعْنى يَقُول وَلَا توهمت أَن الْأسود الْعَظِيم المشافر يستغوى هَؤُلَاءِ الَّذين حوله حَتَّى صدرُوا عَن رَأْيه وَأَرَادَ أَنه مثقوب المشفر تَشْبِيها فى عظم مشافره بالبعير الذى يثقب مشفره للزمام
٢٣ - الْإِعْرَاب كى حرف ناصب وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا يجوز أَن تكون حرفا خَافِضًا وَحجَّتنَا أَنَّهَا من عوامل الْأَفْعَال وَمَا كَانَ من عوامل الْأَفْعَال لَا يجوز أَن يكون حرف جر لِأَنَّهُ من عوامل الْأَسْمَاء وعوامل الْأَسْمَاء لَا تكون من عوامل الْأَفْعَال وَالدَّلِيل على أَنَّهَا لَيست حرف جر دُخُول اللَّام عَلَيْهَا كَقَوْلِك أَتَيْتُك لتكرمنى وَهَذِه اللَّام عِنْدهم حرف جر وحرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف الْجَرّ وَأما قَول الْقَائِل
(فَلَا واللهِ لَا يُلْفَى لِمَا بِى وَلَا لِلما بِهمِْ أبدا دَواءُ)
فَمن الشاذ الْمَصْنُوع الذى لَا يعرج عَلَيْهِ وَإِذا قيل إِنَّهَا تدخل على مَا الاستفهامية كَمَا يدْخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ فى قَوْله كيمه كَمَا تَقول لمه قُلْنَا مَه من كيمه لَيْسَ لكى فِيهِ عمل وَلَيْسَ هُوَ فى مَوضِع خفض وَإِنَّمَا هُوَ فى مَوضِع نصب لِأَنَّهَا تقال عِنْد ذكر كَلَام لَا يفهم كَقَوْلِك أقوم كى تقوم فيسمعه الْمُخَاطب وَلم يفهم تقوم فَيَقُول كيمه أى كَيْمَا وَالتَّقْدِير كى تفعل مَاذَا فَحذف تفعل فَمه فى مَوضِع نصب على مَذْهَب الْمصدر والتشبيه بِهِ وَلَيْسَ لكى فِيهِ عمل وَحجَّة الْبَصرِيين دُخُولهَا على مَا الاستفهامية لدُخُول اللَّام عَلَيْهَا فَيَقُولُونَ كيمه كَمَا يَقُولُونَ لمه وهى فى مَوضِع جر لِأَن ألف مَا الاستفهامية لَا نحذف إِلَّا إِذا كَانَت فى مَوضِع جر واتصل بهَا الْحَرْف الْجَار كَقَوْلِهِم لم وَبِمَ وفيم وَإِذا وَقعت فى صدر الْكَلَام لَا تحذف كَقَوْلِك مَا تُرِيدُ وَمَا تصنع وَذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَن لَام كى هى الناصبة للْفِعْل من غير تَقْدِير أَن نَحْو قَوْلك جئْتُك لتكرمنى وَذهب البصريون إِلَى أَن الناصب للْفِعْل أَن مقدرَة بعْدهَا وَحجَّتنَا أَنَّهَا قَامَت مقَامهَا وَلِهَذَا تشْتَمل على معنى كى فَكَمَا تنصب كى الْفِعْل فَكَذَلِك اللَّام وَحجَّة الْبَصرِيين أَن اللَّام من عوامل الْأَسْمَاء وَلَا يجوز أَن يكون من عوامل الْأَفْعَال فَوَجَبَ أَن يكون الْفِعْل مَنْصُوبًا بِأَن مقدرَة لِأَنَّهَا تكون مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر الذى يحسن أَن يدْخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ هَذِه حجَّة حَسَنَة لَهُم الْغَرِيب يُقَال جَائِع وجوعان وَجمع جوعان جوعى وجياع وَجمع جَائِع جوع الْمَعْنى يُرِيد أَنه جَائِع أى هُوَ لبخله ولؤمه لَا يشبه من الطَّعَام وَقَوله
(يَأْكُل من زادى )
قيل أهْدى لَهُ هَدِيَّة وَقَالَ قوم بل جمع لَهُ شَيْئا من خدمه وغلمانه ثمَّ أَخذه وَلم يُعْطه شَيْئا وَقَالَ الواحدى كَانَ المتنبى مُقيما عِنْده يَأْكُل من مَال نَفسه وَلم يُعْطه شَيْئا وَلم يُمكنهُ من الرحيل فَصَارَ كَأَنَّهُ يَأْكُل زَاده وَقَوله
(لكى يُقَال عَظِيم الْقدر مَقْصُود )
أى يمسكنى عِنْده ليفخر بمدحى لَهُ حَتَّى يَقُول النَّاس هُوَ عَظِيم الْقدر إِذا قَصده المتنبى مادحا
[ ٢ / ٤٤ ]
- الْغَرِيب المفؤود الذى لَا فؤاد لَهُ وَرجل مفؤود وفئيد لَا فؤاد لَهُ والمفؤود أَيْضا الذى أَصَابَهُ دَاء فى فُؤَاده والمستضام الذى قد ناله الضيم وَهُوَ الذل الْمَعْنى هَذَا تَعْرِيض مِنْهُ بِابْن سَيّده يُرِيد أَن الذى تدبره أمة حُبْلَى جعله أمة لعدم آلَة الرِّجَال وَجعله حُبْلَى لعظم بَطْنه وَكَذَا خلقَة الخصيان يُرِيد أَن الذى يدبره مثل هَذَا مظلوم سخين الْعين مصاب الْقلب لَا عقل لَهُ وَلَا فؤاد لَهُ
٢٥ - الْإِعْرَاب ويلمها بِضَم اللَّام وبكسرها يُرِيد ويل لأمها فَحذف لكثرته فى الْكَلَام وَقد قَالَ عدى بن زيد
(أَيهَا العائِب عِندِآمّ زَيْدٍ أَنْت تَفْدِى مَنْ أراكَ تَعِيبُ)
يُرِيد عندى أم زيد فَلَمَّا حذف الْألف سَقَطت الْيَاء من عندى لالتقاء الساكنين والإتباع وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ ﴿وفى أم الْكتاب﴾ وفى أمهَا رَسُولا بِالْكَسْرِ فى الحرفين إتباعا وَقَرَأَ حَمْزَة ﴿أَو بيُوت آمهاتكم وفى بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ بِكَسْر الحرفين وَقَرَأَ على بن حَمْزَة بِكَسْر الأول الْغَرِيب المهرية منسوبة إِلَى مهرَة بن حيدان بطن من قضاعة والقود الطوَال وَاحِدهَا قوداء وَفرس أَقُود أى طَوِيل الظّهْر والعنق الْمَعْنى يُقَال عِنْد التَّعَجُّب من الشئ ويلمه يَقُول مَا أعجب هَذِه الْقِصَّة وَمَا أعجب من يقبلهَا وَإِنَّمَا خلقت الْإِبِل وَالْخَيْل للفرار من مثل هَذِه وَقَوله ويلمها تعجب من شَأْنهَا وعظمها وَمِنْه قَول النبى
لما سلم أَبَا بَصِير إِلَى الرجلَيْن اللَّذين أَتَيَا يطلبانه من أهل مَكَّة أَيَّام الْحُدَيْبِيَة فَقتل أَحدهمَا ثمَّ أَتَى النبى
وَسلم فَلَمَّا رَآهُ قَالَ النبى ﵊ ويلمه مسعر حَرْب
[ ٢ / ٤٥ ]
- الْغَرِيب القنديد هُوَ عسل قصب السكر وَهُوَ الذى يعْمل مِنْهُ السكر والقنديد الْخمر وَقَالَ الجوهرى قَالَ الأصمعى هُوَ شئ مثل الأسفنط وَهُوَ عصير يطْبخ وَيجْعَل فِيهِ أَفْوَاه الطّيب وَلَيْسَ بِخَمْر يَقُول عِنْد هَذِه الْقَضِيَّة يلذ الْمَوْت فيطيب عِنْد رُؤْيَة الذل لِأَن الْحر لَا يقدر على احْتِمَال الذل
٢٧ - الْغَرِيب الْبيض الْكِرَام وَالصَّيْد جمع أصيد وهم الْمُلُوك ذَوُو الْكِبْرِيَاء الْمَعْنى يَقُول من أَيْن لهَذَا الْأسود مكرمَة أَمن قومه الْكِرَام أم من آبَائِهِ الْمُلُوك العظماء لَيست لَهُ عراقة فى الْملك إِنَّمَا هُوَ دخيل فِيهِ
٢٨ - الْإِعْرَاب دامية حَال وَالْبَاء فى قَوْله بالفلسين مُتَعَلقَة بمردود وَهُوَ خبر الِابْتِدَاء والظرف مُتَعَلق بالاستقرار وَأذنه بِسُكُون الذَّال وَضمّهَا لُغَتَانِ قَرَأَ نَافِع بِالسُّكُونِ الْمَعْنى يُرِيد تحقير شَأْنه وَأَنه مَمْلُوك وثمنه قَلِيل لَو زيد عَلَيْهِ قدر فلسين لم يشتر لخسته وَسُوء خلقه وقبح منظره
٢٩ - الْغَرِيب التفنيد اللوم وتضعيف الرأى الْمَعْنى يَقُول أولى من عذر فى لومه كافور لخسة أَصله وَقدره وَبَعض الْعذر لوم وهجاء يُرِيد أَن عذرى فى لؤمه لوم
٣٠ - الْمَعْنى أَنه قد عرض بِغَيْرِهِ من الْمُلُوك فى المصراع الأول والخصية جمع خصى كصبى وصبية يَقُول الْبيض عَن فعل المكارم عاجزة فَكيف بالخصية السود الَّذين لَا قدر لَهُم
[ ٢ / ٤٦ ]
- ١ - الْإِعْرَاب ذكر سِيبَوَيْهٍ النيروز فى بَاب الْأَسْمَاء العجمية وَقَالَ نيروز بِالْيَاءِ وَحكى غَيره بِالْوَاو وَقَالَ على ﵇ نوروزنا كل يَوْم وَلَيْسَ فى هَذَا حجَّة على سِيبَوَيْهٍ لِأَن الْعَرَب إِذا اسْتعْملت الأعجمية تصرفت فِيهَا كَمَا تُرِيدُ كَمَا قَالُوا فى إِبْرَاهِيم وجبرائيل فقد قَرَأَ ابْن عَامر إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فى سُورَة الْبَقَرَة بِالْألف وَقَرَأَ عَنهُ هِشَام جَمِيع مَا فى سُورَة النِّسَاء إِلَّا الأول وأواخر الْأَنْعَام وَبَرَاءَة لَا جَمِيع مَا فى سُورَة إِبْرَاهِيم والنحل وَآخر العنكبوت وَجَمِيع سُورَة مَرْيَم والشورى وكل مَا فى الْمفصل سوى الأول من سُورَة الممتحنة والذى فى سُورَة الْأَعْلَى بِالْألف وَجِبْرِيل بِالْجِيم وَالرَّاء بِالْهَمْزَةِ حَمْزَة والكسائى وَأَبُو بكر وبفتح الْجِيم من غير همز ابْن كثير وبكسر الْجِيم من غير همز الْبَاقُونَ وميكال قَرَأَ بِالْهَمْز من غير يَاء نَافِع وَبلا همز وَلَا يَاء أَبُو عَمْرو وَحَفْص عَن عَاصِم وبالياء والهمز الْبَاقُونَ فتصرفوا فى الْأَسْمَاء الأعجمية كَمَا أَرَادوا وَأنْشد أَبُو على
(هَل تعرفُ الدّارَ لأمّ الخَزْرَجِ مِنْها فَظَلْتَ اليَوْمَ كالمُزَرَّجِ)
يُرِيد الذى شرب الزرجون وهى الْخمر وَقَوله ﴿وورت زنادة﴾ ورى الزند إِذا أخرج النَّار الْمَعْنى يَقُول هَذَا النيروز قد أَتَى وَلَكِن أَنْت مُرَاده وقصده بالمجئ وَقد حصل لَهُ مُرَاده لِأَنَّهُ إِذا زارك ورآك فقد بلغ مَا يُرِيد وورت زناده برؤيتك وورى الزند كِنَايَة عَن بُلُوغ المُرَاد وَالْعرب تَقول ورت بفلان زنادى آى أدْركْت بِهِ حاجتى ومرادى
٢ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه النظرة الَّتِى أَخذهَا مِنْك هُوَ يتزودها من الْحول إِلَى الْحول لِأَنَّهُ لَا يأتى إِلَّا من سنة إِلَى سنة فهى لَهُ كالزاد يعِيش بهَا
٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا انْصَرف عَنْك هَذَا النيروز خلف طرفه ورقاده عنْدك فبقى بِلَا لحظ وَلَا نوم إِلَى أَن يعود إِلَيْك قَالَ العروضى هَذَا هجاء قَبِيح للممدوح إِن أَخذنَا بقول أَبى الْفَتْح لِأَنَّهُ أَرَادَ انْصَرف عَنْك أعمى عديم النّوم وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه لما رآك اسْتَفَادَ مِنْك النّوم وَالنَّظَر وهما اللَّذَان تستطيهما الْعين وَمَعْنَاهُ أَنَّك أفدته أطيب شئ وَنقل ابْن القطاع كَلَام أَبى الْفَتْح حرفا فحرفا
[ ٢ / ٤٧ ]
- الْمَعْنى قَالَ الواحدى روى ابْن جنى يرى بِضَم الْيَاء أى نَحن كل يَوْم فى سرُور لِأَن الصَّباح كل يَوْم يرى يُرِيد اتِّصَال سرورهم قَالَ أَبُو الْفضل العروضى لَيْسَ هُوَ كَمَا ذهب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُرِيد أَن يخص صباح نيروزه بِالْفَضْلِ فَقَالَ مِيلَاد السرُور إِلَى مثله من السّنة هُوَ هَذَا الصَّباح وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِفَتْح النُّون قَالَ ابْن فورجة يُرِيد نَحن فى سرُور ميلاده هَذَا الصَّباح يعْنى صباح نيروز لِأَن السرُور يُولد فى صباحه لفرح النَّاس الشَّائِع فى النيروز
٥ - الْغَرِيب الممالك جمع ملك قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ على حذف الْمُضَاف أى أهل ممالك الْفرس يُرِيد أَن الْفرس عظموه حَتَّى حَسَدْته جَمِيع الْأَيَّام لتعظيمهم لَهُ
٦ - الْغَرِيب التلاع جمع تلعة وهى مَا ارْتَفع من الأَرْض وَمِنْه قَول الراعى
(كدخانِ مُرتحِلٍ بِأَعْلَى تَلْعةٍ غَرثانَ أضرمَ عَرْفجا مَبلولا)
والوهاد مَا انخفض من الأَرْض وهى جمع وهدة والأكاليل جمع إكليل وَهُوَ مَا يَجْعَل على الرَّأْس كالتاج وَهُوَ من ملابس الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن الصَّحرَاء قد تَكَامل زهرها فَجعله كالأكاليل عَلَيْهَا قَالَ أَبُو الْفضل العروضى وَكَيف يَصح مَا قَالَ وَأَبُو الطّيب يَقُول مَا لبسنا وَلم يقل مَا لبست الصَّحرَاء وَمَا يشبه هَذَا مِمَّا يكون دَلِيلا على مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَكِن كَانَ من عَادَة الْفرس إِذا جَلَسُوا فى مجَالِس اللَّهْو وَالشرب يَوْم النيروز أَن يتخذوا أكاليل من النَّبَات والأزهار فيجعلونها على رُءُوسهم وَهَذَا كَقَوْل الطائى
(حَتى تعمَّم صُلْعُ هاماتِ الرُّبا مِنْ نَبْتِهِ وتأزَّرَ لأهْضَامُ)
وَهَذَا الْبَيْت سليم لِأَنَّهُ جعل مَا على الرِّبَا بِمَنْزِلَة الْعِمَامَة وَمَا على الأهضام بِمَنْزِلَة الْإِزَار وَوجه قَول المتنبى أَنه أَرَادَ حَتَّى لبستها تلاعه والتحفت بهَا وهاده فَيكون من بَاب
(علفّتها تبِنا وَمَاء بارِدًا )
وَمعنى الْبَيْت أَن النَّبَات قد عَم الأَرْض مرتفعها ومنخفضها وَبَيت أَبى تَمام أحسن سبكا
[ ٢ / ٤٨ ]
- الْإِعْرَاب الظّرْف مُتَعَلق بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله
(مَا لبسنا فِيهِ الأكاليل )
وكسرى روى الْكُوفِيُّونَ فِيهِ كسر الْكَاف وَقَالَ البصريون بِفَتْحِهَا وأنشدوا للفرزدق
(إذَا مَا رأوْهُ طالِعا سجَدُوا لَهُ كَمَا سَجَدَتْ يَوْما لكسْرَى مَرازِبُهْ)
الْغَرِيب كسْرَى أَبُو ساسان هُوَ ملك فَارس وَقيل لملوك الْعَجم بنوساسان لهَذَا الْمَعْنى يُرِيد عِنْد هَذَا الممدوح الذى لَا يُقَاس بِملكه ملك كسْرَى ملك الْعَجم وَلَا أَوْلَاده وملوك الْعَجم يُقَال لكل وَاحِد مِنْهُم كسْرَى
٨ - الْإِعْرَاب هَذِه ثَلَاث جمل ابتدا آتٍ تقدّمت الْأَخْبَار عَلَيْهَا الْغَرِيب فلسفى نسب إِلَى الْحُكَمَاء لِأَنَّهُ يتَكَلَّم بالحكمة الْمَعْنى يَقُول هُوَ عربى يتَكَلَّم بِلِسَان الْعَرَبيَّة ورأيه رأى الْحُكَمَاء وأعياده فارسية كالنيروز والمهرجان
٩ - الْمَعْنى يَقُول كلما استعظم النائل نَفسه استصغره نائل آخر وَقَالَ الواحدى كلما ازْدَادَ عطاؤه زَاد نائله عظما فَإِذا أسرف فى عطائه فَقَالَ ذَلِك الْعَطاء أَنا سرف قَالَ مَا يتبعهُ من الْعَطاء الزَّائِد على الأول هَذَا مِنْهُ قصد أى أَنا أَكثر مِنْهُ وَهَذَا مثل والنائل لَا يَقُول شَيْئا وَلَكِن يسْتَدلّ بِحَالهِ كَأَنَّهُ قَائِل وتلخيص الْمَعْنى إِذا استكثر مِنْهُ عَطاء قل ذَلِك فى جنب مَا يتبعهُ وَقَالَ الْخَطِيب إِذا أعْطى عَطاء كثيرا أعْطى بعده أَكثر مِنْهُ حَتَّى يُقَال اقتصد فى الأول
١٠ - الْغَرِيب النجاد حمائل السَّيْف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد حمائل السَّيْف لطوله وَقَالَ العروضى لَيْسَ يُرِيد فى هَذَا الْبَيْت طول النجاد وَلَا قصره وَإِنَّمَا يُرِيد تَعْظِيم شَأْن الْوَاهِب فَقَالَ كَيفَ يقصر عَن السَّمَاء منكبى والنجاد عَن هَيئته فَأن الطول وَالْقصر فى هَذَا وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ طول نجاد ابْن العميد إِذا أهْدى سَيْفه للمتنبى مِمَّا يُوجب أَن يطول مَنْكِبه وَإِنَّمَا يُرِيد كَيفَ أنكل عَن مفاخرة ذى فَخر وَكَيف يقصر منكبى دون سَمَاء ونجاده قد بلغنى غَايَة قد بلغنى الشّرف إِذْ هُوَ على
[ ٢ / ٤٩ ]
- الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول قلدتنى يَده سَيْفا لَا مثل لَهُ فى السيوف فَهُوَ عديم الْمثل كمن لم تعقب أجداده مثله وَكَانَ وَاحِدًا فى جملَة إخوانه وأترابه وَأَرَادَ بأجداد الحسام الْمَعَادِن الَّتِى مِنْهَا تستخرج جَوَاهِر الْحَدِيد فَهُوَ يَقُول لم يطبع مثله فَلَا نَظِير لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ يستحسن مِنْهَا جَوَاهِر الْحَدِيد وَقد أهْدى إِلَيْهِ سَيْفا نفيسا طَوِيل النجاد وَقد تجَاوز فى هَذَا الْمَعْنى أَبُو نواس بقوله
(أشَمّ طَوِيلُ السَّاعدَينِ كأنَّما يُناطُ نِجادًا سيفِهِ بِلِوَاءِ)
١٢ - الْغَرِيب إياة الشَّمْس ضوءها قَالَ طرفَة
(سَقَتْهُ إياةُ الشَّمْسِ إِلَّا لِثاتِهِ أُسِفّ وَلم تكْدِمْ عليهِ بإثْمِدِ)
وَإِذا فتح أَوله مد وَمِنْه قَول ذى الرمة
(تَرىِ لأَيَاءِ الشَّمسِ فِيهَا تحدُّرَا )
والأرآد يجوز أَن يكون جمع رأد وَهُوَ الضَّوْء يُقَال رأد النَّهَار وَيجوز أَن يكون جمع رئد وَهُوَ الترب وَيجوز ترك الْهَمْز فِيهِ قَالَ كثير
(وَقَدْ دّرَّعُوها وَهىَ ذاتُ مُؤَصَّدٍ مَجُوبٍ ولمَّا يلبسِ الدّرعَ رِيدُها)
الْمَعْنى يَقُول كلما سل هَذَا الحسام ضاحكته إياة الشَّمْس وتقر بِأَن ضوءها مثل ضوئه وَالْكِنَايَة فى أَنَّهَا للإياة وَإِنَّمَا جمع الأرآد مَعَ تَوْحِيد الإياة حملا على الْمَعْنى فَإِن عِنْد كل سلة مضاحكة بَينه وَبَين إياة الشَّمْس
١٣ - الْمَعْنى يَقُول مثلُوا هَذَا السَّيْف فى غمده أى جعلُوا على غمده مِثَاله وَصورته وَهُوَ أَنهم غشوه فضَّة محرقة فَأَشْبَهت تِلْكَ الْآثَار هَذَا السَّيْف وَمَا عَلَيْهِ من آثَار الفرند وَالْمعْنَى أَنه يغمد فى جفن عَلَيْهِ آثَار كأثره قَالَ الواحدى خشيَة الْفَقْد يُرِيد أَن النَّاس يَقُولُونَ إِن هَذَا السَّيْف عَزِيز فلعزه وَخَوف فَقده غشوا جفْنه الْفضة قَالَ أَبُو الْفَتْح صونا للجفن من الصدإ لِئَلَّا يَأْكُلهُ قَالَ ابو فورجة يُرِيد مَا نسج عَلَيْهِ من الْفضة تَصْوِير لما كَانَ على مَتنه من الفرند فعل ذَلِك بِهِ إِرَادَة أَن لَا تفقده الْأَعْين بِكَوْنِهِ فى غمده بل يكون كَأَنَّهَا ناظرة إِلَيْهِ وَلم يرد بقوله خشيَة الْفَقْد ذَهَابه وضياعه بل أَرَادَ أَنه لحسنه لَا يشتهى مَالِكه أَن يفقد منظره بإغماده فقد مثله فى جفْنه بِمَا عمل عَلَيْهِ من نقش الْفضة وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا جعل غمده مشبها لَهُ فَيقوم مقَامه وفى مَعْنَاهُ
(إِذا بَرِقوا لم تعرفْ البِيض منهمُ سَرَابيلُهم مِن مثْلِها والعمائم)
[ ٢ / ٥٠ ]
- الْغَرِيب الفرند مَاء السَّيْف وجوهره الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذَا الجفن جعل لَهُ نعل من ذهب وَلَيْسَ ذَلِك من حفا وَهُوَ يحمل من هَذَا السَّيْف بحرا لِكَثْرَة مَائه وفرنده زبده يعْنى أَن الفرند لهَذَا السَّيْف بِمَنْزِلَة الزّبد للبحر
١٥ - الْغَرِيب المدجج المغطى بِالسِّلَاحِ والبدادن جانبا السرج الْمَعْنى يَقُول إِذا ضرب بِهِ قسم المغطى فى السِّلَاح نِصْفَيْنِ والسرج أَيْضا فَلَا يسلم مِنْهُ إِلَّا بداد سَرْجه لانحرافه عَن الْوسط وَقَوله شفرتيه وَالسيف لَا يقطع إِلَّا بشفرة وَاحِدَة مَعْنَاهُ أَنه أَرَادَ بأى شفرة ضرب عمل هَذَا الْعَمَل الذى ذكره
١٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر قد جمع الْآحَاد حد هَذَا السَّيْف ويدى الممدوح وثنائى لَهُ يُرِيد شعرى فى وَصفه فَلَا سيف كَهَذا السَّيْف ولايد فى الضَّرْب كيد الممدوح وَلَا ثَنَاء كثنائى فَهَذِهِ أَفْرَاد لَا نَظِير لَهَا
١٧ - الْغَرِيب المنفسات الْأَشْيَاء النفيسة وَاحِدهَا منفس والعتاد بِفَتْح الْعين الْعدة يُقَال أَخذ لِلْأَمْرِ عدته وعتاده والعتيد الْحَاضِر المهيأ الْمَعْنى قَالَ الواحدى حكى أَبُو على بن فورجة عَن أَبى الْعَلَاء المعرى فى هَذَا الْبَيْت قَالَ يعْنى أَن الغمد بِمَا عَلَيْهِ من الحلى وَالذَّهَب أنفس من السَّيْف كَأَنَّهُ كَانَ محلى بِكَثِير من الذَّهَب فَجعل الغمد جلدا إِذا جعل السَّيْف شامة قَالَ أَبُو على والذى عندى أَنه أَرَادَ بجلده ظَاهره الذى عَلَيْهِ الفرند لِأَن أنفس مَا فى السَّيْف فرنده وَبِه يسْتَدلّ عَلَيْهِ فى الْجَوْدَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يعْنى أَنه يلوح فِيمَا أعطَاهُ كَمَا تلوح الشامة فى الْجلد لحسنه ونفاسته وَقَوله
(جلدهَا منفساته وعتاده)
أى مَا يلى هَذَا السَّيْف مِمَّا تقدم مِنْهُ وَتَأَخر كالجلد حول الشامة وَقَالَ أَبُو الْفضل العروضى مُنْكرا على أَبى الْفَتْح ألم يجد المتنبى مِمَّا يحسن فى الْجَسَد شَيْئا فَوق الشامة كَالْعَيْنِ الْحَسْنَاء لكنه أَرَادَ أَن هَذَا السَّيْف على حسنه وَكَثْرَة قِيمَته كالنقطة فِيمَا أعطَاهُ أَلا ترَاهُ يَقُول جلدهَا منفساته أى قدر السَّيْف وَهُوَ عَظِيم الْقيمَة فِيمَا أعطَاهُ كَقدْر الشامة فى الْجلد قَالَ الواحدى وَهَؤُلَاء الَّذين حكينا كَلَامهم كَانُوا أَئِمَّة عصرهم وَلم يكشفوا عَن معنى الْبَيْت وَلَا بَينُوهُ بَيَانا يقف المتأمل عَلَيْهِ وَيقْضى بِالصَّوَابِ وَمعنى الْبَيْت إِنَّه جعل ذَلِك السَّيْف شامة والشامة تكون فى الْجلد وَلما سَمَّاهُ شامة سمى مَا كَانَ مَعَه من الْهَدَايَا الَّتِى كَانَ السَّيْف فى جُمْلَتهَا جلدا وَالْكِنَايَة فى المنفسات والعتاد تعودان إِلَى الممدوح وَذَلِكَ أَنه أهْدى إِلَيْهِ أَشْيَاء نفيسة من الْخَيل وَالثيَاب والأسلحة فَهُوَ يَقُول هَذَا السَّيْف فى جُمْلَتهَا شامة فى جلد قَالَ وَقَول ابْن فورجة هوس لَا شئ وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَن السَّيْف على جلالة قدره وَمَا عَلَيْهِ من الذَّهَب كَالشَّامَةِ فى جنب مَا أخذت مِنْهُ وَقَوله جلدهَا يُرِيد مَا عَلَيْهِ من الفرند الذى من أَجله يسْتَدلّ على جودته ويغالى فى ثمنه وَقيل يردي بجلده جفْنه وَمَا عَلَيْهِ من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجوهر المكلل
[ ٢ / ٥١ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى فِيهِ عَائِد على نداه فى الْبَيْت الأول والضميران فى لبده وطراده يرجعان إِلَى ابْن العميد الْمَعْنى يُرِيد جعلتنا فُرْسَانًا يُرِيد أَن خيلا سوابق كَانَت فى نداه قادها إِلَيْهِ أى فى جملَة مَا أَعْطَانَا خيل سوابق فَارَقت لبده أى سرج ابْن العميد وانتقلت إِلَى سرجى وفيهَا طراده قَالَ ابْن جنى أى قد صرت مَعَه كواحد من جملَته إِذا سَار إِلَى مَوضِع سرت مَعَه وطاردت بَين يَدَيْهِ فَكَأَنَّهُ هُوَ المطارد عَلَيْهَا فعلى قَوْله هَذَا قَوْله وفيهَا أى عَلَيْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فِي جُذُوع النّخل﴾ قَالَ العروضى كَلَام أَبى الْفَتْح كَلَام من لم ينتبه بعد عَن نومَة الْغَفْلَة إِنَّمَا يَقُول فَارَقت هَذِه الخبل لبده وَفِيمَا تأديبه وتقويمه وَمَا ذكره ابْن جنى هوس وَالْمعْنَى أَن الْخَيل السوابق الَّتِى كَانَت عِنْده مِمَّا أَعْطَانَا علمتنا الفروسية لِأَنَّهَا قد فَارَقت لبده حِين أعطاناها وفيهَا مَا عمله بطراده وبتأديبه وَلَيْسَ يُرِيد بقوله فرستنا حملتنا حَتَّى صرنا فُرْسَانًا عَن الرجلة وفيهَا طراده يُرِيد تَأْدِيب طراده على حذف الْمُضَاف
١٩ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لما انْتَقَلت خيله إِلَى رجت أَن تستريح من طول كدة إِيَّاهَا وَلَيْسَت ترى ذَلِك من جهتى مَا دمت أَسِير فى بِلَاده لسعتها وامتداد ولَايَته وَقَالَ الواحدى لَيْسَ لسعة الْبِلَاد هَا هُنَا معنى إِنَّمَا يَقُول لَا ترى هَذِه الْخَيل مَا ترجوه لأَنا لَا نزال نغزو مَعَه بغزواته ونطارد عَلَيْهَا مَعَه إِذا ركب إِلَى الصَّيْد إِنَّمَا تستريح إِذا فارقنا خدمته وَنحن لَا نفارق
[ ٢ / ٥٢ ]
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد رضيت أَن يَجْعَل المداد الذى يكْتب بِهِ قبُول عذرى سَواد عينى حبا لَهُ وتقربا مِنْهُ واعترافا لَهُ بالتقصير قَالَ الواحدى لَيْسَ على مَا قَالَ لِأَن المُرَاد قبُول الْعذر لَا أَن يكْتب الممدوح ذَلِك وَالْمعْنَى أَنه يُرِيد هَل يقبل عذرى وَهل عِنْده قبُول لعذرى ثمَّ قَالَ سَواد عينى مداده يُرِيد أَنه لَو استمد من عينى لم أبخل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ كَاتب مُحْتَاج إِلَى المداد وَالْكِنَايَة فى مداده تعود إِلَى أَبى الْفضل وفى قَول أَبى الْفَتْح تعود إِلَى الْعذر وَلَيْسَ بشئ
٢١ - الْمَعْنى أَنا فى غَايَة من الْحيَاء وَذَلِكَ أَن أَبَا الْفضل ناظره فى شئ من شعره وَلِهَذَا جعله معلا لَهُ وَقد شَرحه فى الْبَيْت الذى بعد هَذَا فَيَقُول مكرمات المعل تأتينى كل يَوْم فَكَأَنَّهَا عواد عليل تعودنى
٢٢ - الْمَعْنى لم يكفنى تَقْصِير قولى وعجزى عَن وَصفه حَتَّى صَار انتقاده شعرى ثَانِيًا لتقصيرى وَهَذَا هُوَ الْمُوجب للحياء وَهُوَ التَّقْصِير والانتقاد
٢٣ - الْمَعْنى يَقُول أَنا فى الشّعْر كالبازى الأصيد وَلَكِن النَّجْم الْأَعْلَى لَا أقدر على بُلُوغه وَيُرِيد بِأَجل النُّجُوم زحل جعل هَذَا مثلا للممدوح قَالَ الواحدى وَلم يعرف ابْن جنى هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ لَو اسْتَوَى لَهُ أَن يَقُول أَعلَى النُّجُوم لَكَانَ أليق وَالْمعْنَى إنى وَإِن كنت حاذقا فى الشّعْر فَإِن كلامى لَا يبلغ أَن أصف ابْن العميد وأمدحه وَأما قَول الواحدى عَن أَبى الْفَتْح
(لَو اسْتَوَى لَهُ أَن يَقُول أَعلَى النُّجُوم لَكَانَ أليق)
أى بِالْمَعْنَى فَصدق وَأَبُو الطّيب لَو قَالَ ذَلِك لَكَانَ حسنا واستوى لَهُ لَو فطن وَكَانَ قَادِرًا أَن يَقُول
(إنَّنِى أصْيَد البُزاةِ ولكِنِّىَ أعْلى النُّجومِ لَا أصْطادُه )
[ ٢ / ٥٣ ]
- الْإِعْرَاب مَا بِمَعْنى شئ لِأَن رب لَا تدخل إِلَّا على النكرات الْمَعْنى رب حسن من فضلك لم يلْحقهُ لفظى وَإِن كنت أقرّ لَك بقلبى يُرِيد رب شئ من مدحك لَا يبلغهُ وصفى بالعبارة وَمَا يضمره قلبى هُوَ اعْتِقَاده فِيك وفى استحقاقك ذَلِك الْمَدْح وَهَذَا اعتذار عَن قصوره فى وَصفه ومدحه
٢٥ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد لم أمدح مثله فَلذَلِك قصرت عَن وصفى لَهُ والذى أَتَاهُ من الْكَرم عَادَة لَهُ لم يتطبع بِهِ قَالَ الواحدى الذى أَتَاهُ من الشّعْر اعتياده لِأَنَّهُ أبدا يمدح فَهُوَ أعلم النَّاس بالمدح وَهَذَا يدل على تحرز أَبى الطّيب مِنْهُ وتواضعه لَهُ وَلم يتواضع لأحد فى شعره مَا تواضع لَهُ قَالَ وَيجوز أَن يكون وَهَذَا الذى أَتَاهُ يُرِيد الذى فعله من النَّقْد عَادَته قَالَ والذى قَالَه أَبُو الْفَتْح لَيْسَ بشئ لِأَنَّهُ لَيْسَ فى وصف كرمه وَإِنَّمَا يعْتَذر إِلَيْهِ فى تَقْصِيره
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول إِن فاتنى عد بعض فضائلك وأوصافك حَتَّى لم آتٍ على جَمِيعهَا كَانَ عذرى وَاضحا فإنى غرقت بهَا لِكَثْرَة صِفَات مدحك والغريق فى الْبَحْر إِن فَاتَهُ عد الأمواج كَانَ عذره وَاضحا وَالْمعْنَى إِن فكرى غرق فى فضائلك فَلم أجد سَبِيلا إِلَى وصفهَا حق الْوَصْف
٢٧ - الْإِعْرَاب للندى الغلب اللَّام مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ الْخَبَر والابتداء هُوَ الغلب قَالَ أَبُو الْفَتْح وَجعل عماده فى مَوضِع اعْتِمَاده وَلَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ وَابْن العميد اعْتِمَاده وَكَانَ الْوَزْن صَحِيحا الْمَعْنى يَقُول الْغَلَبَة لعطائه فَإِنَّهُ غلبنى لِأَنَّهُ يسْتَند إِلَى ابْن العميد وَأَنا أستند إِلَى الشّعْر وَلَيْسَ يمكننى أَن أكاثر عطاءه بشعرى
٢٨ - الْغَرِيب الآد الْقُوَّة وَالْأَمر الْعَظِيم الْمَعْنى الظَّن هَهُنَا بِمَعْنى الْعلم يَقُول أَنا عَالم بالأمور قد أحطت بهَا علما غير أَنى قَاصِر عَن مدح كريم لَيْسَ لى فَصَاحَته فى الْكَلَام وَلَا قوته فى علم الشّعْر
[ ٢ / ٥٤ ]
- الْغَرِيب المزاد جمع مزادة وهى الرِّوَايَة والراوية فى الأَصْل الْجمل وَإِنَّمَا سميت المزادة راوية مجَازًا الْمَعْنى يَقُول هُوَ ظَالِم الْجُود يُرِيد أَنه يُكَلف من حل بِهِ أَو نزل لسخائه وبذله أَن يحمل الْبحار فى مزاده وَهَذَا ظلم لِأَنَّهُ يُكَلف الْإِنْسَان مَا لم يُمكن وكنى بالركب عَن الْوَاحِد على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى على رِوَايَة من روى سَام وَأما من روى سيم كَانَ الْمَعْنى أَن هَذَا الممدوح قد ألف مِنْهُ الْكَرم فَإِذا نزل بِهِ ركب كلفوه أَن يحمل الْبحار
٣٠ - الْمَعْنى يَقُول عمتنى مِنْهُ فَوَائِد كَانَ من جُمْلَتهَا حسن القَوْل أى تعلمت مِنْهُ حسن النّظم وَصِحَّة الْمَعْنى يُرِيد أَنه تنبه بانتقاد شعره على مَا كَانَ غافلا عَنهُ
٣١ - الْمَعْنى يَقُول لم نسْمع قبله بجواد يحب الْعَطاء ويشتهى أَن يكون قلبه من جملَة الْإِعْطَاء يُرِيد أَن مَا أَفَادَهُ من الْعلم من نتيجة عقله وثبات فكره فَعبر عَن الْعلم بالفؤاد لِأَن مَحَله الْفُؤَاد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أى عقل فَسمى الْعقل قلبا قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى هَذَا الْكَلَام فَقَالَ الْكَلَام الْحسن الذى عِنْده إِذا أَفَادَهُ إنْسَانا فقد وهب لَهُ عقلا ولبا وفؤادا وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ يحسن أَن لَو قَالَ
(فاشتهى أَن يكون فِيهَا فُؤَاده )
مُنْكرا وَإِذا أَضَافَهُ إِلَى الممدوح فَلَيْسَ يحسن مَا قَالَ وَلَا يجوز
٣٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى روى ابْن جنى أفضل النَّاس وَلَيْسَ بشىء يُرِيد أَن أفْصح النَّاس الممدوح وَأَن الفصاحة فِي الْعَرَب فأصح النَّاس فى مَكَان بدل الْأَعْرَاب بِهِ أكراد يعْنى أهل فَارس أى أَنه أفْصح النَّاس وَأَنه بَين قوم غير فصحاء
٣٣ - الْإِعْرَاب أَحَق عطف على قَوْله أفْصح الْمَعْنى يَقُول خلق الله أَحَق الغيوث بِحَمْد فى زمَان الخ يعْنى الممدوح لما جعله غيثا ينْبت الْكلأ جعل النَّاس لاحتياجهم إِلَيْهِ كالجراد وَالْجَرَاد لَا يحيا إِلَّا بالغيث والكلأ وَقَالَ الواحدى جعل الممدوح غيثا لعُمُوم صَلَاحه وَجعل النَّاس جَرَادًا لشيوع فسادهم وَلِأَنَّهُم سَبَب الْفساد قَالَ وَيدل على صِحَة هَذَا قَوْله
(مثل مَا أحدث الخ )
[ ٢ / ٥٥ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن الزَّمَان فَقير إِلَيْهِ فَهُوَ فى الْعَالم كالأنبياء ﵈ فى زمانهم يُرِيد إِنَّه لما شاع الْفساد فى الْعَالم كالجراد خلق الله ابْن العميد ليزيل بِهِ ذَلِك الْفساد كَمَا أَنه لما عَم الْكفْر والشرك بعث الله الْأَنْبِيَاء وَهُوَ من قَول الفرزدق
(بُعِثْتَ لأهلِ الدّينِ عَدلًا ورَحْمَةً وبُرْءًا لآثارِ الجُروح الكوَالمِ)
(كَا بَعَثَ اللهُ النَّبىَّ محمَّدًا على فترَةٍ والنَّاسُ مثلُ البهائمِ)
٣٥ - الْمَعْنى يَقُول الْقَمَر يزين اللَّيْل ويضئ فِيهِ وَلم يضرّهُ سَواد اللَّيْل وَأَنت لما ظهر الْفساد فى النَّاس لم يصل إِلَيْك لِأَنَّك سَبَب صَلَاحه كَالْقَمَرِ يطلع فيجلو سَواد اللَّيْل وَلَا يضرّهُ
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول قد أكثرت الْفِكر فَكيف أهْدى إِلَيْك شَيْئا كَمَا تهدى العبيد إِلَى رَبهَا
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول كل مَا عندنَا من الْأَمْوَال والخيول فَهُوَ من هباته وَمَا قَادَهُ لنا من الْخُيُول فَمن عِنْده وَهَذَا من قَول ابْن الرومى
(منكَ يَا جَنَّةَ النَّعيم الهَدايا أفنُهْدى إِلَيْك مَا مِنْك يُهْدَى)
٣٨ - الْإِعْرَاب مهار بِالْجَرِّ بدل أَو صفة على التَّأْوِيل وَبِالنَّصبِ صفة على الْموضع تَقْدِيره بعثنَا أَرْبَعِينَ وَالْبدل أَيْضا على الْموضع كَمَا قُلْنَا فى وَجه الْجَرّ لِأَن الْمهْر وَإِن كَانَ اسْما يرضيك مِنْهُ معنى الصّفة لِأَنَّهُ بِمَعْنى فَتى الْغَرِيب يُقَال مهر ومهرة وفى الْجمع أمهار ومهار ومهرات الْمَعْنى يَقُول قد بعثت إِلَيْك بِأَرْبَعِينَ بَيْتا من الشّعْر كَأَنَّهَا أَرْبَعُونَ مهْرا وميدان كل بَيت إنشاده يُرِيد تعرف كل بَيت بإنشاده كَمَا أَن الْمهْر إِذا جرى فى ميدانه عرف جريه
[ ٢ / ٥٦ ]
- الْمَعْنى أى الْأَرْبَعُونَ عدد عشته دُعَاء لَهُ بِأَن يعِيش هَذَا الْعدَد من السنين على مَا عَاشَ وَكَانَ ابْن العميد قد جَاوز السّبْعين وناهز الثَّمَانِينَ فى هَذَا الْوَقْت وَالْمعْنَى زَاد الله فى عمرك هَذَا الْعدَد والجسم لَا يرى من أرب الْعَيْش فِيمَا زَاد على الْأَرْبَعين مَا كَانَ يرَاهُ فِيمَا دونه فَلهَذَا اخْتَار هَذَا الْعدَد فَجعل القصيدة أَرْبَعِينَ بَيْتا قَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَرْبَعُونَ إِذا تجاوزها الْإِنْسَان نقص عَمَّا يعْهَد من أَحْوَاله فى جِسْمه وتصرفه
٤٠ - الْمَعْنى يُرِيد بِالْقَلْبِ الذى نماها نَفسه أى صنعها ويعنى بالجياد الأبيات الَّتِى أَنْشَأَهَا وصنعها وَلما عبر عَن الأبيات بالمهار عبر عَن حفظهَا وإمساكها بالارتباط للتجانس بَين الْكَلَام
[ ٢ / ٥٧ ]
- ١ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره يفدى بكتب الْأَنَام كتاب وَدلّ على الْفِعْل مَا بعده من قَوْله فدت الْمَعْنى يَقُول يفدى هَذَا الْكتاب الْوَارِد على بكتب النَّاس كلهم لِأَن شرفه وَقدره عَظِيم
٢ - الْمَعْنى إِن هَذَا الْكتاب يخبر عَن حَاله وشوقه إِلَيْنَا كَمَا نجد نَحن من شوقنا إِلَيْهِ
٣ - الْغَرِيب خرق الظبى إِذا فزع ولطئ بِالْأَرْضِ وَكَذَلِكَ أخرق وأخرقه غَيره والخرق التحير من هم وَشدَّة وبرق إِذا شخص بطرفه من عجب أَو فزع قَالَ الله تَعَالَى ﴿برق الْبَصَر﴾ وبرق بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وبالفتح قَرَأَ نَافِع الْمَعْنى يُرِيد إِن الذى رأى هَذَا الْكتاب حيره مَا رَآهُ من حسن الْخط والذى انتقد لَفظه أبرقه مَا انتقده من حسن أَلْفَاظه ومعانيه وبلاغته
٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَن أَلْفَاظه تحدث الْحَسَد فى قلب من يقْرؤهَا فتحسده قُلُوب السامعين
٥ - الْمَعْنى لما وَصفه بِأَنَّهُ يفرس جعله أسدا لِأَن الْفرس من أَفعَال الْأسد وَالْمعْنَى أَنه وصل فى استيلائه على قُلُوبهم إِلَى مثل مَا يصل إِلَيْهِ الْأسد إِذا فرس الفريسة جعل الفصاحة فِيهِ دون غَيره من النَّاس كالفرس فى الْأسد قَالَ الواحدى لَو خرس المتنبى وَلم يصف كتاب أَبى الْفَتْح بِمَا وصف لَكَانَ خيرا لَهُ فَكَأَنَّهُ قطّ لم يسمع وصف كَلَام وأى موصع للإخراق والإبراق وَالْفرس فى وصف الْأَلْفَاظ والكتب فَهَلا احتذى على مِثَال كَلَام البحترى فى قَوْله يصف كَلَام مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات
(فى نظامٍ مِن البلاغَة مَا شَكَّ امْرُؤٌ أنَّهُ نِظامُ فَرِيدِ)
(وَكَلَام ١ كأنَّه الزَّهَر الضَّا حكُ فى رَوْنق الرَّبيع الجديدِ)
(ومَعانٍ لَو فصَّلتها القَوافى هَجَّنَتْ شعر جَرْول ولَبيدِ)
(حُزْنَ مستعملَ الْكَلَام اخْتيارا وتجنَّبْنَ ظُلمةَ التَّعقيدِ)
[ ٢ / ٥٨ ]
- ١ - الْغَرِيب الخفر الْحيَاء الْمَعْنى من روى نسيت بِضَم النُّون يُرِيد نسينى الحبيب وَلَا أنسى مَا جرى بينى وَبَينه من العتاب وتباريحه الْمَعْنى يَقُول نسيت شَيْئا وَلم أنس عتابا مضى مَعَ الحبيب وَلَا خفر العاتب الذى غشيه عِنْد العتاب من الْحيَاء الذى زَادَت بِهِ حمرَة وَجهه وَالْعرب تذكر مَا جرى بَينهَا وَبَين الحبيب عِنْد الْوَدَاع كَقَوْل الآخر
(ولسْتُ بناسٍ قوْلهَا يوْمَ وَدَّعَتْ وَقد رُحِلَتْ أجمالُنا وهى وُقَّفُ)
(أأنْتَ على العَهدِ الذى كانَ بيْنَنا فلسْنا وحقّ اللهِ عَن ذَاك نُصرَفُ ١)
(فقلْتُ لَهَا حِفظى لِعهدِكِ مُتْلفى وَلَوْلَا حِفاظُ العهدِ مَا كنتُ أتلف)
وكقول الآخر
(وَلم أنْسَ توْديعى لَهُم وَحُدُاتهُمْ تُرَحِّلُهُمْ فَوْقَ المَطِىّ المُخَزَّمِ)
(وُقوفى وَراءَ الحَىّ سِرّا وبيْنَنا حَدِيث كنشرِ المِسكِ حينُ يجَمْجَم ٢)
(ترَشَّفْتُ مَن فِيهَا رُضابا كأنَّه سُلافة خمر من إِنَاء مُفدَّمِ)
(مبرْقعة كالشَّمس تحتَ سحابةٍ أَو البدرِ فى جُنْحٍ من اللَّيل مظلمِ)
٢ - الْإِعْرَاب من نصب صُحْبَة نصبها على المصدرية وهى الرِّوَايَة الصَّحِيحَة تَقْدِيره صحبنى فى المعانقة كَمَا صَحبه العقد أى مثل وَمن رفع جعلهَا فاعلة أَطَالَت الْغَرِيب القصيرة والقصورة هى المحبوسة فى خدرها الممنوعة من التَّصَرُّف من الْقصر بِالْفَتْح لَا من الْقصر كعنب وَمِنْه
(قاصرات الطّرف)
أى محبوسات فَلَا تقع أعينهن إِلَّا على أَزوَاجهنَّ وَقيل قصرن أَطْرَاف أَزوَاجهنَّ أَن ينْظرُوا إِلَى غَيْرهنَّ وجمعهن قاصرات وَجمع قَصِيرَة قصائر وقصار قَالَ كثير
(وأنْتِ الَّتِى حَبَّبْتِ كلّ قَصِيرَةٍ إلىَّ وَما تَدْرِى بذاكَ القصائِرُ)
(عَنَيْتُ قَصيراتِ الحِجالِ وَلم أُرِدْ قِصارَ الخُطَا شَرُّ النِّساءِ البَحاترُ)
الْمَعْنى وَلَا لَيْلَة أى مَا نسيت لَيْلَة قصرت عَن الطول بلهوى بمحبوبة قصورة فقصرت تِلْكَ اللَّيْلَة لطيبها وليالى الْوِصَال أبدا قصار كَمَا أَن ليالى الهجر أبدا طوال فَبت مَعَ هَذِه القصورة معانقا لَهَا حَتَّى طَالَتْ المعانقة مثل صُحْبَة العقد فى جيدها
[ ٢ / ٥٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول من لى بِمثل يَوْم الْوَدَاع لِأَن الْمُودع على كل حَال يحظى بِالنّظرِ وَالتَّسْلِيم يَقُول من لى بِالْيَوْمِ الذى كرهته لما فِيهِ من التَّفَرُّق فَأَنا أَتَمَنَّى مثل ذَلِك الْيَوْم الذى قربت بِهِ من الْبعد للتوديع والعشاق يتمنون التوديع كَمَا قَالَ الآخر
(مَن يكُنْ الوَداع فاّنى أشتَهيهِ لِعِلَّةِ التَّسْليمِ)
(إنَّ فِيهِ اعتناقَه لوداع وانتظار اعْتناقِهِ لقُدومِ)
(ولَكَمْ فُرْقة وغَيبةِ شَهْرٍ هى أحْرَى مِنِ امْتناع مُقيمِ)
٤ - الْإِعْرَاب أَن لَا أَن فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقْدِيره وَبِأَن لَا يخص الْمَعْنى يَقُول من لى بِأَن لَا يكون الْفَقْد مَخْصُوصًا بشئ دون شئ فإنى فقدت أحبابى وَلم أفقد الْبكاء والوجد فَأَنا أَتَمَنَّى أَن يكون الْفَقْد عُمُوما لَا خُصُوصا حَتَّى إِذا فقد الحبيب فقد الوجد
٥ - الْإِعْرَاب تمن خبر مبتدإ مَحْذُوف تَقْدِيره هَذَا تمن الْغَرِيب الفتيل هُوَ مَا على شقّ النواة وَقيل هُوَ مَا كَانَ بَين الإصبعين من الْوَسخ وَقيل الفتيل والنقير والقطمير كُله فى النواة فالفتيل هُوَ مَا فى شقها والنقير هُوَ النقرة الَّتِى على ظهرهَا والقطمير هُوَ الغشاء الرَّقِيق الذى عَلَيْهَا الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى ذكرته هُوَ تمن لَا حَقِيقَة لَهُ غير أَن المستهام وَهُوَ الذى هيمه الْحبّ يلتذ بالتمنى وَإِن كَانَ لَا يَنْفَعهُ وَلَا يغنى عَنهُ شَيْئا وَهَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(أمانِىَّ مِنْ لَيْلَى حِسانا كأنَّمَا سَقَتنى بِها ليلَى على ظَمأ بَرْدًا)
(مُىَ إنْ تكنُ حَقاتكُن أحسن المُنَى وَإِلَّا فَقد عِشْنا بهَا زَمنا رَغْدًا)
وَقَالَ البحترى
(تَمَنَّيْتُ ليلى بعد فَنْوتِ وإنَّمَا تَمَنَّيْتُ مِنْهَا خُطَّةً لَا أنالُهَا)
وَقَالَ الآخر
(وَأعلم أنَ وَصْلكِ ليسَ يُرْجَى ولكِنْ لَا أقَلَّ مِن التمّنى)
يُقَال لذى يلذ والتذ يلتذ وتلذذت كَذَا ألتذه لذاذا ولذاذة وَهُوَ لذ ولذيذ
[ ٢ / ٦٠ ]
- الْإِعْرَاب غليظ مُبْتَدأ قدم عَلَيْهِ الْخَبَر وَحذف تَقْدِيره ولى غيظ على الْأَيَّام الْغَرِيب الْقد سير يشد بِهِ الْأَسير الْمَعْنى يَقُول لى غيظ على الْأَيَّام مثل النَّار تلتهب فى الأحشاء إِلَّا أَنه غيظ على من لَا يبالى بغيظى اغتظت عَلَيْهَا أم رضيت عَنْهَا فَهُوَ كغيظ الْأَسير على على مَا يشد بِهِ من الْقد فَهُوَ غيظ على جَائِر غير رَاحِم
٧ - الْغَرِيب الدلوق بِالدَّال الْمُهْملَة سرعَة الانسلال وَسيف دالق دلوق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الذى ترينه من شجوى وتغيرى إِنَّمَا هُوَ لمواصلتى السّير وَالطّواف فى الْبِلَاد لبعد همتى كالسيف الحاد إِذا كثر سَله وإغماده أكل جفْنه قَالَ الواحدى وَلَيْسَ مِمَّا ذكره شئ فى الْبَيْت لكنه مَا هجس لَهُ فى خاطره فَتكلم بِهِ وَلكنه يَقُول إِن رأيتنى منزعجا لَا أقيم فى بلد فَإِن ذَلِك لمضائى كالسيف الذى حِدة حَده تخرجه من غمده وَكَذَا قَالَ ابْن فورجة وَمرَاده يعْتَذر من قلَّة مقَامه فى الْبلدَانِ يَقُول وَهَذَا من فعلى سيبه أَنى كالسيف الحاد آكل جفنى وأدلق مِنْهُ
٨ - الْغَرِيب بعقوتى أى بقربى وَقد أحَاط بى الْمَعْنى يَقُول لَا أهرب وَقد أحَاط بى الطعْن ولكنى أطْعم الرماح جلدى وأجعله وقاية لعرضى يُرِيد أَنه إِذا أصَاب جلده الطعْن كَانَ أَهْون عَلَيْهِ من أَن يعاب عرضه بالفرار لشجاعته وَهَذَا من قَول الكلابى ١
(أَخُو الحرْب أمَّا جلدُه فمجرّح كَلِيم وأمَّا عِرْضه فسليمُ)
٩ - الْغَرِيب النجائب جمع نجيب وَهُوَ الْكَرِيم من الْإِبِل الْمَعْنى يَقُول هَذِه النجائب تبدل عيشى ومنزلى لِأَنَّهُنَّ يمضين مصممات لَا يفكرن فى نحس وَلَا فى سعد فَأَنا يَوْم بِكَذَا وَيَوْم بِكَذَا فأيامى مبدلة وَكَذَلِكَ منزلى لِأَن الْمُسَافِر لَهُ كل يَوْم منزل غير الذى كَانَ فِيهِ لَهُ بالْأَمْس وَقيل النجائب جمع نجيبة وهى النَّاقة الْكَرِيمَة
[ ٢ / ٦١ ]
- الْإِعْرَاب وأوجه معطوفة على نَجَائِب أى أَسِير على هَذِه النجائب مستصحبا لهَذِهِ الغلمان وحياء حَال وَقَالَ قوم بل مفعول لأَجله وخوفا عطف عَلَيْهِ أى لأجل الْخَوْف الْغَرِيب فتيَان جمع فَتى وَهُوَ الْكَرِيم الشَّديد يُقَال فتية وفتيان وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى وَحَفْص وَقَالَ لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم الْمَعْنى الْحيَاء مِمَّا يُوصف بِهِ الْكِرَام يَقُول لشدَّة حيائهم ستروا وُجُوههم باللثام لَا من الْحر وَالْبرد وَيُرِيد وتبدل أيامى أوجه فتيَان يُرِيد غلمانه وسيره مَعَهم من بلد إِلَى بلد
١١ - الْغَرِيب الشيمة الخليقة وَالْعَادَة وَالذِّئْب جنس من السبَاع يشبه الْكَلْب يهمز وَلَا يهمز وَقَرَأَ الكسائى وورش عَن نَافِع بِغَيْر همز والورد الذى فى لَونه حمرَة الْمَعْنى يُرِيد أَن الذِّئْب فِيهِ الْخبث والقحة لَا يُوصف بحياء لِأَن الْحيَاء منَاف شيمته وَإِنَّمَا الْحيَاء فى الْأسد مَخْلُوق فى طَبِيعَته يُقَال من حيائه وَكَرمه أَنه لَا يفرس من واجهه وَأحد النّظر فى وَجهه وَالذِّئْب القحة فى طبعه فَيُقَال أوقح من ذِئْب وَالْمعْنَى أَن هَؤُلَاءِ الغلمان لَا يضرهم حياؤهم وَلَا يعيبهم كَمَا لَا يعيب الْحيَاء الْأسد فقد وَصفهم بِالْحَيَاءِ مَعَ فرط الْإِقْدَام
١٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا خَافُوا من عَدو اعتصموا مِنْهُ بالقنا قَالَ ابْن فورجة أَيْن ذكر خوفهم الْعَدو أَيْن ذكر الِاعْتِصَام إِنَّمَا يَقُول إِذا لم يُمكنهُم أَن يجتازوا على ديار بالمودة حَاربُوا فِيهَا وجازوها قَالَ وَهُوَ على مَا قَالَ وَالْمعْنَى أَنهم إِذا بلغُوا فىٍ أسفارهم منَازِل قوم لم يكن بَينهم وَبَين سكانها مَوَدَّة أجازتهم رماحهم فَلم يخَافُوا أهل النَّاحِيَة ثمَّ قَالَ وَأَن تخَاف خير من أَن تحب لِأَن من أطاعك خوفًا مِنْك كَانَ أبلغ إطاعة من أَن يطيعك بالمودة كَمَا تَقول الْعَرَب رهبوت خير من رحموت أى لِأَن ترهب خير من أَن ترحم
١٣ - الْغَرِيب حاد يحيد تبَاعد وتجنب عَن الشئ الْمَعْنى يُرِيد أَن الفتيان الَّذين مَعَه يتباعدون ويتجنبون الهازل من الْمُلُوك يعْنى الذى يشْتَغل باللهو من الطَّرب وَشرب الْخمر ويقصدون الذى توفر أى كثر فِيهِ الْجد فَهُوَ ذوجد لَا ذُو هزل
[ ٢ / ٦٢ ]
- الْغَرِيب الأساود الأفاعى والأسد مَعْرُوفَة جمع أَسد الْمَعْنى يَقُول من يكثر فى طَرِيقه اسْم مُحَمَّد بن العميد يكن ذكر اسْمه سَببا للنجاة لبركته وَامْتِنَاع الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَقَالَ الْخَطِيب من نسب إِلَيْهِ فى خدمَة أَو زِيَارَة أَو مدح فَإِنَّهُ نَاجٍ من المخافة لَا يقدم عَلَيْهِ أحد وفى الْكَلَام حذف تَقْدِيره يسر بَين أَنْيَاب الْحَيَّات وَالْأسود ناجيا سالما آمنا من المخافة
١٥ - الْغَرِيب الوحى السَّرِيع ويروى الْمَوْت الوحى والدرد جمع أدرد وَهُوَ الذى ذهبت أَسْنَانه الْمَعْنى يُرِيد أَن السم السَّرِيع الْقَتْل لَا يضرّهُ وَلَا تعْمل فِيهِ أَنْيَاب الْأسود إِذا ذكر اسْم مُحَمَّد بن العميد فَكَأَنَّهَا درد ويمر ويعبر فى مَوضِع الْحَال من قَوْله يسر بَين أَنْيَاب أى يسير مارا عابرا
١٦ - الْمَعْنى يَقُول من بركَة الممدوح قَامَ لنا الرَّعْد مقَام الحادى لِلْإِبِلِ فكفانا الحداء وَلم نتعب وَجَاءَت الْإِبِل ببركته مسرعة
١٧ - الْغَرِيب السبت جُلُود تدبغ بالقرظ فَيبقى عَلَيْهَا الشّعْر وَمِنْه قَول ابْن عمر كَانَ يلبس النِّعَال السبتية والإناء الْقدح الْمَعْنى يَقُول إِذا مرت هَذِه الْإِبِل بالمياه الَّتِى غادرتها السُّيُول لكثرتها صَارَت كَأَنَّهَا تعرض نَفسهَا عَلَيْهَا وَإِن كَانَ لَا عرض وَلَا استحياء وَلكنه ضربه مثلا فَكَأَنَّهَا تشرب مستحيية من كَثْرَة الْعرض عَلَيْهَا وقرعن شربن وَأَصله من إِدْخَال أكارع الشَّارِب فى المَاء ليشْرب وَجعل الْموضع المضمن المَاء لِكَثْرَة الزهر فِيهِ كَأَنَّهُ إِنَاء من ورد والسبت مشافرها وَهَذَا يصف كَثْرَة الأمطار وَأَنه أَيْن يذهب من رأى المَاء فى الغدران قَالَ العروضى مَا أصنع بِرَجُل ادّعى أَنه قَرَأَ على المتنبى ثمَّ يرْوى هَذِه الرِّوَايَة ويفسر هَذَا التَّفْسِير وَقد صحت روايتنا عَن جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الخوارزمى وَأَبُو مُحَمَّد بن الْقَاسِم الجرمى وَأَبُو الْحسن الرخجى وَأَبُو بكر الشعرانى وعدة من الروَاة يطول ذكرهم
(إِذا مَا استجبنَ الماءَ يعرِضُ نَفسه كَرَعن بشَيب الخ)
إِذا مَا استجبن بِالْجِيم من الْإِجَابَة والاستجابة أشبه بِالْعرضِ وأوفق الْمَعْنى أَنه يعرض نَفسه وهى تجيب والكرع بالشيب أَن ترشف الْإِبِل المَاء وحكاية صَوت مشافرها عِنْد شرب المَاء شيب وَمِنْه قَول ذى الرمة
(تداعين باسم الشَّيْب . الْبَيْت)
قَالَ الواحدى قَول ابْن جنى لَيْسَ بِبَعِيد عَن الصَّوَاب وَقد شبه المشفر بالسبت وَهُوَ // حسن // وَمِنْه قَول طرفَة
(وخدّ كقِرْطاس الشامِّى ومِشْفَرٌ كسِبْتِ اليمانِى قدُّه لم يُجَرَّدِ)
[ ٢ / ٦٣ ]
- الْغَرِيب الجو المتسع من الأَرْض وَقَالَ أَبُو عَمْرو فى قَول طرفَة
(خَلاَ لَكِ الجَوُّ فبِيضىِ واصْفرِى )
قَالَ الجو مَا اتَّسع من الْأَدْوِيَة الْمَعْنى يَقُول كل مَوضِع نزلناه فى طريقنا إِلَيْهِ أصبْنَا بِهِ مَاء وكلأ فَكَأَن الأَرْض أَرَادَت شكرنا عِنْده تقربا إِلَيْهِ
١٩ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا تركنَا سَائِر الْمُلُوك لأَنا نصل من رفده يعْنى من عطاياه إِلَى أَضْعَاف مَا نصل إِلَيْهِ من عطاياهم كَمَا أَن الزهاد تركُوا مَتَاع حَيَاة الدُّنْيَا الفانى رَغْبَة فى نعيم الْآخِرَة الباقى فلنا فى ترك غَيره من الْمُلُوك مَذْهَب الْعباد الزهاد والرغائب جمع رغيبة وهى مَا يرغب فِيهَا من كل شئ
٢٠ - الْإِعْرَاب خفف أرجان وَهُوَ بتَشْديد الرَّاء لِأَنَّهُ اسْم أعجمى الْغَرِيب أرجان هُوَ بلد بِفَارِس مِنْهُ أَبُو الْفضل هَذَا الممدوح الْمَعْنى يُرِيد إِنَّا نرجو مِمَّا عِنْده من النَّعيم مَا ترجو الْعباد فى الْجنَّة من نعيم الآخر فَنحْن نرجو بِبَلَدِهِ مَا تزجو الْعباد فى الْجنان حَتَّى مَا يئسنا من أَنا فى الْخلد وَجعل بِهِ كالجنة وَالْجنَّة مَوْعُود فِيهَا بالخلد فَلَمَّا كَانَت كالجنة رجونا فِيهَا الخلود
٢١ - الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله تعرض لَهُم على خوف ونفار خوفًا من أَن يَهَبهَا لَهُم فهى كالوحش طرد لِأَنَّهَا تحب أَن لَا تُفَارِقهُ وَتعرض توليهم عروضها وجنوبها وَتعرض عَنْهُم والطرد بِسُكُون الرَّاء وَفتحهَا لُغَتَانِ فصيحتان وَهَذَا الْبَيْت لَيْسَ فِيهِ حسن مدح وَلَو عكس مَعْنَاهُ لَكَانَ حسنا فَلَو قَالَ إِن خيله تفرح بالزوار حَتَّى ينهبها مِنْهُم لتستريح من الكد وملاقاة الْحَرْب لَكَانَ أمدح لَهُ
[ ٢ / ٦٤ ]
- الْغَرِيب أشاح أسْرع والشحشحة الْإِسْرَاع فى الطيران وقطاة شحشح أى سريعة وشايح الرجل جد فى الْأَمر قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يرثى رجلا
(بَدَرْتَ إِلَى أُولاهُمُ فسبقتهُمْ وشَايحَتْ قبلَ اليوْمِ إنكَ شِيحُ)
الْمَعْنى يَقُول أسرعن إِلَى لِقَاء المنايا كَمَا تسرع القطا إِلَى وُرُود المَاء وَجعلهَا صمًّا لِئَلَّا تسمع شَيْئا يشغلها عَن الطيران وَمِنْه قَول الراجز
(رِدِى رِدِى وِرْدَ قَطاةٍ صَمَّا كُدْرِيَّةٍ أعْجَبها بَرْدُ الْمَا)
قَالَ الْخَطِيب المشيح الْمجد وَمِنْه
(وضَرْبِى هامَةَ البطلِ المُشيحِ )
٢٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى نفوسها رَاجع إِلَى الْأَفْعَال وَالضَّمِير فى ينسبن عَائِد على الْأَفْعَال ونفوسها مفعول تنْسب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَفعَال السيوف أشرف من السيوف وأفعالها تتشبه بأفعاله فى مضائه وحدته وتنسب السيوف إِلَى الْهِنْد أَلا ترى أَنه يُقَال سيف هندى وَسيف يمَان وَفعل السَّيْف أشرف مِنْهُ كَذَلِك أَنْت أشرف من الْهِنْد وَقَالَ ابْن فورجة قد خلط أَبُو الْفَتْح حَتَّى لَا أدرى أى أَطْرَاف كَلَامه أقرب إِلَى الْمحَال وَلم يجر ذكر التَّشْبِيه وَإِنَّمَا يَقُول إِنَّهَا تنْسب أفعالها إِلَيْهِ أى تَقول هَذِه الضَّرْبَة الْعَظِيمَة من فعله لَا من فعلنَا وَهَذَا كَقَوْلِه
(إِذا ضَرَبَتْ بالسَّيفِ فى الحرْبِ كفُّه تبيَّنتَ أَن السَّيفَ بالكَفّ يضْرِبُ)
وَالْمعْنَى أَنَّهَا تنْسب الْفِعْل إِلَى كَفه وتنسب السيوف إِلَى الْهِنْد وَهَذَا معنى لطيف يَقُول إِن ضَرْبَة السَّيْف الْعَظِيمَة تنْسب نَفسهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهَا حصلت بقوته وتنسب السَّيْف أَيْضا إِلَى الْهِنْد لِأَنَّهَا دلّت على جودة ضَربته وَعَمله فالضربة قد دلّت على قُوَّة الضَّارِب ودلت على جودة السَّيْف وَلَيْسَ فى هَذَا الْبَيْت أَنه أشرف من الْهِنْد وَقد أحسن فى هَذَا التَّفْسِير وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَن الضَّرْبَة بجودتها دلّت على أَنَّهَا حصلت بكف الممدوح وَالدّلَالَة هى نِسْبَة نَفسهَا إِلَيْهِ ودلت أَيْضا على أَنَّهَا حصلت بِسيف هندى أى قد اجْتمع للضربة قُوَّة الْيَد وجودة النصل
[ ٢ / ٦٥ ]
- الْغَرِيب الشرفاء جمع شرِيف كفقيه وفقهاء وكريم وكرماء وَالْبيض السَّادة الْكِرَام ومتوا تقربُوا وَفُلَان يمت إِلَى فلَان بِقرَابَة وَحُرْمَة والقتو الْخدمَة يُقَال قتا فلَان يقتو قتوا ومقتى وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ مقتوى وَالْجَمَاعَة مقتويون بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَقد خففه عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبى
(مَتى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا )
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾
الْمَعْنى يَقُول إِذا تقرب الشريف بِخِدْمَة إِلَيْهِ حصل لَهُ بخدمته نسب أَعلَى من نسب الْأَب وَالْجد أى صَار بخدمته إِلَيْهِ أعز مِنْهُ بِأَبِيهِ وَأمه
٢٥ - الْغَرِيب الْعَدْوى أَن يعدى الشئ الشئ فَيصير مثله والرمد جمع رمد وأرمد وَهُوَ الْمَرِيض الْعين بالرمد الْمَعْنى هَذَا مثل يُرِيد أَن النَّاس عمى وَهُوَ فِيمَا بَينهم بَصِير يُرِيد أَن عُيُون النَّاس لم تتعد إِلَيْهِ أى سبقت عينه الْعَدْوى أى لم يَتَعَدَّ إِلَى عينه عمى النَّاس عَن دقائق الْكَرم وَإِنَّمَا هُوَ بَصِير بالمكارم وفعلها وَالنَّاس عمى عَنْهَا
٢٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه مُنْفَرد عَن النَّاس لِأَنَّهُ أعظم شانا وأشرف طبعا فَهُوَ أجل من أَن يعدى بشئ مِمَّا فى النَّاس وَأَن يعدى هُوَ أَيْضا وَذَلِكَ أَن النَّاس لَا يبلغون مرتبته فى الْفضل وَلَا يقدرُونَ على أَخذ أخلاقه فَهُوَ لَا يعدى أحدا بِمَا فِيهِ من الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة فَلذَلِك انْفَرد عَنْهُم وَخَالفهُم بِمَا فِيهِ من الْفَضَائِل
٢٧ - الْمَعْنى أَن اللَّيْل أسود فَإِذا سَار فِيهِ غير لَونه بعساكره لِكَثْرَة الْحَدِيد فِيهَا فالحديد يَبْرق بِاللَّيْلِ فيغير السوَاد بالضياء وَقيل لِكَثْرَة عساكره إِذا سَارَتْ بِاللَّيْلِ أَو قدت المشاعل إِمَّا للاستضاءة وَإِمَّا لإحراق ديار الْأَعْدَاء فَحِينَئِذٍ تنجاب الظلمَة إِمَّا ببرق الْحَدِيد وَإِمَّا بالنيران والرايات جمع راية وهى الْأَعْلَام
[ ٢ / ٦٦ ]
- الْغَرِيب الرديان ضرب من الْعَدو والكتائب جمع كَتِيبَة وهى الْجَمَاعَة من الْخَيل وَكتب فلَان الْكَتَائِب أى عبأها كَتِيبَة كَتِيبَة الْمَعْنى يَقُول عساكره إِذا أَتَت ديار الْأَعْدَاء أسرعت فَإِذا كَانُوا يرتقبون الصُّبْح أسرعت إِلَيْهِم إسراعا لَا كسرعة الصُّبْح فهى تسبق الصُّبْح إِلَيْهِم فتهلكهم
٢٩ - الْإِعْرَاب ومبثوثة عطف على قَوْله كتائب أى ورأو مبثوثة وَالْبَاء تتَعَلَّق بقول يحتمى الْغَرِيب المبثوثة الْغَارة الَّتِى تَشِنْ والغور مَا انخفض من الأَرْض والنجد مَا ارْتَفع الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْكَتَائِب لَا يحتمى مِنْهَا وَلَا تتقى بطليعة وَهُوَ الذى يرقب الْعَدو وينذر بِهِ أَهله وَلَا يحتمى مِنْهَا بمنخفض من الأَرْض وَلَا بعال
٣٠ - الْغَرِيب رِوَايَة أَبى الْفَتْح يغضن من غاض المَاء إِذا ذهب وَنقص وروى غَيره يغصن بالصَّاد من الغوص وَهُوَ الدُّخُول فى الشئ والمتفاقد الذى يفقد بعضه بَعْضًا لكثرته واضطرابه وغان بِمَعْنى مستغن والحشد الْجمع الْمَعْنى يَقُول سراياه إِذا غارت لكثرتها يفقد بَعْضهَا بَعْضًا وَهُوَ مستغن بالعبيد عَن أَن يجمع الغرباء إِلَيْهِ لِكَثْرَة عبيده وَقيل الْجَيْش الْكثير كلهم عبيد للممدوح لَيْسُوا أوباشا وأخلاطا
٣١ - الْمَعْنى يَقُول عسكره لِكَثْرَة مَا تغزو تمر بأراض مُخْتَلفَة فَإِذا مر بِأَرْض سَوْدَاء علاهُ غُبَار أسود وَإِذا مر بِأَرْض حَمْرَاء علاهُ غُبَار أَحْمَر فقد صَارَت عَلَيْهِ هَذِه الألوان كالطرائق فى الْبرد وَهَذَا // معنى حسن // وحثوت وحثيت التُّرَاب حَشْوًا وحشيا
٣٢ - الْغَرِيب يُرِيد المهدى الذى وعد بِهِ النبى
الذى يأتى فى آخر الزَّمَان وَيخرج فى زَمَنه عِيسَى ابْن مَرْيَم وَقد اخْتلف النَّاس فِيهِ فَذَهَبت الشِّيعَة أعنى طَائِفَة مِنْهَا إِلَى أَنه ابْن الْحَنَفِيَّة وهم الكيسانية وَذهب طَائِفَة مِنْهُم إِلَى أَنه يخرج غير معِين فى علم الله إِذا شَاءَ أخراجه وهم على ذَلِك موافقون لِلْجُمْهُورِ وهم الزيدية أَصْحَاب زيد بن على بن الْحسن بن على بن أَبى طَالب وَذهب قوم إِلَى أَنه معِين وَهُوَ مُحَمَّد بن الْحسن العسكرى وَأَنه اختفى وَهُوَ ضغير فى سرداب دَار أَبِيه بسر من رأى وَالدَّار الْآن مشْهد يزار وَقد زرنه فى انحدارى من الْموصل إِلَى بَغْدَاد وهم الإمامية وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه من قُرَيْش وَأَنه من ولد على ﵁ إِلَّا أَبَا الطّيب فَإِنَّهُ جعله فى هَذَا الْبَيْت أَبَا الْفضل بن العميد وَإِنَّمَا علقه بِشَرْط وَقَوله هَدْيه أى صَلَاحه وهداه الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ المهدى فى النَّاس من بَان صَلَاحه فَهَذَا الذى نرَاهُ هُوَ المهدى الْمَوْعُود بِهِ الذى تملأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وظلما وَإِن لم يكن هَذَا الْمَوْعُود بِهِ فَمَا نرى من حسن سيرته وطريقته هدى كُله فَمَا معنى المهدى بعد هَذَا
[ ٢ / ٦٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول لقد طَال انتظارنا المهدى والدهر يعللنا ويعدنا بوعد طَوِيل وَأَنه يخدعنا عَمَّا عِنْده من النَّقْد بالوعد يُرِيد أَن الممدوح هُوَ المهدى نَقْدا حَاضرا وَمن ينْتَظر خُرُوجه وَعدا فتعليل وخدع وَكَأن الدَّهْر يسخر بِنَا ويخدعنا وَلَا حَقِيقَة لما يعدنا فَإِن كَانَ حَقًا وعده فَهَذَا الممدوح نقد لَا وعد
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول أيحسن أَن يتْرك الْخَيْر والرشد الحاضران وَأَن يدعى أَن خيرا ورشدا غائبان وهما فى الْحَقِيقَة الْخَيْر والرشد أى هَذَا اعْتِقَاد فَاسد فَكَذَلِك ينبغى أَن يكون من ترك ابْن العميد مُدعيًا أَنه لَيْسَ هُوَ المهدى فى الْحَقِيقَة وَأَن المهدى غَائِب متوقع فَاسد الِاعْتِقَاد وَالصَّحِيح المعتقد من يَقُول إِنَّه ابْن العميد
٣٥ - الْإِعْرَاب نصب أحزم وَمَا بعده على النداء بِالْهَمْزَةِ وهى من حُرُوف النداء وَهُوَ منادى مُضَاف الْغَرِيب اللب الْعقل والنهد العالى الْمُرْتَفع
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول أحسن من تعمم وَجلسَ على الْمِنْبَر وَركب الْفرس قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى شبه ارْتِفَاع مَجْلِسه بالمنبر وَلم يكن ذَا مِنْبَر وَلَا خَطِيبًا فى الْحَقِيقَة قَالَ ابْن فورجة ظن أَبُو الْفَتْح أَن الْخطْبَة عيب بالممدوح وَمَا ضرّ ابْن العميد أَن يدعى لَهُ المتنبى أَنه يصعد الْمِنْبَر ويخطب قومه كالخليفة فى النَّاس
[ ٢ / ٦٨ ]
- الْإِعْرَاب مفعول حمدنا مَحْذُوف تَقْدِيره حمدنا أَو حمدناه الْأَيَّام وَالْمَفْعُول يحذف كثيرا الْمَعْنى يَقُول حمدنا الْأَيَّام جعل الْحَمد مِنْهُمَا يعظم من حَال نَفسه أى كنت تحب الِاجْتِمَاع معى كَمَا كنت أحبه مَعَك فكلانا حمد الْأَيَّام على اجتماعنا وَلكنهَا أحوجتنا إِلَى ترك الْحَمد لَهَا للمفارقة بالرحيل عَنْك والانصراف وَهَذَا من أحسن الْمعَانى
٣٨ - الْغَرِيب لم يصف أحد الْعلم بالتبريح إِلَّا المتنبى وَإِنَّمَا يُقَال شوق مبرح وَحب مبرح وَقيل المبرح هُنَا الغزير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ الذى يكْشف عَن الْحَقَائِق من قَوْلهم برح الخفاء وأصل التبريح أَن يسْتَعْمل فِيمَا يشْتَد على الْإِنْسَان فَكَأَنَّهُ قَالَ الْعلم الذى أجد الشدَّة بِفِرَاقِهِ مبرح بى الْمَعْنى يَقُول إنى أودع بوداعى لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِى لَيست فى أحد سواهُ
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول قد أدْركْت المنى بِمَا نلْت من الْأَمْوَال وَالنَّظَر إِلَى جمالك أَكثر مِمَّا كنت أتمناه ولكنى إِذا انْفَرَدت بِهَذَا دون أهلى وَرجعت إِلَيْهِم عيرونى بذلك
٤٠ - الْغَرِيب المصبح الإصباح الْمَعْنى يَقُول كل من شاركنى فى السرُور الذى جِئْت بِهِ من عِنْده من أهلى وَغَيرهم إِذا عدت إِلَيْهِم من عِنْده وَمَا حظيت بِهِ من النّظر إِلَيْهِ أرى أَنا بعده يعْنى بعد ابْن العميد من لَا يرى هُوَ مثله بعد مفارقتى لِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فى الدُّنْيَا
٤١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يرحل عَنهُ ويخلف قلبه عِنْده لحبه إِيَّاه بِكَثْرَة إنعامه عَلَيْهِ وَهَذَا معنى كَبِير قد اسْتَعْملهُ الشُّعَرَاء فى فرقة الأحباء
٤٢ - الْمَعْنى يَقُول لَو فَارَقت نفسى حَيَاتهَا وآثرتك على الْحَيَاة لكَانَتْ غير غادرة وَلَا ناقضة للْعهد
[ ٢ / ٦٩ ]
- ١ - الْغَرِيب هَذَا الْوَزْن منسرح وعروضه مطوية مكسوفة والخبن دَاخل على جَمِيع أَجْزَائِهِ وَهُوَ مستفعلن مفعولات مستفعلن الْمَعْنى يُخَاطب الخيال الذى أَتَاهُ فَقَالَ أزائرا جثتى أم عَائِدًا والعيادة أولى بك من الزِّيَارَة لأنى مَرِيض من حب مرسلك أم ظن مرسلك أَنى رَاقِد ثمَّ بَين عذره وَقَالَ
(لَيْسَ )
٢ - الْإِعْرَاب قَاصد هُوَ حَال وَحقه أَن يكون مَنْصُوبًا وَإِنَّمَا سكنه للقافية وَهُوَ حَال من ضمير الْفَاعِل وَمثل هَذَا جَائِز كَقَوْل الآخر
(وآخُذُ مِنْ كُلّ حَىّ عُصُمْ )
الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْأَمر على مَا ظن أننى رَاقِد وَإِنَّمَا هى غشية لحقتنى لَا رقدة فأتيتنى فى تِلْكَ الْحَال وَأَرَادَ أَنه لم يكن نَائِما والخيال إِنَّمَا يزور النَّائِم
٣ - الْغَرِيب الناهد العالى الْمُرْتَفع الْمَعْنى عد يَا خيال وأعدها أى تِلْكَ الغشية الَّتِى لحقتنى وَإِن كنت أتلف فِيهَا فحبذا تلف فِيهِ سَبَب الْقرب لمعانقتها وَإِن كَانَ حَقه أَن يَقُول للغشية عودى وأعيدى الخيال لِأَنَّهَا كَانَت سَبَب الزِّيَارَة وَلكنه قلب الْكَلَام فى غير مَوضِع الْقلب
٤ - الْغَرِيب الثغر الشتيت المتفرق الذى فِيهِ أشر // وَهُوَ الْحسن // الْمَعْنى يَقُول جدت أَيهَا الخيال بِمَا بخل بِهِ من أرسلك من تَقْبِيل الثغر المتفرق الْبَارِد الرِّيق الذى فِيهِ أشر والأشر خلقَة فى اٍ لأسنان وَهُوَ تفريض فى أَطْرَاف الْأَسْنَان ١ وَمن النَّاس من يصنعه ليحسن الثغر إِذا لم يكن فِيهِ خلقَة
٥ - الْغَرِيب الخيالات يجوز أَن يكون جمع خيالة كَقَوْل الطائى
(فلَسْتُ بنازِلٍ إِلَّا ألَمَّتْ برَحلى أَو خَيالّها الكّذُوب)
وَيجوز ن يكون جمع خيال كجواب وجوابات وحمام وحمامات الْمَعْنى يَقُول إِذا طافت خيالات الحبيب وحمدت زيارتها أضْحك الحبيب ذَلِك الْحَمد لِأَن الخيال فى الْحَقِيقَة لَيْسَ بشئ فَهَذَا مِمَّا يضْحك
[ ٢ / ٧٠ ]
- الْغَرِيب الأرب الوطر وَالْحَاجة الْمَعْنى يَقُول إِن الحبيب يتعجب وَيَقُول إِذا كَانَ قد قضى وطره منا بزيارة الخيال فَمَا لشوقه زَائِدا إِلَيْنَا وَسكن زَائِد للقافية
٧ - الْمَعْنى يَقُول لَا أجحد فضل الخيالات لِأَنَّهَا فعلت من الزِّيَارَة مَا لم يَفْعَله الحبيب من الزِّيَارَة وَلَا يعده من الْوَصْل وَفعلت العناق وَلم يَفْعَله الحبيب
٨ - الْغَرِيب النافد الفانى وَمِنْه
(لنفد الْبَحْر )
وَقَول الْأسود بن يعفر النهشلى ٢
(وأرَى النَّعيمَ وكلَّ مَا يُلْهَى بِهِ يَوْما يَصيرُ إِلَى بِلىً ونَفادِ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا فرق بَينهَا وَبَين خيالها لِأَن كل شئ إِلَى نفاد مَا خلا الله وَحده وَقَالَ ابْن فورجة هَذِه موعظة وَتَذْكِرَة وَإِنَّمَا يَقُول هَذِه الْمَرْأَة لَو واصلت لم يدم الْوِصَال كَمَا أَن خيالها إِذا وصل لم يدم وَأما قَوْله
(كل خيال )
فَهُوَ الذى غلط أَبَا الْفَتْح وكلفه أَن يُورد مَا أورد وَإِنَّمَا عَنى بِكُل كلا من الْمَذْكُورين كَمَا تَقول خرج زيد وَعَمْرو وكل رَاكب وَالْكل يسْتَعْمل فى الِاثْنَيْنِ كَمَا يسْتَعْمل فى الْجمع وَلما قَالَ لَا تعرف الْعين فرق بَينهمَا علم أَنه يُشِير بِالْكُلِّ إِلَيْهِمَا لَا إِلَى جمَاعَة غَيرهمَا وَأَبُو الطّيب فى غزل وتشبيب فَمَا معنى الموعظة هُنَا وَيَقُول كل شئ فان إِلَّا الله وَمَا أقبح ذكر الْمَوْت والمواعظ فى الْغَزل والتشبيب
٩ - الْغَرِيب الطفلة الناعمة الرُّخْصَة والعبلة الممتلئة والمقلد الذى فى عُنُقه قلادة والواخد المسرع فى السّير الْمَعْنى إِنَّه يخاطبها وَيَقُول يَا هَذِه الراكبة على هَذَا الْبَعِير الواخد الْمجد فى سيره والوخد ضرب من السّير وصرع الْبَيْت وَهُوَ بَيت ردئ لَو قيل فى زَمَاننَا لهرب قَائِله من الْحيَاء
[ ٢ / ٧١ ]
- الْمَعْنى يَقُول كل مَا يفعل المحبوب مَحْبُوب أى زيدينى أَذَى أزدك محبَّة فَإِن العاشق لَا يحقد على محبوبه وَإِن حقد عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك جهلا
١١ - الْغَرِيب الْوَارِد الشّعْر الطَّوِيل المسترسل وَقيل الْفَرْع شعر الْمَرْأَة وَلَا يُقَال للرجل والساهد الْكثير السهاد وَهُوَ الذى لَا ينَام وَهُوَ أَشد من السهر وَقد بَيناهُ قبل الْمَعْنى يَقُول يَا ليل قد أشبهت شعرنَا لونا فَأشبه بعْدهَا عَنى فابعد وَلَا تطل على لِأَن ليل العاشقين طَوِيل فى كل أَوَان
١٢ - الْمَعْنى إِنَّه يُعَاتب اللَّيْل على طوله يَقُول طلت وَطَالَ بكائى فطولكما وَاحِد
١٣ - الْإِعْرَاب حائرة حَال الْمَعْنى يَقُول النُّجُوم قد وقفت حائرة لَا تسرى فَكَأَنَّهَا عُمْيَان لَيْسَ لَهُم قَائِد يُرِيد بِهَذَا أَن اللَّيْل طَوِيل ونجومه واقفة حائرة لَا تسرى كالأعمى الذى لَيْسَ لَهُ من يَقُودهُ وَهَذَا مَنْقُول من قَول بشار
(والنَّجمُ فى كَبدِ السَّماء كأنَّه أعْمَى تحيَّرَ مَا لديهِ قائِدُ)
١٤ - الْإِعْرَاب أَو عصبَة من مُلُوك عطف على قَوْله الْعَمى أى وَكَأَنَّهَا عصبَة وَعَلَيْهِم الْمِيم إِذا تحركت عِنْد التقاء الساكنين تحرّك بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَالضَّم أولى من كَسره وَالْكَسْر لإتباع كسرة الْهَاء وَقد قَرَأت الْقُرَّاء السِّتَّة سوى أَبى عَمْرو عَلَيْهِم الذلة بِضَم الْمِيم وَمَا أشبهه حَيْثُ وَقع وكسره أَبُو عَمْرو الْمَعْنى يُرِيد أَن أعداءه من الْمُلُوك حيارى رهبة لَهُ وفرقا مِنْهُ لأَنهم لَا يقدرُونَ أَن يتحركوا من بأسه بحركة
١٥ - الْغَرِيب الطريف المكتسب والتالد الْمِيرَاث الْمَعْنى يُرِيد فى هَذَا التَّفْسِير حيرتهم وَهُوَ أَنهم لَا يَجدونَ ملْجأ بالهرب وَلَا بِالْإِقَامَةِ
[ ٢ / ٧٢ ]
- الْمَعْنى يَقُول إِن الْمُلُوك يرجون عَفْو هَذَا الْملك الْمُبَارك ذى الْجُود وَالْمجد
١٧ - الْغَرِيب الأبلج الذى مَا بَين حاجبيه بَيَاض الْمَعْنى يَقُول لَو لاذت بِهِ الْحمام يعْنى استجارت بِهِ مَا خَافت من أحد يرميها وَلَا يصيدها لهيبته وَفرق النَّاس مِنْهُ
١٨ - الْغَرِيب الحابل صَاحب الحبالة وراعها أخافها الْمَعْنى يُرِيد أَنه ذُو عزة ومنعة فلولا ذبه واستأ من إِلَيْهِ خَائِف كَائِنا مَا كَانَ أَمن حَتَّى الْوَحْش وَالطير // وَهَذَا مُبَالغَة //
١٩ - الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش الْعَظِيم والبائد الْهَالِك الْمَعْنى يَقُول لَا تمر سَاعَة إِلَّا وَيرد عَلَيْهِ خبر أَن عدوه هلك بِسَيْفِهِ لِكَثْرَة سراياه فى النواحى
٢٠ - الْإِعْرَاب أَو موضعا عطف على قَوْله خَبرا وَالتَّقْدِير تهدى لَهُ خَبرا أَو موضعا الْغَرِيب الْموضع المسرع فى السّير والفتان غشاء من أَدَم يغشى بِهِ الرحل والناجية النَّاقة السريعة الْمَعْنى يَقُول يرد عَلَيْهِ كل وَقت بشير بقتل عَدو وَفتح نَاحيَة وَأخذ ملك ذى تَاج يحمل إِلَيْهِ رَأسه وتاجه
٢١ - الْغَرِيب العاضد الْمعِين وَالْمعْنَى أَن الدولة تعضد بِهِ الْخلَافَة وَأَن الله يعضد بِهِ الْإِسْلَام الْمَعْنى يُرِيد بِالْخِطَابِ أَنَّك عَظِيم وَأَن الله قد عضد بك خلقه وبلاده وَأَنَّك تسرى بِاللَّيْلِ لطلب الْأَعْدَاء فى الفلوات فَتنبه القطا وتثيرها عَن أفاحيصها وَقد قيل فى الْمثل لَو ترك القطا لنام
[ ٢ / ٧٣ ]
- الْغَرِيب برقتْ السَّمَاء ورعدت وأبرقت وأرعدت وَقَالَ الأصمعى لَا أعرف أبرقت وَلَا أرعدت الْمَعْنى يُرِيد أَنه يمطر الْأَعْدَاء الْمَوْت بِالْقَتْلِ وَيحيى الْأَوْلِيَاء بِكَثْرَة الْبَذْل فَكَأَنَّهُ سَحَاب للْمَوْت والحياة من غير برق وَلَا رعد
٢٣ - الْغَرِيب وهسوذان ملك الديلم الْمَعْنى يُرِيد ان وهسوذان ذُو رأى فَاسد جنى على نَفسه السوء بمحاربة ركن الدولة يَقُول نلْت من مضرته مَا أردْت وَلم تنَلْ مِنْهُ مَا نَالَ رَأْيه الْفَاسِد وَهُوَ من قَول بَعضهم
(مَا يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ مَا يَبْلُغُ الجاهِلُ مِنْ نفسِهِ)
٢٤ - الْمَعْنى فسر فَسَاد رَأْيه بقول يبْدَأ من الكيد بِمَا هُوَ الْغَايَة وهى الْحَرْب يُرِيد أَنه يَبْتَدِئ بِمَا لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا فى الْغَايَة أى فى آخر الْأَمر وَكَانَ سَبيله أَن لَا يحاربكم إِلَّا فى آخر الْأَمر إِذا اضْطر إِلَى الْمُحَاربَة
٢٥ - الْمَعْنى يَقُول يذم اخْتِيَاره محاربكم فى غَايَة الْأَمر لِأَنَّهُ لَا يظفر بِمَا يُرِيد وَلَو أَنِّي وافدا إِلَيْكُم لحمد أمره أى لَو قدم عَلَيْكُم سَائِلًا
٢٦ - الْإِعْرَاب قَوْله بِلَا سلَاح الْبَاء مُتَعَلقَة بأتى وَافد وَيجوز أَن تتَعَلَّق بأتى محاربكم وَقَوله قفاز عطف على قَوْله فذم الْمَعْنى يَقُول لَو أَتَى بِلَا سلَاح إِلَى محاربتكم سوى الرَّجَاء فَإِن رَجَاءَهُ لكم من أوثق الْعدَد لظفر بالنصر وَرجع راشدا
٢٧ - الْغَرِيب يقارع يحارب من المقارعة بِالسِّلَاحِ والمسود الذى ساده غَيره والسائد الذى سَاد غَيره الْمَعْنى يَقُول من حاربكم وعصاكم حاربه الدَّهْر وَلَو كَانَ من كَانَ رَئِيسا أَو مرءوسا وَفِيه نظر إِلَى قَول مُحَمَّد بن وهيب
(وحاربنى فيهِ رَيبُ الزَّمانِ كأنَّ الزَّمانَ لَهُ عاشِقُ)
وفى التَّذْكِرَة لِابْنِ حمدون أَن سعيد بن حمدون قَالَ قَرَأت فى كتاب أَن جَارِيَة كتبت إِلَى مَوْلَاهَا وَقد بَاعهَا وَكَانَت تهواه وهب الله لطرف يشكو إِلَيْك الشوق حظا من رؤيتك فَمَا أشبه إبعاد الدَّهْر لى عَنْك إِلَّا بقول مُحَمَّد بن وهيب
(وَحارَبنى فِيهِ رَيبُ الزَّمانِ كأنَّ الزمانَ لهُ عاشِقُ)
فَقَالَ سعيد بن حميد وَالله لَو كَانَت بنت الْحسن لحسدتها على هَذَا الْكَلَام فَكيف وهى جَارِيَة مَمْلُوكَة
[ ٢ / ٧٤ ]
- الْمَعْنى يُرِيد الْيَوْمَيْنِ اللَّذين هزم فيهمَا أَبوهُ وهسوذان وَلم يكن عضد الدولة فيهمَا بل كَانَ أَبوهُ هُوَ الذى هَزَمه يُرِيد أَن من هَزَمه جَيش أَبِيك فقد هزمته أَنْت
٢٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ لَهُ خليفتان فى هزم وهسوذان وَإِن كَانَ غَائِبا بِبدنِهِ وهما جَيش أَبِيه وجده أى حَظه وسعده الصاعد فى دَرَجَة السعد
٣٠ - الْغَرِيب الخطية المثقفة هى الْقَنَاة المقومة المستوية والمارد هُوَ الذى لَا يطالق خبئا وعتوا الْمَعْنى يَقُول يهز الْقَنَاة أى يطعن بهَا كل مارد على فرس مارد وَيجوز على رجل مارد مثله وَهُوَ أبلغ إِذا لقى الشجاع شجاعا مثله وَقد فصل بعد إِجْمَال لأَنهم من جَيش أَبِيه وَقد ذكرهم على القَوْل الأول
٣١ - الْإِعْرَاب من روى سوافك بِالْجَرِّ جعله نعتا لخطية وَمن روى بِالرَّفْع جعلهَا خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الجاسد اللاصق الذى قد جف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الرماح مَا يدعن بضعَة وَلَا مفصلا إِلَّا أسالته دَمًا وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يُرِيد أَنَّهَا إِذا أراقت دَمًا جَسَد أى لصق أتبعه دَمًا طريا من غير فاصلة وَأَرَادَ أَنَّهَا حَال تفصل بَين أَمريْن كَمَا يُقَال شتمنى زيد وأعطانى من غير فاصلة يُرِيد أَنه أعطَاهُ من غير أَن يفصل بَينهمَا بفاصلة
[ ٢ / ٧٥ ]
- الْغَرِيب الحائد الذى يحيد عَن الشئ الْمَعْنى يَقُول الْمَوْت إِذا بدا وَظهر والمنايا من أَسمَاء الْمَوْت فهى تَدْعُو الحائد بالحائن وَالْمعْنَى أَن أَصْحَاب المنايا يُرِيد جَيش عضد الدولة يَقُولُونَ عِنْد الْمَوْت جعل الله الحائد الهارب منا حائنا أى هَالكا
٣٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى بهَا للخيل وَلم يجر لَهَا ذكر للْعلم بهَا لِأَنَّهُ ذكر مَا يدل عَلَيْهَا من الْحَرْب وَالْعَامِل فى الظّرْف خر لَهَا الْمَعْنى يَقُول إِذا علم الْحصن أَن الممدوح قد رَمَاه بِالْخَيْلِ سقط سَاجِدا وَسَقَطت حيطانه لخيله هَيْبَة لَهُ
٣٤ - الْغَرِيب الطرم نَاحيَة وهسوذان وبلاده والناشد الطَّالِب وَفُلَان ينشد ضالته أى يطْلبهَا الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحصن استتر فى العجاج وأحاط بِهِ من نواحيه فَكَأَنَّهُ بعير أضلّهُ طَالبه فَهُوَ ينشده
٣٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يسْأَل للحصن وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تسْأَل بِالتَّاءِ وَالضَّمِير للخيل وروى نعَامَة بالنصيب أى مسخته خيلك نعَامَة شاردا فَيكون الْمَفْعُول الثانى وروى غَيره نعَامَة بِالرَّفْع فَاعل مسخته أى صَارَت النعامة وهسوذان إِن كَانَت تمسخ نعَامَة رجلا الْمَعْنى يَقُول يسْأَل أهل القلاع هَذَا الْحصن عَن ملكه وَملكه قد مسخ نعَامَة شاردا هَارِبا وَالْعرب تصف النعامة بِشدَّة النفور والشرود والنعامة تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى كالبقرة والحمامة
٣٦ - الْغَرِيب جَاحد وَحده على لفظ كل لِأَن لَفظه وَاحِد كَمَا تَقول كل إخوانك لَهُ دِرْهَم العنى يَقُول إِن الأَرْض تخَاف أَن تقربه فَكل الأَرْض تجحده خوفًا من أَن تظهره قَالَ ابْن القطاع صحفه جَمِيع من رَوَاهُ إِن لَهُ جَاحد وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة آنه بِالْمدِّ وَكسر النُّون وَأَنه يأنه أنوها إِذا تزحر من ثقل أَصَابَهُ من قيد أَو حمل أَو غَيرهَا وَكَذَا ذكره الجوهرى فى الصِّحَاح
[ ٢ / ٧٦ ]
- الْغَرِيب المشاد والمشيد جَمِيعًا الْبناء الْمُرْتَفع المطول والمشيد المبنى بالشيد وَهُوَ الكلس وشاده بناه وشاد بناءه رَفعه والشائد فَاعل مِنْهُ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وتيماءَ لم يتركْ بهَا جِذْع نخلَةٍ وَلَا أُطُما إِلَّا مَشيدًا بجَنْدَلِ)
والشائد الْمُعَلَّى والمجصص والمشيد الْمُعَلَّى والمطلى بالشيد والحمى مَا يحمى وَحمى فلَان فلَانا مَنعه من أَن يصل إِلَيْهِ ضَرَر الْمَعْنى يُرِيد أَن الْبناء والبانى لم يحميا على عضد الدولة وَلم يمنعاه أَن يصل إِلَى وهسوذان وَالْمعْنَى أَن حصن وهسوذان وتشييده بالشيد وَعَسْكَره لم يغنيا عَنهُ شَيْئا
٣٨ - الْإِعْرَاب وهسوذان منادى مرخم بِإِسْقَاط حرف النداء وَهُوَ يسْتَعْمل مَعَ الْقَرِيب كَمَا جَاءَ فى التَّنْزِيل ﴿رب إنى أسكنت من ذريتى﴾ ﴿رب اغْفِر﴾ ﴿رَبنَا ظلمنَا﴾ وَأَشْبَاه هَذَا الْمَعْنى يَقُول يَا وهسوذان لَا تزَال مغتاظا أَو كن مغتاظا أبدا بِقوم لم يخلقوا إِلَّا لغيظ الْأَعْدَاء والحساد وهم قوم عضد الدولة
٣٩ - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح قبل أَهله الرائد وَالضَّمِير فى أَهله لَهُ الْغَرِيب بلوك اختبروك والرائد الذى يرتاد لأَهله الْكلأ الْمَعْنى يَقُول لما اختبروك رأوك شَيْئا حَقِيرًا كنبات قَلِيل يرعاه الرائد قبل أَن يصل إِلَى أَهله أَو يَأْكُلهُ الحاصد دون أَهله على الواية الْأُخْرَى يُرِيد أَنهم فِي الضعْف والقلة كنبات قَلِيل يَأْكُلهُ الحاصد أَو الرائد دون أهلهما
٤٠ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تدعى المملكة والملوكية وَلست لَهَا بِأَهْل فدعها عَنْك واسترح فَلَيْسَتْ لَك بِحَق وَإِنَّمَا أَنْت تتزيا بِهَذَا الزى فَدَعْهُ لمن يسْتَحقّهُ فَلَيْسَ كل من دمى جَبينه عابدا وتشبهك بالملوك لَا يَلِيق بك
[ ٢ / ٧٧ ]
- الْغَرِيب الْيمن السُّعُود والإقبال فى كل شئ وَهُوَ الْجد الميمون الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ الذى أَصَابَك من الْقَتْل لعسكرك والهزيمة لَك لم يتعمده الْأَمِير يعْنى عضد الدولة لِأَنَّهُ لم يكن شَاهدا فَإِن جده وسعده قصدك فَأَنت قَتِيل سعده لَا قَتِيل سَيْفه
٤٢ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا أصبح وَلم يرد عَلَيْهِ من يبشره بِفَتْح قلعة فَكَأَنَّهُ امْرَأَة فقدت وَلَدهَا قَالَ ابْن فورجة مثل عضد الدولة لَا يشبه بِامْرَأَة فى حَال من الْأَحْوَال وَإِنَّمَا أَرَادَ كَأَنَّهُ رجل فقد شَيْئا من الْأَشْيَاء وَلَيْسَ إِذا كَانَ يُقَال للْمَرْأَة الثكلى فَاقِد يمْتَنع أَن يُسمى الرجل فاقدا
٤٣ - الْمَعْنى يَقُول الْأَمر لله لَا ينفع أحدا اجْتِهَاده لِأَن الْمُدبر للأمور كلهَا هُوَ الله وَلَيْسَ من شَرط الِاجْتِهَاد نيل المُرَاد والجاهد يعجز والقاعد يدْرك مُرَاده وَالْمعْنَى يَقُول لَهُ مَا أهْلكك إِلَّا اجتهادك فى طلب الْملك بتعرضك إِلَى الْقَوْم الَّذين أسعدهم الله وجعلهم ملوكا فاجتهادك صَار سَببا لهلاكك لِأَن الْأَمر لله لَا لَك وفى حكم ابْن المعتز ﴿تذل الْأَشْيَاء للتقدير حَتَّى يصير الْهَلَاك فى التَّدْبِير﴾
٤٤ - الْإِعْرَاب متق عطف على مُجْتَهد الْغَرِيب الحابض خلاف الصارد حبض السهْم إِذا وَقع بَين يدى الرامى لضَعْفه واحتبضه صَاحبه والصارد هُوَ السهْم النَّافِذ صرد السهْم إِذا أصَاب وأصردته إصرادا إِذا أنفذته الْمَعْنى يَقُول رب متق السِّهَام خَائِف على نَفسه مِنْهَا إِذا رميت يهرب مِنْهَا فيهرب من سهم لَا ينفذ إِلَى سهم ينفذ فِيهِ فَيكون فِيهِ هَلَاكه وَهَذَا من أحسن الْمعَانى
٤٥ - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن تحذف الْيَاء للجزم وَإِنَّمَا جوزه قِيَاسا على قَوْلهم لَا تبل بِمَعْنى لَا تبال وَجَاز لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَلم يكثر قَوْلهم لَا يسل فَيجوز فِيهِ مَا جَازَ فى غَيره الْمَعْنى يَقُول الْغَرَض قتل الْعَدو فَلَا فرق بَين أَن يقْتله بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ فَضرب الْقيام وَالْقعُود مثلا فَإِن كفيت الْعَدو بغيرك فَلَا يبالى
[ ٢ / ٧٨ ]
- الْمَعْنى يَقُول شعرى الذى أثنى فِيهِ على الممدوح هُوَ بَاقٍ مخلد فى الْكتب تتدارسه النَّاس فليته فدى الذى عمل فِيهِ حَتَّى يبْقى خَالِدا مخلدا لَا يُدْرِكهُ الْهَلَاك
٤٧ - الْإِعْرَاب الْعَضُد مُؤَنّثَة وَذكر الضَّمِير الْعَائِد إِلَيْهَا فى قَوْله لَهُ وَالِد حملا على الْمَعْنى لَا اللَّفْظ وَذَلِكَ أَنه عَنى بالعضد عضد الدولة وَهُوَ مُذَكّر الْمَعْنى يَقُول لويت مدحى أى جعلته دملجا وَهُوَ مَا يلبس من الحلى فى الْعَضُد فَلَمَّا كَانَ لقبه عضد الدولة اسْتعَار لمدحه دملجا لملابسة الدملج الْعَضُد وركن الدولة وَالِده
[ ٢ / ٧٩ ]
- ١ - الْمَعْنى أَنه يقتل بصدوده فَكَأَنَّهُ قد تقلد بِسيف من الصد والمقلد هُوَ الْعُنُق وَهُوَ مَوضِع القلادة
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كلما قَصده بصد عَارضه بصبر وَيُرِيد أَنه لم يَهْتَز على عُضْو من أَعْضَائِهِ ليقطعه إِلَّا استقبله بتجلد وصبر
٣ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فى إِلَيْهِ عَائِد على العاشق وفى بدره وأحمده عَائِد على الزَّمَان وَالْفَاعِل الْمُضمر فى ذمّ الثَّانِيَة عَائِد على العاشق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْبَدْر هُوَ المعشوق جعله بدر الزَّمَان مُبَالغَة فى حسنه وَأحمد هُوَ المتنبى وَجعل نَفسه أَحْمد الزَّمَان يُرِيد لَيْسَ فى الزَّمَان أَحْمد مثله وَالْمعْنَى أَن العاشق كَانَ يذم بدر الزَّمَان الذى هُوَ كبدر الزَّمَان حسنا يذم مِنْهُ جفاءه وهجره وَاجْتمعَ مَعَه الزَّمَان على تِلْكَ الْحَال من معشوقة فى حَال حمد الزَّمَان لأحمده المتنبى فالزمان يذم هجر أحبته وَيَحْمَدهُ هُوَ لفضله ونجابته قَالَ الواحدى قد تهوس أَبُو الْفَتْح فى هَذَا الْبَيْت وأتى بِكَلَام كثير لَا فَائِدَة فِيهِ وَمعنى الْبَيْت أَن الزَّمَان ذمّ إِلَى المتنبى من أحبه المتنبى لأَنهم يجفونه مَا ذمّ الزَّمَان فى بدره يعْنى الْقَمَر فى حمد أَحْمَده يعْنى الممدوح الْمَعْنى إِن الْبَدْر مَذْمُوم بِالْإِضَافَة إِلَى هَذَا الممدوح يعْنى أَن الْبَدْر على بهائه وَحسنه دون أَحْمد هَذَا وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَن الزَّمَان يذم مَعَه هجر أحبته كَمَا ذمّ هُوَ بدره أى حَبِيبه
[ ٢ / ٨٠ ]
- الْمَعْنى إِذا رَأَتْهُ الشَّمْس وَهُوَ يجول فى ميدانه على فرس مترددا تردد نوره فى جسم الشَّمْس لِأَنَّهُ أَضْوَأ مِنْهَا فالشمس تستفيد مِنْهُ النُّور هَذَا قَول أَبى الْفَتْح وَكَذَلِكَ نَقله الواحدى
٥ - الْمَعْنى يَقُول الْحسن فى كل أحد قَبِيح إِلَّا فى طلعته كَالْعَبْدِ لَا يحسن عِنْد كل أحد إِلَّا عِنْد مَوْلَاهُ فَكَأَنَّهُ مولى الْحسن أى يحسن الْحسن فالحسن فى كل أحد إِذا أضيف إِلَى إشراق حسنه فِيهِ قَبِيح لنقصانه عَن إضاءة الْحسن فِيهِ
٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَن العاذلة قَالَت لَا تطلب الْعَطاء فَإِنَّهُ غير مبذول فَقلت لَهَا إِن الْحر إِذا قصد أَمر لم ينْصَرف عَنهُ إِلَّا بعد الْوُصُول إِلَيْهِ ولابد لى من بُلُوغ مَا أطلبه وَمعنى طب نفسا عَنهُ أى دَعه وَلَا تطلبه
٨ - الْمَعْنى نَفسه من عظمها وكبرها تصغر نفس الدَّهْر الذى هُوَ مجمع للخير وَالضَّمِير فى
(كهله وأمرده )
يعود إِلَى الدَّهْر
[ ٢ / ٨١ ]
- ١ - الْغَرِيب قدم يقدم إِذا تقدم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة﴾ والأستاذ هُوَ الْوَزير فى بعض لُغَة أهل الشَّام الْمَعْنى أَنه شبهه فى حسنه بقرن الشَّمْس وفى الشجَاعَة بليث الغاب الذى يتَقَدَّم على الْوَزير
٢ - الْغَرِيب ذُبَاب السَّيْف حد طرفه والجذاذ جمع جذاذة والجذاذ بِالضَّمِّ وَالْكَسْر لُغَتَانِ وَقَرَأَ بِالْكَسْرِ وَقيل هُوَ بِالْكَسْرِ جمع الجذيذ وَهُوَ المكسور الْمَقْطُوع قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَطاء غير مجذوذ﴾ أى مَقْطُوع وشم أغمد الْمَعْنى يَقُول أغمد سَيْفك الذى قد يقطع بِالضَّرْبِ وَقد قطع الْعباد واستأصلهم بِكَثْرَة مَا يضْرب بِهِ
٣ - الْإِعْرَاب يزداذ اسْم أعجمى لَا ينْصَرف وَإِنَّمَا صرفه فى الأول ضَرُورَة الْمَعْنى يَقُول أَحسب أَنَّك قتلت عَدوك وَمن مَعَه أتظن النَّاس كلهم بنى يزداذ فتعاملهم كَمَا عاملته وَأَصْحَابه ثمَّ ذكر فعله بهم
٤ - الْغَرِيب الكبود جمع كبد والأفلاذ الْقطع وَاحِدهَا فلذ وهى الْقطعَة من الكبد الْمَعْنى يَقُول هزمتهم حَتَّى أدبروا فَصَارَت أقفاؤهم مَكَان أوجههم هى الَّتِى تقَابل الْعَدو فَقَامَتْ مقَام أوجههم فى استقبالك وَقيل بل طمست وُجُوههم بِالضَّرْبِ حَتَّى صَارَت كالأقفاء وَتركت أكبادهم قطعا
٥ - الْغَرِيب الضنك الضّيق وَمِنْه قَوْله جلّ وَعلا ﴿معيشة ضنكا﴾ أى ضيقَة واستحوذ استولى الْمَعْنى يَقُول فعلت بهم مَا فعلت فى معركة ضيقَة وقف الْمَوْت عَلَيْهِم فحبستهم فى ضيقها وغلبتهم وقتلتهم جَمِيعًا
[ ٢ / ٨٢ ]
- الْغَرِيب الفولاذ جنس من الْحَدِيد وَهُوَ الْجيد مِنْهُ وَهُوَ مَصْنُوع من الْحَدِيد وَيُقَال فِيهِ بِالْفَاءِ وَالْبَاء وَالْفَاء أفْصح الْمَعْنى قَالَ الواحدى فى جمدت أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا جمدت خوفًا مِنْك وَالْخَوْف يجمد الدَّم وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَول الشَّاعِر
(فَلَو أَنا على حَجَر ذُبحْنا جَرَى الدَّمَيانِ بالْخبر اليقينِ)
يُرِيد أَن دمى يسيل لأنى شُجَاع ودمك لَا يسيل لِأَنَّك جبان والثانى أَن دِمَاءَهُمْ كَانَت محقونة فَلَمَّا جِئْتهَا أبحتها بسيوفك فَجعل حقنها كالجمود إِذْ كَانَ يذكر بعده الإجراء وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قست قُلُوبهم وصبروا وتشجعوا واشتدوا كالشئ الجامد وأجريتها أسلتها على الْحَدِيد فَصَارَت بِمَنْزِلَة المَاء الذى يسقى الْحَدِيد
٧ - الْغَرِيب الجوشن الدرْع وجوشن اللَّيْل وَسطه وصدره الْمَعْنى يَقُول اجْتمع فِيك فضلهما وشجاعتهما وكرمهما فلصحة الشّبَه فِيك بهما فكأنهم رأوهما
٨ - الْغَرِيب ألسنهم جمع لِسَان على تأنيثه يُقَال فى التَّأْنِيث ثَلَاث ألسن كذراع وأذرع وَمن ذكره قَالَ ثَلَاثَة أَلْسِنَة مثل حمَار وأحمرة وَهَذَا قِيَاس مَا جَاءَ على فعال مذكرا ومؤنثا الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لما رَأَوْا شجاعتك وفروسيتك أَرَادوا أَن يَقُولُوا مَا رَأينَا مثل هَذَا فى الفروسية فَلَمَّا أعجلتهم بِالْقَتْلِ لم يقدروا على هَذَا القَوْل وَالْمعْنَى أَنهم لَو أمهلوا عَن الْقَتْل لقالوا إِنَّك وَاحِد الْعَصْر فروسية وشجاعة
٩ - الْإِعْرَاب غر خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف ووابلا ورذاذا حالان وَقيل مفعول ثَان الْغَرِيب الغر الغافل والذى لَا يجرب الْأُمُور والعارض السَّحَاب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ والوابل الْمَطَر الْكِبَار الْكثير والرذاذ الصغار الْخَفِيف الْمَعْنى أَنه لما جعله عارضا جعل مطره الْمَوْت قتلا وجرحا وأسرا
[ ٢ / ٨٣ ]
- الْغَرِيب المشرفية جمع مشرفى وَهُوَ السَّيْف الْمَنْسُوب إِلَى مشارف الْيمن قرى بهَا تعْمل بهَا السيوف فانصاع انْصَرف وَولى وصعته فانصاع أى انثنى وَولى وبغداذ يُقَال فيهمَا بذالين معجمتين وبدال وذال مُعْجمَة كَمَا جَاءَ هَا هُنَا وبدالين مهملتين وبدال وَنون
١١ - الْإِعْرَاب حَلبًا نصب بِفعل مُضْمر أى لَا يقْصد حَلبًا وَلَا بغدادا وصرفهما ضَرُورَة الْمَعْنى يَقُول لما انهزم خوفًا مِنْك تحير فَلم يقْصد الشَّام وَلَا الْعرَاق لِأَن سيوفك أخذت عَلَيْهِ هَذِه الطّرق
١٢ - الْغَرِيب كرخايا وكلواذا قَرْيَتَانِ من أَعمال بَغْدَاد الْمَعْنى يَقُول لَا تصلح الْإِمَارَة لَهُ لِأَنَّهُ من سَواد الْعرَاق فَكَأَنَّهُ لَا يصلح أَن يتوالى ولَايَة لخسة أَصله وبيته
١٣ - الْإِعْرَاب البرنى والآزاذ نَوْعَانِ من التَّمْر من جيده وَيُقَال الآزاذ بِالذَّالِ وَالدَّال وَهُوَ أَجود من البرنى لقلته والنوعان بالعراق والبرنى كثير بالعراق فَرُبمَا رَأَيْت فى الْكُوفَة الْبُسْتَان فِيهِ مئة برنية وَفِيه أزاذة أَو ثَلَاث أَو أَربع الْكثير الْمَعْنى يَقُول هُوَ معود أكل الرطب وَالتَّمْر وَلَيْسَ هُوَ من أهل الطعان والحروب فَكَأَنَّهُ ظن أَن الْحَرْب تمر يَأْكُلهُ
١٤ - الْمَعْنى يَقُول لم يلق رجلا مثلك لَا يخَاف الْمَوْت وَلم يهرب من الطعْن إِلَّا إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ ملاذ يلوذ بِهِ إِلَّا الْمُحَاربَة لشجاعته وَعلمه أَنه لَا ينجو من الْمَوْت إِلَّا بالإقدام والطعان كَقَوْل الْحصين وَهُوَ من أَبْيَات الحماسة
(تأخَّرْتُ أسْتَبْقى الحَياةَ فَلم أجِدْ لنَفْسىِ حَيَاة مثلَ أنْ أتَقَدَّما)
١٥ - الْإِعْرَاب من فى مَوضِع نصب بدل من الأولى وعزمه من روى بِالرَّفْع جعله فَاعِلا وَمن نَصبه جعله مَفْعُولا بيوافق الْمَعْنى يَقُول لَا يلتذ طعم الْحَيَاة حَتَّى يمضى عزمه فينفذه فيطيب عيشه فى نَفاذ أمره فَإِذا رَجَعَ عَن شئ لم ينفذهُ لم يطب عيشه وَهَذَا من قَول الْحَكِيم لَا يجد طعم الْحَيَاة من لَا يجد لشهوته دركا وَلَا لأَمره تَصرفا
[ ٢ / ٨٤ ]
- الْغَرِيب الْخَزّ ثِيَاب تعْمل من الْحَرِير لَا يعادلها سواهَا وَلَا تعْمل إِلَّا بِالْكُوفَةِ وَكَانَت قَدِيما تعْمل بالرى وهى الْآن تعْمل بِالْكُوفَةِ واللاذ ثوب رَقِيق يعْمل من الْكتاب يلاذ بِهِ من الْحر الْإِعْرَاب متعودا نصب على النَّعْت لقَوْله من وَهُوَ فى مَحل النصب نكرَة كَأَنَّهُ يَقُول لم يلق قبلك إنْسَانا متعودا لبس الدروع وفى الْبَيْت عطف على معمولى عاملين مُخْتَلفين عطف الهواجر على الْبرد واللاذ على الْخَزّ وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ فى الْعَطف على معمولى عاملين مُخْتَلفين قَول الشَّاعِر
(أكُلَّ امْرِئٍ تَحسَبينَ امْرأً ونارٍ تَأجَّجُ باللَّيْلِ نارَا)
الْمَعْنى يَقُول لم يجد إنْسَانا قبلك يظنّ الدرْع ثِيَاب خَز وثيابا رقيقَة فالخزيقية فى الشتَاء من الْبرد واللاذيقية الْحر فى كل هاجرة والهاجرة وَقت شدَّة الْحر فى نصف النَّهَار فلعادتك بلبسها صَارَت عنْدك كلبس هذَيْن الجنسين من الثِّيَاب
١٧ - الْمَعْنى يَقُول مَا أعجب أخذك لَهُ مَعَ كَثْرَة عدده وعدده وأعجب من هَذَا لَو لم تَأْخُذهُ لِأَن النَّصْر وَالظفر مَعَك أَيْنَمَا كنت لَا يفلت أحد مِنْك تقصده
[ ٢ / ٨٥ ]
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد الدُّعَاء لَهُ يَقُول سقى الله مراحلك فتنبت النُّور فَجعل نَبَات النُّور كِنَايَة عَن السقى لَهُ يَقُول توجه إِلَى حَيْثُ تُرِيدُ قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يُرِيد أَنَّك نور الْمَكَان الذى تنزله فَحَيْثُمَا مَا نزلت نزل النوار وَالْقَضَاء مُوَافق لما تُرِيدُ والنوار جمع نور وَهُوَ الزهر الْأَبْيَض فَإِذا أطلق عَلَيْهِ اسْم الزهر فَهُوَ الْأَصْفَر وَهَذَا دَعَا لَهُ أى أَن الزهر إِنَّمَا يكون من الأمطار فَإِذا مطر ربعك ومنزلك حلّه النوار
٢ - الْغَرِيب الديمة الْمَطَر الذى لَيْسَ فِيهِ رعد وَلَا برق أَقَله ثلث النَّهَار أَو ثلث اللَّيْل وَأَكْثَره مَا بلغ من الْعدة وَالْجمع ديم قَالَ لبيد
(باتَتْ وأسبلَ واكِفٌ مِنْ دِيمَةٍ يُرْوِى الخمائِلَ دَائِما تَسْجامُهَا)
والمدرار الدَّائِم الدّرّ وَهُوَ من دريدر إِذا انحلب الْمَعْنى أَنه يَدْعُو لَهُ بالسلامة تشيعه حَيْثُ كَانَ والمطر لينبت لَهُ النَّبَات وَمِنْه يكون الخصب
٣ - الْمَعْنى يُرِيد الدُّعَاء لَهُ بِأَن يظفر بالأعادى حَتَّى تصير صروف الدَّهْر أعوانا لَهُ عَلَيْهِم
٤ - الْإِعْرَاب مَرْفُوعَة خبر الِابْتِدَاء تقدم عَلَيْهِ فانتصب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا هية قُلُوبهم﴾ الْغَرِيب الإصدار هُوَ الْخُرُوج عَن المَاء والورود الدُّخُول لطلب المَاء الْمَعْنى كل هَذَا دُعَاء لَهُ يَقُول تصدر عَن حَاجَتك أى ترجع غانما تنظر إِلَيْك الْعُيُون لِأَنَّك قد فارقتها فهى مشتاقة إِلَى النّظر إِلَيْك
٥ - الْغَرِيب بجح بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَالْفَتْح أَضْعَف أى فَرح وبجحته تبجيحا فتبجح أى فرحته ففرح وفى حَدِيث أم زرع " وبجحنى فتبجحت " الْمَعْنى يُرِيد أَن الزَّمَان إِذا ذكرك فَرح حَيْثُ أَنْت من أَهله وأبنائه والأسمار تحسن بِحسن سيرتك
[ ٢ / ٨٦ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا غضب على قوم عاقبهم بِالْهَلَاكِ والاستئصال وَإِذا عَاد إِلَى الْعَفو ترك قَتلهمْ فَكَأَنَّهُ قد وهب لَهُم أعمارهم
٨ - الْغَرِيب الأغبار جمع غبر وَهُوَ بَقِيَّة اللَّبن فى الضَّرع الْمَعْنى يَقُول هُوَ كثير الْعَطاء فعطاؤه إِلَى عَطاء سَائِر الْمُلُوك كاللبن الْقَلِيل إِلَى اللَّبن الْكثير
٩ - الْإِعْرَاب اللَّام تتَعَلَّق بِفعل مَحْذُوف وَقَوله مَا يخَاف يُرِيد أما يخَاف تحذف ألف الِاسْتِفْهَام وَهُوَ جَائِز وَيجوز أَن يكون مخبرا لَا مستفهما وَهُوَ أَجود الْمَعْنى يتعجب مِنْهُ وَالْعرب إِذا تعجبت تَقول لله زيد أى لله دره يتعجب من قلبه وَفعله وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن مثله لَا يقدر على خلقه إِلَّا الله كَمَا يُقَال لِلْأَمْرِ العجيب هَذَا إلهى وَإِن كَانَت الْأُمُور كلهَا إلهية أى أَنْت مَا تخَاف الْهَلَاك وَلَا تتوقى المهالك وَإِنَّمَا تخَاف أَن يدانيك عَار وَهَذَا من أحسن الْمَدْح
١٠ - الْإِعْرَاب وحد الضَّمِير فى التَّأْكِيد على اللَّفْظ للطبع لَا لِلْخَلَائِقِ الْغَرِيب تحيد تهرب وتعدل والطبع الدنس ولؤم الْحسب والجحفل الْجَيْش الْعَظِيم والجرار هى الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَهُوَ الذى يجر ذيله التُّرَاب فَيرى لَهُ أثر عَظِيم وَقيل هُوَ فعال من جر إِذا جنى كَأَنَّهُ بكثرته وَشدَّة وَطئه الأَرْض يجنى عَلَيْهَا بإثارة التُّرَاب ويجنى على السَّمَاء بارتفاع الْغُبَار إِلَيْهَا الْمَعْنى أَنْت تحيد أى تهرب من اللؤم والدنس والعسكر الْعَظِيم يعدل عَنْك هَيْبَة لَك وَهَذَا من قَول البحترى
(وأجْبنُ عَن تعْرِيضِ عِرْضِى لجاهِلٍ وَإن كنتَ فى الْإِقْدَام أطعُنُ فىِ الصَّفّ)
١١ - الْمَعْنى يُرِيد أَن جَاره عَزِيز عِنْد الْمُلُوك لَا يقدرُونَ على أَذَاهُ والعظيم الْملك المتجبر يذل لَهُ فَيصير ذليلا لَدَيْهِ
[ ٢ / ٨٧ ]
- الْغَرِيب التنوفة الفلاة الْبَعِيدَة ويشط يبعد وتحول تمنع الْمَعْنى يَقُول كن حَيْثُ شِئْت من الأَرْض بَعيدا أَو قَرِيبا فَمَا يمنعنا عَن لقائك فلاة بعيدَة وَلَا يبعد بَيْننَا مَزَار لأَنا نحبك وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(قريبٌ على المُشتاقِ أَو ذى صَبابة وأمَّا على الكَسْلانِ فهوَ بعيدُ)
١٣ - الْإِعْرَاب المستار مفتعل من السّير والتسيار تفعال من السّير قَالَ أَبُو وجزة السعدى
(أشْكو إِلَى اللهِ العَزيز الغفَّارْ ثمَّ إِلَيْك الْيَوْم بُعْدَ المُسْتارْ) ٥ الْمَعْنى يَقُول الْقَلِيل مِمَّا أضمره من حبك يهزل المطى وَيقرب السّير إِلَيْك يُرِيد الْمُحب لَا يبعد عَلَيْهِ زِيَارَة من يُحِبهُ فالبعيد عِنْده قريب
١٤ - الْمَعْنى يَقُول الذى خلفت من أهلى ضائع بخروجى من عِنْدهم لأنى اخْتَرْت صحبتك عَلَيْهِم مَعَ قلقى وشوقى إِلَيْهِم وَلَا اخْتِيَار لى فى إِيثَار محبتك على محبتهم
١٥ - الْمَعْنى يَقُول إِذا صحبتك وسرت فى صحبتك عذب لى كل مَاء ووافقنى كل أَرض حَتَّى تصير كَأَنَّهَا دارى الَّتِى ربيت بهَا لَوْلَا من خلفت من الْعِيَال
١٦ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه إِذا أذن لَهُ فى الْعود إِلَى الْعِيَال كَانَ عِنْده صلَة أى عَطِيَّة من بعض عطاياه تشكوها الْأَشْعَار أى أشكرها فى شعرى وَهَذَا من قَول المهلبى
(فهلْ لَك فى الْإِذْن لى رَاضِيا فإنى أرَى الْإِذْن غُمْنا كَبيرا)
[ ٢ / ٨٨ ]
- ١ - الْغَرِيب أَرَادَ دهماء هَاتين كَمَا تَقول اخْتَرْت فَاضل هذَيْن أى الْفَاضِل مِنْهُمَا وَأَرَادَ الدهماء مِنْهُمَا وَقَوله تين بِمَعْنى هَاتين وتا بِمَعْنى هَذِه وتان بِمَعْنى هَاتين قَوْله
(يَا مطرُ )
أى شبه الْمَطَر الْمَعْنى يُرِيد يَا من لَهُ فى الْفَضَائِل الِاخْتِيَار يُرِيد أَنه يَأْخُذ الْمُخْتَار مِنْهُمَا قَالَ الواحدى يرْوى الْخَبَر يُرِيد الاشتهار فى الْفَضَائِل
٢ - الْمَعْنى يَقُول أَنا اخْتَرْت الدهماء والعيون قد تخطئ فتستحسن مَا غَيره أحسن مِنْهُ فَإِن النّظر قد يصدق فيريك الشئ على مَا هُوَ بِهِ وَقد يكذب فَلَا يُرِيك حَقِيقَة الشئ
٣ - الْمَعْنى يَقُول لَا عيب فِيك إِلَّا أَنَّك بشر لِأَنَّك أجل قدرا من أَن تكون بشرا آدَمِيًّا لِأَن فِيك من الْفَضَائِل مَالا يكون فى بشر
٤ - الْإِعْرَاب إعطاءه مصدر وَضعه مَوضِع الْعَطاء الْغَرِيب العكر جمع عكرة وهى مَا بَين الْخمسين إِلَى المئة وَقيل مَا بَين الْخمسين إِلَى السِّتين الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد قدرك أَن يكون عطاؤك فَوق هَذَا فَإِذا فعلت هَذَا فكأنك معيب بِهِ لقلته بِالْإِضَافَة إِلَى قدرك قَالَ أبن فورجة إِن كَانَ التَّفْسِير على مَا ذكره فَهُوَ هجو وَكَيف تهجى الْكِبَار بِأَكْثَرَ من أَن يُقَال مَا وهبت يسير فى جنب قدرك فَيجب أَن تهب أَكثر من ذَلِك والذى أَرَادَهُ أَنهم لَو عابوك مَا عابوك إِلَّا بسخائك وإسرافك فِيهِ وَلَيْسَ السخاء مِمَّا يعاب بِهِ فَيكون كَقَوْل النَّابِغَة
(وَلَا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ)
وكقول ابْن الرقيات
(مَا نَقَمُوا مِنْ بنى أُمَيَّةَ إِلَّا أنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا)
الْمَعْنى أَنهم لَا يقدرُونَ على عيبك إِلَّا بِمَا لَا يعاب بِهِ أحد هَذَا كَلَامه والذى ذكره أَبُو الْفَتْح صَحِيح وَقد يمدح الْإِنْسَان الْكثير العطايا بِأَن قدره يقتضى أَكثر مِمَّا يعْطى كَقَوْلِه أَيْضا
(يَا مَنْ إِذا رَهَبَ الدُّنْيا فقَدْ بَخِلاَ )
[ ٢ / ٨٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفضح أعداءه بِظُهُور فَضله وبكثرته وعزته وقوته فَهُوَ يزِيد عَلَيْهِم فى كل أَحْوَاله فهم ينتقصون بِزِيَادَتِهِ وَقَوله
(كَأَنَّهُمْ لَهُ )
أى لأَجله يُرِيد أَنهم إِذا قيسوا بِهِ وأضيفوا إِلَيْهِ قلوا وَإِن كَانُوا كثيرين وَذَلِكَ لعلو مجده وشرفه وسؤدد
٦ - الْمَعْنى يُرِيد الدُّعَاء لَهُ يَدْعُو أَلا يُصِيبهُ سِهَام الْأَعْدَاء وَيجوز أَن يكون خَبرا وَقَوله ومخطئ الخ أى من أَرَادَ أَن يريمى الْقَمَر ورماه أَخطَأ لِأَن الْقَمَر لَا يصل إِلَيْهِ شئ لمرفعته وَأَنَّك لرفعة قدرك ومحلك أعظم وأجدر أَلا يصل إِلَيْك من رماك
[ ٢ / ٩٠ ]
- ١ - الْإِعْرَاب قافية هَذَا الْبَيْت فِيهَا اضْطِرَاب لمُخَالفَته الْبَيْت الثانى لِأَن الْهَاء فى أشبه أصل وَقد ألحقها بواو وَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا فى القافية وَكَانَ من حَقه أَن يَجْعَل القافية هائية أَو بائية فَكَأَنَّهُ قَالَ فى قافية نارها وفى أُخْرَى مَاؤُهَا وَهَذَا فَاسد وَقَالَ من احْتج لَهُ على وَجه بعيد أَرَادَ إِلْحَاق الْوَاو فى أشبه على أَنَّهَا غير قافية لكنه على لُغَة أَزْد شنُوءَة يَقُولُونَ هَذَا زيد وَالرَّفْع والجر زيدى فهم يلحقون فى الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع الْوَاو وَالْيَاء كَمَا يلْحق الْألف بالمنصوب وَأما قَوْله يبغى نَصره فَفِيهِ اضْطِرَاب والقافية رائية فالهاء فى تكره وصل أَيْضا وَإِن كَانَ لَام الْفِعْل كَقَوْل الشَّاعِر
(أعطَيْتُ فِيهَا طَائِعا أَو كارِها حديقةً غلْباءَ فى أشْجارِهَا)
وَالشعر ورائى وَأحد الهاءين أصل وَالثَّانيَِة وصل وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ قَوْله أشبه خطأ إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه لم يَجْعَلهَا قافية وَإِنَّمَا أشْبع ضمة الْهَاء فألحقها واوا وَلم يَجْعَلهَا وصلا كَقَوْل من قَالَ
(من حَيْثُمَا سلَكوا أدنو فأنظورُ )
الْمَعْنى يَقُول أَنا من الوشاة لأنى أنشر ذكر سخائك وَأَنت تحب طيه فكأنى واش لِأَن الواشى يذيع مَا يكره صَاحبه أَن يظْهر
٢ - الْإِعْرَاب عارضا حَال لِأَن رُؤْيَة الْعين لَا تتعدى إِلَّا إِلَى مفعول وَاحِد الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَيْتُك تدفع عَن عرض وتحمى دون علمت يَقِينا أَن الله يُرِيد نصر ذَلِك الذى تحميه وعنى بِهَذَا أَبُو الطّيب نَفسه لِأَن سيف الدولة أثنى عَلَيْهِ وَالْمعْنَى يَقُول إِن الله ينصرنى على حسادى حَيْثُ تثنى على
[ ٢ / ٩١ ]
- ١ - الْإِعْرَاب فَمَا أظهر اسْتِفْهَام إنكارى أى لَا أظهر سترك الْمَعْنى يَقُول سرنا وَاحِد فَمَا أظهر مِنْهُ وَإِذا رضيت أمرا فَهُوَ رضاى وَكَذَا إِذا سخطته سخطته
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَنى ذُو مُرُوءَة ومحبة لَك خَالِصَة فَلَا أفشى سرك
٣ - الْغَرِيب نشر الله الْمَوْتَى وأنشرهم فنشروهم وَكله فى الْإِحْيَاء الْمَعْنى يَقُول السِّرّ لشدَّة أخفائه قلبى هُوَ ميت إماتة لَا يحيا بعْدهَا وَهُوَ من قَول الآخر
(إنّى لأَسْتُر مَا ذُو اللبّ ساتِرُهُ من حاجةٍ وأُميتُ السِّرَّ كِتمّانا)
وكقول عمرَان بن حطَّان
(وكنتُ أجُنُّ السِّرَّ حَتَّى أُمِيتَه وَقد كَانَ عندى للأمانة مَوْضِعُ)
وكقول قيس بن ذريح
(أراكَ الْحمى قُلْ لى بأىّ وسيلَةٍ تَوَسَّلَت حَتَّى قَبَّلتَكَ ثُغُورُها)
(فإنّى مِن القوْمِ الَّذين صُدورهم إِذا اسْتُودِعوا الأسْرارَ فهى قُبُورُها)
٤ - الْمَعْنى يَقُول كَأَن عينى لما نظرت لكم سترت ذَلِك عَن قلبى فَلَا يعلم بِهِ الْقلب فَكيف أظهره لِأَنَّهُ لم يصل إِلَى الْقلب وَالْعين كتمته الذى أَبْصرت
٥ - الْمَعْنى يَقُول إفشاء السِّرّ من الْغدر فَكيف أفشى السِّرّ وَأَنا حر وَالْحر لَا يغدر
[ ٢ / ٩٢ ]
- الْمَعْنى يَقُول الكتمان أَنا أقدر عَلَيْهِ من الْإِظْهَار لِأَن الْإِظْهَار فعل والكتمان ترك وَمن قدر على فعل كَانَ على تَركه أقدر
٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه قَادر على نَفسه لَا تغلبه على شئ لَا يُريدهُ لِأَنَّهُ مَالك لَهَا يضبطها فى وَقت الْخَوْف إِذا احْمَرَّتْ الرماح بالدماء عِنْد ملاقاة الْأَبْطَال
٨ - الْإِعْرَاب دواليك نصب على الْمصدر أى دالت لَك الدولة دولا بعد دوَل وَهَذَا من المصادر الَّتِى اسْتعْملت مثناة وَهُوَ للتَّأْكِيد وَمثله لبيْك وَسَعْديك وحنانيك ودولة نصب على التَّمْيِيز وَنصب أَمرك بإضمار فعل أى مر أَمرك الْمَعْنى يَقُول دالت لَك الدولة وتناولتها شَيْئا بعد شئ وأمرك أى مر أَمرك بِمَا تُرِيدُ فَهُوَ مُطَاع
٩ - الْمَعْنى يَقُول لما أتانى رَسُولك على عجلة عملت هَذِه الأبيات بديها وهى الَّتِى كنت أقدر عَلَيْهَا
١٠ - الْإِعْرَاب اسْم كَانَ مُضْمر تَقْدِيره لَو كَانَ دعاؤك إياى أولو كَانَ مَا نَحن فِيهِ من الْحَال الْغَرِيب القاتم المظلم الذى قد علاهُ الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول لَو دعوتنى يَوْم وغى للقاء الْعَدو لجئتك مسرعا بسيفى وبفرسى الْأَشْقَر وَإِنَّمَا خص الأشقردون غَيره من ألوان الْخَيل لِأَن الْأَشْقَر أسْرع فى الجرى وَهُوَ من قَول البحترى
(جَعَلْتُ لسانى دونهُم ولَوَ انهُمْ أهابوا بسَيفى كَانَ أسرَعَ من طَرْفى)
قَالَ أَبُو على لَو رفع يَوْم لاختل الْمَعْنى لِأَنَّهُ قد يكون أَيَّام كَثِيرَة ذَات وغى قاتمة فَلَا يجِيبه بل يكون يمعزل عَنْهَا وَعَن بلادها فَلَمَّا نصب صَحَّ الْمَعْنى وَوصف الْيَوْم بالقتام لَا الوغى لِأَن الوغى أَصله الصَّوْت والقاتم الكدر المظلم والقتم والقتام الْغُبَار
١١ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر بك ينظر إِلَى النَّاس وَأَنت عين الدَّهْر فَلَا رَجَعَ الدَّهْر غافلا بهلاكه بل بقيت مخلدا فَكل مَا يُصِيب النَّاس من إِحْسَان وإساءة فمنك فلومت لبطل ذَلِك فَيصير الدَّهْر غافلا عَن أَهله
[ ٢ / ٩٣ ]
- ١ - الْغَرِيب الازورار الْعُدُول والانحراف وَقد ازور عَنهُ ازورارا وازوار عَنهُ ازويرارا وتزاور عَنهُ تزاورا وَكله بِمَعْنى عدل وانحرف وَقَرَأَ ابْن عَامر
(تزور عَن كهفهم )
على وزن تحمر وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ
(تزاور )
مخففا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ
(تزاور )
مدغما أى تتزاور وَكله بِمَعْنى تعدل وتنحرف الْمَعْنى يَقُول صَار طَوِيل السَّلَام مُخْتَصرا وَصَارَ ذَلِك الْقرب مِنْك عُدُولًا عَنى وانحرافا وَهَذَا نوع من المعاتبة
٢ - الْمَعْنى يَقُول بقيت فى خجلة بَين النَّاس لما أَعرَضت عَنى فأموت بالخجلة فَإِذا ذهبت رجعت إِلَى الْحَيَاة وَإِذا عَادَتْ صرت مَيتا فَبَقيت مَيتا مرَارًا وَحيا مرَارًا
٣ - الْمَعْنى صرت أسارقك اللحظ أى أنظر إِلَيْك وَأَنا فى غَايَة من الْحيَاء هَيْبَة لَك وأزجر فرسى وَلَا أرفع صوتى إِلَّا سرا حَيَاء مِنْك وهيبة لَك
٤ - الْمَعْنى يَقُول الِاعْتِذَار من غير ذَنْب كذب وَالْكذب مِمَّا يعْتَذر مِنْهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح اعتذارى من غير ذَنْب شئ مُنكر فينبغى أَن أعْتَذر مِنْهُ لِأَنَّهُ شئ فى غير مَوْضِعه
٥ - الْغَرِيب الغرار بِالْكَسْرِ النّوم الْقَلِيل وَأَصله النُّقْصَان فى لبن النَّاقة وفى الحَدِيث " لَا غرار فى صَلَاة " وَهُوَ أَن لَا يتم ركوعها وسجودها الْمَعْنى يَقُول أنسانى الشّعْر إِلَّا الْقَلِيل هم يمنعنى من عمل الشّعْر وَمن النّوم فقد قطعنى عَنْهُمَا
[ ٢ / ٩٤ ]
- الْمَعْنى يَقُول جحدت مكارمك الَّتِى لَا يقدر أحد أَن يجحدها لِأَنَّهَا ظاهرات للنَّاس وَهَذَا قسم من أحسن مَا يقسم بِهِ الْعَرَب كَقَوْل الأشتر وَهُوَ مَالك بن الْحَارِث النخعى
(بَقيتُ وفْرى وانحرفتُ عنِ العُلا ولقيتُ أضْيافى بوَجه عَبوسِ)
(إِن لم أشُنَّ على ابْن هندٍ غارَةً لم تخلُ يَوْما مِن نِهابِ نُفوسِ)
يَقُول كفرت مكارمك إِن كَانَ تَأْخِير الشّعْر اخْتِيَارا منى وَلَكِن حمى الشّعْر الْهم
٧ - الْمَعْنى أَنه يعْتَذر بِمَا عرض لَهُ من الْهم الذى أسقم جِسْمه وَجعل فى قلبه نَارا لحرارته فَهُوَ الذى كَانَ السَّبَب فى انْقِطَاع الشّعْر وَالنَّوْم جَمِيعًا يَقُول أَنا لَا أقدر أَن أفعل شَيْئا من هَذَا وَهَذَا من قَول العطوى
(أتَرَانى أَنا وفَرْ تُ مِنَ الهَمّ نصيبى )
(أَنا أعطَيتُ العيونَ النُّجْل أسلابَ القُلوبِ )
(لَو إلىَّ الأَمْرُ مَا أقذيتُ عَيْنًا برَقِيبِ )
٨ - الْغَرِيب ضاره يضيره ضيرا وضرة يضرّهُ ضرا بِمَعْنى وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا لَا ضير﴾ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو والحرميان ﴿لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر ﴿لَا يضركم﴾ وَهُوَ جَوَاب الشَّرْط وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهٍ فى المضاعف المجزوم الرّفْع مثل هَذَا الْمَعْنى لَا تعرض عَنى فتلزمنى ذنُوب الزَّمَان وَالزَّمَان مُضر لى ومسئ إِلَى
٩ - الْغَرِيب الشرد جمع شرود يُرِيد القصائد وَجعلهَا شردا لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِر بِموضع الْمَعْنى يَقُول لَهُ عندى قصائد سائرات فى الْبِلَاد لَا يخْتَص مقامهن بِموضع وَاحِد بل تسير بهَا الركْبَان فى الْآفَاق بمدحك
١٠ - الْمَعْنى هَذَا الْبَيْت يُفَسر مَا قبله ويروى وَهن إِذا سرن عَن مقولى وثبن أى جزن الْجبَال وقطعنها وَإِنَّمَا قَالَ وثبن لارْتِفَاع الْجبَال وطولها وَهَذَا من قَول على ابْن الجهم
(ولكنَّ إحْسانَ الْخَلِيفَة جعفرٍ دعانى إِلَى مَا قلت فِيهِ من الشِّعرِ)
(فسارَ مَسيرَ الشَّمس فى كل بلدةٍ وهَبَّ هُبوب الرّيح فى البرّ وَالْبَحْر) وَقَول حبيب
(لساحته تَنْساقُ من غيرِ سائِقٍ وتَنْقاد فىِ الْآفَاق من غير قَائِد)
(إِذا شَرَدتْ سَلَّت سَخيمة شانئٍ ورَدَّت عَزُوبا مِن قلوبٍ شواردِ) وَأَصله من قَول الآخر
(ألم ترَ أنَّ شِعرِى سارَعَنّى وشعرَك نازِلٌ حولَ البُيوت)
[ ٢ / ٩٥ ]
- الْإِعْرَاب من روى أَشَّدهم بِالنّصب جعله بَدَلا من خبر كَانَ وَمن رَفعه جعله خبر ابْتِدَاء أى أَنْت أَشَّدهم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَنه شَدِيد الاهتزاز للندى وبعيد مدى الْغَارة إِلَى الْعَدو وَقَالَ ابْن فورجة يَقُول أَنْت أَشد النَّاس هزة فى سَاعَة الندى وهى الهزة الَّتِى تصيب الْجواد إِذا هم بالعطاء كَمَا قَالَ
(وتأخذُه عندَ المَكارِم هِزَّة )
وَالْمعْنَى أَنه أنشط النَّاس إِلَى الْجُود وأبعدهم مدى غَارة على الْعَدو وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو أمكنه أَن يَقُول لكانوا الظلام وَكنت الضياء أَو اللَّيْل وَكنت النَّهَار لَكَانَ أحسن فى التطبيق قلت يُمكنهُ لكانوا الليالى وَالْوَزْن مُسْتَقِيم
١٤ - الْغَرِيب سما علا وهى أى همتى واليسار الْغنى الْمَعْنى يُرِيد أَن همتى عالية وَقد علت بخدمتك فزادت شرفا على شرف فلست أعد الْغنى غنى لكبر نفسى وهمى بك
١٥ - الْمَعْنى إِذا كنت بَحر الغائص فَلَا يرضى بالدر إِلَّا الْكِبَار مِنْهُ وَلَا يقنع بصغار الدّرّ وَالْمعْنَى إِذا أدْركْت بك الْغنى لم أقتصر عَلَيْهِ لِأَن من كَانَ مرجوه مثلك لم يرض بِالْقَلِيلِ
[ ٢ / ٩٦ ]
- ١ - الْإِعْرَاب حَتَّى هى بِمَعْنى الْوَاو حرف الْعَطف وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فى حَتَّى فَقَالُوا هى حرف تنصب الْفِعْل الْمُسْتَقْبل من غير تَقْدِير أَن وحرف جر يجر الِاسْم كَمَا تَقول سوفته حَتَّى الصَّيف وَقَالَ البصريون هى فى كلا الْمَوْضِعَيْنِ حرف جر وَالْفِعْل مَنْصُوب بعْدهَا بِتَقْدِير أَن وَالِاسْم مجرور بِتَقْدِير إِلَى الْغَرِيب الْعَصْر بِضَمَّتَيْنِ جمع عصر وَالْعصر بِضَمَّتَيْنِ أَيْضا لُغَة فى الْعَصْر قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَهَل يَعِمَنْ مَنْ كانَ فىِ العُصُرِ الخالى )
وَفِيه لُغَة أُخْرَى بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد قَالَ العجاج فى جمعه على عصور
(إذْ نحنُ فى ضَبابة التَّسكير والعَصْرِ قبلَ هَذِه العُصورِ)
والعصران اللَّيْل وَالنَّهَار الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك فرحة للزمان وَالدّين فَكل أَنْت لَهُ شرف وَبِك يسر ونورك يعم كل شئ حَتَّى الشَّمْس الَّتِى كل الْأَنْوَار مِنْهَا وَالْقَمَر
٢ - الْمَعْنى يَقُول الْأَهِلّة دَاخِلَة فى جملَة من كسب نورك ونال من نائلك والبشر أى الْخلق لم يخصوا بنائلك لِأَنَّك قد أَعْطَيْت نائلك الشَّمْس وَالْقَمَر بِوَجْهِك كمالهما
٣ - الْغَرِيب الْأنف الَّتِى لم ترع وَهُوَ أحسن لَهَا وَالشَّمَائِل الْخَلَائق الْمَعْنى يَقُول الزَّمَان بكونك فِيهِ مَوْجُودا هُوَ رَوْضَة محمية لم يرعها رَاع وأخلاقك زهرها
٤ - الْإِعْرَاب مَا حرف نفى والظرفان متعلقان بفعلى الِانْتِهَاء الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ أَن لَا ينقضى لَهُ أجل كَمَا أَنه لَا ينقضى لَهُ فِيهِ كرم وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وأخصره وألطفه معنى
٥ - الْمَعْنى يَقُول بتكرار الأعوام عَلَيْك يزِيد شرفك وعلوك كَمَا يزْدَاد غَيْرك شيبا وهرما وروى أَبُو الْفَتْح
(وحظ غَيْرك مِنْهُ )
يُرِيد من التّكْرَار وَمِنْهَا من الأعوام
[ ٢ / ٩٧ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول أَنا لم أشاهد وصف الْحَال فوصفى لَهُ ظلم وَصدق الْوَصْف يتَعَلَّق بِصدق النّظر فَإِذا لم أصدق العيان لم أكن صَادِق الْوَصْف وَإِنَّمَا اختبرت وَلم أنظر
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَنى كنت أخبر مَا جرى وَلم أعاينه وَكنت أحضر المختصين بك لأنى كنت شَاهدا بشخصى وَكنت أغيب المختصين لأنى غبت مُعَاينَة حَيْثُ لم أربعينى مَا جرى
٤ - الْمَعْنى يَقُول قد رفع ناظره بعد أَن كَانَ ذليلا لِأَن عفوك عَنهُ مثل الظفر لَهُ
٥ - الْغَرِيب الْأَمْلَاك جمع ملك الْمَعْنى يَقُول إِذا أَجَبْته افتخر على كل الْمُلُوك
٦ - الْمَعْنى يَقُول قد ارْتَفع عَنهُ الْقَتْل بالهدنة إِلَى وَقت وباقى النَّاس ينْتَظر خيلك أَن تغزوه لِأَنَّهُ قد عرف أَنَّك لَا تقطع الْغَزْو فَإِذا هادنت الرّوم انصرفت إِلَى غَيرهم من الْأَعْدَاء فَغير الرّوم ينْتَظر قدوم سَيْفك عَلَيْهِ وَقَالَ الواحدى ينْتَظر الصُّلْح مِنْك كَمَا صالحت ملك الرّوم
٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تبدلها للسيوف وَغَيرهم مفعول تبدل الثانى الْغَرِيب تجم من الجموم بِالْجِيم أى تكْثر وَقَالَ الواحدى تستريح وَالْقصر جمع قصرة وهى أصل الْعُنُق وَقَوله تبدلها أى تعطيها شَيْئا آخر مَكَانَهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وَقَوله ﴿يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تبدل السيوف رِقَاب الْقَوْم تَأْخُذ قوما وَتَدَع قوما وَقَالَ الواحدي معنى الْبَيْت أَنَّك تحارب غير الرّوم وتدعهم حَتَّى يكثروا ويتناسلوا ثمَّ تعود عَلَيْهِم فتهلكهم والذى قَالَه أَبُو الْفَتْح أَن الضَّمِير فى تبدلها للسيوف غير صَحِيح وَإِنَّمَا هُوَ للروم أى تبدل الرّوم بِقوم غَيرهم وبجعل غَيرهم مكانهم وعَلى هَذَا يَصح اللَّفْظ وَيظْهر الْمَعْنى وَلَا يجوز فى غَيرهم إِلَّا الْخَفْض على النَّعْت للْقَوْم
[ ٢ / ٩٨ ]
- الْإِعْرَاب غادية حَال الْمَعْنى يَقُول إِذا شبهت جودك بالأمطار الغاديات وهى الَّتِى تمطر غدْوَة وهى أغزرها كَانَ جودا ثَانِيًا بكفك لِأَن الْمَطَر يفتخر بجودك إِذا شبه بِهِ
٩ - الْإِعْرَاب طالعة حَال الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّمْس تستفيد مِنْك نورا كَمَا يَسْتَفِيد مِنْهَا الْقَمَر النُّور فَإِذا طلعت كسبت وَإِذا غَابَتْ عَادَتْ إِلَى حَالهَا قبل رؤيتها لَك
[ ٢ / ٩٩ ]
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الرمْح الطَّوِيل الذى يطاعنك قصير لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يعْمل شَيْئا فَهُوَ قصير لقلَّة الْغناء بِهِ والقطر مِنْك فى الندى وَالْحَرب بَحر أى الْقَلِيل مِنْك كثير ٢ - الْغَرِيب أَنَاة حلم وترفق لَا تسرع إِلَى الْعقُوبَة الْمَعْنى يَقُول إِذا جنى الجانى ترفقت بِهِ وحلمت عَنهُ فيظن ذَلِك لكرامته عَلَيْك وَإِنَّمَا هُوَ احتقار لَهُ عَن الْمُكَافَأَة
٣ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت تَأْخُذ البوادى والحواضر بضبط سياسة لم تتعود تِلْكَ السياسة بَنو نزار يُرِيد الْعَرَب
٤ - الْغَرِيب شممت الشئ أشمه شما وشميما قَالَ الشَّاعِر
(تمتَّعْ من شَمِيم عرار نَجْدٍ فمَا بعدَ العَشيَّة مِن عَرارِا)
الْمَعْنى يَقُول الْعَرَب تطيعك فَإِذا أحست بِمَا عنْدك من السياسة أنْكرت ذَلِك إِنْكَار الْوَحْش الْإِنْس فتنفر عَن ذَلِك لِأَنَّهَا لم تعود ذَلِك
٥ - الْغَرِيب المقادة الانقياد وَالصغَار الذل وَمِنْه
(سيصيب الَّذين أجرموا صَغار )
الْمَعْنى يَقُول الْعَرَب لَا تنقاد لأحد وَلَا تعرف هَذَا وَلَا تدخل تَحت الذل
٦ - الْغَرِيب الذفريان مَا خلف الْأُذُنَيْنِ وَيجمع على ذفار وذفارى بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا كصحارى وصحارى والصعر الْميل والعذار مَا يَجْعَل على خد الدَّابَّة من المرسن الْمَعْنى يَقُول إِنَّك وضعت المقاود على الْعَرَب لتقودهم إِلَى طَاعَتك فأثقلت المقاود رُءُوسهم لِأَنَّك منعتهم عَن الْغَارة وَقطع الطَّرِيق فصاروا كالدابة الَّتِى تقاد بحكمة شَدِيدَة وَقَوله وصعر خدها أَرَادَ خدودها فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع أى أماله وجذبه إِلَى طَاعَتك هَذَا العذار يعْنى العذار الذى وَضعته على خدودها قَالَ الواحدى ويروى فأفرحت بِالْفَاءِ وَمَعْنَاهُ أثقلت إِلَى أَن قَالَ يُقَال أفرحه الدّين أى أثقله وَمن روى بِالْقَافِ فَمَعْنَاه جعلتهم قرحى أى بالغت فى رياضتهم حَتَّى جعلتهم كالقرحى فى الذل والانقياد وَالصَّحِيح هُوَ الأول وَقيل صيرت هَذِه المقاود أَعْنَاقهم قرحى لَا تطِيق حمل المقاود
[ ٢ / ١٠٠ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّاس دعوك وَالسُّيُوف فَوق الرُّءُوس بأضرب وبأطعن فَقَالُوا يَا أطعن من طعن بخطية وأضرب من ضرب بحسام فأجبتهم ورءوسهم تَحت سيوف الرّوم
٢٣ - الْغَرِيب الوجيب خفقان الْقلب وَغَارَتْ الْعين غئورا إِذا انخسفت من وجع أَو حزن الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يئسوا من الْحَيَاة فهم فى بكاء وَخَوف حَتَّى أنقذتهم من ذَلِك
٢٤ - الْغَرِيب الوصب الْمَرَض وَقد وصب الرجل يوصب فَهُوَ وصب وأوصبه الله فَهُوَ موصب والموصب بِالتَّشْدِيدِ الْكثير الأوجاع الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا جَاءَهُم الْعَدو لِأَن الْأَعْدَاء أرجفوا بأنك عليل وَأَنَّك لَا تطِيق المجئ إِلَيْهِم لثقل الْمَرَض
٢٦ - الْإِعْرَاب نصب طوَالًا وقصارا على الْحَال وَالضَّمِير فى أَتَاهُم للدمستق الْغَرِيب السبيب شعر الناصية وَالْعرْف والذنب والعسب جمع عسيب وَهُوَ منبت الذَّنب من الْجلد والعظم والعسيب من السعف فَوق الكرب لم ينْبت عَلَيْهِ خوص وعسيب اسْم جبل قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(إنّى مُقِيمٌ مَا أقامَ عَسِيبُ )
الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ملك الرّوم أَتَاهُم بخيل أوسع من الأَرْض لِأَن أَرضهم ضَاقَتْ بخيله لكثرتها يصف عَسْكَر الرّوم بِالْكَثْرَةِ ويصف خيله وَالْمُسْتَحب فى الْخَيل مَا ذكر أَن يطول شعر الذَّنب وَيقصر عظمه وَقَالَ السبيب وَلم يقل الأسبة جعل الْوَاحِد فى مَوضِع الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ نخرجكم طفْلا﴾
[ ٢ / ١٠١ ]
- الْغَرِيب الغرار الْحَد والغراران حدا السَّيْف وكل شئ لَهُ حد فحده غراره الْمَعْنى يَقُول كنت لَهُم سَيْفا يمْنَع عَنْهُم قائمه فى أَيْديهم وَحده فى أعدائهم إِلَى أَن خالفوك فَصَارَت شفرتاه فيهم قَالَ الواحدى تخبط ابْن جنى وَابْن فورجة فى تَفْسِيره وَلم يعرفاه
١٢ - الْغَرِيب البدية والحيار مَا آن معروفان الحيار قريب إِلَى الْعِمَارَة والبدية وَاغِلَة فى الْبَريَّة وَبَينهمَا مسير لَيْلَة وَكَانَ الَّذين خالفوه ينزلون على هذَيْن الماءين الْمَعْنى يَقُول هم كَانُوا مَعَك وَكنت تحميهم وتمنعهم من الْأَعْدَاء وَكنت سَيْفا لَهُم فَلَمَّا خالفوك قَتلتهمْ بِالسَّيْفِ الذى كنت تقَاتل عَنْهُم بِهِ فى هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وفى مَعْنَاهُ
(لَهُم صَدْرُ سَيْفى يَوْم بطحاءِ سَحْبَلٍ ولى منهُ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ الأناملُ ١)
١٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم كَانُوا فى التمرد والعصيان حَيْثُ كَانَت كَعْب فخافوا أَن يحل بهم مَا حل بهم من الْقَتْل والسبى وَرفع كَعْب بِالِابْتِدَاءِ وَحذف خَبره للْعلم إِذْ حَيْثُ لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجمل
١٤ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم استقبلوا سيف الدولة بالخضوع والذلة والانقياد وَسَارُوا مَعَه وَذَلِكَ أَن مشيخة بنى كلاب تَلَقَّتْهُ وَقد صَارُوا عَن الحيار لطلب البدية فطرحوا نُفُوسهم عَلَيْهِ لما رَأَوْا حد سَيْفه وخشوا أَن يهربوا فيهلكهم وتقتلهم القفار والعطش كَمَا هَلَكت كَعْب
١٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أقبلها للخيل وَلم يجر لَهَا ذكر وَقَوله وَلَا شيار رفع شيار لتكرار لَا وَمثله قَول الشَّاعِر
(لَا أُمَّ لى إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ )
وَقد قرا أَبُو عَمْرو وَابْن كثير ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾ بِالرَّفْع فيهمَا ونصبا جدالا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِنصب الثَّلَاثَة وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بِرَفْع الثَّلَاثَة فالرفع على أَن لَا بِمَعْنى لَيْسَ وَمن نصب الثَّلَاثَة لم يلْتَفت إِلَى التّكْرَار وَجعل كل لَفْظَة مبينَة مَعَ لَا على مَذْهَب أهل الْبَصْرَة فقراءة من رفع وَنصب جدالا كَقَوْل أُميَّة ١
(فَلَا لَغْوٌ وَلَا تأثيمَ فِيها وَمَا فاهُوا بِهِ أبداُ مُقيمُ)
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء العطاردى بِنصب ﴿رفث وفسوق﴾ وَرفع ﴿جِدَال﴾ وَهُوَ مثل قَول أَبى الطّيب ويعضده مَا ذكرنَا من قَول الشَّاعِر
(هَذَا وَجَدّكُمُ الصَّغارُ بعَيْنِه لَا أُمَّ لى إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ)
الْغَرِيب المروج يُرِيد مروج سلمية وَهُوَ مَوضِع بِالْقربِ من الْفُرَات مَا بَين حلب والفرات وهزال جمع هزيل وشيار حَسَنَة المناظر سمان الْمَعْنى يُرِيد أَنه أقبلهم بِالْخَيْلِ المعلمات الضوامر الَّتِى لم تضمر عَن هزال وَإِنَّمَا هُوَ عَن صَنْعَة وَقيام عَلَيْهَا وَلم تكن حَسَنَة المناظر لِأَنَّهَا مُوَاصلَة للسير والكد قد اغبرت وتشعثت
[ ٢ / ١٠٢ ]
- الْغَرِيب المسبطر العجاج الممتد الساطع والشعار الْعَلامَة الَّتِى يَتَعَارَفُونَ بهَا الْمَعْنى يَقُول خيلك تثير على هَذَا الْمَكَان وَهُوَ سلمية بِالتَّخْفِيفِ لِأَن أَسمَاء الْمَوَاضِع الأعجميات تغيرها الْعَرَب عجاجا ممتدا يُنكر الْجَيْش تَحْتَهُ بَعضهم بَعْضًا لَوْلَا الْعَلامَة الَّتِى يَتَعَارَفُونَ بهَا إِذا اختلطوا بِغَيْر جنسهم فلولا الْعَلامَة لما عرف بَعضهم بَعْضًا من العجاج
١٧ - الْإِعْرَاب عجاجا بدل من قَوْله مسبطرا الْغَرِيب العقبان جمع عِقَاب وهى من الْجَوَارِح الصيادة والوعث من الأَرْض السهل الْكثير الرمل وَهُوَ مَا تغيب القوائم فِيهِ لسهولته والخبار الأَرْض اللينة وَجمع الوعث أوعاث ووعوث الْمَعْنى يُرِيد أَن العقبان الَّتِى مَعَ الْجَيْش تعثر فى الْغُبَار لِكَثْرَة مَا ارْتَفع من الْغُبَار إِلَى الجو كَأَن الطير تعثر فِيهِ لكثافته وكثرته
١٨ - الْغَرِيب يُقَال خيل وخيلان وَقوم وقومان وخلسا بِمَعْنى اختلاسا الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم لَا يبالون بِالْمَوْتِ فهم يختلسون الطعْن اختلاسا وأسرع إِلَيْهِم الْمَوْت كَأَنَّهُ وجد طَرِيقا مُخْتَصرا إِلَيْهِم أَو كَأَنَّهُمْ وجدوا الْمَوْت شَيْئا مُخْتَصرا متسصغرا عَنْهُم
[ ٢ / ١٠٣ ]
- الْغَرِيب لزه إِلَى الشئ أَلْجَأَهُ واضطره وَأَدْنَاهُ مِنْهُ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لم يكن لَهُم شئ أصلح من الْفِرَار فَلَجَئُوا إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن طرادك ألجأهم إِلَى قتال شَدِيد لم يَجدوا لَهُم فِيهِ سِلَاحا سوى الْهَرَب فَهَرَبُوا ولجئوا إِلَى الْهَرَب
٢٠ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ندر رَأس أحدهم فتدحرج يعثر بِرجلِهِ أَو بِرَجُل غَيره وَهَذَا غير الْمَعْهُود أَن يعثر الرَّأْس بِالرجلِ قَالَ الواحدى أحسن من قَوْله أَن يُقَال بأرجلهم عثار لأجل حفظ رُءُوسهم فهم ينهزمون فيسرعون ويعثرون
٢١ - الْغَرِيب يشلهم أى يطردهم والأقب الضامر الْبَطن اللَّاحِق بالإطل والنهد العالى الْمُرْتَفع الْمَعْنى يَقُول للفارس الِاخْتِيَار إِن شَاءَ لحق وَإِن شَاءَ سبق
٢٢ - الْغَرِيب الْأَصَم الشَّديد الذى لَيْسَ بأجوف يعسل يضطرب والكعبان اللَّذَان فى عَامله وهما يغيبان فى المطعون وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يُرِيد الذى فِيهِ السنان والذى فِيهِ الزج فَإِن الطعْن يَقع بهما وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يُرِيد بالتثنية الْجمع وَهُوَ كثير فى الْكَلَام والممار الجارى الْمَعْنى ويطردهم بِكُل رمح شَدِيد يضطرب جانباه الْأَعْلَى والأسفل فَيخرج من المطعون وَعَلِيهِ الدَّم الجارى
٢٣ - الْغَرِيب الثَّعْلَب الدَّاخِل من الرمْح فى السنان والوجار بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا بَيت الضبع والثعلب من الْوَحْش الْمَعْنى يُرِيد أَن الرمْح الْمَوْصُوف يتْرك من الْتفت إِلَيْهِ ونحره مطعون وَأحسن فى هَذِه التورية والاستعارة بِذكر الوجار والثعلب
[ ٢ / ١٠٤ ]
- الْإِعْرَاب ارْتَفع جنح الظلام عندنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ قَول الْأَخْفَش وَعِنْدنَا أَيْضا أَنه يرْتَفع بِمَا عَاد إِلَيْهِ من الْفِعْل من غير تَقْدِير فعل وَقَالَ البصريون يرْتَفع بِتَقْدِير فعل وَحجَّتنَا أَن إِن الشّرطِيَّة هى الأَصْل فى بَاب الْجَزَاء فلقوتها جَازَ تَقْدِيم الْمَرْفُوع مَعهَا وَقُلْنَا إِنَّه يرْتَفع بالعائد لِأَن المكنى الْمَرْفُوع مَعهَا فى الْفِعْل هُوَ الِاسْم الأول فينبغى أَن يكون مَرْفُوعا كَقَوْلِهِم جاءنى الظريف زيد وَإِذا كَانَ مَرْفُوعا لم يفْتَقر إِلَى تَقْدِير فعل وَحجَّة الْبَصرِيين أَنه يجوز أَن يفصل بَين حرف الْجَزْم وَبَين الْفِعْل باسم لم يعْمل فِيهِ ذَلِك الْفِعْل وَلَا يجوز أَن يكون الْفِعْل هُنَا عَاملا لِأَنَّهُ لَا يجوز تَقْدِيم مَا يرْتَفع بِالْفِعْلِ عَلَيْهِ فَلَو لم يقدر مَا يرفعهُ لبقى الِاسْم مَرْفُوعا بِلَا رَافع وَذَلِكَ لَا يجوز فَدلَّ على أَن الِاسْم ارْتَفع بِتَقْدِير فعل الْمَعْنى قَوْله
(المشرفية وَالنَّهَار)
يُرِيد نهارين ضوء السيوف وَالنَّهَار أى إِذا أظلم اللَّيْل دخلُوا فى سوَاده وَسَوَاد الْغُبَار كَأَن هُنَاكَ ليلين فَإِذا انجاب الظلام صَار نهاران
٢٦ - الْغَرِيب الدثر المَال الْكثير والرغاء صَوت الْإِبِل والثؤاج صياح الْغنم وَأنْشد أَبُو زيد فى كتاب الْهَمْز
(تَحُضُّ على الصَّبْرِ أحْبارهُم وَقد تَأجُوا كَثُؤَاج الغَنَمْ ١)
واليعار صَوت الشَّاة الْمَعْنى يَقُول لما هربوا تركُوا خَلفهم الْإِبِل ترغو وَالْغنم تصايح والمعزى تَيْعر فَشبه أَصْوَاتهم بالبكاء
٢٧ - الْغَرِيب الغنثر مَاء هُنَاكَ لما وصل إِلَيْهِ حَاز بِهِ أَمْوَالهم فى رِوَايَة من رَوَاهُ بالغين وَالنُّون وفى رِوَايَة من رَوَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة وَالْيَاء فَهُوَ الْغُبَار وَقَوله المتالى جمع متلوة وهى النَّاقة الَّتِى يتلوها وَلَدهَا والعشار جمع عشراء وهى الَّتِى قربت وِلَادَتهَا الْمَعْنى يُقَال غطاه وغطاه إِذا ستره روى الواحدى فى تَفْسِيره للديوان تحيرت بِالْحَاء الْمُهْملَة وروى أَبُو الْفَتْح تخيرت يعْنى تخير أَصْحَابه خير الْأَصْنَاف الَّتِى ذكرنَا وَالْمعْنَى أَنه لما وصل إِلَى المَاء حَاز أَمْوَالهم وَاخْتَارَ مِنْهَا مَا أَرَادَ وَذكر المتالى والعشار لِأَنَّهُمَا صنفان من أعز أَمْوَال الْعَرَب
[ ٢ / ١٠٥ ]
- الْغَرِيب الجباة مَاء هُنَاكَ نزل بِهِ الْمَعْنى يَقُول لما نزل بِهَذَا المَاء لحقهم بِهِ فَاشْتَمَلَ على الجيشين يُرِيد جَيْشه وجيشهم حَتَّى صَارُوا فى إِزَار
٢٩ - الْغَرِيب الصحصحان يُرِيد بِهِ هَا هُنَا صحراء هُنَاكَ وفى غير هَذَا كل أَرض وَاسِعَة فضاء الْمَعْنى يَقُول جَاءُوا إِلَى هَذِه الصَّحرَاء وَقد خففوا عَنْهُم وألقوا أَكثر مَتَاعهمْ لسرعة انهزامهم وطرحوا أَكثر مَا كَانَ مَعَهم وَوضع الْعِمَامَة والخمار مَوضِع الْجمع والعمائم للرِّجَال وَالْخمر للنِّسَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾
٣٠ - الْغَرِيب العذارى جمع عذراء وهى الَّتِى لم يقرعها فَحل وأرهقه كلفه الْمَشَقَّة والأصيبية تَصْغِير الصبية وَالصبيان الْمَعْنى يَقُول إنَّهُنَّ كلفن مشقة فى استردافهن للهرب وَكَذَلِكَ الصّبيان الصغار الَّذين لَا يثبتون على الْخُيُول فى الركض فسقطوا فوطئتهم الْخَيل يُقَال أوطأته كَذَا أى جعلته يطؤه قَالَ أَبُو الْفَتْح أوطئوا الْخَيل الصبية لأَنهم لم يقدروا أَن يحملوهم لشدَّة هَرَبهمْ وأردفوا العذارى طلبا للنجاة وحفظا لَهُنَّ
٣١ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَوَاضِع لما وصلوها نزحوها لشدَّة الْعَطش والجهد فَلم يبقوا مِنْهَا شَيْئا وَلذَلِك قَالَ فَلَا غوير وَكلهَا مياه مَعْرُوفَة
٣٢ - الْغَرِيب تدمر مَوضِع بِالشَّام الْمَعْنى يَقُول لم يكن لَهُم مستغاث إِلَّا بِهَذَا الْمَكَان وظنوا أَنهم إِذا بلغوه حصنهمْ من سيف الدولة فغشيهم الْجَيْش وَصَارَ تدمر لَهُم دمارا
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول أَرَادوا أَن تدير رُءُوسهم رَأيا بتدمر فَأَتَاهُم سيف الدولة برأى لَا يدار على الْأُمُور لِأَنَّهُ أول بديهة يرى الصَّوَاب
[ ٢ / ١٠٦ ]
- الْإِعْرَاب وجيش عطف على قَوْله برأى الْغَرِيب حَار يحار حيرة إِذا وقف وَلم يدر مَا يفعل الْمَعْنى يَقُول صبحهمْ بِجَيْش كلما أشرف هَؤُلَاءِ المهزومون على أَرض وَاسِعَة حاروا فِيهَا لسعتها وَشدَّة فرقهم لِأَن الدُّنْيَا تضيق على الْخَائِف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ ثمَّ تتحير الأَرْض لكثرتهم
٣٥ - الْإِعْرَاب لَا قَود لَا بِمَعْنى لَيْسَ وَمثله قَول الشَّاعِر وَهُوَ بَيت الْكتاب
(مَنْ صّدَّ عَن نِيرانِها فَإنَّا ابْنُ قَيْسٍ لابراحُ)
الْمَعْنى يَقُول يُحِيط هَذَا الْجَيْش بأغر يعْنى سيف الدولة إِذا قتل أعداءه لَا يُقَاد بهم وَلَا يحمل دِيَة وَلَا يعْتَذر إِلَيْهِم من فعله لِأَنَّهُ ملك يقهرهم بقوته وعدده وعدده يصفهم بالقهر وَالْغَلَبَة والعز والمنعة
٣٦ - الْغَرِيب الْجَبَّار الدَّم الذى لَا قَود فِيهِ وَلَا دِيَة الْمَعْنى إِن سيوفه تريق دِمَاء الْأَعْدَاء ودماؤهم هدر بَاطِلَة لَا يطْلب لَهَا قَود وَلَا دِيَة
٣٧ - الْغَرِيب مصال صولة وَقُوَّة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانُوا أسدا قبل ذَلِك فَلَمَّا غضِبت عَلَيْهِم وقصدتهم لم تكن لَهُم صولة على طير لضعفهم وَلم يقدروا على الطيران فأهلكتهم قَالَ الواحدى على هَذَا يكون الْبَيْت من صفة المنهزمين وَقَالَ العروضى هَذَا من صفة خيل سيف الدولة يَقُول كَانُوا أسودا وَلَا عيب عَلَيْهِم أَلا يدركوا هَؤُلَاءِ لِأَن الْأسد القوى لَا يُمكنهُ صيد الطَّائِر لِأَنَّهُ لَا مطار لَهُ وَالْمعْنَى أَنهم أَسْرعُوا إِلَى الْهَرَب إسراع الطَّائِر فى الطيران وَهَذَا كالعذر لَهُم فى التَّخَلُّف عَن لحوقهم لسرعة الْهَرَب وَمَا بعد هَذَا الْبَيْت لَا يدل على هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ قَوْله ﴿إِذا فاتوا﴾
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول إِذا فاتوا رماح سيف الدولة قَامَ الْعَطش مقَام الرماح فى قَتلهمْ
[ ٢ / ١٠٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول يرَوْنَ الْمَوْت قدامهم وَهُوَ الْعَطش وخلفهم الرماح فيختارون أحد الْميتَتَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ اخْتِيَار فى الْحَقِيقَة لِأَن الْمَوْت لَا يخْتَار فاختيارهم اضطرار فى الْحَقِيقَة
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول إِذا سَار أحد فى أَرض السماوة وَلم يعرف طريقها لم يضل لِأَن جثث قتلاهم تقوم لَهُ مقَام الْمنَار وَهُوَ الذى ينصب فى الطَّرِيق ليهتدى بِهِ وَهُوَ من قَول ثَابت ١
(هَدانا اللهُ بالقتلَى تراهم مُصَلبَّةً بأفْوَاه الشِّعابِ)
٤١ - الْمَعْنى يَقُول لَو لم تعف عَنْهُم أى عَمَّن بقوا لهلكوا والباقى يعْتَبر بالمقتول فَلَا يعْصى أَمرك أبدا
٤٢ - الْغَرِيب أرعى فلَان على فلَان إِذا كف عَنهُ ورق لَهُ الْمَعْنى يَقُول أَنْت سيدهم فَإِذا لم تبْق عَلَيْهِم وترحمهم فَمن لَهُم يرحمهم وَالْمولى إِذا لم يرحم عَبده لَا يرحمه غَيره
٤٣ - الْغَرِيب السجايا الْأَخْلَاق والطباع والنجار الأَصْل الْمَعْنى يَقُول هم يشركُونَ سيف الدولة فى نزار لأَنهم كلهم من نزار لَكِن يخالفونه فى كرمه وخلائقه وعلو قدره عَلَيْهِم
٤٤ - الْغَرِيب أرك وَعرض موضعان قريبان إِلَى الْفُرَات والرقتين مَوضِع على الْفُرَات الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح خيله قريب من الرقتين حَتَّى لَو هَمت بزيارتها لما بعد ذَلِك عَلَيْهَا وَقَالَ الواحدى الصَّحِيح أَنه عدل بِالْخَيْلِ على هَذِه الْمَوْضِعَيْنِ على تباعدهما عَن قَصده وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الرقتين وَقصد الْخَيل إِلَى الرقتين ويعنى بِهَذَا طلبه لبنى كَعْب فى كل مَكَان
٤٥ - الْغَرِيب الزئير للأسد والزأر أَيْضا والخوار للثيران وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَأخْرج لَهُم عجلا جسدا لَهُ خوار﴾ بِالْخَاءِ فى الْمَشْهُور وَقُرِئَ فى الشاذ بِالْجِيم وروى الخوارزمى فى الْبَيْت بِالْجِيم الْمَعْنى يَقُول كَانُوا كالأسد لَهُم زئير وصولة فَلَمَّا هربوا صَارُوا كالثيران لَهُم خوار لذلتهم وفزعهم فتبدلت تِلْكَ الشجَاعَة والعزة بالذل
[ ٢ / ١٠٨ ]
- الْغَرِيب الحزق الْجَمَاعَات واحده حزقة الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم ظنُّوا أَنه قصدهم فَهَرَبُوا من بَين يَدَيْهِ خوفًا وفرقا فَتَفَرَّقُوا جماعات على الخابور وَهُوَ من أَعمال الرقة وحران بِالْقربِ من الْفُرَات فَكَانَ الْقَصْد لغَيرهم فَهَرَبُوا هم فهم فى خمار أى فى سكر من شرب غَيرهم يُرِيد أَن الذَّنب لغَيرهم فسكروا هم خوفًا
٤٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم للخوف لم يسرحوا نعمهم نَهَارا ولفزعهم بِاللَّيْلِ لم يوقدوا نَارا ليستدل ١ بهَا عَلَيْهِم
٤٨ - الْمَعْنى يَقُول هم يحذرون فَتى يحذرهُ كل أحد فَإِذا لم يرض عَنْهُم لم يَنْفَعهُمْ حذرهم فَهُوَ يدركهم وَلَو كَانُوا فى تخوم الأراضى أَو فى الجو لِكَثْرَة عدده وعدده
٤٩ - الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَفد وَهُوَ جمع وَافد مثل صَاحب وَصَحب وَجمع الْوَفْد أوفاد ووفود وَالِاسْم الْوِفَادَة ووفد فلَان على الْأَمِير وأوفدته أَرْسلتهُ والوافد القادم على أَمِير أَو غَيره ليطلب مِنْهُ شَيْئا الْمَعْنى يَقُول وفدوا عَلَيْهِ لم يطلبوا مِنْهُ شَيْئا سوى الْعَفو عَنْهُم
٥٠ - الْمَعْنى يُرِيد خَلفهم أى استبقاهم برد سيوفه عَنْهُم وَجعل رُءُوسهم مَعَهم عَارِية مَتى شَاءَ أَخذهَا // وَهَذَا من أحسن الْكَلَام //
٥١ - الْغَرِيب أَذمّ صيرهم فى ذمامه والعرق الأَصْل والنضار الْخَالِص من كل شئ الْمَعْنى يَقُول عقد الذِّمَّة لَهُم وصيرهم فى ذمامه كرم أَصله وَصِحَّة حَسبه
[ ٢ / ١٠٩ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد أَقَامَ بِهَذَا الْمَكَان مُسْتَقرًّا ونائله لَا يسْتَقرّ
٥٣ - الْمَعْنى يَقُول ذكره قد مَلأ الْآفَاق حَتَّى إِن الشّرْب يغنون بِمَا مدح بِهِ من الْأَشْعَار وَالْعَقار من أَسمَاء الْخمر لِأَنَّهَا عاقرت الدن أى لَزِمته وَأَصله من عقر الْحَوْض وَقيل لِأَنَّهَا عاقرت الْعقل وَقيل شبهت بالعقار وَهُوَ نبت أَحْمَر قَالَ طفيل
(عُقارٌ تظلّ الطَّير تخطَفُ زَهْوه وعالين أعْلاقا على كُلّ مُفْأَمِ)
٥٤ - الْغَرِيب الشفار جمع شفرة وهى حد السَّيْف والقبائل جمع قَبيلَة وهى الْجَمَاعَة من بطُون الْعَرَب الْمَعْنى يُرِيد أَنه لعزته تخضع لَهُ الْعَرَب غَايَة الخضوع وَتَحْمَدهُ السيوف والرماح لحسن اسْتِعْمَاله لَهَا وَيجوز أَصْحَاب الأسنة وَالسُّيُوف لأَنهم يقتلُون بهما الْكفَّار
٥٥ - الْمَعْنى يَقُول لإجلالنا لَهُ ولعظمه عندنَا لَا نملأ أبصارنا مِنْهُ كَقَوْل الفرزدق
(يُغْضِى حَياءً ويُغْضَى مِنْ مَهابته فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حينَ يبْتَسِمُ)
وَبَيت أَبى الطّيب أحسن بقوله شُعَاع الشَّمْس إِلَّا أَن بَيت الفرزدق جَامع ذكر حيائه وَذكر أَنه من إجلاله وهيبته لَا يكلم إِلَّا إِذا ابتسم وَلم يقل إِذا ضحك لِأَن الضحك مَذْمُوم والتبسم من أَفعَال النبى
وَبَين الْبَيْتَيْنِ كَمَا بَين العليين الممدوحين وَهَذَا من قَول الآخر
(إنَّ العُيونَ إِذا رأتْكَ حَدادُها رَجعتْ مِنْ الإجلال غير حِدَادِ)
٥٦ - الْغَرِيب الْحرار العطاش وَقيل هُوَ جمع حران وَالْأُنْثَى حرى مثل عطشى والحران العطشان الأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول قد تفرغ من قتال هَؤُلَاءِ فَمن أَرَادَ مطاعنة فَهَذَا على مَعَه خيل الله والرماح العطاش لِأَنَّهَا لَا تروى من الدَّم
٥٧ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ أبدا يقطع المفاوز فَكل يَوْم هُوَ بِأَرْض
[ ٢ / ١١٠ ]
- الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قلت لَهُ عِنْد قراءتى عَلَيْهِ كسر اللَّام من الِانْتِظَار جيد لسكونها وَسُكُون النُّون وَقَالَ على بن حَمْزَة سَأَلت أَبَا الطّيب عَن فتح اللَّام فَقَالَ اجْتمع ساكنان فحركت اللَّام بحركة مَا قبلهَا وهى اللَّام من لَا الْغَرِيب المفاوز جمع مفازة وهى الفلاة الْمهْلكَة وَإِنَّمَا سميت مفازة تفاؤلا الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا ينزله المفاوز طلب أعدائه لَا انْتِظَار من يلْحقهُ ويخافه وَذَلِكَ أَن الْخَائِف ينزل المفاوز خوفًا مِمَّن يلْحقهُ وَهَذَا ينزلها طلبا لمن يهرب مِنْهُ إِلَيْهَا
٥٩ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن بعض خيله يسر إِلَى بعض شكوى تعبها لما يكلفها من ملاقاة الحروب وَقَالَ يجوز أَن تكون خيله مؤدبة فتصهل سرا هَيْبَة لَهُ قَالَ ابْن فورجة لفظ الْبَيْت لَا يساعده على أحد الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فى الْبَيْت ذكر التشاكى وَلَا المسارة فى الصهيل وَلَكِن الْمَعْنى أَنَّهَا تتصاهل من غير سرار وَلَيْسَ السرَار من عَادَة الْخَيل يُرِيد أَن سيف الدولة لَا يباغت عدوه وَلَا يكتم قصد الْعَدو لاقتداره وتمكنه والذى يطْلب المباغتة يضْرب فرسه على الصهيل كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(إِذا الخيْلُ صاَحتْ صِياحَ النُّسُورِ جَزَرْنا شَرَاسِيفَها بالحِدَم ١)
وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا أَرَادَ أَن خيله إِذا سَارَتْ أخْفى صيلها صَوت الْحَدِيد فَكَأَنَّمَا هى فى سرار وَأَخذه من قَول عنترة
(وازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنا بِلبَانِهِ وَشَكا إلىَّ بعَبْرَةٍ وَتحَمْحُمِ ٢)
٦٠ - الْإِعْرَاب بَنو كَعْب ابْتِدَاء وَخَبره يَد وَمَا أثرت مَعْطُوف على المبتدإ ومعتاه وتأثيرك فَهُوَ مصدر الْغَرِيب السوار مَا يكون فى الزند من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَجمعه سور وسور بِسُكُون الْوَاو وَضمّهَا وأساور وأسورة وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم ﴿فلولا ألقِي عَلَيْهِ أسورة من ذهب﴾ وَجمع الْجمع أساورة وَقيل هُوَ جمع إسوار وأسوار بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا الْمَعْنى يَقُول بَنو كَعْب تشرفوا بك فتأثيرك فيهم بِالْقَتْلِ والغارة كَمَا يدمى السوار الْيَد وَهُوَ جمال لَهَا وَهَذَا مثل ضربه لَهُ فهم قد تشرفوا بسراياك إِلَيْهِم وَإِن كنت قد أهلكتهم كَالْيَدِ إِذا أدماها السوار فقد أوجعها وَهُوَ جمال لَهَا وَقد فسره بقوله
(بهَا )
الْبَيْت
[ ٢ / ١١١ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن الْيَد تفتخر بالسوار وَإِن كَانَ يؤلمها كَذَلِك بَنو كَعْب يفتخرون بك وَإِن كنت قد أثرت فيهم لِأَنَّك زين لَهُم
٦٢ - الْمَعْنى يَقُول لَهُم عَلَيْك حرمتان حُرْمَة النّسَب وَحُرْمَة الْجوَار فينبغى أَن تعطف عَلَيْهِم فهم أنسابك وجوارك أَنْت وهم من نزار
٦٣ - الْإِعْرَاب ذهب أَصْحَابنَا الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن لَام لَعَلَّ الأولى أَصْلِيَّة وَقَالَ البصريون بل هى زَائِدَة حجتنا أَنَّهَا حرف والحروف فى الْحُرُوف كلهَا أَصْلِيَّة لِأَن حُرُوف الزِّيَادَة الْعشْرَة الَّتِى يجمعها
(هويت السمان )
إِنَّمَا تخْتَص بالأسماء وَالْأَفْعَال فَأَما الْأَفْعَال فتزاد فِيهَا وَكَذَا الْأَسْمَاء وَأما الْحَرْف فَلَا يدْخلهُ شئ من هَذِه الْحُرُوف على سَبِيل الزِّيَادَة فَدلَّ على أَن اللَّام أَصْلِيَّة وَيدل على أَنَّهَا أَصْلِيَّة أَن اللَّام لَا تكَاد تزاد فِيمَا يجوز فِيهِ الزِّيَادَة إِلَّا شاذا فَإِذا كَانَت اللَّام لَا تزاد على طَرِيق الشذوذ فَكيف يحكم بزيادتها فِيمَا لَا تجوز فِيهِ الزِّيَادَة وَحجَّة الْبَصرِيين أَنهم قَالُوا وجدناها مستعملة فى كَلَامهم وأشعارهم بِغَيْر لَام وَقَالَ نَافِع الطائى
(ولَسْتُ بلَوَّامٍ على الأمْرِ بعْدَما يفوتُ ولكنْ عَلَّ أنْ أتَقَدَّما)
وَقَالَ العجير السلولى
(لَكَ الخَيرُ عَلِّيْنا بهَا عَلَّ سَاعَة تَمُرُّ وسَعْواءً مِن اللَّيلِ تَذْهَبُ)
الْغَرِيب الْقرح الَّتِى قد اسْتَوَت وَصَارَ لَهَا خمس سِنِين والمهار جمع مهر وَهُوَ الصَّغِير من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول أَوْلَادهم يكونُونَ أجنادا لأولادك يستعطفه عَلَيْهِم فَضرب المهار والقرح مثلا لَهُ
٦٤ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت أبر القادرين يُرِيد أَنْت أبر الَّذين إِذا غضبوا أهلكوا وَإِذا كَانَ أبرهم لم يهْلك وَأَنت أعفى من يُعَاقب بِالْهَلَاكِ
٦٥ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت أقدر من يحركه الِانْتِصَار أى إِذا حركك الانتقام من عَدوك قدرت على مَا تطلب فَأَنت أقدر المنتصرين وَأَنت أحلم من يحملهُ اقتدار على عدوه فيصفح وَيَعْفُو وَإِذا كَانَ الأحلم كَانَ الأعفى والأصفح عَن الْعَدو إِذا اقتدر عَلَيْهِ
[ ٢ / ١١٢ ]
- الْغَرِيب العبدان ١ جمع عبد والأرباب جمع رب وَهُوَ الْملك الْمَعْنى يَقُول هم عبيدك وَلَيْسَ فى سطواتك عَلَيْهِم عيب وَلَا فى ذلتهم لَك وخضوعهم عَار وَهَذَا كَقَوْل النَّابِغَة
(وعَيَّرَتْنِى بَنو ذُبيانَ رَهْبَتَهُ ٢ وَهَلْ علىَّ بأنْ أخشاكَ مِن عارِ)
وكقول الآخر
(وإنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَفِعْلَهُ لكالدَّهر لَا عارٌ بِمَا فعلَ الدَّهْرُ ٣)
[ ٢ / ١١٣ ]
- ١ - الْإِعْرَاب بَقِيَّة قوم خبر ابْتِدَاء أى نَحن بَقِيَّة قوم
الْغَرِيب الْبَوَار الْهَلَاك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار﴾ والأنضاء جمع نضو وَهُوَ المهزول من النَّاس وَغَيرهم وَالشرب جمع شَارِب وَالْعَقار الْخمر الْمَعْنى يَقُول نَحن بَقِيَّة قوم علمُوا بِالْهَلَاكِ فَأعْلم بَعضهم بَعْضًا بِأَنَّهُ مالكون وَنحن مهازيل لَا حراك بِنَا من الْجهد والتعب كأننا سكارى
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الرِّيَاح تحكمت فِينَا بِهَذَا الْمَكَان حَتَّى سترتنا بالحصى وَالْغُبَار
٣ - الْمَعْنى يَقُول شدا رحالكما على الْإِبِل وارحلا عَن هَذَا الْمَكَان قبل هجوم اللَّيْل وَعَلَيْهَا كِنَايَة عَن الْإِبِل وَلم يجر لَهَا ذكر وَحذف الْمَفْعُول يُرِيد شدا عَلَيْهَا الرّحال
٤ - الْمَعْنى يَقُول لَا تنكرا عصف الرِّيَاح وشدتها فَإِنَّهَا طَعَام من بَات ضيف سوار وَهُوَ الذى هجاه بِهَذَا الْبَيْت لأَنهم نزلُوا عِنْد دَاره فى مَسْجِد وَلم يقرهم وَلم يلْتَفت إِلَيْهِم وروى قوم عِنْد سوارى يُرِيد سوارى الْمَسْجِد وهى أساطينه وَهَذَا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَن هبوب الرِّيَاح لَا يخْتَص بالأساطين وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الرّيح اضطرتنا إِلَى النُّزُول عِنْد هَذَا الرجل وَلم يكن مِمَّن ينزل عِنْده
١٠٢
- ١ - الْمَعْنى يَقُول إِ ذَا لم تَجِد القناعة والكفاية فاطلب مَا يقطع الْعُمر وَهُوَ قتل الْأَعْدَاء وَطلب الْملك والرياسة
٢ - الْمَعْنى يَقُول هما خصلتان إِمَّا الْغنى أَو الْمَوْت فانهض إِمَّا لتكسب المَال وَإِمَّا لتقتل
[ ٢ / ١١٤ ]
- ١ - الْغَرِيب حاشاه توقاه وتجنبه والضمائر جمع ضمير وَهُوَ مَا يضمره الْإِنْسَان ويخفيه وغيض الدمع نَقصه وحبسه وانهلت انصبت بوادره وهى سوابقه الْمَعْنى يَقُول لما نظر إِلَى محبوبه فتوقى رقيبه وَأَرَادَ أَن يحبس دمعه خانته الضمائر والدمع أى ظَهرت للرقيب من غير قصد وَإِرَادَة وَلم يقدر لشدَّة الْحبّ أَن يحبس دمعه
٢ - الْمَعْنى أَنه يعْتَذر لما فى الْبَيْت الأول يَقُول الْمُحب إِذا رأى الحبيب لَا سِيمَا عِنْد الْفِرَاق لَا يقدر على إخفاء الوجد وَإِنَّمَا هُوَ مفتضح بالدمع وستره منتهك لِأَنَّهُ يجزع ويبكى فيستدل عَلَيْهِ بالبكاء والجزع
٣ - الْإِعْرَاب ضباء عدى مَرْفُوعَة عندنَا بلولا وَعند الْبَصرِيين بِالِابْتِدَاءِ وَحجَّتنَا أَنَّهَا ترفع الِاسْم لِأَنَّهَا نائبة عَن الْفِعْل الذى لَو ظهر لرفع الِاسْم لِأَنَّك تَقول لَوْلَا زيد لجئت أى لَو لم يمنعنى زيد إِلَّا أَنهم حذفوا الْفِعْل تَخْفِيفًا وَزَادُوا لَا على لَو فصارا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد كَقَوْلِهِم أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك تَقْدِيره أَن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك قَالَ الشَّاعِر
(أَبَا خُرَاشَةَ أمَّا أنتَ ذَا نفرٍ فإنَّ قَوْمِى لم تأكلْهُمُ الضَّبُعُ ٢)
تَقْدِيره أَن كنت فَحذف الْفِعْل وَزَاد مَا عوضا عَن الْفِعْل كَمَا كَانَت الْألف فى اليمانى عوضا عَن إِحْدَى ياءى النّسَب والذى يدل على أَنَّهَا عوض عَن الْفِعْل أَنه لَا يجوز ذكر الْفِعْل مَعهَا لِئَلَّا يجمع بَين الْعِوَض والمعوض وَحجَّة الْبَصرِيين على أَنه يرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ دون لَوْلَا أَن الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وَلَوْلَا غير مُخْتَصَّة بِالِاسْمِ فقد قَالَ الشَّاعِر
(لِلهِ دَرُّكَ إنّى قَدْ رَمَيْتُهُمُ لوْلا حُدِدْتُ وَلَا عْذْرَى لمحدود)
الْغَرِيب الربرب القطيع من بقر الْوَحْش والجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا هَذِه الظباء كنى عَن النِّسَاء بالظباء وَكَذَلِكَ عَادَة الْعَرَب وعدى قَبيلَة وَالنّسب إِلَيْهِم عدوى وهم من قُرَيْش يُرِيد هَؤُلَاءِ النِّسَاء العدويات اللاتى هن كالظباء فى عيونهن وأجيادهن لم أشق بهم أى أحمل الذل مِنْهُم وَلَا شقيت بالربرب لَوْلَا الصغار يُرِيد لَوْلَا الشواب المليحات لم أشق بالكبار فى مضايقتهن
[ ٢ / ١١٥ ]
- الْإِعْرَاب من كل يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره لَوْلَا جآذره كائنة من كل وَيجوز بلائى من كل أحور وخمر قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ بدل من شنب كَأَنَّهُ قَالَ فى أنيابه خمر قد خالطت الْمسك وَهَذَا قَول كل من فسر الدِّيوَان إِلَّا الواحدى فَإِنَّهُ قَالَ يبعد إِبْدَال الْخمر من الشنب لِأَنَّهُ لَيْسَ معنى الْخمر بل خمر رفع بِالِابْتِدَاءِ ومخامرها ابتد ثَان ومسك خَبره وهما فِي مَحل الرّفْع بالْخبر عَن خمر وَالضَّمِير فِي تخامره للشنب يُرِيد أَن خمرًا قد خامرها الْمسك تخامر ذَلِك الشنب وعَلى رِوَايَة من روى يخامرها هَذِه الْجُمْلَة صفة للنكرة الَّتِى هى خمر وَخَبره تخامره الْغَرِيب الأحور شَدِيد بَيَاض الْعين والشنب صفاء الْأَسْنَان ورقة مَائِهَا وَقَالَ الأصمعى الشنب برد الْفَم والأسنان وعذوبة فى الْفَم وَأنكر قَول من قَالَ هُوَ حِدة الْأَسْنَان وَأنْشد لذى الرمة
(لَمْياَءُ فى شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفى اللِّثاتِ وفى أنْيابِها شَنَبْ)
يُرِيد أَن اللثة لَا تكون فِيهَا حِدة الْمَعْنى يَقُول قَتْلَى من كل أحور فى أنيابه خمر يخالطها مسك وعذوبة فى رِيقه وَبرد فى أَسْنَانه
٥ - الْإِعْرَاب من رفع نعجا وَمَا بعْدهَا كَانَت خبر الِابْتِدَاء تقدّمت عَلَيْهِ وَمن خفضها جعلهَا صفة لأحور وَرفع بهَا المحاجر وَمَا بعْدهَا الْغَرِيب نعج جمع أنعج والنعج هُوَ الْبيَاض والدعج السوَاد وَرجل أدعج وَامْرَأَة دعجاء والغفائر جمع غفارة وهى خرقَة تكون على الرَّأْس تقى بهَا الْمَرْأَة الْخمار من الدّهن وَقد يكون اسْما للخمار وَجعلهَا حمرا لِكَثْرَة اسْتِعْمَال الطّيب والمحاجر جمع محجر وَهُوَ مَا حول الْعين والغدائر جمع غديرة وهى الذؤابة من الشّعْر الْمَعْنى يَقُول هن بيض المحاجر لبياض ألوانهن سود الْأَعْين حمر المقانع لِكَثْرَة طيبهن بالمسك والزعفران سود الذوائب وَقد أحسن فى التَّقْسِيم
[ ٢ / ١١٦ ]
- الْمَعْنى يُرِيد بسقم الْعين الفتور وَهُوَ من الْوَصْف الْحسن قَالَ ابْن المعتز
(ضعيفَةٌ أجْفانُهُ والقلبُ مِنْهُ حَجَرُ )
(كأنَما ألحاظُهُ من فِعله تَعْتَذِرُ )
وكقول الآخر
(وأسقَمنى حَتَّى كأنى جُفُونُهُ وأثُقَلَنِى حَتَّى كأنى رَوَادِ فِهُ)
وكقول مَنْصُور بن الْفرج
(حَلَّ فى جسمّى مَا كَا نَ بعَيْنَيكَ مُقِيما)
وَمثله للبحترى
(وكأنّ فى جسمى الذى فى ناظِرَيك مِنَ السَّقَمْ)
وَقَالَ السرى الموصلى
(ونواظرٍ نظر المحبّ فُتورَها لما استقلَّ الحَىُّ فى أَعْضَائِهِ)
وَقَوله ﴿وَمَا تحوى من مآزره﴾ جمع إِزَار وَيُرِيد الكفل وَذكر الكفل فى الشّعْر وَغَيره لَيْسَ بجيد وَإِن كَانَ قد ذكره قوم من الْعَرَب
٧ - الْغَرِيب المضافرة المعاونة الْمَعْنى من قَوْلهم قلب العاشق عَلَيْهِ مَعَ حَبِيبه يُرِيد أَن قلبه يُعينهُ على قَتله حَتَّى لَا يسلو مَعَ مَا يرى من كَثْرَة الْجفَاء وَهَذَا من قَول خَالِد الْكَاتِب
(وكنتُ غِرّا بِمَا تجنى علىّ يدىِ لَا عِلْمَ لى أنَّ بعضى بعض أعدائى)
وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(كيفَ احْتِراسى من عدوّى إِذا كَانَ عدُوّى بينَ أضْلاعى)
٨ - الْمَعْنى يَقُول لما عَادَتْ دولة هَذَا الممدوح وَذَلِكَ أَنه كَانَ عزل عَن عمل ثمَّ عَاد إِلَى عمله سلوت حبك ونمت اللَّيْل بعد مَا كنت أسهره وَهَذَا نقص لِأَن الْمُحب الصَّادِق لَا يَنْفَكّ عَن المحبوب وَلَا يسلوه أحسن إِلَيْهِ أم أَسَاءَ وَلَقَد أحسن البحترى بقوله
(أُحِبُّ على أيِّما حالَةٍ إساءَةَ لَيْلَى وإحْسانَها)
والمحب الصَّادِق كلما عنت لَهُ خطرة من السلو رده الْحبّ الصَّادِق عَمَّا كَانَ عزم وَلَقَد أحسن البحترى أَيْضا بقوله
(أحْنُو علَيك وفى فُؤَادى لَوْعَةٌ وأصدّ عَنْك ووجهُ وُدّى مُقبلُ)
(وَإِذا طلَبتُ وصالَ غيرِكَ رَدَّنى وَلَهٌ إلَيكِ وشافعٌ لكِ أوّلُ)
[ ٢ / ١١٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول من بعد مَا كنت أقاسى من الْهم والحزن مَا يسهرنى فَيطول على اللَّيْل حَتَّى كَأَن ليلى مُتَّصِل بِيَوْم الْحَشْر // وَهَذَا من أحسن الْكَلَام // وَهُوَ من قَول خَالِد الْكَاتِب
(رقدتَ وَلم تَرْثِ للسَّاهر ولَيْلُ المحِبّ بِلَا آخِرِ)
وَقَالَ الآخر
(كأنّ ليلِى كلُّه أوَّلٌ فِيهَا فَلَا يُقْضَى لَهُ آخِرُ)
١٠ - الْمَعْنى أَن هَذَا الممدوح لما غَابَ بعزله عَن الْبَلَد كَادَت المنابر تبكى شوقا وطربا إِلَى ذكر اسْمه وَهَذَا من قَول الآخر
(بكَتِ المنابرُ يومَ ماتَ وَإِنَّمَا أبكى المنابرَ فَقدُ فارِسِهُنَّهْ)
وَمن قَول أَشْجَع السلمى
(فمَا وَجهُ يحيى وَحْدَهُ غابَ عنهُمُ ولكنَّ يحيى غابَ بالخَير أجمَعا)
١١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أَرْبَعَة للبلد وَكَذَا فى مقابره الْغَرِيب الأسى الْحزن والأربع جمع ربع والوحشة مَا يجده الْإِنْسَان من الْحزن عِنْد وحدته الْمَعْنى يَقُول قد أحزنت غيبته الْأَحْيَاء حَتَّى أحست بذلك دُورهمْ والموتى حزنوا حَتَّى خبرت عَنْهُم الْمَقَابِر فالأحياء والأموات محزنون عَلَيْهِ
١٢ - الْغَرِيب الإهلال رفع الصَّوْت وَمِنْه الإهلال بِالتَّلْبِيَةِ والقباب الَّتِى تتَّخذ للزِّينَة الْمَعْنى يُرِيد أَن أهل البدو والحضر رفعوا أَصْوَاتهم سُرُورًا بقدومه
[ ٢ / ١١٨ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى جددت لعودة الدولة الْمَعْنى يَقُول قد جددت دولته فَرحا لَا يغلبه الْغم وَلَا تجاوره شدَّة الشوق بعد هَذَا الْفَرح فى كل قلب يُرِيد لَا يسكنهُ الْعِشْق
١٤ - الْغَرِيب حمص بلد بِالشَّام بَينه وَبَين دمشق ثَلَاثَة أَيَّام والوسمى أول مطر الخريف وَهُوَ الذى يسم فى الأَرْض وباكره أَوله وَمِنْه باكورة الثِّمَار الْمَعْنى يَقُول إِذا غبت عَن حمص لَا خلت أبدا دُعَاء لَهَا فَلَا أنبتت وَلَا سَقَاهَا أول الْغَيْث الوسمى قَالَ أَبُو الْفَتْح
(لَا خلت أبدا )
هُوَ // اعْتِرَاض حسن // لما فِيهِ من تسديد الْكَلَام
١٥ - الْمَعْنى يَقُول لما دخلت حمص دَخَلتهَا فى وَقت إشراق الشَّمْس وشعاعها يتوقد وَهُوَ ضياؤها لَكِن نور وَجهك قد غلب ضوء الشَّمْس
١٦ - الْغَرِيب الفيلق الْعَسْكَر وَجعله من حَدِيد لِكَثْرَة مَا لبس فِيهِ من الْحَدِيد فَلَو حَارَبت بِهَذَا الْعَسْكَر صرف الزَّمَان وهى صروفه وحركاته الَّتِى تأتى على النَّاس حَالا بعد حَال لما دارت على النَّاس دوائره
١٧ - الْغَرِيب الطَّائِر الفأل وَالْعرب تتفاءل فى الْخَيْر وَالشَّر بِمَا طَار الْمَعْنى يَقُول الْعُيُون ذَاهِبَة فى نظرها قد شخصت إِلَى الْملك المسعود جده لَا تنظر إِلَى غَيره
١٨ - الْغَرِيب أظافره أَرَادَ أظافيره فَاكْتفى بالكسرة من الْيَاء وَهُوَ جمع أظفور وأظفار الْمَعْنى يَقُول قد حارت الْأَبْصَار فى هَذَا الْبشر الممدوح وَجعله أسدا فى درعه لشجاعته وأظفاره تتلطخ بِالدَّمِ لافتراسه الْأَعْدَاء واستعار لَهُ الْأَظْفَار الدامية
[ ٢ / ١١٩ ]
- الْغَرِيب الْخَلَائق جمع خَلِيقَة وهى الْخلق وشوس جمع أشوس وَهُوَ الذى ينظر نظر المتكبر والحقيقة مَا يحِق على الرجل حفظه من الْأَهْل وَالْجَار وَفُلَان حامى الْحَقِيقَة الْمَعْنى يَقُول أخلاقه حلوة وحقائقه محمية مَمْنُوعَة لَا يقدر أَن ينالها أحد فهى منيعة امْتنَاع المتكبر ومآثره أى أَفعاله الحميدة كَثِيرَة حَتَّى إِنَّهَا لَا تحصى كَثْرَة
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول صَدره وَاسع كَأَنَّهُ لسعته فَوق سَعَة الدُّنْيَا وَالْكِنَايَة فى عساكره للممدوح وَهَذَا من قَول أَبى تَمام
(وَرُحْبَ صَدْر لَو أنّ الأرضَ واسعةٌ كَوُسْعِهِ لم يَضِق عَن أهلهِ بَلَدُ)
٢١ - الْغَرِيب التغلغل الدُّخُول فى الشئ الْمَعْنى أدنى مجده يسْتَغْرق الْفِكر والخواطر إِن أَرَادَ أَن يصفه
٢٢ - الْغَرِيب حمى الشئ يحمى حميا فَهُوَ حام وحم إِذا اشْتَدَّ حره والعشائر جمع الْعَشِيرَة وهم الْأَهْل والأقارب الْمَعْنى يُرِيد إِذْ حَارب الْأَعْدَاء وَاشْتَدَّ غَضَبه غضِبت سيوفه عَلَيْهِم مَعَه حَتَّى كَأَنَّهَا أَقَاربه الَّذين يغضبون لغضبه وَهُوَ من قَول حبيب
(كَأَنَّهَا وَهْىَ فى الأوْداجِ وَالِغَةٌ وفى الكُلى تجدُ الغيظَ الذى تَجدُ)
وَقَول البحترى
(ومُصْلَتاتٍ كأنَّ حِقْدًا بهاَ على الهَامِ والرّقابِ)
٢٣ - الْمَعْنى يَقُول إِذا جردها من الأغماد يَوْم الْحَرْب تقطع الْأَعْدَاء إربا إربا حَتَّى تبدو بواطن أَجْسَادهم كَمَا تبدو ظواهرها
٢٤ - الْمَعْنى يَقُول علمت سيوفه أَن الْحق فى يَده ووثقت بنصر الله تَعَالَى لَهُ لِكَثْرَة مَا شاهدت ذَلِك مَعَه وَالْمعْنَى لَو أَنَّهَا مِمَّن يعلم لعَلِمت وَهَذَا من قَول النَّابِغَة
(جَوانحَ قد أيْقَنَّ أنَّ قبيلَهُ إِذا مَا التقى الْجَمْعَانِ أول غَالب)
[ ٢ / ١٢٠ ]
- الْغَرِيب بَنو عَوْف وثعلبة قبيلتان من الْعَرَب والمغافر جمع مغفر وَهُوَ الذى يلبس على الرَّأْس وسمى مغفرا لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول سيوفه تركت هَؤُلَاءِ القبيلتين رُءُوسًا بِلَا أبدان يُرِيد أَنه لما قَتلهمْ جَاءُوا برءوسهم وَعَلَيْهَا المغافر وَقد فرقوا بَينهَا وَبَين الْأَجْسَام والهام جمع هَامة وهى أَعلَى الرَّأْس الْإِعْرَاب الْكِنَايَة فى مغافرة عَائِدَة إِلَى الْهَام ومغافرة رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره على رُءُوس وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بتركن
٢٦ - الْغَرِيب زخر الْبَحْر يزخر زخورا إِذا طمى موجه وَعلا وبحر الْمَوْت الْحَرْب والمعركة الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد ببحر الْمَوْت المعركة الممتلئة بِالدَّمِ أى خَاضَ ذَلِك الْبَحْر خلف هَؤُلَاءِ إِلَّا أَنه لم يعرف وَلم يبلغ مَاؤُهُ فَوق كَعبه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ركب مَعَهم أمرا عَظِيما عَلَيْهِم صَغِيرا عَلَيْهِ وبحر الْمَوْت مثل الْأَمر الْعَظِيم فَهُوَ صَغِير عِنْده كَبِير عِنْدهم
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول إِذا بلغ الْفرس نِهَايَة الجرى من كَثْرَة الْقَتْلَى لم تقع حوافرة على الأَرْض وَإِنَّمَا يطَأ الأجساد لَا الأَرْض لِأَن الْقَتْلَى قد صَارُوا كالفرش على الأَرْض
٢٨ - الْغَرِيب الأسنة الرماح والولوغ شرب السبَاع بألسنتها ولغَ الْكَلْب يلغ ولغا وولوغا وَمِنْه الحَدِيث " إِذا ولغَ الْكَلْب فى إِنَاء أحدكُم " والبواتر السيوف القواطع الْمَعْنى يَقُول كم من دم قد رويت الأسنة مِنْهُ وَكم من مهجة والمهجة دم الْقلب قد ولغت فِيهَا سيوفه
٢٩ - الْغَرِيب الحائن الْهَالِك والنسر الطَّائِر من الْجَوَارِح وَهُوَ عَظِيم الْخلقَة الْمَعْنى يَقُول كم من هَالك قد هجرته الْحَيَاة وزاره هَذَا الطَّائِر ليَأْكُل لَحْمه ولعبت الرماح بِهِ أى تمكنت مِنْهُ وقدرت عَلَيْهِ
٣٠ - الْمَعْنى يَقُول الذى لَا يجعلك خير النَّاس جَاهِل بك وبقدرك وجهله عاذره
[ ٢ / ١٢١ ]
- الْغَرِيب خاطر من الْخطر الذى يكون بَين المتراهنين يُقَال خاطرته على كَذَا أى راهنته عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يكون فى السباق وفى رمى النبل الْمَعْنى يَقُول إِذا شكّ إِنْسَان فى أَنَّك فَرد لَا نَظِير لَك فى زَمَانك فإنى لَا أَشك فى أَنَّك فَرد بِلَا نَظِير فإنى أخاطره فى روحى فَإِن وجد لَك نَظِير اسْتحق روحى
٣٢ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّك الذى ألجأ إِلَيْهِ وآمالى مَا أبلغهَا إِلَّا بِهِ وَأَعُوذ بِهِ مِمَّا أَخَاف لأنى بِهِ أنجو مِنْهُ وَبِه أدْرك مَا أرجوه وآمن مِمَّا أخافه وَمثله لِابْنِ الرومى
(وَلَا العائذُ اللاجى إِلَيْهِ بخائفٍ وَلَا الرَّائدُ الراجى نداهُ بخائبِ)
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول يَا من توهمت أَن كَفه الْبَحْر لجوده وَأَن الذى يعْطى للنَّاس جواهره
٣٤ - الْغَرِيب الهيض الْكسر وهاض الْعظم فَهُوَ مهيض وانهاض إِذا انْكَسَرَ بعد الْجَبْر الْمَعْنى يَقُول إِذا أفسد أمرا لم يقدروا على إِصْلَاحه وَإِذا أصلح أمرا لم يقدروا على إفساده وَالْمعْنَى أَنهم لَا يقدرُونَ على خِلافك بِحَال من الْأَحْوَال وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمَ مَا كَسَرُوا وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمَ مَا جَبرُوا)
٣٥ - الْمَعْنى يُرِيد أَن البلى تسلط عَلَيْهِ حَتَّى أذهب جدته وَذَهَبت نضارته فى السجْن
[ ٢ / ١٢٢ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول قد شَككت فِيمَا ذقته من فِيك فَمَا أدرى أخمر أم مَاء الْمَطَر لِأَنَّهُ أطيب الْمِيَاه وأحلاها أم هُوَ ريقك وَهُوَ بَارِد فى فمى حَار فى كبدى لِأَنَّهُ يذكى نَار الشوق ويهيج الْمحبَّة
٢ - الْإِعْرَاب قَالَ جمَاعَة أم هُنَا مُنْقَطِعَة وَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِكُل وَاحِد مِمَّا ذكر فيريد أذا الْغُصْن أذا الدعص أَأَنْت فتْنَة وَالْألف للاسفتهام وذيا تَصْغِير ذَا وَهُوَ تَصْغِير محبَّة وشفقة الْغَرِيب الدعص هُوَ الْكَثِيب الصَّغِير الْمَعْنى يُرِيد أَن قوامها غُصْن وردفها كثيب وهى فتْنَة للنَّاس كَقَوْل أَبى نواس
(قَمَرٌ لوْلا مَلاحَتُهُ خَلَتِ الدُّنْيا مِنَ الفِتَنِ)
وَيُرِيد أَن ثغرها برق لضوئه ونقائه قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ بِالتَّصْغِيرِ هُنَا صغر أسنانها وَقَالَ الواحدى لِأَن ثغرها مَحْبُوب عِنْده قريب من قلبه
٣ - الْمَعْنى يَقُول تعجبت عواذلى من رُؤْيَة الشَّمْس فى اللَّيْل لِأَنَّهُنَّ حسبن وَجه من أهواه شمسا وَخص العواذل لِأَنَّهُنَّ ينكرن عَلَيْهِ حبه فَكَانَ ذَلِك أدل لَهُ على حسنها حَتَّى يقوم عذره عِنْد عواذله وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول يزِيد
(وسَاق لهُ سَبْعٌ وسَبْعٌ كأنَّهُ هِلالٌ لَهُ خَمْسٌ وخَمْسٌ وأرْبَعُ)
(إِذا زَفَّها فى الكأسِ واللَّيلُ مُظْلِمٌ تيَقَّنْتَ أنَّ الشَّمسَ فى اللَّيلِ تَطلُعُ)
وَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ
(فَرُدَّتْ علَيْنا الشَّمسُ واللَّيلُ راغِمٌ بشمسٍ لهمْ من جانِبِ الخِدْرِ تَطْلُعُ)
(نضَا ضَوْءُها صِبْغَ الدُّجُنَّةِ وانْطَوَى لبهْجَتها ثَوْبُ الظَّلامِ المجَزَّعُ)
[ ٢ / ١٢٣ ]
- الْغَرِيب الظبا أَطْرَاف السيوف قَالَ النهشلى
(إِذا الكُماةُ تنَحَّوا أَن ينالَهُمُ حَدُّ الظُّباتِ وصَلناها بأيْدينا)
وَأَصله ظبو وَالْهَاء عوض من الْوَاو وَالْجمع أظب فى أقل الْعدَد مثل أدل وظبات وظبون بِالْوَاو وَالنُّون قَالَ كَعْب بن مَالك
(تَعاوَرُ أيمانُهُمْ بَيْنَهُمْ كُؤُسَ المَنايا بحدّ الظُّبينا)
الْمَعْنى يَقُول رأين الَّتِى تقتلنى بِسحر عينيها وَلما جعلهَا قاتلة اسْتعَار لَهَا سيوفا
٥ - الْمَعْنى يَقُول هى حَسَنَة فى الحركات والسكون وَسُكُون الْحَرَكَة فِيهَا قد بلغ النِّهَايَة فَإِذا أبصرهَا مبصر مَاتَ من فرط حبها فهى قاتلة من رَآهَا بِشدَّة الْحبّ
٦ - الْغَرِيب العنس النَّاقة الصلبة وَيُقَال هى الَّتِى اعنونس ذنبها أى وفر وَكثر قَالَ العجاج
(كَمْ قَدْ حَسَرْنا من علاةٍ عَنْسِ كَبْداءَ كالقوْسِ وأُخْرَى جَلْسِ)
الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يحدوها بمدحكم فتقوى على السّير وَالْعرب تَقول إِن الْإِبِل إِذا سَمِعت الْغناء والحداء نشطت للسير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أحدوها بمدحكم فأصون بِهِ لَحمهَا ودمها ويفسره مَا بعده وَقَالَ الواحدى أحدوها بمدحكم فَيقوم لَهَا الشّعْر مقَام اللَّحْم وَالدَّم فيقويها على السّير وروى الخوازمى الشّعْر بِفَتْح الشين وَقَالَ الْمَعْنى أَنَّهَا هزلت فَلم يبْق مِنْهَا غير الشّعْر وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِكَسْر الشين لِأَنَّهُ لَا شعر لِلْإِبِلِ وَإِنَّمَا لَهَا الْوَبر
٧ - الْغَرِيب نضحت الشئ بِالْمَاءِ رششته عَلَيْهِ ونضحت أنضح بِالْكَسْرِ والنضح هُوَ الشّرْب دون الرى والنضيح الْحَوْض وَجمعه نضح والنضح بِالتَّحْرِيكِ وَجمعه أنضاح وَقَالَ ابْن الأعرابى إِنَّمَا سمى الْحَوْض نضيحا لِأَنَّهُ ينضح عَطش الْإِبِل أى يبله الْمَعْنى يَقُول أبرد بذكراكم وبشعرى الذى فِيكُم حرارة قلب هَذِه النَّاقة فتسرع وَيقرب عِنْدهَا الْبعد لنشاطها بذكراكم ومدحكم
[ ٢ / ١٢٤ ]
- الْغَرِيب يلحم أى يُمكن السَّيْف من لحم اللَّيْث من ألحمت الرجل إِذا قتلته فَهُوَ ملحم ولحيم وَاللَّيْث من أَسمَاء الْأسد الْمَعْنى يُرِيد أَنه يَجعله طعمة للسيف وَوَصفه بِأَنَّهُ بَحر كرم يغرق فِيهِ بَحر المَاء لِأَنَّهُ أعظم مِنْهُ وَأكْثر جودا ونفعا
٩ - الْغَرِيب التليد المَال الْمَوْرُوث من الْآبَاء الْمَعْنى قَالَ الواحدى سَارَتْ إِلَيْهِ ناقتى وَإِن لم أكن واثقا بإبقاء نواله شَيْئا من مَاله وَذَلِكَ أَن جوده يبْقى الْيَسِير من مَاله كَمَا أَن الهجر يبْقى من العاشق النَّفس والرمق وَالْعِظَام وَهَذَا وجوده يبْقى الْيَسِير لِكَثْرَة قاصديه وعطائه
١٠ - الْغَرِيب احتوى الشئ واحتوى عَلَيْهِ أَخذه والردينية الرماح منسوبة إِلَى ردينة امْرَأَة كَانَت تعْمل الرماح الْمَعْنى يَقُول كل يَوْم تحتوى رماح المعالى على أَمْوَاله جودا وكرما فَهُوَ يفرق أَمْوَاله فِيمَا يصل بِهِ إِلَى الْمجد والمعالى فَمَا لَهُ معرض لرماح المعالى فهى مستولية عَلَيْهِ واستعار للمعالى رماحا لما جعلهَا آخذه مَاله والرماح الْحَقِيقِيَّة لَا تقدر أَن تصل إِلَى مَاله بِالْحَرْبِ وَالْغَصْب فَإِنَّهُ لِشِدَّتِهِ وَقُوَّة عدده لَا يقدر أحد أَن يغالبه
١٢ - الْغَرِيب النزر الْقَلِيل الْمَعْنى يَقُول لَو أطاعت الدُّنْيَا كَفه لفرقها كلهَا وَكَانَت قَلِيلا عِنْده لِكَثْرَة عطاياه لِأَن هباته كَثِيرَة فَلَو ملك الدُّنْيَا لفرقها بأسرها كَقَوْلِه
(أرْجُو نداكَ وَلَا أخشَى المِطالَ بِهِ يَا مَنْ إِذا وَهَبَ الدُّنيا فقد بَخِلا)
١٣ - الْمَعْنى قدره لعظمه يُرِيد قدر الدُّنْيَا حَقِيرًا وَكَذَلِكَ كل شئ عَظِيم عِنْده حقير لعظم قدره على كل شئ والعاقل اللبيب من يحتقر الدُّنْيَا لانها زائلة فانية
[ ٢ / ١٢٥ ]
- الْإِعْرَاب تَخِر جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ من المضاعف وفتحه قوم وَرَفعه آخَرُونَ فَأَما إِذا كَانَ مَعَه ضمير فالرفع عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَا غير كَقَوْلِه لم يردهُ وَمَا أشبهه وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر ﴿لَا يضركم﴾ بِرَفْع الرَّاء وَهُوَ جَوَاب الشَّرْط الْغَرِيب الشعرى نجم مَعْرُوف وعبدته الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنه هُوَ رب الشعرى﴾ الْمَعْنى يُرِيد أَن وَجهه أتم نورا من نور الشعرى وهى العبور فَلَو أَشَارَ بِوَجْهِهِ إِلَى السَّمَاء لسقطت الشعرى حَيَاء وخجلة مِنْهُ وانكسف الْبَدْر من ضوء وَجهه
١٥ - الْإِعْرَاب تَرَ بغيرياء بدل من جَوَاب الشَّرْط وَمن رَوَاهُ بِالْيَاءِ جعله استئنافا للمخاطب وَالْمعْنَى ترى أَيهَا الرائى بِرُؤْيَتِهِ الْملك الأرضى وَالْملك الذى لَهُ الْملك بعد الله يُرِيد لَا ملك إِلَّا الله وَلِهَذَا وروى ﴿ترى الْقَمَر الأرضى﴾
١٦ - الْغَرِيب السهاد هُوَ السهر وَلَكِن لَا يسْتَعْمل إِلَّا فى الساهر فى الشدَّة والسهر يسْتَعْمل فى غير ذَلِك والأرق هُوَ الْفِكر فى اللَّيْل والسهر وأرقت بِالْكَسْرِ إِذا سهرت وَكَذَلِكَ ائترقت على افتعلت فَأَنا أرق الْمَعْنى يَقُول هُوَ يسهر ليله من غير مرض يُوجب أَن يسهر وَإِنَّمَا سهره افتكار فِيمَا يُوجب الشّرف وَالْمجد فسهره لذَلِك
١٧ - الْغَرِيب منن جمع منَّة وَهُوَ من الامتنان على النَّاس بالإنعام والإعطاء الْمَعْنى يَقُول مننه على النَّاس كَثِيرَة حَتَّى كَأَنَّهَا قد أفنت الثَّنَاء واستغرقته فَكَأَنَّهَا قد حَلَفت بالممدوح أَلا يبلغ أحد تَمام شكرها وَالْقسم بِهِ عَظِيم لَا يجرى فِيهِ حنث فهى زَائِدَة على ثَنَاء من أثنى عَلَيْهِ وشكر من شكره
١٨ - الْغَرِيب بحتر قَبيلَة من طيىء وهم قَبيلَة هَذَا الممدوح الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفَخر لمن يسْتَحق الْفَخر فَيكون من أَهله وكل من هُوَ لَيْسَ من قبيلتك لَيْسَ لَهُ فَخر لأَنهم فَخَروا على النَّاس بك
[ ٢ / ١٢٦ ]
- الْغَرِيب الْحَضَر الْحَاضِرُونَ فى الْبِلَاد وهم جمع حَاضر وَالسّفر المسافرون الْمَعْنى يُرِيد هم النَّاس فى الْحَقِيقَة إِلَّا أَن الله تَعَالَى خلقهمْ من طِينَة المكارم لِكَثْرَة مَا جعل فيهم من الْكَرم فالحضر يغنى بمدائحهم وَالسّفر يَحْدُو إبلهم بمدحهم والمقيم وَالْمُسَافر قد اشْتَركَا فى الثَّنَاء عَلَيْهِم والمدح لَهُم
٢٠ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى ضرب الْمثل إِنَّمَا يكون لشبه عين بِعَين أَو وصف بِوَصْف فَإِذا كَانَ هُوَ أجل وَأَعْلَى من كل شئ لم يكن ضرب الْمثل بشئ فى مدحه وَهَذَا معنى قَوْله
(أم من أقيسه إِلَيْك )
وَوصل الْقيَاس بإلى لِأَن فِيهِ معنى الضَّم وَالْجمع كَأَنَّهُ قَالَ من أضم إِلَيْك فى الْجمع بَيْنكُمَا والموازنة وَأهل الدَّهْر دُونك والدهر الذى يأتى بِالْخَيرِ وَالشَّر دُونك لِأَنَّهُ لَا يتَصَرَّف إِلَّا على مرادك وَأَنت تحدث فِيهِ النِّعْمَة والبؤس
[ ٢ / ١٢٧ ]
- ١ - الْغَرِيب اللبيب الْعَاقِل والغرور مَا يغتر بِهِ الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول واللبيب خَبِير يُرِيد أَنه لَبِيب لذَلِك علم أَن الْحَيَاة غرور يغتر بهَا الْإِنْسَان وَهُوَ وَإِن دَامَت سَلَامَته وطالت حَيَاته فَهُوَ مغتر لِأَن الدُّنْيَا تغر بِهِ لَا تدوم لَهُ وَهَذَا كَقَوْل البحترى
(وليسَ الأمانِى فى البقاءِ وَإنْ مَضَتْ بِها عادةٌ إِلَّا أحاديثُ باطلِ)
وَمثله فى الْمَعْنى لِابْنِ الرومى
(وَمَنْ يَرْجُو مُسالَمة اللَّيالى لَمَغْرُورٌ يُعَلَّلُ بالأمانِى)
٢ - الْإِعْرَاب مَا زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وحرفا الْجَرّ يتعلقان بالفعلين يُعلل وَيصير الْمَعْنى يَقُول رَأَيْت كل أحد يُعلل نَفسه بتعلة وهى التَّعْلِيل يزجى بِهِ الْوَقْت أى يزجى نَفسه بشئ من الْأَشْيَاء ومصيره إِلَى الفناء
٣ - الْإِعْرَاب رهن نصب على الْحَال قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيصِح أَن يكون بَدَلا مِمَّا قبله فَيكون منادى مُضَافا الْغَرِيب الديماس هُوَ من الظلام وَمِنْه ليل دامس وأدموس أى مظلم ودمست الشئ دَفَنته والديماس حُفْرَة لَا ينفذ إِلَيْهَا الضَّوْء مظْلمَة والديماس سجن كَانَ للحجاج وَجمع الديماس بِكَسْر الدَّال دماميس مثل قِيرَاط وقراريط وَإِن فتحت الدَّال فَجَمعه دياميس مثل شَيْطَان وشياطين والسرب ديماس لظلمته وكل مظلم ديماس وفى الحَدِيث فى صفة عِيسَى ﵇ " كَأَنَّمَا خرج من ديماس " أى من كن الْمَعْنى إِنَّه يُرِيد الْقَبْر والقرارة كل شئ يسْتَقرّ فِيهِ شئ أى هُوَ رهن الْقَبْر لإقامته فِيهِ إِلَى يَوْم الْبَعْث فَكَأَن الْقَبْر استرهنه وَالْمعْنَى أَن الْقَبْر المظلم أشرق بِنور وَجهه لما حل فِيهِ
[ ٢ / ١٢٨ ]
- الْغَرِيب تغور تذْهب وتختفى الْمَعْنى يَقُول قبل موتك مَا كنت أَحسب وأظن أَن النُّجُوم تختفى فى التُّرَاب حَتَّى رَأَيْتُك وَأَنت أَضْوَأ من الْكَوَاكِب قد غبت فى التُّرَاب وَيُقَال أَحسب وأحسب بِكَسْر السِّين وَفتحهَا فى الْمُسْتَقْبل وَلَا خلاف فى كسرهَا فى الماضى وَقَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة كل مَا فى الْقُرْآن من تحسب ويحسب وَيَحْسبُونَ بِفَتْح السِّين على الأَصْل من فعل يفعل وفى هَذَا الْبَيْت نظر إِلَى قَوْله الآخر
(مَا كنتُ أحسِبُ والمنيَّةُ كاسمِها أَن المنيَّةَ فى الكَوَاكب تَطْمَعُ)
٥ - الْغَرِيب النعش مَا يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت وَهُوَ كالسرير من خشب ورضوى اسْم جبل مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول قبل حملك فى النعش على أيدى الرِّجَال مَا كنت أَظن أَن رضوى تنقل من مَوضِع إِلَى مَوضِع وَذَلِكَ أَنه جبل عَظِيم فى الْقُوَّة حَلِيم وَهَذَا مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(من لم يُعاينْ سيرَ نعْشِ محمدٍ لم يدرِ كيفَ تُسَيَّرُ الأجبالُ)
وَمن قَول ابْن المعتز
(قد انْقَضَى العَدْلُ وزَالَ الكَمالْ وصَاحَ صَرْفُ الدَّهرِ أيْن الرّجالُ)
(هَذا أَبُو القاسِمِ فى نَعْشِهِ قُومُوا انظُرُوا كيفَ تَسِيرُ الجِبالُ)
٦ - الْغَرِيب الدك أَصله الْكسر والدق ودككت الشئ أدكه إِذا دَفَنته وسويته بِالْأَرْضِ وَأَرْض دك وَالْجمع دكوك وَقيل فى قَوْله تَعَالَى ﴿جعله دكا﴾ قيل هُوَ مصدر أى ذادك وَقَرَأَ بِالْمدِّ هُنَا حَمْزَة والكسائى وَوَافَقَهُمَا فى الْكَهْف عَاصِم وَمَعْنَاهُ جعه دكاء فَحذف لِأَن الْجَبَل مُذَكّر وَقَالَ أَبُو زيد دك الرجل فَهُوَ مدكوك إِذا دكته الْحمى ودككت الرَّكية إِذا دفنتها بِالتُّرَابِ الْمَعْنى يَقُول كَأَن الباكين خلف نعشه يصعقون كصعقات مُوسَى يَوْم الطّور وَهُوَ جبل كلمة الله عَلَيْهِ وَقيل الطّور جبل بالسُّرْيَانيَّة فَأَرَادَ أَن الباكين خلف نعشه كثير وَلَهُم غشيان وصعقات وَقَالَ خَلفه لِأَن المشى عندنَا خلف الْجِنَازَة أفضل وَقَالَ الشافعى ﵁ هم كالشفعاء والشفعاء إِنَّمَا يكونُونَ بَين يدى الْمَشْفُوع لَهُ
[ ٢ / ١٢٩ ]
- الْغَرِيب الواجفة كالراجفة وهى المطربة تمور تذْهب وتجئ الْمَعْنى يَقُول إِن الشَّمْس لما ضعف نورها بِمَوْت هَذَا الرجل فَكَأَنَّهَا مَرِيضَة وَالْأَرْض مضطربة لمَوْته فهى تذْهب وتجئ وَهَذَا كُله تَعْظِيم لحاله وَفِيه نظر إِلَى قَول جرير فى عمر بن عبد الْعَزِيز يرثيه
(الشَّمْسُ طالِعَةٌ ليسَتْ بكاسِفَةٍ تَبكى عليكَ نُجومَ اللَّيلِ والقَمَرَا)
وَمثله لِابْنِ الرومى
(عَجِبْتُ للأرْضِ لم تَرْجُفْ جَوانِبُها وللْجِبالِ الرَّوَاسِى كَيْفَ لمْ تَمِدِ)
(عجِبْتُ للشَّمس لم تَكْسَفْ لِمَهْلِكِهِ وَهْوَ الضِّياءُ الَّذِى لَوْلاهُ لمْ تَقِدِ)
٨ - الْغَرِيب الحفيف صَوت الأجنحة وحسها والملائك جمع ملك على غير قِيَاس قَالَ كثير
(كَمَا قَد عَمَمْتَ المُؤمِنين بنائِلٍ أَبَا خَالِد صَلًّت عليكَ الملائكُ)
وصور جمع أصور وَهُوَ المائل وصاره يصوره إِذا أماله وصور يصور إِذا صَار مائلا وَمِنْه قَول الآخر
(اللهُ يعلَمُ أنَّا فى تَلَفُّتِنا يَوْم الوَداع إِلَى أحْبابِنا صُوْرُ)
الْمَعْنى يَقُول إِن الْمَلَائِكَة أحاطت بنعشه حَتَّى قد سمع لأجنحتها حفيف وَأهل بَلَده وَهُوَ اللاذقية بلد بساحل الشَّام عيونهم مائلة إِلَى نعشه لحبهم لَهُ فَلَا يصرفون بصرهم عَنهُ شوقا إِلَيْهِ وحزنا عَلَيْهِ أَو لأَنهم يسمعُونَ حس الْمَلَائِكَة فيميلون إِلَى ذَلِك الْحس الذى يسمعونه وَقَوله اللاذقية وصور هما بلدان وهما على السَّاحِل وَفِيه تورية
٩ - الْإِعْرَاب حَتَّى غَايَة لخرجوا بِهِ تَقْدِيره خَرجُوا بِهِ حَتَّى أَتَوا الْقَبْر الْغَرِيب الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجداث والضريح الشق فى وسط الْقَبْر واللحد فى جَانِبه الْمَعْنى يَقُول هَذَا الضريح كَأَنَّهُ قد حفر فى قلب كل مُسلم لحزنهم عَلَيْهِ ومحبتهم لَهُ وَهُوَ من قَول مُحَمَّد بن الزيات
(يَقُول لى الخلان لَو زرت قبرها فَقلت وَهل غير الْفُؤَاد لَهَا قبر)
وَمن قَول الآخر
(فإنْ كانَ لَمْ يَحْتَلَّ قَبرًا بَرقدةَ فإنّ لَهُ فى قلبِ كلّ امرِئ قَبرا)
[ ٢ / ١٣٠ ]
- الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بقوله حَتَّى أَتَوا أى أَتَوا بمزود وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بمزود الْغَرِيب المغفى النَّائِم غفا يغفو إِذا نَام والإثمد الْكحل الْأسود الْمَعْنى يَقُول لم يزود من ملكه على الرِّوَايَتَيْنِ ١ إِلَّا كفنا يبْلى وَهُوَ مغف كالنائم لإطباق جفْنه وَقد كحل بكافور لَا بإثمد والإثمد كحل الحى والكافور للْمَيت
١١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِيهِ للكفن وَأجْمع تَأْكِيد للبأس الْغَرِيب الحجا الْعقل وَالْخَيْر بِالْكَسْرِ الْكَرم الْمَعْنى يَقُول فى هَذَا الْكَرِيم هَذِه الْخِصَال المحمودة وَهَذِه الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة الَّتِى جمعت فِيهِ وَلم تجمع فى غَيره فَكَأَنَّهَا مَاتَت بِمَوْتِهِ وَهُوَ من قَول عبد الصَّمد بن المعذل
(فَضْلٌ وَحَزْمٌ وجود ضمه جَدَثٌ ومَكْرُماتٌ طَوَاها التُّرْبُ والمطرُ)
١٢ - الْغَرِيب نشر الله الْمَوْتَى وأنشرهم أَيْضا وَمِنْه قَوْله جلّ وَعلا ﴿ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره﴾ قَرَأَهُ بتَخْفِيف الهمزتين ابْن عَامر والكوفيون الْمَعْنى يَقُول ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِ وَذكرهمْ إِيَّاه بعده كَفِيل لَهُ برد الْحَيَاة فَإِن من بقى ذكره فى النَّاس كمن هُوَ مَوْجُود فيهم وَهَذَا من قَول الحادرة
(فأثْنُوا عَلَيْنا لَا أَبَا لأبِيكُمُ بأحْسابِنا إنَّ الثَّناءَ هُوَ الخُلْدُ)
وَهَذَا الْبَيْت مَنْقُول بأسره من قَول مَنْصُور النمرى وَهُوَ من أَبْيَات الحماسة
(رَدَّتْ صَنائِعُهُ عَلَيْهِ حَياتَهُ فكأنَّهُ مِنْ نَشْرِها مَنْشُورُ ١)
وَقَالَ حبيب الطائى
(سَلَفوا يَرَوْنَ الذّكْرَ عَيْشا ثَانِيًا وَمَضَوْا يَعُدُّونَ الثَّناءَ خُلُودَا)
وَلما قَالَ انطوى وَذكر الطى قَالَ منثور وَهُوَ أَضْعَف اللغتين ٢
[ ٢ / ١٣١ ]
- ١٣ - الْمَعْنى يَقُول ذكره فى الثَّنَاء يحييه لَهُم كَمَا أَحْيَا عِيسَى ابْن مَرْيَم عازر بعد مَا مَاتَ فَحسن ذكره فى النَّاس أبدا يحييه لَهُم
١ - الْغَرِيب غاضت نقصت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وغيض المَاء﴾ وخبت الناء سكن لهبها والسعير تسعر النَّار والمكايد جمع مكيدة وَهُوَ مَا يدبره الرجل فى الْحَرْب وَغَيره من الرأى الْمَعْنى يَقُول لما مَاتَ غَار بَحر جوده الفائض على النَّاس بالعطاء وانطفأت نَار كَيده وَكَانَ سعيرا على أعدائه
٢ - الْإِعْرَاب قراره من رَفعه فبفعله وَمن نَصبه فعلى الظّرْف قَالَ أَبُو الْفَتْح ويختار النصب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ من حَقه الْبكاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يسْتَقرّ فى قَبره حَتَّى صافحته الْحور وَهن جوارى الْجنَّة وَإِذا كَانَ بِهَذِهِ الْمنزلَة من رَحْمَة الله تَعَالَى لم يبك عَلَيْهِ بل يفرح بوصوله إِلَى كَرَامَة الله تَعَالَى وَهُوَ من قَول الوائلى
(إنْ يكُنْ مُفَردًا بغيرِ أنِيسٍ فعسَى أَن يكونَ بالْحُورِ آنِسْ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول اصْبِرُوا عَنهُ فَلَيْسَ فى الْعَالم مثلكُمْ وَلَا مثله فَإِن الْعَظِيم يصير على الْأَمر الْعَظِيم وروى ابْن جنى
(عَن الْعَظِيم صبور )
يُرِيد عَن الرجل الْعَظِيم وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(ودفعتَ العَظيمَ عَنْهَا ومَا يَدْ فَعُ كُرْهَ العَظِيمِ إلاَّ العَظيمُ)
[ ٢ / ١٣٢ ]
- الْمَعْنى لَيْسَ مثلكُمْ وَلَا مثله أحد فَهُوَ مَفْقُود النظير وَأَنْتُم مَفْقُود والمثل
٥ - الْإِعْرَاب الْعَامِل فى الْأَيَّام مَحْذُوف تَقْدِيره لم يكن لَهُ نَظِير أَيَّام قَائِم سَيْفه الخ الْمَعْنى يَقُول تذكرت أَو أذكركم أَيَّام ذَلِك فَيكون على هَذَا هُوَ الْعَامِل فى الظّرْف يُرِيد وَكَانَ فى مهلة من أَجله وَيَد الْمَوْت غير ممتدة إِلَيْهِ بل مَكْفُوفَة عَنهُ
٦ - الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي جمجمة الرَّأْس الَّتِى فِيهَا الدِّمَاغ وشفرتاه حدا سَيْفه وانهملت انهلت وَجَرت الْمَعْنى يَقُول طالما سَالَتْ الجماجم والنحور من الْأَعْدَاء فى سَيْفه
٧ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْوَجْه أَن يكون مُحَمَّد الأول هُوَ النبى
والثانى هُوَ المرئى وَيجوز أَن يكون الأول هُوَ المرئى والثانى هُوَ أَيْضا يَقُول أعيذهم بِاللَّه أَن يحزنوا وَمُحَمّد مسرور أى لَا ينبغى لَهُم أَن يحزنوا وَمُحَمّد مسرور بِمَا وصل إِلَيْهِ من الكرامات وَالنَّعِيم الدَّائِم
٨ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وأعيذهم أَن يَرْغَبُوا عَنهُ ويتركوا زِيَارَة قَبره ويلزموا قصورهم قَالَ العروضى مَا أبعد مَا وَقع أَرَادَ أَلا يحسبوا قصورهم أوفق لَهُ من الحفرة الَّتِى صَارَت من رياض الْجنَّة حِين حَيَّاهُ فِيهَا الْملكَانِ وَقَالَ ابْن فورجة لكنه يَقُول أعيذهم أَن يَظُنُّوا أَن قصورهم كَانَت لَهُم خيرا لَهُ من قبر حَيَّاهُ فِيهِ الْملكَانِ ورغبت بك عَن هَذَا الْأَمر أى رفعتك عَنهُ الْمَعْنى أعيذهم أَن يرفعوا قصورهم فيجعلوها فى حكمهم خيرا لَهُ من قَبره فَإِن قَبره خير لَهُ من تِلْكَ الْقُصُور ومنزله فى الْآخِرَة أشرف من مَنَازِله فى الدُّنْيَا
٩ - الْإِعْرَاب نفر خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره بَنو إِسْحَاق نفر أَو هم نفر الْمَعْنى يَقُول هم نفر وَجَمَاعَة إِذا سلوا سيوفهم من أغمادها وَغَابَتْ عَنْهَا حضرت آجال أعدائهم لأَنهم لَا يبقونها فى الْحَال وَلِأَنَّهُم يستأصلونهم بِالْقَتْلِ
[ ٢ / ١٣٣ ]
- الْغَرِيب التنوفة الأَرْض الْبَعِيدَة وَالطير يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع وَهُوَ جمع طَائِر وَأَرَادَ بطونا الْمَعْنى يَقُول إِذا حَاربُوا جَيْشًا من جيوش الاعداء تَيَقّن ذَلِك الْجَيْش أَنهم يحشرون من بطُون الطير كَأَنَّهُمْ يقتلُون فتأكلهم الطير
١١ - الْغَرِيب المبتور الْمَقْطُوع والأعنة جمع عنان وَهُوَ مَا يكون من السيور فى اللجام الْمَعْنى يَقُول خيل هَؤُلَاءِ لم تعطف على عَدو إِلَّا وَعمر ذَلِك الْعَدو الذى طردته مَقْطُوع
١٢ - الْغَرِيب الشاسع الْبعيد وَعَن نِيَّة عَن قصد من قَوْلهم نَوَيْت الْأَمر وَيجوز أَن يكون من النَّوَى وَهُوَ الْبعد الْمَعْنى يَقُول قصدت دَارهم الْبَعِيدَة للزيارة عَن قصد بحبى إيَّاهُم لِأَن الْمُحب يزور من يهواه وَإِن كَانَ بَعيدا مِنْهُ كَقَوْل الشَّاعِر
(زُرْ مَنْ تُحِبُّ وَإنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ وَحالَ مِنْ دُونِهِ حُجْبٌ وأسْتارٌ)
(لَا يمَنْعَنَّكَ بُعْدٌ مِنْ زِيارَتِهِ إنَّ المحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول أَنا أقنع بِالْقَلِيلِ وَأول باللقيا وأو نظرة أنظر وَهَذَا من قَول الموصلى
(إنَّ مَا قَلَّ مِنْكَ يَكْثُرُ عِنْدِى وَقَلِيلٌ مِمَّنْ تُحِبُ كَثيِرُ)
وَمثله لجميل
(وإنّى لَيُرْضِينِى قَلِيلُ نَوَالِكُمْ وَإنْ كنتُ لَا أرْضَى لَكُمْ بقَلِيلِ)
وَمثله لتوبة
(وأقْنَعُ مِنْ لَيْلَى بِمَا لَا أنالُهُ أَلا كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَينُ صَالحُ)
وَلآخر
(جُودُوا عَلىَّ بَمنْطِقٍ أحْيا بهِ إنَّ القَلِيلَ مِنَ الحبِيبِ كَثِيرُ)
[ ٢ / ١٣٤ ]
- ١ - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار الْغَرِيب الزفرة والزفير امتلاء الْجوف من النَّفس لشدَّة الكرب الْمَعْنى يَقُول هَل لآل إِبْرَاهِيم وهم بنوعمه إِلَّا الحنين إِلَيْهِ والزفير من شدَّة كرب الْحزن عَلَيْهِ
٢ - الْغَرِيب الخابر الْعَالم بالشئ مثل الْخَبِير وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى المجرب الْمَعْنى يَقُول لَا يشك من عرف أَمرهم وَجَربه أَن الصَّبْر مَمْنُوع محرم عَلَيْهِم لشدَّة حزنهمْ على فقدهم المرثى فهم لَا يصبرون عَنهُ والمحظور الْمحرم وَمِنْه قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَمَا كَانَ عَطاء رَبك مَحْظُورًا﴾ وَهُوَ من قَول البحترى
(حالَتْ بِكَ الأشْياءُ عَنْ حالاتِها فالحُزْنُ حِلّ والعَزَاءُ حَرَامُ)
٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يَبْكُونَ دَمًا عَلَيْهِ ويسهرون لفقده حَتَّى يطول ليلهم فَكَأَنَّهُ دهور لطوله وَهَذَا معنى كثير لأبى تَمام والبحترى وَجَمَاعَة قَالَ أَبُو المعتصم
(إنَّ أيَّامَنا دُهورٌ طوَالٌ ولَساعاتُنا القِصار شُهُورُ)
وَلَا لِابْنِ الرومى
(وأعْوَامٍ كأنَّ الْعامَ يَوْمٌ وأيَّامٍ كأنَّ اليْوْمَ عامٌ)
وَأَصله بَيت الحماسة
(يطُولُ اليوْمُ لَا ألقاكَ فيهِ وَعام نلتقى فيهِ قَصيرُ)
٤ - الْمَعْنى يَقُول كل من أذْنب إِلَيْهِم ذَنبا فَإِنَّهُم يغتفرون لَهُ ذَلِك الذَّنب إِلَّا ذَنْب من يسْعَى بَينهم بالنميمة والإفساد
[ ٢ / ١٣٥ ]
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح معنى طاروا ذَهَبُوا وهلكوا لما لم يَجدوا بَينهم مدخلًا قَالَ العروضى يظلم نَفسه ويغر غَيره من فسر شعر المتنبى بِهَذَا النّظر أَلا ترَاهُ يَقُول وَكَذَا الذُّبَاب على الطَّعَام يطير أذهاب هَذَا أم اجْتِمَاع عَلَيْهِ وَقَالَ طَار الوشاة على وَلَو أَرَادَ مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح لقَالَ طَار عَنهُ وَأَرَادَ أَن الوشاة نموا بَينهم وتمالئوا بالنميمة وَقَالَ أَبُو على بن فورجة كَيفَ يعْنى بقوله طَار ذَهَبُوا وهلكوا وَقد شبه طيرانهم على صفاء الوداد بطيران الذُّبَاب على الطَّعَام يُرِيد أَن الوشاة تعرضوا لما بَينهم وجهدوا أَن يفسدوا ودادهم كَمَا أَن الذُّبَاب يطير على الطَّعَام وَمثله
(وَجلَّ قَدْرِىَ فاسْتَحَلُّوا مُساجَلَتى إنَّ الذُّبابَ عَلى المَاذِىّ وَقَّاعُ)
وَالْمعْنَى أَن اجْتِمَاع الوشاة وسعيهم فِيمَا بَينهم بالنمائم دَلِيل على مَا بَينهم من الْمَوَدَّة كالذباب لَا يجْتَمع إِلَّا على طَعَام وَكَذَا الوشاة إِنَّمَا يتعرضون للأحبة المتوادين
٦ - الْغَرِيب منحت بذلك والتبذير الْإِسْرَاف وَالنَّفقَة فى غير الْوَجْه الْمَعْنى يَقُول منحت أَبَا الْحُسَيْن وَهُوَ أحد إخْوَة هَذَا المرثى محبَّة إِذا بذلتها لعَدوه أسرفت وَكنت مِمَّن جعل الشئ فى غير وَجهه مُسْرِفًا فى فعلى
٧ - الْمَعْنى يَقُول تكون فى الْبَيَان كَيفَ شَاءَ أى حصل خلقه على مَا شَاءَ وَأَرَادَ فَكَأَن الْقدر يجرى بمراده واختياره الْعَجز الأول من قَول الطائى
(فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَكَ لَمْ تَزِدْها عَلى مَا فِيكَ مِنْ كَرَمِ الطِّباعِ)
وَالْعجز الثانى من قَول ابْن الرومى
(لَسْتَ تَحْتَجُّ بالزَّمانِ وَلا المَقْدُورِ أنْتَ الزَّمانُ والمَقْدُورُ)
[ ٢ / ١٣٦ ]
- ١ - الْإِعْرَاب حذف همزَة مرأتك ضَرُورَة وَحذف الْهمزَة لأَنهم لَا يَقُولُونَ مرأنى إِلَّا مَعَ هنأنى ومرأنى للإتباع فَإِذا أفردوا قَالُوا أمرأنى فَفِيهِ ضرورتان الْمَعْنى يَقُول أَنْت تغلب السكر وَالسكر لَا يغلبه شئ وَلَكِن من عَادَة هَذَا الممدوح أَنه يغلب كل شئ فَكَأَنَّهُ غلب على السكر
٢ - الْغَرِيب الحميا من أَسمَاء الْخمْرَة وهى من الْأَسْمَاء الَّتِى لَا تسْتَعْمل إِلَّا مصغرة قَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتحْسنَ شمائلك فَسَكِرَ لحسنها الْمَعْنى يُرِيد أَن الْخمر الشَّمْس والزجاجة الْبَدْر والكف الْبَحْر وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(فَكأنَّها وكأنَّ شارِبَها قَمَرٌ يقَبِّلُ عارِضَ الشَّمسِ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول لَا يذكر جوده إِلَّا وَهُوَ يحضر كالخضر ﵇ وَيُقَال إِن الْخضر لَا يذكر فى مَوضِع إِلَّا حضر وَالْخضر عِنْد الصُّوفِيَّة حى يرْزق وَقَالَ المحدثون لَا يَصح ذَلِك
١٠٩
- ١ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت لَا تقدر على الْحجاب لِأَن ضوء جبينك يظْهر للنَّاس وَكَذَلِكَ جودك فَلَا يقدر أَن يحتجب الْبَيْت نَاظر فى ضوء الجبين إِلَى قَول قيس بن الخطيم
(قَضَى لهَا اللهُ حِينَ يَخْلُقُها الْخالِقُ أنْ لَا يُكِنَّها الصَّدَفُ)
وناظر فى الْجُود إِلَى قَول الطائى
(يَأيها المَلِكُ النَّائى بِرُؤْيَتِهِ وَجُودُهُ لِمُرَاعى جُودِهِ كَثَبُ)
وَإِلَى قَول أَبى نواس
(تَرى ضوْءَها مِن ظاهِرِ الكأسِ ساطِعا عَلَيْكَ وَلَوْ غَطَّيْتَها بِغَطاءِ)
بجودك وهيبتك وَهَذَا من قَول الطائى
(فنَعِمتِ مِنْ شَمْسٍ إِذا حُجِبتْ بَدَتْ مِنْ خِدْرِها فكأنَّها لَمْ تَحْجَبِ)
[ ٢ / ١٣٧ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول الذى نلْت مِنْهُ بشربه نَالَ منى بِتَغَيُّر أعضائى وَأخذ عقلى ثمَّ تعجب من فعل الْخمر وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(وكأْسٍ كمَعْسُولِ الأمانِى شَرِبْتُها ولِكِنَّها أجْلَتْ وقَدْ شَرِبَتْ عَقْلى)
(إِذا اليدُ نالَتْها بِوِتْرٍ تَوَقَّرَتْ عَلى ضِغْنِها ثُمَّ اسْتَقادَتْ مِنَ الرِّجْل)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(أفيكم فَتى حى فيخبرني عَنى بِمَا شربت مشروبة الراح من ذهني)
[ ٢ / ١٣٨ ]
- ١ - وَذَلِكَ أَنه كَانَ لبدر بن عمار جليس أَعور يعرف بِابْن كروس يحْسد أَبَا الطّيب لما كَانَ يُشَاهِدهُ من سرعَة خاطره لِأَنَّهُ لم يكن شئ يجرى فى الْمجْلس إِلَّا ارتجل فِيهِ شعرًا فَقَالَ الْأَعْوَر لبدر أَظُنهُ يعْمل قبل حُضُوره ويعده وَمثل هَذَا لَا يجوز وَأَنا أمتحنه بشئ أحضرهُ للْوَقْت فَلَمَّا كَانَ فى الْمجْلس ودارت الكئوس أخرج لعبة لَهَا شعر فى طرفها تَدور على لولب إِحْدَى رِجْلَيْهَا مَرْفُوعَة وفى يَدهَا طَاقَة ريحَان فَإِذا وقفت حذاء إِنْسَان شرب فدارت فَقَالَ مرتجلا
٢ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْجَارِيَة شعرهَا طَوِيل قد بلغ نصف بدنهَا وَقد حكمهَا أهل الْمجْلس فأطوعوها فِيمَا تَأْمُرهُمْ لِأَنَّهَا كَانَت تَدور فَإِذا وقفت عِنْد رجل شرب فَأمرهَا فيهم نَافِذ مُطَاع
٣ - الْمَعْنى الريحان الذى وضع فى كفها إِنَّمَا هُوَ كرها أَخَذته لم تَأْخُذهُ طَوْعًا
١١٢
- ١ - الْمَعْنى يَقُول إِذا أسكرتنا بوقوفها حذاءنا فجهلها بِمَا فعلت عذر لَهَا لِأَنَّهَا لم تعلم مَا تفعل
٢ - الْمَعْنى يَقُول الْعَرَب كلهَا قد لبست فخرابه ويروى كسبت بِالْبَاء الْمُوَحدَة
٣ - الْإِعْرَاب جعل اسْم كَانَ نكرَة ضَرُورَة وَمثله لحسان
(كأنَّ سَبيئة من بيْتِ رأسٍ يكُونُ مَزاجَهَا عسَلٌ وماءُ)
وَمثله للقطامى
(قِفى قبلَ التفرُّق يَا ضُباعا وَلا يكُ موْقفٌ مِنْك الوَداعا)
[ ٢ / ١٣٩ ]
- ١ - الْمَعْنى كَانَ المتنبى يتهم أَنه لَا يقدر على عمل الشّعْر ارتجالا فَأَرَادَ بدر أَن ينفى عَنهُ هَذِه التُّهْمَة
٢ - الْمَعْنى يَقُول أَنا كالذهب الذى يخبر النَّاس جوهره بالسبك فتزيد قِيمَته على مَا كَانَت قبل فَقَالَ الْبَدْر وَالله
(للدينار قِنْطَارًا )
قَالَ ابْن القطاع أَخذ عَلَيْهِ فى هَذَا وَقَالُوا لَيْسَ يُوجد ذهب يزِيد فى السبك فَقيل مَعْنَاهُ أَنا الإكسير الذى يطْرَح على الدِّينَار من الْفضة فيعوذ ذَهَبا وَالصَّحِيح من الْمَعْنى أَنه أَرَادَ بِالذَّهَب الإبريز الْخَالِص الذى يزِيد فى السبك يُرِيد إِذا فويست وجودلت زَاد علمى وتضاعف فضلى فَضرب السبك مثلا للجدال والاختبار
١١٤
- ١ - الْمَعْنى يَقُول إِذا رجونا جودك ذهب الْفقر عَنَّا لِأَنَّهُ فى أَيْدِينَا فبه يطرد الْفقر وَإِن عودينا فنى عمر من يعاديك لِأَنَّهُ عرض نَفسه للتب
٢ - الْمَعْنى الكئوس تَفْخَر بشربك فِيهَا وَالْخمر تنكر وتعيب على عافها
٣ - الْمَعْنى أَنَّك تشرب وتسلم من غوائل الْخمر وهى تسكر كل من شربهَا فَكَأَنَّهَا من هيبتها مِنْك لَا تقدر على أَن تسكرك خوفًا من سطوتك
[ ٢ / ١٤٠ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول رحيلى عَنْك كرها اضطرار لِأَن الْإِنْسَان رُبمَا عرض لَهُ أَمر يُوجب أَن يُفَارق فِيهِ روحه غير مبغض لَهَا وَكَذَلِكَ أَنا أُفَارِقك كَارِهًا مُضْطَرّا
٣ - الْمَعْنى يَقُول أَنا مبتلى بحساد أحاربهم فانصرنى عَلَيْهِم بجودك لأفتخر عَلَيْهِم بِعَطَائِك
١١٦
- ١ - الْغَرِيب عذيرى أى من يعذرنى من فلَان يُرِيد إِن أَسَأْت إِلَيْهِ فقد اسْتحق ذَلِك وَهَذَا يسْتَعْمل عِنْد الشكاية والعذارى الْبَنَات فى الْخُدُور لم يفرعهن بعل فَأَرَادَ هُنَا بالعذارى الْأُمُور الْعِظَام والخطوب الَّتِى لم يسْبق إِلَيْهَا والجوانح الضلوع الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأُمُور اتَّخذت أضلاعى وقلبى بُيُوتًا وخدورا كَمَا تسكن الْخُدُور
٢ - الْإِعْرَاب ومبتسمات عطف على عذارى أى وَمن مبتسمات الْغَرِيب هيجاوات جمع هيجاء وهى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول من عذيرى من مبتسمات تتبسم هيجاواتها عَن بريق السيوف لَا عَن الثغور
٥ - الْغَرِيب العذافر القوى من الابل وعذافر من أَسمَاء الْأسد وَأَصله الشَّديد من كل شئ والضفور جمع الضفير من الْحَبل والنسع وَمِنْه الحَدِيث " سُئِلَ عَن الْأمة إِذا زنت فَقَالَ اجلدوها ثمَّ قَالَ فى الثَّالِثَة بيعوها وَلَو بضفير " قَالَ مَالك والضفير الْحَبل الْمَعْنى يَقُول ركبت إِلَيْهَا وَالضَّمِير للهيجاء كل قوى من الْإِبِل حَتَّى قلق ضفيره من شدَّة السّير والهزال ومشيت إِلَيْهَا على قدمى
[ ٢ / ١٤١ ]
- الْإِعْرَاب أوانا ظرف وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف الْغَرِيب الآونة جمع أَوَان مثل زمَان وأزمنة وقتد الْبَعِير هُوَ خشب الرحل وَجمعه أقتاد وقتود قَالَ الراجز
(كأننى ضَمَّنْتُ هِقْلًا عَوْهَقا أقْتادَ رِحْلِى أوْ كُدُرًّا مُحْنِقا)
الْمَعْنى يصف طول رحيله وَقلة مقَامه فَلهَذَا قَالَ فى النُّزُول أوانا وفى الرحيل آونة
٦ - الْغَرِيب حر الْوَجْه مَا بدا من الْوَجْه وحر الرمل وحر الدَّار وسطهما والهجر والهجير شدَّة الْحر وَيكون وَقت الهاجرة والهجير هُوَ الهاجرة والهجير أَيْضا الْحَوْض الْكَبِير وَأنْشد القنانى
(يَفْرِى الفَرِىَّ بالهَجِيرِ الواسِعِ )
الْمَعْنى يَقُول لمعرفتى بالطرق كأنى فى الظلام أَسِير كَمَا أَسِير فى الْقَمَر الْوَاضِح لمعرفتى بالمفاوز وقطعها وَهُوَ من قَول الآخر
(نُعَرّضُ للطِّعانِ إذَا الْتَقَيْنا وُجُوها لَا تُعَرَّضُ للسِّبابِ)
وعجزه من قَول الآخر
(أقُولُ لبَعْضَهِمْ إنْ شَدَّ رَحْلِى لِهَاجِرةٍ نَصَبَتُ لهَا جَبِينِى)
٧ - الْغَرِيب إشرورى نقير يضْرب مثلا للشئ الحقير والنقير مَا يكون على ظهر النواة وشغفى بهَا حبها وَمِنْه
(قد شغفها حبا )
الْمَعْنى قل أى أَكثر القَوْل وَقل مَا شِئْت يُرِيد كم من حَاجَة بعثت فِيهَا وشغفت وَلم أقض مِنْهَا شَيْئا قَلِيلا
[ ٢ / ١٤٢ ]
- الْإِعْرَاب نفس عطف على حَاجَة تَقْدِيره وَقل فى نفس الْمَعْنى قل مَا شِئْت فى نفس يُرِيد نَفسه لَا تجيب وَلَا تقنع بِأَمْر خسيس وَعين لَا تفتح وَلَا تدار فى المنظر على مثل
٩ - الْمَعْنى وَقل فى كف جودك لَا يمسك شَيْئا وَلَا يُنَازع أحد فى شئ من الْأَشْيَاء إِلَّا فى شرفه وَكَرمه فَإِنَّهُ لَا يجود بهما ويجود بِمَا سواهُمَا
١٠ - الْمَعْنى وَقل فى قلَّة من ينصرنى على مَا أطلبه ثمَّ خَاطب الدَّهْر بقوله ابتلاك الله يَا دهر بدهر شَرّ مِنْك كَمَا ابتلانى بك وَأَنت شَرّ الدهور
١١ - الْغَرِيب الأكم جمع أكمة وَيُقَال أكمة وآكام كأجمة وآجام وَيُقَال أكم وآكام وأكم كأسدوا آساد وَأسد لِأَن التَّاء تحذف فى الْجمع فَيجمع مَا فِيهِ التَّاء على مَا لاتاء فِيهِ وَيُقَال أكم وإكام مثل جبل وجبال وَجمع الاكام أكم ككتاب وَكتب وَجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق وهى الْموضع المطمئن إِلَى الأَرْض يكون فِيهِ الشّجر وَالْبَيْت وَقَوله ﴿موغرة الصُّدُور﴾ أى حرَّة بالعداوة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا يُرِيد أَن الأكم تنبوبه وَلَا يطمئن فَكَانَ ذَلِك لعداوة بَينهمَا وَالْآخر وَهُوَ الْوَجْه أَنه يُرِيد شدَّة مَا يقاسى فِيهَا من الْحر فَكَأَنَّهَا موغرة الصُّدُور من قُوَّة حَرَارَتهَا قَالَ ابْن فورجة أما الْمَعْنى الأول فَيُقَال لم يرد أَن يسْتَقرّ فى الأكم فتنبوبه وبئسما يخْتَار دَارا ومقاما وَأما الْمَعْنى الثانى فَيُقَال كَيفَ خص الأكم بِشدَّة الْحر وَالْمَكَان الضاحى للشمس أولى بِأَن يكون أحر وللأكمة ظلّ وَهُوَ أبرد من الْمَكَان الذى ظلّ فِيهِ فَهَذَا أَيْضا خطأ والذى عَنى أَبُو الطّيب أَن كل شئ يعاديه حَتَّى خشى أَن الأكمة الَّتِى هى لَا تعقل تعاديه وَيُرِيد بذلك الْمُبَالغَة وان لم يكن ثمَّ عَدَاوَة
١٢ - الْغَرِيب الْجد العثور هُوَ الذى لَا سَعَادَة لَهُ وَهُوَ الذى يعثر صَاحبه ويتبعه فى طلب الرزق الْمَعْنى يُرِيد لَو حسدنى الْأَعْدَاء على كل شئ نَفِيس وَهُوَ الذى يتنافس فِيهِ لجدت لَهُم بِهِ لما أَنا فِيهِ من الْحَظ المنحوس ويروى لذى الْجد أى لجدت بِهِ لأنحس النَّاس
[ ٢ / ١٤٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول حسدونى على سرورى وأنسى وَأَرَادُوا أَن أكون مَحْزُونا أبدا وَإِذا طلبُوا ذَلِك فكأنهم طلبُوا موتى فَإِن حَيَاة الحزين موت وكنى بِالْحَيَاةِ عَن السرُور لِأَن الْحَيَاة إِذا عدم مِنْهَا السرُور لم تكن حَيَاة وَقَالَ الواحدى ذكر فِيمَا قبل الْبَيْت أَنه لَو حسد على نَفِيس لجاد بِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أحسد على حياتى وهى حَيَاة بِلَا سرُور أى لَا خير فى حياتى لِأَنَّهَا بِلَا سرُور وَلَو كَانَ فِيهَا خير وسرور لجدت بهَا وَلَكِن لَا يرغب أحد فى حَيَاة لَا سرُور فِيهَا فَجعل الْحَيَاة كالشئ الذى يجاد بِهِ على الْحَاسِد للنجاة من شَره وحسده ثمَّ ذكر أَنَّهَا خَالِيَة من السرُور فَلَا يرغب فِيهَا رَاغِب وَلَا يحْسد عَلَيْهَا حَاسِد
١٤ - الْمَعْنى يُخَاطب ابْن كروس الْأَعْوَر وَكَانَ يعاديه لذَلِك قَالَ نصف أعمى وَنصف بَصِير أى إِن فخرت ببصرك فَأَنت ذُو عين وَاحِدَة وَأَنت نصف أعمى
١٥ - الْمَعْنى يُرِيد الْعَدَاوَة تقع مِنْك لأَنا فصحاء وَأَنت ألكن أى أخرس ذُو عى وَنحن بصراء ذَوُو أبصار صَحِيحَة وَأَنت أَعور
٦ - الْغَرِيب الفتر دون الشبر وَهُوَ مَا بَين السبابَة والإبهام إِذا فتحا الْمَعْنى يَقُول الهجاء يرْتَفع عَن قدرك لِأَنَّك خسيس الْقدر كَمَا أَن الفتر يضيق مِقْدَاره عَن السّير فِيهِ كَذَلِك أَنْت لَيْسَ لَك عرضى يهجى فلخستك لَا مجَال للهجاء فِيك وَمثله
(بِما أهْجوكَ لَا أدْرِى لِسانِى فِيكَ لَا يِجْرِى)
(إذَا فَكَّرْتُ فِى عِرْضِكَ أشْفَقَتْ على شعْرِى)
[ ٢ / ١٤٤ ]
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد وَقت عِنْد هَذَا الممدوح يفى بِجَمِيعِ الزَّمَان كَمَا أَنه يفى لى بِكُل إِنْسَان
٣ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مثل النَّاس كلهم فقد صَارُوا بِهِ مثليهم ودهره عَظِيم الْقدر بِهِ فقد صَار دهورا
١١٨
- ١ - الْغَرِيب النشر الرَّائِحَة الطّيبَة والكباء الْعود الْإِعْرَاب نشر مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف للْعلم بِهِ كَأَنَّهُ يَقُول هَذِه الْأَشْيَاء لَا تَجْتَمِع لأحد وَلَا يشرب الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَشْيَاء لم تَجْتَمِع لأحد وَلم يشرب إِلَّا كَانَ مَعْدُوم الْحس
٢ - الْمَعْنى يَقُول لما اجْتمع لى مَا ذكرته سكرت من غير شرب فداو خمارى بِشرب الْخمر فإنى سَكرَان من السرُور لَا من الْخمر
١١٩
- ٢ - الْإِعْرَاب روى هَذَانِ البيتان بِرَفْع القافية ونصبها فالرفع على الِاسْتِئْنَاف وَالنّصب عطف على يرى والشطر الثانى من الْبَيْت الثانى روى
( . من بعد أَن يبصرها )
الْمَعْنى يَقُول لَا يلام من رأى الشَّمْس وَقَالَ هَذِه الشَّمْس إِنَّمَا للوم على من رَآهَا وَقَالَ هَذِه ظلمَة وضربه مثلا فَإِن أَبَاهُ شمس فَلَا يقدر على الاختفاء لِأَن الشَّمْس لَا تختفى وَمثله للعكوك
(سَمَا فوْقَ الرّجال فَلَيْسَ يَخْفَى وهلْ فى مطلع الشَّمس التباسُ)
[ ٢ / ١٤٥ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول أَنا أشاهد بعينى مَا أمدح بِهِ الْأَمِير من خِصَال إِذا نظرت إِلَيْهَا نظمت غرائب المنثور فعينى تنظم فضائله لِأَنَّهَا تدركها وتشاهدها لَا قلبى
٢ - الْمَعْنى يَقُول عينى الناظمة وَقد بَين مَا قَالَ فى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وحاكةِ شِعر حسَّنوا القَوْل مِنْهُم ومنك وَمن أفعالك امتاز حسْنه)
وَمثله لِابْنِ المعتز
(إِذا مَا مدَحْناهُ استَعَنَّا بفعلِه لنأخذَ مَعنى مَدْحِه من فِعالِه)
١٢١
- ٢ - الْغَرِيب المقتضب البديه يُقَال اقتضبت كلَاما إِذا أَتَى بِهِ بديها كُله كَأَنَّهُ اقتطع غصنا من أَغْصَان الشّجر والمقتضب فى الْبَيْت مصدر بِمَعْنى الاقتضاب وَهُوَ الاقتطاع أى أَتَى بِهِ على البديهة الْمَعْنى يَقُول المديح الْكثير قَلِيل فى حَقك وَمَا منعنى عَن البديهة وَغَيرهَا فى مدحك إِلَّا عذر لم يُبينهُ فى شعره وَلَعَلَّ الممدوح علم بِهِ فَلهَذَا أهمل ذكره وَهُوَ من قَول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم
(إِذا استكثر الحُسَّادُ مَا قيل فيكُمُ فإنَّ الذى يَستكثرونَ قليلُ)
[ ٢ / ١٤٦ ]
- ٣ - الْمَعْنى يَقُول أفعالك مادحاتك لأنى أَرَاهَا فأتعلم الْمَدْح مِنْهَا فهى المادحة لَك لَا لفظى وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وَلا مَدْحَ مَا لم يمْدَحِ المْرءُ نفْسَهُ بأفعالِ صِدْقٍ لم تَشِنْها الخسائسُ)
٤ - الْغَرِيب سقَاهُ الله وأسقاه إِذا أمطر بِلَاده وهما لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا﴾ وَهَذَا بِلَا خلاف وَاخْتلف فى قَوْله ﴿نسقيكم مِمَّا فى بطونه وبطونها﴾ فى النَّحْل والإفلاح فَقَرَأَ فيهمَا نَافِع وَأَبُو بكر بِالْفَتْح من سقى يسقى وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ من أسْقى يسقى الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالسقيا
١ - الْغَرِيب بسيطة مَوضِع بِقرب الْكُوفَة القطار والقطر هُوَ الْمَطَر الْمَعْنى يُخَاطب هَذِه الْبقْعَة لما وَصلهَا وَيَقُول حيرت عُيُون غلمانى وَذَلِكَ أَن أحد غلمانه رأى ثورا يلوح فَقَالَ هَذِه مَنَارَة الْجَامِع وَنظر آخر إِلَى نعَامَة فَقَالَ هَذِه نَخْلَة فَضَحِك وَقَالَ
(بسيطة الْبَيْت )
٢ - الْغَرِيب الصوار القطيع من بقر الْوَحْش والمنار يُرِيد مَنَارَة الْجَامِع الْمَعْنى يَقُول ظنُّوا مَا رَأَوْا عَلَيْك النخيل ومنارة الْجَامِع كَأَنَّك حيرت أَبْصَارهم
٣ - الْمَعْنى يَقُول لم يملك أصحابى أنفسهم من الضحك فَمنهمْ من اقتصد فى الضحك وَمِنْهُم من أفرط فِيهِ فهم قد تمسكوا بالأكوار يعْنى بالرحال خوفًا من أَن يسقطوا من الضحك
[ ٢ / ١٤٧ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول أَنا أقَاتل الدَّهْر وأحداثه وحيدا لَا نَاصِر لى ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك وَقَالَ لم أقل إنى وحيد وَالصَّبْر معى من كَانَ مَعَه الصَّبْر فَلَا وحدة لَهُ وَالْمعْنَى كَيفَ أقَاتل فُرْسَانًا أَحدهَا الدَّهْر وحيدا ووحيدا حَال من أطاعن وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(فإنَى من زَمانٍ فِى حُروبِ )
٢ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ طول بقائى وسلامتى إِلَّا لأمر عَظِيم يظْهر على يدى فثبوت سلامتى معى فى هَذِه المطاعنة لأمر عَظِيم وَالْمعْنَى أَنى أسلم من هَذِه الْحَوَادِث وَلَا تصيب بدنى وَلَا مهجتى بِضَرْب وَمَا هَذَا إِلَّا لشئ عَظِيم
٣ - الْغَرِيب الْآفَات جمع آفَة وهى مَا يُصِيب الْإِنْسَان من قتل أَو جِرَاحَة أَو مرض أَو غير ذَلِك والذعر الْخَوْف الْمَعْنى يُرِيد أَن الْآفَات لَو قدرت على النُّطْق لقالت أمات الْمَوْت أم خَافَ الْخَوْف حَتَّى لَا يخَاف هَذَا وَلَا يَمُوت لِكَثْرَة مَا ترى من صبرى وإقدامى على المخاوف والمهالك من غير خوف وَلَا هَلَاك يصيبنى
٤ - الْغَرِيب الأتى السَّيْل الذى لَا يردهُ شئ وَالْوتر بِالْكَسْرِ الْفَرد وَالْوتر بِالْفَتْح الذحل هَذِه لُغَة أهل الْعَالِيَة فَأَما لُغَة أهل الْحجاز فبالضد مِنْهُم وَأما تَمِيم فبالكسر فيهمَا وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى وَالشَّفْع الْوتر بِكَسْر الْوَاو الْمَعْنى يَقُول أَنا أقدم على المهالك إقدم السَّيْل الذى لَا يرد حَتَّى كَأَن لى نفسا أُخْرَى إِن هَلَكت وَاحِدَة رجعت الْأُخْرَى أَو كَأَن لى ذحلا عِنْد مهجتى فَأَنا أُرِيد إهلاكها
٥ - الْمَعْنى يَقُول دع نَفسك تَأْخُذ مَا تقدر عَلَيْهِ من سلم أَو حَرْب أَو مَال فَإِنَّهَا مُفَارقَة الْجَسَد فَإِنَّهُمَا جاران صحبتهما مُدَّة الْعُمر فَإِذا فنى الْعُمر افْتَرقَا // وَهَذَا من أحسن الْكَلَام // وَهُوَ من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من قصر عَن أَخذ لذاته عدمهَا وَعدم صِحَة جِسْمه وَلَقَد أحسن أَبُو الطّيب فى نظم هَذَا الْكَلَام
[ ٢ / ١٤٨ ]
- الْغَرِيب الْقَيْنَة الْمُغنيَة والزق ظرف الْخمر والفتكة وَاحِدَة الفتكات وَأَرَادَ الَّتِى لم يفتك مثلهَا فَلهَذَا قَالَ الْبكر الَّتِى لم يسْبق إِلَى مثلهَا الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبن الْمجد وَكَمَال الشّرف شرب الْخمر وَسَمَاع الْقَيْنَة وَإِنَّمَا الْمجد يكْسب بقتل الْأَعْدَاء والإقدام الذى لم يسْبق إِلَيْهِ وَهُوَ أَن يفتك اغتيالا بالأعداء
٧ - الْإِعْرَاب تضريب عطف على قَوْله إِلَّا السَّيْف أى فَمَا الْمجد إِلَّا السَّيْف وتضريب وَقَوله وَأَن ترى فى مَوضِع رفع عطف على تضريب الْغَرِيب الهبوات جمع هبوة وهى الغبرة الْعَظِيمَة والمجر الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول الْفَخر واكتساب الْمجد أَن تضرب أَعْنَاق الْأَعْدَاء وتثير الْغُبَار بحوافر الْخَيل عِنْد الطعان
٨ - الْغَرِيب الدوى الصَّوْت الْعَظِيم يسمع من الرّيح وحفيف الْأَشْجَار الْمَعْنى يَقُول اترك فى الدُّنْيَا جلبة وصياحا عَظِيما وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا سد أُذُنه سمع ضَجِيجًا وَنقل بَعضهم هَذَا وَجعله خرير دُمُوعه فَقَالَ
(فاحْشُ صِماخَيْكَ بسبَّابَىْ كَفَّيْكَ تسمعْ لدموعى خَريرَا)
وَهَكَذَا من يتَعَرَّض لمعانى المتنبى يجِئ شعره أبرد من الزَّمْهَرِير وَقَالَ الواحدى يُرِيد أَنه لَا يسمع إِلَّا الضجة حَتَّى كَأَنَّهُ سد مسامعه عَن غَيرهَا
٩ - الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يرفعك الْفضل عَن شكر اللَّئِيم والانبساط إِلَيْهِ فقد ألزمك الْأَخْذ مِنْهُ شكره وَإِذا صَار مشكورا فَإِن الْفضل لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا اضطرتك الْحَال إِلَى أَن تشكر اصاغر النَّاس على مَا تتبلغ بِهِ فالفضل فِيك وَلَك لَا للممدوح المشكور وَقَالَ أَبُو الْفضل العروضى يَقُول أَبُو الطّيب فالفضل فِيمَن لَهُ الشُّكْر وَيَقُول أَبُو الْفَتْح فالفضل فِيك وَلَك فَتغير اللَّفْظ وَفَسَد الْمَعْنى والذى أَرَادَ المتنبى أَن الْفضل وَالْأَدب إِذا لم يرفعاك عَن شكر النَّاقِص على هبة فتمدحه طَمَعا وتشكره على هِبته فالناقص هُوَ الْفَاضِل لَا أَنْت يُشِير إِلَى الترفع عَن هبة النَّاقِص والتنزه عَن الْأَخْذ مِنْهُ حَتَّى لَا تحْتَاج إِلَى أَن تشكره وَقَالَ أَبُو على بن فورجة الذى أَرَادَ أَبُو الطّيب أَنه إِذا كَانَ الْفضل لَا يرفعك عَن شكر نَاقص على إِحْسَان مِنْهُ إِلَيْك فَإِن الْفضل لمن شكرته لَا لَك لِأَنَّك مُحْتَاج إِلَيْهِ يعْنى أَن الْغنى خير من الْأَدَب يُرِيد إِذا كَانَ الأديب مُحْتَاجا إِلَى الْغنى فَالْمَعْنى أَنه يحرض على ترك الانبساط إِلَى اللَّئِيم النَّاقِص حَتَّى لَا يشْكر فَيكون لَهُ الْفضل وَقَالَ الواحدى الذى أَدخل الشُّبْهَة على أَبى الْفَتْح أَنه تَأَول فى قَوْله
(فالفضل فِيمَن لَهُ الشُّكْر )
يُرِيد الشاكر فالشاكر لَهُ الشُّكْر من حَيْثُ أَنه يشكرك فَذهب إِلَى هَذَا فأفسد الْمَعْنى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب بقوله
(من لَهُ الشُّكْر )
المشكور على إحسانه وَقَالَ ابْن القطاع أفسد ابْن جنى هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب إِذا لم يرفعك فضلك عَن شكر نَاقص فالفضل لَهُ لَا لَك ينهاه أَن يمدح نَاقِصا وَهَذَا من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من لم يرفع نَفسه عَن قدر الْجَاهِل يرفع قدر الْجَاهِل عَلَيْهِ وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى
(عَيَّاشُ إنكَ لَلَّئيم وإننى إذْ صِرْتَ موضعَ مَطلبى للئيمُ)
[ ٢ / ١٤٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول من جمع المَال خوفًا من الْفقر كَانَ ذَلِك هُوَ الْفقر قَالَ أَبُو الْفَتْح الْفقر فى الْحَقِيقَة أَن تفنى دهرك فى جمع مَالك وَقَالَ الْخَطِيب إِذا أفنيت دهرك فى جمع المَال وَلم تنفقه فقد مضى عمرك فى الْفقر فَمَتَى يكون غناك فقد تعجلت الْفقر وَهَذَا الْبَيْت // من أحسن الْكَلَام // وبديعة وَهُوَ من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من أفنى مدَّته فى جمع المَال خوف الْفقر والعدم فقد أسلم نَفسه للعدم وَهُوَ من قَول الآخر
(أمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تَعَجَّلْتَهُ وأخَّرْتَ إنفاقَ مَا تَجْمَعُ)
(فصِرتَ الفَقيرَ وَأَنت الغَنِىُّ فَمَا كَانَ ينفَعُ مَا تصنعُ)
وَمثله
(يقولُ لَمن يَلْحاه فى بذل مالِه أَأُنفِق ساعاتى وأنفقُ مالِيا)
وَمثله
(يخوّفنى بالفَقرِ قوْمى وَما درُوا بأنّ الذى فِيهِ أفاضُوا هُوَ العُسْر)
(فقُلت لَهُم لمَّا لَحَوْنى وَأَكْثرُوا أَلا إنّ خوف الْفقر عندى هُوَ الْفقر)
وَقَالَ لُقْمَان ﵇ من دَافع بالذل قبل الْفقر فقد تعجل الْفقر
[ ٢ / ١٥٠ ]
- الْغَرِيب الطمرة الْفرس الْعَالِيَة المشرفة والحيزوم الصَّدْر والغمر الحقد الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول أَنا كَفِيل بخيل فرسانها هَؤُلَاءِ وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا
١٢ - الْمَعْنى يَقُول يُدِير عَلَيْهِم يعْنى الْغُلَام كئوس الْمَوْت فى وَقت لَا تطلب الْخمر وَلَا ترَاد لشدَّة مَا هم فِيهِ من الْقِتَال وَإِنَّمَا الْخمر تشْتَهى عِنْد وَقت الْفَرح واللذة والفراغ وَهُوَ من قَول الآخر
(يُدِيرُ بسيفِهِ كأسَ المَنايا إِذا سَلَبَتْ حُمَيَّاها الْقُلُوبا)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول كم جبال قطعتها سيرا تشهدلى بالوقار والحلم وبحر يشْهد لى بالجود وَهُوَ من قَول الآخر
(فَتى لَا يرَاهُ البحرُ إِلَّا أظَلَّهُ خَواطِرُ فِكْر إنَّه زاخرُ البحرِ)
١٤ - الْإِعْرَاب مَكَان العيس مُبْتَدأ ومكاننا ابْتِدَاء ثانى وواسط الكور وَالظّهْر خبر الِابْتِدَاء الثانى وَالْجُمْلَة خبر الأول وَهَذَا قَول ابْن القطاع وَقيل مَكَان العيس مُبْتَدأ ومكاننا خَبره وواسط الكور وَالظّهْر بدل من قَوْله مَكَاننَا الْغَرِيب الْخرق المتسع من الأَرْض والعيس الْإِبِل الْبيض والكور الرحل للناقة الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى الْإِبِل كَأَنَّهَا واقفة لَا تذْهب وَلَا تجئ لسعة هَذَا الْخرق فَكَأَنَّهَا لَيست تَبْرَح مِنْهُ فَكَمَا نَحن فى ظُهُور العيس لَا نَبْرَح مِنْهَا فى أوساط أكوارها فَكَذَلِك هى كَأَن لَهَا من أَرض هَذَا الْخرق كورا وظهرا فقد أَقَامَت بِهِ لَا تبرحه قَالَ وَقد غلط فِيمَا ذكر إِنَّمَا يصف مفازة قد توسطها فَهُوَ على ظهر الْبَعِير فى جوزه فَكَأَنَّهُ من ظهر النَّاقة مَكَانهَا من الْخرق الْمَعْنى أَنى فى وسط ظُهُور الْإِبِل وَالْإِبِل فى وسط ظهر الْخرق وَلم يتَعَرَّض فى هَذَا الْبَيْت لوقوفها وَلَا لبراحها ثمَّ ذكر سَيرهَا فى الْبَيْت الثانى فَقَالَ
(يخدن بِنَا فى جوزه )
الخ فَكيف يتَّجه قَول أَبى الْفَتْح مَعَ قَوْله
(يخدن بِنَا )
وَهَذَا يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا إِنَّا وَإِن كُنَّا نسير فكاننا لَا نسير لطول الْمَفَازَة وَأَنه لَيْسَ لَهَا طرف كالكرة لَا يكون لَهَا طرف ينتهى إِلَيْهِ والثانى أَنه يصف شدَّة سيرهم والكرة تُوصَف بِشدَّة الْحَرَكَة كَقَوْل بشار
(كأنَّ فُؤاده كرة تَنَزَّى حِذَارَ البَيْنِ لَو نفَع الحِذارُ)
وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول ذى الرمة
(وَمَهْمَهٍ دَلِيله مُطَوِّح يدأبُ فِيهِ القوْم حَتَّى يطْلَحُوا)
(ثمَّ يظلُّلون كأنْ لم يبرَحوا كَأَنَّمَا أمْسَوْا بحيثُ أصْبحوا)
[ ٢ / ١٥١ ]
- الْغَرِيب يخدن يسرن وَهُوَ ضرب من السّير وَهُوَ الْإِسْرَاع وَجوزهُ وَسطه الْمَعْنى يَقُول كأننا على كرة وَلَا ينتهى لى سير أَو كَأَن أَرض الْخرق تسير مَعنا حَيْثُ كَانَت لَا تَنْقَطِع وَهَذَا مثل قَول السرى
(وخَرْقٍ طالَ فِيهِ السَّيرُ حَتَّى حَسِبْناهُ يسيرُ مَعَ الرّكاب)
وَإِذا أسْرع الْإِنْسَان فى السّير أى الأَرْض كَأَنَّهَا تسير مَعَه من الْجَانِبَيْنِ لهَذَا قَالَ أَو أرضه مَعنا سفر وَمعنى الْبَيْت نَحن نسير بِسُرْعَة وَلَا نبلغ مدى الْخرق فَكَأَنَّهُ يسير مَعنا وَهُوَ من قَول أَبى النَّجْم
(فكأنّ أرْضَ اللهِ سائرَةٌ معَنا إِذا سَارَتْ كَتائِبُهْ)
١٦ - الْإِعْرَاب وَيَوْم عطف على خرق فكلاهما مجرور بواو رب وَالضَّمِير فى أفقه لِليْل وَلَيْسَ لِليْل أفق وَإِنَّمَا أَرَادَ أفق السَّمَاء فى ذَلِك اللَّيْل الْغَرِيب الْأُفق النَّاحِيَة وَالْحلَل جمع حلَّة وَلَا يكون حلَّة حَتَّى يكون إزارا ورداء أَو ثَوْبَيْنِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْحلَل برود الْيمن الْمَعْنى أَنه يصف السّير ووصلهم الْيَوْم بالليلة وَكَأن السَّمَاء من الْبَرْق عَلَيْهَا حلل حمر من قَول ابْن ميادة
(وأُلْبِسَ عُرْضُ الأُفْقِ ثَوْبا كأنَّهُ عَلى الأُفُقِ الغَرْبىّ ثَوْبٌ مُعَصْفَرُ)
[ ٢ / ١٥٢ ]
- الْغَرِيب الدجن الظلمَة وَأَرَادَ بِهِ الْغَيْم والدجن إلباس الْغَيْم السَّمَاء وَقد دجن يَوْمنَا يدجن بِالضَّمِّ دجنا ودجونا والدجنة من الْغَيْم المطبق تطبيقا الريان المظلم الذى لَيْسَ فِيهِ مطر الْمَعْنى يَقُول كَأَن على متن ذَلِك الْيَوْم من ظلمَة السَّحَاب حللا سُودًا والسواد يُسمى خضرَة قَالَ ذُو الرمة
(فى ظلّ أخضَرَ يَدْعُو هامَهُ البُومُ )
أَرَادَ بِهِ سَافر أَيَّام الرّبيع وَالْأَرْض خضراء
١٨ - الْإِعْرَاب قبر مَرْفُوع مَعْطُوف على خبر إِن تَقْدِيره علا لم يمت أَو أَنه لَهُ قبر فى السَّحَاب الْمَعْنى يُرِيد بعامر جد الممدوح يَقُول ظننا جده علا فى السَّحَاب وَهُوَ حى لم يمت وَأَنه إِذا مَاتَ علا قَبره فى السَّحَاب فَهُوَ يصب المَاء صبا كَمَا كَانَ يصب الْجواد صبا
١٩ - الْإِعْرَاب أَو ابْن ابْنه مَنْصُوب عطفا على عَامِرًا تَقْدِيره أَو أَن ابْن ابْنه على بن أَحْمد والباقى فى مَوضِع نصب وَإِنَّمَا سكن الْبَاء ضَرُورَة وحروف الْعلَّة أبدا تسكن فى حَال النصب ضَرُورَة قَالَ يصف إبِلا بالسرعة
(كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ ١ )
وَمثله كثير الْمَعْنى يَقُول وظننا أَن ابْن ابْنه هَذَا الممدوح يجود بِهَذَا المَاء الذى لم ينزل من السَّحَاب فَلَو لم أجز أى أعبر ويدى خَالِيَة لَقلت إِنَّه كَانَ فى السَّحَاب يُقَال صفرت الْيَد تصفر فهى صفر وَلَا يُقَال صفرَة يَقُول وَلما جزت ويدى صفر فارغة علمت أَنه جود لَا جود وَمعنى الْبَيْتَيْنِ من قَول الطائى
(وراحة مُزْنةٍ هَطْلاءَ تَهْمِى مواطرُها وَهُنَّ عَلىَّ سَكْبُ)
(فَقلت يَد السَّمَاء أم ابْن وهب تجلَّى للندى أم عَاشَ وهب)
[ ٢ / ١٥٣ ]
- الْغَرِيب الْجُود مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ السَّحَاب جوده يشبه بجود هَذَا الممدوح فَهُوَ سَحَاب يفخر على كل السحب
٢١ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى مَا يجْتَمع فى قلبه من الْهم لَا يجمعه قلب غَيره وَلَو ضمهَا لَكَانَ عَظِيما مثلهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك مَا وَسعه الصَّدْر لعظم الْقلب وَهَذَا مِمَّا أجْرى فِيهِ الْمجَاز مجْرى الْحَقِيقَة لِأَن عظم الهمة لَيْسَ من كَثْرَة الْأَجْزَاء حَتَّى يكون محلهَا وَاسِعًا يَسعهَا أَلا ترى أَن قلب الممدوح قد وسعهَا وصدره قد وسع قلبه وَلَيْسَ بأعظم من صدر غَيره وَقَالَ ابْن الرومى
(كضمير الفُؤادِ يَلْتهِمُ الدُّنيا وتحوِيه دَفَّتا حَيْزُوم)
يعْنى أَن الْفُؤَاد يسْتَغْرق الدُّنْيَا بِالْعلمِ والفهم ثمَّ يحويه جانبا الصَّدْر
٢٢ - الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا سخاؤه لما انْتفع النَّاس بإمكانه وغناه لِأَن الْإِمْكَان قد يكون مَعَ الشُّح فَلَا ينفع وَالْمعْنَى أَن الْمَوْجُود لَا ينفع بِلَا جود كالرماح لَا تَنْفَع إِلَّا بالأكف فلولا الأكف الَّتِى تمسك الرماح لما عملت عملا وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(إِذا لم يكُن أمْضَى مِنَ السَّيفِ حاملٌ فَلَا قَطْعَ إنَّ الكفَّ لَا السَّيفَ تقطَعُ)
وللبحترى أَيْضا
(فَلَا تُغْلِينَّ بالسَّيفِ كلّ غِلائه لِيَمْضىِ فَإِن الكَفَّ لَا السَّيفَ تقْطَعُ)
[ ٢ / ١٥٤ ]
- الْإِعْرَاب قرَان مَرْفُوع بِفعل مُضْمر تَقْدِيره أَنْجَب بِهِ قرَان هَذِه حَاله الْمَعْنى يُرِيد بالصلت جده لأمه وبعامر جده لِأَبِيهِ وَالْقرَان اسْم لمقارنة الكوكبين وَالْمعْنَى أَنه جعل اجْتِمَاع جديه من الطَّرفَيْنِ وَنسب الممدوح كقران الْكَوَاكِب تَعْظِيمًا لشأنه وَشبه اجْتِمَاعهمَا باجتماع السَّيْف الهندوانى مَعَ النَّصْر وَإِذا اجْتمعَا حسن أثرهما وَعلا أَمرهمَا وَهَذَا من أحسن الْمعَانى وأبدعها
٢٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى جَاءَا للجدين الْمَذْكُورين فى الْبَيْت الذى قبله وهما عَامر والصلت الْغَرِيب الصَّلْت الجبين الْوَاضِحَة والقل الْقلَّة والكثر الْكَثْرَة الْمَعْنى يَقُول ترى النَّاس حوله وهم كَثِيرُونَ بِالْعدَدِ قليلين بِالْفَضْلِ والحسب وَقيل قليلين بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَالْقِيَاس بِهِ وَالتَّقْدِير ذوى قل فى الْمَعْنى وهم ذَوُو كثر فى الْعدَد وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى تَمام
(إِن الكِرامَ كَثير فِى البِلادِ وَإنْ قَلوا كَمَا غيرُهم قُلٌّ وَإِن كثرُوا)
٢٥ - الْإِعْرَاب مفدى فى حَال نَصبه بدل من قَوْله مُعظما أَو صفة لَهُ الْغَرِيب السميذع السَّيِّد الْكَرِيم وَالْجمع سماذع وَالْمدّ زِيَادَة المَاء والجزر نقصانه الْمَعْنى يُرِيد أَن الرِّجَال تفديه بِآبَائِهَا بقَوْلهمْ فداؤك أَبى وأمى وَهُوَ سيد كريم يزِيد وَلَا ينقص
٢٦ - الْغَرِيب الْخَبَر الْخِبْرَة والاختبار الْمَعْنى يَقُول كنت أساير فِي ذكره كل ركب وأستعظم مَا أسمعهُ مِنْهُم وٍ أستكبره حَتَّى زرته وخبرته فصغر اختبارى مَا كنت أسمع فى وَصفه من كرم وَحسب وحلم وَعظم قدر وَوَجَدته أعظم مِمَّا كنت أسمع وَهَذَا من قَوْله ﵊ لزيد لخيل الطائى وَقد وَفد عَلَيْهِ
(مَا وصف لى أحد إِلَّا رَأَيْته دون الْوَصْف سواك فَإنَّك فَوق مَا وُصِفتَ لى)
وَمثل هَذَا قَول الآخر
(كَانَت محادثةُ الرُّكْبانِ تُخْبِرُنِى عَن أحمدَ بنِ علىّ طيِّبَ الخَبَرِ)
(ثمَّ التَقَيْنا فَلَا وَالله مَا سَمِعَت أُذنى بأحْسن مِمَّا قد رأى بَصَرِى)
ولأبى تَمام
(لَا شىْءَ أحسن من ثنائى سائرًا ونداكَ فى أُفق الْبِلَاد يُسايره)
[ ٢ / ١٥٥ ]
- الْغَرِيب الصفصف الفلاة المستوية والوآة النَّاقة الشَّدِيدَة وَالذكر وأى الْمَعْنى جعل سَيرهَا فى الأَرْض الواسعة طَعنا يَقُول طَعنا بِهَذِهِ النَّاقة أى قَطعنَا بهَا الأَرْض الواسعة فَأَيْنَ قصدت من الأَرْض قطعته وجازته فَكَانَ بِمَنْزِلَة الطعنة إِذا صادفت نحرا لِأَنَّهَا تُؤثر الْأَثر الْأَكْبَر وَقَالَ ابْن فورجة سَيرهَا طعن وَمَا تسير فِيهِ من القلاة نحر يَقُول مرت نَافِذَة كَمَا ينفذ الطعْن فى النَّحْر فَكَأَنَّهَا رمح وَكَأن الصفصف ومداه نحر قَالَ وَلَو أمكنه أَن يَقُول
(كلّ مَا لقِيت من المفاوز )
لظهر الْمَعْنى قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون الْمَعْنى كل مَا لقِيت هَذِه النَّاقة من مشاق الطَّرِيق نحر لَهَا يعْمل بهَا عمل النَّحْر فَكَأَنَّهَا تنحر فى كل سَاعَة
٢٨ - الْغَرِيب النبر دويبة تسلع الْإِبِل فيرم مَوضِع لسعتها الْمَعْنى يَقُول إِذا لسعت ولهت لشدَّة اللسعة فَكَأَنَّهَا فرحت فَرحا وَكَأَنَّهُ صر فى جلدهَا نوالا أى عَطاء وَشبه وَشبه ورم اللسعة بصرة دَرَاهِم فَكَأَنَّهَا مرحت لذَلِك والمرح فى الْحَقِيقَة هُوَ جعلهَا تقلق لَهُ فَكَأَنَّهَا تمرح وَقيل النبر إِذا لسع الْجمل ورم مَكَان اللسعة حَتَّى يصير مثل الرمانة الصَّغِيرَة فَلذَلِك حسن تَشْبِيه بالصرة فى جلدهَا
٢٩ - الْمَعْنى كنت أقرب إِلَيْنَا مطلبا من الْبَدْر وَالشَّمْس وهما دُونك فى الْفضل قَالَ الْخَطِيب أَنْت أقرب وَأفضل من الشَّمْس والبدر على قربك منا وهما بعيدان قَالَ // وَلم يعبر عبارَة جَيِّدَة // وَقَالَ الواحدى أَنْت دونهمَا فى الْبعد وَأقرب إِلَيْنَا مِنْهُمَا وهما دُونك فى أحوالك وَأَنت أَعم نفعا مِنْهُمَا وَأشهر ذكرا وَأَعْلَى منزلَة وَقدرا
٣٠ - الْغَرِيب الْعشْر آخر أظماء الْإِبِل وَهُوَ أَن ترد يَوْمًا وتدعه ثَمَانِيَة أَيَّام وَترد يَوْم الْعَاشِر الْمَعْنى قَالَ الواحدى لَو كنت المَاء لوسعت بطبع الْجُود كل حَيَوَان وكل مَكَان وفى ذَلِك ارْتِفَاع الأظماء وَيجوز أَن يُقَال لَو كنت برد المَاء لما غادرت غلَّة إِلَّا أطفأتها وَقَالَ ابْن جنى كَانَت تتجاوز الْمدَّة فى وُرُودهَا الْعشْر لغناها بعذوبتك وبردك
[ ٢ / ١٥٦ ]
- الْغَرِيب الحجا الْعقل الْمَعْنى يَقُول الذى اجْتمع فِيك من الْفَضَائِل دعانى إِلَيْك ونثرك ونظمك وَمَا تَأتيه على غير نظام من كَثْرَة نائلك
٣٣ - الْغَرِيب الحبر مَا يكْتب بِهِ وَهُوَ المداد وموضعه المحبرة والحبر الْأَثر وَالْجمع حبور والبيوت جمع بَيت من الشّعْر وَالْبناء وتكسر الْبَاء فى الْجمع وتضم وَقد قرئَ بهما فى الْقُرْآن هَذَا وَمَا كَانَ على وَزنه مثل الْعُيُون والغيوب والعيوب والجيوب والشيوخ فَكسر الْجَمِيع حَمْزَة وَوَافَقَهُ أَبُو بكر إِلَّا فى الْجُيُوب وَوَافَقَهُ ابْن كثير والكسائى وَابْن ذكْوَان فى الْجَمِيع سوى الْعُيُوب وَوَافَقَهُ هِشَام وقالون فى كسر الْبيُوت لَا غير الْمَعْنى يرْوى قلت على المخاطبة وعَلى الْإِخْبَار فَمن خَاطب أَرَادَ أَن الممدوح كَانَ // حسن الشّعْر // وَعَلِيهِ فسر أَبُو الْفَتْح والواحدى وَمن رَوَاهُ على الْإِخْبَار أَرَادَ أَن مَا قلت من شعر تكَاد بيوته تبيض من ذكرى مدحك لِكَثْرَة فضائلك الَّتِى على وَهُوَ من قَول ابْن الرومى
(ولِمَدْحيكَ قلتُها كلماتٍ هُذّبَتْ فِيكَ أيَّمَا تَهْذِيبِ)
(سوّدتْ فيكَ كلّ بَيْضَاء تسويدا تراهُ العُيونُ كالتَّذْهِيبِ)
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول الشّعْر فى مَعْنَاهُ // حسن // لَفظه كالثريا لاشتهاره بَين النَّاس وَأَن كل أحد يعرفهُ وأخلاقك زاهرة مضيئة لَا ينكرها أحد من النَّاس كَذَلِك أشعارك
٣٥ - الْغَرِيب المقت البغض والجماجم جمع جمجة وهى عظم الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول نهانى عَن قربى من مجَالِس السلاطين بغضى لَهُم وَالطير تطالبنى بِأَكْل لحومهم وتنتظر لما عودتها وَهَذَا من كَلَامه الْبَارِد وحمقه الزَّائِد وَلَو قَالَ هَذَا سيف الدولة على بن حمدَان لَا نتقد عَلَيْهِ
[ ٢ / ١٥٧ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَن الضّر أَهْون على من رُؤْيَة صَغِير متكبر يعْنى ملازمتى الْفقر أحب إِلَى من قصد اللئام وَالْبَيْت من الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم أعظم مَا فى النُّفُوس إعظام ذوى الدناءة فَأحْسن فى نَقله أَبُو الطّيب وَبعده
٣٧ - الْغَرِيب يُقَال رجل ود وود وود مُثَلّثَة وَجمعه أود وَهُوَ من الْمَوَدَّة وَفُلَان ودى أى صديقى والشطر النّصْف والشطر النَّحْو والجهة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول لسانى وعينى وفؤادى وهمتى تسود لسَانك وعينك وفؤادك وهمتك وتود النّظر مِنْهَا كَأَنَّهَا شقَّتْ مِنْهَا فصارتا شطرين ولشدة محبتى لَك كَأَنَّك شقيقى وَقَالَ العروضى الذى حَكَاهُ أَبُو الْفَتْح أَجود مَا قيل فى هَذَا الْبَيْت وَأَقُول قَول كَأَنَّك شقيقى لَا مدح فِيهِ وَلَعَلَّ الممدوح لَا يرضى بِهَذَا وَلَكِن مَعْنَاهُ عندى أَن الشريف من الْإِنْسَان هَذِه الْأَعْضَاء الَّتِى ذكرهَا فَقَالَ إِن الْأَعْضَاء الَّتِى طَار اسْمهَا فى النَّاس وَذكرهَا بك تأدبت ومنك أخذت وَقَوله والشطر أى إِن الله خلقهَا وَأَنت أدبتنى وأعطيتنى فمنك رزقها وأدبها والخالق الله تَعَالَى قَالَ وروايتى هَذِه على هَذَا التَّفْسِير أودى بِالْإِضَافَة وَبِه أقرأنا الخوارزمى الْمَعْنى إنى وددت هَذِه الْأَشْيَاء لِأَن اسْمهَا بك يُرِيد بك علت ومنك استفادت الِاسْم وعَلى هَذَا يصير قَوْله ذَا حَشْوًا كَمَا يُقَال انصرفت من ذى عِنْده وَمن ذَا الذى يفعل كَذَا وَقَالَ ابْن فورجة ذَا إِشَارَة إِلَى اسْم وَكَانَ يجب لَو أمكن أَن يَقُول هَذِه أسماؤنا وَلَكِن الْوَزْن اضطره والشطر عظف على أود وَالْغَرَض فى هَذَا الْبَيْت التعمية فَقَط وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَة فى هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا فِيهِ من الِاضْطِرَاب
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول أَنا من انْفَرَدت بِعَمَل هَذَا الشّعْر وَلَكِن شعرى أعاننى على مدحك لِأَنَّهُ أَرَادَ مدحك كَمَا أردته وَهُوَ معنى قَول الطائى
(تغايَرَ الشِّعرُ فِيهِ إذْ أرِقْتُ لَهُ حَتَّى ظَنَنْت قوافيه ستَقْتَتِلُ)
٣٩ - الْغَرِيب الرونق الملاحة والبشر الطلاقة والبشاشة وَالْحسن وَأَصله من طلاقة الْوَجْه والبشر أَيْضا اسْم جبل بالجزيرة وَاسم مَاء لبنى تغلب الْمَعْنى يَقُول شعرى لفرحه بك كَأَنَّهُ يضْحك لما رآك فَصَارَ فِيهِ رونق مِنْك لامنى وَلَيْسَ رونقه من أَلْفَاظه وَإِنَّمَا هُوَ مِنْك
[ ٢ / ١٥٨ ]
- الْمَعْنى يَقُول إِذا عَلَوْت على الْأَشْيَاء كلهَا حَتَّى تبلغ السَّمَاء علمت أَنَّك لم تبلغ مَا تستحقه فى الشّرف والمنزلة لِأَنَّك تسْتَحقّ أَكثر مِمَّا نلْت لشرف قدرك وعلو همتك وَرَوَاهُ قوم نلْت بِضَم التَّاء فَيكون وَإِن نلْت أَنا وَأَنا من بعض خدمك علمت أَنَّك مَا نلْت الذى يجب لَك // فَهَذَا مُبَالغَة فى الْمَدْح //
٤١ - الْمَعْنى يَقُول الْأَيَّام لَهَا إساءات كَثِيرَة فَلَمَّا سمحت بمثلك زَالَ عتبى عَلَيْهَا فكانها أَتَت بك عذرا وَمعنى المصراع الأول من قَول حبيب
(نوَالُكَ رَدَّ حُسَّادِى فُلُولًا وأصْلح بينَ أيَّامى وبَيْنِى)
والثانى من قَوْله أَيْضا
(كُثرَتْ خَطَايَا الدَّهرِ فِىَّ وَقد يُرَى بنداكَ وَهُوَ إلىَّ مِنْهَا تائِبُ)
وَمثله لأبى هفان
(أصبَحَ الدَّهْرُ مًسِيئا كلُّهُ مَاله إِلَّا ابنُ يَحيى حَسَنهْ)
وَمثله لِابْنِ الرومى
(أَنْتُم أناسٌ بأيادِيكُمُ يُسْتَعْتَبُ الدَّهْرُ إِذا أذْنَبا)
(إِذا جَنَى الدَّهْرُ على أهْله وزادَ فى عذلكمُ أعْتَبا)
ولأبى نواس
(يَرْمِى إليْكَ بهَا بَنو أملٍ عَتَبُوا فأعتبهم بكَ الدَّهرُ)
[ ٢ / ١٥٩ ]
- ١ - الْإِعْرَاب تصبر فى مَوضِع جزم بِحرف الْجَزْم وَأَرَادَ تصبرن بالنُّون الْخَفِيفَة فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا أبدلها ألفا وَمثله كثير فى الْكَلَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ألقيا فِي جَهَنَّم﴾ الْخطاب لمَالِك وَحده وَإِنَّمَا الْمَعْنى ألقين فَلَمَّا عَنى الْوَقْف قَالَ ألقيا وَمثله قَول الْحجَّاج يَا حرسى اضربا عُنُقه وَالْخطاب لوَاحِد وَالْمعْنَى اضربن عُنُقه وَمثله لسويد بن كرَاع العقيلى
(فَإِن تَزجُرانِى يَا بنَ عفَّانَ أنزجِرْ وَإِن تتركانى أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا)
وَالْخطاب لوَاحِد فَهَذَا شَاهد على ألقيا واضربا وَمثله
(فَلَا تعبد الشَّيطان واللهَ فاعْبدَا )
فقد جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز النُّون الْخَفِيفَة بِالْألف خطا فى قَوْله تَعَالَى ﴿ليسجنن وليكونا﴾ وَمثله ﴿لنسفعا بالناصية﴾ وَقَول الراجز
(يَحسَبُهُ الجاهلُ مَا لم يَعْلَما شَيخا على كُرسيه معَمَّمَا)
الْمَعْنى يُرِيد صبرت أم لم تصبر حبك ظَاهر لِأَن الْمُحب لَا يقدر على كتمان الْمحبَّة وَيَقُول بكاؤك ظَاهر إِن جرى دمعك أم لم يجر أى إِن ظهر جَرَيَان دمعك فَلَا كَلَام وَإِن لم يجر علم بالزفير والشهيق والتحسر وَقيل وبكاؤك عطف على الضَّمِير فى قَوْله صبرت تَقْدِيره صبرت وصبر بكاؤك فَلم يجر دمعك أَو لم تصبر فَجرى وَقَالَ على بن فورجة قيل لأبى الطّيب خَالَفت بَين سبك المصراعين فَوضعت فى الأول إِيجَابا بعده نفى وفى الثانى نفيا بعد إِيجَاب فَقَالَ لَئِن كنت خَالَفت بَينهمَا من حَيْثُ اللَّفْظ فقد وَافَقت بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى يُرِيد إِن صبرت فَلم يجر دمعك أَو لم تصبر فَجرى دمعك // وَهَذَا من أحسن الْكَلَام // وَلَقَد أحسن فى هَذَا الْمَعْنى وَإِن كَانَ كثيرا
٢ - الْمَعْنى يَقُول ضحكك وصبرك يغر من يراك وَلَا يعلم مَا فى باطنك من الاحتراق
٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى قَوْله فكتمنه عَائِد على قَوْله مَا لَا يرى فى الْبَيْت الذى قبله الْمَعْنى يَقُول لما سكت اللِّسَان عَن الْإِبَاحَة بالوجد الذى فى باطنك وَانْقطع الدمع عَن الجريان بِأَمْر الْفُؤَاد لَهما دلّ على مَا فى بَطْنك نحول جسدك واصفرار لونك وَإِنَّمَا قَالَ الْفُؤَاد وَجعله آمرا لِأَن الْفُؤَاد ملك على الْجَوَارِح كلهَا وَمعنى الْبَيْت من قَول الشَّاعِر
(خبرِى خُذيه عَن الضَّنى وَعَن الأسَى ليسَ اللِّسانُ وَإِن تَلْفتَ بمُخْبرِ)
[ ٢ / ١٦٠ ]
- الْغَرِيب المهارى جمع مهرى والناقة مهرية وَهَذَا نسب إِلَى بنى مهرَة قَبيلَة من الْعَرَب وأبوهم مهرَة بن حيدان وإليهم تنْسب المهارى وَيجوز فى المهارى التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف قَالَ رؤبة
(بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلّ مِيلَهِ بِنا حَرَاجِيحُ المَهارِى النُّفَّهِ)
(قَوْله كل ميله )
يُرِيد الْبِلَاد الَّتِى توله الْإِنْسَان أى تحيره والنفه جمع نافه وَهُوَ الْجمل الْمَعْنى دَعَا على الْجمال كلهَا إِلَّا الْجمل الذى عَلَيْهِ محبوبه وَجعله مصورا لِأَنَّهُ حيره حسنه كَأَنَّهُ صوره بِصُورَة لم يصور مثلهَا يُرِيد أَنه لبس ثوبا من الديباج فِيهِ تصاوير وَإِنَّمَا دَعَا للجمل المركوب لأجل رَاكِبه ليسلم من العثار حَتَّى يسلم من فَوْقه من الْوُقُوع
٥ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كنت الصُّورَة الَّتِى فى ستره لزلت حَتَّى يظْهر الذى فِيهِ لرَأى الْعين وَذَلِكَ أَن كل أحد يحب أَن يرَاهُ ودونه ستر فَلَو كنت ذَلِك السّتْر لانكشفت حَتَّى يظْهر للنَّاس وَيَزُول ذَلِك الْحجاب وَقَالَ الواحدى أَنا أحسد السّتْر لأجل الحبيب الذى فى هودجه لقربها مِنْهُ يعْنى الصُّورَة وَلَو كنت الصُّورَة لخفيت حَتَّى يظْهر الحبيب فتراه الْأَبْصَار وَقَالَ ابْن القطاع إِنَّمَا تمنى أَن يكون صُورَة فى سترهَا ليشاهدها كل وَقت ثمَّ قَالَ لَو كنتها لخفيت من نحولى فَلم أسترها عَن الْعُيُون وَكَانَت تظهر للناظرين
٦ - الْإِعْرَاب ترب الرجل افْتقر وَصَارَ على التُّرَاب وَلَا تربت يداك أى لَا افْتَقَرت ومسكين ذُو مَتْرَبَة صَار على التُّرَاب لفقره وأترب الرجل اسْتغنى أى صَار لَهُ مَال مثل التُّرَاب كَثْرَة وكسرى ملك الْعَجم وَقَيْصَر ملك الرّوم والبصريون يفتحون كَاف كسْرَى وأصحابنا يكسرونه الْمَعْنى يَدْعُو للأيدى الَّتِى صنعت السّتْر وصورت الْملكَيْنِ عَلَيْهِ وأقامتهما حاجبين يحجبان المحبوب يَقُول لَا افْتَقَرت الأيدى الَّتِى قد أَحْسَنت هَذِه الصُّورَة الَّتِى فى السّتْر وأقامت الْملكَيْنِ يحجبانها وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(قَرارَتُها كِسْرَى وفى جَنَباتها مَهًا تَدَّريها بالقِسِىّ الفوَارسُ)
[ ٢ / ١٦١ ]
- الْغَرِيب الهوادج جمع هودج وَهُوَ مركب النِّسَاء على الْإِبِل والمحجر مَا حول الْعين الْمَعْنى يَقُول هَذَانِ الْملكَانِ المصوران فى هَذَا السّتْر يقيان ويدفعان عَن مقلة رحلت حر الهواجر وَجعلهَا مقلة لعزتها ويصرفان الْغُبَار عَن الحبيبة الَّتِى فى الهودج وَالْمعْنَى أَن هَذِه الراكبة فى الهودج كَانَت ضِيَاء قلبى بِمَنْزِلَة مقلة الْقلب فَلَمَّا ارتحلت عَنى عمى قلبى وفقدت ذهنى كمقلة ذهبت وبقى محجرها ينظر فى الِاسْتِعَارَة إِلَى قَول الطائى
(إنّ الْخَلِيفَة حِين يُظلِم حادِث عينُ الْهدى وَله الْخلَافَة مَحْجِرُ)
٨ - الْمَعْنى يَقُول كنت أحذر فراقهم قبل وُقُوعه وَلَكِن الحائن الْهَالِك لَا يَنْفَعهُ الحذر
٩ - الْغَرِيب الرواد جمع رائد وَهُوَ الذى يرتاد لأَهله الْكلأ وَالْمَاء الْمَعْنى يَقُول لَو قدرت لمنعت السَّحَاب أَن يقطر لِئَلَّا يَجدوا كلأ وَمَاء ويرتحلوا إِلَيْهِمَا للانتجاع
١٠ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْكَلَام فِيهِ حذف لَا يتم الْمَعْنى إِلَّا بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لمنعت كل سَحَابَة لأنى تَأَمَّلت الْحَال فَإِذا السَّحَاب أَخُو الْغُرَاب فى التَّفْرِيق وَجعل السَّحَاب أَخا الْغُرَاب لِأَنَّهُ سَبَب الْفرْقَة عِنْد الانتجاع وتتبع مساقط الْغَيْث فى الرّبيع كعادة الْعَرَب السيارة وَلما جعله أَخا للغراب جعل الْمَطَر صياحه لِأَن صياح الْغُرَاب سَبَب الِافْتِرَاق على زعمهم كَذَلِك الْمَطَر سَبَب ارتحالهم وَقَالَ ابْن القطاع
(فَإِذا السَّحَاب )
مُبْتَدأ
(وأخو غراب فراقهم )
نعت لَهُ
(وَجعل الصياح )
خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ من قَول أَبى الشيص
(وَمَا غُرَابُ البَيْنِ إلاَّ ناقَةٌ أوْ جَمَلُ )
١١ - الْغَرِيب الحمائل بِالْحَاء الْمُهْملَة رِوَايَة ابْن جنى جمع حمولة وهى الْإِبِل الَّتِى يحمل عَلَيْهَا وروى غَيره بِالْجِيم وَهُوَ جمع جمالة وهى الْجمل الْكَبِير وَيُقَال جمال وأجمال وجمالات وجمائل وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت يُقَال لِلْإِبِلِ إِذا كَانَت ذُكُورا لَيْسَ فِيهَا أُنْثَى هَذِه جمالة بنى فلَان وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى وَحَفْص
(كأنهُ جِمالة صُفْر )
والوخد ضرب من السّير والنفنف الأَرْض الواسعة وَقيل هى المستوية بَين جبلين الْمَعْنى أَنهم ارتحلوا عَنهُ أَيَّام الرّبيع عِنْد اخضرار الأَرْض فَكلما مرت جمَالهمْ بِأَرْض مخضرة بَدَت عَلَيْهَا آثَار سَيرهَا فَكَأَنَّمَا شقَّتْ ثوبا أَخْضَر وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(فكأنَّما الأَنْوَاءُ بَعْدَهُمُ كَسَتِ الطُّلُولَ غَلائلًا خُضْرا)
[ ٢ / ١٦٢ ]
- الْإِعْرَاب مهاة وجؤذرا نصبا على التَّمْيِيز الْغَرِيب المها بقر الْوَحْش والجؤذر ولد الْبَقَرَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تحمل هَذِه الحمائل مثل الرَّوْض فى حسنه إِلَّا أَنه أسبى للقلوب من مها الرَّوْض وجآذره وَقَالَ الْخَطِيب جعل هَذِه الْإِبِل تحمل مثل الرياض يعْنى مَا عَلَيْهَا من الديباج وَالْأَنْمَاط وَجعل من عَلَيْهَا من النِّسَاء وحشا لتِلْك الأَرْض ثمَّ قَالَ هن أسبى من وَحش الرياض وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه ذكره الواحدى وَهُوَ من قَول عدى بن زيد
(لمن الظُّعْن كالبساتين فى الصُّبْحِ تَرَى نَبْتَها أثيثا نَضِيرا)
وَمثله للطائى
(خرَجْن فى خُضرةٍ كالرَّوْض لَيْسَ لَهَا إلاَّ الحُلِىَّ عَلى أعْناقِها زَهَرُ)
١٣ - الْإِعْرَاب بلحظها أضَاف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول يُرِيد بنظرى إِلَيْهَا الْغَرِيب نكرت وَأنْكرت بِمَعْنى الْمَعْنى يَقُول بِسَبَب نظرى المحبوبة الَّتِى سبيت بهَا صرت ضَعِيفا مهزولا حَتَّى أنكرتنى قناتى بِضعْف بدنى عَن حملهَا وَأنكر خاتمى خنصرى لاتساعه عَنهُ من الهزال
١٤ - الْمَعْنى يَقُول لشرف همتى وعلوها لم أَرض بعطاء الزَّمَان وَأَرَادَ لى الزَّمَان أَن أقصد سواك فَمَا قبلت واخترتك على اخْتِيَار الزَّمَان لأنى إِذا قصدتك ملكتنى وَإِذا ملكتنى ملكت الزَّمَان فَصَارَ اختيارى لَك خيرا من اخْتِيَار الزَّمَان
[ ٢ / ١٦٣ ]
- الْإِعْرَاب نصب أرجان بِفعل مُضْمر تَقْدِيره اقصدى أَو اطلبى الْغَرِيب أرجان اسْم بلد الممدوح وَهُوَ بلد بِفَارِس وَهُوَ فى الأَصْل مشدد إِلَّا أَنه خففه على عَادَة الْعَرَب فى الْأَسْمَاء الأعجمية فَحذف التَّشْدِيد من الرَّاء وخففها والوشيج شجر يعْمل مِنْهُ الرماح الْمَعْنى يَقُول لخيله اقصدى هَذِه الْبَلدة فإنى قد عزمت على قَصدهَا بعزم من قوته تكسر الرماح الشَّدِيدَة وَالْمعْنَى أَن الرماح لَا تعوقنى عَن هَذِه الْعَزِيمَة الَّتِى قد عزمت عَلَيْهَا
١٦ - الْغَرِيب الأكدر الكدر والكوكب هُنَا الْمُجْتَمع من الْخَيل الْمَعْنى يُخَاطب خيله يَقُول لَو طلبت مَا تريدين قعدت عَن الرحيل وَلم أركضك فى الْغُبَار المظلم لِأَن الْخَيل تطلب الرَّاحَة والمنام والجمام وَهُوَ يُرِيد أَن يتعبها فى الْأَسْفَار من بلد إِلَى بلد
١٧ - الْغَرِيب أمى اقصدى وَأم فلَان فلَانا قَصده وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ الْمَعْنى يَقُول لما حَلَفت أَنى أقصد أجل بَحر برت يمينى بِقَصْدِهِ لِأَنَّهُ أجل من يقْصد
١٨ - الْغَرِيب يُقَال قصر عَن الشئ تقصيرا إِذا تَركه عَاجِزا وأقصر عَنهُ إقصارا إِذا تَركه قَادِرًا عَلَيْهِ وحاش لله كلمة تَنْزِيه قَالَ الجوهرى لَا يُقَال حاش لَك قِيَاسا على قَوْله حاش لله وَإِنَّمَا يُقَال حاشاك وحاشى لَك وَقَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ أهل التَّفْسِير مَعْنَاهُ معَاذ الله وَأما عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل اللُّغَة إِن حاش الله مُشْتَقّ من قَوْلك كنت فى حَشا فلَان أى ناحيته وَمَعْنَاهُ تنحيت عَن هَذَا وحاشى لزيد من هَذَا أى قد تنحى من هَذَا الْأَمر وَيُقَال حاش لله وحاشى لله بِحَذْف الْألف وإثباتها وَقد أثبتها أَبُو عَمْرو وَحده فى قَوْله حاشى لله الْمَعْنى قد أفتانى الْأَنَام فى تَكْفِير يمينى بِرُؤْيَتِهِ وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أقصر فى إبرار هَذَا الْقسم أَو أقصر عَنهُ فَإِن فعلت ذَلِك أكون شاقا لعصا الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع على أَن قسمى لَا يبر إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ
[ ٢ / ١٦٤ ]
- الْمَعْنى يَقُول أى كف أشارت إِلَى ابْن العميد فبشرتنى بِهِ فلهَا عندى السوار وَلكُل عبد كبر عِنْد رُؤْيَة بَلَده وَذَلِكَ لفخرى ببر قسمى
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول خيله وسلاحه كَثِيرَة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه يمده بالأموال وَالْعَبِيد فَيقدر بذلك على محاربة الْأَعْدَاء قَالَ الواحدى كَانَ من عَادَة المتنبى أَن يطْلب من الممدوحين الولايات لَا الصلات
٢١ - الْمَعْنى أَنه يصفه بالبلاغة يَقُول إِنَّه يملك بِحسن لَفظه قُلُوب الرِّجَال فيتصرف فِيهَا كَمَا يُرِيد فلحلاوة أَلْفَاظه تجْعَل أَثمَان الْقُلُوب وَتجْعَل الْقُلُوب أثمانها إِن لم تُوجد بغَيْرهَا وَقَالَ الواحدى النَّاس يبيعوها وَهُوَ يَشْتَرِيهَا فَيصير مَالِكًا لَهَا قَالَ وَإِن شِئْت جعلت الشِّرَاء بيعا فَيكون متكررا بلفظين مَعْنَاهُمَا وَاحِد
٢٢ - الْمَعْنى أى لَا يقدم أحد على لِقَائِه وَهُوَ لَا يُولى عَن أحد لشجاعته فَهُوَ لَا يقدم عَلَيْهِ وَلَا يفر
٢٣ - الْإِعْرَاب مَا يلبسُونَ مفعول بصبغة والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره يلبسونه كَقِرَاءَة من ﴿وفيهَا مَا تشْتَهى الْأَنْفس﴾ وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع وَحَفْص تشتهيه ومعصفرا حَال والأجود أَن تَجْعَلهُ مَفْعُولا ثَانِيًا لصبغة لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين الْغَرِيب خُنْثَى فعل مَاض وَزنه فعلل مثل دحرج وَقَالَ ابْن القطاع أَصله خنثث فكرهوا اجْتِمَاع التَّضْعِيف فأبدلوا من الْأَخير ألفا كَمَا قَالُوا فى حنظى وغنظى أبدلوا ألفا من حُرُوف التَّضْعِيف فأبدلوا من الْأَخير ألفا كَمَا قَالُوا فى تقضى البازى وقصيت أظفارى وتظنى من الظَّن قَالَ وَزعم النحويون أَن حُرُوف الزَّوَائِد تكون للإلحاق وأبى ذَلِك أهل اللُّغَة الْعلمَاء بالتصريف والاشتقاق وَقَالُوا لَا تدخل حُرُوف الزَّوَائِد فى الْإِلْحَاق الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا تدخل فى الْإِلْحَاق الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة الَّتِى هى فَاء الْفِعْل وعينه ولامه فالفاء نَحْو قَوْلهم دردج للناقة المسنة تَكَرَّرت فِيهِ الْفَاء للإلحاق بجعثن وهى أصُول الصليان وَالْعين كَقَوْلِهِم حَدْرَد اسْم رجل تَكَرَّرت فِيهِ الْعين للإلحاق بِجَعْفَر وَاللَّام كَقَوْلِهِم تعدد تَكَرَّرت فِيهِ اللَّام للإلحاق ببرثن وَقَالَ النحويون الْألف فى مثنى كَذَا بِالْأَصْلِ للإلحاق وفى رضوى وسلمى للتأنيث ثمَّ نقضوا قَوْلهم فَقَالُوا الْألف فى بهمى وعزهى لَيست للتأنيث وَلَا للإلحاق وَهَذَا كَلَام فَاسد لَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة دَلِيل وَإِنَّمَا أوقعهم فى هَذَا الْغَلَط أَنهم رَأَوْا الْعَرَب قد جمعُوا بَين تأنيثين فَقَالُوا بهماة وعلقاة وعزهاة فَقَالُوا لَا يجوز أَن يجمع بَين تأنيثين وَقد جمعت الْعَرَب بَين تأنيثين فى أَكثر كَلَامهم فَكيف يَجْعَل مَا وَضعه النحويون للتقريب والتعليم مِمَّا لَا أصل لَهُ وَلَا ثبات حجَّة على لِسَان الْعَرَب الفصحاء هَذَا لَا يكون وَلَا يحْتَج بِهِ إِلَّا جَاهِل والكماة جمع كمى وَهُوَ الْمُسْتَتر فى الْحَدِيد والمعصفر صبغ يلْبسهُ النِّسَاء وَالصبيان الْمَعْنى يَقُول جعلهم مخنثين لما صبغ ثِيَابهمْ من دِمَائِهِمْ حمرا وَهُوَ مَا يلْبسهُ النِّسَاء والمخنثون وَالْخُنْثَى الذى لَهُ فرج وَذكر وَلَيْسَ هُوَ فى الْحَقِيقَة ذكرا وَلَا أُنْثَى
[ ٢ / ١٦٥ ]
- الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى قلمه أشرف من الرماح لِأَن كَفه يباشره عِنْد الْخط فَيحصل لَهُ الشّرف وَالْفَخْر على الرماح الَّتِى لم يُبَاشِرهَا وَهُوَ من قَول البحترى
(وأقلامُ كتَّاب إِذا مَا نَصَصْتها إِلَى نسَب صارَتْ رِماحَ فوارِسِ)
٢٥ - الْمَعْنى يَقُول إِذا لمس شَيْئا ومسه ظهر فِيهِ الْكبر حَتَّى لَو مَشى ذَلِك الشئ الذى لمسه لتبختر شرفا بمسه إِيَّاه
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول إِن كِتَابه يرد الجيوش فَيعْمل عمل الْجَيْش // بِحسن لَفظه // وبدائع مَعَانِيه فَإِذا سَمِعُوهُ تحيروا من فصيح الْكَلَام فيستعظمونه فينصرفون قَالُوا الواحدى يسحرهم ببيانه فينصرفون عَنهُ حِين عمل فيهم كَلَامه عمل السحر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا كتب إِلَى مُخَالف كتابا لم يحْتَج مَعَه إِلَى لِقَاء جيس لِأَنَّهُ بلغ مَا يُرِيد بِالْكتاب فكتابه يرد الجيوش رَاجِعَة تحيرا من فعل الْكتاب وَهُوَ من قَول إِسْحَاق بن حسان الخريمى
(فى كلّ يومٍ لَهُ جُند موجَّهَةٌ مِن المكايد تُطْوَى فى الطَّوامِيرِ)
وَمثله لِابْنِ الخريمى
(تكْفى عَن النَّبلِ أَحْيَانًا مَكايدهُ وَرُبمَا خَلَفتْ أقلامُهُ الأسَلا)
[ ٢ / ١٦٦ ]
- الْإِعْرَاب الغضنفر قَالَ الواحدى هُوَ مركوب يُرِيد أَنه مفعول ركبت قَالَ وَيجوز أَن يكون حَالا للممدوح تَقْدِيره لَا يقدر أحد أَن يكون رديفا لَك وَأَنت غضنفر الْغَرِيب الغضنفر الْأسد الشَّديد الغليظ والرديف الرَّاكِب خَلفك وأردفنى فلَان إِذا أركبنى خَلفه الْمَعْنى يَقُول أَنْت فى كل أَمر تَفْعَلهُ فَرد لَا يقدر أحد أَن يتبعك فِيهِ كراكب الْأسد لَا يقدر أحد أَن يتبعهُ وَلَا أَن يكون رديفا لَهُ وَالْمعْنَى فعالك صعبة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد فَلَا يتبعك عَلَيْهَا أحد مَخَافَة التَّقْصِير عَن مرادك فيفتضح
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول أَخذ الرِّجَال الْكَلَام قبل بُلُوغه وانتهائه كالثمرة تقطف قبل ينعها وإدراكها فَقَوْلهم لَا فَائِدَة فِيهِ وَأخذت القَوْل لما أَزْهَر وانْتهى كَمَاله فَصَارَ كلامك ينْتَفع بِهِ والنبات إِذا نور كَانَ غَايَة تَمَامه وَقَوله قبل نَبَاته أى قبل تَمَامه
٢٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن كَلَامه تتبعه الأسماع إِذا مضى حبا لَهُ وَإِذا كرر ازْدَادَ حسنا وَالْكَلَام إِذا أُعِيد برد وَكَلَام الممدوح يزْدَاد حسنا عِنْد ذَلِك وَهُوَ مَنْقُول من قَول أَبى نواس
(يزيدُك وجُهه حسْنا إذَا مَا زدْتَه نَظَرَا )
وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(مُشْرِق فى جَوانب السَّمْع لَا يُخْلِقُه عَوْدُه على المستَعيدِ)
٣٠ - الْمَعْنى يُرِيد أَن قلمه أبلغ خَاطب إِذا كَانَ هُوَ ساكتا
٣١ - الْإِعْرَاب رسائل بِالْجَرِّ وَالرَّفْع فالجر على وَرب رسائل وَمن رَفعه عطفه على قَوْله قلم لَك أى ورسائل لَك وَأَنت سَاكِت أبلغ خَاطب الْغَرِيب السحاء القرطاس يُقَال سحاء الْكتاب بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الْوَاحِدَة سحاءة وَالْجمع أسحية وسحوت القرطاس وسحيته أسحاه إِذا قشرته والسنور مَا لبس وَأَخذه على بن الجهم فِي قَوْله فِي قبَّة المتَوَكل
(وقبة ملك كَأَن النُّجُوم تصغى إِلَيْهَا بأسرارها)
الْمَعْنى يَقُول إِذا قرءوا كتابك ورسائلك رَأَوْا من بلاغتك وجزالة ألفاظك مَا يقتلهُمْ غيظا وحسدا وييأسون مَعَه من الافتدار عَلَيْك فَيقوم ذَلِك مقَام السِّلَاح فى دفع الْأَعْدَاء وَمثل هَذَا مَا يحْكى عَن الرشيد أَنه كتب جَوَاب كتاب ملك الرّوم قَرَأت كتابك وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ لَا مَا تقرؤه فَانْظُر إِلَى هَذَا اللَّفْظ الْوَجِيز كَيفَ مَلأ الأحشاء نَارا وَترك الْقُلُوب أعشارا وأشعر النُّفُوس حذارا وأعقب إقدام ذوى الْإِقْدَام نكوصا وفرارا وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(هَل تَذْكُرين إذِ الرَّسائل بيْنَنا تجرِى على الوَرَق الذى لم يُغْرَس)
(أَيَّام أسْرارى لديكِ وسرُّكُمْ يُهْدَى إلىَّ مَعَ الفصيح الأخرسِ)
يُرِيد بالفصيح الْكتاب وبالورق الذى لَا يغْرس البردى وَشبهه
[ ٢ / ١٦٧ ]
- الْغَرِيب حسد جمع حَاسِد كنائم ونوم وصائم وَصَوْم والرئيس السَّيِّد الذى رَأس الْأَنَام وسادهم وَمعنى هَذَا الْبَيْت فى الْبَيْت الذى بعده
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول سماك الْأَعْدَاء الرئيس وأمسكوا وَسماك الله الرئيس الْأَكْبَر فَعلمنَا ذَلِك لما قَامَت صفاتك الشَّرِيفَة مقَام كَلَام الله وهى الَّتِى خصك الله بهَا فى الدّلَالَة على أَنَّك أفضل النَّاس فَصَارَ كَأَنَّهُ دعَاك الرئيس الْأَكْبَر قولا من حَيْثُ دعَاك فعلا كالخط فَإِن من كَاتب كمن شافه وخاطب وَمن أعلم خطا فَإِنَّهُ أسمع وَأفهم وَمعنى الْبَيْت أَن الْإِنْسَان إِذا رأى مَا خصك الله بِهِ من جلال الْفضل علم أَن الله دعَاك الرئيس الْأَكْبَر وَهُوَ من قَول الآخر
(وناطِقٍ بضَميرٍ لَا لِسانَ لَهُ كأنَّه فَخِذ نيطَتْ إِلَى قَدَمِ)
(يُبْدِى ضمير هَوَاهُ فى الحَديث كَمَا يُبْدِى ضَمِيرَ سِوَاه الخطُّ بالقَلَمِ)
٣٤ - الْغَرِيب السرج السهلة السّير والخف المجمر الشَّديد الصلب الذى نكته الْحِجَارَة وَلَيْسَ بواسع وَلَا ضيق الْمَعْنى أَنه يخبر عَن علو همته لِأَنَّهُ يحمل نَاقَته على السّير قَالَ الواحدى مجمر أى خَفِيف سريع من قَوْلهم أجمرت النَّاقة إِذا أسرعت وَقَالَ الخوارزمى خفا مجمرا أى خَفِيفا فَلم يُوَافقهُ اللَّفْظ وَلَو وَافقه لَكَانَ تجنيسا ظَاهرا فَإِذا لم يُوَافقهُ فَهُوَ تجنيس معنوى
[ ٢ / ١٦٨ ]
- الْغَرِيب الرمث نبت يُوقد بِهِ وَهُوَ من مراعى الْإِبِل وَهُوَ من الحمض والرمث بِالْفَتْح والتحريك خشب يضم بعضه إِلَى بعض ويركب عَلَيْهِ فى الْبَحْر وَالْجمع أرماث قَالَ أَبُو صَخْر الهذلى
(تمنَّيْتُ من حبى عُلَيَّةَ أنَّنا على رَمَثٍ فى الْبَحْر لَيْسَ لنا وفْرُ)
الْمَعْنى يَقُول تركت الْأَعْرَاب ووقودهم هَذَا النبت وَأثبت قوما وقودهم من العنبر وَهُوَ من قَول البحترى
(نزَلوا بأرْضِ الزَّعْفران وجانَبوا أرْضًا تَرُبُّ الشِّيحَ والقَيْصُوما)
٣٦ - الْإِعْرَاب ركباتها جمع ركبة وَإِنَّمَا عَنى اثْنَيْنِ وَهُوَ كَقَوْلِه جلّ وَعلا فقد
(فقد صغت قُلُوبكُمَا )
وكقول الشَّاعِر
(ظهراهما مثلَ ظُهور التُّرْسين )
وَذَلِكَ أَن أقل الْجمع اثْنَان فَجَاز أَن يعبر عَنْهُمَا بِالْجمعِ وَدلّ على أَنه أَرَادَ التَّثْنِيَة أَنه أخبر عَنْهُمَا بالتثنية فَقَالَ تقعان وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْجمع فَسمى كل جُزْء مِنْهُمَا ركبة كَقَوْلِه شابت مفارقه وَهُوَ مفرق وَاحِد وَإِنَّمَا أَرَادَ كل جُزْء من المفرق ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِيقَة فَقَالَ تقعان الْغَرِيب الأذفر الشَّديد الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول تكرمت ناقتى عَن البروك إِلَّا على الْمسك الأذفر لِأَن العنبر يُوقد بِحَضْرَة الممدوح والمسك ممتهن عِنْده بِحَيْثُ تبرك عَلَيْهِ ناقتى
٣٧ - الْغَرِيب الأظل بَاطِن الْخُف الذى يلى الأَرْض وحذيت جعل لَهَا حذاء وَهُوَ النَّعْل الْمَعْنى يَقُول أتتك هَذِه النَّاقة وَقد دميت خفافها لطول السّير وحزونة الطَّرِيق حَتَّى كَأَنَّهَا احتذت العقيق الْأَحْمَر وَهُوَ حِجَارَة حمر فِيهَا جوهرية وَهَذَا مثل قَول الآخر
(كأنَّ أيْدِيهِنَّ بالمَوْماةِ أيْدى جَوَارٍ بِتْنَ ناعماتِ)
يُرِيد أَنَّهَا خضبت بِالدَّمِ كخضاب أيدى هَؤُلَاءِ الجوارى
٣٨ - الْغَرِيب بدرت أى سبقت من الْمُبَادرَة الْمَعْنى يُرِيد أَن نَاقَته سبقت إِلَى هَذَا الممدوح صرف الزَّمَان فَكَأَنَّهَا وجدت الزَّمَان مَشْغُولًا عَنْهَا فانتهزت الفرصة سَابِقَة إِلَيْك نوائبه وصروفه لِأَن صرف الزَّمَان يدْفع وَيمْنَع الْخيرَات
[ ٢ / ١٦٩ ]
- الْإِعْرَاب بعْدهَا الضَّمِير للأعراب أى بعد مُفَارقَة الْأَعْرَاب الْغَرِيب رسطاليس حَكِيم رومى وَأَصله أرسطاطاليس فَحذف بعضه كَفعل الْعَرَب بالأسماء الأعجمية إِن لم يُمكنهُم نقلهَا غيروها فى أشعارهم وَهَذَا الِاسْم فى كَثْرَة حُرُوفه لَا يُوجد مثله فى أَسمَاء الْعَرَب والإسكندر ملك الشرق والغرب الْمَعْنى أَنه يُخَاطب الْأَعْرَاب يَقُول بعد فراقكم رَأَيْت عَالما وَهُوَ فى علمه وحكمته مثل أرسطاطاليس وفى ملكه مثل الْإِسْكَنْدَر قد جمع بَين الْملك وَالْعلم وَالْحكمَة
٤٠ - الْغَرِيب العشار جمع عشراء وهى الَّتِى أَتَى لحملها عشرَة أشهر والبدر جمع بدرة وَيُقَال البدرة عشرَة آلَاف والنضار الذَّهَب الْمَعْنى يَقُول مللت صُحْبَة الْأَعْرَاب وَنحر الْإِبِل ولحومها فأضافنى الممدوح فَجعل قراى بدر الذَّهَب وَهَذَا من قَول البحترى
(مَلِكٌ بعاليةِ العِراقِ قِبابُهُ يَقْرِى البُدُورَ بهَا ونحنُ ضُيوفُهُ)
وَلما ذكر نحر العشار ذكر نحر الْبَدْر وَمعنى نحرها فتحهَا لإعطاء مَا فِيهَا
٤١ - الْإِعْرَاب دارس كتبه نصب على الْحَال وَمَا بعده أَيْضا حَال وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون دارس كتبه مَفْعُولا ثَانِيًا كَمَا تَقول سَمِعت زيدا هَذَا الحَدِيث الْغَرِيب بطليموس حَكِيم من حكماء الرّوم لَهُ كتب فى الطِّبّ وَالْحكمَة الْمَعْنى يَقُول سَمِعت بطليموس يُرِيد بِهِ الممدوح لِأَنَّهُ كَانَ حكيما عَالما جمع بَين أَفعَال الْمُلُوك وفصاحة البدو وظرف الْحَضَر يدرس كتبه فى حَال جمعه بَين الملوكية والبدوية والحضرية وَسَماهُ بطليموس لمشابهة لَهُ فى الْحِكْمَة وَالْعلم وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون سمع من ابْن العميد مَا عَفا ودرس من كتب بطليموس لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بذكائه وجودة قريحته وَيكون التَّقْدِير سَمِعت دارس كتب بطليموس وَلكنه قدم ذكره ثمَّ كنى عَنهُ
٤٢ - الْغَرِيب الأعصر جمع عصر كأعصار وعصور الْمَعْنى إنى لقِيت بلقائه كل من لَهُ فضل وَعلم كَأَن الله أحياهم لى فرأيتهم بِرُؤْيَتِهِ وَالْمعْنَى أَن الله جمع فِيهِ من الْفضل وَالْعلم مَا كَانَ مُتَفَرقًا وَمعنى الأبيات من قَول ابْن الرومى
(أتَيْتُهُ وَأَنا المَمْلُوءُ مِن غَضَبٍ على الزَّمانِ فَسَرَّى عَنِّىَ الغَضَبا)
(فلوْ حَلَفْتُ لَمَا كُذِّبْتُ يَوْمَئِذٍ أنّى لَقيتُ هُناكَ العُجْمَ والعَرَبا)
[ ٢ / ١٧٠ ]
- الْمَعْنى قَالَ الواحدى جمع لنا الْفُضَلَاء فى الزَّمَان ومضوا مُتَتَابعين متقدمين عَلَيْك فى الْوُجُود فَلَمَّا أتيت بعدهمْ كَانَ فِيك من الْفضل مَا كَانَ فيهم مثل الْحساب يذكر تفاصيله أَولا ثمَّ تجمل تِلْكَ التفاصيل فَيكْتب فى آخر الْحساب فَذَلِك كَذَا وَكَذَا فَيجمع فى الْجُمْلَة مَا ذكر فى التَّفْصِيل كَذَلِك أَنْت جمع فِيك مَا تفرق فيهم من الْفَضَائِل وَالْعلم وَالْحكمَة وَفِيه نظر إِلَى قَول الْقَائِل
(وفى النَّاسِ مِمَّا خُصِصْتُمْ بِه تفاريقُ لكنْ لكُمْ مُجْتَمِعْ)
٤٤ - الْإِعْرَاب نصب فَتعذر على جَوَاب التمنى بإضمار أَن عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا بِالْفَاءِ نَفسهَا الْمَعْنى يَقُول لَيْت الَّتِى أحزننى دمعها لما فارقتها بِالْمَسِيرِ إِلَيْك وَالْقَصْد لَك رَأَتْ كَمَا رَأَيْت مِنْك فَكَانَت تعذرنى على فراقها وركوب الْأَهْوَال إِلَيْك ٤٥ - الْإِعْرَاب روى ابْن جنى لَا ترد على مَا لم يسم فَاعله وَقَالَ ابْن فورجة صحف ابْن جنى وتمحل لتصحيفه وَجها وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة لَا ترد وفاعلها ضمير الْفَضِيلَة وَنصب الْفَضِيلَة الثَّانِيَة لِأَنَّهَا مفعول ترد وَنصب الشَّمْس والسحاب بِفعل مُضْمر فَكَأَنَّهُ قَالَ وَترى بِرُؤْيَة فضائلك الشَّمْس والسحاب وتشرق فى مَوضِع الْحَال وكنهورا حَال الْغَرِيب شَرقَتْ الشَّمْس إِذا طلعت وأشرقت إِذا أظلت وأضاءت والكنهور الْعَظِيم المتكاثف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ترى الْفَضِيلَة فِيك وَاضِحَة غير مَشْكُوك فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ ترى برؤيتك الشَّمْس والسحاب وَالشَّمْس وَاضِحَة والسحاب متكاثفا متراكما وَقَالَ لَا ترد بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول أى هى مَقْبُولَة غير مَرْدُودَة وَقَالَ أَبُو على بن فورجة صحف الْبَيْت ثمَّ جعل لَهُ تَفْسِيرا وَهُوَ رِوَايَة لَا ترد وَلَا ريب أَنه إِذا صحف وَأَخْطَأ احْتَاجَ إِلَى تمحل وَجه والذى قَالَ أَبُو الطّيب لَا ترد وفاعله الضَّمِير فى الْفَضِيلَة وَنصب الثَّانِيَة لِأَنَّهَا مفعول بهَا وَمعنى الْبَيْت أَنَّهَا ترى الْفَضِيلَة لَا ترد ضدها من الْفَضَائِل على مَا عهدنا من المتضادين ثمَّ فسر ذَلِك فَقَالَ يوجدك الشَّمْس مشرقة والسحاب كنهورا فى حَال وَاحِد أى يوجدك هَذَا الممدوح هَذِه المتضادين وَإِن كَانَت الشَّمْس يَسْتُرهَا السَّحَاب فوجهه كَالشَّمْسِ إضاءة ونائلة كالسحاب الكنهور فعلى تضادهما لَا يتنافيان فى وَقت وَاحِد وَلَو كَانَا فى الْحَقِيقَة الشَّمْس والسحاب لستر السَّحَاب الشَّمْس وتنافيا وَقد قَالَ فى مَعْنَاهُ مُحَمَّد بن على بن بسام
(الشَّمْس غرته والغيث رَاحَته فَهَل سَمِعْتُمْ بغيث جَاءَ من شمس)
(تَلْقَى مُغِيما مُشْمِسًا فى حالَةٍ هَطِلَ الإغامة نَيّرِ الإشْماسِ)
وَقَالَ أَيْضا
(لكُلّ جَليسٍ فى يَدَيْهِ ووَجْهه مَدَى الدَّهْرِ يَوْما الغَيْمِ والإشْماسِ)
وَتَبعهُ البحترى فَقَالَ
(وأبْيَضَ وَضَّاحٍ إِذا مَا تَغَيَّمَتْ يَداهُ تجَّلى وجهُه فتقَشَعَّا)
وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى يُرِيد أَن من عَادَة الشَّمْس أَن يَسْتُرهَا السَّحَاب إِذا اجْتمعَا وفيك هَاتَانِ الفضيلتان لَا ترد إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لِأَنَّهُمَا كالمتضادين فِيك وَلَا تنفى إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فِيك إشراق الشَّمْس وانهمال السَّحَاب يُشِير إِلَى تبلجه عِنْد السُّؤَال وتدفقه بالنوال
[ ٢ / ١٧١ ]
- الْإِعْرَاب منزلا وَمَا بعده مَنْصُوب على التَّمْيِيز الْغَرِيب أسر رَاحِلَة قَالَ الواحدى وَهُوَ مُبَالغَة من السِّرّ أى أخفتنى بسراها لَيْلًا حَتَّى أَتَيْتُك وَإِن كَانَ من السرُور فَيكون سرُور صَاحبهَا هُوَ المُرَاد بسرورها والمتجر مَا يتَّخذ للتِّجَارَة الْمَعْنى يَقُول منزلى أطيب وأفسح من كل أحد وتجارتى أربح تِجَارَة لِأَن شعرى مَطْلُوب دون شعر غيرى لأنى أعْطى عَلَيْهِ الجزيل
٤٧ - الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة وَله برجان وهما الجدى والدلو وهما برجا الشَّمْس فى الشتَاء والمعشر وَالْعشيرَة قوم الرجل وَأَهله وَالْقَوْل لما يعقل فى الْحَقِيقَة للذكور دون غَيرهم وَلما جعل الْكَوَاكِب محدقة بزحل وَكَانَ الإحداق مِمَّا يُوصف بِهِ ذَوُو الْعقل أوقع عَلَيْهَا اسْم الْقَوْم وَكَذَا فى الْكتاب الْعَزِيز لما وصفت بِوَصْف من يعقل قَالَ ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ فجَاء ضمير هم ضمير من يعقل الْمَعْنى يَقُول زحل شيخ النُّجُوم وَلَو كَانَ من عشيرتك لَكَانَ أكْرم معشراء مِنْهُ الْآن والنجوم قومه وَذَلِكَ أَن قَوْمك أشرف من النُّجُوم فَلَو كَانَ من قَوْمك كَانَ أشرف مِمَّا هُوَ فِيهِ مَعَ أَن معشره النُّجُوم
[ ٢ / ١٧٢ ]
- ١ - الْغَرِيب الفرند جَوْهَر السَّيْف وهى الخضرة الَّتِى تردد فِيهِ والجراز الْقَاطِع وَمِنْه
(الأَرْض الجرز ) لِأَنَّهَا تقطع النَّبَات وَالْبرَاز المبارزة للأقران فى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول كجوهرى جَوْهَر سيفى وَهُوَ يحكينى فى المضاء وَهُوَ حسن فى الْعين وعدة للقاء الْأَعْدَاء وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى ذُؤَيْب الهذلى يصف فرسا
(يزينُ العينَ مَرْبوطا ويَشْفِى قَرَمَ الرَّاكِبْ)
وَأحسن من هَذَا التَّشْبِيه قَول الطائى
(فى كلّ جوْهرَةٍ فِرِنْد مُشْرِقٌ وَهُوَ الفِرنْد لهَؤُلَاء النَّاس)
٢ - الْغَرِيب الأحراز جمع حرز وَهُوَ العوذة لِأَنَّهَا تحرز حاملها من الشَّيَاطِين وَمن الْعين الْمَعْنى أَنه شبه بريق السَّيْف بالنَّار وَشبه آثَار الفرند فِيهِ ودقته بخطوط من المَاء دقيقة كأدق مَا يكون من الخطوط لِأَن الأحراز يكْتب فِيهَا الْخط الدَّقِيق غَالِبا وَلِهَذَا قَالَ
(أدق الخطوط فى الأحراز )
وَهُوَ من قَول مُحَمَّد بن الْحُسَيْن
(ماضٍ تَرَى فى مَتْنِهِ مَاء بنارٍ مُخْتَلِطْ)
وَمثله لأبى المعتصم ١
(كأنَّهُ فى طبْعِه واللَّوْنِ ماءٌ ولَظَى )
٣ - الْإِعْرَاب الأَصْل هازئ بِالْهَمْز إِلَّا أَنه خفف عِنْد الْوَقْف الْغَرِيب الموج جمع موجة يُقَال موج وأمواج وَهُوَ مَا يذهب من المَاء تَارَة وَيرجع أُخْرَى بِقدر شدَّة الرِّيَاح وهزئ يهزأ فَهُوَ هازئ وهزأت بِهِ وتهزأت هزأ ومهزأة وَرجل هزأة بتسكين الزاى يهزأ بِهِ وهزأه بِفَتْحِهَا يهزأ بِالنَّاسِ والمصدر من هزأت هزؤا مُثقلًا ومخففا وخففه حَمْزَة وَترك همزته حَفْص وَثقله الْمَعْنى يَقُول إِذا أردْت أَن تعرف لَونه غلب مَاؤُهُ وبياضه الذى يتَرَدَّد فِيهِ كالموج ينظره النَّاظر فَلَا يُمكنهُ أَن يعرف لَونه كَأَنَّهُ يهزأ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يسْتَقرّ حَتَّى يحققه النَّاظر وَهُوَ من قَول الآخر
(وكأنَّ الفِرِنْدَ والرَوْنَقَ الجا رِىَ فى صَفْحَتَيْهِ ماءٌ مَعِينُ)
وَلابْن أَبى مزرعة
(مُتَرَدّدٌ فِيهِ الْفِرِنْدِ تَرَدُّدَ المَاءِ الزُّلالِ)
[ ٢ / ١٧٣ ]
- الْغَرِيب الهباء هُوَ مَا ترَاهُ فى الشَّمْس إِذا دخلت من مَوضِع ضيق والأنيق الْحسن ومتوال يتبع بعضه بَعْضًا ومستو صَحِيح الضَّرْب أى فى متن مستو وهزهاز يَتَحَرَّك يجِئ وَيذْهب وَسيف هزهاز وهزاهز كَأَن مَاءَهُ يذهب عَلَيْهِ ويجئ الْمَعْنى قَالَ الواحدى روى ابْن جنى قدى بِالدَّال الْمُهْملَة من قَوْلهم قيد رمح وقدى رمح أى مِقْدَاره جعل السَّيْف كَالْمَاءِ لضيائه والفرند كقدى الهباء فى الشكل وَالصُّورَة وَجعله أنيقا لِأَنَّهُ يعجب النَّاظر إِلَيْهِ
٥ - الْغَرِيب الجوازئ جمع جازئة وهى الَّتِى جزأت بالرطب عَن المَاء من الْوَحْش جزأت تجزأ جزؤًا بِالضَّمِّ فهى جازئة وَالْجمع جوازئ قَالَ الشماخ
(إذَا الأرْطَى تَوسَّدَ أبْرَدَيْهِ خُدُودُ جَوَازِئ بالرَّمْلِ عِينِ)
وفى هَذَا الْبَيْت صَنْعَة فى إعرابه الأرطى مفعول مقدم وتوسد فَاعله خدود وأبرديه ظرف تَقْدِيره فى أبرديه الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّيْف شربت جوانبه من المَاء بِقدر مَا يلينها والمتن لم يشرب لِأَن السَّيْف لَا يسقى كُله وَإِنَّمَا يسقى شفرتاه وَيتْرك مَتنه ليَكُون أثبت لَهُ حَتَّى لَا ينقصف إِذا ضرب بِهِ
٦ - الْغَرِيب حمائل السَّيْف هى نجادة وَهُوَ مَا يحمل بِهِ يُقَال حمالَة وحمائل والخراز هُوَ الذى يخرز بالسيور الحمائل وَغَيرهَا الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّيْف هُوَ من قدمه وَكَثْرَة مَا أَتَى عَلَيْهِ من السنين وتداول الأيدى قد أخلقت حمائله فهى محتاجة إِلَى من يجددها وأضاف الحمائل إِلَى الدَّهْر مجَازًا فَأَرَادَ أَنه قديم الصَّنْعَة قد أخلق طول الدَّهْر حمائله فَلَمَّا كثر حاملوه بطول الدَّهْر كَانَ كَأَن الدَّهْر حَامِل لَهُ وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحترى
(حَمَلَتْ حَمائِلُه القديمةُ بَقْلَةً مِنْ عَهْدِ عادٍ غَضَّةً لم تَذْبلُ)
[ ٢ / ١٧٤ ]
- الْغَرِيب غراريه مَا بَين مَتنه وَحده وَالْعرض النَّفس يُقَال أكرمت عَنهُ عرضى وَالْعرض الْحسب وَفُلَان نقى الْعرض برِئ من أَن يشْتم وَالْعرض الْجَسَد وفى صفة أهل الْجنَّة إِنَّمَا هُوَ عرق يسيل من أعراضهم أى من أَجْسَادهم وَالْعرض اسْم وَاد بِالْيَمَامَةِ وَقيل كل وَاد فِيهِ شجر فَهُوَ عرض قَالَ الشَّاعِر
(لعِرْضٌ مِنَ الأعْراضِ يُمْسِى حَمامُهُ ويُضْحى عَلى أفْنانِهِ الغِينِ يَهْتِفُ)
(أحَبُّ إِلَى قَلبى مِنَ الدّيكِ رَنَّةً وبابٍ إذَا مَا مالَ للْغَلْقِ يَصْرِفُ)
انتضى السَّيْف فَهُوَ منتض إِذا سَله والمخازى جمع مخزاة الْمَعْنى يَقُول سيفى لسرعة قطعه لَا يلصق بِهِ الدَّم وَلَا يتلطخ بِهِ كَمَا أَن حامله والضارب بِهِ لَا يلْحق عرضه شئ من الْعَيْب وَلَا يذم بشئ يُرِيد نَفسه والمخازى مَا يخزى بِهِ الْإِنْسَان من ذمّ قَبِيح وَهُوَ من قَول الأول
(بكلّ حُسامٍ كالعَقيقةِ صَارِمٍ إِذا قَدَّ لم يَعْلَقْ بصفحته الدَّمُ)
٨ - الْغَرِيب الرَّوْض جمع رَوْضَة وَيُقَال روض ورياض والمعقل الْحصن الذى يعتصم بِهِ النَّاس من عَدو وَالْبرَاز الصَّحرَاء الواسعة وَقَالَ الْفراء هُوَ الْموضع الذى لَيْسَ بِهِ شجر وتبرز الرجل خرج إِلَى البرَاز لحَاجَة الْمَعْنى يُرِيد يَا مزيل الظلام وَيَا روضى وَيَا معقلى أَنْت تزيل الظلام عَنى بضيائك وحسنك وَأَنت إِذا شربت روضى لخضرته وَالسُّيُوف تُوصَف بالخضرة كَمَا قَالَ بَعضهم
(مُهَنَّدٌ كأنَّما طَبَّاعُهُ أشرَبَهُ فى الهِنْدِ ماءَ الهِنْدِبا)
وَأَخذه البحترى فَقَالَ
(حَمَلَتْ حَمائلُهُ القَديمَةُ بَقْلَةً مِنْ عهدِ عادٍ غَضَّةً لم تَذْبُلِ)
٩ - الْإِعْرَاب اليمانى فى مَوضِع نصب بالنداء فَكَأَنَّهُ قَالَ يَا مزيل الظلام وَيَا اليمانى وَهُوَ جَائِز عندنَا أَن يُنَادى مَا فِيهِ التَّعْرِيف نحويا الرجل وَيَا الْغُلَام وأبى البصريون ذَلِك وَحجَّتنَا أَنه قد جَاءَ فى أشعارهم وَكَلَامهم قَالَ الشَّاعِر
(فيا الغُلامانِ اللَّذانِ فَرَّا إيَّاكُما أنْ تَكْسِبانِى شَرًا)
وَقَالَ الآخر
(فَدَيْتُكِ يَا الَّتِى تَيَّمْتِ قَلبى وَأَنت بخيلَةٌ بالوَصْلِ عَنّى)
وَيدل على صِحَة قَوْلنَا إجماعنا على أَنه يجوز أَن يُقَال فى الدُّعَاء يَا ألله وَالْألف وَاللَّام فِيهِ زائدتان وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الْألف وَاللَّام للتعريف وحرف النداء يُفِيد التَّعْرِيف وتعريفان فى كلمة لَا يجوز الْغَرِيب اليمانى نِسْبَة إِلَى الْيمن يُقَال يمنى ويمان مُخَفّفَة وَالْألف عوض من يَاء النّسَب فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَبَعْضهمْ يَقُول يمانى بِالتَّشْدِيدِ قَالَ أُميَّة بن خلف
(يَمانِيًّا بَطل يَشُدُّ كِيرًا وَيَنْفُخُ دَائِما لَهَبَ الشُّوَاظِ)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ عَزِيز عندى فَمن عزته لَو قدرت جعلت عينى غمدا لَهُ
[ ٢ / ١٧٥ ]
- الْغَرِيب الصليل الصَّوْت وصلصلة اللجام صَوته وتصلل الحلى إِذا صَوت والارتجاز مَا يقلل من الرجز وَهُوَ ضرب من الشّعْر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول بِإِزَاءِ برقك فعالى وبإزاء صلنلك ارتجازى فهما يقومان مقَام برقك وصليلك يقارن مَا بَين سَيْفه وَنَفسه تَشْبِيها
١١ - الْإِعْرَاب لم أحملك حرك السَّاكِن وَحذف الْهمزَة وهى لُغَة جَيِّدَة جَاءَت فى أشعارهم وخطبهم وَكَلَامهم وَبَيت الحماسة
(فَمَنْ أنْتُمُ إنَّا نَسِينا مَنْ آنْتُمُ )
وَمِنْه قِرَاءَة ورش عَن نَافِع فَمن أظلم وَمن أصدق وَمن أحسن وَأَن ارضعيه وَجَمِيع مَا فى الْقُرْآن من هَذَا فَإِنَّهُ ينْقل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن وحذفها وَقَرَأَ حَمْزَة هَذَا كُله والأشنانى بِالْفَصْلِ السَّاكِن والهمزة بسكتة يسيرَة الْغَرِيب الْمعلم الذى قد شهر نَفسه فى الْحَرْب بعلامة يعرف بهَا وَهُوَ مِمَّا كَانَت تَفْعَلهُ الْأَبْطَال من الْعَرَب والأجواز الأوساط الْوَاحِد جوز الْمَعْنى يَقُول لم أحملك فى الْحَرْب لزينة وَإِنَّمَا أحملك لأقتل بك الْأَعْدَاء
١٢ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عَلَيْهَا للرقاب والأجواز وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْمَصْدَرِ وَاللَّام يتَعَلَّق بغاز الْغَرِيب رجل غاز وَالْجمع غزَاة كقاض وقضاة وغزى مثل سَابق وَسبق وغزى مثل حَاج وحجيج وقاطن وقطين وغزاء كفاسق وفساق وَالِاسْم الْغُزَاة وَالنِّسْبَة إِلَى الْغَزْو غزوى وَكله الذى يَغْزُو الْعَدو وَأَصله الْقَصْد الْمَعْنى يَقُول لم أحملك إِلَّا لقطعى بك الدروع والمغافر فَأَنا أعزو جنسى من النَّاس وَأَنت تغزو جنسك من الْحَدِيد فكلانا يَغْزُو جنسه
[ ٢ / ١٧٦ ]
- الْغَرِيب الركض الْعَدو السَّرِيع ووهن شطر من اللَّيْل والموهن مثله وَقَالَ الأصمعى هُوَ حِين يبرد اللَّيْل وَقَالَ غَيره هُوَ نَحْو من نصف اللَّيْل وَقد أوهنا أى سرنا فى تِلْكَ السَّاعَة وَأهل الْحجاز مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا بعد من الشَّام الْمَعْنى يَقُول لما ركضت الْخَيل بعد وَهن خرج من الغمد فَرَأى اهل الْحجاز بريقه فظنوه برقا فارتقبوا الْمَطَر قَالَ ابْن جنى خص أهل الْحجاز لِأَن فيهم طَمَعا أَو إِنَّمَا جرت إِلَيْهِم القافية وَهَذَا الْبَيْت مَنْقُول من قَول الوائلى
(مَا سلَّهُ أهلُ الحجازِ لحاجَةٍ إلاَّ يُبَشِّرُ بالسِّحابِ الشاَّما)
وَأَخذه على بن الجهم فِي قَوْله فِي قبَّة المتَوَكل
(وقبة ملك كَأَن النُّجُوم تصغي إِلَيْهَا بأسرارها)
(إِذا أُوْقِدَتْ نارُها بالعِرَاقِ أضَاءَ الحجازَ سَنا نارِها)
١٤ - الْغَرِيب يوازى يعادل ويماثل وَابْن صَالح هُوَ الممدوح وَهَذَا من أحسن المخالص الَّتِى للمتنبى وَقد أحسن فِيهِ وَمثله
(نُوَدّعُهُمْ والبَيْنُ فِينَا كأنَّهُ قَنا ابْن أَبى الهَيجاءِ فى قلبِ فَيلق)
وَمثله لَهُ
(وإلاَّ فخانَتْنِى القَوَافىِ وَعاقَنِى عَن ابْن عُبَيدِ اللهِ ضعفُ العزائمِ)
وَله أَيْضا
(أحِبُّك أوْ يَقُولُوا جَرَّ نملٌ ثَبِيرًا وابنُ إبراهيمَ رِيعا)
وَله فى المخالص الْيَد الطُّولى وَأحسن مَا قيل فى المخالص نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَمِنْهُ قَول حبيب
(يقولُ فى قُومَسٍ صَحْبِى وَقد أخذَتْ منا السُّرَى وخُطا المَهْرِيَّةِ القُودِ)
[ ٢ / ١٧٧ ]
(أمَطْلعَ الشَّمْسِ تبغى أَن تَؤُمَّ بِنَا فقلتُ كَلاَّ ولكنْ مَطْلِعَ الجُودِ)
وَله أَيْضا
(صُبَّ الفِرَاقُ علينا صُبَّ مِنْ كَثَبٍ عَلَيْهِ إسحاقُ يَوْمَ الرَّوْعِ مُنْتَقِما)
وَله أَيْضا
(لَا والَّذى هُوَ عالمٌ أنَّ النَّوَى صَبِرٌ وأنَّ أَبَا الحَسَيْن كريمُ)
وللبحترى
(آلَيْتُ لَا أجْعَلُ المَعْرُوفَ حادِثَةَ تَخْشَى وَعِيسىَ بنُ إبْراهِيمِ لى سَنَدَ)
وكقول ابْن هَانِئ
(لَا تَسَلْنِى عَنِ اللَّيالى الخَوَالى وأجِرْنِى مِنَ اللَّيالىِ البَوَاقِى)
(ضَرَبَتْ بَيْنَنا بأبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ رَاجِى المُعِزّ والإمْلاقِ)
وَله أَيْضا
(المُدْنَفانِ مِنَ البَرِيَّةِ كُلِّها جِسمى وطَرْفٌ بابِلىٌّ أحورُ)
(والمُشْرِقاتُ النَّيّرَاتُ ثَلاثَةٌ الشَّمْسُ والقَمَرُ المُنيرُ وجَعفَرُ)
وَله أَيْضا
(ولكنَّما ضاحكْنَنا عَن محاسِنٍ جَلَتْهُنَّ أيّامُ المُعزِّ الضَّوَاحِكُ)
وكقول مُحَمَّد بن وهيب
(حَتَّى اسْتَرَدَّ اللَّيْلُ خِلْعَتَهُ وَنَشا خِلالَ سَوَادِهِ وَضَحُ)
(وَبَدَا الصَّباحُ كأنَّ غُرَّتهُ وَجْهُ الخَليفَةِ حِين ممْتَدَحُ)
وكقول عبد المحسن الصورى
(قد رَضِينا بذَاكِ مِنْكِ وَإنْ قَللَّ فَلَا تَنْقُصىِ إِذا لم تَزِيدِى)
(واكْتُمى أنَّنا سألْناكِ جُودًا تسْلَمى من محمدِ بن سعيدِ)
وكقول الآخر
(لستُ أنْسَى أيَّامَكَ الْبيض والبيضُ يفدِّين رأسِىَ المُسْوَدّا)
(أَو يُقالُ السَّماءُ صافحَتِ الأرْ ضَ وراجِى الإِمَام خَابَ وأكْدى)
وكقول الحيص بيص واسْمه سعيد
(تزاحَمُ أشْجانى إِذا مَا ذكرْتكم زحام المُنادِى عِنْد بَاب ابْن مُسلم)
فَهَذَا أحسن مَا يُوجد فى المخالص قد ذَكرْنَاهُ لأَنا قد شرطنا أَن نذْكر مِنْهَا شَيْئا هُنَا
[ ٢ / ١٧٨ ]
- الْغَرِيب السراة جمع سرى والروذبارى هُوَ الممدوح نِسْبَة إِلَى بلد أَبِيه روذبار وهى بَلْدَة من بِلَاد الْعَجم الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل سيد كَهَذا الممدوح وَلَا كل مَا يطير كالبازى يُرِيد لَيْسَ أحد مثل هَذَا الممدوح الذى قد جمع مَا تفرق فى غَيره من السَّادة ينظر إِلَى قَول الأول
(بُغاثُ الطَّيرِ أَكْثَرهَا فِرَاخا وأمّ الصَّقر مِقْلاتٌ نَزُورُ)
١٦ - الْإِعْرَاب فارسى خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ فارسى الْغَرِيب أبرواز هُوَ أبرويز أحد مُلُوك الْعَجم وَإِنَّمَا غير اسْمه وَنَقله للوزن وكعادة الْعَرَب تفعل بالأسماء الأعجمية مَا شَاءَت فِيهَا فى تصرفها الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعجمى الأَصْل فارسى لَهُ تَاج كَانَ قَدِيما على أبرويز لِأَنَّهُ من بَيت الْملك وَهُوَ قديم فى الْملك معرق لَا عصامى
١٧ - الْغَرِيب يُقَال عزوته إِذا نسبته إِلَى أَبِيه أعزوه فَأَنا عاز لَهُ أى ناسب الْمَعْنى يَقُول هُوَ أصيل شرِيف فَلَا يحْتَاج إِلَى نسب فَلَو نسبته إِلَى الشَّمْس كَانَ أشرف قدرا
١٨ - الْإِعْرَاب وسام عطف على أَسمَاء كَأَن وَالْخَبَر فى الْجَار وَالْمَجْرُور الْغَرِيب الفريد الدّرّ إِذا نظم وَفصل بِغَيْرِهِ وَيُقَال فريد الدّرّ الْكِبَار مِنْهُ وأفراد النُّجُوم الدرارى فى آفَاق السَّمَاء والسام عروق الذَّهَب وأضافه إِلَى الرِّكَاز لِأَن الرِّكَاز معادن الذَّهَب وكنوز الْجَاهِلِيَّة وَمِنْه الحَدِيث // الصَّحِيح // " وفى الرِّكَاز الْخمس " الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَشْيَاء تُوجد فى لَفظه لفصاحته وبلاغته
١٩ - الْغَرِيب الأعجاز جمع عجز وَهُوَ أَسْفَل كل شئ وَمِنْه كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية الْمَعْنى يَقُول هُوَ مَشْغُول بكسب المعالى لَا بِحسان الْوُجُوه من النِّسَاء وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطائى
(ومَنْ كانَ بالبيضِ الكَواعب مُغْرَما فَمَا زِلتَ بالبيض القوَاضب مُغْرَما)
(ومَنْ تيمتْ سُمْرُ الحِسانِ وأُدْمُها فَمَا زلتَ بالسُّمْر العوَالى مُتَيَّما)
وَمن قَوْله أَيْضا
(عَدَاكَ حَرُّ الثُّغور المُستضامَة عَن بَرْد الثٌّ غور وَعَن سَلْسالها الْحَصِبِ)
[ ٢ / ١٧٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول لقصورهم عَنهُ وحنقهم وغيظهم يقضمون الْجَمْر وَالْحَدِيد كَمَا يقضم سكر الأهواز وَهُوَ من قَول الْأَعْشَى
(فعضَّ حَدِيد الأرْض إِن كنتَ ساخطًا بفِيكَ وأحْجارَ الكُلابِ الرَّوَاهصا)
وَقَول أَبى الْعَتَاهِيَة
(كأنَّ المَطايا المُجْهَداتِ من السُّرَى إِلَى بَابه يَقْضَمْنَ بالجُهد سَكرَّا)
٢١ - الْغَرِيب الإسهاب الْإِكْثَار وَالْعَفو الْقَلِيل الْمَعْنى ينَال ببلاغته مَا يَنَالهُ غَيره بالجهد وبإيجازه مَا يَنَالهُ غَيره بالإكثار وَأحسن مِنْهُ قَول البحترى
(فى نظامٍ مِنَ البَلاغة مَا شَكَّ امْرُؤٌ أنَّه نِظامُ فَرِيدِ)
(حُزْنَ مُسْتعمَل الكلامِ اخْتيارًا وتجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعقيد)
٢٢ - الْغَرِيب الدِّيات جمع دِيَة وهى مَا يُؤْخَذ من الْقَاتِل عَن الْقَتِيل والإعواز الإعياء الْمَعْنى هُوَ يحمل الدِّيات عَن قومه وَثقل الدُّيُون وكل مَا يلْحقهُ ضَرَر فَهُوَ يحملهُ عَنْهُم
٢٣ - الْغَرِيب المرازى جمع مرزئة وَأَصله الْهَمْز وخفف ضَرُورَة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ لَا يشكو مَا هُوَ مَدْفُوع إِلَيْهِ من لِقَاء الحروب وَاحْتِمَال المغارم عَن النَّاس وَكَيف يَشكونَ هم ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ المتحمل عَنْهُم كل ثقيل وَهُوَ أولى بِأَن يتشكى ذَاك مِنْهُم وَالْمعْنَى الْعجب مِمَّن يشكو رزية وَهُوَ متحملها عَنهُ كَيفَ يشكوها
[ ٢ / ١٨٠ ]
- الْغَرِيب الفناء الْمنزل والمجتاز الذى يجوز بِالْمَكَانِ وَلَا يقْعد فِيهِ وَلَا يبيت الْمَعْنى إِن فناءك وَاسع كَبِير وَلَيْسَ لمَالِك فِيهِ مبيت يَقُول إِن مَالك لَا يُقيم عنْدك فَإِذا وصل إِلَى مَنْزِلك اجتاز بِهِ لَا يُقيم فِيهِ مَعَ سَعَة مَنْزِلك لِأَنَّك تبذل مَالك فَلَا يبْقى عنْدك
٢٥ - الْغَرِيب شبا الأسنة حَدهَا وأسوق جمع سَاق وسوق وَكله بِغَيْر همز إِلَّا أَن قنبلا روى عَن ابْن كثير ﴿فَاسْتَوَى على سؤقه﴾ بِالْهَمْز وَكَذَا روى عَنهُ فى سُورَة ص ﴿بالسؤق والأعناق﴾ والنوازى النوافر الْمَعْنى يَقُول لما صرت فى جوارك واعتصمت بك صَارَت حديدات الأسنة عندى كسوق الْجَرَاد النوافر لقلَّة مبالاتى بهَا ونزا الْجَرَاد ينزو إِذا ركب ووثب
٢٦ - الْغَرِيب انثنى رجل وانعطف الْمَعْنى يَقُول انعطف عَنى الرمْح والتوى على نَفسه التواء الْحُرُوف كالهاء وَالْوَاو والزاى وَقَالَ الواحدى لَو أمكنه أَن يَقُول هوز لَكَانَ أحسن وَالْعرب تنطق بِهَذِهِ الْكَلِمَات على غير مَا وضعت قَالَ
(أَبُو جادِهِمْ بذلُ النَّدَى يَلْهَمُونَهُ ومُعْجَمُهُمْ بالسَّوْطِ ضرْبُ الفَوَارِس)
وَقَالَ آخر
(تعلَّمتُ باجادٍ وآلَ مُرَامرٍ )
وَقَالَ المعرى فى تعطف الرماح
(وتَعَطَّفَتْ لِعْبَ الصّلالِ رِماحُهُمْ فالزُّجّ عندَ اللَّهْذَمِ الرّعَّافِ)
٢٧ - الْغَرِيب التأسى التعزى والتعازى جمع تَعْزِيَة الْمَعْنى يَقُول إِذا ذكرنَا آباءك تعزينا وتسلينا عَمَّن بعدهمْ فَإِذا فَقدنَا بعدهمْ أحدا هان علينا لفقدهم وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(إِذا خَلَفٌ أوْدَى وخَلَّفَ مِثْلَهُ فمَا ضَرَّهُ أنْ غيَّبته الرَّوَامِسُ)
٢٨ - الْغَرِيب المهماز حَدِيدَة تكون فى عقب الرَّاكِب ينخس بهَا بطن الدَّابَّة حَتَّى تسرع فى المشى الْمَعْنى يَقُول ملكوا الأَرْض وذللوها وأطاعتهم كطاعة الدَّابَّة الذلول الَّتِى لَا يحْتَاج راكبها إِلَى مهماز لطاعتها لَهُ فى المشى
[ ٢ / ١٨١ ]
- الْغَرِيب النحاز سعال يَأْخُذ الْإِبِل وَالْغنم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أى لم يعبئوا بِكَلَام أحد لما صَارُوا إِلَى هَذِه الْحَالة قَالَ الواحدى والأجود أَن يُقَال السعال يرقق الصَّوْت وَالْمعْنَى كَانُوا لهيبتهم لَا يرفعون الصَّوْت بَين أَيْديهم يعْنى النَّاس
٣٠ - الْإِعْرَاب وهجان على هجان أى وَرب هجان على مَذْهَب الْبَصرِيين لِأَن وَاو رب لَا تعْمل عِنْدهم إِلَّا بِتَقْدِير رب مَعهَا وهى عندنَا نائبة عَنْهَا وتعمل عَملهَا من غير إِضْمَار وعديد حَال الْغَرِيب الْحُبُوب جمع حَبَّة والأقواز جمع قوز وهى الْقطعَة المستديرة من الرمل نَحْو الرّكْبَة الْمَعْنى يَقُول رب رجال كرام قصدتك على إبل كرام قَالَ الواحدى رَوَاهُ ابْن جنى
(تأتتك )
أى قصدتك وَأنْشد للأعشى
(إِذا هِىْ تأتَّى تريدُ القِيام تهادَى كَمَا قد رأيتَ البَهِيرا)
قَالَ البهير الذى وَقع بِهِ البهر وَقَالَ ابْن فورجة تأتى تفعل من الْإِتْيَان والأتى وَهُوَ يتَضَمَّن معنى الْقَصْد إِلَّا أَنه مَقْصُور على قَوْلهم تأتيت لهَذَا الْأَمر أى أَحْسَنت الصنع فِيهِ وَهُوَ التلطف فى الْفِعْل يُقَال فلَان لَا يَتَأَتَّى لهَذَا الْأَمر أى لَا يطوع لفعله فَأَما معدى إِلَى مفعول كصريح الْقَصْد فَلَا أرَاهُ سمع والذى فى بَيت الْأَعْشَى لَيْسَ بمتعد والذى فى شعر المتنبى مُتَعَدٍّ وَهَذِه لَفْظَة تسْتَعْمل للقصد الصَّرِيح وَقَالَ ابْن دُرَيْد تأياه بِالسَّلَامِ إِذا تَعَمّده بِهِ فَإِذا لم تعد فَقلت تأييت فَمَعْنَاه تحبست يُقَال تأيا فلَان بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَمعنى الْبَيْت رب رجال خالصى النّسَب قصدوك على نُوق كريمه عدد حبوب الرمل
٣١ - الْغَرِيب العراء الأَرْض الواسعة وَمِنْه
(فنبذناه بالعراء وَهُوَ سقيم )
والملاء جمع ملاءة وهى الْإِزَار والطراز مَا يكون فى الثَّوْب وَهُوَ فارسى مُعرب الْمَعْنى أَنه شبهها فى اسْتِوَاء سَيرهَا بصف فى أَرض مستوية فَلَا تخرج إِحْدَاهَا عَن الْأُخْرَى وَقَالَ الواحدى شبهها بطراز على ملاءة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ هُنَاكَ سراب كَانَ التَّشْبِيه أورقع لبياضه وَهَكَذَا سير الْإِبِل الْكِرَام إِذا وَقعت فى بسيط من الأَرْض استقامت فى السّير كَأَنَّهَا صف كَمَا قَالَ أَبُو نواس
(تَذرُ المَطِىَّ وراءَها فكأنَّها صَفٌّ تَقَدَّمُهُنّ وهى إِمَام)
[ ٢ / ١٨٢ ]
- الْغَرِيب الوفر المَال الْكثير وأودى هلك والعنتريس النَّاقة الشَّدِيدَة الصلبة والكناز المكتنزة اللَّحْم الْمَعْنى يُرِيد أَن السّير حكى جودك فى المَال وَأَنه يفنيه وَقد أودى بِهَذِهِ النَّاقة حَتَّى أذهب لَحمهَا وأفناها مَعَ شدتها وقوتها وَمَا كَانَت عَلَيْهِ من الاكتناز
٣٣ - الْمَعْنى إِذا وعدت إنْسَانا ظنونه أَنَّك تعطيه شَيْئا فتعده عَنْك وَعدا أنجزت أَنْت ذَلِك الْوَعْد عَاجلا فَلَا تعده نَفسه بوعد إِلَّا أنجزته بِأَكْثَرَ مِمَّا تعد وَفِيه تنظر إِلَى قَول الطائى
(صَدَّقْتَ ظَنِّى وصَدَّقتُ الظُّنونَ بِهِ وحطَّ جودُكَ عَقْدَ الرَّحلِ عنْ جَمَلى)
٣٤ - الْغَرِيب فحواه مَعْنَاهُ الْمَعْنى يَقُول نَحن ننسب القَوْل إِلَيْنَا وَلكنه أعلم بِمَعْنَاهُ منا وَأولى منا أَن يأتى فى القَوْل بِمَا يعجز قَالَه أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى كَذَا
٣٥ - الْغَرِيب القريض الشّعْر الْمَعْنى هُوَ عَارِف بالشعر وَكَلَام الْعَرَب معرفَة الْبَزَّاز بالثياب
٣٦ - الْغَرِيب الخارباز حِكَايَة صَوت الذُّبَاب وَيُسمى الذُّبَاب خازباز قَالَ ابْن أَحْمَر
(تَفَقَّأَ فَوْقه القَلَع السوارى وجٌ نَّ الخازبازِ بِهِ جُنونا)
وهما اسمان جعلا وَاحِدًا وبنيا على الْكسر فى الرّفْع وَالنّصب والجر قَالَ الأصمعى هُوَ نبت وَأنْشد
(أرعيُتها أكرمَ عُود عُودَا الصِّلَّ والصِّفْصِلَّ واليَعْضِيدَا)
(والخازِبازِ السَّنِمَ المَجُودَا بحَيْثُ يَدْعو عامِرٌ مَسْعُودَا)
وهما راعيان وَقَالَ قوم الخازبار دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فى حلوقها وَالنَّاس قَالَ الراجز
(يَا خازِبازِ أرْسلِ اللَّهازِما إنى أخافُ أَن تكونَ لازِما)
وَفِيه لُغَة أُخْرَى يُقَال الخزباز كقرطاس وَأنْشد الْأَخْفَش
(مثلُ الكلابِ تَهِرُّ عِنْد دِرَابِها وَرِمَتْ لهَازمُهُ مِن الخِزْبازِ)
وَقيل فِيهِ لُغَات ١ الْمَعْنى يَقُول أَنْت ناقد الْكَلَام تعرف الشّعْر وَغَيْرك يجوز عَلَيْهِ شعراء يهذون كَأَنَّهُمْ طنين الذُّبَاب فى هذيانهم
[ ٢ / ١٨٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى يجوز عَلَيْهِ الشّعْر الردئ يرى أَنه بَصِير وَهُوَ أعمى قد ضَاعَ عكازه وهى الْعَصَا الَّتِى يتَوَكَّأ عَلَيْهَا ويهتدى بهَا إِذا مَشى فى الطرقات
٣٨ - الْإِعْرَاب يرْوى
(نَظِير قابله مِنْك )
وَالْكَاف خطاب الشَّاعِر وَأَرَادَ مثل عقل الْمجَاز فَحذف للْعلم بِالْأولِ الْمَعْنى يَقُول للشاعر إِذا مدحت أحدا فَقبل شعرك فَهُوَ نَظِيره فَإِذا جازاك فعقله مثل عقلك لِأَن الْعَالم بالشعر لَا يقبل إِلَّا الْجيد وَالْجَاهِل بالشعر يقبل الردئ والمجيز الْمُعْطى وَالْمجَاز الْمُعْطى وَهُوَ الشَّاعِر قَالَ الواحدى لَا شكّ أَن كل شعر نَظِير قَائِله والعالم بالشعر شعره على حسب علمه وَكَذَلِكَ من دونه
[ ٢ / ١٨٤ ]
- ١ - الْإِعْرَاب كَانَ حَقه أَن يَقُول نَاسِيا لِأَنَّهُ مَنْصُوب بأذكرت فجَاء بِهِ على قَول من قَالَ رَأَيْت قَاض فأجراه فى النصب مجْرى الرّفْع والجر وَقد قَالَ الْأَعْشَى
(وآخُذُ مِنْ كلِّ حىٍّ عُصُمْ )
وَهُوَ فى مَوضِع نصب وَهُوَ قاسى جملَة ابتدائية فى مَوضِع الْحَال الْمَعْنى يَقُول للؤذن أذن فَمَا ذكرت بتأذينك نَاسِيا يُرِيد أَنه يحافظ على الصوات فَهُوَ لَا ينسى أَوْقَاتهَا وَأَن قلبه لين فَلَا يحْتَاج أَن يلين بتذكيرك
٢ - الْمَعْنى يَقُول لم تكن الْخمر تشغله عَن اكْتِسَاب المعالى وَلَا عَن الصَّلَاة وَأَنه يذكر حق الله قبل حق نَفسه وَأَن الْخمر لم تستغرق أوقاته عَن حق الله وَلَا عَن كسب الْمجد وَمثله للطائى
(وَلم يَشْغَلْكَ عَن طَلَبِ المَعالى وَلا لذَّاتِها لَهْوٌ وَلِعْبُ)
١٢٧
- ١ - الْغَرِيب الْأنس جمَاعَة النَّاس وَقَالَ الجوهرى الْأنس أَيْضا الحى المقيمون والأنس أَيْضا لُغَة فى النَّاس وَأنْشد الْأَخْفَش لشمر بن الْحَارِث الضبى
(أتَوْا نارِى فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقَالُوا الجنُّ قُلْتُ عِمُوا ظَلامَا)
(فقُلْتُ إِلَى الطَّعامِ فقالَ مِنْهُمْ زَعيمٌ نَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما)
(لقَدْ فُضِّلْتُمْ بالأكْلِ فِينَا وَلَكنْ ذَاكَ يُعْقِبُكُمْ سَقامَا)
والأنس أَيْضا بِخِلَاف الْوَحْش وَهُوَ مصد ر أنست بِهِ بِالْكَسْرِ أنسا وأنسة وَيجوز فِيهِ الْفَتْح أنست بِهِ أنسا كَقَوْلِك كفرت كفرا والتعس الْهَلَاك وَأَصله الكب وَهُوَ ضد الانتعاش وتعس بِالْفَتْح يتعس تعسا وأتعسه الله قَالَ مجمع بن هِلَال
(تقولُ وَقد أفردْتُها مِن خليلِها تَعَسْتَ كَمَا أتعَسْتنى يَا مُجَمِّعُ)
وَقد رد قوم على أَبى الطّيب قَوْله
(بجد . تعس )
وَقَالُوا لَا يُقَال إِلَّا تاعس من تعس بِفَتْح الْعين وَلَا يجوز بِكَسْرِهَا إِلَّا مَا روى عَن الْفراء وَاحْتج أهل اللُّغَة بِبَيْت الْأَعْشَى
(بذَاتِ لَوْثٍ عِفِرْناةٍ إِذا عَثرَتْ )
فالتعس أدنى لَهَا من أَن أَقُول لعا وَلَو جَازَ تعس بِكَسْر الْعين لَكَانَ الْمصدر تعسا فعلى هَذَا لَا يُقَال جد تعس وَإِنَّمَا قَالَ تاعس الْمَعْنى أَنه يُخَاطب الظبية الوحشية لِكَثْرَة مقَامه فى الصَّحرَاء مَعهَا فقد ألفته واستأنست بِهِ فَلَا تنفر مِنْهُ وَذَلِكَ أَنه يُرِيد انْفِرَاده عَن النَّاس ومجاورة الْوَحْش كَقَوْل ذى الرمة
(أخُطُّ وأمحُو الخَطّ ثمَّ أُعيدُهُ بِكَفَّىَّ والغِزْلانُ حَوْلىَ تَرْتَعُ)
يُخَاطب الظبية وَيَقُول لَوْلَا ظَبْيَة الْأنس الَّتِى قد هَمت لأَجلهَا لما كَانَ حظى فى الْهوى منحوسا
[ ٢ / ١٨٥ ]
- الْغَرِيب المزن جمع مزنة وهى السحابة الْبَيْضَاء وَمِنْه
(أنزلتموهُ مِنَ المُزْن )
ومخلفه يُرِيد غير ماطره من إخلاف الْوَعْد الْمَعْنى يُرِيد وَلَوْلَا هَذِه المحبوبة مَا سقيت الثرى يُرِيد الأَرْض وثراها والسحب غير ماطرة من إخلاف الْوَعْد وَهَذَا جَائِز لِأَن الْأَشْهر الَّتِى يكون فِيهَا الْمَطَر مَعْرُوفَة فَإِذا انْقَطع الْمَطَر فى بَعْضهَا فَتَصِير إخلافا من الأنواء يصف حرارة وجده وَأَنه ينشف دمعه من شدَّة لهبه وَحَرقه إِذا جرى على الأَرْض وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(لوْلا الدُّموعُ وفيْضُهنّ لأَحْرَقَتْ أرْضَ الوَداع حرارةُ الأكْبادِ)
وَمثله
(وتكادُ نيرَانُ القلوبِ إِذا الْتَظَتْ يَوْما تُنَشِّفُ فِى العُيُونِ المَاءَ)
٣ - الْغَرِيب المسى والمساء وَاحِد كالصبح والصباح والرسم الْأَثر وَجمعه أرسم والدرس جمع دارسة ودارس الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وقف عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها يسائلها وَلم يرد بعد ثَلَاثَة أَيَّام من فِرَاق أَهلهَا لِأَن الدَّار لَا تدرس بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَالْمعْنَى أَنه وقف عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو على ابْن فورجة هَذِه دَعْوَى لَا تصح إِلَّا بِبَيِّنَة وَلَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل على مَا ذكره وَقَوله ﴿الدَّار لَا تَعْفُو بعد ثَلَاثَة أَيَّام﴾ لَيْسَ كَمَا ذكر إِذْ قد علم أَن عَفْو ديار الْعَرَب لأوّل ريح تهب فتسفى عَلَيْهَا التُّرَاب فتدرس فتدرس آثارها وَأَبُو الطّيب إِنَّمَا أَرَادَ مسى ثَالِثَة من فراقها وَأَنه وقف بربعها مَعَ قرب الْعَهْد متشفيا بِالنّظرِ إِلَى أَثَرهَا وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يكون رسمها هَذَا الذى وقف عَلَيْهِ آخر رسم عهدها بِهِ فقد يجوز أَن يكون رسما قَدِيما وتلخيص الْمَعْنى أَنه وقف بجسم دارس أى ناحل قد شَاب شعره من الْهم وَضعف بَصَره من الْبكاء وضعفت قوته من السهر والهم فَهَذَا هُوَ دروس الْجِسْم ودروس الدَّار أثر الرماد وَالثَّرَى ومضارب الْبيُوت من الْأَوْتَاد وَغير ذَلِك وَمثله للعكوك
(خَلَّفَتنى نِضْو أحْزانٍ أُعالِجُها بالجزْعِ أنْدُبُ فى أنْضَابِ أطْلالِ)
وَمثله للديك
(أنضاءُ طَلَّتْ دَمْعَهُمْ أطْلالُهُمْ فتَخالُهُمْ بينَ الرَّسُومِ رُسُوما)
[ ٢ / ١٨٦ ]
- الْإِعْرَاب يجوز فى صريع الحركات الثَّلَاث فَمن رفع جعله خبر متدإ مَحْذُوف وَمن نصب جعله حَالا من قَوْله وقفت وَمن خفضه جعله بَدَلا من قَوْله بجسم أَو نعتا لَهُ الْغَرِيب سآل فعال من سَأَلَ والدمنة جمعهَا دمن وهى مَا اسود من آثَار الدَّار واللعس سَمُرَة فى الشّفة وَهُوَ أقوى من اللمى وروى تكسير ذَاك بِكَسْر كَاف الْخطاب لِأَنَّهُ يُخَاطب الظبية وهى مُؤَنّثَة الْمَعْنى يُخَاطب الظبية وَيَقُول لَهَا لَوْلَا هَذِه المحبوبة مَا وقفت فى ديارها بعد رحيلها صريع مقلتها مسائلا ديارها قَتِيل أجفانها ولعس شفتيها
٥ - الْإِعْرَاب خريدة خبر مبتدإ مَحْذُوف الْغَرِيب الخريدة الْجَارِيَة الحيية وَالْجمع خرائد وَيُقَال جَارِيَة خريدة وخرود أى خفرة وكل عذراء خريدة وَمِنْه لؤلؤة خريدة إِذا لم تثقب بعد ويميس ينثنى الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا خفرة لم تَرَهَا الشَّمْس لشدَّة خفرها وَلَو رأتها الشَّمْس خجلت وَلم تطلع حَيَاء من حسنها ونورها وَأَنَّهَا إِذا ماست أخجلت الْغُصْن فَلَو رَآهَا الْغُصْن لما انثنى والميس أَصله التَّبَخْتُر وَهُوَ للْإنْسَان واستعاره للقضيب من حَيْثُ إِن حسن تمايله يشبه التَّبَخْتُر
[ ٢ / ١٨٧ ]
- الْغَرِيب الرشأ الظبى والكنس والكناس بَيت الظبى وَهُوَ مَا يَتَّخِذهُ من الشّجر يستظل فِيهِ من الْحر وَالْبرد الْمَعْنى يَقُول أَنْت فى الْحسن كالغزال والغزال دَقِيق القوائم فَكيف ضَاقَ خلخالك وَهُوَ دجك مستتر بالديباج وَمَا سَمِعت وَلَا رَأَيْت أَن الديباج يكون على بَيت الغزال فَكيف وَقد ستر هودجك بالديباج والديباج مُعرب وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن دُرَيْد
(أعَنِ الشَّمْسِ عِشاءً رفعتْ تلكَ السُّجوفُ)
(أمْ على أُذْنَى غَزَال عُلِّقَتْ تِلْكَ الشُّنُوفُ)
٧ - الْغَرِيب النكبات جمع نكبة وهى مَا يُصِيب الْإِنْسَان من صروف الدَّهْر والكثب الْقرب وأكثب الصَّيْد إِذا دنا والرعديد الجبان والنكس السَّاقِط الفاشل وَقَالَ ابْن القطاع أنْشد هَذَا الْبَيْت كل من روى شعره فَقَالُوا نكس بِفَتْح النُّون وَهُوَ خطأ مَحْض لِأَن أصل الْكَلِمَة نكس وَهُوَ اللَّئِيم من الرِّجَال وَالْأَصْل فِيهِ من النكس وَهُوَ السهْم الذى انْكَسَرَ فَوْقه فَنَكس فى الكنانة وَأَبُو الطّيب لما احْتَاجَ إِلَى حَرَكَة الْكَاف ليقيم بهَا الْوَزْن حركها بِالْكَسْرِ كَمَا قَالَ عبد منَاف الهذلى
(إِذا تَجاوَبَ نَوْحٌ قامَتا مَعَهُ ضَرْبا ألِيما بِسِبْتٍ يَلْعَجُ الْجِلِدَا)
يُرِيد الجلْد فحرك اللَّام بِالْكَسْرِ يكسر مَا قبله وَمثله قَول رؤبة
(أحْرِ بهَا أطْيَبَ مِن رِيح المِسِكْ )
فحرك السِّين بِالْكَسْرِ وَمثله
(علمنَا إخْوَانُنا بَنو عِجِلْ شرْبَ النَّبيذِ واعْتِقالا بالرَّجِلْ)
الْمَعْنى يَقُول إِن رمانى الدَّهْر بنوائبه عَن قرب يعْنى من حَيْثُ لَا يخطئنى يجدنى غير جبان وَغير سَاقِط دنئ فَالْمَعْنى إِذا رمانى لَا أخافه وَلَا أجبن مِنْهُ
٨ - الْغَرِيب العير الْحمار الْمَعْنى يُرِيد بأشرف مَا فى الحقير يفدى أَحْقَر مَا فى الخطير فالعير مثل للشئ الحقير الدنئ وَالْفرس مثل للكريم الشريف فأعز شئ فى اللَّئِيم يفدى بِهِ أخس شئ فى الْكَرِيم وَهَذَا مثل قَول أَبى جَعْفَر الإسكافى
(نَفْسِى فِدَاؤُكَ وهْىَ غيرُ عَزِيزَةٍ فى جَنْبِ شَخْصِكَ وهوجِدُّ عزِيزِ)
وَمثله لأبى نصر
(اللهُ يَشْهَدُ والمَلائكُ أنَّنِى لجليلِ مَا أوْلَيْتَ غيرُ كَفُورِ)
ّ
(نفسى فداؤُكَ لَا لقَدرى بل أرَى أنّ الشَّعيرَ وِقايَةُ الكافُورِ)
[ ٢ / ١٨٨ ]
- الْإِعْرَاب أَبَا الغطارفة نصب على الْبَدَل من قَوْله عبيد الله يُرِيد يَا أَبَا الغطارفة وَنصب كَلْبا لِأَنَّهُ مفعول ثَان لتاركى لِأَنَّهُ بِمَعْنى مصيرى الْغَرِيب الغطارفة جمع غطريف وَهُوَ السَّيِّد والحامين جمع حام وَهُوَ الذى يحمى قومه وجيرانه وَيدْفَع عَنْهُم الْعَدو الْمَعْنى أَنَّك أَبُو السَّادة الَّذين يحْمُونَ جارهم والأبطال عِنْدهم لقوتهم وبسالتهم أذلاء فالشجاع الْمَوْصُوف بالأسد عِنْدهم كلب لجبنة عَنْهُم وَأَنه لَا يقدر عَلَيْهِم
١٠ - الْإِعْرَاب عمَامَته مُبْتَدأ وَالْخَبَر الْجُمْلَة الَّتِى بعده الْغَرِيب الْأَبْيَض الْكَرِيم والوضاح الْوَاضِح الْجَبْهَة والقبس الشعلة من النَّار وَكَذَلِكَ الشهَاب وَمِنْه قَوْله تعلى ﴿بشهاب قبس﴾ وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة ﴿بشهاب﴾ منونا وقبس بدل مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول من كل كريم لنُور وَجهه وإشراق جَبينه كَأَن عمَامَته على شعلة نَار فَشبه وَجهه لنُور جَبينه بالقبس وَذَلِكَ لإضاءته وَحسنه وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن قيس الرقيات
(إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِن اللَّهِ تجلَّتْ عَن وَجهِه الظَّلْماءُ)
١١ - الْغَرِيب البهج الْفَرح بهج بالشئ أى فَرح بِهِ وسر فَهُوَ بهج وبهيج قَالَ الشَّاعِر
(كانَ الشَّبابُ رِدَاء قد بَهِجْتُ بِهِ فقَدْ تَطايَرَ مِنْهُ للبِلَى خِرَقُ)
والشرس الصعب هُنَا وفى غير هَذَا السيء الْخلق الْمَعْنى يَقُول هُوَ قريب مِمَّن يَقْصِدهُ بعيد مِمَّن ينازعه محب للفضل وَأَهله مبغض للنقص وَأَهله يبهج بالقصاد حُلْو لأوليائه مر على أعدائه لين حسن الْخلق على الْأَوْلِيَاء شرس صَعب على الْأَعْدَاء يُرِيد أَنه جَامع لهَذِهِ الْأَوْصَاف كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى فحرفا حرفا
[ ٢ / ١٨٩ ]
- الْإِعْرَاب ند وَمَا بعده نعت لدان وَهُوَ بدل من أَبيض الْغَرِيب ند جواد يُرِيد ندى الْكَفّ والأبى الذى يَأْبَى الدنايا غر أى مغرى بِفعل الْجَمِيل وجعد مَاض فى الْأَمر والسرى من السرو وسرا يسرو سروا فَهُوَ سرى إِذا صَار شريفا ونه أى ذُو نهية وهى الْعقل وَندب أى سريع فى الْأَمر إِذا ندب إِلَيْهِ والندس الْعَارِف بالأمور البحاث عَنْهَا وَيُقَال ندس وندس بِضَم الدَّال وَكسرهَا الْمَعْنى يَقُول هُوَ فَاضل قد جمع هَذِه الْأَوْصَاف فَهُوَ ندى الْكَفّ كريم يأبي الدنايا وَلَا يمِيل إِلَيْهَا غر مغرى بِفعل الْخَيْر واف بالعهد وروى أَبُو الْفَتْح أَخ منونا قَالَ هُوَ مُسْتَحقّ لإِطْلَاق هَذَا الِاسْم عَلَيْهِ لصِحَّة مودته وتقة موثوق بِهِ يُؤمن عِنْد الْغَيْب وَهُوَ مصدر وَمَعْنَاهُ ذوثقة أى صَاحب ثِقَة وجعد مَاض فى أمره لَا يقف عِنْد قَول لائم سرى من السرو أى هُوَ شرِيف النَّفس ذُو نهية أى عقل ندب سريع فى الْأَمر مرضى القَوْل وَالْفِعْل يرضى بِهِ كل أحد لمعرفته بالأمور وَمَا تئول إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِكَثْرَة تجاربه وَحسن رَأْيه ندس بحاث عَن الْأُمُور عَارِف بهَا
١٣ - الْإِعْرَاب مَوضِع اليبس هُوَ من بَاب إِضَافَة المنعوت إِلَى النَّعْت الْغَرِيب الغادية السحابة تَغْدُو بالمطر وَعز هَهُنَا بِمَعْنى أعوز وَأَصله غلب وقهر وَمِنْه قَوْله عز وَعلا ﴿عزني فِي الْخطاب﴾ وَمِنْه بَيت الحماسة
(قَطاةٌ عَزَّها شَرِكٌ فَباتَتْ تُجاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الجَناحَ)
والفياقى الأَرْض الْبَعِيدَة القليلة المَاء واليبس الْمَكَان الْيَابِس وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا﴾ الْمَعْنى يَقُول لَو فاض كرمه وَأَرَادَ بالفيض الفائض وَهُوَ الذى يفِيض من يَدَيْهِ من الْعَطاء على النَّاس فيض السَّحَاب لأعوز القطا مَكَان يَابِس لِأَن نداه كالطوفان يعم الدُّنْيَا الْمَعْنى لَو فاض السَّحَاب كفيض يَدَيْهِ لغرق النَّاس حثى أَن القطاة كَانَ يغلبها مَوضِع تأوى إِلَيْهِ
١٤ - الْغَرِيب الأكارم جمع أكْرم كَمَا يُقَال أفاضل فى جمع أفضل وكريم جمعه كرام وكرماء وطرابلس بَلْدَة الممدوح وهى من بِلَاد الشَّام بالسَّاحل الْمَعْنى يَقُول لما كَانُوا مقيمين بِالْأَرْضِ حسدت الأَرْض السَّمَاء حَيْثُ لم يكن فِيهَا مثلهم وَتَأَخر كل بلد عَن بلدهم لفضلهم على النَّاس وَذكر السَّمَاء لِأَنَّهُ أَرَادَ السّقف وأنث فى قصرت وَهُوَ فعل لكل وكل مُذَكّر لِأَنَّهُ أَرَادَ الْجَمَاعَة كَمَا يُقَال أتتنى الْيَوْم كال جَارِيَة لَك يُرِيد جواريك
[ ٢ / ١٩٠ ]
- ١٥ - الْإِعْرَاب أى اسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ الْإِنْكَار وهى مُبتَدأَة وهم قصدى مُبْتَدأ وَخبر وهى جملَة دخلت بَين المبتدإ وَالْخَبَر وَخَبره أحاذره الْغَرِيب الْقرن المماثل وَهُوَ قرنك فى السن وَفُلَان على قرنى أى سنى والقرن من النَّاس أهل زمَان وَاحِد قَالَ
(إِذا ذَهَبَ القَرْنُ الذى أنتَ فيهِمُ وخُلِّفْتَ فى قَرْنٍ فأنتَ غَرِيبُ)
والقرن جَانب الرَّأْس وَقرن الشَّمْس أَعْلَاهَا والقرن ثَمَانُون سنة وَقيل أَرْبَعُونَ سنة وَذكر الجوهرى ثَلَاثِينَ سنة الْمَعْنى يَقُول لم أخف أحدا من النَّاس إِذا كَانَ هَؤُلَاءِ قصدى وَإِذا اسْتَغْنَيْت بهم لم أجد قرنا لى مماثلا فَلَا يقابلنى وَالْمعْنَى أَنهم يحْمُونَ الْجَار ويحفظونه
١ - الْغَرِيب الخندريس من أَسمَاء الْخمر سميت بذلك لقدمها وَمِنْه حِنْطَة خندريس للعتيقة والكئوس جمع كأس وَلَا يُسمى كأسا حَتَّى يكون فِيهِ شراب الْمَعْنى يَقُول ألذ عِنْدِي من الْخمر العتيقة وَمن معاطاة الكئوس والفائدة تقع فِي الْبَيْت الثَّانِي وَهَذَا يُسَمِّيه الحذاق التَّضْمِين وَهُوَ عيب عِنْدهم لِأَن قَوْله ألذ مُبْتَدأ وَأحلى عطف عَلَيْهِ وَالْخَبَر يأتى فِيمَا بعده وَهُوَ قَوْله
(مُعاطاة الصَّفائح والعَوالى )
وَمثله لإسحاق بن خَالِد
(لَسَلُّ السَيوفِ وَشَقُّ الصُّفوفِ وخوْضُ الحُتوفِ وَضرْبُ القُللْ)
(ألَذّ إِلَيْهِ مِنَ الْمسْمِعاتِ وشُرْبِ المُدَامَةِ فَى يوْم طَلْ)
٢ - الْغَرِيب الصفائح جمع صفيحة وَهُوَ السَّيْف العريض والعوالى الرماح الطوَال وَالْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والإقحام إِدْخَال الشئ فى الشئ الْمَعْنى يَقُول الذى عندى أشهى من الْخمر وَأحلى من مناولة الأقداح مناولة الصفائح والرماح إِلَى الأقران وَمعنى معاطاة الصفائح مد الْيَد بِالسُّيُوفِ إِلَى الأقان بالطعن وَالضَّرْب كمد الرجل يَدَيْهِ إِلَى من نَاوَلَهُ شَيْئا
[ ٢ / ١٩١ ]
- الْغَرِيب الأرب الْحَاجة وَمَا قضيت أربى أى حاجتى الْمَعْنى يَقُول إِذا قتلت فى الْحَرْب كَانَ ذَلِك طلبى وأكون قد عِشْت لظفرى بِإِدْرَاك حاجتى لِأَن حَقِيقَة الْحَيَاة مَا يكون فِيمَا تشْتَهى النَّفس وحاجتى أَن أقتل فى الْحَرْب وَمثله
(اقْتُلونى يَا ثِقاتِى إنَّ فى قَتلى حَياتى )
(ومَماتى فى حياتِى وحَياتى فى مَماتِى )
وصدره من قَول الطائى
(يَسْتَعذِبونَ مَناياهُم كأنهُمُ لَا ييأَسُونَ مِن الدُّنْيا إِذا قُتِلوا)
وعجزه من قَول الْأَعْشَى
(وَما العَيْشُ إِلَّا مَا تلَذُّ وتشْتَهِى وَإِن لامَ فِيهِ ذُو الشَّنانِ وفَنَّدا)
٤ - الْمَعْنى وَلَو أَنى أشْرب الْخمر وأتناوله من يدى كريم نديم أفرح بِهِ لَكَانَ أولى أَن يكون هَذَا الرجل وَهُوَ صديق لى
[ ٢ / ١٩٢ ]
- ١ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح تَقْدِيره يَا هَذِه حذف حرف النداء ضَرُورَة وَقَالَ العرى هذى مَوْضُوعَة مَوضِع الْمصدر وَهُوَ إِشَارَة إِلَى البرزة الْوَاحِدَة أى هَذِه البرزة برزت لنا كَأَنَّهُ يستحسن تِلْكَ البرزة الْوَاحِدَة وَأنْشد
(يَا إبلى إمَّا سلمتِ هَذِى فاسْتَوْسِقى لصارمٍ هَذَّاذِ)
(أوْ طارِقٍ فى الدَّجْنِ والرَّذاذِ )
قَالَ وَهَذَا تَأْوِيل لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى الِاعْتِذَار وَأما قَول أَبى الْفَتْح فَهُوَ ضَرُورَة لِأَن حرف النداء لَا يحذف إِلَّا عِنْد نِدَاء المعارف والمضاف نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَلَا يجوز حذفه عِنْد النكرات كَقَوْلِك رجل أقبل فَإِنَّهُ قد حذف مِنْهُ أَشْيَاء لِأَنَّهُ يُنَادى بيأيها الرجل فَحذف مِنْهُ أى وَهَا التَّنْبِيه وَالْألف وَاللَّام فَلَا يجوز أَن يحذف مِنْهُ حرف النداء الْغَرِيب الرسيس والرس مس الْحمى وأولها وَهُوَ مَا يتَوَلَّد عَنْهَا من الضعْف والرسيس مارس فى الْقلب من الْهوى أى ثَبت وَمِنْه قَول ذى المرمة
(إِذا غيَّر النأىُ المحبينَ لم يكَدْ رَسيسُ الهَوى من حُبّ مَيَّةَ يبرَحُ)
والنسيس بَقِيَّة النَّفس الْمَعْنى يَقُول لما برزت هيجت مَا كَانَ فى الْقلب من حبك وانصرفت وَمَا شفيت نفوسنا الَّتِى أبقيت بقاياها بوصل مِنْك
٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لاحظ لَهُ من النّوم كَمَا لاحظ لَهُ من قربهَا فَهُوَ ساهر طول اللَّيْل يُرَاعى الفرقدين وهما نجمان لَا يفترقان يضْرب بهما الْمثل فى الِاجْتِمَاع
٣ - الْغَرِيب ذياك تَصْغِير ذَاك الْمَعْنى يَقُول بلينا من فراقك بأشد مِمَّا كُنَّا نقاسى من مَنعك مَعَ قربك شبه بخلها فى قربهَا بالخمار وفراقها بالسكر وَصغر الْخمار لِأَنَّهُ لما قايسه بالسكر صغر عِنْده أى أزلت الْخمار بِأَن أسكرتنا بالفراق
[ ٢ / ١٩٣ ]
- الْغَرِيب المزاد جمع مزادة وهى وعَاء المَاء الذى يتزود للسَّفر الْمَعْنى يَقُول إِن كنت مرتحلة فإنى بِكَثْرَة بكائى أملأ بمدامعى مَا مَعكُمْ من الأوعية وأروى إبلكم فتكفيكم مدامعى عَن طلب المَاء فَجعل دُمُوعه كَافِيَة لَهُم عَن المَاء فمراده بالمدامع دموع عَيْنَيْهِ
٥ - الْإِعْرَاب كَانَ الأجود أَن يَقُول أَن يكون بَخِيلًا لتذكيرك الْمثل وَلكنه حمله على الْمَعْنى دون اللَّفْظ لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة فمثلها مؤنث كَمَا يُقَال ذهبت بعض أَصَابِعه فأنث الْبَعْض لِأَنَّهُ أَرَادَ أصبعا الْغَرِيب حاشى من المحاشاة وهى المباعدة والمجانية والعبوس الكريه الْمَعْنى يَقُول لَا ينبغى لمثلك على حسنها وكرم أَصْلهَا أَن تكون بخيلة فتبخل بالوصال على من يُحِبهَا وحاشا لوجهك على تَكَامل حسنه أَن يكون عبوسا لمن ينظر إِلَى محاسنه
٦ - الْمَعْنى أَنه أَرَادَ حاشا لَك أَن تعتقدى الْبُخْل وَأَن تمنعينى وصالك بِالنِّيَّةِ وَإِن لم يكن بِالْفِعْلِ وَلم يرد المتنبى مَا قيل فى هَذَا الْبَيْت أَنه أَرَادَ أَنَّهَا تكون مبذولة الْوِصَال وَإِنَّمَا يحسن الْوِصَال ويطيب إِذا كَانَ ممنعا وَإِذا كَانَ مبذولا مل وانحرفت النَّفس عَنهُ وَمَا أحسن قَول الْقَائِل
(أحْلى الهَوَى مَا لم تَنَلْ فِيه المُنَى والحبُّ أعدلُ مَا يكونث إِذا اعْتَدَى)
(وَإِذا اختبرتَ رأيتَ أصْدَقَ عاشِقٍ مَنْ لَا يَمُد إِلَى مُوَاصلَةٍ يَدَا)
وَقد قَالَ كثير
(وإنى لأسمو بالوصال إِلَى الَّتِى يكونُ سَناءً وَصْلُها وازديارها)
أى إِنَّمَا أَرغب فى ذَات الْقدر المصونة لَا المبذولة وَأنْشد بَعضهم قَول الْأَعْشَى
(كأنّ مِشْيَتَها مِن بيْت جارتها مَرُّ السَّحابة لَا رَيثٌ وَلَا عَجَلُ)
فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة هلا قَالَ كَمَا قَالَ الآخر
(فَتَشْتاقها جاراتُها فَيُزرْنَها وتَعْتَلُّ عنْ إتيانِهِنَّ فَتْعْذَرُ)
قَالَ ابْن فورجة هَذَا اعْتِرَاض على المتنبى بوصفه حبيبته بِأَنَّهَا مبذولة الْوِصَال وَلم يتَعَرَّض لذَلِك بشىء وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا حاشاك من هَذَا الْوَصْف وَلَيْسَ فى اللَّفْظ مَا يدل على أَنَّهَا مبذولة الْوَصْل أَو ممنعة بل فِيهِ أَنه يُرِيد أَن يكون مبذولا وصالها لَهُ وأى محب لَا يحب ذَلِك وَإِن كَانَ يُرَاد مِنْهُ أَلا يتَمَنَّى بذلك حبيبته وَهُوَ محَال قَالَ أَبُو الْفَتْح إِنَّمَا أَرَادَ حاشى لَك أَن تمنعينى وصلك بِالنِّيَّةِ إِن لم يكن بِالْفِعْلِ أَلا ترى إِلَى قَول الْقَائِل
(أُحبُّ اللَّواتى هُنَّ فى رَوْنَقِ الصِّبا وفِيهِنَّ عَنْ أزْوَاجِهِنَّ طِماحُ)
(مُسِرَّاتُ وُدٍّ مُظْهِراتٌ لِضِدِهِ ترَاهُنَّ كالمَرْضَى وَهُنَّ صِحاحُ)
أى هن يظهرن خلاف مَا يكتمن قَالَ الْخَطِيب أما هَذَا الشَّاعِر فقد أظهر مَا يحب وَبَينه وَأَنه يحب كل لعوب طامحة عَن زَوجهَا وَهَذَا مَذْهَب بعض المحبين وَأما قَول المتنبى فَهُوَ مباين لهَذَا بقوله أَن يكون ممنعا فَهُوَ هجر صراح
[ ٢ / ١٩٤ ]
- الْإِعْرَاب ارْتِفَاع خود على خبر ابْتِدَاء الْمَحْذُوف الْغَرِيب الخود الْجَارِيَة الناعمة وَالْجمع خود كرمح لدن ورماح لدن والوطيس تنور من حَدِيد وَحمى الْوَطِيس اشْتَدَّ الْحَرْب وَأول من تكلم بِهِ النبى
يَوْم حنين قَالَ الْآن حمى الْوَطِيس الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة لوم اللوام لى فِيهَا صَار بينى وَبينهمْ حَرْب لأَنهم يَقُولُونَ ارْجع عَن هَواهَا وَأَنا أخالفهم
٨ - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن تَتَكَلَّم فَحذف وأعمل وَكَذَلِكَ أَن تميسا وَهُوَ كثير فى أشعارهم والبصريون لَا يرَوْنَ ذَلِك وَحجَّتنَا قَول الشَّاعِر
(انظُرا قبل تَلُومانِى إِلَى طَلَلٍ بينَ النَّقا والمُنْحنى)
وَقَول طرفَة
(ألاَ أيُّهَذا الزّاجرى أحضُرَ الوَغَى وَأَن أشْبَبَ اللذَّاتِ هَل أنتَ مُخْلِدى)
وَقِرَاءَة عبد الله ﴿لَا تعبدوا إِلَّا الله﴾ فنصب بِتَقْدِير أَن مَعَ حذفهَا وَقَول عَامر بن الطُّفَيْل
(وَنهْنَهْتُ نَفْسىِ بعدَ مَا كِدْتُ أفعلَه )
وَقد ألزمناهم بقَوْلهمْ إِنَّهَا تعْمل مَعَ الْحَذف من غير بدل فى جَوَاب السِّتَّة بِالْفَاءِ مقدرَة وحجتهم أَنَّهَا تنصب الْفِعْل وعوامل الْأَفْعَال ضَعِيفَة فَلَا تعْمل مَعَ الْحَذف من غير بدل وَلِهَذَا بَطل عَملهَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿أفغير الله تأمروني أعبد﴾ وَقَالَ الشَّاعِر
(أَن تقرأآن على أسماءَ ويحَكما منى السَّلامَ وَأَن لَا تُشْعِرَا أحدَا)
الْغَرِيب دلها دلالها وتميس تنثنى الْمَعْنى يَقُول هى ذَات حَيَاء فحياؤها يمْنَعهَا من التثنى ودلالها يمْنَعهَا من الْكَلَام
[ ٢ / ١٩٥ ]
- الْغَرِيب جالينوس طَبِيب وَحَكِيم يضْرب بِهِ الْمثل فى الطِّبّ وَهُوَ رومى الْمَعْنى يَقُول لما وجدت دوائى عِنْدهَا وَهُوَ وصالها تركت صِفَات جالينوس الَّتِى فى كتب الطِّبّ
١٠ - الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح مُحَمَّد بن زُرَيْق لما مَاتَ أَبوهُ وَكَانَ واليا على الثغور أبقاه وَمعنى قَوْله أبقى أى زُرَيْق مُحَمَّدًا وَأَبُو نَفِيس وَهُوَ نَفِيس والثغور حفظهَا نَفِيس لِأَنَّهُ يذب عَن ترك الْمُسلمين ويجاهد الْكفَّار فَلَا شئ أشرف من الْجِهَاد وَهَذَا المخلص جَاءَ بِهِ على عَادَة الْعَرَب يخرجُون إِلَى المديح بِغَيْر تعلق بالتشبيب وَمثله كثير لأبى تَمام والبحترى وَجَمَاعَة من المولدين وَقد قَالَ البحترى فى مدح المتَوَكل
(أحْنُو عليكِ وفى فُؤَادى لَوْعَةٌ وأصدُّ عنكِ ووجهُ وُدّى مُقْبِلُ)
(وَإِذا طلبتُ وصال غيرِك رَدَّنى وَلَهٌ إليكِ وشافِعٌ لَك أوَّلُ)
(إنَّ الرَّعيَّة لم تزَل فى سِيرَةٍ عُمَرِيَّةٍ مُذْ ساسَها المُتَوكِّلُ)
١١ - الْغَرِيب جمع الرَّأْس رُءُوس على فعول وَهُوَ الذى نَعْرِف وَلكنه جمعه على فعل وَهُوَ نَادِر وَقد جمع فعل على فعل مثل فرس ورد وخيل ورد وسقف وسقف وَرهن وَرهن وَرجل ثط وَقوم ثط وَقد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فيوْما إِلَى أهلى ودهْرِى إليكُم ويوْما أحُطُّ الخيلَ من رُءوس أجْبال)
الْمَعْنى يَقُول إِذا أَقَامَ وَترك الْغَزْو فَارَقت أَمْوَاله خزائنه لِأَنَّهُ يهب وَيُعْطى من قَصده وَإِذا سَار للغزو فَارَقت جسوم الْأَعْدَاء رءوسها يصفه بِالْكَرمِ والشجاعة
١٢ - الْإِعْرَاب فى الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا عاديت نَفسك ورضيت أوحش مَا كرهت فعاده وَلكنه حذف الْفَاء ضَرُورَة كبيت الْكتاب
(مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها )
وَقَالَ الواحدى لَا يجوز أَن يُرِيد بعاده التَّقَدُّم كَأَنَّهُ قَالَ ملك عَاده إِذا عاديت نَفسك لِأَن مَا بعد ملك من الْجُمْلَة صفة لَهُ وعاده امْر وَالْأَمر لَا يُوصف بِهِ لِأَن الْوَصْف لابد أَن يكون خَبرا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وَالْأَمر والنهى والاستفهام لَا تحْتَمل صدقا وَلَا كذبا الْمَعْنى يَقُول هُوَ ملك إِذا عاديته فقد عاديت نَفسك ورضيت أوحش الْأَشْيَاء الْمَكْرُوهَة وَهُوَ الْمَوْت أنيسا لِأَن من عَادَاهُ قَتله وأذاقه الْمَوْت لقدرته على الْأَعْدَاء
[ ٢ / ١٩٦ ]
- الْإِعْرَاب نصب الخائض وَمَا بعده على الْمَدْح بِفعل مُضْمر قَالَ أَبُو الْفَتْح تَقْدِيره ذكرت أَو مدحت وَيجوز أَن يكون بَدَلا من الْهَاء فى عَاده كَقَوْل الشَّاعِر
(على حالَةٍ لَو أنَّ فى القوْمِ حاتما على جودِهِ لَظَنَّ بالماءِ حاتمُ)
الْغَرِيب الغمرات الشدائد والشمرى بِفَتْح الشين وَكسرهَا وَالْكَسْر أفْصح هُوَ المشمر الجاد فى الْأَمر والمطعن الْجيد الطعْن والدعيس فعيل من الدعس وَهُوَ من أبنية الْمُبَالغَة ودعسه بِالرُّمْحِ طعنه والرماح دواعس قَالَ الشَّاعِر
(وَنحن صَبَحْنا آلَ نَجران غَارة تميمَ بن مُرّ والرّماحُ الدَّواعسُ)
الْمَعْنى هُوَ يَخُوض الشدائد والأهوال فى الحروب وَهُوَ مَعَ ذَلِك جاد فى الْأَمر شَدِيد الْعَزْم جيد الطعْن فى الْأَعْدَاء
١٤ - الْإِعْرَاب نصب جنبه تَشْبِيها بالظرف كَمَا يُقَال هَذَا حقير فى جنب هَذَا كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا وَنَقله ابْن القطاع كَذَا الْغَرِيب جمهرة الشئ أَكْثَره وَكَذَا جمهوره الْمَعْنى يَقُول قد جربت جمَاعَة عباد الله فَلم أر أحدا إِلَّا والممدوح فَوْقه وَهُوَ سيد لَهُ قد ساده والمسود هُوَ الذى ساده غَيره والمرءوس الذى قد علا عَلَيْهِ غَيره بالرياسة وَالْمعْنَى هُوَ رَئِيس على النَّاس وَسيد لَهُم
١٥ - الْغَرِيب الْآيَة الْعَلامَة وهى تسْتَعْمل فى الْعَلامَة على قدرَة الله تَعَالَى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنْت الذى صورك الله بشرا ينفى الظنون حَتَّى لَا يتهم فى حَال وَلَا تسبق إِلَيْهِ ظنة وَلَيْسَ هَذَا من ظن التُّهْمَة وَإِنَّمَا هُوَ من الظَّن الذى هُوَ الْوَهم أى أَنه إِنْسَان لَا كالناس لما فِيهِ من صِفَات لَيست فيهم وَقد وَقع للنَّاس الشُّبْهَة وَالشَّكّ فى أمره وأفسد مقايستهم عَلَيْهِ وَقَالَ الواحدى إِن ظننته بحرا أَو بَدْرًا أَو سيدا أَو شمسا فَلَيْسَ على مَا ظَنَنْت بل هُوَ أفضل من ذَلِك وَفَوق مَا ظننته أى إِنَّه غَايَة فى الدّلَالَة على قدرَة الله تَعَالَى حِين خلق صورته بشرا آدَمِيًّا وَفِيه مَا لَا يُوجد فى غَيره حَتَّى نفى ظنون النَّاس فى يدْرك الظَّن وأفسد مقايستهم لِأَن الشئ يُقَاس على مثله ونطيره وَلَا نَظِير لَهُ وفى مَعْنَاهُ
(أنتَ الذى لَو يُعابُ فَلَا مَلإٍ مَا عِيبَ إِلَّا بِأَنَّهُ بَشَرُ)
[ ٢ / ١٩٧ ]
- الْغَرِيب الضن الْبُخْل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ على الْغَيْب بضنين﴾ فى قِرَاءَة من قَرَأَ بالضاد وهم الْأَكْثَر نَافِع وَعَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة والبرية الخليقة وهمزها نَافِع وَابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر وَقَوله يوسى يحزن وأسيت عَلَيْهِ أسى إِذا حزنت عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول بِهَذَا يبخل على النَّاس كلهم لَا بهم وَقَالَ الواحدى يَقُول لَو جعل هُوَ فدَاء جَمِيع النَّاس بِأَن يسلمُوا كلهم دونه لم يساووا قدره فيبخل بِهِ عَلَيْهِم وَلَو جعلوهم كلهم فدَاء لَهُ لَا يبخل بهم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أفضل مِنْهُم فَفِيهِ مِنْهُم خلف وَلَا خلف مِنْهُ فى جَمِيع النَّاس وَعَلِيهِ يحزن لَو هلك لَا على النَّاس كلهم والمصراع الثانى مُفَسّر للْأولِ قَالَ وَقَالَ ابْن جنى وَجه الضن هَهُنَا أَن يكون فيهم مثله حسدا لَهُم عَلَيْهِ // وَهَذَا محَال بَاطِل // لِأَنَّهُ إِذا بخل بِهِ المتنبى على النَّاس فقد تمنى هَلَاكه وَأَن يفقد من بَين النَّاس حَتَّى لَا يكون فيهم
١٧ - الْغَرِيب ذُو القرنين هُوَ الْإِسْكَنْدَر الذى ملك الْبِلَاد وَدخل الظُّلُمَات وهى بحار وَقيل إِنَّهَا مظْلمَة عِنْد مُنْتَهى الببحر وأعمل اسْتعْمل الْمَعْنى يَقُول لَهُ رأى سديد فَلَو كَانَ الْإِسْكَنْدَر اسْتَعْملهُ لَأَضَاءَتْ لَهُ الظُّلُمَات وَهَذَا من الْمُبَالغَة وَالْمعْنَى من قَول الآخر
(لَو كانَ فى الظُّلُماتِ شَعْشَعَ كأْسَها مَا جازَ ذُو القَرْنَينِ فى الظُّلُماتِ)
وَمن قَول الآخر
(لوْ أنَّ ذَا القَرْنَين فِى ظُلُماتِهِ ورآهُ يضحكُ لاسْتَضَاءَ بثَغْرِهِ)
١٨ - الْغَرِيب عازر رجل من بنى إِسْرَائِيل هُوَ الذى أَحْيَاهُ الله لعيسى ابْن مَرْيَم وَيَوْم معركة يَوْم حَرْب وأعيا أعجز الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى أَحْيَاهُ الله لعيسى ابْن مَرْيَم لَو كَانَ قتل بِسَيْفِهِ فى الْحَرْب لعجز عِيسَى عَن إحيائه وَهَذَا من الإفراط الذى لَا يحْتَاج إِلَيْهِ نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ
[ ٢ / ١٩٨ ]
- الْغَرِيب لج الْبَحْر معظمه ووسطه الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ مُعظم الْبَحْر مثل كَفه يعْنى فى الْجُود وَالعطَاء وَالْقُوَّة لما انْشَقَّ لمُوسَى وَهَذَا من الغلو والإفراط وَالْجهل
٢٠ - الْغَرِيب الْمَجُوس طَائِفَة من النَّاس يعْبدُونَ النَّار الْمَعْنى لَو كَانَ ضوء النَّار كضوء جَبينه عبدت من دون الله تَعَالَى فَصَارَت الطوائف كلهَا من الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة مجوسا وعبدوا النَّار
٢١ - الْغَرِيب الْخَمِيس الْعَسْكَر الْعَظِيم الْمَعْنى أَنه يقوم بِنَفسِهِ مقَام الْجَيْش ويغنى غناءهم وَقَالَ ابْن جنى هُوَ ضد قَوْلك لِأَن تسمع بالمعيدى خير من أَن ترَاهُ وَمثله لأبي تَمام.
(لَو لم يقد جحفلًا يَوْم الوغى لغدا من نَفسه وَحدهَا فِي جحفل لجب)
وَلأبي تَمام أَيْضا
(ثَبت الْمقَام يرى الْقَبِيلَة واحداص وَيرى فيحسبه الْقَبِيل قبيلًا)
وَلابْن الرُّومِي
(فَرد يرَاهُ النَّاس كلهم كَأَنَّهُ النَّاس طرا وَهُوَ أنسان)
٢٢ - الْإِعْرَاب موهبا ونفوسًا تمييزان أنمل وَجمع أُنْمُلَة جمع أُنْمُلَة وهى الْأَصَابِع والمنصل السَّيْف الْمَعْنى قَالَ الواحدى لحظ الأنامل كِنَايَة عَن الاستمطار ولمس المنصل كِنَايَة عَن الاستنصار يَقُول تعرضت لعطائه فسالت بالمواهب أنامله وتعرضت لإعانته إياى فَسَالَ سَيْفه بنفوس الْأَعْدَاء لِأَنَّهُ قَتلهمْ وَهُوَ من قَول البحترى
(تَلْقاهُ يقطُرُ سيْفُهُ وسِنانُهُ وبنانُ راحتِهِ لَدًى وَنجِيعَا)
ولد عبل
(وَعلَى أيمَانِنا يَجْرِى النَّدَى وَعَلى أسْيافِنا تَجْرِى المُهَجْ)
[ ٢ / ١٩٩ ]
- الْمَعْنى إِذا أصابتنا بلوى من الدَّهْر وصروفه لذنا بِهِ ولجأنا إِلَيْهِ يُرِيد نهرب إِلَى ظله وجواره من جور الزَّمَان وَإِذا ذكرنَا اسْمه هرب الشَّيْطَان خوفًا مِنْهُ وَلِأَنَّهُ كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا وَهُوَ اسْم النبى
والشيطان يطرد بِذكر الله وَرَسُوله
٢٤ - الْإِعْرَاب وَصفه ابْتِدَاء ودونك الْخَبَر وَمن فَاعل يراك وَلم يصرف طرسوس لما فِيهِ من التَّعْرِيف والتأنيث والعجمة الْمَعْنى يَقُول وصف من أثنى عَلَيْك بِالْكَرمِ والشجاعة دُونك لِأَنَّك أعظم مِمَّا وصف بِهِ أى الذى أخبر عَنْك صَادِق وَوَصفه دون مَا تستحقه وَتمّ الْكَلَام واستأنف من بالعراق أى لميله إِلَيْك ومحبته لَك كَأَنَّهُ يراك كَقَوْل كثير
(أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَها فَكَأنَّمَا تَمَثَّلُ لى لَيْلَى بِكُلْ سَبِيلِ)
وكقول أَبى نواس
(مَلِكٌ تَصَوَّر فى القُلُوبِ مِثالُهُ فَكأنَّهُ لَم يَخْلُ مِنْهُ مَكانُ)
قَالَ الواحدى يُرِيد أَن آثاره بالعراق ظَاهِرَة وَذكره شَائِع بهَا فَكَانَ من بهَا يرَاهُ وَهُوَ بطرسوس وَقد قصر حَيْثُ قَالَ من بالعراق وَاقْتصر على أهل الْعرَاق وَقد اسْتَوْفَاهُ فى مَوضِع آخر بقوله هَذَا الذى أَبْصرت مِنْهُ حَاضرا الخ
٢٥ - الْغَرِيب المقيل القيلولة وَقت القائلة والتعريس النُّزُول فى آخر اللَّيْل ويشنا يبغض وَهُوَ مَهْمُوز فأبدل الْهمزَة ألفا الْمَعْنى يَقُول هَذَا بلد يُرِيد طرسوس أَقمت بِهِ وذكرك فى الْآفَاق سَائِر لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يطْلب المقيل وَلَا التَّعْرِيس وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطائى
(جَرَّرتُ فى مدحيكَ حَبْلَ قَصاَئدٍ جالَتْ بك الدُّنْيا وأنتَ مُقيمُ)
٢٦ - الْغَرِيب أَسد خادر دَاخل فى الخدر وهى الأجمة وأخدر الْأسد إِذا لزم الخدر وأخدر فلَان فى أَهله أَقَامَ فيهم وَأنْشد الْفراء
(كَأَن تَحْتِى بازيا رَكَّاضَا أخْدَرَ خَمْسا لَمْ يَذُقْ عَضَاضَا)
ريد أَقَامَ فى وَكره خمس لَيَال لم يَأْكُل وَيُقَال خدر لأسد وأخدر إِذا غَابَ فى الأجمة فَهُوَ خادر ومخدر قَالَ الراجز
(كالأسَدِ الوَرْدِ غَدَا مِنْ مُخْدَرِه )
وَقَالَت ليلى الأخيلية
(فَتًى كانَ أحْيا مِنْ فَتاةٍ حَيِيَّةٍ وأشجَعَ مِنْ لَيْثٍ بخَفَّانَ خادِرِ)
وتخذت بِمَعْنى اتَّخذت وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير ﴿لتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ والعريس والعريسة أجمة الْأسد وعرينه الْمَعْنى جعل بَلَده أجمة كَمَا جعله أسدا وَجعل مَا يَأْخُذ من الْأَعْدَاء فريسة وَهُوَ مَا يفترس الْأسد من صيد يصيده فَهُوَ يُرِيد أَنه أَقَامَ بِبَلَدِهِ كإقامة الْأسد فى أجمته وَإِذا أَرَادَ الْغَزْو فَارق بَلَده كالأسد لطلب الفريسة وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(هوَ اللَّيْثُ طَوْرًا بالعراقِ وَتارَةً لهُ بينَ آجامِ الْقَنا مُتَأَجَّمُ)
[ ٢ / ٢٠٠ ]
- الْغَرِيب نقدت فلَانا الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير أى أعطيتهَا لَهُ فانتقدها أى أَخذهَا ونقدت الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وانتقدتها أخرجت الزيف مِنْهَا وَنقد كَلَامه وانتقده كَذَلِك والتدليس إخفاء الْعَيْب وَمِنْه التَّدْلِيس فى كَلَام الْمُحدثين وَهُوَ أَن يرْوى الرجل عَن رجل قد تكلم فِيهِ بِضعْف أَو غَيره فَيَقُول حَدثنَا فلَان باسمه وَهُوَ يعرف بكنيته أَو بكنيته وَهُوَ يعرف باسمه أَبُو باسمه وَاسم جده أَو جد جده كَمَا فعل مُحَمَّد بن إِسْمَعِيل البخارى لما وَقع بَينه وَبَين شَيْخه مُحَمَّد بن يحي الذهلي فَكَانَ يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نسب وَيَقُول فِي مَوضِع آخر حَدثنَا مُحَمَّد بن فَارس باسم جده الْأَكْبَر الْمَعْنى قد نثرت عَلَيْك درا يعْنى شعره فانتقده لتعلم بِهِ الْجيد من الردئ لِأَن الشُّعَرَاء قد كَثُرُوا يبيعون الشّعْر الردئ فاحذر تدليسهم عَلَيْك وانتقد شعرى فَإِنَّهُ در نثرته عَلَيْك حَتَّى تعلم جيد الشّعْر من رديئه وصدره من قَول الحكمى
(نَثرْتُ عليكَ الدُّرَّ يَا دُرَّ هاشِمٍ فَيا مَنْ رأى دُرّا على الدُّرّ يُنْثَرُ)
وعجزه ينظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(أوَّلُ مَا أسأَلُ مِنْ حاجَةٍ أنْ يُقْرأُ الشِّعْرُ إِلَى آخِرِهْ)
(ثُمَّ كَفانِى بالَّذِى تَرتَئىِ فى جَوْدَةٍ الشِّعْرِ وفى شاعِرِهْ)
٢٨ - الْإِعْرَاب عروسا حَال من القصيدة قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون حَالا من الممدوح لِأَن الْعَرُوس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَهَذَا إِذا أَرَادَ فاجتليتها أى قدر ضميرا وَإِذا لم يقدر فهى مفعول لاجتليت وَالضَّمِير فى حَجَبتهَا وجلوتها للقصيدة وَإِن لم يجر لَهَا ذكر وَإِنَّمَا ذكر الدّرّ وَالْمعْنَى أَنى أنشدتك قصيدة فَالضَّمِير على الْمَعْنى الْمَعْنى يُرِيد أَنى مدحتك بِهَذِهِ القصيدة وَلم أمدح أهل أنطاكية يعرض بِبَعْض الأكابر فِيهَا وأظهرتها لَك أى عرضتها عَلَيْك كَمَا تعرض الْعَرُوس وجلوتها كَمَا تجلى الْعَرُوس فاجتليتها وَنظرت إِلَيْهَا كَمَا ينظر الْعَرُوس عِنْد الزفاف إِلَى الزَّوْج وخصصتك بهَا دون غَيْرك من أهل أنطاكية
[ ٢ / ٢٠١ ]
- الْإِعْرَاب يُقَال أَنْت أويت إِلَى الْمَكَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف﴾ وَقَوله يأوى الخراب أَرَادَ إِلَى فعداه كبيت الْكتاب قَالَ
(أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمرت بِهِ )
أى بِالْخَيرِ فَلَمَّا حذف عداهُ الْغَرِيب الطُّيُور جمع طير وطير جمع طَائِر فالطير اسْم جنس يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالطير صافات﴾ وفى قَوْله تَعَالَى ﴿من الطين كَهَيئَةِ الطير﴾ هُوَ مُفْرد وَدَلِيله قِرَاءَة نَافِع كَهَيئَةِ الطَّائِر والناووس لَيْسَ بعربى وَهُوَ مَقَابِر النَّصَارَى وَقيل مَقَابِر الْمَجُوس الْمَعْنى خير الشّعْر مَا يمدح بِهِ الْمُلُوك كالطير النفيس مثل البزاة وأمثالها تطير إِلَى قُصُور الْمُلُوك وَشر الشّعْر مَا يمدح بِهِ اللئام الأراذل كالطير الذى يأوى إِلَى الخراب ومقابر الْمَجُوس لِأَنَّهَا مهجورة لَا تزار يعْنى أَنْت خير النَّاس وشعرى خير الشّعْر والجيد للجيد والردئ للردئ
٣٠ - الْغَرِيب الحبيس الْمَحْبُوس وَهُوَ الْوَقْف الذى لَا يُبَاع وَلَا يُوهب الْمَعْنى لَو كَانَت الدُّنْيَا ذَات جود وكرم لفدتك بِأَهْلِهَا وأبقتك خَالِدا وَلَو كَانَت غَازِيَة مجاهدة لكتبت عَلَيْك وَقفا مَحْبُوسًا وَكَانَت لَا تغزو إِلَّا لَك وعنك وبأمرك وَهَذَا مُحَمَّد الممدوح كَانَ صَاحب غزوات لِأَنَّهُ كَانَ على الثغور فى وَجه الرّوم ذابا عَن الْمُسلمين
[ ٢ / ٢٠٢ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول قيامنا فى خدمته على رءوسنا قَلِيل لِأَنَّهُ يسْتَحق أَكثر من هَذَا وبذل نفوسنا فى خدمته قَلِيل لَهُ وَمن فعلنَا الْكَرِيم أَن نبذل نفوسنا فى خدمته وَهُوَ من قَول الطائى
(لوْ يقْدِرُونَ مَشَوْا على وَجَناتِهِمْ وَخُدُودِهِمْ فَضْلًا عَنِ الأقْدامِ)
٢ - الْإِعْرَاب خانته الضَّمِير للأنفس الْغَرِيب العبوس الكريه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿عبوسا قمطريرا﴾ الْمَعْنى يَقُول إِذا خانته النُّفُوس يَوْمًا وَلم تخدمه فَكيف تصحبه فى يَوْم الْحَرْب
١٣١
- ١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عرسه عَائِد على من حكم تَقْدِيره أَحمَق من عبد وَمن عرس من حكم وَمن ابْتِدَاء خَبره مَا قبله كَمَا تَقول أحسن من زيد وَمن بكر عَمْرو الْغَرِيب النوك الْحمق والأنوك الأحمق والعرس الْمَرْأَة الْمَعْنى يَقُول الذى يَجْعَل العَبْد حَاكما على نَفسه أَحمَق من العَبْد وَمن عرس نَفسه يعْنى الْمَرْأَة أى أَحمَق من الْمَرْأَة وَمن العَبْد من يكون فى طَاعَة العَبْد وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فى عرسه للْعَبد وَيُرِيد بِهِ الْأمة لِأَن العَبْد يتَزَوَّج بالأمة فى غَالب الْأَحْوَال أى من حكم العَبْد على نَفسه فَهُوَ أَحمَق من العَبْد وَمن الْأمة وَهَذَا عتاب يُعَاتب بِهِ نَفسه حِين قصد كافورا وَاحْتَاجَ إِلَى أَن يطيعه فِيمَا يحكم بِهِ
٢ - الْمَعْنى يَقُول إِن من أظهر تحكيم العَبْد عَلَيْهِ فَهُوَ قَلِيل الرأى وناقص الْعقل وَهُوَ دَلِيل على سوء اخْتِيَاره وَفَسَاد حسه
[ ٢ / ٢٠٣ ]
- الْمَعْنى هُوَ يُخَاطب نَفسه وَيَقُول لَهَا أَنْت فى حبس كافور لِأَن من تكون فى وعده يحسن إِلَيْك ويبرك وَمن يرى أَنَّك مَحْبُوس عِنْده بذلك وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا أَرَادَ أَن العَبْد جَاهِل بِحَق مثله فَهُوَ يرى أَنه فى حَبسه فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ مخلص فَمَا يبالى بِهِ وَالْحر الْكَرِيم يرى أَنَّك فى وعده فَهُوَ يضمر الإنجاز فِيمَا وعد
٤ - الْمَعْنى يَقُول إِن العَبْد لَا فضل فى أخلاقه أى أَفعاله عَن هذَيْن الْمَذْكُورين الْفرج القذر والضرس فهمته مَقْصُورَة على إرضاء هذَيْن بَطْنه وفرجه يصفه بقصر الهمة عَن المعالى
٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يَوْمه لِلْمِيعَادِ وفى أمسه لكافور وَمثله كثير فى الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه﴾ فالتسبيح لله تَعَالَى فَلَمَّا ذكر الميعاد وَذكر كافور فى ضمير ينجز أى لَا ينجز كافور الميعاد فى يَوْم الميعاد وَهُوَ أَن يعد الرجل الرجل إِلَى يَوْم كَذَا فَإِذا جَاءَ ذَلِك الْيَوْم فَهُوَ الميعاد الذى وعده فِيهِ قَالَ فى يَوْمه أى لَا ينجز الميعاد فى يَوْم الميعاد الذى وعد أَن ينجز فِيهِ الْمَعْنى يَقُول لَا ينجز مَا وعد فى يَوْم انْقِضَاء الْوَعْد وَلَا يعى أى لَا يحفظ مَا قَالَه بالْأَمْس يعْنى أَنه لِغَفْلَتِه وَسُوء فطنته ينسى مَا يَقُوله
٦ - الْغَرِيب القلس حَبل السَّفِينَة الذى تجذب بِهِ السَّفِينَة فى الإصعاد الْمَعْنى يَقُول لَا يأتى بطبعه مكرمَة وَلَا يفعل خيرا إِلَّا أَن تحتال على جذبه إِلَيْهَا كَمَا تجذب السَّفِينَة بالحبل لتجرى وَهُوَ // معنى حسن // يُرِيد أَنه يجر إِلَى فعل الْخَيْر بِقُوَّة وصعوبة كَمَا تجر السَّفِينَة من الانحدار إِلَى الإصعاد وَهُوَ ضد عَادَتهَا لِأَنَّهَا تطلب جَرَيَان المَاء لتنحدر مَعَه سريعة وَإِذا جذبت إِلَى الإصعاد أَتعبت الجاذب لَهَا وَكَذَا كافور قد تعود الْبُخْل واللؤم فَإِذا جذب إِلَى فعل الْخَيْر صَعب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غير عَادَته
٧ - الْإِعْرَاب فى رَأسه بِمَعْنى على وَمثله
(لأصلبنكم فى جُذُوع النّخل )
أى على جُذُوع النّخل الْمَعْنى يَقُول الْخَيْر لَا يُرْجَى عِنْد عبد قد رأى الهوان والذلة وَقد مرت يَد النخاس بِرَأْسِهِ والنخاس فى الْعرف هُوَ الذى يَبِيع الدَّوَابّ وَالْعَبِيد وفى غَيرهمَا السمسار والدلال
[ ٢ / ٢٠٤ ]
- ٨ - الْغَرِيب عرَاك الْأَمر واعتراك إِذا غشيك وَفُلَان يعروه الأضياف ويعتريه أى يَغْشَاهُ الْمَعْنى يَقُول إِن شَككت فى حَاله وَلم تعرفه فَانْظُر إِلَى العبيد الَّذين من جنسه فَإِنَّهُم لَيْسَ لَهُم مُرُوءَة وَلَا كرم وَلَا عقل ويروى بِحَالهِ مُضَافا ومنونا
٩ - الْغَرِيب الْغَرْس جلدَة رقيقَة تخرج على رَأس الْوَلَد عِنْد الْولادَة وَجَمعهَا أغراس واللؤم بِالْهَمْزَةِ الْبُخْل وَسُوء الطباع الْمَعْنى يُرِيد أَنه طبع عِنْد الْولادَة على الْبُخْل وَمن كَانَ لئيما فى كبره فَإِنَّمَا كَانَ لئيما عِنْد وِلَادَته فَهُوَ مطبوع على اللؤم
١٠ - الْغَرِيب القنس بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا الأَصْل وَالْكَسْر أفْصح قَالَ العجاج
(فىِ قِنْسٍ مجد فاقَ كلَّ قِنْسٍ فىِ الباعِ إنْ باعُوا وَيَوْمَ الحَبْسِ)
الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَشْيَاء ترجع إِلَى أُصُولهَا وَإِلَى أوائلها فَمن أُوتى ملكا أَو ولَايَة أَو مَالا وَقدره لَا يسْتَحق لم يذهب عَن أَصله وَلم يرفعهُ ذَلِك عَن لؤم الأَصْل فَمن كَانَ لئيم الأَصْل فَهُوَ ينْزع إِلَى ذَلِك اللؤم وَلَو أُوتى كنوز قَارون
١ - الْإِعْرَاب أحب وَأطيب ابتداءان محذوفا الْخَبَر لِأَن الْحَال دلّت عَلَيْهِ الْغَرِيب حب وَأحب لُغَتَانِ والأفصح أحب يُقَال أحبه يُحِبهُ فَهُوَ محب وحبه يُحِبهُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَحْبُوب قَالَ غيلَان بن شُجَاع النهشلى
(أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أجْلِ تَمْرِهِ وأعْلَمُ أنَّ الجارَ بالجارِ أرْفَقُ)
(فَوَاللهُِ لَوْلا تَمْرُهُ مَا حَبِبْتُه وَلَا كَانَ أدْنَى مِن عُبَيدٍ ومُشْرِقِ)
وَهَذَا شَاذ لِأَنَّهُ لم يَأْتِ فى المضاعف يفعل بِالْكَسْرِ إِلَّا ويشركه يفعل بِالضَّمِّ إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا إِلَّا هَذَا الْحَرْف والمعطس الْأنف لِأَنَّهُ يأتى العطاس مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح هُوَ أحب شئ أحبته النُّفُوس وَهَذَا البخور أطيب رَائِحَة شمها الْأنف فَجعله أحب الْأَشْيَاء إِلَى الْأَنْفس وبخوره أطيب رَائِحَة إِلَى الأنوف
[ ٢ / ٢٠٥ ]
- الْإِعْرَاب وَنشر مَعْطُوف على خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ وَأطيب مَا شمه الْأنف هَذَا البخور وَنشر من الند وَالْوَاو زَائِدَة كَمَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جاءوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ وروى أحب وَأطيب بِالنّصب على النداء الْغَرِيب الند هُوَ ضرب من الطّيب لَيْسَ هُوَ بعربى والآس نبت مَعْرُوف وَكَذَلِكَ النرجس وهما طيبا الرَّائِحَة والمجامر جمع مجمرة وهى مَا يوضع عَلَيْهِ البخور الْمَعْنى يَقُول هَذَا النشر وَهُوَ الرَّائِحَة من الند إِلَّا أَن مجامره الآس والنرجس وليسا بمعروفين أَن يخرج مِنْهُمَا الدُّخان
٣ - الْغَرِيب الأقعس الثَّابِت يُقَال عز أقعس وَعزة قعساء وَقَالَ قوم هُوَ العالى الْمُرْتَفع الذى لَا يوضع مِنْهُ وَمِنْه الأقعس الذى لَا ينَال ظَهره الأَرْض الْمَعْنى يَقُول نَحن لَا نرى نَارا هيجت ريح الند فَهَل هاجه عزك الثَّابِت أَو الْمُرْتَفع العالى على التفسيرين
٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أرجلها للرءوس الْغَرِيب الفئام بِكَسْر الْفَاء وبالهمز هم الْجَمَاعَات وَلِهَذَا قَالَ الَّتِى لتأنيث الْجَمَاعَة وصحفه بَعضهم فَقَالَ بِالْقَافِ وَلَا يجوز بِالْقَافِ إِلَّا إِن قَالَ الَّذين حوله وَكَانَ مِمَّن يقْرَأ عَلَيْهِ الدِّيوَان الْمَعْنى يَقُول الرُّءُوس وَيجمع رَأس على فعول وأفعل تحسد أَقْدَامهَا لما وقفت فى خدمته على الأَرْض ودت أَن تكون هى الْقَائِمَة فى خدمته وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لِأَنَّهَا تباشر الأَرْض الذى بَاشَرَهَا الممدوح لسعيها إِلَيْهِ فهى كَقَوْلِه أَيْضا
(خَيْرُ أعْضَائِنا الرُّءوسُ وَلَكِنْ فَضَلَتْها بِقَصْدِكَ الأَقْدَامُ)
[ ٢ / ٢٠٦ ]
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يبيت على فرَاش حَار كَأَنَّهُ حشى من نَار أحشائه لعظم هَوَاهُ والحشى مَا بَين الأضلاع إِلَى الورك وَهَذَا يصف شدَّة هَوَاهُ وحرارة قلبه إِلَى المحبوب وَفِيه نظر إِلَى قَول الْكَاتِب
(حَظنا مِنْكَ إنْ أصَابَكَ سُقْمٌ حُرَقٌ تَحْتَشِى بِها الأَحْشاءلإ)
٢ - الْإِعْرَاب لقى فى مَوضِع نصب على الْحَال دلّ عَلَيْهِ قَوْله مبيتى أى أَبيت لقى ليل ومبيتى ابْتِدَاء الْجَار وَالْمَجْرُور خَبره وحشاه وَمَا بعده فى مَوضِع الصّفة لفراش وَتَقْدِيره أى ملقى فى ليل وملقى فى هم وَهَذِه الْإِضَافَة كَقَوْلِهِم خابط ليل وَقَوله لونا على التَّمْيِيز وَقَوله فى المشاش فى مَوضِع الْحَال وَالْعَامِل فِيهَا كالحميا الذى هُوَ صفة لَهُم الْغَرِيب عين الظبى يضْرب بهَا الْمثل فى السوَاد ولقى الشئ الْملقى والحميا من أَسمَاء الْخمر والمشاش رُءُوس الْعِظَام الرخوة الْمَعْنى يَقُول إِن اللَّيْل أَلْقَاهُ على فرَاشه وَهُوَ ليل مظلم كعين الظبى لونا وفى هم يمشى كَالْخمرِ فى الْعظم وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(وتَمَشَّتْ فى مَفاصِلِهِمْ كَتَمَشَى البُرْءِ فى السَّقَمِ)
والمصراع الأول من قَول حبيب
(إلَيْكَ تِجَرَّعْنا دُجَى كَحِدَاقِنا )
والثانى من قَول الأبيرد
(عَساكِرُ تَغْشَى النَّفْسَ حَتَّى كأننى أخُو سَكْرَةٍ دَارَتْ بهامَتهِ الخَمْرُ)
وَقَالَ ابْن وَكِيع وعجزه من قَول زُهَيْر
(فَظَلْتُ كأنى شارِبٌ مِنْ مُدامَةٍ مِنَ الرَّاحِ تَسْمو فى المَفاصِلِ والجسْمِ)
وصدره من قَول التنوخى
(واللَّيْلُ كالثَّاكِلِ فىِ إحْدَادِها ومقْلَةِ الظَّبْىِ إذَا الظَّبْىُ رَنا)
[ ٢ / ٢٠٧ ]
- الْغَرِيب الجوانح عِظَام أعالى الصَّدْر المحيطة بِهِ والمحاش بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا لُغَتَانِ وَهُوَ مَا أحرقته النَّار من محشته النَّار إِذا أحرقته وسودته وَمِنْه الحَدِيث " فأخرجوا عَنْهَا وَقد امتحشوا " الْمَعْنى أَنه شبه ثَلَاثَة أَشْيَاء بِثَلَاثَة أَشْيَاء فى هَذَا الْبَيْت شوقه بتوقد النَّار وَقَلبه بالجمر وأضلاعه بشواء قد أحرقته النَّار
٤ - الْإِعْرَاب روى غير بِالْجَرِّ وَالنّصب فَمن جَرّه جعله نعتا وَمن نَصبه جعله حَالا الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف وَقَوله غير نَاب أى مُرْتَفع عَن الضريبة وَغير راش غير ضَعِيف ورمح راش ضَعِيف وَرجل راش كَقَوْلِهِم كَبْش صَاف الْمَعْنى يَدْعُو للسيف وَالرمْح بسقيا الدَّم وَسَقَى وأسقى لُغَتَانِ نطق بهما الْقُرْآن
٥ - الْإِعْرَاب المنعوت الْمَوْصُوف الذى سَار وَصفه بالشجاعة فى النَّاس فعرفوه وَهَذِه رِوَايَة الخوارزمى وَجَمَاعَة وَأما رِوَايَة أَبى الْفَتْح فَإِن الْفَارِس المبغوت بِالْبَاء الْمُوَحدَة والغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الذى بغته الشئ فاجأه وَفَسرهُ بِأَن الممدوح أَبَا العشائر كبسه جيس بأنطاكية وَكَانَ قد أبلى ذَلِك الْيَوْم بلَاء حسنا وَقَوله خفت تطايرت عَنهُ تطاير الريش والمنصل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح المنعوت تطايرت الْأَبْطَال من هيبته وهيبة سَيْفه تطاير ريش الطَّائِر
٦ - الْإِعْرَاب رفع أَبُو الغمرات لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله ١ وَقَالَ قوم هُوَ خبر أضحى وَلَيْسَ بصواب الْغَرِيب الغمرات الشدائد وَقَوله
(غير فَاش )
أى ظَاهر وَلم يقل فَاشِية لِأَنَّهُ ذهب إِلَى الِاسْم والكنية اسْم على الْحَقِيقَة وَقيل بل ذهب إِلَى الْأَب وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الكنية الْمَعْنى يَقُول قد صَار لالتباسه بِالْحَرْبِ وأهوالها يكنى أَبَاهَا وَكَأن كنيته الَّتِى يعرف بهَا قد خفيت على النَّاس وَصَارَ يدعى أَبَا الغمرات
٧ - الْمَعْنى يَقُول قد نسى اسْمه أى الْعلم باسمه الذى صَار يدعى بِهِ ردى أى هَلَاك الْأَبْطَال أَو غيث العطاش لِأَن هذَيْن قد صَارا لَهُ علما وَترك اسْمه الْعلم
[ ٢ / ٢٠٨ ]
- الْإِعْرَاب درع ضرب الْإِضَافَة بِمَعْنى اللَّام لَا بِمَعْنى من الْغَرِيب شبه الْآثَار الدقيقة على سَيْفه بالنسج الدَّقِيق والحاسر الذى لَا درع عَلَيْهِ وملتهب الحواشى بريق السَّيْف الْمَعْنى يَقُول لقُوَّة حاسرا لَا درع عَلَيْهِ فى درع ضرب يُرِيد أَن ضربه الْأَعْدَاء بِالسَّيْفِ يحميه مِنْهُم وَلما جعله درعا جعله دَقِيق النسج وَلِهَذَا قَالَ
(ملتهب الحواشى )
لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ السَّيْف الذى كَانَ يضْرب بِهِ كَأَنَّهُ نَار تلتهب وَالْمعْنَى أَن ضربه الْأَبْطَال يصد عَنهُ كَمَا يصد الدرْع
٩ - الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة والفراش جمع فراشة وَهُوَ مَا يطير فى اللَّيْل كالذباب وَهُوَ يلقى نَفسه فى النَّار وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(ظَنَّ الفَراشُ عُقارها لهَبا يَبْدو فألقَى نَفسه فِيهَا)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ يحرق الرُّءُوس بضربه إِيَّاه لِأَن سَيْفه يلمع كالنار وَشبه أيدى الْقَوْم المتطايرة حوله بالفراش حول النَّار لِأَن الأيدى تطاير بضربه إِيَّاهَا
١٠ - الْغَرِيب المهجة دم الْقلب وَجَمعهَا مهج ومهجات والعطاش شدَّة الْعَطش وَهُوَ من الفعال كالصداع والزكام وَقيل هُوَ دَاء يُصِيب الظباء فَتَشرب المَاء فَلَا تروى والمهند السَّيْف الْمَعْنى شبه مَا يجرى من دم الْأَعْدَاء بِمَاء وَجعل السَّيْف يعاوده مرّة بعد أُخْرَى كالعطشان يعاود المَاء يعْنى أَن سَيْفه لَا يزَال يعاود دِمَاء الْأَعْدَاء كَمَا يعاود العطشان المَاء
١١ - الْغَرِيب مفات مفعل من الْفَوْت وَهُوَ الذى حيل بَين روحه وَبَينه والرمق بَقِيَّة النَّفس وطاش عقله يطيش طيشا وأطشته أطيشه إطاشة الْمَعْنى يَقُول انْهَزمُوا عَنهُ وهم بَين مقتول قد فَاتَ وَبَين ذى رَمق أى فِيهِ نفس وَآخر قد طاش عقله أى ذهب وتحير لما لَاقَى من الْأَهْوَال
١٢ - الْإِعْرَاب توارى مصدر وأسكن الْيَاء لِأَنَّهُ فى مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره لنصل الْغَرِيب المنعفر الذى يتلطخ بالعفر وَهُوَ التُّرَاب والاحتراش صيد الضَّب الْمَعْنى يُرِيد أَن السَّيْف قد غَابَ وتوارى فى هَذَا المنعفر توارى الضَّب فى جُحْره خوفًا من الصَّائِد
[ ٢ / ٢٠٩ ]
- الْغَرِيب العجاية عصبَة فى الْيَد فَوق الْحَافِر والارتهاش واصطكاك الْيَدَيْنِ حَتَّى تنعفر الرواهش وهى عروق بَاطِن الذِّرَاع الْمَعْنى يَقُول لما انْهَزَمت الْخَيل من بَين يَدَيْهِ هاربة دمت بَعْضهَا بَعْضًا وَلم يكن بهَا ارتهاش وَقَالَ قوم التدمية من دِمَاء الْقَتْلَى لِكَثْرَة مَا تطَأ فِيهِ الْخَيل من دِمَائِهِمْ
١٤ - الْغَرِيب الرائع المفزع والمخوف والمستجاش الذى يطْلب مِنْهُ الْجَيْش الْمَعْنى يَقُول مخوفها وَحده لم يفزعه انْقِطَاع الْجَيْش عَنهُ وَلَا الذى ينفذ لَهُ الْجَيْش يُرِيد سيف الدولة بل هُوَ طردهم وأخافهم وَحده وَقَالَ ابْن القطاع فى يدمى فى الْبَيْت الأول وَهَذَا يُرِيد أَن الممدوح لَا نَظِير لَهُ فى شجاعته وَلَا لَهُ قرن يصادمه وَضرب الْمثل بأيدى الْخَيل وَيُرِيد لَا يُقَاتل الرِّجَال إِلَّا أكفاؤها
١٥ - الْغَرِيب الخوص مَا يكون فى سعف النّخل والعشاش جمع عشة وهى النَّخْلَة إِذا قل سعفها ودق أَسْفَلهَا وَالسَّعَف هُوَ أغصال النَّخْلَة وَهُوَ مَا يكون فى آخر الجريد وَقد عِشْت النَّخْلَة وشجرة عشة أى دقيقة القضبان قَالَ جرير
(فمَا شَجَرَاتُ عِيصِكَ فى قُرَيْشٍ بعَشَّاتِ الفُرُوعِ وَلا ضَوَاحى)
والعشة من النِّسَاء القليلة اللَّحْم وَالرجل عش قَالَ
(تضْحَكِ مِّنى أنْ راتْنِى عَشَّا )
الْمَعْنى يَقُول كَأَن تلوى النشاب فِيهِ كتلوى خوص النَّخْلَة لِأَنَّهُ بشجاعته لَا يحفل بالطعن وَلَا الضَّرْب وَلَا الرمى
١٦ - الْإِعْرَاب الْغَرِيب النهب الْغَارة وَهُوَ مَا ينهبه الْإِنْسَان وَأهل النهب الْجَيْش والقماش مَتَاع الْبَيْت ومتاع الْإِنْسَان لسفره وإقامته الْمَعْنى يَقُول نهب نفوس أهل الْغَارة أولى من نهب الأقمشة وَهُوَ من قَول الطائى
(إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها يوْمَ الكَرِيهَةِ فىِ المَسْلوب لَا السَّلَبِ)
وَأَخذه أَبُو تَمام من قَول الأول
(تَرَكْتُ النِّهابَ لأَهْلِ النِّهابِ وأكْرهْتُ نفسىِ على ابْنِ الصَّعِقْ)
[ ٢ / ٢١٠ ]
- الْغَرِيب الندام المنادمة والبطان جمع بطين وَهُوَ الْكَبِير الْبَطن والجحاش المجاحشة وهى المدافعة فى الْقِتَال الْمَعْنى يَقُول إِذا نزلنَا عَن الْخَيل يشاركنا فى شرب الْخمر رجال يكثرون الْأكل وَلَا يكثرون الْقِتَال وَلَا يشاركون فِيهِ وَمثله
(يَفِرُّ مِنَ الكَتِيبَةِ حِينَ يُلْقَى وَيَشْبُتُ عِنْدَ قائمَةِ الخُوَانِ)
١٨ - الْإِعْرَاب وَقبل يأنى رَوَاهُ الخوارزمى نصبا على الظَّرْفِيَّة وعَلى مَوضِع الأول وَمثله بَيت الْكتاب
(فإنْ لَم تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنانَ وَالدًا وَدُونَ مَعَدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ)
وَرَوَاهُ أَبُو الْفَتْح بالخفض عطفا على الأول الْغَرِيب النطاح مناطحة دَوَاب الْقُرُون ويأنى يحين الْمَعْنى يَقُول قبل المناطحة وَقبل أوانها يتَبَيَّن من يناطح من لَا يناطح وَمِمَّنْ يُقَاتل مِمَّن لَا يُقَاتل وَذَلِكَ أَن الكباش تتلاعب بقرونها وَإِن لم ترد الطعْن بهَا كَذَلِك يتلاعب النَّاس بالأسلحة فى غير الْحَرْب فَيعرف من يحسن اسْتِعْمَالهَا مِمَّن لَا يحسن
١٩ - الْغَرِيب التورية الْإخْفَاء والستر وَلَا أحاشى أى لَا أستثنى أحدا كَقَوْل النَّابِغَة
(وَما أُحاشِى مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أحَدِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت بَحر البحور وَملك مُلُوك الأَرْض وَلَا أورى أى أستر قولى وَلَا أستثنى من الْمُلُوك ملكا ويروى وَيَا بدر البدور
٢٠ - الْغَرِيب الغاشى القاصد والزائر وَأَصله غاشش فأبدل من الشين يَاء وغاشية الرجل الَّذين يزورنه ويأتونه وَمِنْه قَول حسان
(يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كلابُهُمْ لَا يَسأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبلِ)
الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يخفى عَلَيْك مَحل زائر يقصدك وَذَلِكَ من فرط فطنتك وذكائك كَأَنَّك ترى مَا فى قُلُوب النَّاس وَتعلم مَا يطْلبُونَ وفى مَعْنَاهُ
(وَيمْتَحِنُ النَّاسَ الأمِيرُ بِرأيِهِ وَيَقْضِى عَلى عِلْمٍ بكُلّ مُمَخْرِقِ)
[ ٢ / ٢١١ ]
- الْإِعْرَاب يُرِيد وَأَنت لم تبخل فَحذف وَدلّ عَلَيْهِ الْكَلَام الْغَرِيب الواشى الْكَاذِب وَأَصله الذى يشى بالإنسان إِلَى ذى سُلْطَان فيهلكه الْمَعْنى يَقُول كَيفَ أَصْبِر عَنْك وَأَنت مقصودى ومطلوبى وَلم تبخل على بشئ وَلم تسمع فى كَلَام الوشاة فَلَا صَبر لى عَنْك
٢٢ - الْغَرِيب الرؤساء جمع رَئِيس كشريف وشرفاء وكريم وكرماء وَهُوَ الذى رَأس قومه وسادهم والخشاش بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة صغَار الطير وَمِنْه الحَدِيث " تَأْكُل من خشَاش الأَرْض " الْمَعْنى يُرِيد أَنه يصغر الرؤساء عِنْد الْإِضَافَة إِلَيْهِ وَهُوَ بَينهم كالطير الْكَبِير بَين الطُّيُور الصغار لشرف قدره وعلو أمره
٢٣ - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح لَيْسَ يَرْجُو من يخشاك أَن يلقى من يكذبهُ ويخطئه فى خوفك لِأَن النَّاس مجمعون على خوفك وخشيتك وَقَالَ أَبُو على يُرِيد خاشيك نَازل بِهِ بأسك وواقع بِهِ سخطك وانتقامك فَمَا يَرْجُو تَكْذِيبًا لما خافه لشدَّة خَوفه وراجيك يخْشَى أَن تخيبه لفيض عرفك وَقَالَ الواحدى وَالصَّحِيح فى هَذَا الْبَيْت رِوَايَة من روى
(فَمَا خاشِيكَ للتَّثرِيبِ راجٍ )
يُرِيد من خشيك لم يخف أَن يثرب ويعير بخشيتك وراج خَائِف وَمن روى للتكذيب لم يكن فِيهِ مدح لِأَن الْمَدْح فى الْعَفو لافى تَحْقِيق الخشية وَإِنَّمَا يمدح بتحقيق الأمل وَتَكْذيب الْخَوْف كَقَوْل السرى
(إذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أنْجَزَ وَعْدَهُ وَإنْ أوْعَدَ الضَّرَّاءَ فالعَفْوُ مانعُهْ)
[ ٢ / ٢١٢ ]
- الْغَرِيب النبيط قوم بسواد الْعرَاق حراثون يُقَال نبط ونبيط والجحاش جمع جحش وَهُوَ ولد الْحمار وكل خيل أى كل أهل خيل كَقَوْلِه
" يَا خيل الله اركبى " الْمَعْنى يُرِيد كل من صحبك وغزا مَعَك طَاعن وتشجع وَلَو كَانَ من هَؤُلَاءِ النبيط الحرائين الَّذين لم يعرفوا ركُوب الْخَيل وَإِنَّمَا يركبون الْحمير فَمن كَانَ مَعَك شجاعا لشجاعتك
٢٥ - الْغَرِيب عشوت إِلَى النَّار أعشو عشوا عشوا وَأَنا عَاشَ إِذا جِئْتهَا لَيْلًا هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ صَار كل قَاصد عاشيا قَالَ الجوهرى عشوت إِلَى النَّار إِذا استدللت عَلَيْهَا ببصر ضَعِيف قَالَ الحطيئة
(مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خيرَ نارٍ عِنْدَها خيرُ مُوقِدِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت كالنور فى الظلمَة فَأَنت بَين النَّاس تضئ بكرمك وفضلك وَأَنا أقصدك لأطلب الْخَيْر عنْدك كَمَا تطلب النَّار فى ظلمَة اللَّيْل
٢٦ - الْغَرِيب أنوف جمع أنف كربع وربوع وَقصر وقصور والخشاش الْعود الذى يكون فى أنف الْبَعِير والناقة والورد مَعْرُوف وَهُوَ أطيب الرياحين الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تأذيت بلقاء غَيْرك من الرؤساء وَلم يليقوا بى كَمَا لَا يَلِيق الْورْد بأنوف الْإِبِل قَالَ وَيجوز أَن يكون قَوْله
(أنوفًا هنّ أولى بالخشاش )
أى أنوف اللئام من النَّاس أولى بالخشاش من أَن تشم الْورْد وَنَقله الواحدى حرفا حرفا
٢٧ - الْغَرِيب الهزال الضعْف وَقلة اللَّحْم من الْجَسَد وَهُوَ ضد السّمن والهراش محاربة الْكلاب بَعْضهَا من بعض الْمَعْنى يَقُول هم طول الدَّهْر عَلَيْك إِذا افْتَقَرت فهم أعوان للدهر عَلَيْك وَإِذا كثر مَالك صَارُوا حولك يتهارشون وَيطْلبُونَ مَا عنْدك وَالْمعْنَى هم عون عَلَيْك مَعَ الزَّمَان إِذا افْتَقَرت وَإِذا اسْتَغْنَيْت صَارُوا حولك يتهارشون وَقَالَ الواحدى هم عِيَال فى الْحَرْب وَإِذا رجعت بِالْغَنِيمَةِ خيموا لديك وتهارشوا وَهَذَا الْمَعْنى الذى قَالَه أَبُو الطّيب // معنى حسن // وَضرب الهزال وَالسمن مثلا
[ ٢ / ٢١٣ ]
- الْغَرِيب الشاش مَوضِع قيل بآخر الرّوم وَقيل بل بِبِلَاد الْعظم وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ شاشتى وَيُرِيد أَنه مَكَان بعيد وَنعم كلمة عدَّة وتصديق وَجَوَاب اسْتِفْهَام وَيجوز كسر الْعين مِنْهَا وبالكسر قَرَأَ الكسائى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ أَبُو العشائر قد استطرد الْخَيل ثمَّ ولى بَين أَيْديهم هَارِبا ثمَّ جَاءَ خَبره أَنه كرّ عَلَيْهِم رَاجعا فَلَو لحق بشاش لوثقت بعودته وَقَالَ أَبُو على الرِّوَايَة بِضَم الْكَاف وَلم يروها بِالْفَتْح إِلَّا أَبُو الْفَتْح وَالْمعْنَى خبر الْأَمِير أَتَى بظفره فَقيل لنا معشر النَّاس كروا فَقلت نعم يكرون وَلَو لحقوه بشاش يُرِيد وَلَو كَانَ على الْبعد مِنْهُم وَقَالَ الواحدى ورد خبر الْأَمِير وَأَنه مَعَ جَيْشه كروا على الْعَدو فَقلت نعم تَصْدِيقًا لهَذَا الْخَبَر يكرون وَلَو لحق جَيش عدوه بالشاش لحقوه وَهُوَ من قَول البحترى
(يُضْحِى مُطِلًا عَلى الأعْدَاءِ لوْ وَقَفوا بالصّينِ فى بُعْدِها مَا استْعَدَ الصّينا)
٢٩ - الْإِعْرَاب من روى يسن بِضَم الْيَاء وَكسر السِّين نصب الْقِتَال وَمن روى بِفَتْح الْيَاء رفع الْقِتَال بِالْفِعْلِ الْغَرِيب الهيجا تمد وتقصر وهى من أَسمَاء الْحَرْب واللجوج الذى لَا ينثنى عَن الْأَعْدَاء وَلَا يزَال يغزوهم وَيسن قِتَاله من طول السن وَهُوَ الْعُمر يُرِيد يطول حَتَّى يصير كالمسن الذى طَال عمره وناش شَاب الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذَا الممدوح يَقُود جَيْشه إِلَى الْحَرْب وَهُوَ لجوج يلج فى قِتَالهمْ فقتاله طَوِيل وَكره شَاب فَهُوَ فى آخر الْقِتَال كَمَا كَانَ فى أَوله فأسقط الْهمزَة من ناش وَأَصله الْهمزَة فَتَركه ضَرُورَة وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(مَلِكٌ لهُ فى كلّ يَوْمِ كَرِيهَة إقْدَامُ غِرّ وَاعْتِزَامُ مُجَرْبِ)
٣٠ - الْغَرِيب الْكُمَيْت يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى قَالَ ١
(كُميْتٌ غَيْرُ مُحْلِفَةٍ وَلَكِنْ كَلْوْنِ الصِّرْفِ عُلَّ بِهِ الأَدِيمُ)
المناقلة تَحْسِين نقل يَديهَا ورجليها بَين الْحِجَارَة والإعقاق مصدر أعقت الدَّابَّة إِذا انفتق بَطنهَا بِالْحملِ وَفرس عقوق والغشاش بالغين الْمُعْجَمَة وَالْكَسْر العجلة قَالَت الْكلابِيَّة
(وَما أنْسَى مَقالَتَها غَشاشا لنا وَاللَّيْلُ قَدْ طَرَدَ النَّهارَا)
الْمَعْنى يَقُول أسرجت لى الْكُمَيْت وناقلت بى على عجلة ونقلتها فعدت بى وأسرعت
[ ٢ / ٢١٤ ]
- الْغَرِيب المتمرد مفتعل من المارد والمريد هُوَ الْخَبيث يصف فرسه بالخبث والرشاش مَا ترشه الطعنة من الدَّم وَأَرَادَ بفرسه أَنَّهَا متمردة أى صعبة الانقياد الْمَعْنى يُرِيد أَنه يذب عَن هَذَا الْفرس المنيع الانقياد لمن لَا يحسن ركُوبه بِرُمْح يطعن كل طعنة ترش الدَّم وَيجوز أَن يصونها عَن أَن تطعن كل طعنة ترش الدَّم
٣٢ - الْغَرِيب الْعقر أَن يقطع عصب الرجل من الْفرس أَو النَّاقة وَالْبَعِير فَهُوَ معقور الْمَعْنى يَقُول لوعقرت فرسى لبلغنى إِلَيْهِ مَا يتحدث النَّاس بِهِ عَن فَضله وَعَن كرمه وَهُوَ مَا يسمع من الثَّنَاء عَلَيْهِ وَقد روى كل ماش بِالنّصب فَيكون الضَّمِير فى يحمل للْحَدِيث يُرِيد حَدِيث يحمل الماشى على المشى كَمَا قيل إِن رجلَيْنِ اصْطَحَبَا فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه تحملنى وأحملك يُرِيد تحدثنى وأحدثك حَتَّى نقطع الطَّرِيق بِالْحَدِيثِ فَكَأَن الحَدِيث لاستطابته يحمل الماشى وَمن روى كل ماش بِالرَّفْع رد الضَّمِير الْمَحْذُوف فى يحملهُ للْحَدِيث يُرِيد أَن كل ماش فى الأَرْض يحمل حَدِيثه لشيوعه وَحسن أخباره
٣٣ - الْغَرِيب المُرَاد بالمواقف هُنَا الْموقف فى الْحَرْب وَيجوز أَن يُرَاد بهَا المواقف فى الْعَطاء وَالْفضل وَالصَّحِيح أَن المواقف لَا تسْتَعْمل إِلَى فى الحروب وشيك دخل فى رجله الشوك والانتقاش إِخْرَاج الشوك بالمناقش الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ذكرت مَوَاقِف أَبى العشائر فى السخاء وَالعطَاء لإِنْسَان حاف وَدخل الشوك فى رجلَيْهِ لم ينكس رَأسه لإخراجه بل يمضى مسرعا إِلَيْهِ قَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يُرِيد أَن الشجاع إِذا وصف لَهُ مواقفة تاق إِلَيْهِ وَرغب فى صحبته وأسرع إِلَيْهِ وَيدل على هَذَا رِوَايَة من روى وقائعه
٣٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تزيل للموقف أَو للممدوح الْغَرِيب المصبور الْمَحْبُوس على الْقَتْل وَقتل فلَان صبرا وَهُوَ أَن يحبس حَتَّى الفاش الْمُفَاخَرَة وَقيل الْمُفَاخَرَة بِالْبَاطِلِ الْمَعْنى على رِوَايَته بِالتَّاءِ على الْخطاب يكون تَقْدِيره إِنَّك تزيل مَخَافَة المصبور عَنهُ أى تنقذه من الْقَتْل وتزيل خَوفه وتشغل ذَا المفاخر عَن الْمُفَاخَرَة لِأَن مثلك لَا يطْمع فى مفاخرته فَإِن كل أحد متواضع لَك ومقر لَك بِالْفَضْلِ وَمن روى بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت يَقُول إِنَّه يفعل هَذَا ليستنقذ الْأَسير من الْقَتْل
[ ٢ / ٢١٥ ]
- الْغَرِيب الانكماش الْجد فى الْأَمر وَكَذَلِكَ الإكماش وَرجل كميش جاد مَاض الْمَعْنى يَقُول مَا اشتاق أحد اشتياقى إِلَيْك وَلَا جد وَلَا أسْرع إِلَيْك
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول سرت لأخدمك وأكسب بخدمتى لَك المعالى وسواى سَار إِلَيْك يطْلب الْمَعيشَة بِمَا تعطيه وَهُوَ معنى قَول أَبى تَمام
(وَمَن خَدَمَ الأقْوَامَ يِبْغى نَوَالَهُمْ فإنِّى لم أخْدُمْكَ إلاَّ لإُخْدَما)
[ ٢ / ٢١٦ ]
- ١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أرضه يعود على السَّمَاء وَذكرهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ السّقف أَو الْمَطَر وَيجوز أَن يعود على الممدوح جعل الأَرْض لَهُ يملكهَا ويتصرف فِيهَا بِأَمْر وَنهى هَذَا قَول أَبى الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَزَاد فِيهِ يجوز أَن يكون جمع سماوة وكل جمع بَينه وَبَين مفرده الْهَاء جَازَ تذكيره وَحقه نَصبه بإضمار مَا فسره كَقِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَعبد الله بن عَامر ﴿وَالْقَمَر قدرناه﴾ وَمثله ﴿وَالذّئْبَ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وَحْدى وأخْشَى الرّياحَ والمَطَرَا﴾
الْمَعْنى يَقُول خلع الْأَمِير قد أحيتنا كَمَا يحيى الْقطر الأَرْض وَنحن لم نقص وَاجِب حَقه أى مَا يسْتَحقّهُ ويستوجبه وَإِنَّمَا قَالَ فعل الْمَطَر بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْخلْع موشاة وفيهَا الرقوم وَهَذِه مَوْجُودَة فِيمَا تنْبت الأَرْض من فعل الْمَطَر من الأزهار والألوان
٢ - الْغَرِيب الْعرض النَّفس وَالنّسب الْمَعْنى يَقُول كَأَن هَذِه الْخلْع نسجها من أَلْفَاظه لصِحَّة أَلْفَاظه وسلامتها من السخافة والتحريف وَكَأن نقاءها من عرض الْأَمِير لِأَنَّهُ سَالم من الْعَيْب فَهُوَ لَا يعاب بشئ وَهَذَا مَنْقُول من قَول ابْن الرومى فى ثوب استهداه
(صَحِيحًا مِثْلَ رَائِكَ إنَّه والحَزْمَ فى قَرَنِ )
(نَقِيًا مِثْلَ عِرْضِكَ إِن عِرْضَكَ غيرُ ذِى درَنِ )
٣ - الْغَرِيب المذيق هُوَ الممذوق أى الممزوج والمحض الْخَالِص من كل شئ الْمَعْنى يَقُول إِذا فوضت الْأَمر فى الْكَرم إِلَى الْكَرِيم وَلم تطلب مِنْهُ شَيْئا مقترحا عَلَيْهِ وَتركته إِلَى رَأْيه بلغت مَا تُرِيدُ وَبَان لَك صَحِيح الرأى من معيبه لِأَن صَحِيح الرأى لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال بل يعْطى بطبيعة الْكَرم ومعيب الرأى لَا يعْطى حَتَّى يسْأَل مرَارًا وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(وَإذَا وَصَلْتَ بعاقِلِ أمَلًا كانَتْ نَتِيجَةُ قَوْلِهِ فِعْلاُ)
وَإِلَى قَول مُحَمَّد بن الحسينى ١ فى جودة الرأى
(وكأنَّ رَوْنَقَ سَيفِهِ مِن وَجْهِهِ وكأنَّ حِدَّةَ سَيْفِهِ مِنْ رأيِهِ)
[ ٢ / ٢١٧ ]
- ١ - الْغَرِيب الْبَأْس الشدَّة والسطوة والمحض الْخَالِص الْمَعْنى إِذا اعتل سيف الدولة الممدوح اعتلت لعلته الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَمن النَّاس وَالْقُوَّة وَالْكَرم الْخَالِص لِأَنَّهُ قوام كل شئ فَإِذا اعتل اعتل لَهُ كل شئ وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(وَإِنْ يَجِدْ عِلَّةً نُغَمْ بِها حَتَّى تَرَانا نُعادُ فِى مَرَضهْ)
وللطائى
(إنَّا جَهِلْنا فخِلْناكَ اعْتَلَلْتَ وَلا وَاللهِ مَا اعْتَلَّ إِلَّا المُلكُ والأدَبُ)
وللطائى أَيْضا
(لَا تَعْتَلِلْ إنَما بالمَكْرُمات إذَا أنْتَ اعْتَلَلْتَ تُرَى الأوْجاعُ والعِلَلُ)
وَمثله لعلى بن الجهم
(وَإذَا رَابَكُمْ مِنَ الدهْرِ رَيْبٌ عَم مَا خَصَّكُمْ جَمِيعَ الأنامِ)
ولأبى هفان
(قالُوا اعْتَلَلْتَ فَقُلْتُ كَلاَ إنَّمَا اعْتَلَّ العِبادُ)
(والدِّينُ والدُّنْيا لِعِلَّتِهِ وأظْلَمَتِ الْبِلادُ)
وَالْمُسلم بن الْوَلِيد
(نالَتْكَ يَا خَيْرَ الخَلائِقِ عِلَّةٌ يَفْدِيكَ مِنْ مَكْرُوهِها الثَّقَلانِ)
(فَبِكُلّ قَلْبٍ مِنْ شَكاتِكَ عِلَّةٌ مَوْصُوفَةُ الشَّكْوَى بِكُلّ لِسانِ)
٢ - الْمَعْنى يَقُول لَا أنتفع بِالنَّوْمِ إِذا كَانَ عليلا لِأَن النّوم يُفَارق عينى وَجعل للنوم اعتلالا مجَازًا واستعارة لِأَنَّهُ لما امْتنع من الْعين صَار اعتلالا لَهُ
٣ - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالشفاء والعافية وَيَقُول يشفيك الله الذى يشفى بجودك الْخلق يُرِيد أَنه سَبَب لأرزاق الْعباد جعلهَا الله على يَدَيْهِ فَهُوَ يشفيهم بجوده من ألم الْفقر وَجعله لكرمه بحرا كل بَحر بعضه لِكَثْرَة جوده
[ ٢ / ٢١٨ ]
- ١ - الْمَعْنى يرْوى فى الجفون والرؤيا تسْتَعْمل فى الْمَنَام خَاصَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ و﴿لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك﴾ و﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ و﴿وَأَن قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ وَهَذَا كُله فى الْمَنَام وَلَو قَالَ ﴿لقياك﴾ لَكَانَ أحسن إِلَّا أَنه ذهب بالرؤيا إِلَى الرُّؤْيَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أريناك فَإِنَّهُ لم يرد بهَا رُؤْيا الْمَنَام وَإِنَّمَا أُرِيد الْيَقَظَة وَكَانَ ذَلِك لبلاء فى لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْمعْنَى أَن اللَّيْل يمضى ويجئ وفضلك ثَابت بَاقٍ ورؤيتك أحلى فى الْعُيُون من النّوم لِأَنَّك مَحْبُوب وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الرُّؤْيَا فى الْمَنَام وَأما فى الْعين فَلَا أعرفهَا وَإِن جَاءَت فهى شَاذَّة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(مَضَى اللَّيْلُ إلاَّ أنَّ لَيْلَى لَمْ يَمْضِ وأنَّ جُفُونى لَا تُرَوَّى مِنَ الغُمْضِ﴾
وعجزه من قَول ابْن الرومى
(وَلَطَعْمُ اكْتِحالَهٍ مِنْهُ بالزَّا ئِرِ أحْلَى فى عَيْنهِ مِنْ رُقادِ)
٢ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فى الْكَلَام حذف تَقْدِيره أمدحك وَأثْنى عَلَيْك بِمَا طوقتنى بِهِ من نعمك فَحَذفهُ للدلالة عَلَيْهِ وَقَالَ الواحدى أنصرف عَنْك مَعَ أَنَّك قلدتنى نعْمَة شَهِيد بهَا بعضى على بعض فَمن نظر إِلَى اسْتدلَّ بنعمتك على وَالْمعْنَى أَن الْقلب إِن أنكر نِعْمَتك شهد الْجلد بِمَا عَلَيْهِ من الخلعة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لِسَانه يشْهد على سَائِر جسده وَهُوَ من قَول ابْن بسام الْكَاتِب
(وَقَدْ سَبَقَتْ مِنْهُ لى نِعْمَةٌ تَقِرُّ عَلىَّ وَإنْ لَمْ أُقِرْ)
٣ - الْمَعْنى جعله خير النَّاس ودعا لَهُ بِسَلام الله يَخُصُّهُ بِهِ وفى الْبَيْت مُطَابقَة حَسَنَة
[ ٢ / ٢١٩ ]
- ١، ٢ - الْمَعْنى المشيع هُوَ سيف الدولة والمشيع يماك غُلَامه يَدْعُو لَهُ بِأَن لَا يعْدم مَوْلَاهُ ويماك هُوَ الْفَاعِل وَسيف الدولة هُوَ الْمَفْعُول وَهُوَ أمدح ودبلغ إِذا دَعَا للغلام أَن لَا يعْدم السَّيِّد فلولا السَّيِّد مَا ذكر الْغُلَام وَلَا عد فى النَّاس ثمَّ قَالَ لَيْت الرِّيَاح تصنع مَا تصنع أَنْت من نفع النَّاس وَدفع افتقارهم
٣ -، ٤ - الْإِعْرَاب ضرّ مصدر وَأَرَادَ يضررن ضرا أى بكرت الرِّيَاح ذَوَات ضرّ فَحذف الْمُضَاف الْغَرِيب السجسج الرّيح الطّيبَة الَّتِى لَا حر فِيهَا وَلَا برد والسجسج الَّتِى ذكرهَا النبى
فى الحَدِيث ريح الْجنَّة والزعزع الرّيح الشَّدِيدَة المؤذية الْمَعْنى يَقُول بكرت الرِّيَاح تضر النَّاس ضرا وَأَنت سهل تَنْفَع النَّاس فليت الرِّيَاح مثلك
٥ -، ٦ - الْغَرِيب النبع شجر صلب يتَّخذ مِنْهُ القسى والخروع نبت ضَعِيف وكل ضَعِيف لين فَهُوَ خروع وخريع والرياح الْأَرْبَع الْجنُوب وَالشمَال وَالصبَا وَالدبور الْمَعْنى يَقُول أَنْت وَاحِد تقوم مقَام الْأَرْبَع وَتَنْفَع النَّاس أَكثر من نفعهن وفيهن فتْنَة وأذى وَأَنت فِيك نفع وَأَنت أقوى الْمُلُوك بَأْسا وعددا وهم بِالْقِيَاسِ إِلَيْك ضعفاء كالخروع فى الْأَشْجَار وَضرب النبع والخروع مثلا وَفِيه نظر إِلَى قَول جرير
(ألم تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَعْتُقُ عَودُهُ وَلا يَسْتَوِى وَالخِرْوَعُ المُتَقَصْفُ)
[ ٢ / ٢٢٠ ]
- ١ - الْإِعْرَاب النَّاس اسْم من أَسمَاء الجموع عبر عَنهُ بِإِشَارَة الْوَاحِد على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى وَلَو أَرَادَ الْمَعْنى لقَالَ هَؤُلَاءِ الْغَرِيب الخداع الْغرُور وَأَصله من خدع الضَّب فى حجره إِذا دخل فِيهِ وَمِنْه قَول شَاس بن نهارى العبدى
(أرِقْتُ فلَمْ تَخْدَعْ بعَيْنِىَ نَعْسَةٌ وَمَنْ يَلْقَ مَا لاقَيْتُ لابُدَّ يأْرَقُ)
وَالْخداع أَن يتَمَكَّن الْكَلَام الْبَاطِل فى قلب مستمعه فينخدع بِهِ وخدعته خدعا وخدعا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وخدع يخدع كسحر يسحر من الْأَفْعَال الَّتِى جَاءَت على فعل يفعل بِالْفَتْح وَالِاسْم الخديعة والخدعة الْمَعْنى لَا أعتقد فى هَؤُلَاءِ النَّاس الْخَيْر وَلَكِن غيرى مِمَّن يجهل أَمرهم يغتر بقَوْلهمْ فينخدع بِهِ لأَنهم إِذا قَاتلُوا جبنوا وانهزموا وَإِذا حدثوا أظهرُوا الشجَاعَة أى أَن شجاعتهم بالْقَوْل لَا بِالْفِعْلِ وَإِذا كَانُوا كَذَلِك فالجاهل يغتر بهم
٢ - الْإِعْرَاب روى أهل بالحركات الثلات فالرفع على الِابْتِدَاء أى هم أهل الحفيظة وَالنّصب على الذَّم لَهُم والجر على الْبَدَل من النَّاس الْغَرِيب الحفيظة الحمية والأنفة والغى الْفساد ويزع يكف وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع هُوَ أى كف وأوزعته بالشئ أغريته بِهِ وأوزع بِهِ فَهُوَ موزع بِهِ أى مغرى بِهِ الْمَعْنى يَقُول هم أهل الحفيظة غير مجربين فَإِذا جربتهم لم ترهم كَذَلِك وفى تجربتهم مَا يكفك عَن مخالطتهم وَهَذَا يُشِير بِهِ إِلَى مَا ظهر من عجز أَصْحَاب سيف الدولة فى الْغُزَاة الَّتِى جبنوا فِيهَا وَقَالَ هم يظهرون الحمية وَالصَّبْر وَالْجَلد والإقدام ويتزينون بذلك مَا لم تقع التجربة لَهُم فَإِذا جربوا تركُوا
٣ - الْإِعْرَاب نفسى فى مَوضِع رفع عطفا على الْحَيَاة كَقَوْلِك مَا أَنْت وَزيد الْغَرِيب الطَّبْع الدنس يَقُول طبع الرجل بِالْكَسْرِ أَصله من طبع السَّيْف إِذا علاهُ الصدأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد الراجز الفقعسى
(إنَّا إذَا قَلَّتْ طَخارِيرُ الْقَزَعْ وَصَدَرَ الشَّارِبُ مِنًها عَنْ جُرَعْ)
(نَفحَلُها الْبِيض الْقَلِيلاتِ الطَّبَعْ ١ )
الْمَعْنى يَقُول مَا لنفسى والحياة وَقد علمت أَن حَيَاة الْإِنْسَان على الْحَال الَّتِى يكرهها والطريقة الَّتِى لَا يستحسنها دناءة ودنس فعلام الْحِرْص على الْحَيَاة والركون إِلَيْهَا مَعَ هَذِه الْحَال فَلَا أُرِيد حَيَاة وَلَا أشتهيها إِذا كَانَت كَذَا وَفِيه نظر إِلَى قَول بَيت الحماسة قَول قطرى
(وَما للْمَرْءِ خَيْرٌ فِى حَياةٍ إذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتاعِ)
[ ٢ / ٢٢١ ]
- الْغَرِيب المارن مقدم الْأنف وَهُوَ مالان مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل صَحِيح الْأنف بجميل وَقصد الْأنف لِأَن الْعَرَب تقصد الْأنف من بَين سَائِر الْأَعْضَاء فَيُقَال أرْغم الله أَنفه يَقُول لَيْسَ جمال الْوَجْه بسلامة ظَاهره فَأَنف الْعَزِيز يجتدع بِزَوَال الْعِزّ عَنهُ فَإِذا قطع عزه فَكَأَنَّهُ فى الْحَقِيقَة قد جدع أَنفه وَإِن كَانَ أَنفه صَحِيحا وَفِيه نظر إِلَى قَوْله الطائى
(ليسَ جَدْعُ الأُنوفِ عِنْدىَ جَدْعا إنَّ ذُلَّ النُّفُوسِ قَتْلٌ وَجَدْعُ)
٥ - الْإِعْرَاب جمع بَين الهمزتين وحققهما وَقد جمع بَينهمَا الْقُرَّاء وحققوهما فى مثل هَذَا إِذا كَانَتَا من كلمة وَاحِدَة وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَهِشَام عَن ابْن عَامر لم يحققهما إِذا كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر من طَرِيقه الْغَرِيب الانتجاع طلب الكلإ هَذَا أَصله ثمَّ صَار كل طلب انتجاعا الْمَعْنى يَقُول الشّرف وسعة الرزق يطلبان بِالسَّيْفِ فَلم أطلبهما بشئ آخر أى أترك أَن أحوز الْمجد بِالسَّيْفِ وأكسب المَال من طَرِيق الْحَرْب وأتناول ذَلِك بِالطَّلَبِ وأتكلف فِيهِ أَشد التَّعَب وأكون كمن طرح عَن كتفه مَا يطْلب وَترك فى غمده مَا ينتجعه
٦ - الْإِعْرَاب من روى مشرفة بِفَتْح الرَّاء جعله دُعَاء لَهَا وَمن روى بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاه لَا كَانَت دَاء بل كَانَت دَوَاء الْمَعْنى السيوف لَا زَالَت مشرفة وأبدع فى حسن التَّجْنِيس وَقَوله دَوَاء كل كريم الخ أى إِمَّا أَن يملك بهَا أَو يقتل بهَا يَقُول إِمَّا أَن يصل بِالسُّيُوفِ إِلَى بغيته فَتكون كالدواء وَإِمَّا أَن يقتل بهَا دون مُرَاده فَتكون لَهُ كالوجع وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحترى
(وَعِنْدَ بُقْرَاطَ دَاءٌ لَوْ تَأمَّلَهُ قالَ الشِّفاءُ بِحَدّ البِيضِ والأسَلِ)
[ ٢ / ٢٢٢ ]
- الْغَرِيب وقرها ثبتها والدرب الْمضيق والمدخل إِلَى بِلَاد الْعَدو والأعطاف جمع عطف وَهُوَ الْجَانِب وَالدَّفْع أَن يدْفع شئ بعد شئ الْمَعْنى يُرِيد بِفَارِس الْخَيل سيف الدولة لِأَنَّهُ أظهر فى هَذِه الْوَقْعَة من جلده وثباته وَأَرَادَ جَيْشه الْهَزِيمَة فثبتهم فى مضيق من مضايق الرّوم وَيعرف هَذَا الْموضع بعقبة السّير وهى عِقَاب صعبة ضيقَة وَنزل سيف الدولة على نهر قريب مِنْهَا فَلَمَّا جنه اللَّيْل تسلل أَصْحَابه عَنهُ وبقى وحيدا فثبتهم وَوقر الرجل من الْوَقار يوقر وَوقر يقر إِذا ثَبت وَقد جَاءَ الْوَجْهَانِ فى قَوْله تَعَالَى (﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ فِيمَن كسر وَفتح فَفتح نَافِع وَعَاصِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَارس الْخَيل يُرِيد إِذا اجْتمعت الْخَيل مَوْصُوفَة بالفروسية كَانَ أفرسهم كَقَوْلِك شَاعِر الْقَوْم فَيحْتَمل أَن يَكُونُوا كلهم شعراء وَيجوز أَن يكون وَحده شَاعِرًا وَإِذا قلت هَذَا شَاعِر الرجلَيْن لم يخْتَص بِهِ الْوَصْف دون الآخر بل تعمهما الصّفة لِأَنَّهُ يجرى مجْرى أشعر الرجلَيْن فلابد من أَن يَكُونَا شاعرين وَلَا تَقول هَذَا غُلَام الرجلَيْن وَأَحَدهمَا الْغُلَام وَالْآخر صَاحبه كَمَا لَا تَقول شَاعِر الرجلَيْن وَأَحَدهمَا شَاعِر دون صَاحبه
٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أوحدته للخيل وَكَذَا فى أغضبته وَهُوَ ضمير مَرْفُوع وَالضَّمِير الآخر لسيف الدولة وَهُوَ مفعول الْغَرِيب القذع الْفُحْش والسب وقذعت الرجل وأقذعته إِذا أسمعته كلَاما قبيحا الْمَعْنى يَقُول لما أفرده أَصْحَابه لم يقلق وَلم يفرق لشجاعته وَكَذَا لما أغضبوه لم يفحش عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حَكِيم حَلِيم عِنْد غَضَبه وَهُوَ شُجَاع وَحده فَلَا يبالى بالجيش أَقَامَ مَعَه أَولا
٩ - الْغَرِيب الْجَيْش هُوَ الْعَسْكَر وَابْن أَبى الهيجاء هُوَ سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك كلهم عزهم ومنعتهم بجيشهم لِأَنَّهُ يمنعهُم من الْأَعْدَاء وَأَنت عز الْجَيْش بك فَإِذا لم تكن فيهم لَا يمتنعون عَن عدوهم فَأَنت عز وحصن لَهُم فى الْحَقِيقَة وَهُوَ // معنى حسن //
[ ٢ / ٢٢٣ ]
- الْإِعْرَاب السرع بِكَسْر السِّين مصدر سرع مثل ضخم ضخما الْغَرِيب المقانب جمع مقنب وَهُوَ زهاء الثلثمائة من الْخَيل والنهل الشّرْب الأول والشكيم جمع شكيمة وهى الحديدة الَّتِى تعرض فى اللجام الْمَعْنى يَقُول قاد الجيوش مسرعا إِلَى أَرض الْعَدو فخيله لَا تشرب إِلَّا الشربة الأولى وهى النهل على اللجم حَتَّى أَنهم لَا يتفرغون أَن يدعوا لجم الْخَيل لإسراعهم يُشِير إِلَى الْحَال الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا سيف الدولة من الِاجْتِهَاد فى لِقَاء الْعَدو فوصف أَن خيله كَانَت تشرب الشّرْب الأول واللجم فى أفواهها وَأدنى سَيرهَا الْإِسْرَاع وَهُوَ غَايَة الجرى يصف جده واجتهاده
١١ - الْغَرِيب يعتقى يُقَال عقاه واعتقاه بقلب عاقه واعتاقه إِلَى عقاه واعتقاه والرى ضد الظمأ والشبع ضد الْجُوع والمسرى مفعل من السرى الْمَعْنى يَقُول سَار مسرعا إِلَى الْعَدو لَا يعوقه بلد عَن قصد غَيره وَلَا يعتاقه حصن يَفْتَحهُ عَن حصن غَيره فَهُوَ كالموت يعم وَلَا يقنعة كَثْرَة من يفنيه فَهُوَ لَا يرْوى وَلَا يشْبع من إهلاك الْأَنْفس قَالَ ابْن وَكِيع اسْتِعَارَة لفظ الْأكل وَالشرب لمن يَأْكُل وَيشْرب أحسن من اسْتِعَارَة أَبى الطّيب إيَّاهُمَا للْمَوْت ثمَّ أنْشد قَول لَقِيط
(لَا حَرْثَ يَشْغَلهُمُ بلْ لَا يَرَوْنَ بِهِمْ مِنْ دُونِ بِيضِكُمُ رِيًّا وَلا شِبَعَا)
١٢ - الْغَرِيب خرشنة بلد من بِلَاد الرّوم وإقامته عَلَيْهَا لتشقى بهَا الرّوم وَمَا حوت من الصلبان وَالْبيع والصلبان جمع صَلِيب كرغيف ورغفان وَالْبيع جمع بيعَة وهى كنائس النَّصَارَى وَمِنْه
(لهدمت صوامع وَبيع )
والربض مَا حول الْمَدِينَة من الْعِمَارَة الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ يسْرع بخيله حَتَّى قَامَ نازلا على أرباض هَذَا الْموضع وَهُوَ فى وسط بِلَاد الرّوم فَحِينَئِذٍ شقيت الرّوم وَمَا تعبد وهجرت كنائسها
١٣ - الْإِعْرَاب أَقَامَ مَا لما يعقل للموافقة لما فى المصراع الثانى وَيجوز أَن يكون حمل مَا على الْمصدر يُرِيد للسبى نكاحهم وَالْقَتْل ولادتهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عطف على معمولين وَمَا فى مَوضِع رفع على الِابْتِدَاء على التفسيرين الْمَعْنى يَقُول لما نزل بِهَذِهِ الْبِلَاد أهلك أَهلهَا بسبى أَوْلَادهم الأصاغر وَنِسَائِهِمْ وَقتل أَوْلَادهم الأكابر وَنهب أَمْوَالهم وإحراق زُرُوعهمْ وَاللَّام فى قَوْله للسبى لَام الْعَاقِبَة كَقَوْلِه
(لِدوا للمَوْتِ وابنُوا للخَرابِ )
أى عاقبتهما إِلَى هَذَا وَقد زَاد على أَبى تَمام فى قَوْله
(لمْ تَبْقَ مُشْرِكَةٌ إلاَّ وَقدْ عِلِمَتْ إنْ لَمْ تَتُبْ أنهَّه للسَّبْىِ مَا تَلِدُ)
[ ٢ / ٢٢٤ ]
- الْإِعْرَاب مخلى لَهُ ومنصوبا حالان من سيف الدولة ومشهودا حَال من صارخة قَالَ أَبُو الْفَتْح وَالْأولَى أَن يُقَال مَنْصُوبَة ومشهودة إِلَّا أَن التَّذْكِير جَائِز على قَوْلك نصب المنابر وَشهد الْجمع وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا الْغَرِيب المرج مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وصارخة مَدِينَة من مدائنهم وَالْجمع جمع جمعه كجمعات الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة بلغ النِّهَايَة فى إهلاك الرّوم حَتَّى نصبت لَهُ المنابر وَشهِدت الْجمع ببلادهم وَأقَام الْمُسلمُونَ بِأَرْض الرّوم فصاروا كالساكن بهَا قد اقتدروا على ملكهَا حَتَّى نصبوا المنابر وجمعوا الْجمع وَهَذَا غَايَة النكاية فى الْعَدو وَالروم لَا يقدرُونَ على الظُّهُور لما يجدونه من عَسْكَر سيف الدولة
١٥ - الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة قد أدام قتل الرّوم وقوت الطير بلجومهم فى وقائعه فَصَارَ يطْعمهَا من لُحُوم الْقَتْلَى حَتَّى تكَاد تقع على الْأَحْيَاء لتأكلهم وتكاد تقَارب وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قد تعودت أكل الْأَجْسَام فَصَارَت بِالْعَادَةِ تعترض الْأَحْيَاء فى طرقها فتكاد تخطفهم
١٦ - الْغَرِيب الحواريون أَصْحَاب عِيسَى ﵇ وفى تسميتهم بِهَذَا الِاسْم أَقْوَال أَحدهَا أَنهم كَانُوا قصارين يبيضون الثِّيَاب وَمِنْه الْحور لبياض فى عيونهن والحواريات النِّسَاء قَالَ الشَّاعِر
(فَقُلْ للْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا وَلا تَبْكِنا إلاَّ الكِلابُ النَّوَابِحُ)
وَمِنْه الْخبز الحوارى لبياضه وَقيل الحوارى هُوَ النَّاصِر وَكَانُوا أنصار عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ وَمِنْه قَوْله
" الزبير ابْن عمتى هُوَ حواريى من أمتى " وَقيل هم أصفياء الْأَنْبِيَاء وخاصتهم وأضافهم إِلَى النَّصَارَى لأَنهم كَانُوا يدعونَ شرعهم واتباعهم فِيمَا يشرعون لَهُم الْمَعْنى يَقُول لَو رأى سيف الدولة الحواريون وَرَأَوا عدله وإنصافه وَكَرمه مَعَ مَوضِع الحواريين واجتماعهم على الْحق لبنوا شَرِيعَة الرّوم على محبته وألزموا الرّوم الدُّخُول فى طَاعَته
[ ٢ / ٢٢٥ ]
- الْغَرِيب الدمستق هُوَ صَاحب جَيش الرّوم والقزع المتفرق من السَّحَاب وَاحِدهَا قزعة الْمَعْنى أَن كتائب سيف الدولة لما أَقبلت متتابعة نظرها الدمستق وَأَصْحَابه فظنوها قطع الغمائم وتحيروا فِيهَا فَلم يدروا مَا هى فَلَمَّا تحققها ذمّ عَيْنَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تحير حَتَّى أنكر حاسة بَصَره وَقَالَ هُوَ يشبه قَول البحترى
(فلمَّا الْتَقَى الجَمْعانِ لمْ تَجْتَمِعْ لَهُ يَدَاهُ وَلمْ يَثْبُتْ عَلى البِيضِ ناظِرهُ وَقَالَ ابْن فورجة رأى الْجَيْش الْعَظِيم فَظَنهُ قَلِيلا وَرَأى سَحَابَة متراكمة فظنها قطعا مُتَفَرِّقَة وَالْمعْنَى أَنه لما رأى الْأَمر بِخِلَاف مَا أَدْرَكته عَيناهُ ذمّ نظر عَيْنَيْهِ
١٨ - الْإِعْرَاب فِيهَا الضَّمِير لسود الْغَمَام وهى عَسْكَر سيف الدولة والكماة مُبْتَدأ وَالْجَار خَبره الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع المتكمى فى سلاحه أى الْمُسْتَتر والجذع الذى أَتَى عَلَيْهِ حولان وَجمعه جذعان وجذاع والحولى الذى أَتَى عَلَيْهِ حول وَجمعه حوالى الْمَعْنى يُرِيد أَن صَغِيرهمْ كَبِيرهمْ عِنْد الْحَرْب وحولى خيلهم جذع يعظم أَمرهم وَأمر خيلهم
١٩ - الْغَرِيب اللقان مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وآلس نهر هُنَاكَ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تَسْتَقِر فَتَشرب إِنَّمَا تختلس المَاء اختلاسا بمواصلة السّير قَالَ وَيجوز أَن يكون شربت المَاء قَلِيلا لعلمها بِمَا يعقب سَيرهَا من شدَّة الركض وَكَذَا يفعل كرام الْخَيل قَالَ الواحدى لَيْسَ الْمَعْنى على مَا قَالَه وَإِنَّمَا يصف مواصلتها السّير يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء من آلس وَبَلغت اللقان قبل أَن بلعت مَا شربته من آلس فماء هَذَا النَّهر حلوقها وَقد وصل إِلَى مناخرها تُرَاب هَذَا الْموضع وَبَينهمَا بعد ومسافة وَقَالَ ابْن الإفليلى وصلت اللقان وحناجرها لم تَجف من مَاء النَّهَار يُشِير إِلَى ركض الْخَيل وَشدَّة إسراعها فى غاراتها // وَهَذَا مُبَالغَة //
[ ٢ / ٢٢٦ ]
- الْمَعْنى يَقُول كَأَن خيله تتلقى الرّوم لتدخل فيهم والطعن يفتح من أجوافها مَا يسع الْخَيل قَالَ ابْن الإفليلى لتسلك أَجْسَادهم وتتخذها طرقا وَطعن فوارسها يفتح مَا يسعهم ويخرق مَا يضيق بهم وَلَيْسَ هَذَا الإفراط بِأَعْجَب من قَول النَّابِغَة
(تَقُدُّ السَّلُوقَّى المُضَاعَفَ نَسْجُهُ وَتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ)
وَمعنى الْبَيْت من قَول قيس بن الخطيم من أَبْيَات الحماسة
(مَلَكْتُ بِها كَفِّى فأَنْهَرْتُ فَتْقَها يَرَى قائِمٌ مِنْ خَلْفِها مَا وَرَاءَها)
٢١ - الْمَعْنى يَقُول خَلِيل سيف الدولة يهدى نواظرها فى وقائعه وظلمة الْغُبَار اتقاد الأسنة الَّتِى تشبه المصابيح لضيائها فى رُءُوس القنا الَّتِى تشبه الشمع فى إشراقها وَهَذَا من تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين وَذَلِكَ غَايَة الإبداع وَلما اسْتعَار للأسنة نَارا جعل القنا شمعا وَهَذَا فى غَايَة الْحسن قَالَ ابْن وَكِيع ينظر فِيهِ إِلَى قَول النميرى
(لَيْلٌ مِنَ النَّقْعِ لَا شَمْسٌ وَلا قَمَرٌ إلاَّ جَبِينُكَ والمَذْرُوبةُ الشُّرُعُ)
وَقد أحسن فِيهِ البحترى بقوله
(مَدَّ لَيْلًا مِنَ العَجاج فَمَا يَمْشُونَ فِيه إلاَّ بضَوْءِ السُّيُّوف ِ)
٢٢ - الْغَرِيب القر الْبرد وطفح يطفح إِذا ذهب يعدو والمقورة الضامرة والمزع السريعة ومزع الظبى يمزع إِذا مر سَرِيعا وَكَذَلِكَ الْفرس وطافحة حَال من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول قبل هجوم الْبرد تأتيهم خيل سيف الدولة فتعدو عَلَيْهِم وتطؤهم بحوافرها وَكَانَ لَهُ كل سنة غزوتان غَزْوَة فى الرّبيع وغزوة فى الخريف وروى ابْن جنى السِّهَام جمع سهم وَقَالَ قبل أَن يصل إِلَيْهِم سِهَام الرُّمَاة وَقبل أَن يَفروا تهجم عَلَيْهِم هَذِه الْخَيل الضامرة فروى الفر بِالْفَاءِ وَقَالَ سَأَلته عَنهُ فَقَالَ هَذِه الْخَيل طفحت عَلَيْهِم وَقد صَارَت أقرب إِلَى نُفُوسهم من السِّهَام وَمن أَن يَفروا يصف سرعَة الْخَيل وَأَنَّهَا قد ركبتهم وَغَشِيَتْهُمْ وروى وَغَيره
(دون السِّهَام )
بِفَتْح السِّين وَهُوَ حر السمُوم وَقد سهم الرجل على مَا لم يسم فَاعله إِذا أَصَابَهُ السمُوم والسهام بِالضَّمِّ الضمور والتغير
[ ٢ / ٢٢٧ ]
- الْغَرِيب العلج الرجل من كفار الْعَجم وَالْجمع علوج وأعلاج والأظمى الرمْح قَالَ بشر
(وفِى نَحْرِهِ أظْمَى كأنَّ كُعُوبَهُ نَوَى القَسْب عَرَّاصُ المَهَزَّة أسمَرُ الْمَعْنى يَقُول إِذا اسْتَغَاثَ العلج بعلج حَال بَينهمَا رمح أظمى يفرق بَين الضلع وَأُخْتهَا فَكيف تفريقه بَين العلجين
٢٤ - الْإِعْرَاب أجل وأمضى ابتداءان ومنكتف ومنصرع خبران الْغَرِيب الفقاس قَالَ ابْن جنى هُوَ الدمستق كَأَنَّهُ لقبه قَالَ الواحدى هُوَ جده وَقَالَ ابْن الإفليلى هُوَ رَئِيس جَيش الرّوم الْمَعْنى يَقُول إِن فَاتَ الدمستق الرماح بهربه إِذْ هرب وَأسر من أَصْحَابه نَيف وَخَمْسُونَ رجلا فأجل مِنْهُ قدرا مأسور فى الْقَيْد وَالْحَدِيد لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى أسر وأمضى مِنْهُ فى الشجَاعَة منصرع مقتول لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى قتل وَلم ينهزم والدمستق وَإِن كَانَ حَيا أعجز مِمَّن كَانَ قتل وَإِن كَانَ أفلت فَهُوَ أذلّ مِمَّن أسر
٢٥ - الْغَرِيب شفار الْبيض حد السيوف وشفار جمع شفرة وهى حد السَّيْف الْمَعْنى يَقُول وَمَا نجا من حد السيوف منفلت أَنْجَاهُ فراره وَعَصَمَهُ من الْقَتْل هربه فَهُوَ لَا يَأْمَن لشدَّة فزعه وَمن كَانَت هَذِه حَاله فحياته موت ونجاته هلك فَهُوَ ينظر إِلَى قَول حبيب
(إنْ يَنْجُ منكَ أَبُو نَصْرٍ فَعَنْ قَدَرٍ تَنْجو الرّجالُ وَلكِنْ سَلْه كيفَ نَجا)
٢٦ - الْغَرِيب المختبل الذاهل المضطرب والممتقع الْمُتَغَيّر اللَّوْن الْمَعْنى يَقُول لما صَار فى مأمنه دهرا عَاشَ فَاسد الْعقل ذاهلا لشدَّة مَا لحقه من الْفَزع فَهُوَ يشرب الْخمر ولونه لَا يرجع لاستيلاء الصُّفْرَة عَلَيْهِ فَلَا يرد الْخمر لَونه عَلَيْهِ مَعَ مداومة شربهَا
٢٧ - الْغَرِيب الحشاشة النَّفس والبطريق الْفَارِس من الرّوم والباترات السيوف والأمين أَرَادَ بِهِ هَهُنَا الْقَيْد والورع أَصله الْكَفّ عَن الْمَحَارِم الْمَعْنى يَقُول يَقُول كم من نفس فَارس قد ضمنهَا للسيوف الْقَيْد أى كم من فَارس لم يبْق مِنْهُ إِلَّا رمقه قد قيد وأسره فَهُوَ فى ضَمَان الْقَيْد للسيف إِذا دعت الْحَاجة إِلَى قَتله وَقَوله
(أَمِين مَاله ورع )
// من أحسن الْكَلَام // لِأَن الْأمين هُوَ الذى يؤتمن على الْأَشْيَاء فَلَا بُد لَهُ من ورع
[ ٢ / ٢٢٨ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يُقَاتل ويطرد للأمين وَهُوَ الْقَيْد وَالضَّمِير الْمَفْعُول فى يطْلب للخطو وَالضَّمِير فى عَنهُ للمقيد المأسور الْمَعْنى يَقُول إِذا أَرَادَ المشى مَنعه الْقَيْد وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه الِاضْطِجَاع فَإِذا رام المشى قَاتله بتضييقه يُرِيد أوجعهُ بالضيق على سَاقيه فَكَأَنَّهُ يقاتله وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه فَكَأَنَّهُ يطرده عَنهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(إِذا قامَ أعْيَتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الْفِناءِ قَصِيرُ)
٢٩ - الْغَرِيب لَا تنفك أى لَا تَبْرَح وَلَا تَزُول الْمَعْنى يَقُول إِن المنايا ينتظرن أمره فَإِذا أمرهَا بشئ فعلته فهى إِن كفها ولت وَإِن أرسلها لسيوفه سطت وفى ظَاهره لَفظه مَا يدل على هَذَا وَمثله قَول بكر ابْن النطاح
(كأنَّ المَنايا لَيسَ يَجْرِينَ فىِ الوَغَى إذَا الْتَقَتِ الأَبْطالُ إلاَّ بِرأيِهِ)
وَمثله لمُسلم
(كَأَن المَنايا عالِمَاتٌ بأمْرِهِ إذَا خَطَرَتْ أرْماحُهُ وَمناصِلُهْ)
٣٠ - الْغَرِيب الْمُسلمين بِفَتْح اللَّام من أسره الْمُشْركُونَ من الْمُسلمين وقتلوه الْمَعْنى قل للدمستق إِن الَّذين أسرتم خانوا الْأَمِير سيف الدولة وعصوه فجازاهم الله بِمَا صَنَعُوا أَنكُمْ ظفرتم بهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة لما قتل من قتل وَأسر من أسر سَار عَن ذَلِك الْموضع وبقى فِيهِ قوم من الْمُسلمين يجهزون على من بقى فِيهِ رَمق من الْقَتْلَى وَمِنْهُم من أَخذه النّوم فَجَاءَهُمْ الْعَدو بعد مسير سيف الدولة وأخذوهم وقتلوهم
٣١ - الْمَعْنى يَقُول وجدْتُم هَؤُلَاءِ الَّذين ظفرتم بهم نياما فى قَتْلَاكُمْ كَأَنَّهُمْ مفجوعون بقتلاكم لما كَانُوا بَينهم قد تلطخوا بدمائهم
[ ٢ / ٢٢٩ ]
- الْغَرِيب ضعفى جمع ضَعِيف ونزعت عَن الشئ رغبت عَنهُ وأعرضت الْمَعْنى يُرِيد إِن الَّذين تخلفوا حَتَّى أدركتموهم ضِعَاف الْعَسْكَر إِن هموا بعدوهم لم يعارضهم لضعفهم وَقد حَقَّقَهُ فِيمَا بعده بقوله
(لَا تحسبوا )
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبوا هَؤُلَاءِ الَّذين أسرتم كَانَ فيهم رَمق بل أموات من الضعْف وَالْمَيِّت لَا يَأْكُلهُ إِلَّا الضبع فَأنْتم لخستكم ودناءة أَنفسكُم قتلتم هَؤُلَاءِ الْقَوْم الضُّعَفَاء وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت وَقَالَ كَيفَ أطلق على الضبع هَذَا وَأَنَّهَا تَأْكُل الْميتَة كَأَنَّهُ لم يقْرَأ كتاب الوحوش وَلم يسمع وصفهَا فى أشعار الْعَرَب لِأَن الضبع تخنق عشرا من الْغم حَتَّى تَأْخُذ وَاحِدَة وَهِي من أَخبث السباغ على الْغنم قَالَ الزاجر يَدْعُو على غنم رجل
(سَلِّطْ على أُولَئِكَ الأَغْنامِ سَمَيْذَعًا مُعاوِدَ الإقْدَامِ)
(أوْ جَيْئَلًا ظَلَّتْ بِذَاتِ هامِ تَلُفَّها مُدَلَمِّسَ الظّلامِ)
(لَفَّ العَجُوزِ بَرَدَ الثُّمامِ )
وَقَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(مَا كلّ من قد أسرتم كَانَ ذَا رَمَق )
لَكَانَ أوضح وَأحسن
٣٤ - الْغَرِيب الْعقب جمع عقبَة وفرادى جمع فَرد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى﴾ وَأسد جمع أَسد وَيجمع أَيْضا على أَسد بِضَمَّتَيْنِ وأسود وآساد الْمَعْنى يَقُول هلا وقفتم فى هَذَا الْموضع وَقد صعدت إِلَيْكُم رجال يتصاعدون إِلَى الْحَرْب أفرادا لَا يقف بَعضهم إِلَى بعض شجاعة وإقداما وثقة لشدتهم وَمثل بَيت الحماسة قَول العنبرى
(قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أبْدَى ناجِذَيهِ لَهُمْ طارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُجْدَان)
٣٥ - الْمَعْنى يُرِيد هلا صَبَرْتُمْ لِأَن هلا للتحضيض ولابد لَهَا من الْفِعْل مظْهرا أَو مضمرا وَمِنْه بَين الْإِيضَاح قَول جرير
(تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ بَنِى ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا)
أى هلا عددتم الكمى الْمقنع الْغَرِيب روى ابْن جنى بفتاها أى بفارسها وروى غَيره بقناها يُرِيد رماحها وأوقع الْخَبَر عَن الْخَيل وَالْمرَاد أَصْحَاب الْخَيل ويدع مُسْتَقْبل فعل ترك اسْتِعْمَاله الْغَرِيب السلهبة الطَّوِيلَة من الْخَيل الْمَعْنى يُرِيد وصف الْحَال الَّتِى كَانَت فى الزَّمَان الماضى وَأَن الرماح شقَّتْ عَسْكَر أهل الرّوم أَو فرسانها يشقون الصُّفُوف بالطعن
[ ٢ / ٢٣٠ ]
- الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى رِوَايَة كل من قَرَأَ الدِّيوَان
(الْجنُود بكم )
بِالْبَاء وَالصَّحِيح فى الْمَعْنى لكم بِاللَّامِ لِأَنَّهُ يُقَال عرضت فلَانا لكذا فتعرض لَهُ وَيجوز أَن يكون بكم من صلَة معنى التَّعْرِيض لَا من لَفظه وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا ابتلى الله الْجنُود بكم يعْنى سيف الدولة يَقُول إِنَّمَا خذلهم الله وجعلهم لكم عرضة الْغَرِيب الفسل الدنئ الْعَاجِز من الرِّجَال فسل فسالة وفسولة الْمَعْنى يُرِيد إِن الله عرض لكم الْجنُود الَّذين انْقَطَعُوا وتخلفوا عَن عَسْكَر سيف الدولة وهم الأوباش ليجرد الله عَسْكَر الْإِسْلَام من الأوباش فَيرجع إِلَيْكُم غازيا بالأبطال وذوى النجدة لَيْسَ فيهم دنئ وَلَا ضَعِيف
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول كل غَزْوَة بعد هَذِه الْغَزْوَة تكون لَهُ لَا عَلَيْهِ لِأَن الأوباش من عسكره والضعفاء قد قتلوا فَلم يبْق إِلَّا الْأَبْطَال وَهُوَ أَمِير الْغُزَاة وسيدهم وهم أَتْبَاعه
٣٨ - الْغَرِيب تبتدع أى تفعل الشئ من نَفسك بديهة واختراعا من غير تَعْلِيم والابتداع هُوَ الصَّنْعَة من غير تَعْلِيم وَمِنْه ﴿بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾
الْمَعْنى يَقُول غَيْرك من الْمُلُوك يفعل مَا كَانَ يَفْعَله غَيره من حسن وقبيح وَأَنت مبتدئ فِيمَا تفعل لم يسْبق إِلَيْهِ أحد فأفعالك أبكار وَالْمعْنَى أَن الْكِرَام يقتفون آثَار غَيرهم ويتعلمون مِمَّن كَانَ قبلهم وَأَنت تسبق الْكِرَام إِلَى الْأَفْعَال وتخلق أى تصنع مَا تُرِيدُ وَلَو صَحَّ لَهُ أَن يَقُول تقتفى أثار الْكِرَام لَكَانَ أبين فى صناع الشّعْر
٣٩ - الْغَرِيب يشينك يعيبك الضَّرع الضَّعِيف وَالْأُنْثَى الضرعة الْمَعْنى يَقُول وَهل يشينك وَقت أقدمت فِيهِ وأحجم أَصْحَابك وكررت وَعجز أَصْحَابك فَإِن فضلك وَبَان نقصهم وَمن قتل من أَصْحَابك وَأسر من ضعفائهم لَا يعيبك ذَلِك إِذا كنت أَنْت الْفَارِس الشجاع وفى نظم هَذَا الْبَيْت عيب عِنْد الحذاق بصناعة الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ ينبغى لَهُ أَن يَقُول فى صدر الْبَيْت
(كنت حازمه )
لما قَالَ فى الْعَجز
(الْعَاجِز الضَّرع )
لِأَن ضد الحازم الْعَاجِز أَو يَقُول فارسه وجبانه
[ ٢ / ٢٣١ ]
- الْمَعْنى يَقُول من بلغ وَحل فى الْفَضَائِل محلك واشتهر بالشجاعة اشتهارك فتواضعت الشَّمْس عَن مَوْضِعه وَقصر محتدها عَن محتده فَلم يبْق لَهُ فى الشّرف غَايَة يبلغهَا فترفعه وَلَا للعيب سَبِيل إِلَيْهِ فيضعه أى لم يكن للنِّهَايَة مَحل يرْتَفع إِلَيْهِ فَلَا يرْتَفع بنصرة أحد وَلَا يتضع بخذلانه لِأَن قدره فَوق كل قدر وشجاعته فَوق كل شجاعة وَفِيه نظر إِلَى قَول زُهَيْر
(لوْ كانَ يقعُدُ فوْق الشَّمسِ مِنْ كَرَمٍ قَوْمٌ بآبائهِ أوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا)
وفى عَجزه نظر إِلَى قَول أَبى دلف
(فَمَا تَرْفَعُنِى حالٌ وَلا تَخْفِضُنِى حالُ )
٤١ - الْغَرِيب الْكر الْإِقْدَام فى الْحَرْب مُدَّة بعد أُخْرَى والأعقاب جمع عقبَة والشيع الأشياع وهم جمع شيعَة يُقَال شيع وشيعة وأشياع وَمن شيعَة الإِمَام على ﵇ قَالَ الْكُمَيْت
(وَما لِىَ إِلَّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ وَما لِىَ إلاَّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبْ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا أفرده أَصْحَابه فى هَذَا الْيَوْم لم تسلمه شجاعته وإقدامه فى الْأَعْدَاء بل امْتنع بإقدامه وَكره على أعدائه وَقيل الأعقاب جمع عقب بِمَعْنى الآخر وَمثله للطائى
(مَا غابَ عَنْهُ مِنَ الإِقْدَامِ أشْرَفُهُ فِى الرَّوْعِ إنْ غابَتِ الأنْصَارُ والشِّيَعُ)
٤٢ - الْغَرِيب الدنئ الخسيس وَهُوَ مَهْمُوز قَالَ أَبُو الْفَتْح قلت لَهُ عِنْد الْقِرَاءَة عَلَيْهِ أأهمزه قَالَ لَا تهمزه فَقلت لَهُ هُوَ من بَاب المهموز فَقَالَ أَلا ترى الْإِجْمَاع على قَوْله تَعَالَى ﴿أتستبدلون الى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خير﴾ بترك الْهمزَة وَقَالَ الشَّاعِر عبيد الله بن الْحر
(وَما أَنا بالدَّانِى فآتِى دَنِيَّةً وَلَكِنَّنِى يُزْرِى بِىَ الدَّهْرُ عامِرُ)
فجَاء بِهِ غير مَهْمُوز وطمع مصدر وَقَالَ أَبُو زيد رجل طمع وَقوم طماعى وطمعاء وطمعون وأطماع الْمَعْنى يَقُول ليتهم يُعْطون الشُّعَرَاء على أقدارهم فى الِاسْتِحْقَاق بفضلهم وعلهم فَلَو كَانُوا هَكَذَا مَا طمع فى عطائهم خسيس وَهُوَ تَعْرِيض بِأَنَّهُ يسويه مَعَ غَيره مِمَّن لَا يماثله فى الْفضل
[ ٢ / ٢٣٢ ]
- الْغَرِيب حبيك الْبيض أى الطرائق الَّتِى فى السيوف وَأَصله فى السَّمَاء وَإِنَّمَا هُوَ فى السَّيْف اسْتِعَارَة الْوَاحِدَة حبيكة الْمَعْنى يَقُول رضيت من الشُّعَرَاء بِالنّظرِ إِلَى قتالك وَالِاسْتِمَاع إِلَى قراعك لَا غير من غير أَن يباشروا الْقِتَال وَأَنا أباشر الْقِتَال وأضرب مَعَك بِالسَّيْفِ دون غيرى مِمَّن يصحبك من الشُّعَرَاء
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول من لم يصدقك بقوله فقد غشك فَإِنَّهُ يظْهر لَك الشجَاعَة والجبن عِنْده وَيظْهر لَك الْجلد والضعف حَقِيقَته فَهُوَ يتعاطى مَا لَيْسَ عِنْده وَأَرَادَ أَن يفرد الْمَنْفَعَة بِالصّدقِ ليَصِح معنى الْبَيْت قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(من كَانَ مِنْك بِغَيْر الصدْق )
لسلم من الِاعْتِرَاض وَقَالَ الواحدى معنى الْبَيْت يَقُول من لم يصدقك فقد غشك وَالْمعْنَى إنى قد صدقتك فِيمَا ذكرت لأنى لَو لم أصدقك كنت قد غششتك قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِن من غشك بتخلفه عَنْك فقد أباحك أَن تغشه فى معاملتك إِيَّاه وَجعل مَا يَفْعَله سيف الدولة غشا لِأَنَّهُ جَزَاء الْغِشّ وَقَوله على هَذَا
(بِغَيْر الصدْق )
أى بِغَيْر صدق الله اللِّقَاء يعْنى بِالنّظرِ وَالسَّمَاع وَهُنَاكَ معنى آخر وَهُوَ أَنه يَقُول لَهُ لقد غشك من انتفاعك مِنْهُ بِغَيْر الصدْق يعْنى الشّعْر الذى أحْسنه أكذبه دون الْحَرْب هَذَا كَلَامه
٤٥ - الْغَرِيب المصطاف والمرتبع الْمنزل فى الصَّيف وَالربيع الْمَعْنى يَقُول الدَّهْر معتذر إِلَيْك مِمَّا غدر بك فى قتل الرّوم الضُّعَفَاء من أَصْحَابك وَالسيف منتظر كسرتك عَلَيْهِم فيشفيك مِنْهُم وأرضهم لَك منزل صيفا وربيعا وصدره من قَول الطائى
(عَضْبا إذَا سَلَّهُ فِى وَجْهِ نائِبَةٍ جاءَتْ إلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ تعتَذِرُ)
وعجزه من قَول الطائى أَيْضا
(وأقَمْتَ فِيها وَادِعا مُتَمَهِّلًا حَتَّى ظَنَنَّا أنَّها لَكَ دَارُ)
٤٦ - الْغَرِيب نصران ونصرانى وَاحِد ونصرانية تأنيثه وهم قوم منتسبون إِلَى ناصرة قيل هى مَدِينَة وَقيل هى مَوضِع والأعصم الوعل الذى فى إِحْدَى يَدَيْهِ بَيَاض وفى رجلَيْهِ والصدع الوعل بَين الوعلين لَا بالمسن وَلَا بالصغير الْمَعْنى يَقُول النَّصَارَى اعتصامهم بجبالهم وهى لَا تعصمهم وَلَا تحميهم وَلَو أَن أوعالها تنصرت واحتمت بهَا مِنْهُ لم تحمها وَلم تمنعها مِنْهُ
[ ٢ / ٢٣٣ ]
- الْغَرِيب الامتصاع والمماصعة شدَّة القراع بِالسُّيُوفِ وبلوتك اخبترتك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت﴾ أى تختبر فى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى تتلو بتاءين من التِّلَاوَة الْمَعْنى يَقُول لم أمدحك على إقدامك وثبوتك فى الْحَرْب إِلَّا بعد الاختبار والتجربة عِنْد الْقِتَال للأبطال وَالْمعْنَى مَا بلغت حَقِيقَة وصفك مَعَ مَا شاهدته من ثباتك والأهوال الَّتِى جمعتنى مَعَك حَتَّى بلوتك والأبطال تجالد بِالسُّيُوفِ
٤٨ - الْغَرِيب الْخرق الطيش والخفة وَقيل الدهش من الْخَوْف أَو الْحيَاء والزمع رعدة تعترى الشجاع من الْغَضَب الْمَعْنى يُرِيد أَن الظَّن يُخطئ فقد يرى من بِهِ دهش وخفة شجاعا وَقد يرى من تعتريه رعدة من غضب جَبَانًا وَأَنا قد تحققت من أَمرك بالتجربة فَإِذا مدحتك بعد اختبارى فَلَا أخطئ وَلَا أكذب
٤٩ - الْإِعْرَاب رفع كل على الِابْتِدَاء والسبع الْخَبَر وأضمر فى لَيْسَ اسْما تَقْدِيره الشَّأْن والابتداء وَخَبره فى مَوضِع خبر لَيْسَ وَقد جَاءَ من الْعَرَب مثله تَقول لَيْسَ خلق الله مثله فتضمر الشَّأْن والقصة وَلَوْلَا ذَلِك لما ولى لَيْسَ وهى فعل آخر وَهُوَ خلق لِأَن الْأَفْعَال لَا يلى بَعْضهَا بَعْضًا وَقد ذكر مثل هَذَا سِيبَوَيْهٍ فى كِتَابه وأنشدوا الحميد الأرقط
(فأصْبَحُوا والنَّوَى عالى مُعَرَّسِهِمْ وَلَيْسَ كُلَّ النَّوَى تُلْقِى المَساكِينُ)
فنصب كل بتلقى وأضمر اسْم لَيْسَ فِيهَا الْغَرِيب المخلب للطير وَالسِّبَاع بِمَنْزِلَة الظفر للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل من يحمل السِّلَاح شجاعا وَلَا كل ذى مخلب سبعا يفترس بِهِ بل يُوجد ذَوَات مخالب والسبع يفضلها وَكَذَا سيف الدولة يتزيون بشكله ويشاركونه فى لبس السِّلَاح وَلَكنهُمْ يقصرون عَن فعله وَعَما يبلغ بالسلاج من الْبَطْش
[ ٢ / ٢٣٤ ]
- ١ - الْإِعْرَاب حشاشة نفس ابْتِدَاء الظاعنين يرْوى على الْجمع يُرِيد النَّفس والأحباب الْمَعْنى يَقُول بَقِيَّة نفس ودعتنى وفارقتنى يَوْم فارفتنى الْأَحِبَّة فَذَهَبت الْبَقِيَّة والحبيب فَبَقيت حائرا لَا أدرى أى المرتحلين أودع النَّفس أم الْأَحِبَّة وَكِلَاهُمَا مرتحل وَهُوَ من قَول بشار
(حَدَا بَعْضُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَبَعْضُهُمْ شِمالًا وَقَلْبِى بَيْنَهُمْ مَتَوَزّعُ)
٢ - الْغَرِيب الآماق جمع مؤق وَهُوَ طرف الْعين الذى يلى الْأنف والسم يُرِيد بِهِ الِاسْم وَفِيه لُغَات بالحركات الثَّلَاث فى السِّين وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَعْنى لما أشاروا إِلَيْنَا بِالسَّلَامِ جدنا بأنفس تسيل من الجفون تسمى دموعا وهى أَرْوَاحنَا سَالَتْ من عيوننا فى صُورَة الدمع وَمثل هَذَا
(خَلِيلَىَّ لَا دَمْعاُ بَكَيْتُ وَإنَّمَا هِىَ الرُّوحُ مِنْ عَيْنِى تَسِيلُ عَلى خدّى)
وَمثله لبشار
(ولَيسَ الَّذِي يَجْرِى مِنَ العَيْنِ ماؤُها وَلَكِنَّها رُوحِى تَذُوبُ فَتَقْطُرُ)
وَقَالَ الديك
(ليسَ ذَا الدَّمْعُ دَمْعُ عَيْنِى وَلَكِنْ هِىَ نَفْسِى تُذِيبُها أنْفاسِى)
وَلابْن دُرَيْد
(لَا تَحْسَبُوا دَمْعِى تَحَدَّرَ إنَّها رُوحِى جَرَتْ فِى دَمْعِىَ المُتَحَدّرِ)
٣ - الْإِعْرَاب ترتع فِيهِ ضمير الْمخبر عَنهُ وأفرد الْخَبَر لِأَن الْعَينَيْنِ وهما عضوان مشتركان فى فعل وَاحِد مَعَ انفاقهما فى التَّسْمِيَة يجرى عَلَيْهِمَا مَا يجرى على أَحدهمَا أَلا ترى أَن كل وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ لَا تكَاد تنفر بِالرُّؤْيَةِ دون الْأُخْرَى فاشتراكهما فى النّظر كاشتراك الْأُذُنَيْنِ فى السّمع والقدمين فى المشى وَقد اسْتعْمل هَذَا الْبَاب على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا على الْحَقِيقَة فى الْخَبَر والمخبر عَنهُ فَتَقول عيناى رأتاه وأذناى سمعتاه والثانى أَن تخبر عَن اثْنَيْنِ وَتفرد الْخَبَر كبيت أَبى الطّيب فَتَقول عيناى رَأَتْهُ وَالثَّالِث أَن تخبر عَن اثْنَيْنِ بِوَاحِد وَتفرد الْخَبَر فَتَقول عينى راته وأذنى سمعته وَالرَّابِع أَن تعبر عَن اثْنَيْنِ بِوَاحِد وتثنى الْخَبَر حملا على الْمَعْنى فَتَقول عينى رأتاه وأذنى سمعتاه كَقَوْل الشَّاعِر
(أذا ذَكَرَتْ عَيْنِى الزَّمَان الَّذِى مَضَى بِصَحْرَاءِ فَلْجٍ ظَلَّتا تَكِفانِ)
الْغَرِيب ترتع تلهو وتلعب وتنعم وإبل رتاع جمع راتع وأرتع الْغَيْث أنبت مَا ترتع فِيهِ الْإِبِل وَقوم مرتعون والموضع مرتع وَيُقَال خرجنَا نرتع وَنَلْعَب أى ننعم ونلهو وَقَرَأَ نَافِع والكوفيون
(يَرْتَعْ ويَلْعَبْ )
بِالْيَاءِ فيهمَا وَكسر الحرميان الْعين من يرتع جعلاه من الرعى الْمَعْنى يَقُول الحشا وَهُوَ مَا فى دَاخل الْجوف وَالْمرَاد الْفُؤَاد فى جمر شَدِيد التوقد لأجل توديعهم وفراقهم وعيناى ترتعان فى رياض الْحسن من وَجه الحبيب وَهُوَ من قَول عبد الله بن الدمينة
(غَدَتْ مُقْلَتِى فِى جَنَّةٍ مِنْ جَمالِهَا وَقَلْبِى غَدَا مِنْ هَجْرِها فى جَهَنَّم)
وَأَخذه الطائى فَقَالَ
(أفِى الحَقّ أنْ يُضْحىِ بقَلْبِى مَأْتَمٌ مِن الشَّوْق والبَلْوَى وعيْنِى فى عُرْسِ)
وَأَخذه الرضى فَقَالَ
(فالقَلْبُ فى مأْتَمٍ والعَيْنُ فى عُرُسِ )
وَنَقله أَبُو الْحسن التهامى عَن الْغَزل فَقَالَ
(إنّى لأَرْحَمُ حاسِدِىَّ لِعِلْمِ مَا ضَمَّتْ ضَمائِرُهُمْ مِنَ الأوْغارِ ١)
(نظَرُوا صَنِيعَ اللهِ بى فَعُيُونُهُمْ فى جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ فى نارِ)
ولخالد الْكَاتِب
(قالُوا نَرَاكَ سَقِيمًا فَقُلْتُ مِنْ مُقْلَتَيْهِ)
(فِى النَّارِ قَلْبِى وَعَيْنِى فِى الرَّوْضِ مِنْ وَجْنَتَيْهِ)
وَلآخر
(وكانَ طَرْفِى مِنْهُ فِى جَنَّةٍ وكانَ فِى قَلْبِى مِنهُ نارُ)
[ ٢ / ٢٣٥ ]
- الْغَرِيب أوشكت قاربت والوشيك الْقَرِيب السَّرِيع الْمَعْنى يَقُول قد حملنَا من الْفِرَاق مَا لَو كلفته الْجبَال لقاربت أَن تتصدع وَهَذَا من قَول البحترى
(وأكْتُمُ مَا بى مِنْ هَوَاكِ وَلوْ يُرَى عَلى جَبَلٍ صَلْدٍ إِذن لَتَقَطَّعا)
وَلآخر
(صَبرْتُ على مَا لَوْ تَحَمَّلَ بَعْضَهُ جِبالُ شَرَوْرَى أوْشَكَتْ تَتصَدَّعُ)
وَلآخر
(وَلَوْ أنَّ الجِبال فَقَدْنَ إلْفا َلأَوْشكَ جامِدٌ مِنْها يَذُوبُ)
[ ٢ / ٢٣٦ ]
- الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره أفديها بِمَا بَين جنبى يُرِيد روحه وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد هى مُطَالبَة بتلاف روحى الَّتِى بَين جنبى الْغَرِيب الدياجى جمع ديجوج وَالْقِيَاس دياجيج إِلَّا أَنهم خففوا الْكَلِمَة بِحَذْف الْجِيم الْأَخِيرَة كمكوك ومكاك والخلى الخالى من الْهوى والهم وهجع نوم والهجوع النّوم لَيْلًا والتهجاع النومة الْخَفِيفَة قَالَ أَبُو قيس بن الأسلت
(قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رأسِى فَمَا أطْعَمُ نَوْما غَيْرَ نَهْجاعِ)
والهجعة النومة الْخَفِيفَة أَيْضا الْمَعْنى يَقُول بِمَا بَين جنبى يُرِيد نَفسه وَمِنْه قَوْله ﵊
(أعدى عَدو لَك الَّتِى بَين جنبيك )
يُرِيد النَّفس أى أفدى بنفسى الحبيبة الَّتِى خَاضَ طيفها إِلَى فَقطع الظلمَة حَتَّى وافانى والخليون من الْمحبَّة نوم فَإِن قيل فقد كَانَ هُوَ نَائِما حَتَّى رأى طيفها قُلْنَا يجوز أَن تكون غلبته نومَة خَفِيفَة فَرَأى طيفها لِأَنَّهُ إِذا كَانَ فى الْيَقَظَة لَا يَخْلُو قلبه من ذكرهَا وخيالها فَلَمَّا غلبته النعسة رَآهَا وَأَرَادَ بهجع أَنهم نوم كل اللَّيْل فهم لَا يعْقلُونَ وَلَا هم مزعج من الْمحبَّة يمنعهُم الْمَنَام كَمَا يمنعهُ فَلم يبْق فى الْكَلَام تضَاد لِأَن بَين نومهم ونومه فرقا كَبِيرا
٦ - الْإِعْرَاب زَائِرًا جال وَقَالَ الربعى هُوَ مفعول أَتَت وَهُوَ // حسن // إِذا أمكن أَن يكون المتنبى زَائِرًا لَا مزورا لِأَنَّهُ الذى يأتى بالطيف لشدَّة تفكره فى الْيَقَظَة حَتَّى إِنَّه إِذا أغفى يرى الطيف فَكَأَنَّهُ هُوَ الزائر وَقَالَ الواحدى قيل هُوَ من الزئير وَقيل هُوَ نعت لمَحْذُوف أى أَتَت خيالا زَائِرًا وَذكره لِأَنَّهُ أَرَادَ الطيف الْغَرِيب خامره خالطه ولصق بِهِ يتضوع يفوح وَقيل يتفرق الْمَعْنى يَقُول زارت وهى لم تتعطر بِطيب وَلَا لصق بهَا وكالمسك أى يفوح من ثِيَابهَا كالمسك لِأَنَّهَا طيبَة الرَّائِحَة طبعا لَا تطبعا وَهُوَ مَنْقُول من قَول امْرِئ الْقَيْس
(ألَمْ تَرَيانِى كُلَّما جِئْتُ طارِقا وَجَدْتُ بِها طِيبا وَإنْ لَمْ تَطَيَّبِ)
أى لِأَن طيبها خلقَة فِيهَا لَا تتكلفه
[ ٢ / ٢٣٧ ]
- الْغَرِيب أعظمته إعظاما واستعظمته أكبرته واستكبرته والتاع احْتَرَقَ وَمِنْه لوعة الْحبّ واللوعة الحرقة الْمَعْنى يُرِيد أَنه استعظم خيالها لما رَآهَا فنفى نَومه عَنهُ وَاحْتَرَقَ فُؤَاده لفقد رؤيتها والضميران المؤنثان فى لَهَا وَبهَا يعودان على الحبيبة لِأَنَّهُ لما رأى خيالها والخيال هِيَ أنث على الْمَعْنى ٩ - الْأَعْرَاب يُرِيد ماكان أطولها فَحذف لإِقَامَة الْوَزْن وَمثله قَول الْحصين ابْن حمام
(وَجاءَتْ جِحاشٌ قَضَّها بقَضِيضِها وَجمْعُ عَوَالٍ مَا أدَقَّ وألأَمَا)
يُرِيد مَا أدقهم وألأمهم الْغَرِيب الأفاعى جمع أَفْعَى وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ أطولها من لَيْلَة وهى الَّتِى فارقنى خيالها فِيهَا فتجرعت من مراراتها مَا يكون السم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ عذَابا // وَهَذَا مُبَالغَة //
١٠ - الْمَعْنى الزم الطَّاعَة والانقياد فى الْقرب والبعد وَارْضَ وَسلم لفعلها فَهَذَا من عَلامَة الْحبّ وَقد أكثرت الشُّعَرَاء من هَذَا الْمَعْنى فَمِنْهُ قَول أَبى نواس
(سنة العشاق وَاحِدَة فَإِذا أَحْبَبْت فاستكن) وَقَوله
(كُنْ إذَا أحْبَبْتَ عَبْدًا لِلَّذِى تَهْوَى مُطِيعاَ)
(لَنْ تَنالَ الوَصْلَ حَتَّى تُلْزِمَ النَّفْسَ الخُضُوعا)
وَقد يُقَارِبه قَول البحترى
(وَتَذَلَّلْتُ خاضِعا لِمَلِيكِى وَقَلِيلٌ مِنْ عاشِقٍ أنْ يَذِلاَّ)
وَلَقَد أحسن الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بقوله
(تَحَمَّلُ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تَحِبُّهُ وَإنْ كُنْتَ مَظْلُوما فَقُلْ أَنا ظالِمُ)
(فإنَّكَ إنْ لم تَحْمِلِ الذَّنْبَ فِى الهَوَى يُفارِقْكَ مَنْ نَهْوَى وأنفُكَ رَاغِمُ)
[ ٢ / ٢٣٨ ]
- الْإِعْرَاب من روى
(ثوب مجد )
بِالرَّفْع جعله عطفا على قَوْله
(فَمَا عاشق )
وَمن نَصبه جعله إِضَافَة مُنْفَصِلَة الْغَرِيب اللؤم الذَّم وَالْبخل ومرقع رَوَاهُ ابْن جنى بِالْفِعْلِ الْمَعْنى يَقُول الْمجد خلص لَهُ لَا لغيره من الذَّم وَالْعَيْب ومجد غَيره مشوب بلؤم
١٢ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح حابى بِمَعْنى حبا مَأْخُوذ من الحباء وَهُوَ الْعَطِيَّة وَاسم الله مَرْفُوع بِهِ وَالْجُمْلَة الَّتِى هى يعْطى فَاعله خبر إِن وَاسم إِن الذى وخولف فى هَذَا فَقيل معنى حابى بارى تَقول حابيت زيدا إِذا باريته مثل باهيته فى الْعَطاء وَلَيْسَ بِمَعْرُوف أَن معنى حابيته بِكَذَا حبوته بِهِ قَالَ الشريف هبة الله بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد الشجرى فعلى هَذَا يكون فَاعل حابى مضمرا فِيهِ يعود على الذى وَاسم الله مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره الْجُمْلَة تَقْدِيره إِن الذى حابى بِهِ جديلة فى الحباء الله يعْطى بِهِ من يَشَاء ومفعول يمْنَع مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ مفعول يعْطى وَكَذَلِكَ مفعول يَشَاء الْمَذْكُور والمحذوفان تقديرهما يعْطى لله بِهِ من يَشَاء أَن يُعْطِيهِ وَيمْنَع من يَشَاء أَن يمنعهُ والضميران يعودان للممدوح الْغَرِيب أصل حابى فَاعل وَلَا يكون إِلَّا من اثْنَيْنِ إِلَّا فى أحرف يسيرَة طارقت النَّعْل وعاقبت اللص وَعَافَاهُ الله وَقَاتلهمْ الله وَأَبُو الْفَتْح ذهب بهَا مَذْهَب هَذِه الأحرف وَقَالَ حابى بِمَعْنى حبا كَمَا فى قَول أشج يمدح جَعْفَر بن يحيى حِين ولاه الرشيد خُرَاسَان
(إنَّ خَراسانَ وَقدْ أصْبَحَتْ تَرْفَعُ مِنْ ذى الهِمَّةِ الشَّانا)
(لَم يَحْبُ هارُونُ بِها جَعْفَرًا وإنَّمَا حابَى خُرَاسانا)
وَقد جَاءَ حابى بِمَعْنى بارى فى قَول سُبْرَة بن عَمْرو الفقعسى
(نُحابِى بِها أكْفاءَنا ونُهينُها وَنَشْرَبُ فِى أثَماَنِها وَنُقامِرُ)
وَقد جَاءَ أحابى بِمَعْنى أخص فى قَول زهاد
(أُحابِى بِهِ مَيْتا بِنَخْلٍ وأبْتَغى أخالَكَ بالقَوْلِ الذى أنْتَ قائِلُهْ)
يُرِيد أخص بِهَذَا الشّعْر مَيتا وجديلة بن خَارِجَة بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج وفى مُضر جديلة وَهُوَ ابْن غدوان بن عَمْرو بن قيس بن عيلان بن مُضر وفى ربيعَة جديلة وَهُوَ أَسد بن ربيعَة ابْن نزار الْمَعْنى قَالَ الواحدى الذى حابى بِهِ الله جديلة أى أَعْطَاهُم هَذَا الممدوح وَجعله مِنْهُم فَهُوَ الذى يعْطى بِهِ من يَشَاء وَيمْنَع من يَشَاء لِأَنَّهُ ملك قد فوض الله إِلَيْهِ أَمر الْخلق فى النَّفْع والضر وَهَذَا كَلَامه وَقَالَ فَقَوله
(بِهِ الله الخ )
خبر إِن
[ ٢ / ٢٣٩ ]
- الْإِعْرَاب بذى كرم بدل من قَوْله
(بِهِ الله )
و(ذمَّة )
مَنْصُوب على التميز أوفى صفة مَحْذُوف تَقْدِيره على رَأس رجل أَو فى الْمَعْنى يَقُول مَا مر يَوْم وَلَا طلعت شمس على رجل أَو فى بِالذِّمةِ من هَذَا الممدوح إِشَارَة إِلَى أَنه أَكثر النَّاس وَفَاء وَأكْرمهمْ عهدا وَمثله
(مَلِكٌ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ عَلى مِثْلِهِ أوْسَعَ شَيْئا وأعَمّ)
١٤ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قَوْله
(لدنة )
فِيهِ قبح وشناعة وَلَيْسَ هُوَ مَعْرُوفا فى كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ يشدد إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ نون أُخْرَى نَحْو لدنى ولدنَا هَذَا كَلَامه وَقد يحْتَج لأبى الطّيب فَيُقَال شبه بعض النَّحْوِيين بَعْضهَا بِبَعْض فَكَمَا يُقَال لدنى يُقَال لَدنه بِحمْل أحد الضميرين على الآخر وَإِن لم يكن فى الْهَاء مَا يُوجب الْإِدْغَام من زِيَادَة نون قبلهَا كَمَا قَالُوا يعد فحذفوا الْوَاو لوقوعها بَين يَاء وكسرة ثمَّ قَالُوا أعد ونعد وتعد فحذفوا الْفَاء أَيْضا وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُوجب حذفهَا وَيجوز أَن يكون ثقل النُّون ضَرُورَة كَمَا قَالُوا فى الْقطن الْقطن وفى الْجُبْن الْجُبْن وَأنْشد أَبُو زيد
(مِثْل الحِمارِ زَادَ فِى سَلْكَنْ ٢ )
فَزَاد نونا شَدِيدَة وَأنْشد
(إنَّ شكْلى وَإنَّ شَكلَكِ شَتَّى فالْزَمى الخُصَّ وَاخفِضِى تبْيَضِضِّى)
فَزَاد ضادا وَقَالَ سحيم
(وَما قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَيْسَنا نَ مَعْجِبَةٌ نَظَرًا وَاتِّصَافا)
أَرَادَ ميسَان فاضطر فَزَاد نونا وَقَالَ العبدى
(وَجاشَتْ مِنْ جِبالِ الصُّغْد نَفْسىِ وَجاشَتْ مِنْ جِبالِ خُوَارَزْمِ)
أَرَادَ خوارزم فغيرها وَقَالَ الجرجانى لما كَانَت الْهَاء خَفِيفَة وَالنُّون سَاكِنة وَكَانَ من حَقّهَا أَن تتبين عِنْد حُرُوف الْحلق حسن تشديدها لتظهر ظهورا شافيا فَهَذِهِ عِلّة وقرينة تحْتَمل للشاعر تَغْيِير الْكَلَام عِنْدهَا وَالنُّون أقرب الْحُرُوف إِلَى حرفى الْعلَّة الْوَاو وَالْيَاء لِأَنَّهَا تُدْغَم فيهمَا وتبدل مِنْهَا الْألف فى الْوَقْف إِذا كَانَت خَفِيفَة نَحْو يَا حرسى اضربا عُنُقه وَجعلت إعرابا فى الْأَفْعَال الْخَمْسَة نَحْو يفْعَلَانِ وَأَخَوَاتهَا كَمَا جعلت إعرابا فى التَّثْنِيَة وَالْجمع وتحذف إِذا كَانَت سَاكِنة لالتقاء الساكنين فى نَحْو اضْرِب الْغُلَام بِفَتْح الْبَاء فَلَمَّا حلت هَذَا الْمحل احتملت مَا تحتمله من الزِّيَادَة وحروف الْعلَّة أوسع الْحُرُوف تَصرفا وَلِهَذَا أَجَازُوا زِيَادَة الْيَاء فى الصياريف فى قَوْله
(تَنْفِى يَداها الحَصَى فِى كُلّ هاجِرَةٍ نَفْىَ الدرَاهِيمِ تَنْقادُ الصَّيارِيفِ)
وَزِيَادَة الْوَاو فى قَوْله
(مِنْ حَيْثُ مَا سَلَكُوا أدْنُوا فَأنْظُورُ )
يُرِيد فَأنْظر وَزِيَادَة الْألف فى منتزاح من قَوْله
(وأنْتَ مِنَ الغَوَائِلِ حِينَ تَرْمى وَمِنْ ذَمِّ الرّجال بِمُنْتَزَاحِ)
يُرِيد بمنتزح وَقد ذكرنَا لهَذَا التَّشْدِيد كل وَجه سديد كَمَا ذكرنَا الْعلَّة فى إدغام النُّون فى الْجِيم فى قِرَاءَة عبد الله بن عَامر وأبى بكر بن عَيَّاش فى كتَابنَا الموسوم الرَّوْضَة المزهرة فى شرح كتاب التَّذْكِرَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتعْمل لدن بِغَيْر من وَهُوَ قَلِيل وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعهَا كَمَا جَاءَ فى الْقُرْآن ﴿من لدنى و(من لَدنه﴾ ﴿وَمن لدن حَكِيم عليم﴾ وَقد غَابَ عَن أَبى الْفَتْح قَول الشَّاعِر فِيمَا أنْشدهُ يَعْقُوب
(فإنَّ الكُثْرَ أعْيانِى قَدِيما وَلمْ أُقْتِرْ لَدُنْ أّنى غُلامُ)
وَقَول الآخر
(ومَا زِلْتُ مِن لَيْلَى لَدُنْ أنْ عَرَفْتُها لَكالهَائمِ المُقْصَى بِكُلّ مُرَادِ)
وَقَول القطامى
(صَرِيعُ غَوَانٍ رَاقَهُنَّ وَرُقنَهْ لَدْنْ شَبَّ حَتَّى شابَ سُودُ الذَّوَائِبِ)
وَقَول الْأَعْشَى
[ ٢ / ٢٤٠ ]
(أرَانِىَ لَدُنْ أنْ غابَ قَوْمى كأنَّمَا يَرَانِى فِيهِمْ طالِبُ الحَقّ أرْنَبا)
الْغَرِيب مَا تسنى أى لَا تزَال وَقَالَ الواحدى هُوَ من الونى وَهُوَ الضعْف فَوَضعه مَوضِع لَا تزَال لِأَنَّهَا إِذا لم تفتر عَن الْقطع يكون الْمَعْنى لَا تزَال تتقطع الْمَعْنى يَقُول أَرْحَام الشّعْر تتصل عِنْده يُرِيد أَنه يقبل الشّعْر ويثيب عَلَيْهِ فَيحصل بَينه وَبَين الشّعْر صلَة كصلة الرَّحِم وَيجوز أَنه يمدح بأشعار كَثِيرَة فتجتمع عِنْده فيتصل بَعْضهَا بِبَعْض كَمَا تتصل الْأَرْحَام وفى انْقِطَاع أَرْحَام الْأَمْوَال وَجْهَان أَحدهمَا انقطاعها عَنهُ بتفريقه فَيصير كَأَنَّهُ قد قطع أرحامها وَالْآخر أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع كَذَا نَقله الواحدى
[ ٢ / ٢٤١ ]
- الْإِعْرَاب ألف مُبْتَدأ وَأَقل مُبْتَدأ ثَان وَبَعضه مُبْتَدأ ثَالِث وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير الْأَقَل والرأى خبر عَنهُ وَأجْمع توكيد وَيجوز أَن يكون رَأْيه ابْتِدَاء وَألف جُزْء خَبره مقدما عَلَيْهِ وترتيب الْكَلَام فَتى رَأْيه ألف جُزْء أقل من هَذِه الْأَجْزَاء الْألف بعضه أى بعض الْأَقَل الرأى الذى فى أيدى النَّاس وَقَالَ الواحدى مثل هَذَا قَوْلك زيد أَبوهُ قَائِم الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح لَهُ الرأى الذى لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد فَلهُ من الرأى ألف جُزْء وَأَقل جُزْء مِنْهَا بعضه الذى فى أيدى النَّاس كلهم فَالنَّاس يدبرون أَمْوَالهم بِأَقَلّ بعض رَأْيه وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى
(لَوْ تَراَهُ يَا أَبَا الحَسَنِ قَمَرًا أوْفَى علَى غُصُنِ)
(كُلُّ جْزْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهِ فِيهِ أجْزَاءٌ مِنَ الفِتَنِ)
١٦ - الْإِعْرَاب غمام بدل من فَتى أَو هُوَ فى مَوضِع رفع خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هُوَ فَتى وخلبا خبر لَا كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ هُوَ مقشعا وَلَيْسَ الْبَرْق فِيهِ خلبا الْغَرِيب أقشع أقلع وتفرق والممطر الماطر مطرَت السَّحَاب وأمطرت وَقيل الإمطار فى الْعَذَاب وَكَذَا جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ وَلَيْسَ فى الْقُرْآن لفظ الْمَطَر الذى هُوَ المَاء والغيث إِلَّا فى سُورَة النِّسَاء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر﴾ وأقشعت السَّمَاء وتقشعت وانقشعت إِذا تفرق السَّحَاب وَذهب والحلب الذى لَا مطر فِيهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ غمام ممطر علينا بالأموال دَائِما فَلَا يقطع عطاءه عَنَّا وَلَيْسَ هُوَ كالغمام الذى يمطر مرّة وينقشع أُخْرَى وَإِذا رجوناه بلغنَا مِنْهُ اوفى مَا نرجو وَإِذا وعد أنْجز الْوَعْد وَضرب الْغَمَام والبرق مثلا وَلما جعله غماما جعل لَهُ الْمَطَر وَجعل برقه صَادِقا بموعوده وَهَذَا عكس قَول البحترى
(عَلِمْتُكَ إنْ مَنَّيْتَ مَنَّيْتَ مَوْعِدًا جَهاما وَإنْ أبْرَقْتَ أبْرَقْتَ خُلَّبا)
[ ٢ / ٢٤٢ ]
- الْغَرِيب الْحَاج جمع حَاجَة وَيُقَال حَاجَة وحوج وحاجات وحاج وحوائج على غير قِيَاس كَأَنَّهُ جمع حائجة وَكَانَ الأصمعى يُنكره وَيَقُول هُوَ مولد وَإِنَّمَا أنكرهُ لِخُرُوجِهِ عَن الْقيَاس وَإِلَّا فَهُوَ كثير فى كَلَام الْعَرَب أنشدوا
(نَهارُ المَرْءِ أمْثَلُ حِينَ تُقْضَى حَوَائجُهُ مِنَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ)
والحوجاء الْحَاجة قَالَ قيس بن رِفَاعَة
(مَنْ كانَ فِى نَفْسِهِ حَوْجاءُ يَطْلُبُها عِنْدِى فإنّى لَهُ رَهْنٌ بأصْحارِ)
والمشفع الذى تقضى الْحَاجة بِشَفَاعَتِهِ الْمَعْنى يَقُول إِذا سُئِلَ حَاجَة شفعت نَفسه إِلَى نَفسه فى قَضَائهَا وحسبك بِمن يكون وَهُوَ مسئول شَفِيعًا إِلَى نَفسه وَمثله للخريمى
(شَفَعَتْ مَكارِمُهُ لَهُمْ فَكَفَتْهُمُ جُهْدَ السُّؤَالِ وَلُطْفَ قَوْلِ المَادِحِ)
وَمِنْه قَول حبيب
(طَوَى شِيمَا كانَتْ تَرُوحُ وَتَغْتَدِى وَسائِلَ مَنْ أعْيَتْ عَلَيْهِ وَسائلُهْ)
وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الحطيئة
(وَذَاكَ امْرُؤٌ إنْ تَأْتِهِ فِى نَفِيسَةٍ إِلَى مالِهِ لَا تَأْتِهِ بشَفِيعِ)
ولأبى الْعَتَاهِيَة
(فَياجُودَ مُوسَى ناجِ مُوسَى بِحاجَتِى فَمَا لى سِوَى مُوسَى إلَيْهِ شَفيعُ)
وَلابْن الرومى
(أَبَا الصَّقْرِ مَنْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعٍ فَمَا لى سِوَى شِعْرِى وجُودِكَ شافِعُ)
[ ٢ / ٢٤٣ ]
- الْغَرِيب خبت النَّار سكن لهبها والبنان الْأَصَابِع والأسمر يُرِيد الْقَلَم وَجعله أصلع لملاسته كالرأس الأصلع الذى لَا نبت فِيهِ الْمَعْنى يَقُول كل نَار حَرْب من غير يَده وقلمه فهى مطفأة لَا تطول مدَّتهَا وَيرد أَن الْحَرْب إِذا أضرمها هُوَ فَإِنَّهَا لَا تنطفئ لقُوَّة عزمه وتسديد رَأْيه وَشدَّة نَفسه وعلو همته
١٩ - الْإِعْرَاب نحيف نعت الأسمر الْغَرِيب الشوى الْأَطْرَاف اليدان وَالرجلَانِ وَالرَّأْس والشوى جمع شواه وهى جلدَة الرَّأْس وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿نزاعة للشوى﴾ وَقَرَأَ حَفْص ﴿نزاعة للشوى﴾ نصبا على الْحَال وَكَيف دَقِيق وَأم الرَّأْس أَصله وَقيل وَسطه الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقَلَم دَقِيق خلقته وَهُوَ يعدو على رَأسه فَإِذا كل أى حفى من الْكِتَابَة قطع راسه بالقط فيقوى عدوه أى يحسن الْخط بِهِ بعد القط والقلم يعبر عَن ضمير الْكَاتِب وَقد قيل الْقَلَم أنف الضَّمِير إِذا رعف كشف أسراره وَأَبَان آثاره وَهَذَا مَنْقُول من قَول العقيلى
(فإنْ تَخَوَّفْتَ مِنْ حَفاهُ فَخُذْ سَيْفَكَ فاضْرِبْ قَفا مُقَلَّدِهِ)
(فإنَّهُ إنْ قَطَعْتَ أجْوَدَهُ عادَ نَشِيطا بِقَطْعِ أجْوَدِهِ)
٢٠ - الْغَرِيب يمج يقذف الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقذف الظلام يُرِيد المداد فى نَهَار يُرِيد القرطاس وَلسَانه طرفه المحدد وَيفهم عَمَّن قَالَ أَي يعبر عَن الْكَاتِب وَلم يسمع مِنْهُ لفظا أى إِن هَذَا الْقَلَم يعبر عَمَّا يُريدهُ الْكَاتِب من غير سَماع مِنْهُ وَهَذَا مَنْقُول من قَول حبيب
(أحَدُّ اللَّفْظِ يَنْطِقُ عَنْ سِوَاهُ فَيُفْهِمُ وَهْوَ لَيْسَ بِذى سَماعِ)
وَمثله
(إِذا عَلِقَتْ يُمْناهُ ظَهْرَ ابْنِ حامِلٍ وأرْسَلَ لَيْلًا فِى نَهارٍ مُكوَّرَا)
٢١ - الْإِعْرَاب ضريبة تَمْيِيز الْغَرِيب الحسام من الحسم وَهُوَ الْقطع والضريبة الْمَضْرُوب كالرمية اسْم للرمى الْمَعْنى يَقُول إِن الْقَلَم أفضل من السَّيْف لِأَن الْمَضْرُوب بِالسَّيْفِ قد ينجو إِن نبا عَن الْمَضْرُوب وَعصى الضَّارِب والمضروب بالقلم لَا ينجو إِذا كتب بالقلم قَتله فالقلم أطوع من السَّيْف لصَاحبه لِأَنَّهُ لَا يرجع عَن مُرَاد الْكَاتِب بِهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(لَعَمْرُكَ مَا السَّيْفُ سَيْفُ الكَمِىَّ بأنْفَذَ مِنْ قَلَمِ الْكاتِبِ)
قَالَ الواحدى كَانَ حَقه أَن يَقُول ذُبَاب الحسام لكنه أَقَامَ النكرَة مقَام الْمعرفَة من غير ضَرُورَة كَقَوْلِه أعق من ضَب وَهَذَا تكلّف لَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ لِأَن الْمعرفَة والنكرة فِيهِ سيان
[ ٢ / ٢٤٤ ]
- الْغَرِيب البراعات جمع براعة وهى الْكَمَال فى الفصاحة الْمَعْنى يَقُول كل لَفْظَة يتَلَفَّظ بهَا أصل من أصُول البراعة وهى كَمَال الفصاحة وَالنَّاس يبنون كَلَامهم عَلَيْهَا وَأَرَادَ تَجِد كل لَفْظَة من قَوْله فَحذف للْعلم بِهِ
٢٣ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف وهى فى مَوضِع رفع صفة لأسمر وأجرى أسمر مجْرى الْأَسْمَاء أَو صفة للقلم الذى أسمر صفته وَالْأول أولى وفصيح نعت لقَوْله فى الْبَيْت الْمُقدم
(أسمر عُرْيَان )
وَمثله قَول ابْن الرومى
(خِرْقٌ يَعُمُّ وَلا يُخَصُّ بِفَضْلِهِ كالغَيْثِ فِى الإِطْباقِ كُلَّ مَكانِ)
٢٤ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة المَاء بِالرَّفْع وهى فَاعل يفنى قَالَ ابْن القطاع يفنى المَاء بِالنّصب أى يَتَّخِذهُ فنَاء يُقَال فنيت الْمَكَان وبالمكان إِذا أَقمت بِهِ والفعلان على رِوَايَة ابْن القطاع من يشتق ويفنى للحوت والضفدع الْغَرِيب الضفدع الفصيح بِكَسْر الضَّاد وَفتح الدَّال وَقد جَاءَ بِكَسْرِهَا وَهُوَ دويبة من دَوَاب المَاء مَعْرُوف والحوت مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بَحر جوده كبحر المَاء الذى يغوص فِيهِ الْحُوت والضفدع حَتَّى يبلغَا قَعْره وَإِنَّمَا هُوَ بَحر لَا نَفاذ لَهُ وَلَا يبلغ منتهاه يُرِيد أَنه لَا يَنْقَطِع جوده
٢٥ - الْإِعْرَاب أبحر هُوَ اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار الْغَرِيب المعتفون السائلون عفاه واعتفاه إِذا أَتَاهُ سَائِلًا والزعاق الشَّديد الملوحة الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد أَن يفضل الممدوح على الْبَحْر يَقُول لَيْسَ بَحر يضر من ورده بِالْغَرَقِ وَهُوَ مر الطّعْم لَا يُمكن شربه كبحر ينفع الواردين بالعطاء وَلَا يضرهم وَلَو قَالَ ينفع وَلَا يضر لَكَانَ حسنا حَتَّى لَا يتَوَهَّم نفى الضّر والنفع جَمِيعًا لكنه قدم لَا يضر لإِثْبَات القافية قَالَ ابْن جنى وَهَذَا فِيهِ قبح لِأَن الْمَشْهُور عِنْدهم أَن ينْسب الممدوح إِلَى الْمَنْفَعَة للأولياء والضر للأعداء كَقَوْل الشَّاعِر
(وَلكِنْ فَتى الفِتْيانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدى لِضُرّ عَدُوّ أوْ لِنَفْعِ صَديقِ)
وكقول الآخر
(إذَا أنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَّإنَما يُرَجَّى الْفَتى كَيْما يَضُرَّ وَيَنْفَعا)
وَقَالَ أَبُو على بن فورجة أَبُو الطّيب قَالَ
(أبحر يضرّ المعتفين )
فخصص فِي المصراع الأول فَعلم من لَفظه أَنه أَرَادَ كبحر لَا يضر المعتفين لِأَنَّهُ خصص فى أول الْكَلَام وَلَا يكون آخر الْكَلَام خَارِجا عَن أَوله قَالَ الواحدى وَهُوَ على مَا قَالَ
[ ٢ / ٢٤٥ ]
- الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فى الدَّقِيق بلام التَّعْرِيف وَهُوَ // حسن // فى الْإِضَافَة كالجميل الْوَجْه والطويل الذيل لِأَن الدَّقِيق نعت لمَحْذُوف تَقْدِيره يتيه الرجل الدَّقِيق الْفِكر أَلا ترَاهُ يَقُول وَهُوَ مصقع وَهُوَ نعت للرجل لَا للفكر وَمن رَوَاهُ دَقِيق الْفِكر جعله نعتا للفكر تَقْدِيره يتيه الدَّقِيق من الأفكار وَالْأول أبلغ فى الْمَعْنى الْغَرِيب الْغَوْر الْمُنْتَهى والقعر وَالضَّمِير للبحر والتيار الموج والمصقع الفصيح البليغ لِأَنَّهُ يَأْخُذ فى كل صقع من الْكَلَام والدقيق الْفِكر الْفَهم الذى يدق فكره وخاطره إِذا تفكر الْمَعْنى أَن هَذَا الممدوح بَحر عميق القعر لَا يصل أحد إِلَى قَعْره فيتيه فى صِفَاته الواصفون وَلَا يبلغون النِّهَايَة وَلَا يصفونه بقول فصيح
٢٧ - الْغَرِيب القيل هُوَ الْملك من مُلُوك حمير وَجمعه أقيال ومنبج بلد بِقرب الْفُرَات من أَرض الشَّام والسماكان الرمْح والأعزل وتوضع من الإيضاع وَهُوَ السّير السَّرِيع الْمَعْنى يَقُول أَنْت ملك لمنبج وهمتك تسرع فَوق النُّجُوم وَهُوَ من قَول العطوى
(إنْ كنْتُ أصْبَحْتُ لابِسا سَمَلًا فَهِمَّتِى فَوْقَ هامَةِ المَلِكِ)
وللتنوخى
(وَرُبَّ نَفْسٍ مَسْكُها مَا بَيْنَنا وَهَمُّها فَوْقَ السَّماكِ والسُّها)
[ ٢ / ٢٤٦ ]
- الْإِعْرَاب عجيبا خبر لَيْسَ وَاسْمهَا أَن وصفك وَتقدم الْخَبَر فى مثل هَذَا هُوَ الصَّوَاب لِأَن أَن مُبْتَدأ وَتقدم خَبَرهَا تَقول تَقول فى الدَّار أَنَّك قَائِم وأليس اسْتِفْهَام تَقْرِير وَمِنْه قَول جرير
(ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاح)
الْغَرِيب ظلعت الدَّابَّة إِذا عرجت من يَدهَا أَو رجلهَا ودابة ظالع عرجاء بالظاء ودابة ضليع بالضاد سَمِينَة الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ من الْعجب أَنى مَعَ جودة خاطرى وبلاغتى أعجز عَن وصفك وَلَا يبلغ ظنى معاليك فإنى لَا أدْركهَا لكثرتها
٢٩ - الْإِعْرَاب رفع صدرك استئنافا وَهُوَ مبتدأوالظرف ومعموله الْخَبَر الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ من الْعجب أَنَّك فى ثوب وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله أَن وصفك أى وصدرك فيكما أى فى الثَّوْب وفى جسدك وَأَنه أوسع من وَجه الأَرْض وَمثله لِابْنِ الرومى
(كَضمِيرِ الْفُؤَادِ يَلْتَهِمُ الدُّنْيا وَتحْوِيهِ دَفَّتا حَيْزُومِ)
وَمثله لِابْنِ المعتصم فى مرثية
(يَا وَاسعَ المَعْرُوفِ هَلْ وَسِعَ الثَّرَى فِى الأرْضِ صَدْرَكَ وَهْوَ مِنْها أوْسَعُ)
ولأبى تَمام
(وَرُحْبَ صَدْرٍ لوَ أنَّ الأرْضَ وَاسِعةٌ كَوُسْعِهِ لَمْ يَضِقْ عَنْ أهْلِهِ بَلَدُ)
٣٠ - الْإِعْرَاب من روى وقلبك بِالرَّفْع جعله ابْتِدَاء وَمن نَصبه عطفه على اسْم إِن فِيمَا قبله الْمَعْنى يَقُول قَلْبك قد أحاطت بِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ فِيهَا من جملَة مَا فِيهَا وَلَو دخلت الدُّنْيَا بالإنس وَالْجِنّ لضلت فِيهِ وَلم تدر كَيفَ ترجع مِنْهُ وَالضَّمِير فى درت للدنيا
[ ٢ / ٢٤٧ ]
- ٣١ - الْإِعْرَاب غَيْرك مَنْصُوب لِأَنَّهُ تقدم على الْمُسْتَثْنى كَقَوْل الْكُمَيْت
(فَمَا لىَ إلاَّ آلَ أحمَدَ شِيعَةٌ وَمالَى إلاَّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبُ)
وكما تَقول مَا فى الدَّار غير الْحَارِث أحد الْغَرِيب السَّمْح الذى يسمح بِمَالِه فَلَا يبخل على أحد الْمَعْنى يُرِيد أَن كل جواد سواك بَاطِل بِالْإِضَافَة إِلَيْك وكل مديح مدح بِهِ غَيْرك فَهُوَ ضائع لِأَنَّهُ فِيمَن لَا يستوجبه وَلَا يسْتَحقّهُ بِحَال من الْأَحْوَال وَهُوَ من قَول ابْن الرومى
(وكلُّ مَدِيحٍ لَمْ يَكُنْ فىِ ابْنِ صاعِدٍ وَلا فِى أبِيهِ صَاعِدٍ فَهْوَ هابِطُ)
١ - الْغَرِيب الهجوع النّوم الْمَعْنى يُرِيد أَن شوقى نفى عَنى لذيذ الْمَنَام وَلما فَارق الحبيب أَقَامَ الشوق فى قلبى لَيْسَ لَهُ عَنى انْتِقَال
٢ - الْغَرِيب الصراة نهر يَأْخُذ من الْفُرَات فينسكب فى دجلة بَينه وَبَين بَغْدَاد يَوْم وَآخره عِنْد بَاب الْبَصْرَة وَمحله بِبَغْدَاد بالجانب الغربى وَغلط فى تَفْسِيره الواحدى فَقَالَ هُوَ نهر يتشعب من الْفُرَات فَيصير إِلَى الْموصل ثمَّ إِلَى الشَّام ورقرق المَاء إِذا صبه وَكَذَا الدمع الْمَعْنى يُرِيد أَن حَبِيبه على نهر الصراة مُقيم فَلهَذَا قَالَ أَو مَا وجدْتُم ملوحة لِأَن دمع الْحزن ملح ودمع الْفَرح حُلْو كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح
٣ - الْمَعْنى قَالَ ابو الْفَتْح كنت أكره الْوَدَاع فَلَمَّا تطاول الْبَين أسفت أى حزنت على التوديع لما يَصْحَبهُ من النّظر والشكوى والبث قَالَ الواحدى لم أزل أحذر من وداعك خوف الْفِرَاق وَأَنا أشتاق الْآن إِلَى التوديع وأتأسف عَلَيْهِ لأنى لقيتك عِنْد الْوَدَاع فأتمنى ذَلِك لألقاك
[ ٢ / ٢٤٨ ]
- ٤ - الْإِعْرَاب أتبعته وتبعته قَالَ الْأَخْفَش هُوَ بِمَعْنى كَمَا تَقول ردفته وأردفته وَقَالَ غَيره تبِعت الْقَوْم إِذا مشيت خَلفهم أَو مروا بك فمضيت مَعَهم وَكَذَا أتبعتهم وَهُوَ من بَاب افتعلت وأتبعت الْقَوْم على أفعلت إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم وأتبعت أَيْضا غيرى يُقَال أتبعته الشئ فَتَبِعَهُ وَاخْتلف الْقُرَّاء فى قَوْله تَعَالَى ﴿فأتبع سَببا﴾ فَقَرَأَ الثَّلَاثَة الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر بِقطع الْألف وَالتَّخْفِيف وقرأه الْبَاقُونَ بالوصل وَالتَّشْدِيد الْمَعْنى يَقُول أتبعته أى جعلته تعابا لأنفاسى الَّتِى تنفست بهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَأَن أنفاسى أتبعت العزاء مشيعة لَهُ فهى مُتَّصِلَة دائمة وَقَالَ برحلتى أى مَعَ ارتحالى كَمَا تَقول سرت بمسيرك أى مَعَك أى فَكَمَا لَا ترجع إِلَى أنفاسى لَا يرجع إِلَى صبرى فَمَعْنَاه ارتحل الصَّبْر عَنى بارتحالكم
١ - الْإِعْرَاب ربوعا نصب على التَّمْيِيز يُرِيد من ربوع الْغَرِيب الملث الدَّائِم الْمُقِيم والربوع جمع ربع يُقَال ربع وربوع وَربَاع وَأَرْبع والنقيع المنقع الْمَعْنى يَقُول يَا سحابا دَائِم الْقطر أعطش هَذِه الربوع وَإِن لم تعطشها فاسقها السم النقيع فى المَاء وَإِنَّمَا دَعَا عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لما وقف بهَا وسألها لم تجبه وَلم تبك من رَحل عَنْهَا وَقَالَ ابْن وَكِيع لم يسْبق أَبَا الطّيب أحد فى الدُّعَاء على الديار بالسم وَلَو قَالَ حِجَارَة أَو صواعق لَكَانَ أشبه إِلَّا أَن جَرِيرًا قَالَ بعد مَا اسْتَأْنف لَهَا ذَنبا
(سُقِيتِ دَمَ الحَيَّاتِ مَا ذَنْبُ زَائِرًا يُلِمُّ فَيُعْطَى نائِلًا أنْ يُكَلَّمَا)
وَالْعرب من عَادَتهَا أَن تَدْعُو بالسقيا للديار كَقَوْل الآخر
(يَا مَنْرِلًا ضَنَّ بالسَّلامِ سُقِيتَ صَوْبا مِنَ الغَمامِ)
(مَا تَرَكَ المُزْنُ مِنْكَ إلاَّ مَا تَرَكَ السُّقْمُ مِنْ عِظامى)
[ ٢ / ٢٤٩ ]
- الْإِعْرَاب أضَاف إِلَى الضَّمِير وَالْأَصْل المتديرين فِيهَا أى متخذيها دَارا الْغَرِيب تذرى أى تلقى دموعا الْمَعْنى يَقُول إِذا سَأَلتهَا لَا تدرى مَا تَقول لِأَنَّهَا جماد لَا تبكى على من كَانَ بهَا فهى لَا تساعدنى على الْبكاء وَلَا ترد لى لجواب
٣ - الْغَرِيب أصل اللحاء القشر وَمِنْه لحوت الْعود إِذا قشرته ثمَّ صَار يسْتَعْمل فى الدُّعَاء والخود الْمَرْأَة الناعمة وَالْجمع خود وشموع اللعوب المزاحة الْمَعْنى يَقُول لحا الله الدَّار يَدْعُو عَلَيْهَا إِلَّا ماضيها وَهُوَ اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون جِنْسا لِأَن زمَان اللَّهْو والخود ربع الْإِنْس فاستثناه مِنْهُ لاشْتِمَاله عَلَيْهِ فَدَعَا على الدَّار إِلَّا مَا كَانَ لَهُ بهَا من زمن الْإِنْس وَوصل الْجَارِيَة الناعمة المحبوبة قَالَ ابْن وَكِيع مَا ضياها يوجبان لَهَا الدُّعَاء بالسقيا كَقَوْل البحترى
(فاذَا مَا السَّحابُ كانَ رُكاما فَسَقَى بالرَّبابِ دارَ الرَّبابِ)
٤ - الْغَرِيب الرداح ضخمة العجيزة قَالَ العديل
(رَداحُ التَّوَالى إِذا أدْبَرَتْ هَضِيمُ الْحَشَى شَخْتَهُ الْمُلْتَزم)
وَمِنْه كَتِيبَة رداح أى ثَقيلَة السّير لكثرتها والرداح الْجَفْنَة الْعَظِيمَة قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت
(إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلاءٍ لُبابَ الْبُرّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ)
الْمَعْنى يَقُول هى منعمة ممنعة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد وكلامها عذب إِذا سَمعتهَا الطير تتكلف الْوُقُوع إِلَيْهَا لعذوبة كَلَامهَا وَهَذَا مثل قَول كثير
(وأدْنَيْتِنى حَتَّى إِذا مَا مَلَكْتِنى بقَوْلٍ يُحِلُّ العُصْم سَهَلْ الأباطِحِ)
وَمثله للْآخر وَهُوَ كثير
(بعَيْنَينِ نَجْلاوَيْنِ لوْ رَقْرَقَتُهما لِنوءَ الثُّرَياَّ لاسْتَهَلَّ سَحَابها)
أَخذه ابْن دُرَيْد فى مقصورته وَبعده أَبُو الطّيب فَقَالَ ابْن دُرَيْد
(لَوْ ناجَتِ الأعْصَمَ لَا نْحَطَّ لَهَا طَوْعَ الْقِيادِ منْ شَمارِيخِ الذُّرى)
[ ٢ / ٢٥٠ ]
- الْغَرِيب الأرداف جمع ردف وهى العجيزة والوحاشان قلادتان تتوشح بهما الْمَرْأَة ترسل إِحْدَاهمَا على الْجنب الْأَيْمن وَالْأُخْرَى على الْأَيْسَر والشسوع الْبعيد الْمَعْنى يَقُول أردافها عَظِيمَة شاخصة عَن بدنهَا تمنع ثوبها وترفعه فَلَا يلاصق جَسدهَا حَتَّى يكون بَعيدا عَن قلائدها وَالْمعْنَى أَن أردافها تمنع الثَّوْب عَن أَن يلاصق بدنهَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول بعض الكلابيين
(أبَتِ الغَلائِلُ أنْ تَمَسَّ إذَا مَشَتْ مِنْها البُطُونَ وأنْ تَمَسَّ ظُهُورَها)
٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى لَهُ للثوب ونزوعا صفة للارتجاج الْغَرِيب ماست مشت متبخترة والارتجاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة الْمَعْنى يَقُول إِذا تبخترت ارتج بدنهَا واضطرب حَتَّى يكَاد ينْزع عَنْهَا ثوبها لَوْلَا سواعدها يُرِيد أَن الكمين فى الساعدين يمنعان عَنْهَا نزع الثَّوْب لِكَثْرَة ارتجاجها وحركتها وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَوْلا التَّمَنْطُقُ والسِّوَارُ مَعا والْحَجْلُ والدُّمْلُوجُ فِى الْعَضُدِ)
(لَتَزَايَلَتْ مِنْ كُلّ ناحِيَةٍ لَكِنْ جُعِلْنَ لَهَا عَلى عَمْدٍ)
٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تتألم للْمَرْأَة فى الْمَوْضِعَيْنِ الْغَرِيب الدرز مَوضِع الْخياطَة المكفوفة من الثَّوْب والتألم التوجع والعضب السَّيْف وَجمعه عضوب والصنيع الْمُحكم الصقال والصنعة الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا رقيقَة ناعمة يوجعها درز الْقَمِيص كَمَا يوجعها السَّيْف لرقة بَشرَتهَا فَإِذا نَالَ جسمها مَوضِع الْخياطَة آلمها وأوجعها وَقد قيل فى مثل هَذَا إِن سَابُور لما حصر صَاحب الْحصن بعثت إِلَيْهِ بنت صَاحب الْحصن وَكَانَت من أجمل النِّسَاء إِن عاهدتنى أَنَّك تتَزَوَّج بى أسلمت إِلَيْك المفاتيح فعاهدها على ذَلِك فَسَكِرَ أَبوهَا لَيْلَة ونام فَدفعت المفاتيح إِلَى سَابُور فَأخذ الْمَدِينَة وَتزَوج بهَا فَبينا هى مَعَه ذَات لَيْلَة على فرَاش الْحَرِير تألمت وتوجعت وقلقت فَدَعَا بالشمع وَنظر إِلَى مضجعها فَرَأى ورقة ورد على الْفراش قد نَالَتْ جسمها فأثرت فِيهِ فقلقت لذَلِك فَقَالَ لَهَا مَا كَانَ يغذيك بِهِ أَبوك فَقَالَت لَهُ لب الْبر بالعسل وَالْخمر فَقَالَ وَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْك مَا جازيته فَأَخذهَا وَشد ضفائرها إِلَى أَذْنَاب الْخَيل وَلم يزل يطرد الْخَيل حَتَّى قطعتها قطعا
[ ٢ / ٢٥١ ]
- الْمَعْنى يَقُول ذِرَاعا هَذِه الْمَرْأَة عدوان لدملجيها لعظمهما وغلظهما يكادان يقصمان الدملجين لامتلائهما فَإِذا نَامَتْ عِنْد أحد يظنّ أَن زندها لسمنه هُوَ الضجيع لَهُ لَا هى
٩ - الْإِعْرَاب يضئ لَازم لَا يتَعَدَّى والبدر مَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف أى بِأَن يمْنَع الْبَدْر من الطُّلُوع الْمَعْنى يَقُول نقابها يشرق ضياؤها من تَحْتَهُ كَمَا يشرق الْبَدْر تَحت الْغَيْم الرَّقِيق شبه النقاب على وَجههَا بالغيم الرَّقِيق على الْبَدْر وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الدمينة
(مُبَرْقَعَةٌ كالشَّمْسِ تَحْتَ سَحابَةٍ وكالبَدْرِ فِى جَنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلم)
وَأَخذه التهامى وَأحسن فِيهِ بقوله
(قَوْمٌ إذَا لَبِسُوا الدُّرُوعَ تَخالُهَا سُحُبا مُزَرَّرَةً عَلى أقْمارِ)
وَقَالَ بشار
(بَدا لَكَ ضَوْءُ مَا احْتَجَبْتَ عَلَيْهِ بُدُوَّ الشَّمْسِ مِنْ خَلَلِ الغَمامِ)
١٠ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع خضوعا تَمْيِيز تَقْدِيره بِأَكْثَرَ خضوعا الْمَعْنى خضوعى فى قولى أَكثر من تدللها على كثرته
١١ - الْمَعْنى يَقُول إحْيَاء النُّفُوس مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يخَاف مِنْهُ وَمعنى إِذا وصلتنى كنت قد أحييتنى وإحياء النَّفس طَاعَة لله تَعَالَى وَالله لَا يعْصى بِالطَّاعَةِ وَمثله لآخر
(مَا حَرَامٌ إحْياءُ نَفْسٍ وَلَكِنْ قَتْلُ نَفْسٍ بغيرِ نَفْسٍ حَرَامُ)
١٢ - الْغَرِيب الْخُلُو الخالى من هم الْمحبَّة والمستهام الهائم الذَّاهِب الْعقل والخليع الذى قد خلع العذار وتظاهر بالانتهاك فى الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول قد أصبح يحبك كل خَال من الْهوى محبا لَك مستهاما والمستور الذى كَانَ يخفى الْهوى انهتك وَافْتَضَحَ بمحبتك قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(غَدَا بِكِ كُلُّ خِلْوٍ فِى اشْتِغالٍ وأصْبَحَ كُلُّ ذِى نَسْلٍ خَلِيعا)
لَكَانَ أحسن فى الصَّنْعَة
[ ٢ / ٢٥٢ ]
- الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح إِلَى أَن يَقُولُوا فَحذف أَن وأعملها وَهَذَا على مَذْهَبنَا وَقَالَ الواحدى حَتَّى يَقُولُوا وَقد علق زَوَال حبه بِمَا لَا يجوز وجوده وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك الْغَرِيب ثبير جبل عَظِيم مَعْرُوف بالحجاز وَقد ذكره الشُّعَرَاء فى أشعارهم الْمَعْنى يَقُول أحبك إِلَى أَن يَقُولُوا جر النَّمْل ثبيرا أَو أخيف ابْن إِبْرَاهِيم وَهَذَا مُسْتَحِيل وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك لِأَن الْجَبَل لَا يجره النَّمْل والممدوح لَا يرتاع
١٤ - الْغَرِيب الصيت الذّكر الْحسن والسرايا جمع سَرِيَّة الْمَعْنى يَقُول هُوَ كثير الغارات وسراياه مبثوثة فى الْآفَاق فَإِذا ذكر اسْمه للطفل شَاب وَهُوَ من قَول المهدى
(أَلا شَغَلَتنا عَنكَ بالدَّارِ كَبَّةٌ يَشِيبُ لَهَا قَبْل الفِطامِ وَلِيدُها)
١٥ - الْغَرِيب الدهى وَالْمَكْر إخفاء السوء والخشوع الذل الْمَعْنى يَقُول هُوَ يخفى مكره وَهُوَ يغض الطّرف حَتَّى يرى أَنه خاشع وَلَيْسَ بخاشع وَلَيْسَ فى هَذَا الْبَيْت مدح لِأَنَّهُ قَالَ يغض طرفه مكرا ودهاء وَإِنَّمَا الْمَدْح فى قَول الفرزدق
(يُغْضِى من مهابته فَمَا يكلم إِلَّا حِين يبتسم ) وَقَول ابْن الرُّومِي فِي هَذَا جيد
(ساه وَما يَتَّقى فىِ الرأىِ سَقطَتَهُ داهٍ وَما يَنطَوِى مِنهُ عَلى رَيبِ)
(فَدَهْيُهُ للدَّوَاهى الرُّبدِ يَدْرَؤُها وَسِهوُهُ عَنْ عُيوبِ النَّاسِ والعَيْبِ)
د
١٦ - الْغَرِيب قدك حَسبك وَكَفاك والمذيع الْمظهر الْمَعْنى يَقُول إِن سَأَلته جَمِيع مَاله كَفاك كالمذيع إِن سَأَلته عَن سر أفشاه وَلم يَكْتُمهُ فَهُوَ كَذَلِك يعطيك مَا يملكهُ وَلَا يبخل بِهِ
[ ٢ / ٢٥٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول لاستلذاذه الْعَطاء يرى قبولك عطاءه منا عَلَيْهِ وَإِن لم يَبْتَدِئ بالعطاء قبل المسئلة فَهُوَ عِنْده مَكْرُوه فظيع وَضرب هَذَا مثلا وَمثله لحبيب
(يُعْطِى وَيَشْكُرُ مَنْ يأْتِيهِ يَسأَلُهُ فَشُكْرُهُ عِوَضٌ وَمالُهُ هَدَرُ)
١٨ - الْمَعْنى هَذَا الْكَلَام لَهُ سَبَب وَذَلِكَ أَن هَذَا الممدوح جَاءَهُ حمل فِيهِ ذهب ودراهم ففرش نطوعا وَجعلهَا عَلَيْهِ فَاعْتَذر المتنبى لَهُ وَقَالَ لَيْسَ لكرامته فرشها وَإِنَّمَا هُوَ إهانة ليهينه فى الْعَطاء والتفرقة على القصاد وَمَا فعل هَذَا ليحفظه من الضّيَاع ويدخره وَإِنَّمَا يحفظه ليفرقه على السُّؤَال والقصاد ثمَّ احْتج لهَذَا بقوله
(إِذا ضرب )
وَهُوَ قريب من قَول ابى الجهم
(وَلا يَجْمَعُ الأمْوَالَ إلاَّ لِبَذْلِهَا كمَا لَا يُساقُ الهَدْىُ إلاَّ إِلَى النَّحْرِ)
١٩ - الْمَعْنى يَقُول مَا بسط الأنطاع كَرَامَة لِلْمَالِ وَإِنَّمَا بسطها للتفرقة وَكَذَلِكَ إِذا ضرب الرّقاب وَمد الأنطاع فَلَيْسَ لكرامتهم وَلَكِن ليصان الْمجْلس من الدَّم والنطوع جمع نطع وَيجمع أَيْضا على أنطاع وَيُقَال نطع بِفَتْح النُّون والطاء وبكسر النُّون وَفتح الطَّاء وبفتح النُّون وَسُكُون الطَّاء وَكسر النُّون وَسُكُون الطَّاء
٢٠ - الْغَرِيب القريع الْفَحْل الْكَرِيم وَهُوَ هُنَا السَّيِّد الشريف الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يهب إِلَّا المَال الْكثير وَلَيْسَ يقتل إِلَّا الشريف الْعَظِيم وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(حذارِ مِنْ أسَدٍ ضِرْغامَةٍ شَرِسٍ لَا يُولِغُ السَّيْفَ إلاَّ هامةَ البْطَلِ)
وَبَيت المتنبى أمدح لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ الْكَرم وَالْهِبَة
٢١ - الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف والصمصامة السَّيْف والقطيع السَّوْط يقطع من جُلُود الْإِبِل والتعب مفعول ثَان وَالْمعْنَى يَقُول قد أَقَامَ سَيْفه فى التَّأْدِيب مقَام سَوْطه وَالسيف يغنى السَّوْط عَن التَّعَب // وَهَذَا مُبَالغَة // فى وَصفه بِشدَّة الْبَأْس على المذنبين
[ ٢ / ٢٥٤ ]
- الْمَعْنى يَقُول الممدوح واسْمه على مَا يمْنَع أحدا مَا يأتى لمبارزته وَلَكِن يمنعهُ الرُّجُوع سالما لشجاعته وفروسيته فَمَا يبارزه أحد فَيرجع عَنهُ سالما
٢٣ - الْغَرِيب المفدى الذى تفديه النَّاس بِأَنْفسِهِم لما يرَوْنَ من شجاعته وَشدَّة بأسه الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقتل البطل الْكَرِيم عِنْد قَوْله ويسلبه درعه ويكسوه بدله دِمَاء
٢٤ - الْغَرِيب إِذا اعوج أى انحنى وَذَلِكَ أَن الرمْح إِذا طعن بِهِ اعوج والتوى وَقَوله جَازَ إِلَى ضلوعهم يُرِيد نفذ من هَذِه كَأَنَّهُ شقّ الضلع من الْجَانِبَيْنِ قَالَ الواحدى قَالَ المتنبى كنت قلت وأشْبَهَ فِى ضُلُوعِهمِ الضُّلُوعا )
ثمَّ أنشدت بَيْتا لبَعض المولدين مثله فرغبت عَن قَوْله أشبه الْبَيْت للبحترى وَهُوَ
(فى مأْزِقٍ ضَنْكٍ تَخالُ بِهِ الْقَنَا بينَ الضُّلُوعِ إذَا انْحَنَيْنَ ضُلُوعا)
٢٥ - الْمَعْنى يَقُول لشدَّة الطعْن اندقت الرماح فى الأكباد فَكَأَن الأكباد أدْركْت بذلك مِنْهَا ثارا // وَهُوَ معنى حسن //
٢٦ - الْإِعْرَاب فحد الْفِعْل عَامل فى الظّرْف وَهُوَ قَوْله
(إِذا اعوج )
وَالتَّقْدِير إِذا اعوج القنا وَجَاز الطعْن إِلَى الضلوع ونالت الأكباد فحد عَنهُ وثنى الخيلين لإِرَادَة الجمعين الْغَرِيب الخبعثنة من أَوْصَاف الْأسد وَهُوَ الشَّديد والشجيع الشجاع الْمَعْنى إِذا التقى الْجَمْعَانِ فحد عَنهُ وتباعد وَإِن كنت قوى الْقلب كالأسد وَيُقَال إِن الخبعثنة النمر وَهُوَ أوقح السبَاع
٢٧ - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن ترمقه فَحذف وَرفع الْفِعْل وَلَو نَصبه على مذْهبه لَكَانَ جَائِزا وبعيدا حَال أى فى حَال بعْدك عَنهُ وَيجوز على إِسْقَاط الْخَافِض أى من بعيد الْمَعْنى إِن استجرأت أى صرت جريئا وقدرت على النّظر إِلَيْهِ فى الْحَرْب من بعيد فقد قدرت على شئ عَظِيم لم يقدر عَلَيْهِ أحد وَهُوَ من قَول الطائى
(أمَّا وَقَدْ عِشْتَ يَوْما بَعْدَ رُؤْيَتِهِ فافْخَرْ فإنَّكَ أنْتَ الفارِسُ النَّجِدُ)
[ ٢ / ٢٥٥ ]
- الْغَرِيب الحصان بِالْكَسْرِ الْكَرِيم من الْخَيل وسمى بذلك لِأَنَّهُ ضن بمائه فَلم ينز إِلَّا على كَرِيمَة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سموا كل ذكر من الْخَيل حصانا الْمَعْنى يَقُول إِن مَا ريتني فى قولى والمماراة المجادلة فاركب فرسا وَمثل صورته فَإنَّك تَخِر صَرِيعًا قبل ملاقاته
٢٩ - الْإِعْرَاب غمام خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هُوَ غمام الْغَرِيب المريع الممرع وَهُوَ المخصب الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول هُوَ غمام ندى وَلَكِن الْغَمَام رُبمَا تكون فِيهِ صواعق مهلكة وأحجار برد كَذَلِك هُوَ رُبمَا مطر نقمة على الْأَعْدَاء فصير مطره الْبَلَد المخصب قحطا ممحلا
الْغَرِيب القطوع جمع الْقطع وَهُوَ الطنفسة تَحت الرحل تيَمّمه قَصده الْمَعْنى يَقُول هُوَ رآنى بعد مَا طَال سفرى حَتَّى قطع رواحلى قصدى إِيَّاه وَقطعت الرَّوَاحِل طنافسها يعْنى أبلتها لِكَثْرَة السّير وَطول الْمسَافَة
٣١ - الْغَرِيب الغدير هُوَ مَا يبْقى من السَّيْل بعده وَالربيع فصل الخصب والأمطار الْمَعْنى يَقُول أعطانى حَتَّى ملأنى بالعطاء كَمَا يمْلَأ السَّيْل الغدير وَصَارَ دهرى كالربيع لطيبه وسعة عيشى فِيهِ ونحا فِيهِ منحى قَول ابْن الرومى
(فَضَيْفُهُ فِى رَبِيعٍ طُولَ مُدَّتِهِ وَجارُهُ كُلَّ حِينٍ مِنهُ فى رَجَبِ)
وَمثله لأبى هفان
(لِرَبيعِ الزَّمان فِى الجَوْلِ وَقْتٌ وابْنُ يَحْيَى فِى كُلّ وَقْتٍ رَبِيعُ)
وللبحترى
(وكَمْ لَبِسْتُ الخَفْضَ فِى ظِلِّهِ عُمْرِى شَبابٌ وَزَمَانِى رَبِيعُ)
[ ٢ / ٢٥٦ ]
- الْمَعْنى يَقُول لم يلْحق أخذى إعطاءه حَتَّى أغرق أخذى أى كَانَ هُوَ فى الْإِعْطَاء أسْرع منى فى الْأَخْذ جعل الْإِعْطَاء من الممدوح وَالْأَخْذ مِنْهُ مجاودة يُرِيد أَن أخذى مِنْهُ كالجود منى عَلَيْهِ
٣٣ - الْغَرِيب الكناس محلّة بِالْكُوفَةِ وَكَذَا حضر موت وَكِنْدَة محلّة غربى الْكُوفَة والسبيع سوق بِالْكُوفَةِ ومحلة كَبِيرَة وكل هَذِه الْمَوَاضِع سميت بأسماء من سكنها الْمَعْنى يَقُول أَنْت أنسيتنى بإحسانك والدتى وبلدى وَهُوَ من قَول الراعى
(رَجاؤُكَ أنْسانَى تَذَكُّرَ إخْوَتِى وَمالُكَ أنْسانِى بِوَهْبِيْنِ مالِياَ)
وَمثله للبحترى
(جَفُوتُ الشَّامَ مُرْتَبَعِى وأُنْسِى وَعَلْوِةِ خَلْوَتِى وَهَوَى فُؤَادِى)
(وَمِثْلُ نَدَاكَ أذْهَلَنِى حَبِيبِى وأكْسَبَنِى سُلُّوّا عَنْ بِلادَى)
٣٤ - الْغَرِيب سلبت الشئ سلبا بِسُكُون اللَّام وَالسَّلب بِفَتْح اللَّام المسلوب والهجوع النّوم الْمَعْنى يَقُول قد بالغت فى قتل الأعادى وَأخذ سلبهم حَتَّى سلبتهم كل شئ تهب لَهُم النّوم فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ خوفًا مِنْك
٣٥ - الْغَرِيب الهلوع الْجزع الْمَعْنى يَقُول إِذا أَنْت لم تغزهم بالجيوش غزوتهم بالفزع وَالْخَوْف فَلَا يزالون خَائِفين جزعين مِنْك وَهُوَ قريب من قَول الطائى
(لَمْ يَغْزُ قَوْما وَلمْ ينهَضْ إِلَى بَلَدٍ إلاَّ تَقَدَّمَهُ جَيْشٌ مِنَ الرُّعُبِ)
٣٦ - الْغَرِيب النواصى جمع نَاصِيَة وهى مقدم الرَّأْس وَالْفُرُوع جمع فرع وَهُوَ الشّعْر الْمَعْنى يَقُول قد رضواب بك كارهين كَمَا يصبر الْإِنْسَان على الشيب كَارِهًا إِذا جلل رَأسه وَلَا يقدر على دَفعه وَكَذَلِكَ أَنْت لَا يقدرُونَ على دفعك
[ ٢ / ٢٥٧ ]
- الْغَرِيب الأعزل الذى لَا سلَاح مَعَه والعزل مصدر الأعزل وَمنع الرجل يمْنَع مناعة فَهُوَ منيع الْمَعْنى يَقُول إِذا كنت أعزل بِلَا سلَاح فلحاظك يقوم مقَام السِّلَاح لِأَنَّك إِذا نظرت إِلَى عَدوك خافك هَيْبَة لَك فصرت منيعا بِهِ فَلَا تحْتَاج مَعَه إِلَى سلَاح // وَهَذِه مُبَالغَة // وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر
(لَحَظاتُ طَرْفِكَ فِى الْوَغَى تُغْنِيكَ عَنْ سَلّ السُيوفِ)
(وَعَزِيمُ رأيِكَ فِى النُّهَى يَكْفِيكَ عاقِبَةَ الصُّرُوفِ)
(وَسُيُولُ كَفِّكَ فِى الْوَرَى بَحْرٌ يَفِيضُ عَلى الضَّعِيفَ)
٣٨ - الْغَرِيب المغافر جمع مغفر وَهُوَ مَا يكون على رَأس الْفَارِس من حَدِيد وَهُوَ من الغفر وَهُوَ التغطية والدروع جمع درع وَهُوَ مَا يكون على الْفَارِس من حَدِيد وَغَيره الْمَعْنى يَقُول لَو أخذت ذهنك بَدَلا من حسامك لقطع المغافر الَّتِى على الرُّءُوس والدروع الَّتِى على الْأَجْسَام يصفه بالذكاء والفطنة وحدة الذِّهْن
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول جهدك أى طاقتك لَو استفرغته فى قتال لأتيت على أهل الدُّنْيَا كلهم
٤٠ - الْغَرِيب تسمو تعلو وتلفى تُوجد وَمِنْه قَوْله ﷾ ﴿مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الْمَعْنى قد علت همتك فآنت لَا تقنع بمرتبة وَاحِدَة وَقَوله ﴿فتسموا﴾ يجوز أَن يكون خطابا لَهُ وَيجوز أَن يكون خَبرا عَن الهمة
٤١ - الْإِعْرَاب جواد رَفعه على معنى لَيْسَ ورفيع نَصبه بِغَيْر تَنْوِين وَالْألف فِيهِ للوصل وَالْإِطْلَاق وَلَيْسَ هُوَ بِبَدَل عَن تَنْوِين كَمَا هُوَ فى قَوْلك رَأَيْت زيدا وَهُوَ مبْنى مَعَ لَا على مَذْهَب الْبَصرِيين وَعِنْدنَا مُعرب الْمَعْنى يَقُول أَنْت بجودك قد أنسيت اسْم الْجواد فَلَيْسَ جود إِلَّا جودك فَكيف محا ارتفاعك اسْم الِارْتفَاع عَن النَّاس
[ ٢ / ٢٥٨ ]
- ١ - الْغَرِيب الركائب جمع الرّكُوب وهى الْإِبِل تطس تدق والوطس الدق واليرمع حِجَارَة بيض صغَار رخوة الْمَعْنى يَقُول الدُّمُوع تفعل بالخدود كَمَا يفعلن بِالْحِجَارَةِ يُخَاطب الركائب يَقُول تَأْثِير الدُّمُوع بالخدود كتأثير كن بِالْحِجَارَةِ وَهَذِه القصيدة من الْبَحْر الْكَامِل والقافية من المتدارك
٢ - الْغَرِيب النَّوَى الْبعد وهى مُؤَنّثَة الْمَعْنى يَقُول لِلْإِبِلِ اعرفن من حمل عليكن الْفِرَاق من هَذِه المحبوبة فاعرفن قدرهَا وارفقن بمشيكن فَإِنَّهَا لينَة رقيقَة فَلَا تصبر على الْأَذَى فامشين رويدا خاضعة حَتَّى لَا يَضرهَا السّير وَهُوَ تَأْدِيب للمطايا
٣ - الْغَرِيب البكا يمد وَيقصر وَالْأَشْهر الْمَدّ الْمَعْنى يَقُول قد كَانَ حيائى يغلب بكائى فاليوم بكائى يغلب حيائى فقد غلب الْبكاء الْحيَاء
٤ - الْغَرِيب الرنة فعلة من الرنين وَهُوَ صَوت الباكى الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة بكائى لكل عظم من عظامى رنين يرن وَلكُل عرق مدمع بدمع بكائى قَالَ ابْن وَكِيع وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن المعتز
(ومُتّيَّم جَرَحَ الفِرَاقُ فُؤَاده فالدَّمْعُ مِن أجْفانه يَترَقْرَقُ)
وَإِلَى قَول الآخر
(وكأنّ لى فى كلّ عُضْوٍ واحدٍ قَلْبا يَرِنُّ وناظرًا مَا يَطْرِف)
٥ - الْغَرِيب الجداية ولد الظبى الْمَعْنى يَقُول من فَضَح حسنه الظباء بِحسن جيده وعيونه فحقيق أَن يفضحنى وَمن فَضَح الظباء فحسنه فاضح لمن أحبه وَكفى بمصرعى فى حبه مصرعا وَالْمعْنَى أَنه غَايَة فى الْحسن وَأَنا غَايَة فى الْعِشْق
[ ٢ / ٢٥٩ ]
- الْغَرِيب سفرت ظَهرت وَمِنْه
(وَالصُّبْح إِذا أَسْفر )
والبرقع نقاب تتخذه نسَاء الْأَعْرَاب يستر الجبين والحواجب وَالْوَجْه فِيهِ ثقبان للعينين الْمَعْنى يَقُول لما أَلْقَت خمارها وأسفرت عَن وَجههَا برقعها الْحيَاء بصفرة سترت محاسنها فَقَامَتْ الصُّفْرَة مقَام البرقع وَذَلِكَ أَنَّهَا لما جزعت للفراق تغير وَجههَا
٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى كَأَنَّهَا للصفرة والدمع يقطر فى مَوضِع الْحَال الْمَعْنى وصف صفرَة وَجههَا من الْحيَاء بِالذَّهَب وَشبه الدمع عَلَيْهِ بِاللُّؤْلُؤِ فَكَأَن صفرتها والدمع فَوْقهَا ذهب مرصع بلؤلؤ وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(حَصْباءُ دُرّ على أرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ )
٨ - الْمَعْنى أَن اللَّيْلَة صَارَت بذوائبها الثَّلَاث أَربع لَيَال كل ذؤابة كَأَنَّهَا ليل بسوادها وَهَذَا من قَول أَبى زرْعَة
(فَبِتُّ وَلِى لَيْلانِ بالشَّعْرِ والدُّجَى وصبحان من صبح وَوجه حبيب)
وَلابْن الْمعز
(فَمَا زلت فِي لَيْلَتَيْنِ بالشعر والدجى وَشمْسَينِ مِنْ كأْسٍ وَوَجهِ حَبيبِ)
٩ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يجوز أَن يُرِيد بالقمرين الْقَمَر وَالشَّمْس وهى وَجههَا وَجعل وَجههَا شمسا فى الْحسن والضياء وَيجوز أَن يشبه وَجههَا بالقمر فهما قمران فى وَقت وَاحِد وَهَذَا كَقَوْلِه الآخر
(وَإذا الغَزَالَةُ فِى السَّماءِ تَرَفَّعَتْ وَبَدَا النَّهارُ لِوَقْتِهِ يَترَحَّلُ)
(أبدَتْ لوَجْهِ الشَّمسِ وَجْها مِثْلَهُ يَلْقَى السَّماءَ بِمِثْلِ مَا تَسْتَقْبِلُ)
وَهَذَا الْمَعْنى كثير جدا قَالَ الشَّاعِر
(باتَتْ تُرِينِى ضِياءَ البَدْرِ طَلْعَتُها حَتَّى إذَا غابَ عَنْ عَيْنى أرتَنْيِهِ)
وَقَالَ البحترى
(وَباتَتْ تُرِينى البَدْرُ طالِعُ وَقامَتْ مَقامَ البَدْر لَمَا تَغَيَّبا)
وَقَالَ ابْن المعتز
(باتَتْ يُرِينِيها هِلالُ الدُّجَى حَتَّى إذَا غابَ أرَتْنِيهِ)
وَقَالَ أَحْمد بن طَاهِر
(وَمُطْلِعَةٍ باللَّيْلِ وَهِىَ تُعِلُّنِى ثَلاثَ شُمُوسٍ وَجْنَتَيْها وَرَاحَها)
ولأبى دلف
(طَلَعَتْ والشَّمْسُ طالِعَةٌ مَنْ رأى شَمْسَيْنِ فِى بَلَدِ)
وَلمُسلم فَبِتُّ أُسِرُّ البَدْرَ طَوْرًا حَدِيثَها وَطَوْرًا أُناجى البَدْرَ أحْسِبُها البَدْرَا)
وللبحترى
(بِتْنا وَلى قَمَرانِ وَجْهُ مُساعِدِى والبَدْرُ إذْ أوْفَى التَّمامَ وأكمَلاَ)
[ ٢ / ٢٦٠ ]
- الْغَرِيب الْعَارِض السَّحَاب وأقشع أقلع وتفرق الْمَعْنى يَقُول أعيدى لنا الْوِصَال الذى كَانَ لنا مِنْك فَلَو كَانَ وصلك دَائِما مثل دوَام هَذَا السَّحَاب لَكَانَ لَا يَزُول وَلَا يَنْقَطِع
١١ - الْغَرِيب زجل يسمع لَهُ زجل وَهُوَ صَوت الرَّعْد والملا المتسع من الأَرْض والتلعات جمع تلعة وهى مَا ارْتَفع من الأَرْض والممرع المخصب الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّحَاب لَهُ صَوت برعده ويملأ الجو ببرقه حَتَّى يرى نَارا ويملأ المتسع من الآرض بِالْمَاءِ حَتَّى يصير كالبحر ويمرع التلاع أى يخصبها ويطلع عَلَيْهَا النَّبَات لِأَنَّهُ يعم العالى والمنخفض لِكَثْرَة سيله وَجمع فى هَذَا الْبَيْت مَا فرق غَيره وأبدع فِيهِ قَالَ الطائى
(آضَ لَنا مَاء وكانَ بارَقا )
يَقُول رَجَعَ مَاء بعد الْبَرْق وَقَالَ ابْن دُرَيْد
(كأنَّمَا البَيْدَاءُ غِبَّ صَوْبِهِ بَحْرٌ طَما تَيَّارُهُ ثُمَّ سَجَا)
١٢ - الْغَرِيب الغدق الْكثير من المَاء وَمِنْه قَوْله جلّ وَعلا ﴿مَاء غدقا﴾ أى كثيرا الْمَعْنى وصف بنان الممدوح بِكَثْرَة عطائه فشبهه فى كَثْرَة عطائه بالسحاب الْكثير المَاء وَهُوَ // مخلص حسن // وَمثله للبحترى قَالَ
(كأنَّها حِينَ لَجَّتْ فِى تَدَفُّقِها أيْدِى الخَلِيفَةِ لَمَّا سالَ وَادِيها)
وللطائى
(بَنانُ مُوسَى إذَا اسْتَهَلَّتْ لِلنَّاسِ أغْنَتْ عَنِ الْغُيُوثِ)
[ ٢ / ٢٦١ ]
- الْإِعْرَاب مذ ومنذ عندنَا أَنَّهُمَا يرْتَفع الِاسْم بعدهمَا بإضمار فعل مُقَدّر مَحْذُوف وَقَالَ البصريون هما اسمان يرْتَفع مَا بعدهمَا لِأَنَّهُ خبر عَنْهُمَا ويكونان حرفين جارين فَيكون مَا بعدهمَا مجرورا بهما وَحجَّتنَا أَنَّهُمَا مركبان من من وَإِذ تغيرا عَن حَالهمَا فى إِفْرَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا فحذفت الْهمزَة ووصلت من بِالذَّالِ وضمت الْمِيم للْفرق بَين حَالَة الْإِفْرَاد والتركيب وَالدَّلِيل على أَنَّهَا مركبة من من وَإِذ أَن من الْعَرَب من يَقُول فى مُنْذُ مُنْذُ بِكَسْر الْمِيم فَدلَّ على أَنَّهَا مركبة وَإِذا ثَبت أَنَّهَا مركبة كَانَ الرّفْع بعدهمَا بِتَقْدِير فعل لِأَن الْفِعْل يحسن بعد إِذْ وَالتَّقْدِير مَا رَأَيْته مذ مضى يَوْمَانِ ومذ مضى شَهْرَان وَإِذا كَانَ الِاسْم بهما مخفوضا كَانَ الْخَفْض بهما اعْتِبَارا بِمن وَلِهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْخَفْض بمنذ أَجود لظُهُور نون من فِيهَا وَالرَّفْع بمذ أَجود لحذف النُّون مِنْهَا تَغْلِيبًا لإذ وَيدل على أَن أصل مذ ومنذ وَاحِد أَنَّك لَو سميت بهما قلت فى تَصْغِير مذ منيذ وفى تكسيره أمناذ فَترد النُّون المحذوفة لِأَن التكسير والتصغير يردان الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا وَحجَّة الْبَصرِيين أَنَّهُمَا مَعْنَاهُمَا الأمد إِذا قلت مَا رَأَيْته مذ يَوْمَانِ أمد انْقِطَاع الرُّؤْيَة يَوْمَانِ والأمد فى مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ فَكَذَلِك مَا قَامَ مقَامه وَإِذا ثَبت أَنَّهُمَا مرفوعان بِالِابْتِدَاءِ وَجب أَن يكون مَا بعدهمَا خَبرا الْغَرِيب اللبان بِكَسْر اللَّام جمع اللَّبن الذى شربه وَقيل لَا يُقَال لبان إِلَّا للْمَرْأَة وَجمع لبن الْحَيَوَان ألبان والمروة الْكَرم الْمَعْنى يَقُول قد ألف الْكَرم ناشئا من صغره فَكَأَنَّهُ سقيه فى اللَّبن الذى شربه رضيعا وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب ﴿لَبِسَ الشَّجاعَةَ إنَّها كانَتْ لَهُ قَدْما نَشُوغا فِى الصّبا وَلَدُوداَ﴾
١٤ - الْغَرِيب التمائم جمع تَمِيمَة وهى مَا يعلق على الصبى من الْعين والفزع وهى العوذ الْمَعْنى قَالَ الواحدى من روى نظمت على مَا لم يسم فَاعله بِضَم النُّون فَالْمَعْنى أَن هباته وَمَا يَفْعَله من الْإِعْطَاء جعلت لَهُ بِمَنْزِلَة التمائم الَّتِى تعلق على من خَافَ شَيْئا فَإِذا سَقَطت عَنهُ عَاد الْخَوْف يُرِيد أَنه ألف الْإِعْطَاء واعتاده حَتَّى لَو ترك ذَلِك كَانَ بِمَنْزِلَة من سَقَطت تمائمه وَمن روى بِفَتْح النُّون فَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يعْنى من حصلت لَهُ الْمَوَاهِب من الْحَمد والمدح وَالثنَاء والأشعار وأدعية الْفُقَرَاء فَهُوَ إِذا لم يسمع مَا تعود أنكر ذَلِك فَكَانَ كمن ألْقى تميمته فَيفزع وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(تَكادُ عَطاياهُ يُجَنُّ جُنُونُها إذَا لَمْ يُعَوّذْها بِنَغْمَةِ طالِبِ)
[ ٢ / ٢٦٢ ]
- الْغَرِيب الصَّنَائِع جمع صَنِيعَة وهى الأيادى والقواطع السيوف وبارقات مشرقات والعوالى الرماح شرعا منتصبة الْمَعْنى يُرِيد أَنه جعل أياديه مشرقة لامعة ومعاليه مرتفعه لاشتهارها بَين النَّاس وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحارب أعداءه وحساده بالصنائع كَمَا يحارب بِالسُّيُوفِ والرماح
١٦ - الْإِعْرَاب مُتَبَسِّمًا يجنز أَن يكون حَالا من قَوْله
(ترك الصَّنَائِع )
وَيجوز أَن يكون بِفعل مُضْمر تَقْدِيره تَلقاهُ مُتَبَسِّمًا الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ السَّائِل والواضح الثغر ويعشى يذهب لمعانه نور أبصارها واللمع اللوامع الْمَعْنى هُوَ يتبسم عَن ثغر وَاضح يذهب لمعانه لمعان الْبَرْق واستعار العشا للبرق وَنَقله من قَول الْأَحْنَف
(مُتَسْرْبِلِينَ سَوَابِغًا ماذِيَّةُ تُعْشِى القَوَانِسُ فَوْقَها الأبْصاَرَا)
١٧ - الْمَعْنى أَنه يظْهر للأعداء الْعَدَاوَة ويجاهرهم بهَا فَلهُ سطوة لَو زاحم منكبها السَّمَاء لحركها وَهُوَ يظْهر الْعَدَاوَة لَهُم لَا يكتمها واستعار لسطوته منكبا لما جعلهَا تزاحم الساء لِأَن الزحام يكون بالمناكب
١٨ - الْإِعْرَاب الحازم وَمَا بعده نصب على الْمَدْح الْغَرِيب الحازم ذُو الحزم فى أُمُوره واليقظ الْكثير التيقظ وَهُوَ الذى لَا يغْفل عَن أُمُوره والألد الشَّديد الْخُصُومَة والأريحى الذى يرتاح للمعروف وَالْكَرم أى يَهْتَز لَهما ويتحرك والأروع الذى يروعك بجماله وَقيل هُوَ الحاد الذكى
١٩ - الْغَرِيب اللبق الْخَفِيف فى الْأُمُور والهبرزى السَّيِّد الْكَرِيم وَقيل الوسيم وَقَالَ جرير
(لَقَدْ وَلِىَ الخِلافَةَ هِبْرِزِىٌّ ألَفُّ العِيصِ ليسَ مِنَ النَّوَاحِى)
والمصقع الفصيح واللبيب الْعَاقِل والندس الْفَهم
[ ٢ / ٢٦٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول الزَّمَان من عَادَته إفناء الْأَشْيَاء وَكَذَلِكَ هَذَا الممدوح يقتل أعداءه وَيفرق مَاله يصف كرمه وَكَثْرَة غاراته وَهُوَ قريب من قَول الحكمى
(وَما هُوَ إلاَّ الدَّهْرُ تَأتِى صُرُوفُهُ عَلى كُلّ مَنْ يَشْقَى بِهِ وَيُعادِى)
٢١ - الْغَرِيب روى الخوارزمى الْعِمَارَة بِفَتْح الْعين يُرِيد الْقَبِيلَة كَأَنَّهُ قَالَ يسقى الْمَكَان الذى فِيهِ النَّاس الْمَعْنى يَقُول هُوَ يعْطى كل أحد كَمَا أَن الْغَمَام يسقى كل أحد وَالْمَكَان البلقع هُوَ الخالى الذى لَا عمَارَة فِيهِ وَمثله لِابْنِ المعتز
(وَيُصِيبُ بالجُودِ الفَقِيرَ وَذَ الْغِنَى كالغَيْثِ يَسْقِى مُجْدناِ وَمَرِيعا)
وَلآخر يُخَاطب الْغَيْث
(وأنْتَ تَخُصُّ أرْضًا دُونَ أرْضٍ وكَفَّاهُ تَعْمَّانِ الْبِلادَا)
٢٢ - الْغَرِيب الشّعب مصدر شعبت الشئ شعبًا إِذا لأمته والوفر الْغنى ويلم بِجمع الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفرق المَال وَيجمع المكارم وَقد جمع فى الْبَيْت من صناعَة الشّعْر بَين التطبيق والتجنيس وَهُوَ من قَول حبيب
(لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَمْلً مَجْدٍ مُؤَلَّفٍ وَشَمْلُ ندىً بينَ الْعُفاةِ مُشَتَّتِ)
وللبحترى
(وَمَعالٍ أصَارَها لاِجْتِماعٍ شَمْلُ مالٍ أصَارَهُ لاِفْتِراقِ)
٢٣ - الْغَرِيب الجدوى العطايا والمهند السَّيْف والوعى بِالْعينِ والغين أصوات الْحَرْب وَغَيرهَا وهى أَيْضا الْحَرْب الْمَعْنى يُرِيد يَهْتَز يَوْم الرَّجَاء اهتزاز مهند بوم الوعى وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحطيئة
(كَسُوبٌ وَمِتْلافٌ إذَا مَا سألْتَهُ تَهَلَّلَ وَاهْتَزَّ اهْتِرَازَ المُهَنَّدِ)
ولمتمم بن نُوَيْرَة
(تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ للنَّدَى إِذا لَمْ تَجِدْ عِندَ امْرِئِ السًّوْءِ مطْمَعا)
[ ٢ / ٢٦٤ ]
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح دعاؤه بعد الصَّلَاة لقاؤه إِذا دَعَا أَن يسهل الله لقاءه
٢٥ - الْإِعْرَاب فاربعا أَرَادَ فاربعن فَوقف بِالْألف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنسفعا﴾ الْمَعْنى قَالَ الواحدى فلست بمقصر يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا إنى لأعْلم أَنَّك لَا تقصر وَإِن أَمرتك بالإقصار وَالْآخر أعلم أَنَّك وَإِن قصرت الْآن لست بمقصر لتجاوزك المدى وَقَوله ارْبَعْ أى كف حَسبك وَهُوَ قريب من قَول أَبى تَمام
(يَا لَيْتَ شْعْرِىَ مَنْ هَذِى مَناقِبُهُ ماذَا الَّذِى بِبُلُوغِ النَّجْمِ يَنْتَظِرُ)
٢٦ - الْغَرِيب يحلل ينزل وَيُقَال يحلل بِضَم اللَّام وَكسرهَا وَقَرَأَ الكسائى بِضَم اللَّام والثقلان الْجِنّ وَالْإِنْس الْمَعْنى يَقُول نزلت بشرف فعالك وحللت فى مَكَان عَال لَا يحله أحد من الْإِنْس وَالْجِنّ لعلو قدرك عَلَيْهِم
٢٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير رَاجع إِلَى الْفضل وَأَن يطعما فى مَوضِع نصب بِحَذْف الْخَافِض تَقْدِيره فى أَن على أحد المذهبين الْمَعْنى يَقُول قد حويت فضل أهل الْفضل من الثقلَيْن وَهُوَ فضل مَا طمع امْرُؤ فى نيله وَلَا حدثته بِهِ نَفسه لبعد مرامه
٢٨ - الْإِعْرَاب لَك اللَّام مُتَعَلق بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام تَقْدِيره مُوَافق لَك وَهُوَ خبر كَانَ الْغَرِيب قَالَ الْخَلِيل أزمعت على أَمر فَأَنا مزمع عَلَيْهِ إِذا ثَبت عزمك عَلَيْهِ وَقَالَ الكسائى أزمعت الْأَمر وَلَا يُقَال أزمعت عَلَيْهِ قَالَ الْأَعْشَى
(أأزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلى ابْتِكارَا وَشَطَّتْ على ذى هَوًى أنْ تُزَارَا)
وَقَالَ الْفراء أزمعته وأزمعت عَلَيْهِ بِمَعْنى مثل أجمعته وأجمعت عَلَيْهِ وَقَول الْفراء // حسن // لِأَنَّهُ قد جَاءَ فى الْقُرْآن ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم﴾ فى قِرَاءَة السِّتَّة سوى أَبى عَمْرو فَإِنَّهُ قَرَأَ بوصل الْألف وَفتح الْمِيم من جمع الْمَعْنى يَقُول إِذا أردْت شَيْئا وَافَقَك الْقَضَاء فَكَأَنَّهُ يعزم على إرادتك وَلَا يخالفك فِيمَا تُرِيدُ كَأَنَّهُ مُطِيع لَك فِيمَا تَأمر وتنهى وَهُوَ من قَول الأول
(وكَيْفَ وأسْبابُ القَضَاءِ مُطِيعَةٌ مُشَيِّعَةٌ فِى كُلّ أمْرٍ يُحاوِلُه)
[ ٢ / ٢٦٥ ]
- الْغَرِيب العصى العاصى الْمَعْنى يَقُول إِن الدَّهْر لم يزل عَاصِيا ينكد على كل من أمل شَيْئا وَلَا يبلغهُ مُرَاده وَأَنت قد أطاعك فَكَأَنَّهُ عبد إِذا دَعوته لباك بِمَا تُرِيدُ وَهُوَ قريب من قَول الآخر
(تَصَرَّفَتِ الدُّنْيا لَهُ بِقَضَائِهِ فأيَّامُها أنَّى يَشاءُ صَوَارِفُ)
٣٠ - الْغَرِيب شأوهن سبقهن وظلع جمع ظالع وَهُوَ الغامز من يَد أَو رجل الْمَعْنى يَقُول قد أفنت فضائلك وأوصافك الْفَضَائِل وَقد انصرفت بعد بُلُوغ غَايَة الْوَصْف فِيهَا مطايا وصفى ظلعا أى مقصرة عَن الْإِدْرَاك وَلما اسْتعَار لوصفه مطايا جعلهَا ظلعا وَمثله لحبيب
(هَدَمَتْ مَساعِيهِ المَساعِىَ وَابْتَنَتْ خُطَطَ المَكارِمِ فِى عِراصِ الفَرْقَدِ)
٣١ - الْمَعْنى يَقُول جرت مفاخرك فى الشرق والغرب مجْرى الشَّمْس فَمَا تركن شرقا وَلَا غربا إِلَّا جزنه لِأَن ذكرك قد عَم الْبِلَاد بالفخر قَالَ ابْن وَكِيع هَذَا مَأْخُوذ من قَول حبيب
(أمَطْلَعَ الشَّمْسِ تَبْغى أنُ تَؤُمَّ بِنا فَقُلْتُ كَلاَّ وَلَكِنْ مَطْلَعَ الجُودِ)
وَلَيْسَ بَينهمَا تناسب لَا لفظا وَلَا معنى وَإِنَّمَا بَيت حبيب فِيهِ // المخلص الْحسن // وَإِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن الجهم
(وَسارَتْ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِى كلّ بَلْدَةٍ وَهَبَّتْ هبوب الرّيحِ فِى البرّ والبَحْرِ)
وَمن قَول أَبى قيس يصف قصيدة
(تَسِبرُ مَسِيرَ الشَّمْسِ شَرْقا وَمَغْرِبا وَيحْلُوا بأَفْوَاهِ الرّجالِ نَشِيدُها)
[ ٢ / ٢٦٦ ]
- الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وهى الَّتِى قَرَأت بهَا على الشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أَبى الْحرم مكى بن رَيَّان وأبى مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن صَالح النحوى لعممنها وخشين بالنُّون وَالضَّمِير للمفاخر وروى الواحدى والخوارزمى لعممتها وَالضَّمِير للممدوح وخشيت بِضَم التَّاء وَالضَّمِير للمتنبى الْمَعْنى يَقُول لَو قرنت الدُّنْيَا بِأُخْرَى مثلهَا وضمت إِلَيْهَا لعمتها همتك وعزمك وسعة صدرك وَخفت أَنا أَن لَا نقنع بهما وعَلى روايتهما لعممنها أى مفاخرك وفضائلك وخشين أَن لَا تقنع بهما
٣٣ - الْإِعْرَاب جعل اسْم أَن نكرَة وَهُوَ جَائِز فى ضَرُورَة الشّعْر وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول أَن مَا ادّعى حق فَيكون التَّقْدِير دَعْوَاهُ حق وَمَا ادّعى فى مَوضِع رفع لِأَنَّهُ خبر أَن الْمَعْنى يَقُول لَا يكذب من ادّعى لَك فَوق هَذَا لِأَن الله يشْهد بتصديقه بِمَا خلق فِيك من علو الهمة والفضائل الْمَوْجُودَة
٣٤ - الْغَرِيب النزر هُوَ الْقَلِيل وَإِنَّمَا كَرَّرَه لاخْتِلَاف اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا يمسنا فِيهَا نصب وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب﴾ ومعناهما وَاحِد الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح حفظ الْقَلِيل من جنس مَا ضيعه لِأَن الْمَحْفُوظ لَا يكون مضيعا قَالَ الواحدى وعنى بِهَذَا نَفسه يُرِيد أَنه إِنَّمَا حفظ الْقَلِيل من مفاخره لِأَنَّهَا أَكثر من أَن تحفظ وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(حَفِظْتَ شَيْئا وَغابَتْ عنكَ أشْياءُ)
٣٥ - الْإِعْرَاب رجلا نَصبه لِأَنَّهُ مَوضِع الْمَفْعُول لِأَنَّهُ خبر مَا لم يسم فَاعله وَمن النَّاس من يُسَمِّيه مَفْعُولا ثَانِيًا الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن كَانَ لَا يدعى الْفَتى رجلا حَتَّى يكون مثلك فسم النَّاس جَمِيعهم إصبعا لأَنهم لَو وزنوا بإصبعك مَا وفوا وَقَالَ الواحدى لأَنهم بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ كالإصبع من الرجل قَالَ وَكَانَ هَذَا الممدوح يلقب بذى الإصبع لَهُ إِصْبَع زَائِدَة وروى الخوارزمى أضبعا بالضاد بالضاد الْمُعْجَمَة جمع ضبع يُرِيد كلهم بِالْإِضَافَة إِلَيْك ضباع لِأَنَّك حزت شرفا وَقدرا لم ينله إِلَّا أَنْت قَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ من قَول أَبى النَّجْم
(لَوْ كانَ خَلْقُ اللهِ جَنْبا وَاحِدًا وكنْتَ فِى جَنْبٍ لكُنْتَ زَائِدًا)
وَمن قَول عمر بن أَبى ربيعَة المخزومى
(وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ فِى جانِبٍ مِنَ الأرْضِ وَاعْتَزَلْتَ جانِبا)
(لَيَمَّمْتُ طَيَّتَها إنَّنِى أرَى قُرْبَها العَجَبَ العاجبا)
[ ٢ / ٢٦٧ ]
- ٣٦ - الْمَعْنى يُرِيد إِن كَانَ لَا يَصح سعى كل ماجد لمكرمة حَتَّى يفعل فعلك فالغيث أبخل من سعى لبعد مَا بَيْنكُمَا ووقوعه دُونك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِن قيل لم جعل الْغَيْث أبخل الساعين إِذا قصر عَن جوده هلا كَانَ كأحدهم قيل إِنَّمَا جَازَ هَذَا على الْمُبَالغَة قَالَ ابْن وَكِيع
(سَقَيْتَ فَكانَ الغَيْثُ أدْنَى مَسافةً وأضْيَقَ باعا مِنْ نَداكَ وأقْصَرَا)
٣٧ - الْإِعْرَاب مرأى ومسمعا نصبهما على الْبَدَل من الْغرَّة وَيجوز أَن يَكُونَا حَالين من الْغرَّة وَابْنه يُرِيد يَا ابْنه بِحَذْف حرف النداء وَهُوَ منادى مُضَاف الْمَعْنى يَقُول أَبوك الْعَبَّاس لمسامات خَلفك لنراك بأعيننا ونشاهد فضلك ومفاخرك وسيبقى ذكرك بالفضائل بَين النَّاس يتداولونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
١ - الْمَعْنى يَقُول الْحزن لأجل هَذِه الْمُصِيبَة يقلقنى وَالصَّبْر يمنعنى عَن الْجزع والتهالك والدمع عَاص للتجمل مُطِيع للقلق
٢ - الْغَرِيب المسهد الْكثير السهاد وَهُوَ الْمَمْنُوع النّوم الْمَعْنى يَقُول الصَّبْر والحزن يتنازعون دموع عينى فالحزن يجِئ بهَا وَالصَّبْر يردهَا
٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ اللَّيْل وَالْكَوَاكِب مِمَّا يُؤثر فيهمَا حزن لأثر فيهمَا مَوته وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا أَرَادَ أَن اللَّيْل طَوِيل لفقده فالليل معى وَالْكَوَاكِب ظلع مَا تسير يُرِيد طول اللَّيْل للحزن قَالَ الواحدي النم بعده لَا يألف الْعين فَلَا تنام حزنا عَلَيْهِ وَاللَّيْل من طوله كَأَنَّهُ قد أعيا عَن المتنبي فَانْقَطع وَالْكَوَاكِب كأنهاظالعة لَا تقدر أَن تقطع الْفلك فتغرب كل هَذَا يصف بِهِ طول ليله بعده من الْحزن عَلَيْهِ ٤ - الْغَرِيب يُقَال جبن عَنهُ وَجبن مِنْهُ شَاذ وَالْحمام الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول إنى أَخَاف فِرَاق الْأَحِبَّة خوف الجبان وَأَشْجَع عِنْد الْمَوْت فَلَا أخافه يُرِيد أَن الْفِرَاق عِنْده أعظم من الْمَوْت كَمَا قَالَ حبيب
(جَلِيدٌ على عَتْبِ الخُطُوبِ إذَا عَرَتْ وَلَيْسَ عَلى عَتْبِ الأخِلاَّءِ بالجَلْدِ)
٥ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه صَعب على الْأَعْدَاء لَا يلين لَهُم وَلَا يعتبهم ويزداد عَلَيْهِم قسوة إِذا غضبوا وَلكنه عِنْد عتب الصّديق يجزج وَلَا يُطيق احْتِمَاله وَهَذَا كَقَوْل أَشْجَع السلمى
(يُعْطِى زِمامَ الطَّوْعِ أحْبابَهُ وَيَلْتَوِى بالمَلِكِ الْقادِرِ)
وَمثله للطائى
(جَلِيد على عَتْبِ الخُطُوبِ إذَا عَرَتْ وَلَيْسَ على عَتْبِ الأَخْلاَءِبالجَلْدِ)
٦ - الْمَعْنى يَقُول إِن الْحَيَاة لَا تصفو لمن يلحظ الدُّنْيَا بِعَين الْمعرفَة ويتأملها تَأمل الدِّرَايَة وَإِنَّمَا تصفو لجَاهِل لَا يعرف عواقبها فيتوقعها أَو لغافل لَا يمثل صوارفها وتصاريفها ويتذكرها فهى تصفو للغافل عَمَّا مضى من حَيَاته وَمَا يتَوَقَّع فى العواقب من انْقِضَائِهَا أَو حَادث لَا يُطيق حمله
٧ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا تصفو لمن يغالط فِيهَا عقله وتحسن عِنْد من يكابر فِيهَا نَفسه ويسومها الْمحَال فتركن إِلَيْهِ أَو يمنيها فتعتمد بآمالها عَلَيْهِ وَمعنى الْبَيْت أَن الدُّنْيَا على الْحَقِيقَة دَار غرور وأخطار وَالْإِنْسَان فِيهَا على خطر عَظِيم والحياة فانية فِيهَا وَإِن طَالَتْ فَمن غلط فى هَذَا وَمنى نَفسه السَّلامَة والبقاء صفا عيشه حِين ألْقى عَن نَفسه الْفِكر فى العواقب وكلف نَفسه طلب الْمحَال من الْبَقَاء فى السَّلامَة مَعَ نيل المُرَاد وطمعت فى ذَلِك نَفسه وَهُوَ من قَول أَبى الْعَتَاهِيَة
(إنَّما يَغْتَرُّ بالدُّنْيا غَفُولٌ أوْ جَهولُ)
ثمَّ قَالَ دَالا على أَن الْبَقَاء محَال
(أَيْن الذى الخ )
[ ٢ / ٢٦٨ ]
- الْغَرِيب الهرمان بِنَا آن عظيمان بِأَرْض مصر ارْتِفَاع كل وَاحِد مِنْهُمَا أَربع مئة ذِرَاع وهما ثابتان وَلَا يعرف البانى لَهما وَقَالَ الواحدى ١ أَحدهمَا قبر شَدَّاد بن عَاد وَالْآخر قبر إرم ذَات الْعِمَاد الْإِعْرَاب مَا قومه وَمَا بعده اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّعَجُّب وَمثله ﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ الْمَعْنى يَقُول إنَّهُمَا بقيا بعد من بناهما واندرس ذكره وَذكر قومه فَمَا يعْرفُونَ وَلَا يعرف بأى ميتَة هلك وَلَا فى أى وَقت لطول معمر الدَّهْر عَلَيْهِ وَهَذَا كُله يُرِيد بِهِ التَّنْبِيه على أَن الدُّنْيَا مفنية لأَهْلهَا مُنكرَة على من اغْترَّ بهَا وَأَن الفناء وَاقع وَلَا سَبِيل إِلَى الْبَقَاء وَقَوله ﴿أَيْن الذى الهرمان من بُنْيَانه﴾ اسْتدلَّ ببنائهما على تمكنه وأقامهما شَاهِدين على قوته وَقدرته أى أَيْن هُوَ وقوته وَأَيْنَ قومه وكثرتهم وَأَيْنَ عَددهمْ وعددهم أما عفت الدُّنْيَا آثَار ملكه وأفنته أما فرقت شَمله وشتتته مَا فى بطن الأَرْض غيبته وَفِيه نظر إِلَى قَول عدى بن زيد
(أيْنَ كِسْرَى كسْرَى المُلُوكِ أنُو شُرْوَان أمْ أيْنَ قَبْلَهُ سابُورُ)
٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْآثَار وهى الْبُنيان تبقى بعد أَرْبَابهَا لتدل على تمكنهم وقوتهم وسطوتهم ثمَّ ينالها بعدهمْ مَا نالهم من الفناء وَأَن الخزاب سيدركها فتذهب الْآثَار كَمَا ذهب المؤثرون لَهَا فَهَذِهِ عَادَة الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا والمعهود من تصاريفها
١٠ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ عالى الهمة وَمَا كَانَ يرضى بمبلغ يبلغهُ فى الْعلَا حَتَّى يطْلب مَا فَوْقه وَلم يَسعهُ مَوضِع لِكَثْرَة جُنُوده وَلَا يرضى بذلك الْمَكَان لِأَنَّهُ كَانَ لَا يبلغ مبلغا إِلَّا رَآهُ قَلِيلا لنَفسِهِ متواضعا عَن جلالة قدره وَلَا يملك جِهَة من الأَرْض إِلَّا ضَاقَتْ عَن همته وَقصرت مَعَ سعتها عَن الْوَفَاء برغبته
١١ - الْغَرِيب البلقع الخالى الذى لَا شئ فِيهِ وَقَوله ذَهَبا تَمْيِيز الْمَعْنى يَقُول كُنَّا نظن أَنه صَاحب ذخائر فَلَمَّا مَاتَ لم يخلف شَيْئا لِأَنَّهُ كَانَ جوادا وَقَوله ﴿كل دَار بلقع﴾ يُرِيد أَن مآل كل دَار أَن تكون خَالِيَة بعد ساكنها بلقعا وَهَذِه عَادَة الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
- الْإِعْرَاب كل روى بِالنّصب وَالرَّفْع فَمن رفع فالتقدير كل شئ من هَذِه الْأَشْيَاء يجمعه وَمن نصب أَرَادَ يجمع كل شئ من الْمَذْكُورَات الْغَرِيب أَعْوَج هُوَ فَحل كريم كَانَ فى الْجَاهِلِيَّة تنْسب إِلَيْهِ الْخَيل الأعوجية وَإِنَّمَا سمى أَعْوَج لِأَن غَارة نزلت بِأَصْحَابِهِ لَيْلًا فَهَرَبُوا وَكَانَ هَذَا الْفرس مهْرا فلضنهم بِهِ حملوه فى وعَاء على الْإِبِل فاعوج ظَهره وبقى فِيهِ العوج فلقب بالأعوج وَقَالَ الأصمعى سُئِلَ ابْن الْهِلَالِيَّة فَارس أَعْوَج عَنهُ فَقَالَ ضللت فى بعض مفاوز بنى تَمِيم فَرَأَيْت قطاة تطير فَقلت فى نفسى وَالله مَا تُرِيدُ إِلَّا المَاء فاتبعتها فَمَا زلت أَغضّ من عنان أَعْوَج حَتَّى وَردت المَاء وَأدْركت القطاة وَهَذَا الْبَيْت من قَول حَاتِم
(مَتى مَا يَجِئْ يَوْما إِلَى المَالِ وَارِثى يَجِدْ جمْعَ كَفّ غيرِ مَلأَى وَلا صِفْرِ)
(يَجِدْ مُهْرَةً مثْلَ القَناةِ قَوِيمَةً وَعَضْبا إذَا مَا هُزَّ لَمْ يَرْضَ بالمُهْرِ)
(وَرُمحًا رُدَيْنِيًاّ كأنَّ كَعُوبَهُ نَوَى القَسْبِ قد أرْبى ذِرَاعا على العَشرِ)
وَمثله
(إِذا خَزَنَ المَالَ البَخيلُ فإنَّمَا خَزَائِنُهُ خَطِيَّةٌ وَدُرُوعُ)
وَمن قَول عُرْوَة بن الْورْد
(وذِى أمَلٍ يَرْجُو تُرَاثى . الْبَيْت )
وَمن قَول امْرَأَة
(مَضَى وَوَرِثْناهُ دَرِيسَ مُفاضَةٍ )
وهى من أَبْيَات الحماسة وَقد قَالَ مَرْوَان بن أَبى حَفْصَة فى معن بن زَائِدَة يرثيه
(وَلمْ يَكُ كَنْزُهُ ذَهَبا وَلَكِنْ حَدِيدَ الهنْد والحَلَقَ المُذَالا)
١٣ - الْإِعْرَاب إِذا جعلته الْمجد والمكارم أخسر صَفْقَة اخْتَلَّ لِأَنَّك تفصل بالمكارم بَين أخسر وَبَين صَفْقَة وهى مَنْصُوبَة بأخسر الَّتِى هى عطف على الْمجد وَهَذَا غير جَائِز لِأَن صَفْقَة تحل من أخسر مَحل الصِّلَة من الْمَوْصُول أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن تَقول زيد أحسن وَعَمْرو وَجها وَلَكِن لَك أَن تصفه إِلَى وَجه آخر وَهُوَ أَن تجْعَل المكارم عطفا على الضَّمِير فى أخسر فَإِن عطفته على الضَّمِير الذى فِيهِ لم يكن أَجْنَبِيّا مِنْهُ فَلَا يعد فصلا بَينه وَبَين صَفْقَة فَيصير نَحْو قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل أكل وَعَمْرو خبْزًا بعطف عَمْرو على الضَّمِير فى أكل وَنصب خبْزًا بِأَكْل وفى نَوَادِر أَبى زيد
(فَخيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمُ إذَا الدَّاعِى المُثَوّبُ قالَ يالا)
فَلَا يجوز ان يكون نَحن مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ ومنكم مُتَعَلق بِخَير على أَن يكون خير خَبرا لمبتدأ لِئَلَّا يفصل نَحن بَين خير ومنكم وَلَكِن يجوز أَن يكون نَحن توكيدا للضمير فى خير وَيكون خير خبر مبتدإ مَحْذُوف فَكَأَنَّهُ قَالَ فَنحْن خير خير عِنْد النَّاس مِنْكُم وَحسن حذف نَحن الأولى الَّتِى هى مُبْتَدأ لمجئ الثَّانِيَة توكيدا للضمير فى خير وَيجوز وَجه آخر وَهُوَ أَن تنصب صَفْقَة بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ أخسر وَتجْعَل المكارم عطفا على الْمجد لَا على الضَّمِير فى أخسر فَلَا تكون على هَذَا قد فصلت بَين مَا يجرى مجْرى الصِّلَة والموصول فَيصير التَّقْدِير الْمجد أخسر والمكارم أَيْضا كَذَلِك ثمَّ قَالَ صَفْقَة وَكَأَنَّهُ قَالَ خسرت صَفْقَة فَدلَّ أخسر على خسرت كَمَا دلّ أعلم فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم من يضل عَن سَبيله﴾ على يعلم أَو علم فَيكون من يضل مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الذى دلّ عَلَيْهِ أعلم وَإِنَّمَا حملناه على ذَلِك هربا من أَن يكون من يضل من يضل فى مَوضِع جر بِالْإِضَافَة إِلَى أعلم لِأَن أعلم وأفعل إِذا أضيف إِلَى شئ كَانَ بَعْضًا لَهُ نَحْو قَوْلك زيد أكْرم النَّاس فلابد أَن يكون من النَّاس وَلَا نقل زيد أفضل النعام لِأَنَّهُ لَيْسَ من النعام فَكَذَلِك لَا يجوز أَن تضيف أعلم إِلَى من يضل لِأَن الله تَعَالَى لَا يكون بعض الضَّالّين الْغَرِيب الأروع الْكَرِيم الْحسن المنظر الْمَعْنى يَقُول الْمجد والمكارم حظهما أنقص من أَن يعِيش أَبُو شُجَاع المرثى الْجَامِع لشملهما الْمُوكل بحفظهما
[ ٢ / ٢٧١ ]
- الْمَعْنى يَقُول أهل زماتك أقل قدرا وأوضع مَكَانا ومرتبة من أَن تكون بَينهم مخالطا لَهُم لِأَنَّك ترْتَفع عَنْهُم ويتواضعون عَنْك وتكبر عَن مماثلتهم فَأَنت أشرف مِنْهُم
١٥ - الْمَعْنى يَقُول كلمنى كلمة إِن قدرت عَلَيْهَا لتسكن حرارة قلبى من الوجد فَإنَّك كنت حَيا تضر الْأَعْدَاء وَتَنْفَع الْأَوْلِيَاء وَإِنَّمَا طلب تبريد الحشى لما يضمر من الوحد والحزن والأسف على الْمَفْقُود فخاطبه بِهَذَا وَهُوَ يعلم أَنه لَا يقدر على الْجَواب
١٦ - الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ مِنْك إِلَى أحبتك قبل أَن تفجعهم بِنَفْسِك وتطرقهم الْأَيَّام بفقدك فعل ينكرونه فيريبهم ويكرهونه فيوجعهم وَمَا زلت تعمهم بِفَضْلِك وتغمرهم بإحسانك وبرك فَلَمَّا فقدت أوجعت قُلُوبهم وأبكيت عَنْهُم بمصابك
١٧ - الْغَرِيب الأصمع الذكى الحاد والأصمعان الْقلب الذكى والرأى وثريدة مصمعة إِذا كَانَ وَسطهَا نانئا والصومعة فوعلة مِنْهُ لِأَنَّهَا مُرْتَفعَة الْمَعْنى يَقُول كنت فى حَال حياتك مَا تنزل بك ملمة من الدَّهْر إِلَّا رَفعهَا عَنْك قلب ذكى وَلَا تعروك عَظِيمَة من الْأَمر إِلَّا نفى عَنْك مَا تحذر من ذَلِك قلب ذكى
[ ٢ / ٢٧٢ ]
- الْإِعْرَاب يَد عطف على فَاعل نفاها الْمَعْنى يَقُول ونفاها يَد قتالة للأعداء قَوِيَّة باطشة فى الْقِتَال باذلة للأولياء فى المنوال وَترى ذَلِك فرضا عَلَيْك وَهُوَ نفل لَا وجوب عَلَيْك فِيهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(ثَوَى مالُهُ نَهْبَ المَعالى فَأَوْجَبَتْ علَيْهِ زَكاةُ الجُودِ مَا ليسَ وَاجِباَ)
وَقَول ابْن الرومى
(مَلِكٌ لَا يَرَى اللُّهَا تَسْتَحِقُّ الوَسائِلاَ)
(وَيَرَاهاَ فَرَائِضًا وتُسَمَّى نَوَافِلاَ)
وَقَول الآخر
(أغَرِّ مَتى تَسْأَلْهُ جادَ فَرِيضَةً وَإنْ أنْتَ لَمْ تَسأَلْهُ جادَ تَبرُّعا)
١٩ - الْغَرِيب الْحلَّة ثَوْبَان يَلْبسهُمَا الرجل مُجْتَمعين الْمَعْنى يَقُول يَا من كَانَ فَحذف كَانَ وَهُوَ يريدها وَيجوز أَن يكون حِكَايَة الْحَال أى أَنه كَانَ يُبدل فى حَال حَيَاته كَقَوْل الراجز
(جَارِيَةٌ فِى رَمَضَانَ المَاضِى تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإِيماضِ)
فَحكى حَالهَا فى الْوَقْت وَمعنى الْبَيْت أَنه كَانَ يلبس فى كل يَوْم لباسا جَدِيدا غير الآخر ويخلع الملبوس على من يَقْصِدهُ فَكيف رضى بِثَوْب لَا يخلع وَهُوَ الْكَفَن
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول يَا من يُبدل كل يَوْم حلَّة مَا زلت تخلعها أى كنت تلبس كل يَوْم خلعة ثمَّ تخلعها على من جَاءَ يطْلبهَا من شَاعِر أَو زائر أَو قَاصد لدفع ملمة وَالْيَوْم قد لبست ثوبا لَا يخلع يُرِيد الْكَفَن
٢١ - الْغَرِيب القادح الذى يثقل حمله الْمَعْنى يَقُول مَا زلت تدفع عَنَّا الْأُمُور الثَّقِيلَة حَتَّى أَتَى الْأَمر الذى لَا يدْفع وَهُوَ الْمَوْت وَهُوَ مَنْقُول من قَول يحيى بن زِيَاد الحارثى من أَبْيَات الحماسة
(دَفَعْنا بِكَ الأَيَّامَ حَتَّى إذَا أتَتْ تُرِيدُكَ لَمْ نَسْطِعْ لَهَا عَنْكَ مَدْفَعا)
[ ٢ / ٢٧٣ ]
- الْغَرِيب عرَاك أَصَابَك وإشراع الرماح بسط الأيدى بهَا الْمَعْنى يَقُول ظللت أى أَقمت تنظر إِلَى الْمَوْت نظر الْمُسلم وَلَا تطِيق مدافعته وَلَا يمكنك أَن تباطشه قد عجزت رماحك عَن مطاعنته وَقصرت سيوفك عَن مجالدته فسطا عَلَيْك سطوة الْمَالِك وغلبك غَلَبَة الْمُحِيط بك وَالْمعْنَى يُرِيد لم تعْمل سيوفك وَلَا رماحك فى دفع مَا نزل بك من الْمَوْت
٢٣ - الْمَعْنى يَقُول هَذَا الوحيد أفديه بأبى أى الوحيد من الْأَنْصَار مَعَ كَثْرَة جيوشه الْمُنْفَرد من الْأَصْحَاب مَعَ توفر جمعه الباكى على نَفسه عِنْد انْقِضَاء بَقِيَّة عمره وَمن شَرّ السِّلَاح عِنْد المدافعة وأظهره تقصيرا عِنْد المغالبة الْبكاء الذى لَا ينفع والدمع الذى لَا يعْنى
٢٤ - الْغَرِيب تقرع تضرب والقرع الضَّرْب ورعت أى أخفت الْمَعْنى يَقُول إِذا حصلت من سِلَاحك على الْحزن وَمن أنصارك على الْبكاء فحشاك تروع بحزنك وخدك تضرب بدمعك وَلَا يرد عَنْك شَيْئا يُرِيد أَن الدمع لَا يدْفع شَيْئا
٢٥ - الْإِعْرَاب قطع همزَة الباز لِأَنَّهَا أول المصراع الثانى فَكَأَنَّهُ أخد فى بَيت ثَان كَقَوْل الآخر
(لتَسْمَعُنَّ وَشيكا فِى دِيارِكُمُ أللهُ أكْبَرُ يَا ثارَاتِ عُثْمانا)
الْغَرِيب الباز الْأَشْهب هُوَ الذى غلب عَلَيْهِ الْبيَاض والأبقع الذى فى صَدره بَيَاض الْمَعْنى يَقُول وصلت إِلَيْك يَد يُرِيد الْمنية الَّتِي لَا ترد فالشريف والوضيع وَالْكَبِير وَالصَّغِير والأحمر وَالْأسود عِنْدهَا سَوَاء لَا تحاشي أحدا وَلَا يفلت مِنْهَا مَا تَأْخُذهُ وَلَا يفوتها مَا تقصده فعلهَا مَعَ الباز الْأَشْهب مَعَ كرمه كفعلها بالغربا الأبقع مَعَ قبحة ودمامته وَهَذَا مثل ضربه بالباز الْأَشْهب والغربا الأبقع وروى الواحدى
(سَوَاء عِنْدهَا الباز الأشيهب)
بوصل الْهمزَة مَعَ حذف ألف الضَّمِير من عِنْدهَا
[ ٢ / ٢٧٤ ]
- الْغَرِيب المحافل جمع محفل وَهُوَ الْمُجْتَمع والجحافل جمع جحفل وَهُوَ الْعَسْكَر الْعَظِيم والسرى سير الْوُفُود بِاللَّيْلِ والنير الْكَوْكَب الْكثير النُّور والنيران الشَّمْس وَالْقَمَر الْمَعْنى يَقُول متفجعا عَلَيْهِ من للمحافل فى إرشاد جماعتها والجحافل فى تصريف كتائبها والسرى عِنْد انتهاز فرص الْحَرْب وَطلب الْغرَّة من الْأَعْدَاء فى الْغَزْو وَلَقَد فقدت بفقدك المرشد الذى كَانَت تستمد بِرَأْيهِ والنير الذى كَانَت تهتدى بضوئه فقد مت مَا كَانَت تعهده عِنْده وَغرب غروبا لَا يطلع بعده ثمَّ قَالَ أَيْضا مفجعا
(وَمن اتَّخذت . الخ )
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول وَمن اتَّخذت على ضيوفك الَّذين كنت تسر بقراهم وتلتذ بِمَا تكلّف فى برهم ضَاعُوا بعْدك لفقدك وعدموا مَا عهدوه من فضلك وَمثلك من لَا يضيع فى حَيَاته قاصده وَلَا يخيب من مبرته زَائِره لَكِن المنايا تغلب الْعَادَات وَالْأَيَّام بتصرفها تفرق الْجَمَاعَات
٢٨ - الْإِعْرَاب قبحا مصدر قبح الله وَجهه قبحا الْمَعْنى يَقُول قبح الله وَجهك يَا زمَان لِأَنَّهُ وَجه اجْتمعت فِيهِ القبائح يَقُول هَذَا منبها على جور الزَّمَان أى قبح الله وَجهك وأهانه وَلَا أكْرمه لِأَنَّهُ وَجه مبرقع بضروب الْقبْح وصروف اللؤم لَا يحمد مثله وَلَا يشْكر فعله لِأَنَّهُ زمَان سوء
٢٩ - الْإِعْرَاب فاتك روى بِالرَّفْع والجر فالجر بدل من أَبى شُجَاع وَالرَّفْع بدل من قَوْله مثل الْغَرِيب الأوكع من الوكع وَهُوَ عيب فى الْيَد وَالرجل وَيكون فى العَبْد وَيُقَال الأوكع الأحمق الْمَعْنى يتعجب حِين مَاتَ وَهُوَ فى جوده وفضله فَرد ويعيش حاسده الجافى لأحمق الصلب من قَوْلهم سقاء وَكِيع إِذا اشْتَدَّ وصلب يُرِيد بحاسده كافورا
٣٠ - الْمَعْنى يُرِيد الأيدى الَّتِى حول كافور هى مقطعَة لِأَن قَفاهُ يَصِيح بهَا أَلا من يصفع فلولا أَنَّهَا مقطعَة لسفعته وَالْمعْنَى أَنه لسقوطه يَدْعُو إِلَى إذلاله وَلَكِن لَيْسَ عِنْده من فِيهِ خير يهجوه ويهجو أَصْحَابه الَّذين حوله لتأخرهم عَن صفعه والصفع مولد لَيْسَ بعربى وَيُقَال حولك وحواليك وحوليك وحوالك وَقد خرج إِلَى هجاء كافور وَأَصْحَابه من رثاء فاتك وَهُوَ نوع من الاستطراد وَأحسن مَا قيل فى الاستطراد قَول بَعضهم
(وَلَيْلٍ كوَجْهِ البَرْ قَعِيدِىّ مُظْلِمٍ وَبَرْدِ أعالِيهِ وَطُولِ قُرُونِهِ)
(سَرَيْتُ وَنَوْمى فِيهِ نَوْمٌ مُشَرَّدٌ كَعَقْلِ سُلَيْمانَ بْنِ فَهْدٍ وَدِينِهِ)
(عَلى أوْلَقٍ فِيهِ اخْتِباطٌ كأنَّهُ أبُو جابِرٍ فِى خَبْطِهِ وَجُنُونِهِ)
(إِنِّي إأنْ بَدَا وَجْهُ الصَّباحِ كأنَّهُ سَنى وَجْهِ قِرْوَاشٍ وَضْوْءُ جَبِينِهِ)
[ ٢ / ٢٧٥ ]
- الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا للزمان ومؤكدا لما تقدم من ملامته أبقيت كافورا أكذب من أبقيته من الْكَاذِبين وَأسْقط من غادرته من الْمُتَأَخِّرين وَأخذت أصدق من يَقُول فيستمع لَهُ وَلَا يُنكر صدقه وَأكْرم من يسمع فَلَا يُنكر فَضله وَالْمعْنَى أَنَّك أبقيت أكذب الْكَاذِبين وَأخذت أصدق الصَّادِقين والسامعين
٣٢ - الْغَرِيب يُقَال ريح وريحة وَقد قيل فى جمع ريحة ريح وتتضوع تفوح والمنتن القذر الْخَبيث الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا للزمان معنفا لَهُ تركت من كافور الْأسود أَخبث رَائِحَة وأحقها بالذم وأكرهها وَأخذت من فاتك أطيب مشموم يعبق رِيحه ويفوح
٣٣ - الْغَرِيب قَالَ ابْن الأعرابى دَابَّة نافر بَين النفار والنفور وَلَا يُقَال نافرة والتطلع الاستشراف الْمَعْنى أَنه كَانَ صَاحب طرد وصيد فَإِذا الْوَحْش قر دَمه وَكَانَ يتَوَقَّع اقتناصه لَهُ وصيده إِيَّاه وَكَانَ دَمه يحس بالسفك ويتطلع إِلَى الجرى خوفًا مِنْهُ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ يلازم الوحوش بالصيد بمواصلته الْغَزَوَات وتبديه فى الفلوات فبموته قرت دِمَاء الْوَحْش
٣٤ - الْغَرِيب قَوْله
(ثَمَر السِّيَاط )
بِالتَّاءِ الْمُثَلَّثَة العقد الَّتِى تكون فى عذباتها وأوت عَادَتْ إِلَيْهَا وَرجعت وسوقها جمع سَاق يُقَال سَاق وسوق وأسوق وسيقان وَقد جَاءَ فِيهِ الْهَمْز وَقَرَأَ قنبل عَن ابْن كثير
(فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق )
الْمَعْنى يَقُول قد تصالحت السِّيَاط وَالْخَيْل بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يضْربهَا ويكرهها على الْعَدو إِلَى الْعَدو فَلَمَّا مَاتَ عَادَتْ إِلَى الْخَيل أذرعها وسوقها وَكَانَت كَأَنَّهَا غَائِبَة عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَ يركضها دَائِما إِمَّا لِلْعَدو أَو إِلَى الصَّيْد أَو لإغاثة مستصرخ
[ ٢ / ٢٧٦ ]
- الْغَرِيب عَفا درس وَذهب والطراد مطاردة الفرسان وَهُوَ التجاول فى الْحَرْب والراعف الذى يقطر مِنْهُ الدَّم والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول بِمَوْت فاتك ذهب ذَلِك ودرس فَلَا يرعف بعده سِنَان وَلَا يلمع سيف قَالَ ابْن وَكِيع وَمعنى الْبَيْتَيْنِ من قَول التميمى
(تَرَكْتَ المَشْرِفِيَّةَ والْعَوَالى مُخلاَةً وَقَدْ حانَ الْوُرُودُ)
(وَغادرتْ الجِيادَ بكُلّ مَرْجٍ عَوَاطِلَ بَعْدَ زِينَتِها تَرُودُ)
وَمن قَول الهذلية ترثى أَخا لَهَا
(بَهِجَتْ جيادُكَ واسْتَرَحْنَ مِن الوَجَى والمَشْرِفِيَّةُ والْقنَا والسُّيَّرُ)
٣٦ - الْغَرِيب المخالم المصادق والمنادم النديم الْمَعْنى يَقُول ولى أى عِنْد النهوض إِلَى قَبره والتقدم إِلَى لحده وكل من أمه وعول عَلَيْهِ ونادمه مشيعون غير مؤانسين ومودعون غير ملازمين
٣٧ - الْإِعْرَاب من هُوَ فَاعل ولى يُرِيد ولى من كَانَ فِيهِ الْغَرِيب الملجأ الْمَكَان الذى يلجأ إِلَيْهِ ويعتصم بِهِ من المخاوف والمرتع المرعى الْمَعْنى يَقُول ولى من كَانَ ملْجأ لأوليائه وَكَانَ لسيفه فِيمَن عَصَاهُ وَخَالفهُ مرتع يرتع فِيهِ يُرِيد أَنه يروع الْقلب بسطوته
٣٨ - الْغَرِيب الْفرس هم أهل فَارس وكسرى هُوَ ملك فَارس وروم جمع رومى ملكهم قَيْصر وَتبع هُوَ ملك الْعَرَب الْمَعْنى يَقُول إِن فاتكا كَانَ مُعظما فى كل أمة معترفا بفضله فى كل طَائِفَة فَإِن حل فى الْفرس لحظته بِالْعينِ الَّتِى كَانَت تلحظ بهَا كسْرَى وَهُوَ ملكهَا الْمُنْفَرد بتدبير أمرهَا فالفرس تعترف بفضله ورفعته وجلالته وَإِن حل بَين الرّوم أحلته مَحل ملكهَا قَيْصر الْمُعظم ومتوجها الْمُقدم فَنزلت على حكمه وسلمت لأَمره وَإِن حل بَين الْعَرَب كَانَ عِنْدهم كتبع لَا يدْفع فَضله وَلَا يُخَالف أمره وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن فاتكا كَانَ مقدما فى جَمِيع الْأُمُور محرزا غَايَة الْبَأْس وَالْكَرم
[ ٢ / ٢٧٧ ]
- الْإِعْرَاب فرسا نصب على التَّمْيِيز الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ إِذا طَاعن لم يدْرك وَكَانَ أَشد الفرسان إقحاما يقحم غَمَرَات الْحَرْب وَلَكِن الْمنية أسْرع مِنْهُ فَأَدْرَكته
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الدُّعَاء والتأكيد لما قدمه من الثَّنَاء لَا حملت أيدى الفوارس بعد هَذَا رمحا لأَنهم لَا يحسنون الركض والطعان إحسانه وَلَا حملت الْخَيل قَوَائِمهَا فَإِنَّهَا مقصرة عَن نكاية الْعَدو بعده وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الْخَيل وَالسِّلَاح إِنَّمَا يكرمان بِمَا يظْهر فاتك فيهمَا من رَغْبَة وَمَا كَانَ يَسْتَعْمِلهُ فيهمَا مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ همته
[ ٢ / ٢٧٨ ]
- ١ - الْإِعْرَاب هَذِه الْبَاء بَاء التفدية وَمن فى مَوضِع رفع وَالتَّقْدِير فدَاء بأبى من وددته وَيجوز أَن يكون فى مَوضِع نصب وَيكون التَّقْدِير أفدى بأبى وَيجوز أَن يكون فى مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول أفدى بأبى من أحببته وَقد فارقتنى وَقضى الله الِاجْتِمَاع بعد ذَلِك وَفَسرهُ بقوله
(وافترقنا حولا )
الخ
٢ - الْمَعْنى يَقُول كَانَ تَسْلِيمه على عِنْد اللِّقَاء توديعا لفراق ثَان والوداع بِمَعْنى التوديع وَهَذَا من قَول على بن جبلة
(رَكِبَ الأَهْوَالَ فِى زَوْرَتِهِ ثُمَّ مَا سَلَّمَ حَتَّى وَدَّعا)
وَمن قَول الآخر
(بأبى وأُمِّى زائِرٌ مُتَقَنِّعٌ لَمْ يَخْفَ ضَوْءُ البَدْرِ تَحْتَ قِناعِهِ)
(لَمْ أسَْتَتِمَّ عِناقَهُ للِقائِهِ حَتَّى ابْتَدَأتُ عِناقَهُ لَوَدَاعِهِ)
[ ٢ / ٢٧٩ ]
- ١ - الْغَرِيب الطفيف الْقَلِيل الحقير من قَوْلهم طف الشئ وأطف الْمَعْنى يُرِيد عطاياك تصغر وتحقر مَا سقت من الْخَيل وأهديته حَتَّى يكون موقعها نزرا فالألوف من الْخَيل يسيرَة فى ذَلِك لِأَن عطاياك لَا يقدر أحد على إحصائها فالألوف قَلِيل فى جنب عطاياك
٢ - الْغَرِيب المطهم هُوَ التَّام الْجمال الْمَشْهُور عُنُقه الْمَعْنى الْأَلْفَاظ الَّتِى يُوصف بهَا الْخَيل تجمعها لَفظه المطهم يَقُول إِنَّك أمرتنى أَن أخْتَار وصف فرس تهبه لى فالذى أختاره هُوَ المطهم وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهله وَأَشَارَ بقوله وَذَاكَ إِلَى الْوَصْف لِأَن المطهم وصف
٣ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت استدعيت الْوَصْف فَذكرت وَصفا وَاحِدًا طَاعَة لأمرك والذى عندى أَنه لَا اخْتِيَار لنا عَلَيْك فِيمَا تُعْطى أَنْت الشريف وَمَا تهب شرِيف أَنْت رفيع وَمَا تهب رفيع
١٤٦
- ١ - الْإِعْرَاب أَهْون أى مَا أهونه على حد أبْصر بهم وأسمع أى مَا أبصرهم الْمَعْنى يَقُول مَا أَهْون الثواء يُرِيد مَا أَهْون مقَامه فى السجْن وَمَا أَهْون على هَذِه الْأَشْيَاء لأنى قد وطنت نفسى عَلَيْهَا فهان على مَا أردته وَهَذَا كَقَوْل كثير
(فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزَّ كُلُّ مُصِيبَةٍ إِذا وْطِّنَتْ يَوْما لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ)
وكل هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه شُجَاع قوى الْقلب صبور لَا يَهو لَهُ مَا ذكره
[ ٢ / ٢٨٠ ]
- الْمَعْنى يَقُول قبلته اضطرارا لَا اخْتِيَارا فالأسد يرضى بِأَكْل الْجِيَف إِذا لم يجد غَيرهَا وَهَذَا من قَول المهلبى
(مَا كُنْتَ إلاَّ كَلَحْمِ مَيْتٍ دَعا إِلَى أكْلِهِ اضْطِرَارُ)
وَمثله لأبى على الْبَصِير
(لعَمْرُ أبِيكَ مَا نُسِبَ المُعَلَّى إِلَى كَرَمٍ وفِى الدُّنْيا كَرِيمُ)
(وَلَكِنَّ البِلادَ إذَا اقْشَعَرَّتْ وَصَوَّحَ نَبْتُها رُعَى الهَشِيمُ)
وَمثله لآخر
(فَلا تَحْمَدُونِى فِى الزّيارَةِ إننِى أزُورُكُمُ إذْ لَا أرَى مُتَعَللاَ)
وَمثله أَيْضا
(خُذْ مَا أتاكَ مِنَ اللِّئا مِ إِذا نَأىَ أهْلُ الكَرَمْ)
(فالأسْدُ تَفْتَرِسُ الْكِلا بَ إذَا تَعَذَّرَتِ الغَنمْ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول قد وطنت نَفسه للْمَوْت لأنى معترف والمعترف الصابر على مَا يُصِيبهُ وَالْمعْنَى يَقُول كن أَيهَا السجْن كَيفَ شِئْت من الشدَّة فإنى صابر عَلَيْك
٤ - الْغَرِيب السُّكْنَى بِمَعْنى السّكُون الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ نزولى فِيك يلْحق بى نقصا لما كَانَ الدّرّ مَعَ شرف قدره سَاكِنا فى الصدف الذى لَا قيمَة لَهُ شبه نَفسه فى السجْن بالدر فى الصدف وَهُوَ من قَول أَبى هفان
(تَعَجَّبَتْ دُرُّ مِنْ شَيْبِى فَقُلْتُ لَهَا لَا تَعْجَبىِ فطُلُوعُ البَدْرِ فِى السُّدَفِ)
(وَزَادَها عَجَبًا أنْ رُحْتُ فِى سَمَلٍ وَما دَرَتْ دُرُّ أنَّ الدُّرَّ فى الصَّدَفِ)
[ ٢ / ٢٨١ ]
- ١ - الْإِعْرَاب أَرَادَ ألجنية فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام وَقد جَاءَ مثله فى الشّعْر وَدلّ عَلَيْهَا قَوْله أم وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(لَعَمْرُكَ مَا أدْرِى وَإنْ كَنْتُ دَارِيا شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيثُ بنُ مِنقَرِ)
وَأنْشد لعمر بن ربيعَة
(فَوَاللهِ مَا أدْرِى وَإنْ كُنْتُ دَارِيا بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِشَمانٍ)
الْغَرِيب الغادة والغيداء الناعمة والسجف جَانب السّتْر والشنف مَا علق فى أَعلَى لأذن والقرط مَا كَانَ فى أَسْفَلهَا الْمَعْنى الْعَرَب إِذا وصفت شَيْئا وبالغت فِيهِ جعلته من الْجِنّ كَقَوْل الآخر
(جِنِّيَّةٌ أوْ لَهَا جِنّ يُعَلِّمُها رَمْىَ القُلُوبِ بَقْوِسٍ مَا لَهَا وَتَرُ)
قَالَ ابْن وَكِيع يشبه قَول الطائى
(لَمْ يُخْطِكِ الجِيدُ مِنْ غَزَالٍ لَوْ عَطَّلُوه مِنَ الشنُوفِ)
ولوحشية يجوز أَن يكون استفهاما كَالْأولِ وَقَالَ ابْن جنى يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَحدهمَا أَن يكون أجَاب نَفسه فَلَمَّا قَالَ مستفهما لجنية قَالَ مجيبا لنَفسِهِ لَيْسَ لجنية وَلَا لغادة بل لوحشية ثمَّ رد على نَفسه مُنْكرا لهَذَا الِاعْتِقَاد بقوله لَا مَا لوحشية شنف أى لَيْسَ لَهَا هَذَا الشنف والثانى أَن يكون لوحشية مثل الجنية فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام
٢ - الْغَرِيب عرتها أصابتها والسوالف جمع سالفة وهى صفحة الْعُنُق والحلى بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَجمعه حلى بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وحلى بِكَسْر الْحَاء وَاللَّام وَشد الْيَاء وَقد قَرَأَ الْقُرَّاء بهَا فَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى بِكَسْر الْحَاء وَاللَّام وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَقَرَأَ يَعْقُوب بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام على مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَيْت الْمَعْنى يَقُول هِيَ نفور اى نافرة طبعا وأصابها نفرة فاجتمعت نفرتان نفرة أَصْلِيَّة ونفرة من رُؤْيَة الرِّجَال فتجاذبت سوالفها والحلى الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا جذب عُنُقهَا بثقلة والعنق أمْسكهُ فَحصل التجاذب وردفها يجذب خصرها ودقة الخصر ٣ - الْغَرِيب أصل التخييل الِاضْطِرَاب والخوط الْقَضِيب والمرط الثَّوْب والخشف ولد الظبية وَيُقَال المرط كسَاء من صوف أَو خَز وَقيل خيل من قَوْله تَعَالَى ﴿يخيل إِلَيْهِ﴾ الْمَعْنى يَقُول أرانا مرْطهَا وَمثل لنا صورتهَا كغصن بَان يتثنى وَولد ظبى رنا وَإِنَّمَا ذكر الْقَامَة واللحظ لِأَن المرط يستر محاسنها وَلم يستر الْقد واللحظ وَقَالَ الواحدى روى ابْن جنى
(وخَبَّل )
بِالْبَاء الْمُوَحدَة والمخبل الذى قطعت يَدَاهُ وَأَرَادَ أَن مرْطهَا ستر محاسنها فَكَأَن ذَلِك خبل مِنْهُ لَهَا ينظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(إنْ أقْبَلَتْ فالبَدْرُ لاحَ وَإنْ مَشَتْ فالغُصْنُ مالَ وَإنْ رَنَتْ فالرّيمُ)
٤ - الْإِعْرَاب رفع زِيَادَة خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره حالى وأمرى وَقُوَّة عطف عَلَيْهَا الْمَعْنى يَقُول حالى زِيَادَة شيب وهى فى الْحَقِيقَة نقص زيادتى وَكلما قوى الْعِشْق ضعف الْبدن وضعفت قوته وَهَذَا كَقَوْل الآخر
(وأُسَرُّ فِى الدُّنْيا بِكُلّ زِيادَةٍ وَزِيادَتِى فِيها هُوَ النَّقْصُ)
٥ - الْغَرِيب يُقَال أراقت وهراقت وَالْهَاء بدل من الْهمزَة وَحلف ملازم الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا تحبه كَمَا يُحِبهَا وتشتاقه كَمَا يشتاقها قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو أمكنه أَن يَقُول بى من الوجد بهَا مَا بهَا من الوجد بى مَا بهَا من الوجد بى لَكَانَ أَشد اعتدالا لكنه للوزن حذف بعضه للْعلم كَمَا قَالَ حبيب
(وَإذَا تَأمَّلْتَ البلاَدَ رَأيْتَها تُثْرِى كَمَا تُثْرِى الرّجالُ وتَعُْدِمُ)
أَرَادَ كَمَا يعدمون فَحذف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الَّتِى قد أراقت دمى تحبنى وتشتاقنى كحبى لَهَا واشتياقى وَبهَا مثل مَا بى من الوجد قَالَ
(وَجِدَتْ بِى مَا وَجِدْتُ بِها فِكِلانا فَكِلانا مُغْرمٌ دَنِفُ)
٦ - الْغَرِيب الوحف الْكثير الملتف الْمَعْنى يَقُول إِذا جردتها من أثوابها كَانَ من الشّعْر مَا يقوم فى سترهَا مقَام الثَّوَاب وَهَذَا كَقَوْل أَبى المعتصم
(رأَتْ عَيْنَ الرَّقيبِ على تَدَانٍ فَأسْبَلَتِ الظَّلامَ عَلى الضّياءِ)
[ ٢ / ٢٨٢ ]
- الْغَرِيب الحقف مَا اعوج من الرمل وَجمعه أحقاف وحقاف وَقد نطق الْقُرْآن بالأحقاف الْمَعْنى يُرِيد بالرمانتين الثديين وبالغصن الْقد وبالبدر الْوَجْه وبالحقف الردف وَمعنى الْبَيْت يَقُول لما قَامَت للوداع قابلنى رمانتان من ثديها على قد مثل الْغُصْن يميله وَجه كالبدر فَكَانَ وَجههَا يمِيل قامتها ثمَّ يمسك الردف بثقله قامتها الْخَفِيفَة فَلَا تقدر على سرعَة الْحَرَكَة
٨ - الْإِعْرَاب نصب كيدا على الْمصدر يُرِيد أتكيدنى كيدا الْمَعْنى يُخَاطب الْبَين يَقُول أَنْت تطلب كيدنا فدارنا بعيدَة وعيشنا كدر
٩ - الْغَرِيب ويل كلمة تقال عِنْد الْوُقُوع فى الْمهْلكَة واللهف التحسر على مَا فَاتَ الْمَعْنى يَقُول إنى أَكثر القَوْل بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ لَو نفع القَوْل بهما وترديدى إيَّاهُمَا وَهُوَ على حِكَايَة مَا كَانَ يَقُول وَمثله للبحترى
(فَوَا أسَفى لَوْ قاتَلَ الأَسَفُ الجَوَى وَلهْفِى لَوَ أنَّ اللَّهْفَ مِنْ ظالِمى يُجدِى)
١٠ - الْإِعْرَاب رفع ضنى لِأَنَّهُ ابْتِدَاء خبر مَحْذُوف يُرِيد بى ضنى وكامنا حَال من السم وجهلا مصدر وَإِن شِئْت جعلت ضنى ابْتِدَاء وَخَبره فى الْهوى الْمَعْنى يَقُول فى الْهوى ضنى مستتر كَمَا يكمن السم فى الشهد إِذا مزج بِهِ واستلذذت الْهوى جهلا بذلك الضنى وحتفى فِيهِ وَمثله
(وَقَدْ يُلْفَى حِمامُ المَوْ تِ فِى سَمٍّ مَعَ العَسَلِ)
١١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أفنته عَائِد على الضنى يُرِيد أفنانى وَمَا أفنيته الْغَرِيب الْكَهْف الْموضع الذى يمْنَع ويعصم من يأوى إِلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول أفنى الضنى نفسى وَمَا أفنته كَأَن الممدوح كَهْف لَهُ دون نفسى فَلَيْسَتْ تقدر على إفنائه وَهَذَا من // المخالص الْحَسَنَة //
[ ٢ / ٢٨٤ ]
- الْإِعْرَاب قَلِيل خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الْبيض السيوف والزغف الدروع اللينة وَقيل السابغة الْمَعْنى يَقُول هُوَ قَلِيل الْكرَى أى النّوم لاشتغاله بالحكم بَين النَّاس وَمَا يكسبه الْمجد وَالْعلم نَافِذ الآراء فَلَو كَانَت السيوف والدروع كآرائه مَا نَفَعت الدروع وَالسُّيُوف أَصْحَابهَا وَلَا أغنت عَنْهُم شَيْئا وَهُوَ من قَول حبيب
(يَقْظانُ أحْكَمَتِ التَّجارِبُ رأيَهُ عَقْدًا وَثُقِّفَ عَزْمُهُ تَثْقِيفاَ)
(فاسْتَلَّ مِنْ آرَائِهِ الشُّعَلَ الَّتِى لَوْ أنَّهنَّ طُبِعْنَّ كُنَ سُيُوفا)
١٣ - الْغَرِيب قطب وَجهه إِذا جمع مَا بَين عَيْنَيْهِ عبوسا الْمَعْنى يَقُول هُوَ مهبب عِنْد الكلوح وَإِذا نطق بِحرف من لَفظه قَامَ مقَام الْكَلَام الْكثير يجع الْمعَانى الْكَثِيرَة فى الْأَلْفَاظ القليلة وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحترى
(وَإذَا خِطابُ القَوْمِ فِى الخَطْبِ اعْتَلى فَصَلَ القَضِيَّةَ فِي ثَلاثَةِ أحْرُفِ)
١٤ - الْمَعْنى يَقُول قد ألفت يَده الْإِعْطَاء فَإِذا تركته حنت إِلَيْهِ كَمَا يحن الإلف إِلَى إلفه وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(وَاجِدٌ بالْعَطاءِ من برحاء الشوق وجدان غَيره بالحبيب)
وَغَيره
(يحن إِلَى الْمَعْرُوف حَتَّى يُنِيلَهُ كمَا حَنَّ إلْفٌ مُسْتَهامٌ إِلَى إلْفِ)
١٥ - الْغَرِيب القف الغليظ من الأَرْض لَا يبلغ أَن يكون جبلا رست ثبتَتْ الْمَعْنى أَنه اسْتعَار لعلمه اسْم الْجبَال لِكَثْرَة علمه وزيادته على علم النَّاس واستعار لصدره الأَرْض لِأَن الْجبَال تكون عَلَيْهَا ثمَّ فَضلهَا على جبال الأَرْض فضل الْجبَال على القفاف وَالْمعْنَى أَن جبال الأَرْض تصغر فى جنب الْجبَال الَّتِى فى صَدره من الْعلم
١٦ - الْإِعْرَاب أود الدَّهْر أى حمله على أَن يود فالدهر مفعول بأود يُرِيد أَن السمو فى كف الممدوح أود الدَّهْر أَن يكون كفا الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد علت كَفه فِي الْخَيْر وَالشَّر والدهر وعَاء الْخَيْر وَالشَّر وَالْعرب تنْسب ليه مَا يُوجد فِيهِ وَالْمعْنَى أَن هَذَا الممدوح كَفه عَال فى كل خير لأوليائه وَلَك شَرّ لأعدائه لِأَنَّهُمَا يصدران مِنْهُ فالدهر يتَمَنَّى أَن يكون كفا يُشَارك كَفه الذى هُوَ مجمع الْخَيْر وَالشَّر فى الِاسْم لِأَن كَفه أغلب فى الْخَيْر وَالشَّر من الدَّهْر
[ ٢ / ٢٨٥ ]
- الْمَعْنى يَقُول فى سيادة النَّاس خلف إِلَّا فى سيادته فَلَا تَجِد أحدا يخْتَلف فى أَنه سيد
١٨ - الْمَعْنى أَنهم من محبتهم لَهُ يفدونه فَكَأَن هَوَاهُ جرى أَولا فى عروقه قبل الدَّم ثمَّ أتبعه الدَّم وَالْمعْنَى أَن محبَّة النَّاس لَهُ أَشد من محبتهم لأَنْفُسِهِمْ وَهُوَ من قَول حبيب
(لَوْ أنَّ إجماعَنا فِى فَضْلِ سُؤْدُدِهِ فِى الدّينِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِى المِلَّةِ اثْنانِ)
وَمن قَول أَبى الشيص
(وَلا أجمَعَتْ إلاَّ عَلَيْكَ جَمِيعُها إذَا ذْكِرَ المَعْرُوفُ ألْبَسَهُ العُرُفُ)
وَمن قَول البحترى
(وأرَى النَّاسَ مُجْمِعِينَ على فَضْلِكَ مَا بينَ سَيِّدِ ومَسُود)
١٩ - الْإِعْرَاب وقوفين حَال من فَاعل ومفعول يفدونه وَالْعَامِل فِيهِ يفدونه وَأَرَادَ نائله وقف عَلَيْهِم الْمَعْنى يَقُول النَّاس والممدوح فريقان واقفان فى شَيْئَيْنِ وقفين أَحدهمَا على النَّاس مِنْهُ وَهُوَ الْعَطاء والثانى على الممدوح من النَّاس وَهُوَ الثَّنَاء وَالْمعْنَى أَنه أبدا يعْطى وَالنَّاس أبدا يشكرونه وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(فَتًى عِرْضُهُ وَقْفٌ على كُلّ طالِب وأمْوَالُهُ وَقْفٌ على كُلّ مُجْتَدِى)
وللبحترى
(أعِيالٌ لَهْمْ بَنُو الأرْضِ أمْ مَا لُهُم رَاتِبٌ عَلى النَّاسِ وَقْفُ)
وَلابْن الرومى
(أمْوَالُهُ وَقْفٌ عَلى تَنْفِيلِنا وَثَناؤُنا وَقْفٌ على تَحْقِيقِهِ)
[ ٢ / ٢٨٦ ]
- الْمَعْنى يَقُول لما فَقدنَا نَظِيره وَمن يكون لَهُ مثلا لِأَنَّهُ عديم الْمثل دَامَ الْكَشْف عَن مثل لَهُ يَقُول طلبنا ذَلِك فَلم نجده وَهُوَ قَوْله
(فدام الْفَقْد وانكشف الْكَشْف )
أى زَالَ وَبَطل لأَنا أيسنا من وجود مثله وَقَالَ الواحدى لم يُفَسر أحد هَذَا الْبَيْت بِمثل هَذَا وَلَو حكيت تخبط النَّاس فِيهِ لطال الْخطب
٢١ - الْمَعْنى الأوهام متحيرة فِيهِ والطرف متحير فى حسنه وجماله وَلَيْسَ تحير الأوهام فى شَأْنه أَكثر من تحير الطّرف فى حسنه
٢٢ - الْغَرِيب الوفر المَال وَالْعرْف الْمَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول عطاؤه قد نقص من مَاله وَلَيْسَ ذَلِك بعجب وَإِنَّمَا الغيظ والأذى قد نقص من حساده وَأثر فيهم وهز لَهُم وجوده قد فعل بأمواله أَكثر مِمَّا فعل الْأَذَى بحساده وَمثله للديك
(فَعَلتْ مُقْلَتاكِ بالصَّبَ مَا تَفْعَلُ جَدْوَى الأمِيرِ بالأَمْوَالِ)
٢٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه القصيدة من الضَّرْب الأول من الطَّوِيل وعروض الطَّوِيل تجئ أبدا مَقْبُوضَة على مفاعلن إِلَّا أَن يصرع الْبَيْت فَيكون ضربه على مفاعلين أَو فعولن فَيتبع الْعرُوض الضَّرْب وَلَيْسَ هَذَا الْبَيْت مصرعا وَقد جَاءَ بعروضه على مفاعيلن وَهُوَ تَخْلِيط مِنْهُ وَأقرب مَا يصرف إِلَيْهِ هَذَا أَن يُقَال إِنَّه رد مفاعلن إِلَى أَصْلهَا وهى مفاعيلن لضَرُورَة الشّعْر كَمَا أَن للشاعر إِظْهَار التَّضْعِيف وَصرف مَا لَا ينْصَرف وإجراء المعتل مجْرى الصَّحِيح وَقصر الْمَمْدُود وَمَا يطول ذكره مِمَّا ترد فِيهِ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا قَالَ الواحدى وَلَو قَالَ ومنطقه هدى أَو تسقى لسلم الْبَيْت من ذَلِك وَمعنى الْبَيْت إِذا تفكر يتفكر فى الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة وَإِذا نطق ينْطق بالحكمة وَالْحكم بَين النَّاس ويطوى بَاطِنه على دين الله تَعَالَى وَيظْهر للنَّاس الظّرْف وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَفِيه نظر إِلَى قَول الخريمى
(فَتًى جَهْرُهُ ظَرْفُ وَباطِنُهُ تُقًى يُزَيِّنُ مَا يُخْفِى بِصَالِحِ مَا يُبْدِى)
[ ٢ / ٢٨٧ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أسكن ريَاح اللؤم بعد شدَّة هبوبها واستعار للؤم رياحا وللعلى مغنى وللندى رسما لما كَانَت الرِّيَاح تعفى الرسوم وتمحو المغانى يُرِيد أَن اللؤم كَانَ يغلب العلى والجود فَأذْهب بكرمه قُوَّة اللؤم وَقَالَ الواحدى وَقَوله مغنى العلى يجوز أَن تكون الْوَاو للْحَال فَيكون يودى وَيَعْفُو يُرَاد بهما الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال كَأَنَّهُ قَالَ أمات ريَاح اللؤم وَحَال معنى العلى أَنه مود وَحَال رسم الندى أَنه عاف وَيجوز أَن تكون للاستئناف كَأَنَّهُ قَالَ ومغنى العلى مِمَّا يُؤدى بهَا ورسم الندى مِمَّا يعْفُو بهَا وَقَالَ الْخَطِيب أَرَادَ أَن الممدوح أمات ريَاح اللوم عَن مغنى الغلى ورسم الندى وكادت تعفوهما وَلم يرد أَن الندى قد أودى بكليته وَلكنه عَفا بعضه فَتَدَاركهُ هَذَا الممدوح فإماتة ريَاح اللوم عَنهُ
٢٥ - الْغَرِيب الوطف جمع وطفاء وهى السحابة المسترخية الجوانب لِكَثْرَة مَائِهَا والديم جمع دِيمَة وهى دوَام الْمَطَر فى الْيَوْم والاثنين وَالثَّلَاثَة وهطلت السحابة صبَّتْ ماءها وديمة هطلاء قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(دِيمَةُ هَطْلاءُ فِيها وَطَفٌ )
الْمَعْنى يَقُول لم ير قبل هَذَا الممدوح أحد إِذا أعْطى استحيت السحب وخجلت من عطائه
٢٦ - الْغَرِيب قلَّة الْمجد أَعْلَاهُ الْمَعْنى وَلَا رَأينَا ساعيا فى أَعلَى الْمجد أدْرك بِفِعْلِهِ مَا لَيْسَ يُدْرِكهُ الْوَصْف كَقَوْل الحكمى
(إنَّ السَّحابَ لَسْتَحِيى إِذا نَظَرَتْ إِلَى نَدَاكَ فَقاسَتْهُ بِمَا فِيهَا)
٢٧ - الْغَرِيب العبء الثّقل والطرف الْفرس وَفرس طرف من خيل طروف والطرف الْكَرِيم من الفتيان الْمَعْنى يَقُول هُوَ يحمل الثّقل ويستصغر الدُّنْيَا ويحمله طرف
[ ٢ / ٢٨٨ ]
- الْمَعْنى أَنه جعله كالبحر الْمُحِيط بالدنيا لِكَثْرَة نداه وعطاياه أى لم يجلس الْبَحْر قبله لمن يَقْصِدهُ وَمن تَحْتَهُ فرش يقلهُ وَمن فَوْقه سقف يظله
٢٩ - الْغَرِيب الْقَرَاطِيس جمع قرطاس وَهُوَ مَا يكْتب فِيهِ والصحف جمع صحيفَة وهى الْكتب الْمَعْنى تعجبى من أَنى أُرِيد أَن أحاول وصف رجل فنيت فى وَصفه الْقَرَاطِيس وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(تَرَكْتَهُمْ سِيَرًا لَوْ أنَّها كُتِبَتْ لمْ تُبْقِ فِى الأرْضِ قِرْطاسا وَلا قَلَما)
٣٠ - الْمَعْنى يَقُول من كَثْرَة مَا يخبر عَن مركرماته ويحث عَنْهَا كلما مر مِنْهَا نوع أَتَى نوع آخر فالصنف على هَذَا صنف من مكرماته وَيجوز أَن يكون الصِّنْف من القصاد الَّذين يقصدونه ويأتونه لِكَثْرَة مَا يسمعُونَ من تِلْكَ الْأَخْبَار يمضى صنف قد صدرُوا عَنهُ ويأتى صنف يقصدونه
٣١ - الْمَعْنى يَقُول تفتر الْأَخْبَار عَن خِصَال كَأَنَّهَا تسفر وتنجلى وَأَصله فى الضحك إِذا بَدَت الْأَسْنَان شبه خصاله فى حسنها وحلاوتها بثنايا معشوق لَا يمل مص رِيقهَا
٣٢ - الْمَعْنى أَنه يفضل غَيره من الْكِرَام كفضل الْأنف على الذَّنب جعله كالأنف وَغَيره كالذنب لشرفه وعلو قدره وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحطيئة
(قَوْمٌ هُمُ الأنْفُ والأذْنابُ غَيرُهُمُ وَمَنْ يُسَوِّى بأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبا)
قيل إِن الحطيئة مدح بِهَذَا الشّعْر قوما مَا كَانُوا ينبزون بأنف النَّاقة وَكَانُوا يكرهونه فَلَمَّا مدحوا بِهِ افْتَخرُوا بلقبهم
٣٣ - الْإِعْرَاب نفوعان خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هما نفوعان الْغَرِيب التبر الذَّهَب والمكدى الذى لَا خير عِنْده الْمَعْنى يَقُول الذَّهَب والفضلة وَاحِد وَإِن اجْتمعَا فى الْمَنْفَعَة فليسا سَوَاء وَمثله لِابْنِ الرومى
(وَجَدْتُكُمْ مِثْلَ الدَّنانِيرِ فِيهِمُ وَسائِرَ هَذَا الخَلْقِ مِثلَ الدَّرَاهِمِ)
[ ٢ / ٢٨٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول لست بِقَلِيل وَلَا صَغِير الْمِقْدَار وَلَا بخسيس فيرتجى الْغَيْث دونه وَلَا ترتجى أَنْت وَلَيْسَ وَرَاءَك للجود مُنْتَهى يُرِيد أَن الْجُود مَقْصُور عَلَيْك لَا يرتجى الْغَيْث دُونك وَلَا يتَجَاوَز عَنْك وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر
(مَا قَصَّرَ الجودُ عَنْكُمْ يَا بَنِى مطَرٍ وَلا تجاوَزَكُمْ يَا آلَ مَسْعُودِ)
(يَحُلَّ حَيْث حَلَلْتُمْ لَا يُفارِقُكُمْ مَا عاقَبَ الدَّهرُ بينَ البِيضِ والسُّودِ)
وكقول أَشْجَع
(فَمَا خَلْفَهُ لاِمْرِئٍ مَطْمَعٌ وَلا دُونَهُ لاِمْرِئٍ مَقْنَعُ)
وكقول الطائى
(إليكَ تَناهَى المجْدُ مِن كُلّ وِجْهِةٍ يَصِيرُ فَمَا يَعْدُوكَ حَيْثُ تَصِيرُ)
وَرفع خلفا لِأَنَّهُ جعله اسْما لَا ظرفا
٣٥ - الْإِعْرَاب وَلَا وَاحِدًا عطف على خبر لَيْسَ الذى هُوَ مُنْتَهى الْجُود وَهُوَ نصب على الْموضع قبل دُخُول الْبَاء وَمثله
(مُعاوِىَ إنَّنا بَشَرٌ فأسْجِحْ فَلَسْنا بالجبالِ وَلا الحديدَا)
الْمَعْنى يَقُول لست وَاحِدًا من جَمِيع النَّاس وَلَا بَعْضًا من كلهم وَلَكِنَّك ضعف جَمِيعهم لِأَنَّك تغنى غناءهم فى الْحَاجة وتزيد عَلَيْهِم زِيَادَة ضعف الشئ على الشئ
٣٦ - الْإِعْرَاب نصب مثله لِأَنَّهُ نعت نكرَة فَقدم عَلَيْهَا فينصب على الْحَال والنكرة ألف فَكَأَنَّهُ قَالَ بل أَنْت ألف وَمثله قَول كثير
(لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ )
الْمَعْنى يَقُول لست ضعف الورى حَتَّى يكون ذَلِك الضعْف ضعفين ثمَّ تزيد على ذَلِك بأضعاف كَثِيرَة حَتَّى تبلغ ألفا وَالْمعْنَى أَنَّك فَوق الورى وَمثله لأبى نواس
(آلَ الرَبيعِ فَضَلْتُمُ فَضْلَ الخَمِيسِ على العَشِيرِ)
(وَإذَا حَسَبْتُمْ فَضلهمْ لَمْ تَبْلُغُوا عُشْرَ العَشِيرِ)
[ ٢ / ٢٩٠ ]
- ٣٧ - الْإِعْرَاب أقاضينا ناداه بِهَمْزَة النداء الْمَعْنى يَقُول أَنْت أهل للذى أثنى عَلَيْك بِهِ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَنا غَلطت لَيْسَ هَذَا ثلثى مَا أَنْت أَهله وَلَا النّصْف
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول أَنا قصرت فى مدحك وَالتَّقْصِير ذَنْب والذنب لَا يمدح بِهِ وَلَكِن جِئْت لتقصيرى مُسْتَغْفِرًا من ذنبى وَأَنا أسأَل عفوك قَالَ
(وَعِنْدِى أيادٍ جَمَّةُ لَمْ أجِدْ لَهَا باحْصَائها عِنْدِى لِسانا مُعَبِّرَا)
(وَلكِنَّ جُهْدِى أنْ أقُولَ ومَا عَسَى لِذى الجُهْدِ إلاَّ أنْ يقُولَ فَيُعْذَرَا)
ولأبى تَمام
(وَما كنتُ إلاَّ مُذْنِبا يوْمَ أنْتَحِى سِوَاكَ بآمالى فَجِئْتُكَ تائِبا)
١ - الْغَرِيب الحتوف جمع حتف وَهُوَ الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول إِن الملابس لَهُ بِهِ وبمثله يشق صُفُوف الْأَعْدَاء يَوْم الوغى آمنا على نَفسه لحصانته وَلَا تعْمل فِيهِ الحتوف
٢ - الْغَرِيب الجواشن جمع جوشن وَهُوَ الدرْع وجوشن اللَّيْل وَسطه الْمَعْنى يَقُول ألقه أى اطرَحهُ لقى مطروحا وَلَا تلبسه فَإنَّك من قوم لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الدروع إِنَّمَا دروعهم فى البرَاز الأسنة وَالسُّيُوف لشجاعتهم وَهُوَ من معنى قَول الآخر
(ونحْنُ أُناسٌ لَا حُصُونَ بِأرْضِنا نَلُوذُ بِها إلاَّ الْقَنا والْقَوَاضِبُ)
[ ٢ / ٢٩١ ]
- ١ - الْمَعْنى أَن هَذَا المنتسب لَهُ أَرَادَ أَن يقْتله لَيْلًا فَقَالَ هُوَ منتسب إِلَى من أحبه وَلكنه يُرِيد قَتْلَى وللنبل حولى من يَدَيْهِ صَوت يحف بى
٢ - الْمَعْنى يَقُول حرك شوقى لمن ذكره وَمَا حننت فى تِلْكَ الْحَال مهانة وَلَكِن الْكَرِيم طبعه الألفة
٣ - الْإِعْرَاب دوَام مصدر فنصبه على الْمصدر الْمَعْنى أَن الوداد الذى لَا يَدُوم على الْأَذَى كدوام ودى لأبى العشائر وداد ضَعِيف لَا يعْتد بِهِ
٤ - الْمَعْنى أَن إحسانه أَكثر من إساءته وَالْكثير لَا يغلبه الْقَلِيل وَإِن تكن إساءتى بِفعل وَاحِد فقد سرنى بِأَفْعَال كَثِيرَة وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(أيَذْهَبُ يَوْمٌ وَاحِدٌ إنْ أسأْتُهُ بِصَالِحِ أيَّامى وَحُسْنِ بَلائِيا)
٥ - الْمَعْنى يَقُول أفديه بنفسى وَأَنا مَمْلُوك لَهُ وَلكنه مَالك عنيف لَا يرفق بى بعد أَن ملكنى كَمَا قَالَ
(أُرِيدُ حَياتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِى )
١٥٠
- ١ - الْمَعْنى يَقُول أَعدَدْت للغادرين يعْنى عَبده وَالَّذين أَرَادوا أَن يسرقوا خيله سيوفا أقطع بهَا أنوفهم وَجمع الْأنف آنف وأنوف وآناف
[ ٢ / ٢٩٢ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أطرن للسيوف الْغَرِيب أرؤس جمع رَأس كرءوس وَجمع قحف أقحاف وقحوف وَهُوَ أَعلَى الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول لَا رحم الله رُءُوسهم الَّتِى أطارت السيوف أقحافها عَن هامها
٣ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ أَن لَا تكون فَحذف لَا أَو يكون على حذف مُضَاف تَقْدِيره غير قلتهم وَعدم كَون المئين فَيكون على هَذَا وَأَن تكون فى مَوضِع جر تَقْدِيره وَغير كَون المئين الْمَعْنى يَقُول مَا يكره السَّيْف غير قلَّة عَددهمْ لِأَنَّهُ يُرِيد الْكَثْرَة فَيقْتل الجم الْكثير وَيقتل مِنْهُم ألوفا لَا مئين ليقْتل كل عبد سوء فى الدُّنْيَا
٤ - الْغَرِيب الخامعات يُرِيد الضباع لِأَن الضبع يخمع فى مَشْيه وَلِهَذَا قيل للضبع العرجاء الْمَعْنى يَقُول للمقتولين يَا شَرّ لحم أسلت دَمه حِين فجعته بدمه وَتركته مأكلا للضباع فأكلته وَدخل أجوافها
٥ - الْغَرِيب زجر الطير والعيافة كَانَت الْعَرَب تَقول بهما فَإِذا نفرت الطَّائِر فَإِن نفر عَن يَمِين تفاءلت بِهِ أَو عَن شمال تشاءمت الْمَعْنى يَقُول للْعَبد الذى قَتله قد كنت فى غنى عَن أَعمال الرجز والعيافة فى إقدامك على وتعرضك للغدر بى وَكَانَ هَذَا العَبْد سَأَلَ عائفا عَن حَال المتنبى فَذكر من حَاله مَا زين للغدر بِهِ وَقَوله سؤالك بى يُرِيد عَنى
٦ - الْمَعْنى يَقُول أَنا وعدت سيفى أَن أضْرب بِهِ من تعرض لَهُ وأحوجنى إِلَى ضربه وَخفت لما اعترضت لأخذ الْفرس أَن أترك قَتلك فأخلف سيفى مَا وعدته
٧ - الْمَعْنى يَقُول لم يكن فِيك خير تذكر بِهِ وَلَا تبكى عَلَيْك عين والتوكاف تفعال من الوكف وَهُوَ جَرَيَان المَاء
٨ - الْمَعْنى يَقُول الْغَايَة الَّتِى يخافها الْمَرْء الْقَتْل أَو الْمَوْت وَإِذا أَرَادَ بى أحد غدرا كافاته بِالْقَتْلِ وَلَيْسَ لَهُ عندى سوى الْقَتْل
[ ٢ / ٢٩٣ ]
- ١ - الْإِعْرَاب أيدرى اسْتِفْهَام إِنْكَار وَقَوله أراقا قدمه على شاقا وَكَانَ الأولى أَن يُقَال شاق ثمَّ يذكر أراق لِأَنَّهُ إِذا لم يشق الرّبع لم يَبْرق دَمه لَكِن الْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب الْغَرِيب شاقه يشوقه شوقا واشتياقا وأراق وهراق بِمَعْنى وَهُوَ سكب الدمع وَالْمَاء وَغَيرهمَا الْمَعْنى يَقُول أيدرى هَذَا الرّبع أى الْوُقُوف بِهِ أراق دَمه مِمَّا كلفه من الْبكاء فِيهِ وأكد اشتياقه بِمَا جدد لَهُ من الْحزن عَلَيْهِ وَالْعرب تَقول الْخَوْف إِذا أفرط والبكاء إِذا اتَّصل امتزج الدمع بِالدَّمِ فتلاه فى جريه وَانْحَدَرَ فى أَثَره
٢ - الْمَعْنى يَقُول لنا وللراحلين من أَهله قُلُوب تتلاقى أبدا بِمَا هى عَلَيْهِ من الشوق والتذكار لسالف الْعَهْد وَأَيَّام الْوِصَال فى أجسام متنافية وأجساد غير متلاقية وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن المعتز
(إنَّا عَلى الْبِعادِ والتَّفَرُّقِ لَنَلْتَقِى بالذّكْرِ إنْ لَمْ نَلْتَقِ)
٣ - الْغَرِيب عَفا درس الْمحل الْموضع وَالْمقر والمنزل الْمَعْنى يَقُول لَا ذَنْب للرياح لِأَنَّهَا لم تدرسه وَلم تغير مَنَازِله وَإِنَّمَا عفاه الحادى بسكانه وَذَلِكَ أَنهم لَو لم يرحلوا عَنهُ لما درس الرّبع فالذنب للحداة وَهَذَا قريب من قَول أَبى الشيص
(مَا فَرَّقَ الأُلاَّفَ بَعْدَ اللهِ إلاَّ الإبِلُ)
(والنَّاسُ يَلْحَوْنَ غُرَا بَ البَيْنِ لَمَّا جَهلُوا)
(وَما إذَا صَاحَ غُرَا بٌ فى الدِّيارِ احْتَمَلُوا)
(وَلا عَلى ظَهْرِ غُرَا بِ البَيْنِ تُطْوَى الرِّحَلُ)
(وَما غُرَابُ البَيْن إلاَّ ناقَةٌ أوْ جَمَلُ)
[ ٢ / ٢٩٤ ]
- الْمَعْنى يَقُول إِن الْهوى جَار عَلَيْهِ فَحَمله مَا لَا يطيقه فَلَو عدل فى حكمه وأنصف من نفسة حمل كل قلب مَا يطيقه من الْحبّ وأودعه مَا يسْتَقلّ بِهِ من الصبابة والوجد حَتَّى يكون الْمُحب والمحبوب سَوَاء وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه أعشق العشاق وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(فيا رَبّ قَدْ حَمَّلْتَنِى فَوْقَ طاقَتِى مِنَ الحُبّ حِمْلًا قاتِلى فَوْقَ مَا بِيا)
(وَإلاَّ فَساوِ الحُبَّ يَا رَبّ بَيْنَنا يَكُون سَوَاءً لَا عَلىَّ وَلا لِيا)
٥ - الْغَرِيب الْعين الشكرى الممتلئة بالدمع واشتكر ضرع النَّاقة إِذا امْتَلَأَ لَبَنًا والماق طرف الْعين مِمَّا يلى الْأنف وَهُوَ مخرج الدمع من الْعين الْمَعْنى يَقُول قد نظرت إِلَيْهِم عِنْد رحيلهم وَالْعين ممتلئة بدمعها فَصَارَت كلهَا مخرجا للدمع لكثرته فِيهَا وَشدَّة الْحَرَارَة مِنْهَا يخبر عَن غَلَبَة الْبكاء من ألم الْفِرَاق
٦ - الْغَرِيب التَّمام الْكَمَال والمحاق بِضَم الْمِيم وَكسرهَا النُّقْصَان والسقم والسقم لُغَتَانِ الْمَعْنى يَقُول لما ارتحلوا أَخذ الْبَدْر فيهم الْكَمَال فى حسنه وجماله وأعطانى المحاق من السقم والنحول من الوجد بِهِ والتضاؤل بعد الْفَقْد لَهُ وطابق بَين المحاق والتمام وَمثله
(يَا مَنْ يُحاكى البَدْرَ عِنْدَ تَمامِهَ اِرْحُمْ فَتى يَحْكِيهِ عندَ مَحاقِهِ)
٧ - الْغَرِيب الْفَرْع الشّعْر والنياق جمع نَاقَة يُقَال نَاقَة ونوق ونباق وأنوق وناقات الْمَعْنى لما جعله بَدْرًا والبدر لَا يخص النُّور بعضه وَصفه بِأَنَّهُ كُله نور من فَرعه إِلَى قدمه فَجعله كَامِلا وَهُوَ يَقُود النياق بِلَا أزمة وَالْمعْنَى أَنه أَرَادَ بِالنورِ وَجهه لضيائه وَحسنه وَقد ذكر محاسنه وَاحِدًا وَاحِدًا فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ ثمَّ ثنى بالطرف وَذكر محاسنه وَالضَّمِير فى أزمتها للنياق وَجَاز تَقْدِيم الضَّمِير لِأَنَّهُ مُؤخر فى الرُّتْبَة وَنظر إِلَى قَول أَبى الْعَتَاهِيَة
(وَلَوْ أنَّ رَكْبا يَمَّمُوكَ لَقادَهُمْ نَسِيمُكَ حَتَّى يَسْتَدِلَّ بهِ الرَّكبُ)
وَإِلَى قَول الآخر
(وأخْفَوْا عَلى تِلكَ المَطايا مَسِيرَهُمْ فَنَمَّ عَلَيْهِمْ فِى الظَّلامِ التَّبَسُّمُ)
[ ٢ / ٢٩٥ ]
- الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان جَاءَ الْقُرْآن بهما فى قَوْله تَعَالَى ﴿لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وسقاهم رَبهم شراب طهُورا﴾ بِغَيْر خلاف وَاخْتلف فى قَوْله ﴿نسقيكم﴾ فى النَّحْل وَالْمُؤمنِينَ فَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر فى الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْح الننون وَالْبَاقُونَ بضَمهَا والدهاق الملأى الْمَعْنى وَله لحظ فاتر وطرف سَاحر إِذا سقى المغرمين بِهِ كأسا ناقصه سقانيها مترعة يُرِيد أَنه أعشق العشاق لَهُ وَينظر إِلَى قَول الْقَائِل
(وَما لَبِسَ العُشَّاقُ مِنْ حُلَلِ الهَوَى وَلا أخْلَقُوا إلاَّ الثِّيابَ الَّتِى أُبْلِى)
(وَلا شَرِبُوا كأْسا مِنَ الحُبّ حُلْوَةً وَلا مُرَّةً إلاَّ شَرَابُهُمُ فَضْلِى)
٩ - الْغَرِيب النطاق كل مَا شددت بِهِ وسطك وتقويت بِهِ وفى الْمثل
(من يَطُلْ هَنُّ أَبِيه ينتطق بِهِ )
أى من كثر بَنو أَبِيه فَهُوَ يتقوى بهم وَمثله المنطقة وَقَالَ أهل اللُّغَة النطاق هُوَ شقة تلبسها الْمَرْأَة وتشد وَسطهَا ثمَّ ترسل الْأَعْلَى على الْأَسْفَل إِلَى الرّكْبَة والأسفل ينجر على الأَرْض وَلَيْسَ لَهَا حجزة وَلَا نيفق وَلَا ساقان وَالْجمع نطق وَكَانَت أَسمَاء بنت أَبى بكر ﵄ زوج الزبير بن الْعَوام تسمى ذَات النطاقين لِأَنَّهَا سقت نطاقها نِصْفَيْنِ فشدت سفرة رَسُول الله
عِنْد هجرته إِلَى الْمَدِينَة وتمنطقت بِالنِّصْفِ الآخر فسماها رَسُول الله
ذَات النطاقين الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تُؤثر الْأَبْصَار فى خصره لنعومته وبضاضته أى تُؤثر فى خصره بِالنّظرِ إِلَيْهِ كَأَن عَلَيْهِ من آثَار الأحداق نطاقا وَقَالَ أَبُو على كَيفَ تُؤثر الْأَبْصَار فى خصره وهى لَا تصل إِلَيْهِ لِأَن الخصر لَا يتجرد من الثِّيَاب والخصر لَا يُوصف بالنعومة وَإِنَّمَا يُوصف بهَا الوجنات والخدود والذى أَرَادَ أَبُو الطّيب أَن الْأَبْصَار تثبت فى خصره اسْتِحْسَانًا لَهُ وتكثر عَلَيْهِ من الجوانب حَتَّى تكون كالنطاق عَلَيْهِ وَهَذَا مَنْقُول من قَول بشار
(وَمُكَلَّلاتٍ بالْعُيُو نِ طَرَقْنَنا وَرَجَعْنَ مُلْسَا)
يُرِيد أَنَّهُنَّ لحسنهن تعلو الْأَبْصَار إِلَى وجوههن ورءوسهن كَأَن بهَا إكليلا من الْعُيُون وَقد نَقله أَبُو الطّيب إِلَى الخصر والإكليل إِلَى النطاق وَقد كشفه السرى الموصلى بقوله
(أحاطَتْ عُيُونُ النَّاظِرِينَ بِخَصْرِهِ فَهُنَّ لَهُ دونَ النِّطاقِ نِطاقُ)
وَقد نقل الشريف هبة الله بن الشحرى كَلَام ابْن فورجة فى أَمَالِيهِ حرفا حرفا وَمعنى الْبَيْت أَن خصره دَقِيق تثبت الْأَبْصَار فِيهِ وتتردد لحسنه عَلَيْهِ وتكثر الْإِعْجَاب مِنْهُ حَتَّى كَأَن عَلَيْهِ نطاقا يَشْمَلهُ ووشاحا يعمه
[ ٢ / ٢٩٦ ]
- الْغَرِيب السِّيرَة الْمَذْهَب وَالْعَادَة والطريقة والهملعة النَّاقة الْخَفِيفَة القوية والدناق السريعة المتدفقة فى السّير الْمَعْنى يُخَاطب المحبوبة وَيَقُول سلى عَن طريقى هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِى ذكرت فإنى لَا يصاحبنى فى الْأَهْوَال سواهَا إِشَارَة إِلَى أَنه شُجَاع فى الْإِقْدَام على الْأَهْوَال وَالْقُوَّة على الْأَسْفَار والنفاذ فى الفلوات
١١ - الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والسماوة فلاة بَين الشأم وَالْعراق ونجد أَرض بَين الْعرَاق والحجاز أَولهَا من أَرض العذيب وَآخِرهَا سميراء ذ تبعد عَن الْكُوفَة بِخمْس عشرَة لَيْلَة ونكبنا أى عدلنا نكب عَن الطَّرِيق إِذا عدل عَنهُ الْمَعْنى يَقُول تركنَا نجدا والسماوة من وَرَائِنَا لقصدنا هَذَا الممدوح
١٢ - الْغَرِيب الداجى المظلم والائتلاق البريق واللمعان وتألق الْبَرْق إِذا لمع الْمَعْنى يَقُول لم تزل العيس ترى فى ظلمَة اللَّيْل نور وَجه سيف الدولة يُرِيد ترى لسيف الدولة ضِيَاء يقتادها ونورا يسطع لَهَا وَهَذَا يُشِير إِلَى مَا يظْهر فى أرضه من فَضله ويشرق فِيهَا من أنوار مجده وَهُوَ مَنْقُول من قَول سحيم
(إذَا نحْنُ أدْلَجْنا وأنْتَ أمامَنا كَفَى لِمَطايانا بِوَجْهِكَ هادِيا)
وَمثله لأبى الطمحان
(أضَاءَتْ لَهُمْ أحْسابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى اللَّيلِ حَتَّى نَظَّمَ الجزِعْ ثاقِبُهُ)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول دليلها إِلَى الممدوح ريَاح الْمسك تنشقها من قبله وَهُوَ من قَول أَبى الْعَتَاهِيَة
(وَلَوْ أنَّ رَكبا يَمَّمُوكَ لَقادَهُمْ نَسِيمُكَ حَتَّى يَستدلَّ بهِ الرَّكْبُ)
وَمن قَول ابْن الرومى
(فَهَدَتْ عُيُونَهُمُ لَهُ أضْوَاؤُهُ وَهَدَتْ أَنُوفَهُمُ لهُ أرْوَاحُهُ)
وَمن قَوْله أَيْضا
(إنْ جَاءَ مَنْ يَبْغِى لَنا مَنْزِلًا فَقُلْ لَهُ يَمْشىِ وَيسْتَنْشِقُ)
وَمن قَول أَبى مُسلم
(أرَادُوا لِيُخْفُوا قبرَهُ عَنْ عَدُوّهِ فَطِيبُ تُرابِ القَبْرِ دَلَّ عَلى القَبْرِ)
[ ٢ / ٢٩٧ ]
- الْإِعْرَاب يرْوى أباحك أَيهَا الْوَحْش الأعادى ويروى يَا وَحش بِرَفْعِهِ على التَّخْصِيص وَخَصه بالنداء فَصَارَ كالمعرفة كَقَوْل الْأَعْشَى
(وَيْلِى عَلَيْكَ وَوَيْلى مِنْكَ يَا رَجُلُ )
الرفاق يُقَال رَفِيق ورفاق ورفقة الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة قد أَبَاحَ الْوَحْش أعداءه بِأَن قَتلهمْ وَجعل أَجْسَادهم أكلا لَك فَلم تقصدين الرفاق الَّتِى تسير إِلَيْهِ والركاب الَّتِى تَعَمّده وَهُوَ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة إِيقَاعه بِمن يُخَالِفهُ وَشدَّة استظهاره على من يعرضه وَيُقَال لم وَلم بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا وَالْوَقْف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَلذَلِك وقف البزى عَن ابْن كثير فى مثل هَذَا بِالْهَاءِ
١٥ - الْغَرِيب الرذايا المهازيل واحدتها رذية وهى مَا هزل من الْإِبِل وَانْقطع عَن السّير فَلَا يَسْتَطِيع براحا الْمَعْنى يُخَاطب الْوَحْش يَقُول لَو انْبَعَثَ مَا أَلْقَت قناه من الْقَتْلَى لكفك ذَلِك عَن التَّعَرُّض لمطايانا والارتقاب لنا ولعاقك ذَلِك عَنَّا ومنعك لكثرته
١٦ - الْمَعْنى لسنا نَخَاف أَيهَا الْوَحْش من سطوتك وَلَا نَخَاف على رِكَابنَا من مضرتك لِأَن مَا يُحِيط بِنَا من سَعَادَة الممدوح يعوذنا وَمَا نقلب فِيهِ من إقباله يعوقك فَلَو سلكنا إِلَيْهِ فى طَرِيق من النيرَان لعادت ببركته بردا وَسلَامًا لَا نحذرها وَأمنا وعافية لَا نتألمها وَمثله للطائى
(فَمَضَى لَوَ أنَّ النَّار دونَكَ خاضَها بالسَّيْفِ إلاَّ أنْ تَكُونَ النَّارَا)
يُرِيد جَهَنَّم ولأبى حَيَّة النميرى
(لَوْ أنَّ جَمْرَ النَّارِ دونَ بِلادِهمْ لَعَلِمْتَ أنِّى جَمْرَها مُتَخَوّضُ)
١٧ - الْإِعْرَاب إِمَام خبر خبر مبتدإ مَحْذُوف أى هُوَ إِمَام الْمَعْنى يَقُول هُوَ إِمَام الْخُلَفَاء يتقدمهم إِلَى من يخالفهم كتقدم الإِمَام للْمُتَقَدِّمين وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة لجلالته وعلو قدره وارتفاع أمره يَتَّخِذهُ الْخُلَفَاء من قُرَيْش وهم أَئِمَّة النَّاس إِمَامًا فى حروبهم يقدمونه إِلَى من يخذرون شقاقه ويتوقعون خِلَافه
[ ٢ / ٢٩٨ ]
- الْمَعْنى يَقُول يكون هَذَا الممدوح سَيْفا لَهُم يبطشون بِهِ عِنْد غضبهم وساقا للحرب يعتمدون عَلَيْهَا فبموضعه يقوى سلطانهم وبمكانه يذل لَهُم أعداؤهم
١٩ - الْغَرِيب الْمَكْر مجَال الضَّرْب والفهق الامتلاء والمتفهق الذى يتفهق فَمه بالْكلَام الْمَعْنى يَقُول لَا ننكر تبسمه فى أهوال سَاعَة من الْحَرْب وَهُوَ ضيق الْمَكْر بازدحام الْأَبْطَال وامتلائه وَقد ذكر عِلّة الْإِنْكَار لتبسمه بقوله فِيمَا بعده
(فقَدْ ضَمِنَتْ لهُ المُهَجَ الْعَوَالى )
وَهُوَ من قَول البحترى
(ضَحوكٌ إِلَى الأبْطالِ وَهْوَ يَرُوعُهُمْ وللسَّيْفِ حَدٌّ حِينَ يَسْطُو وَرَوْنَقُ)
٢٠ - الْغَرِيب الْعتاق الْخَيل الْكِرَام والعوالى الرماح الْمَعْنى يَقُول لَا كلفة عَلَيْهِ فى الْحَرْب لِأَن الرماح ضمنت لَهُ أَرْوَاح الْأَعْدَاء وَإِذا هم بِأَمْر أدْركهُ على ظُهُور خيله فهى حاملة همه وَقد فسر ذَلِك فى قَوْله
(إِذا أنعلن)
الخ
٢١ - الْغَرِيب إنعال الْخَيل تصفيح أياديها بالحديد والطراق تَضْعِيف جلد النَّعْل الْمَعْنى يَقُول إِذا أنعل خيله فى آثَار قوم وحاول غزوهم وَقصد أَرضهم وَإِن بعدوا بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم أسرعت تِلْكَ الْخَيل فى طَلَبهمْ فاستباحت حرمهم وعادت أَجْسَادهم بعد الْقَتْل كالطراق تدوسها الحوافر وتطؤها الْأَقْدَام وَمثله للحمانى
(لَمْ تشْكُ خَيلُهُمْ الوَجَى مِن رَوْحَةٍ إلاَّ انْتَعَلْنَ مِنَ الدّماءِ قَتِيلا)
٢٢ - الْغَرِيب النَّقْع رفع الصَّوْت وَبعده والصريخ المستغيث والمؤللة المحددة والدقاق الرقَاق وهى صفة للآذان وآذان الْخَيل تُوصَف بالدقة الْمَعْنى يَقُول إِذا نقع صَوت الصَّرِيخ نصبت الْخَيل آذانها لاستماعه لِأَنَّهَا تعودت إِجَابَة الداعى وَإِن كَانَ الصَّرِيخ يَدْعُو غَيْرهنَّ وَلذَلِك قَالَ إِلَى مَكَان يُرِيد إِلَى مَكَان سوى مكانهن وَهُوَ من قَول الآخر
(يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْبَطِرّ النقْعِ دَامِيَةً كأنَّ آذَانها أطْرَافُ أقْلامِ)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
- الْغَرِيب الفواق قدر مَا بَين الحلبتين وَيضْرب مثلا فى السرعة واللبث الْقَلِيل والفواق أَيْضا الشهقة الْعَالِيَة للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول خيله تجيب الصَّرِيخ بالطعان من غير لبث فى إجَابَته فتجعل الطعْن جَوَابا وَقدر اللّبْث بَين الْإِجَابَة وَبَين دُعَاء الصَّرِيخ قدر فوَاق نَاقَة أَو فوَاق إِنْسَان يُرِيد لَا لبث بَينهمَا وَأَن جَوَاب الصَّرِيخ يطعن هَذِه الْخَيل فى نحور الطارقين وَقد استبان ظفرها بفر الْأَعْدَاء عَنْهَا ناكصين وبتوليهم عَنْهَا منهزمين وَمثله لِسَلَامَةِ بن جندل
(كُنَّا إذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ كانَ الجَوَابُ لهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ)
٢٤ - الْإِعْرَاب من رفع ملاقية ومعودة أضمر لَهما ابْتِدَاء وَمن نصب جَعلهمَا حَالا وَالْعَامِل فيهمَا الْمصدر من قَوْله فَكَانَ الطعْن الْمَعْنى يَقُول خيل الممدوح تلقى نَوَاصِيهَا المنايا مُقَدّمَة ة عَلَيْهَا بوجهها مسرعة إِلَيْهَا وَقد اعتادت فوارسها معانقة الأقران فى الْحَرْب وَالْحَرب لَهَا حالات أَو لَهَا الملاقاة من بعيد ثمَّ المراماة ثمَّ المطاعنة ثمَّ المجالدة ثمَّ المعانقة
٢٥ - الْغَرِيب الهوادى جمع هادية وهى أَعْنَاق الْخَيل الْمَعْنى يَقُول تبيت رماحه فَوق أَعْنَاق خيله فى سراه إِلَى عدوه وَالْعرب تعرض الرماح على أَعْنَاق الْخَيل فى السّير وتسددها فى الْحَرْب وَمَا تئيره من العجاج كالرواق عَلَيْهَا يُشِير أَنه يسير إِلَى أعدائه ويدرع اللَّيْل نحوهم أخذا بالحزم وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وإعْمالى إلَيْكَ بِها المَطايا وَقَدْ ضَرَبَ العَجاجُ بِها رُوَاقا)
[ ٢ / ٣٠٠ ]
- الْغَرِيب الاصطباح والاغتباق مستعملان فى الشّرْب عِنْد الصَّباح والعشى الْمَعْنى تميل رماح هَذِه الفرسان كَأَن بهَا خمارا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تميل من لينها فَكَأَن تِلْكَ الْخمر تَتَكَرَّر عَلَيْهَا اغتباقا واصطباحا وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه كثير الغارات لَا تفتر خيله جائلة غدوا وعشيا وَهَذَا مثل قَول البحترى
(يَتَعَثَّرْنَ فِى النُّحورِ وفِى الأوْ جُهِ سُكْرًا لَمَّا شَرِبْنَ الدّماءَ)
٢٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما جاد وَأعْطى لم يفق من سكر الْجُود وَشرب الْخمر فَلم يسكر فتعجبت الْخمر لِأَنَّهَا لم تقدر على إِحَالَة ذهنه وَقصرت عَن مغالبة عقله وَاسْتولى عَلَيْهِ جوده فَلم يفق من طربه وَلَا صَحا من ارتياحه بِهِ وَالْأَحْسَن فى هَذَا قَول البحترى
(تَكَرَّمْتَ مِنْ قبلِ الكُئُوسِ عَلَيْهِمُ فَما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فيكَ تكرُّما)
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول أَقَامَ الشّعْر ينْتَظر أَوَان العطايا فَلَمَّا ظهر لَهُ مَا فاق الأمطار بكثرته فاق الأمطار الشّعْر أَيْضا بمدحه يُرِيد كَثْرَة الْأَشْعَار فى مدحه
٢٩ - الْغَرِيب القيان جمع قينة وهى الْجَارِيَة الْمُغنيَة وَغير الْمُغنيَة أوقع الْجمع موقع الْوَاحِد وَإِنَّمَا أعطَاهُ جَارِيَة والدهماء أَرَادَ الْفرس الَّتِى أَعْطَاهَا إِيَّاهَا وَالصَّدَاق بِكَسْر الصَّاد وَفتحهَا وَالْفَتْح اخْتِيَار الْكُوفِيّين وَهُوَ مهر الْمَرْأَة وَيُقَال صدَاق وَصدقَة وَصدقَة الْمَعْنى يَقُول وزنا من الشّعْر قيمَة الدهماء بريد أَنه بعث إِلَى سيف الدولة مَا كافأه بِثمن الدهماء وهى الْفرس الَّتِى كَانَ أهداها لَهُ ووفى صدَاق الْقَيْنَة الَّتِى أهداها لَهُ وَهَذَا يُشِير إِلَى أَنه قايض جوده بِشعرِهِ وكافأ هِبته بمدحه وسمى قيمَة الْجَارِيَة صَدَاقا لِأَن الْقيمَة للْأمة كالصداق للْحرَّة لِأَنَّهَا تستحل بِالثّمن كَمَا تستحل الْحرَّة بِالْمهْرِ
٣٠ - الْغَرِيب حاشا بِمَعْنى الإعاذة والتنزيه ويبارى يجارى ويباقى يفاعل من الْبَقَاء الْمَعْنى استدرك مَا كَانَ قَالَه فى الْبَيْت الْمُتَقَدّم من مكافاته بالشعر وَهُوَ قَوْله وزنا قيمَة الدهماء مِنْهُ وَأَنه جعل الشّعْر فى مُقَابلَة عطائه فَقَالَ حاشا لجودك أَن يجازى بشئ لِأَنَّهُ أَكثر مِمَّا يعاوضه شئ وكرمك لَا يباهى فى الْبَقَاء لِأَنَّهُ أبقى من كرم غَيْرك وَمعنى الْبَيْت أَن كرمك أَكثر وَأبقى من كرم غَيْرك
[ ٢ / ٣٠١ ]
- الْغَرِيب القرم الصعب من الْإِبِل والحقاق جمع حقة وهى الَّتِى اسْتحقَّت أَن يحمل عَلَيْهَا من النوق وَدخلت فى السّنة الرَّابِعَة والمداعبة الممازحة الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أَقُول مَا قلت ممازحة وملاعبة لأَنا نداعب مِنْك سيدا كل سيد عِنْده كالحقاق عِنْد القرم مَعْنَاهُ أَنْت ملك قد ذلت لَهُ الْمُلُوك وصغرت عِنْده كَمَا تذل الحقة للقرم
٣٢ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقتل الْقَتْلَى وَلَا يسلبهم وَيُطلق الأسرى بعفوه فعفوه يسلب الأسرى أغلالهم وقيودهم وَهَذَا من قَول عنترة
(يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الْوَقِيعَةَ أنَّنِى أغْشَى الوَغَى وأعِفُّ عنْدَ المَغْنَمِ)
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول إحسانك إِلَى لم يكن عَن غَفلَة مِنْك بل عَن علم وتجربة أَحْسَنت إِلَى وَلم اظفر بإحسانك من غير اسْتِحْقَاق كمن سرق شَيْئا يُرِيد فَمَا ظَفرت بِهِ مِنْك ظفر المسترق وَلَا قبله قبُول المختلس ولكنى كنت أَهلا لما أسديته وَكنت مصيبا فِيمَا أوليته قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول بلعام
(بضَرْبَةٍ لمْ تَكُنِ مِنِّى مُخَلَّسةً وَلا تَعجَّلْتُها جُبْنا وَلا فَرَقا)
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول الْبَرْق إِذا حاول لحاقى كبا لوجهه أى عثر وَسقط فأبلغ من يحسدنى عَلَيْك أَنى السَّاق الذى لَا يدْرك والمقدم الذى لَا يلْحق فَإِذا كَانَ الْبَرْق لَا يلْحق بى فَمن يلْحق بى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن قيل لم جعل الممدوح رَسُولا مبلغا عَنهُ وَهَذَا قَبِيح قيل إِنَّمَا حسن ذَلِك لقَوْله
(حاسدى عَلَيْك )
٣٥ - الْمَعْنى يَقُول لَا تغنى الرسائل فى عَدو الْأَقْوَال فِيهِ غير مجدية إِلَّا إِذا كَانَت الرسائل فَمَا مَاضِيَة والزواجر أفعالا وَاقعَة مَاضِيَة
[ ٢ / ٣٠٢ ]
- الْمَعْنى معرفتى النَّاس أَكثر من معرفَة اللبيب المجرب لأنى آكل وَهُوَ ذائق والذائق لَيْسَ فى الْمعرفَة كالآكل لِأَن الْآكِل أتم معرفَة من الذائق وَذَلِكَ لتمكنى فى اختيارهم وإحاطتى بمعرفتهم
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول لم أر مَا يتجاورون فِيهِ من الود إِلَّا الخداع والمكاذبة وَمَا يبدونه من الدّين إِلَّا نفَاقًا وَلَا يخلصون دينهم وَلَا ودهم
٣٨ - الْغَرِيب ألاق أمسك وَمِنْه
(كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بالسَّيفِ الدَّما)
الْمَعْنى كل بَحر دون يَمِينك وَمَا أمْسكهُ من مَائه على كثرته دون مَا لم تمسكه مِمَّا بذلته وَالْمعْنَى يقصر مَا أمْسكهُ الْبَحْر عَمَّا لم تمسكه وجدت بِهِ
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا قدرَة الله تَعَالَى وَأَنه قَادر على مَا يُرِيد يخلق مَا يَشَاء لقلنا إِن خلقك وفَاق أَو عمد لبعد الْوَهم أَن يكون مثلك خلق فى جودك وكرمك لما قد اجْتمع فِيك من ضروب الْخَيْر وتكامل لَك من صنوف الْفضل
٤٠ - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ يَقُول لاحطت لَك الْحَرْب سرجا بفقدها لَك وَلَا زلت مَالِكًا لتدبيرها وَلَا ذاقت الدُّنْيَا فراقك وَلَا زلت مُدبرا لأمورها وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحترى
(حُطَّتْ سُرُوجُ أَبى سَعِيدٍ وَاغْتَدَتْ أسْيافُهُ دُونَ العَدُوّ تُشامُ)
[ ٢ / ٣٠٣ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته لعينيك وَمَا تضمنتاه من السحر وأثارتاه من من لوعة الْحبّ مَا يلقاه قلبى من الوجد فِيمَا يستأنفه وَمَا لقِيه من قبل ذَلِك فِيمَا أسلفه وللحب الذى أسلمتنى إِلَيْهِ واقتصرت بى عَلَيْهِ مَا لم يبقه السقم منى مِمَّا أفنيته وَمَا بقى مِنْهُ مِمَّا أنحلته وَمَا أضنيته
٢ - الْمَعْنى يَقُول وَمَا كنت مِمَّن يمِيل إِلَى اللَّهْو والغزل وَلَا مِمَّن يمِيل إِلَى الْعِشْق قلبه وَلَكِن جفون عَيْنَيْك فتانة لمن يَرَاهَا فَتدخل الْعِشْق فى قلب من لم يعشق فَمن أبصرهَا تمكن الْعِشْق بِهِ وَمن شَاهدهَا تزين الْحبّ لَهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم
(وَقَدْ كانَ لَا يَصْبُو وَلَكِنَّ عَيْنَهُ رأتْ مَنْظَرًا يُصْبِى القُلُوبَ فَراقَها)
٣ - الْغَرِيب المترقرق الذى يجول فى الْعين وَلَا ينحدر الْمَعْنى يَقُول مَا بَين مَا أرجوه من رضَا من أحبه وأحذره من سخطه وَمَا أتمناه من اقترابه وأخافه من بعده مجَال للدموع الَّتِى تترقرق فى الْمقل كلفا بالحبيب وحذارا من الرَّقِيب وَهَذَا مَأْخُوذ من أَبْيَات الحماسة
(وَمَا فِى الأَرْضِ أشْقَى مِنْ مُحِبٍّ وَإنْ وَجَدَ الهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ)
(تَرَاهُ باكِيا فى كُلّ وَقْتٍ مَخافَةَ فُرْقَةٍ أوْ لاِشْتِياقِ)
(فَيَكْى إنْ نَأَوْا شَوْقا إلَيْهِمْ وَيَبْكى إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِرَاقِ)
(فَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّنائى وَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عنْدَ التَّلاقى)
٣ - الْغَرِيب الرب الصاحب وَالْمَالِك وَالْمُدبر الْمَعْنى يَرْجُو الْوَصْل ويتقى الهجر لمراعاة أَسبَاب الْوِصَال وَإِنَّمَا قَالَ مَا شكّ فى الْوَصْل لِأَن العاشق إِذا كَانَ فى حيّز الشَّك كَانَ الْوَصْل أَشد اغتناما وَإِذا تَيَقّن الْوَصْل كَانَ غير ملتذ بِهِ عِنْد وجوده وَإِذا كَانَ فى يأس من الْوَصْل لم تكن لَهُ لَذَّة الرَّجَاء فالهوى عَلَيْهِ بلَاء كُله كَمَا قَالَ الآخر
(تَعَبٌ يَطُولُ مَعَ الرَّجاءِ لِذىِ الهَوَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَاحَةٍ مَعَ ياسٍ)
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء من هَذَا الْمَعْنى فَمنهمْ زُهَيْر قَالَ
(وَقُدْ كُنْتُ مِنْ سَلْمَى سِنِينَ ثَمَانِيا عَلى صِيرِ أمْرٍ مَا يَمَرُّ وَما يَحْلُو)
وَقَالَ الجلاح
(مَدَدْتِ حَبْلَ غُرُورٍ غَيْرَ مُؤْيِسَةٍ فَوْتَ الأكُفِّ فَلا جُودٌ وَلا بُخُلُ)
(والصُّرْمُ أرْوَحُ مِنْ غَيْثٍ يُطَمِّعُنا فِيهِ مَخايِلُ مَا يُلْفَى بِها بَلَلُ)
وَقَالَ ابْن الرقيات
(تَرَكْبِتِنى وَاقِفا عَلى الشَّكّ لَمْ أصْدُرْ بِيأْسٍ مِنْكُمْ وَلمْ أرِدِ)
وَقَالَ ابْن أَبى زرْعَة الدمشقى
(فَكأّنى بَينَ الْوِصَالِ وبَينَ الْهَجْرِ مِمَّنْ مَقامُهُ الأَعْرَافُ)
(فِى مَحَلٍّ بَينَ الجِنانِ وبَينَ النَّارِ طَوْرًا أرْجُو وَطَوْرًا أخافُ)
وَقَالَ الخليع
(وَجَدتُ ألَذَّ الْعَيْشِ فِيما بَلَوْتُهُ تَرَقُّبَ مُشْتاقٍ زِيارَةَ شائِقِ)
وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف ذ
(وأحْسَنُ أيَّامِ الهَوَى يَوْمُكَ الَّذِى تُهَدَّدُ بالتَّحْرِيشِ فِيهِ وبالعَتْبِ)
(إذَا لَمْ يكُنْ فِى الحُبّ سُخْطٌ وَلا رِضًا فَأَيْنَ حَلاوَاتُ الرَّسائِلِ والْكُتْبِ)
وأصل الْبَيْت من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول الرَّجَاء تمن وَالشَّكّ توقف وهما أصل الأمل وَقَالَ الآخر أحلى الْهوى وأعذبه مَا كَانَ صَاحبه بَين يأس وطمع ومخافة وأمل فَهُوَ يحذر الهجر ويتقيه ويؤمل الْوَصْل ويرتجيه
[ ٢ / ٣٠٤ ]
- الْغَرِيب الرِّيق فيعل من راق يروق وَهُوَ أول الشَّبَاب وَمِنْه ريق الْمَطَر أَوله الْمَعْنى جعلهَا غَضبى لفرط دلالها على عاشقها وهى سكرى بسكر الحداثة وَجعل شبابه شفيها إِلَيْهَا وَهُوَ مثل قَول مَحْمُود الْوراق
(كَفاك بالشَّيْبِ ذَنْبا عِنْدَ غانيَةٍ وبالشَّبابِ شَفيعا أيُّها الرَّجُلُ)
وَمثله للبحترى
(أأخِيبُ عنْدَكَ وَالصّبا لى شافِعٌ وأُرَدُّ دُونَكَ والشَّبابُ رَسُولى)
وَمثله أَيْضا
(وَإِذا تَوَسَّلَ بالشَّبابِ أخُو الهَوَى ألْفاهُ نِعْمَ وَسيلَةُ المُتَوَسِّلِ)
[ ٢ / ٣٠٥ ]
- الْغَرِيب الأشنب الثغر الْبراق وَيُقَال المحدد الْوَاضِح الْأَبْيَض والمعسول الذى كَأَن فِيهِ عسلا الْمَعْنى يَقُول وَرب أشنب أى ثغر أشنب عذب مقبله وَاضح ثنيانه باهر حسنه سترت فمى عَنهُ ورعا وعفة فَقبل مفرقى كلفا وغبطة إجلالا لى وميلا إِلَى وَالْمعْنَى أَنه أحب وَصله وتعفف هُوَ عَمَّا حرم الله تَعَالَى
٧ - الْغَرِيب الأجياد جمع جيد وَهُوَ الْعُنُق والعاطل الذى لَا حلى عَلَيْهِ والمطوق الذى قد تطوق بالحلى الْمَعْنى يَقُول إِنَّه عفيف يصف نَفسه بالعفة والصيانة وَأَنه قد زَارَهُ من الحسان عاطلات وحاليات فَلم يُمَيّز بَين العاطل والمطوق
٨ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل عاشق عفيفا شجاعا مثلى يعْنى أَنه يشجع فى الوغى ويعف عِنْد الْهوى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَقَالَ الْمَرْأَة من الْعَرَب تُرِيدُ من صَاحبهَا أَن يكون مقداما فى الْحَرْب فترضى حِينَئِذٍ عَنهُ وَمِنْه قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(يَقُتْنَ جِيادَنا وَيَقُلْنَ لَسْتُمْ بُعُولَتَنا إذَا لَمْ تَمنَعُونا)
فَلهَذَا قَالَ ويرضى الْحبّ وَالْحب المحبوب يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى وَهَذَا الْبَيْت من الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم لسنا نمْنَع محبَّة ائتلاف الْأَرْوَاح إِنَّمَا نمْنَع محبَّة اجْتِمَاع الْأَجْسَام فَإِنَّمَا أذرك من طباع الْبَهَائِم وَهُوَ قريب من قَول أسلم
(أخَذْتُ لِطَرْفِ العَيْنِ مِمَّا تُصِيبُهُ وأخْلَيْتُ مِنْ كَفِّى مكانَ المُخلْخَلِ)
وكقول الخليع
(لى مَا حَوَاهُ قِناعُها مِن فَوْقِ مَا حَوَتِ الجُيُوبُ وَلِى مَكانُ ثَرَاها)
(لَمْ تُلْفِ مُعْتَنِفَيْنِ ليسَ عَلَيْهِما حَرَجٌ سِوَاىَ مَعَ الهَوَى وسِوَاها)
[ ٢ / ٣٠٦ ]
- الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ والبابلى نِسْبَة إِلَى بابل وَكَانَ بَلَدا قَدِيما إِلَّا أَنه خرب وَهُوَ مَا بَين بَغْدَاد والكوفة وَهُوَ إِلَى الْكُوفَة أقرب لِأَنَّهُ من أَعمالهَا الْمَعْنى يَدْعُو لأيام الصِّبَا مجَازًا بالسقيا وَمَا يُورثهَا الطَّرب وَيفْعل بهَا فعل الْخمر الْعَتِيق وَهَذَا على عَادَة الْعَرَب
١٠ - الْمَعْنى يَقُول إِذا استمعت بعمرك كالمستمتع بِمَا لبسه فنيت أَنْت وَمَا لبسته من الدَّهْر بَاقٍ لم يبل يعْنى أَن الْإِنْسَان يبْلى والدهر جَدِيد كَمَا هُوَ لَا يبْلى وَلِهَذَا يُسمى الأزلم الْجذع وَهُوَ من قَول الأول
(أرَى الدَّهْرَ يُخْلِقُنِى كُلَّما لَبْسْتُ مِنَ الدَّهْرِ ثَوْبا جُديدا)
وَقَالَ ابْن دُرَيْد
(إنَّ الجَدِيدَيْنِ إِذا مَا اسْتَوْلَيا عَلى جَدِيدٍ أدْنَياهُ لِلْبِلَى)
١١ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا نظرت إلَيْهِنَّ ونظرن إِلَى قتلهن وقتلننى خوف الْفِرَاق وَمَا منا إِلَّا مُشفق على صَاحبه هَذَا كَلَامه وَلم يعلم معنى الْبَيْت وَلَا تَفْسِيره قَالَ ابْن فورجة وبعثن يعْنى النِّسَاء ومفعول بعثن ضمير الألحاظ وَإِن لم يذكرهُ أى بعثنها كَقَوْلِك لم أر كزيد أَقَامَ الْأَمِير عريفا أى أَقَامَهُ وَلَا يجوز أَن يكون ضمير بعثن للألحاظ على إِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهَا وَقَوله
(بكلّ الْقَتْل )
أى بقتل فظيع ثمَّ قَالَ وَإِن بعثن ألحاظهن رسل الْقَتْل فهن مشفقات علينا من الْقَتْل وَغير قاصدات لقتلنا انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى يَقُول لم أر كالألحاظ يَوْم مفارقتى الَّذين ألفتهم وَلَا كفعلها عِنْد رحيل الَّذِي أحبهم بعثت لنا الْقَتْل مَعَ إشفاق المديرين لَهَا وهاجت لنا البث مَعَ إخلاص الملاحظين لَهَا فأوجعت بتفتيرها غير قاصدة وَقتلت بسحرها غير عامدة وَهُوَ من قَول النَّابِغَة
(فى إثْرِ غانِيَةٍ رَمَتْكَ بِسَهْمها فأصابَ قلْبَكَ غيرَ أنْ لمْ تُقْصِدِ)
[ ٢ / ٣٠٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول أدرن عيُونا حائرات متابعات لحظها متعبات بترادف دمعها كَأَنَّمَا وضعت أحداقها على الزئبق فهى حائرة لَا تسكن ومتعبة لَا تفتر وَنَقله من قَول الشَّاعِر يصف عقعقا
(يُقَلِّبُ عَيْنَيْنِ فى رأسِهِ كأنَّهُما قَطْرَتا زِئْبَقِ)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول يعدونا يصرفنا عَن النّظر إِلَى من نحبه الْبكاء لرحيله ويمنعنا من الالتذاذ بِالْقربِ خوفنا لفرقته والدمع إِذا امْتَلَأت بِهِ الْعين منع الْبَصَر أَن يبصر كَقَوْل الآخر
(نَظَرْتُ كأَّنى مِن وَرَاءِ زُجاجَةٍ إِلَى الدَّارِ مِنْ فَرْطِ الصَّبابَةِ أنْظُرُ)
كَقَوْل الآخر
(نَظَرْتُ كأَّنى مِن وَرَاءِ زُجاجَةٍ إِلَى الدَّارِ مِنْ فَرْطِ الصَّبابَةِ أنْظُرُ)
وَخَوف الْفِرَاق يمْنَع من لَذَّة الْوَدَاع كَقَوْل البحترى
(لَا تَعْذُلَنّى فى مَسِيرِى يَوْمَ سِرْتُ وَلمْ أُلاقِكْ)
(إنّى خَشِيتُ مَوَاقِفًا لِلْبَيْنِ تَسْفَح غَرْبَ مآقِكْ)
(وَذَكَرْتُ مَا يَجِدُ المُوَادّ عُ عِنْدَ ضَمِّكَ وَاعْتِناقِكْ)
(فَترَكْتُ ذَاكَ تَعِمُّدًا وخَرَجْتُ أهْرَبُ مِنْ فِراقِكْ)
وَقَول الآخر
(صَدَّنِى عَنْ حَلاوَةِ التَّشْيِيعِ حَذَرى مِنْ مَرَارَة التَّوْديعِ)
(لَمْ يَقُمْ أُنْسُ ذَا بِوَحْشَةِ هَذَا فَرأيْتُ الصَّوَابَ تَرْكَ الجَمِيعِ)
وَقَالَ غَيره
(يوْمَ الفِراقِ شكَوْتَ تَرْكَ وَداعِكُمْ والعُذْرُ فِيهِ مُوَسَّعٌ تَوْسِيعا)
(أوَهَلْ رأيِتَ وهَلْ سَمِعْتَ بِوَاحِدٍ يَمْشِى يُوَدّعُ رُوحَهُ تَوْديعا)
١٤ - الْغَرِيب أَبُو الهيجاء هُوَ وَالِد سيف الدولة والقنا الرماح واحدتها قناة وَالْفَيْلَق الكتيبة الشَّدِيدَة الْمَعْنى يَقُول للعين فِينَا عِنْد وداعنا لَهُم عمل كعمل رماح سيف الدولة فى أعدائه // وَهَذَا من أحسن المخالص //
[ ٢ / ٣٠٨ ]
- الْإِعْرَاب قواض مواض خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَلَا يجوز أَن يكون صفة وَلَا بَدَلا من قِنَا لِأَنَّهُ معرفَة لَا نكرَة الْغَرِيب الخدرنق العنكبوت وَإِذا جمعت قلت الخدارق وَهُوَ بِالدَّال الْمُهْملَة قَالَ الراجز
(ومَنْهَلٍ طام عَلَيْهِ الغَلْفَقُ يُنِيرُ أوْ يُسْدِى بِهِ الخَدَرْنَقُ)
الْمَعْنى يَقُول هَذِه الرماح قاضية على من يَقْصِدهُ مَاضِيَة على من يعتمده نسج دَاوُد من الدروع الَّتِى أحكمها صَنْعَة وأثبتها قُوَّة كنسج العنكبوت فى سرعَة خرقها لَهُ ونفاذها فِيهِ
١٦ - الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع الْمُسْتَتر فى سلاحه والجيوش جمع جَيش والأملاك جمع ملك الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هواد تهديهم وتقدمهم وَقَالَ الواحدى تهدى أَرْبَابهَا إِلَى أَرْوَاح الْمُلُوك وَيدل على صِحَة قَوْله
(كَأَنَّهَا تَخَيَّر )
وتنتفى يُقَال هديته إِلَى هَذَا وَلِهَذَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا﴾ فهى هواد أَصْحَابهَا إِلَى مُلُوك الجيوش وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(قَفا سِنْدِبايا والمَنايا كأنَّها تُهَدَّى إِلَى الرُّوحِ الخَفِى فّتَهْتَدى)
وَقَالَ العروضى فِيمَا استدرك على ابْن جنى لَا يُقَال هدى لَهُ إِذا تقدمه وَإِنَّمَا يُرِيد أَنَّهَا تهتدى إِلَى الْأَمْلَاك فتقصدهم وَقد بَينه ابْن فورجة فَقَالَ لَيْت شعرى مَا الْفَائِدَة فى أَن تتقدم رماح سيف الدولة الْأَمْلَاك وَإِنَّمَا قَوْله
(هواد )
بِمَعْنى مهتدية يُقَال هديت بِمَعْنى اهتديت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى﴾ ﴿وليكونن أهْدى من إِحْدَى الْأُمَم﴾ وَالْمعْنَى أَن سيوفه تهتدى إِلَى الْمُلُوك فتقتلهم
١٧ - الْغَرِيب تفك تحل والجوشن الدرْع وتفرى تقطع يرْوى تفك وتقد الْمَعْنى يَقُول تقطع رماح سيف الدولة على أعدائه كل درع للشدة طعن فرسانه وشجاعة أنفس أَصْحَابه فَإِنَّهَا لَا يعتصم مِنْهَا بسور وَلَا خَنْدَق
١٨ - الْغَرِيب اللقان بِأَرْض الرّوم وَهُوَ وَاد وواسط بِأَرْض الْعرَاق وهى الَّتِى بناها الْحجَّاج بن يُوسُف الثقفى وجلق يُقَال هى دمشق والفرات مَعْرُوف ويمتد من أَرض الرّوم إِلَى الْعرَاق الْمَعْنى يُشِير إِلَى كَثْرَة غاراته وانتشارها فى الْبِلَاد على كفار الْعَجم وعصاة الْعَرَب وَأَنه يُغير من الشَّام إِلَى الْعرَاق
[ ٢ / ٣٠٩ ]
- الْغَرِيب المتدقق المتكسر الْمَعْنى يَقُول يرجع الرماح حمرا بِالدَّمِ كَأَنَّهَا باكية على مَا تكسر مِنْهَا فصحاحها تبكى على مكسرها
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول لَا تبلغاه قولى فى صِفَات أَفعاله وطعان فرسانه فإنكما تبعثانه على ذَلِك لشجاعته فَإِنَّهُ يشتاق إِلَيْهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول كثير
(فَلا تُذْكِرَاهُ الْحاجِبِيَّةَ إنَّهُ مَتى تُّذْكِرَاهُ الْحاجِبِيَّةَ يَحْزَنِ)
وَمن قَول حبيب
(كثيرا مَا تذكره العوالي إِذا اشتاقت إِلَى العلق الْمَتَاع)
(كأنَّ بِهِ غَدَاةَ الرَّوْعِ وِرْدًا وَقَدْ وُصِفَتْ لَهُ نَفْسُ الشُّجاعِ)
٢١ - الْغَرِيب البنان الْأَصَابِع واحدتها بنانة وَالْكَلَام المشقق العويص الغامض الذى شقّ بعضه من بعض الْمَعْنى يُرِيد أَنه شُجَاع عِنْد اللِّقَاء فصيح عِنْد القَوْل قَادر عَلَيْهِ لعوب بِهِ لقدرته عَلَيْهِ فيريد أَن يَده على عَادَته من إِعْمَال السيوف فبنانه ضروبة بظباتها وَلسَانه على عَادَته من تصريف غوامض الْكَلَام وَهُوَ مدرك لغايانها وَذَلِكَ لقدرته على الْإِتْيَان بالبديع من الْكَلَام والبليغ مِنْهُ وَقد نَقله من الهجاء إِلَى الْمَدْح من قَول الأول
(فَباعِدْ يَزِيدًا مِنْ قِرَاعِ كَتِيبَةٍ وأدْنِ يَزِيدًا مِنْ كَلامٍ مُشَقَّقِ)
٢٢ - الْغَرِيب الْغَيْث السَّحَاب والفلك مدَار النُّجُوم الْمَعْنى يَقُول من سَأَلَ الْغَيْث قَطْرَة فقد قصر فى السُّؤَال كَذَلِك سائله وَإِن سَأَلَ الْكثير كَانَ مقصرا عَمَّا تَقْتَضِيه همته من الْبَذْل وعاذله فى الْجُود غير مُطَاع بل يَقُول الْمحَال كمن قَالَ للفلك ارْفُقْ فى حركتك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَمَا أَن الْغَيْث لَا تُؤثر فِيهِ القطرة كَذَلِك سائله لَا يُؤثر فى مَاله وجوده وَقَالَ العروضى وَهَذَا على خلاف الْعَادة فى الْمَدْح لِأَن الْعَرَب تمدح بالعطاء على الْقلَّة والمواساة مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ وَقَالَ الشَّاعِر
(ولمْ يكُ أكثرَ الفِتْيانِ مَالا وَلَكِنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِرَاعا)
والذى فسره مدح بِكَثْرَة المَال لَا الْجُود وَإِنَّمَا أَرَادَ من عَادَته وطبعه الْجُود كعادة الْغَيْث أَن يقطر فسائله مستغن عَن تَكْلِيفه مَا هُوَ فى طبعه قَالَ ابْن فورجة هُوَ يَقُول من يسْأَل الْغَيْث قطره فقد تكلّف مَا اسْتغنى عَنهُ إِذْ قطرات الْغَيْث مبذولة لمن أرادها كَذَلِك سَائل هَذَا الممدوح يتَكَلَّف مَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ وَهُوَ يعْطى قبل السُّؤَال
[ ٢ / ٣١٠ ]
- الْمَعْنى يَقُول قد عَم وَوصل برك إِلَى أهل كل مِلَّة من الْملَل وحمدك أهل كل لُغَة لما نالوا من برك وإحسانك فقد فاض جودك فى الْأُمَم وحمدك كلهم
٢٤ - الْغَرِيب الارتياح الطَّرب والمجتدى السَّائِل والمتملق الذى يخضع ويلين كَلَامه مَأْخُوذ من الصَّخْرَة الملقة وهى الملساء الْمَعْنى يُرِيد أَن ملك الرّوم لما علم طربك وميلك إِلَى الْكَرم خضع لَك خضوع السَّائِل وَفِيه نظر إِلَى قَول الْقَائِل
(وَلَوْ لَمْ تناهِضْهُ وأبْصَرَ عُظْمَ مَا تُنِيلُ مِنَ الجَدْوَى لَجاءَكَ سائِلا)
٢٥ - الْغَرِيب السمهرية منسوبة إِلَى سمهر زوج ردينة كَانَا يقومان الرماح والدربة الْعَادة ودرب بالشئ اعتاده وضرى بِهِ قَالَ الشَّاعِر
(وفِى الْحِلْمِ إذْعانٌ وفِى العَفْوِ دُرْبَةٌ وفِى الصِّدْقِ مَنْجاةٌ مِنَ الشَّرّ فاصْدُقِ)
والحاذق الْعَارِف الْخَبِير بالصنعة الْمَعْنى يَقُول ملك الرّوم خلى الرماح وَرجع صاغرا إِلَى مسئلة سيف الدولة عَالما بِأَنَّهُ أحذق مِنْهُ فى الطعْن وأدرب مِنْهُ فى التصريف لَهَا لِأَنَّهُ شُجَاع لَا يجاريه شُجَاع
[ ٢ / ٣١١ ]
- الْمَعْنى يَقُول كَاتب من بعد أرضه وَلكنهَا قريبَة على خيلك وَقَالَ قريب وبعيد يُرِيد الْمَكَان وَيجوز أَن يكون يُرِيد الأَرْض وفعيل إِذا كَانَ نعتا سَقَطت مِنْهُ الْهَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن رحمت الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ على أحد الْوُجُوه الَّتِى فسر بهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن المعتز يصف فرسا
(يَرَى بَعِيدَ الشَّىْءِ كالقَرِيبِ )
٢٧ - الْغَرِيب المسرى الْموضع الذى يسَار فِيهِ بِاللَّيْلِ الْمَعْنى يَقُول إِن رَسُوله سَار إِلَيْك عِنْد قَصده إياك فَمَا سَار إِلَّا على هام الرّوم مفلقة وأشلائهم مقطعَة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى قرب الْعَهْد بالإيقاع بهم وَهَذَا هُوَ الذى أوجب الخضوع مِنْهُم وَهُوَ من قَول الطائى
(بكُلّ مُنْعَرَجِ مِنْ فارِسٍ بَطَل جَماجِمٌ فُلُقٌ فِيها قَنا قِصَدُ)
وَمن قَول الأول
(بكُلّ قَرارَةٍ وبِكُلّ أرْضٍ بَنانُ فَتًى وجُمْجُمَةٌ فَلِيقُ)
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول لمعان الْحَدِيد أخْفى عَلَيْهِ طَرِيقه وأعشى عَلَيْهِ بَصَره حَتَّى لم يبصر طَريقَة لشدَّة لمعان الْحَدِيد فى عَسْكَر سيف الدولة وَالضَّمِير فى مَكَانَهُ الرَّسُول
٢٩ - الْإِعْرَاب إِلَى الْبَحْر ارادأ إِلَى الْبَحْر فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام وَدلّ عَلَيْهِ قَوْله أم وَهُوَ // جَائِز فى الشّعْر // وَقد ذَكرْنَاهُ فى مَوَاضِع من كتَابنَا وَمَا أنْشد عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ الْغَرِيب يرْوى الْبسَاط بِالْبَاء وَهُوَ مَعْرُوف ويروى السماط والسماط صف يقومُونَ بَين يدى الْملك الْمَعْنى يَقُول أقبل الرَّسُول يمشى إِلَيْك بَين السماطين فتصور لَهُ مِنْك الْبَحْر فى السخاء والبدر فى الْعَلَاء فَلم يدر أَيهمَا يمشى فغشيه من هيبته وملأ قلبه من جلالته مَا لَا يعرض مثله إِلَّا لمن قصد مصمما إِلَى الْبَحْر أَو ارْتَفع مرتقيا إِلَى الْبَدْر لعظم مَا عاين من هيبته وَرَأى من جلالته
[ ٢ / ٣١٢ ]
- الْغَرِيب المنمق المحسن والتنميق التحسين الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يصرفك الْأَعْدَاء عَنْهُم وَعَن إِرَاقَة دِمَائِهِمْ بشئ مثل خضوع لَك فى كتاب وَهَذِه حَالَة الرّوم مَعَك وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(فَحاطَ لَهُ الإقْرَارُ بالذَّنْبِ رُوحَهُ وَجُثْمانَهُ إذْ لَمْ تَحُطْهُ قَبائِلُهْ)
وَمن قَول حبيب أَيْضا
(عَدَا خائِفًا يَسْتَنْجِدُ الكُتْبَ مُذْعِنا علَيكَ فلاَ رُسْلٌ ثَنَتْكَ وَلا كُتْبُ)
٣١ - الْغَرِيب القذال مُؤخر الرَّأْس والدمستق صَاحب جَيش الرّوم الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة كنت قبل استجارته بك إِذا أردْت مُكَاتبَته كتبت إِلَيْهِ بِمَا تُؤثر بِهِ سيوفك فى قذال صَاحبه وَكَانَ الدمستق قد جرح فى بعض وقائع سيف الدولة فَأَشَارَ المتنبى إِلَى ذَلِك وَدلّ بِهِ على ضَرُورَة ملك الرّوم إِلَى مَا أظهره من الخضوع وَقد أجمل فى هَذَا الْبَيْت مَا فَصله أَبُو تَمام بقوله
(كَتَبْتَ أوْجُهَهْمْ مَشْقا وَنمْنَمَةً ضَرْبا وَطعْنا يُقاتُ الهامَ والصُّلُفا)
(كِتابَةً لَا تَنِى مَقُرُوءَةً أبَدًا وَما خَططْتَ بِها لاما وَلا ألِفا)
(فإنْ أَلَظُّوا بإنْكارٍ فَقَدْ تُرِكَتْ وُجُوهُهُمْ بالَّذى أوْلَيْتَهُمْ صُحُفا)
٣٢ - الْإِعْرَاب فأخلق أى مَا أخلقك بذلك هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ أى مَا أسمعهم وأبصرهم الْمَعْنى يَقُول إِن أَعْطيته مَطْلُوبه من الْأمان فقد أذعن بطاعتك وَصرح بمسألتك وَإِن تعطه حد السَّيْف غير قَابل لمسألته وَلَا مسعف لرغبته فَمَا أخلقك بذلك لِأَنَّهُ كَافِر حربى وعادتك أَن لَا ترحمهم وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(إنْ تَعْفُ عنهُمْ فأهلْ العَفْوِ أنتَ وإنْ تُمْضِ العِقابِ فَأمْرٌ غَيْرُ مَرْدُودِ)
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول مَا تركت سيوفك من الرّوم أَسِيرًا يفدى وَلَا رَقِيقا يعْتق من رق الْعُبُودِيَّة لِأَنَّهَا أفنتهم بِكَثْرَة وقائعك
[ ٢ / ٣١٣ ]
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى شفراتها للصوارم الْغَرِيب الزردق الصَّفّ من النَّاس وَهُوَ مُعرب الْمَعْنى يَقُول وَقد وردوا شفرات سيوفك كورود القطا المناهل ومروا على سيوفك صفا بعد صف وفوجا بعد فَوْج مُرُور القطا على المناهل وَفِيه نظر إِلَى قَول الخارجى
(لقَدْ وَرَدُوا وِرْدَ القَطا بِنُفُوسِهِمْ رِضَا اللهِ مَصْفُوفَ القَنا المُتَشاجِرِ)
٣٥ - الْمَعْنى يُرِيد وَصفه بِالنورِ لبعد صيته وشهرة اسْمه فى النَّاس كشهرة النُّور المستضاء بِهِ وَالْمعْنَى أَنه بلغ بخدمته رُتْبَة مَشْهُورَة لَو كَانَت نورا لَأَضَاءَتْ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب
٣٦ - الْإِعْرَاب أسكن الْوَاو من الْفِعْل وَهُوَ مَنْصُوب ضَرُورَة الْغَرِيب الأحمق الْجَاهِل الذى لَا عقل لَهُ الْمَعْنى يَقُول معرضًا بِمن حول سيف الدولة من الشُّعَرَاء إِذا شَاءَ أَن يلهو أَرَادَهُ طرفا مِمَّا قلته فى مدحه وقليلا مِمَّا نظمته فى مجده وكنى عَن ذَلِك بالغبار على سَبِيل الِاسْتِعَارَة ثمَّ قَالَ لَهُ الْحق هَذِه الْغَايَة من الشّعْر أَو اسلك هَذَا الطَّرِيق فى النّظم فيتبين عِنْد ذَلِك من عَجزه مَا يضحكه وَمن تَقْصِيره مَا يلهيه ويطربه وَقيل إِن الخالديين أَبَا بكر وأخاف عُثْمَان قَالَا لسيف الدولة إِنَّك لتغالى فى شعر المتنبى اقترح علينا مَا شِئْت من قصائده حَتَّى نعمل أَجود مِنْهَا فدافعهما زَمَانا ثمَّ كررا عَلَيْهِ فَأَعْطَاهُمَا هَذِه القصيدة فَلَمَّا أخذاها قَالَ عُثْمَان لِأَخِيهِ أَبى بكر مَا هَذِه من قصائده الطنانات فلأى شئ أعطاناها ثمَّ فكرا فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه وَالله مَا أَرَادَ إِلَّا هَذَا الْبَيْت فتركا القصيدة وَلم يعاوداه وَلم يعملا شَيْئا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(يَا طالِبًا مَسْعاتَهُمْ لِتَنَالَها هَيءهاتَ مِنكَ غُبارُ ذاكَ المَوْكِبِ)
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول لم أقصد كمد حسادى وَلَكنهُمْ إِذا رحمونى وَلم يطيقوا ذَلِك كمدوا وأحزنوا كمن زاحم الْبَحْر وغرق فى مَائه وَقَالَ الْخَطِيب وَمَا لإزراء على أهل الْحَسَد أردْت بِمَا أبدعته وَلَا التَّعْجِيز لَهُم قصدت فِيمَا خلدته ولكنى كالبحر الذى يغرق من يزاحمه غير قَاصد وَيهْلك من اعْتَرَضَهُ غير عَامِد وَهُوَ مَنْقُول من قَول زِيَاد الْأَعْجَم
(وإنَّا وَما يُهْدَى بِه مِنْ هِجائِنا لكالبَحْرِ مُهْما يُرْمَ فِى البحرِ يغْرَقِ)
[ ٢ / ٣١٤ ]
- الْغَرِيب الممخرق صَاحب الأباطيل والمخراق منديل يلْعَب بِهِ وَمِنْه قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(كأنَّ سُيُوفَنا فِينا وَفِيهِمُ مَخارِيقٌ بِأَيْدِى لاعِبِينا)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ يمتحنهم بعقله ليعرف مَا عِنْدهم ويغضى على علمه بالمبطل من ذى الْحق أى أَنه يستر عَلَيْهِ بكرمه وَلَا يهتكه
٣٩ - الْغَرِيب الإطراق السُّكُوت والإمساك عَن الْكَلَام وطرف الْعين نظرها الْمَعْنى يَقُول إغضاؤه لَا يَنْفَعهُ إِذا كَانَ يعرف بِقَلْبِه يُرِيد هُوَ يغضى للممخرق إغضاء تجَاوز وحلم لَا إغضاء غيظ وَسُوء وغض الْعين لطرفها وكفها للحظها لَا ينفع المموه المغالط والمقصر الممخرق إِذا كَانَ طرف الْقلب يلحظه وَينظر إِلَيْهِ وَهَذَا من قَول الْحَكِيم من يخل عَن الظَّالِم بِظَاهِر أمره وعفة جوارحه وَكَانَ ممسكا لَهُ بحواسه فَهُوَ ظَالِم وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن الرومى
(والفُؤّادُ الذَّكِىُّ للنَّاظِرِ المُطْرِقِ عَينٌ يرَى بهَا مِنْ وَرَاءِ)
وَلابْن دُرَيْد
(ولمْ يُرَ قَبْلى مُغْضِيًا وَهْوَ ناظِرٌ ولَمْ يُرَ قَبْلِى ساكِتا يَتَكَلَّمُ)
٤٠ - الْغَرِيب يُقَال يممه وَأمه إِذا قَصده الْمَعْنى يَقُول من كَانَ مَطْلُوبا خَائفًا من طَالبه فَلْيَكُن جارا لسيف الدولة فَإِنَّهُ يصير منيعا لَا تصل إِلَيْهِ يَد وَمن حرم حَظه من الرزق فليقصده سَائِلًا فَإِنَّهُ يصير مرزوقا لِأَنَّهُ بَحر تعجز عَن مثل فيضه البحور وَهَذَا من قَول الشَّاعِر
(لوْ كُنْتَ جارَ بُيُوتِهِمْ لَمْ تًهْضَمِ أوْ كنتَ طالِبَ رِزْقِهِمْ لمْ تُحْرَمِ)
٤١ - الْمَعْنى يَقُول من صَاحبه يصر جريئا إِمَّا لِأَنَّهُ يتَعَلَّم الشجَاعَة وَإِمَّا ثِقَة بنصرته وَمن فَارقه وَإِن كَانَ شجاعا خَافَ وَصَارَ جَبَانًا كَمَا قَالَ على بن جبلة
(بِهِ عَلِمَ الإِعْطاءَ كُلُّ مُبَخَّلٍ وأَقْدَمَ يَوْمَ الرَّوْعِ كُلُّ جَبانِ)
وَمثله للبحترى
(يَسْخُوا البَخِيلُ إذْ رَاكَ بِنَفْسِهِ والنِّكْسُ يَمْلأُ مضْرِبَ الصَّمْصَامِ)
[ ٢ / ٣١٥ ]
- الْغَرِيب المحنق الْمُغْضب حنق الرجل وأحنقه إحناقا الْمَعْنى يَقُول إِذا سَمِعت الأعادى لكيد مجده فطلبوه سعى جده فى إبِْطَال كيدهم سعي مجد مغضب قَالَ الواحدى ويروى سعى جده فى مجده أى فى تشييد مجده ورفعته وَالْمعْنَى أَن جده يرفع مجده إِذا قصد الْأَعْدَاء وَضعه
٤٣ - الْمَعْنى يَقُول لَا يُغْنِيك فضلك الظَّاهِر إِذا لم يغنك جدك القاهر أى إِنَّه إِذا لم تكن مَعَ الْفضل سَعَادَة وتوفيق لم يغن ذَلِك الْفضل صَاحبه فَإِذا لم يقْتَرن بِالْفَضْلِ سعد ينهضه وتوفيق يُؤَيّدهُ لَا ينفع وَهَذَا من قَول حسان
(رُبَّ حِلْمٍ أضَاعَهُ عَدَمُ المَا لِ وَجَهْلٍ غَطَّى عليهِ النَّعيمُ)
وَأَخذه ابْن دُرَيْد فَقَالَ
(لَا يرْفَعُ الجَدُّ بِلا لُبً وَلا يَحُطُّكَ الجَهْلُ إِذا الجَدُّ عَلا)
[ ٢ / ٣١٦ ]
- ١ - الْإِعْرَاب مَا بَين العذيب مفعول تذكرت ومجرى بدل مِنْهُ بدل اشْتِمَال وَيجوز أَن يكون ظرفا للتذكر الْغَرِيب
(العُذَيب وبارق )
موضعان بِظَاهِر الْكُوفَة وَبَين العذيب وَبَين الْكُوفَة مسيرَة يَوْم وَهُوَ بطرِيق مَكَّة بِالْقربِ من الْقَادِسِيَّة الْمَعْنى أَنهم كَانُوا يجرونَ الرماح عِنْد مطاردة الفرسان ويجرون الْخَيل السَّابِقَة ومجرى بِضَم الْمِيم وَفتحهَا مصدرا ومكانا وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة إِلَّا أَبَا بكر مجريها بِفَتْح الْمِيم والإمالة وَالْمعْنَى أَنه تذكر أرضه ومنشأه ومطاردة الفرسان وإجراء الْخَيل
٢ - الْإِعْرَاب وصحبة عطف على مفعول تذكرت أى وتذكرت صُحْبَة الْغَرِيب القنيص الصَّيْد والمفارق جمع مفرق وَهُوَ فَوق الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول تذكرت صُحْبَة قوم كَانَت حَالهم فى الفتوة ومنزلهم فى الشجَاعَة أَنهم كَانُوا لَا يكسرون سيوفهم إِلَّا فى جماجم الْأَبْطَال وَالْمعْنَى أَنهم يذبحون مَا يصيدون بِفُضُول مَا بقى من سيوفهم الَّتِى كسرت فى رُءُوس الْأَعْدَاء وَهَذَا إِشَارَة إِلَى جودة ضَربهمْ وَشدَّة سواعدهم
٣ - الْغَرِيب الثوية مَوضِع بِقرب الْكُوفَة على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا والمرافق جمع مرفقة وهى الوسادة الْمَعْنى يَقُول تذكرت لَيْلًا اتخذنا هَذَا الْمَكَان وسائد لنا لما نمنا عَلَيْهِ فَكَانَ ترابه الذى أصَاب مرافقنا حِين اتكأنا عَلَيْهَا عنبرا لطيبه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِنَّمَا أَرَادَ الوسائد وَقَالَ الْخَطِيب لم يرد الوسائد وَإِنَّمَا أَرَادَ مرافق الأيدى لِأَن الصعلوك الْمقَاتل لَا وسَادَة لَهُ وَقَول أَبى الْفَتْح هُوَ // الصَّحِيح // وَالْمعْنَى اتخذنا هَذَا الْمَكَان وسَادَة بِأَن وَضعنَا رءوسنا على أرضه فَكَأَن ترابه عنبر ذكى فى الْمَوَاضِع الَّتِى وَضعنَا رءوسنا عَلَيْهَا وَلَيْسَ يُرِيد مرافق الْيَد لِأَنَّهُ قَالَ فى أول الْبَيْت توسدنا الثوية فَلَو حملنَا الْكَلَام على مَا قَالَه الْخَطِيب الذى رد بِهِ على أَبى الْفَتْح لَكَانَ عجز الْبَيْت ناقضا للصدر وَقَالَ العروضى أَلا ينظر أَبُو الْفَتْح إِلَى قَوْله
(توسَّدنا الثَّوِيَّة )
وَإِنَّمَا يصف تصعلكه وتصعلك قومه وصبرهم على شَدَائِد السّفر وَأَن الفضلات المكسرة من السيوف مداهم وَالْأَرْض وسائدهم لِأَنَّهُ وضع رَأسه على الْمرْفق من يَده وَإِنَّمَا سميت الوسادة مرفقه لِأَن الْمرْفق يوضع عَلَيْهَا وَلَا يفتخر الصعلوك بِوَضْع الرَّأْس على الوسادة وَالْبَيْت من قَول البحترى
(فِى رأسِ مُشْرِفَةٍ حَصَاها لُؤْلُؤٌ وَتُرابُها مِسْكٌ يُشابُ بِعَنْبِرِ)
[ ٢ / ٣١٧ ]
- الْغَرِيب المخانق الْعُقُود وَاحِدهَا مخنق والحسان النِّسَاء وَاحِدهَا حسناء الْمَعْنى يَقُول إِذا حمل حَصى هَذِه الأَرْض إِلَى النِّسَاء الحسان بِأَرْض غَيرهَا ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته وفاعل زار حَصى تربها قَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا أَرَادَ مَا يُوجد حول الْكُوفَة من الْحَصَى الفرومى ذ أى أَن تُرَاب تِلْكَ الأَرْض يَنُوب عَن العنبر وحصباءها تنوب عَن الدّرّ والياقوت كَأَن النِّسَاء يتحلين بِهِ وينظمنه فى عقودهن وَفِيه نظر إِلَى قَول دعبل
(فكأنَّمَا حَصْباؤُها فِى أرْضِها خَرَزُ العَقِيقِ نُظِمْنَ فىِ سِلْكِ)
٥ - الْغَرِيب القطربلى شراب مَعْرُوف مَنْسُوب إِلَى قطربل ضَيْعَة من أَعمال بَغْدَاد ينْسب إِلَيْهَا الْخمر وَمِنْه قَول أَبى نواس
(قُطْرُبُّلٌ مَرْبَعِى وَلى بقُرَى الْكَرْخِ مَصِيفٌ وأُمِّى الْعِنَبُ)
الْمَعْنى يَقُول سقتنى بِتِلْكَ الأَرْض شرابًا فى غَايَة الْجَوْدَة امْرَأَة مليحة فتانة سَاحِرَة خداعة على كَاذِب من وعدها ضوء صَادِق أى يستحسن كَلَامهَا فَيقبل كذبهَا قبُول الصدْق وَقَالَ الواحدى وَيجوز أَن يُرِيد أَنَّهَا تقرب الْأُمُور وتبعدها كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْوَفَاء بذلك فَهُوَ ضد الصدْق وَيجوز أَن يُرِيد أَن الْوَعْد الْكَاذِب مِنْهَا مَحْبُوب وَهُوَ من قَول النميرى
(تُعَلِّلُهُ مِنْها غَدَاةَ يَرَى لَهَا ظَوَاهِرَ صِدْقٍ والبَوَاطِنُ زُورُ)
٦ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد اجْتمعت فِيهَا هَذِه الأضداد فعاشقها لَا ينَام شوقا إِلَيْهَا وَإِذا رَآهَا فَكَأَنَّهُ يرى الشَّمْس بهَا وهى سقم لبدنه ومسك عِنْد شمه وَجعل الْوَصْف للمليحة وَقَالَ العروضى هُوَ من وصف الْخمر لِأَن الْخمر تجمع هَذِه الْأَوْصَاف فَإِن من شربهَا لهى عَن النّوم وهى بشعاعها كَالشَّمْسِ للنَّاظِر وهى ترخى الْأَعْضَاء فَيصير شاربها كالسقيم لعَجزه عَن النهوض وهى طيبَة الرَّائِحَة فهى مسك لمن شمها وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابْن وَكِيع هَذَا وَقَالَ ينبغى أَن يَقُول
(سُهادٌ لأَجْفانٍ وَنَوْمٌ لِساهِرٍ وَسُقْمٌ لأبْدَانٍ وَبُرْءُ سَقامِ)
حَتَّى يَصح التَّقْسِيم والطباق
[ ٢ / ٣١٨ ]
- الْإِعْرَاب رفع أغيد عطفا على المليحة أى وسقانى أغيد الْغَرِيب الأغيد الناعم الطَّوِيل الْعُنُق وَالْفَاسِق الْخَارِج عَن الشَّرِيعَة الْمُقدم على الْمعْصِيَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه كريم النَّفس لَا يمِيل إِلَيْهِ مَا فِيهِ حرج فالعاقل اللبيب يمِيل إِلَى محبَّة النَّفس وَالْفَاسِق الْجَاهِل يمِيل إِلَى الْجِسْم وَمِنْه اللبيب يهوى الْأَرْوَاح وَالْفَاسِق يهوى السفاح وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحكمى
(فَتَنْتِنى وَصِيفَةٌ كالغُلامِ المُراهِقِ)
(هِمَّةُ السَّالِكِ الْعَفِيفِ وَسُؤْلُ المُنافِقِ)
٨ - الْغَرِيب المزهر الْعود الذى يسْتَعْمل فى الْغناء والعائق الْمَانِع الْمَعْنى إِذا أَخذ الْعود وجس الأوتار أَتَى بِمَا يشغل كل سمع عَمَّا سوى الأوتار لحذقه وجودة ضربه كَقَوْل الآخر
(إِذا مَا حَنَّ مِزْهَرُها إلَيْها وَحَنَّتْ نَحوَهُ أذِنَ الْكِرَامُ)
(وأصْغَوْا نَحْوَها الأسْماعَ حَتَّى كأنَّهُمُ وَما نامُوا نِيامُ)
٩ - الْغَرِيب عَاد كَانُوا فى قديم الزَّمَان أهلكهم الله بِالرِّيحِ البادر والمراهق الذى قد راهق الْحلم أى قاربه وَأَدْنَاهُ الْمَعْنى إِنَّه ينشد الْأَشْعَار الْقَدِيمَة والألحان الَّتِى قيلت فى الدهور الْمَاضِيَة فَهُوَ بغنائه يحدث عَمَّا بَين زمَان قوم عَاد وَبَين زَمَانه وَهُوَ مَعَ ذَلِك شَاب أَمْرَد قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ أديب حَافظ لأيام النَّاس وسيرهم
[ ٢ / ٣١٩ ]
- الْغَرِيب الْخَلَائق الْخِصَال يُقَال الْخَلَائق وَالشَّمَائِل الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْحسن فى وَجه الْفَتى شرفا ورفعة إِذا لم يكن فى فى الْأَفْعَال وَالْخَلَائِق وَالشَّمَائِل وَضرب هَذَا مثلا لما قدمه من حسن الأغيد الذى وَصفه باحسانه فى صناعته وتقدمه فى رِوَايَته وَالْمعْنَى إِذا لم يحسن فعل الْفَتى وخلقه لم يكن حسن وَجهه شرفا لَهُ كَقَوْل الفرزدق ذ
(وَلا خَيْرٌ فِى حُسْنِ الجُسُومِ وَطُولِهَا إِذا لَمْ يَزِنْ حُسْنَ الجُسُومِ عُقُولُ)
وكقول الْعَبَّاس بن مرداس السلمى
(وَما عِظَمُ الرّجالِ لَهُمْ بفَخْرٍ وَلَكِنْ فَخْرُهُمْ كَرَمٌ وَخِيْرُ)
وكقول أَبى الْعَتَاهِيَة
(وَإذا الجَمِيلُ الوَجْهِ لَمْ يَأْتِ الجَمِيلَ فَمَا جَمالُهُ)
وكقول دعيل
(وَما حُسْنُ الوُجُودِ لَهُمْ بِزَيْنٍ إذَا كانَتْ خَلائِقُهُمْ قِباحا)
١١ - الْغَرِيب الأصادق جمع صديق وهم الَّذين يصدقون الود وَفَسرهُ الواحدى بالأصدقاء والأدنون الأقربون الْمَعْنى يَقُول هَذَا حاثا على التغرب وَترك حب الأوطان وَأَن كل بلد وَافَقَك فَهُوَ بلدك وكل اهل ود أصفوك ودهم أهلك فَمَا بلد الْإِنْسَان إِلَّا الذى يُوَافقهُ بِكَثْرَة مرافقه ويساعده على الظفر بجملة مقاصده والأدنون من أَهله اللاصقون بِهِ من قرَابَته الَّذين يصفونه ودهم والأحبة الَّذِي لَا يؤخرون عَنهُ فَضلهمْ وَبَين هَذَا الحريرى بقوله وَأحسن
(وَجُبِ البِلادَ فأَيُّها أرْضَاكَ فاخْتَرُه وَطَنْ)
وَأخذ صَدره من قَول الْقَائِل
(يُسٍْرُ الفَتى وَطَنٌ لَهُ والفَقْرُ فِى الأوْطانِ غُرْبَه)
وَأخذ عَجزه من قَول الآخر
(دَعَوْتُ وَقَدْ دَهَتْنِى دَاهِياتٌ وَلِلأَيَّامِ دَاهِيَةٌ طَرُوقُ)
(شَفِيقًا لَا شَقِيقا فِيهِ غِلّ أَلا إنَّ الصَّدِيقَ هُوَ الشَّفِيقُ)
[ ٢ / ٣٢٠ ]
- الْإِعْرَاب جَائِزَة خبر المبتدإ مقدم عَلَيْهِ وَدَعوى الْمحبَّة ابْتِدَاء الْغَرِيب الْمُنَافِق الذى يظْهر خلاف مَا يَعْتَقِدهُ الْمَعْنى يَقُول يجوز أَن يدعى الْمحبَّة من لَا يعتقدها ويظاهر بهَا من لَا يلتزمها وَلَكِن الْمُنَافِق لَا يخفى اضْطِرَاب لَفظه وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن شكره لسيف الدولة لَيْسَ كشكر من يتصنع لَهُ وَلَا يخلص لَهُ حَقِيقَة وده وَقَالَ الواحدى هُوَ تَعْرِيض بمشيخة من بنى كلاب طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم يبدون لَهُ الْمحبَّة غير صَادِقين وَهُوَ مثل قَول الآخر
(والعَيْنُ تَعْلَمُ مِنْ عَيْنَىْ مُحَدثِّها مَنْ كانَ مِن حِزْبِها أوْ مِنْ أعاديها وَمن قَول الآخر
(خَلِيلَىَّ لِلْبَغْضَاءِ حالٌ مُبَيَّنَةٌ وَللْحُبّ آياتٌ تُرَى وَمَعارِفُ)
١٣ - الْغَرِيب عقيل بن كَعْب قَبيلَة من قبائل من قبائل قيس عيلان وَمِنْهُم كَانَ رُؤَسَاء الْجَيْش الَّذين أوقع بهم سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول برأى من فعلوا هَذَا حِين انقادوا إِلَى الْهَلَاك فأشمتوا أعداءهم وأسخطوا خالقهم إِذْ عصوك يُرِيد أَنهم أساءوا فى تدبيرهم إِذْ وَقَعُوا فى الْهَلَاك وشماتة الْأَعْدَاء وَسخط الله وكل هَذَا بِسوء فعلهم
١٤ - الْغَرِيب على هُوَ سيف الدولة والجحفل الْجَيْش الْكثير الْمَعْنى يَقُول قصدوك بالعصيان الذى يعجز النَّاس لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد على عصيانك ويوسع أى يكثر قتل الْجَيْش الْعَظِيم بكثرته لما شَمله من الْقَتْل وَمَا يُورِدهُ أَشد موارد الْخَسْف الْمَعْنى أَنه لَا يقدر أحد على عصيانه وَلَا يقدر جَيش على ملاقاته
١٥ - الْغَرِيب يُشِير إِلَى بنى عقيل وَكَانُوا فى تِلْكَ الْحَرْب جزر السيوف وغرض الحتوف الْمَعْنى يَقُول مَا بسطوا كفا إِلَّا إِلَى سيف من سيوفه قطعهَا وَلَا حملُوا رَأْسا إِلَّا إِلَى فالق من أَصْحَابه فلقها
[ ٢ / ٣٢١ ]
- الْمَعْنى يَقُول لقد أقدموا وتشجعوا فى تِلْكَ الْحَرْب لَو صادفوا غير آخذ لَهُم مقتدر على الْإِيقَاع بهم وهربوا جاهدين لَو صادفوا من لَا يلحقهم جيوشه ويقحم فى آثَارهم جموعه يُرِيد أَنهم لم يؤتوا من ضعف فى حربهم وَلَا من تَقْصِير فى هَرَبهمْ وَلَكنهُمْ رَأَوْا من لَا يواقف فى حَرْب وَلَا يمْتَنع مِنْهُ بهرب وَالْمعْنَى مَا نفعهم الْإِقْدَام وَلَا الْهَرَب
١٧ - الْغَرِيب كَعْبًا يُرِيد أَوْلَاد كَعْب بن ربيعَة والسنان الرمْح الْمَعْنى يُرِيد أَنه انْعمْ عَلَيْهِم فكساهم ثِيَاب نعْمَة فَلم يشكروها فسلبهم إِيَّاهَا بالإغارة فَلَمَّا جَحَدُوا تِلْكَ المنن وَكَفرُوا تِلْكَ النعم رمى كل ثوب بخارق خرقها من أسنته وهاتك هتكها من عُقُوبَته
١٨ - الْغَرِيب البوارق جمع بارق وَسَقَى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن الْمَعْنى يَقُول لما سقاهم الْغَيْث من جوده الذى أخصبت بِهِ مَنَازِلهمْ وتروضت بسقياه مواضعهم فقابلوا ذَلِك بالْكفْر وتلقوه بقلة الشُّكْر أرسل عَلَيْهِم من جيوشه غير ذَلِك الْغَيْث فبرقت عَلَيْهِم السيوف وهطلت عَلَيْهِم الحتوف وعادت البوارق الَّتِى كَانَت تقدم عَلَيْهِم نعْمَة بوارق سلَاح أمْطرت عَلَيْهِم نقمه واستعار الْبَرْق للنعمة والنقمة وَهُوَ من قَول البحترى
(لقدْ نَشأتْ بالشَّامِ مِنْكَ سَحَابَةٌ تُؤَمَّلُ جَدْوَاها ويُخْشَى دَمارُها)
(فإنْ سأَلُوا كانَتْ غَمامَةَ وَابِلٍ وَغَيْثا وَإلاَّ فالدَّمارُ قِطارُها)
١٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن إساءته إِلَيْهِم أوجع لَهُم من إساءة غَيره لأَنهم تعودوا إحسانه فَإِذا قطعه عَنْهُم أوجع ذَلِك فَهُوَ يَقُول موبخا لبنى كَعْب لما حرمت أَنْفسهَا من فضل سيف الدولة الذى كَانَ عِنْدهم عَادَة دائمة ونعمة سابغة وَمَا يوجع الحرمان مِمَّن لَا يرتقب فَضله وَلَا يؤلم الْمَنْع مِمَّن لَا يؤمل بذله كَمَا يوجع ذَلِك مِمَّن قد أنست النُّفُوس إِلَى كريم عوائده وسكنت الْقُلُوب إِلَى جميل عواطفه يُرِيد أَنهم كَانُوا أصدقاء فحرموا فَضله ورفده
٢٠ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى بهَا للخيل وَلم يجر لَهَا ذكر لِأَنَّهُ ذكر الْجَيْش فَدلَّ على الْخَيل وَالْعرب تأتى بضمير الشئ من غير ذكر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأثرن بِهِ نقعا فوسطن بِهِ جمعا﴾ أى بالوادى وَلم يجر لَهُ ذكر وحشو نصب على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ محشوة والحمالق حذف الْيَاء مِنْهُ وَالْأَصْل حماليق ليقيم الْوَزْن الْغَرِيب الحماليق جمع حملاق وَهُوَ بطن جفن الْعين الْمَعْنى يَقُول أَتَاهُم بِالْخَيْلِ وَقد أحاطت بِهِ الرماح والعجاج فَهُوَ حَشْو هذَيْن وحوافرها تحشو الجفون بِمَا تباشر من الْغُبَار وَقَالَ ابْن جنى تحشو الجفون بالغبار وَقَالَ العروضى أحسن من هَذَا أَن الْخَيل تطَأ رُءُوس الْقَتْلَى فتحشو حماليقها بسنابكها كَمَا قَالَ
(وَمَوْطِئُها مِنْ كُلّ باغٍ مَلاغِمُهُ )
وَأما أَن يرْتَفع الْغُبَار فَيدْخل الجفون فَلَا كَبِير افتخار فِيهِ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
- الْإِعْرَاب عوابس نصب على الْحَال وهى حَال من غير مَذْكُور بل من ضَمِيره الْغَرِيب الحزم جمع حزَام وَهُوَ مَا يشد بِهِ الرحل ويابس المَاء الْعرق والمناطق جمع منْطقَة وهى مَا يشد بِهِ الْوسط الْمَعْنى يَقُول أَتَت الْخَيل كوالح لشدَّة مَا لحقها من الركض متغيرة الْوُجُوه لما نالها من شدَّة الطّلب قد يبس عرقها على الحزم كَأَنَّهُ حلى قد فضَض والعرق إِذا يبس ابيض شبه الْعرق عَلَيْهَا بالمناطق المحلاة بِالْفِضَّةِ
٢٢ - الْغَرِيب الهيجاء الْحَرْب يمد وَيقصر وَأَبُو الهيجاء كنية والدسيف الدولة وتدمر مَوضِع بِالشَّام يضْرب الْمثل بصلابة أحجاره قَالَ البحترى فى الاستطراد يصف فرسا ويهجو رجلا
(حَلَفْتُ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ حافِرَهُ مِنْ صَخْرِ تَدْمُرَ أوْ مِن وَجهِ عُثمان)
والسمالق جمع سملق وهى الفياقى الْبَعِيدَة المستوية من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول لَيست أَبَاك حى فيراك وَأَنت تقَاتل الْعَرَب خلف تدمر برماحك الطوَال فى الفيافى الطوَال
٢٣ - الْغَرِيب القفى جمع قفا كعصى وعصا وَيجمع فى الْقلَّة على أقفاء كرحى وأرحاء وَقد جَاءَ أقفية على غير قِيَاس لِأَنَّهُ جمع الْمَمْدُود مثل سَمَاء وأسمية وَيجوز أَن يكون جَمَعُوهُ أقفية على لُغَة من مده وأنشدوا
(حَتَّى إذَا قُلْنا تَيَفَّعَ مالِكٌ سَلَقَتُ رُقَيَّةُ مالِكا لِقَفائِهِ)
الْمَعْنى يَقُول وَيرى سوقك من الْعَرَب وَغَيرهم قبائل لَا تنهزم من أحد وَلَا تولى أقفيتها إِلَى من يَسُوقهَا أى إِنَّه ذلل الْعَرَب بِمَا لم يذللها بِهِ غَيره وَزَاد اللَّام فى قَوْله لسائق توكيدا
[ ٢ / ٣٢٣ ]
- الْإِعْرَاب رفع قُشَيْر على خبر الِابْتِدَاء وَيجوز النصب على الْبَدَل من قبائل وَيجوز الْجَرّ على الْبَدَل من غير وبلعجلان يُرِيد بنى العجلان فَحذف ثِقَة بالسامع كَمَا قَالُوا فى بنى الْحَارِث بلحارث وفى بنى العنبر بلعنبر حذفوا النُّون شبها بِاللَّامِ والألثغ الذى لَا يفصح بالحرف وخفية حَال الْغَرِيب قُشَيْر وَبَنُو العجلان ابْنا كَعْب بن ربيعَة وهما قبيلتان معروفتان والألثغ الذى لَا يفصح بالْكلَام فى حُرُوف مَعْرُوفَة كالكاف وَالتَّاء وَالرَّاء وَالسِّين الْمَعْنى يُرِيد أَن هَاتين القبيلتين خفيتا وقلتا فى جَمِيع الْقَبَائِل الَّتِى هربت بَين يَدَيْهِ كخفاء راءين فى لفظ ألثغ إِذا كررهما وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الجموع الَّتِى ظهر عَلَيْهَا سيف الدولة من الْعَرَب وَمَعَ هَذَا إِنَّمَا اعتصموا من بالهرب
٢٥ - الْغَرِيب فركت الْمَرْأَة إِذا أبغضت الزَّوْج فهى فارك وَالْجمع فوارك والطوالق جمع طَالِق الْمَعْنى يَقُول إِن فرسَان تِلْكَ الْقَبَائِل وحماة تِلْكَ العشائر غلبوا على نِسَائِهِم ففارقنهم غير فوارك وتخلوا مِنْهُنَّ وَهن غير طَوَالِق مِنْهُم يُشِير إِلَى الْفِرَار وَأَن خيل سيف الدولة غلبتهم على حريمهم وحالت بَينهم وَبَين نِسَائِهِم وَفِيه نظر إِلَى قَول النَّابِغَة
(دَعانا النِّساءُ إذْ عَرَفْنَ وُجُوهَنا دُعاءَ نِساءٍ لَمْ يُفارِقْنَ عَن قِلَى)
٢٦ - الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع الْمَعْنى يَقُول يفرق سيف الدولة فضميره فى الْفِعْل بَين الشجعان وَبَين نِسَائِهِم بِضَرْب شَدِيد ويروى بطعن يسلى العاشق عَن تعشقه يُشِير إِلَى شدته أى أَن شدَّة ذَلِك الضَّرْب أنستهم حياطة أحبتهم وَحَملهمْ على إِسْلَام ذُرِّيتهمْ وكل هَذَا مِمَّا يُقيم لَهُم الْعذر فى هَرَبهمْ مِنْهُ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
- الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح الظعن جمع ظَعِينَة وهى النِّسَاء فى الهوادج ورشاشة بِالتَّنْوِينِ وروى غَيره الطعْن مصدر طعن يطعن طَعنا من الطعان بِالرِّمَاحِ والعواتق جمع عاتق وهى الْجَارِيَة الَّتِى قد أدْركْت وهى الشَّابَّة وَمن روى الطعْن من الطعْن بِالرِّمَاحِ يرْوى رشاشه بِالْإِضَافَة برد الضَّمِير على الطعْن الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن خيل سيف الدولة لَحِقُوا بنساء الْعَرَب فَكَانُوا إِذا طعنوا تناضح الدَّم فى نحور النِّسَاء وَإِذا لَحِقُوا بالعواتق فَهُوَ أعظم من لحاقهم بغيرهن لِأَن الْعَوَاتِق أَحَق بالصون والحماية وَقَالَ ابْن فورجة أَتَى الطعْن أى طعن سيف الدولة الْأَعْدَاء وهم فى بُيُوتهم حَتَّى مَا تطير رشاشه إِلَّا فى نحور النِّسَاء يُرِيد أَنهم غزوهم فى عقر دَارهم وقتلوهم بَين نِسَائِهِم وغلبوهم على حريمهم
٢٨ - الْإِعْرَاب فى الْبَيْت تَقْدِيم وَتَأْخِير فظعائن مُبْتَدأ تقدم خَبره عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير ظعائن حمر الحلى والأيانق بِكُل فلاة تنكر أرْضهَا الْإِنْس الْغَرِيب الظعائن جمع ظَعِينَة وهى النِّسَاء المحمولات فى الهوادج الهوادج وحمر الحلى يُرِيد أَن حليهن الذَّهَب وَفِيه ثَلَاث لُغَات حلى بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَبهَا قَرَأَ جمَاعَة سوى حَمْزَة وعَلى وحلى بِكَسْر الْحَاء وَاللَّام وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة وحلى بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام على مَا فى الْبَيْت وَبهَا قَرَأَ يَعْقُوب والأيانق جمع نَاقَة يُقَال نَاقَة ونوق وأيانق ونياق وأنيق الْمَعْنى يَقُول بِكُل فلاة ظعائن حمر الحلى بِالذَّهَب وحمر النوق وهى نُوق الْمُلُوك وذوى الْيَسَار لِأَنَّهَا أكْرم النوق يُشِير إِلَى رفْعَة هَؤُلَاءِ النسْوَة فى قومهن ورفعة بعولتهن يُرِيد أَنهم هربوا بنسائهم إِلَى فلاة بعيدَة لم يقصدها أحد فَلهَذَا قَالَ تنكر أرْضهَا الْإِنْس لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَة لم يدخلهَا أحد يصف شدَّة هَرَبهمْ وَأَنَّهُمْ لَحِقُوا وَمَا نفعهم هَرَبهمْ وَالْمعْنَى أَنهم بعدوا فى الْهَرَب حَتَّى دخلُوا فلاة فَلَا عهد لَهَا بالإنس فلحقهم وَقَالَ الواحدى حمر الحلى وحمر الأيانق من الرشاش الذى أصَاب نحور الْعَوَاتِق فحمر حليهن ونوقهن فَيكون الْكَلَام مُتَّصِلا بِمَا قلبه كَأَنَّهُ ينظر إِلَى قَول الحبيب
(وفِى الكِلَّةِ الوَرْدِيَّةِ اللَّوْنِ جُؤْذَرٌ مِنَ العَيْنِ وَرْدُ اللَّوْنِ وَرْدُ المَجاسِدِ)
٢٩ - الْإِعْرَاب ملمومة عطف على قَوْله ظعائن يُرِيد وبالفلاة ملمومة الْغَرِيب الملمومة الكتيبة المجتمعة وسيفية منسوبة إِلَى سيف الدولة وربعية منسوبة إِلَى ربيعَة وهى قَبيلَة سيف الدولة واللقالق جمع لقلق وَهُوَ طَائِر كَبِير يسكن الْعمرَان فى أَرض الْعرَاق وَهُوَ كثير فى قرى الْعرَاق يخوت على صدوح الطير وَهُوَ من طيور الْخَلِيل وهى أَرْبَعَة عشر صنفا يجمعها قَوْلك أأن صالحك عمك عِشْت أوز أنيسَة نسر صرد أنوق لقلق حبرج كركى عبار مرزم ككم عِقَاب شرشور تدرج الْمَعْنى يَقُول وفى تِلْكَ الفلوات كَتِيبَة سميت لِكَثْرَة فرسانها سيفية ربعية يصبح الْحَصَى من وَقع حوافرها كَمَا تصيح اللقالق وواحدها لقلق وَيُسمى أَيْضا أَبَا الْجذع تَسْمِيَة أهل الضّيَاع وَيُقَال فِيهِ لقلاق أَيْضا فَشبه صَوت حوافر الْخَيل والحصى بِصَوْت اللقالق وَهُوَ // تَشْبِيه حسن // ويروى تصيح بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا فَتكون فى مَوضِع نصب من قَوْلك أصحته فصاح ويروى بِالْيَاءِ فَيكون الْحَصَى فَاعِلا ليصيح
[ ٢ / ٣٢٥ ]
- الْإِعْرَاب بعيدَة صفة لملمومة وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول غبراء اليلامق إِلَّا أَنه حمله على الْمَعْنى لَا اللَّفْظ لِأَن الكتيبة الْجَمَاعَة كَمَا تَقول مَرَرْت بكتيبة حمر الْأَعْلَام الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وهى الخوذة تكون على الرَّأْس واليلامق الأقبية وَاحِدهَا يلمق الْمَعْنى يُرِيد طول رماحهم وَأَنَّهُمْ شَدَّاد الْأَجْسَام وَأَنَّهُمْ ملئوا الأَرْض بكثرتهم فهم متلاصقون لكثرتهم وَقد تَبَاعَدت أَطْرَاف القنا من أُصُولهَا لطولها فقد تقَارب مَا بَين بيضها وَقد اغبرت ملابسهم لما تثير خيلهم من الْغُبَار ويحيط بهم من العجاج وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الفلوات الَّتِى ظن هَؤُلَاءِ الْعَرَب أَنَّهَا تعصمهم من خيل سيف الدولة أقحمها عَلَيْهِم وَلم يتهيب اختراقها مِنْهُم
٣١ - الْغَرِيب النهب الْغَارة وحماة الْحَقَائِق المانعون حريمهم الْمَعْنى يَقُول جود سيف الدولة يغنيها عَن النهب فَمَا يطْلبُونَ إِلَّا الشجعان الَّذين يحْمُونَ مِمَّا يحِق عَلَيْهِم حمايته وَهَذَا معنى قَول أَبى تَمام
(إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها يوْمَ الكَرِيهةِ فىِ المَسْلوبِ لَا السَّلَبِ)
٣٢ - الْغَرِيب السُّورَة الوثبة والمترف المتنعم والسرادق مَا يكون حول الْفسْطَاط الْمَعْنى يَقُول ظن الْأَعْرَاب أَن وثبة سيف الدولة وثبة متنعم إِذا سَار فى الْبَيْدَاء وهى الأَرْض الْبَعِيدَة ذكرته طيب الْعَيْش فى ظلّ سرادقه كعادة الْمُلُوك فظنوا أَنه لَا يقدر على حر الْبَيْدَاء وعطشها فَإِذا بعدوا عَنهُ فى الأَرْض المنقطعة تَركهم وَمضى فظنوا أَنه فى قصدهم كقصد ملك شَأْنه الإتراف والدعة وَمن شَأْنه السّكُون والراحة تعوقه الْبَيْدَاء عَن مُبَاشرَة هجيرها واقتحامها ومواجهة سمومها يذكرهُ ظلّ السرادق وأبنيته ومواصلته الإيثار لخفض ذَلِك ودعته وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(أَلُوفُ الدّيارِ فإنْ أزْمَعَ التَّرَحُّلَ حَرَّمَ إيْطَانها)
(إذَا هَمَّ لَمْ يَهْتَدِمْ عَزْمَهُ مَقاصِيرُ يَعْتادُ أكْنانَها)
وَينظر إِلَى قَول النميرى
(كَذَبَ العِدَا لوْ كُنتَ صَاحِبَ نَعْمَةٍ صَرَعَتْكَ بينَ إقامَةٍ وكَلالِ)
[ ٢ / ٣٢٦ ]
- الْغَرِيب يُقَال ذكرته الشئ وأذكرته بالشئ وذكرتك الله وَبِاللَّهِ فالباء زَائِدَة وعَلى هَذَا قَالَ فذكرتهم بِالْمَاءِ سماوة كلب أى أَرض كلب وهى مَعْرُوفَة والحزائق جمع حزيقة وهى الْجَمَاعَة الْمَعْنى يُرِيد أَنْت ذكرتهم بِالْمَاءِ فى هَذَا الْوَقْت الذى غبرت سماوة كلب فى أنوف حزائقهم لما هربوا بَين يَديك فذكرتهم المَاء حِين اشْتَدَّ عطشهم هُنَاكَ فعرفوا حِينَئِذٍ صبرك عَن المَاء وهم لم يقدروا أَن يصبروا عَنهُ فَرَأَوْا أَن مَا ظنوه فِيك بَاطِل وَهُوَ يشبه قَول الآخر
(فلمَّا استَيقَنوا بالصَّبرِ مِنَّا تذَكَّرَتِ الْحزائِقُ والعَشِيرُ)
٣٤ - الْإِعْرَاب قَوْله
(بِأَن بَدَوا )
يُرِيد بِأَنَّهُم فهى مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَأَن نَبتَت يُرِيد الْمُلُوك الْغَرِيب يروعون يفزعون ويخوفون وبدوا دخلُوا الْبَادِيَة والبادية الأَرْض المنقطعة والغلافق جمع غلفق وَهُوَ الطحلب الذى يكون على المَاء الْمَعْنى يَقُول كَانَت الْعَرَب تخوف الْمُلُوك وَتقول إِنَّهُم لَا يقدرُونَ علينا لأننا فى القفار وهم لَا يصبرون عَن المَاء كدواب المَاء الَّتِى قد نشأت فِيهِ فهم لَا يقدرُونَ على فِرَاقه فهم يخَافُونَ منا لبعدهم عَنَّا وظنوا أَن سيف الدولة مثل أُولَئِكَ الْمُلُوك الَّذين كَانُوا يخوفونهم بِعَدَمِ المَاء فى الْمَوَاضِع الَّتِى تسلك إِلَيْهِم
٣٥ - الْإِعْرَاب بُيُوتًا نصب على التميير وحرفا الْجَرّ يتعلقان باسمى التَّفْضِيل الْغَرِيب أداحى جمع أدحى وَهُوَ مَوضِع بيض النعام والنقانق جمع نقنق وَهُوَ ذكر النعام والبيوت جمع بَيت وَهُوَ فى الْجمع بِضَم الْبَاء وَكسرهَا لُغَتَانِ فصيحتان وبالكسر قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ وبالرفع قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَفْص وورش عَن نَافِع وبدا لزم الْبَادِيَة وسكنها الْمَعْنى هاجوك للحرب وتعرضوا لَك ثِقَة مِنْهُم بِأَن الْمُلُوك لَا يصبرون على الْحر والعطش وَلَا يفارقون الرِّيف فوجدوك أهْدى إِلَيْهِم فى فلاتهم من النُّجُوم وَأظْهر بُيُوتًا فى سُكْنى الْبَادِيَة من الظليم لِأَن النعام يتَّخذ الْحَشِيش وَيجْعَل بعضه على بعض ويقصد بِهِ أقْصَى الفلاة فيبيض عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
- الْإِعْرَاب أَصْبِر فى مَوضِع نصب عطفا على أهْدى وَأبْدى ونصبهما على الْحَال وَيجوز أَن يَكُونَا منصوبين بِفعل مُضْمر تَقْدِيره فهاجوك فألفوك ومقلة نصب على التَّمْيِيز الْغَرِيب أمواهة جمع مَاء يُقَال مَاء وأمواه ومياه والضباب جمع ضَب وَهُوَ دَابَّة لَا ترد المَاء وَلَا تطلبه والودائق جمع وديقة وهى شدَّة الْحر قَالَ الهذلى
(حامى الْحَقِيقَةِ نَسَّالُ الوَديقَةِ مِعْتاقِ الوَسيقَةِ لَا نِكْسٌ وَلا وَكِلُ)
الْمَعْنى وجدوك أَصْبِر عَن المَاء من الضباب لِأَنَّهَا لَا تطلب المَاء // وَهَذَا مُبَالغَة // وآلف مِنْهَا للهواجر وَأَشد مِنْهَا إقداما وجراءة وكل هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنهم قصروا عَن مَعْرفَته باختراق القفر وعجزوا عَمَّا أظهره فى ذَلِك من الْجلد وَالصَّبْر
٣٧ - الْإِعْرَاب هديرا خبر كَانَ وَاسْمهَا ضمير فِيهَا تَقْدِيره كَانَ فعلهم وكيدهم ومهلبة الأذناب وخرس الْمَفْعُول الثانى لتركت بِمَعْنى صيرتها الْغَرِيب المهلبة الأذناب هى الْمُقطعَة شعر الأذناب والهلب شعر الذَّنب والشقاشق جمع شقشقة وهى مَا يخرج من فَم الْبَعِير عِنْد هديره وَلَا تخرج إِلَّا عِنْد هياجه الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ طغيانهم مثل هدير من فحول تهادرت فَانْتدبَ لَهَا قوم ففجعوها وتركوها مهلبة سَاكِنة الهدير يُرِيد أَنَّهَا هربت من بَين يَدَيْهِ وذلت وهلبها أى أَخذ خصل شعرهَا وَسكن هديرها خوفًا ورهبا وَقَالَ ابْن فورجة الْفَحْل إِذا أَخذ شعر ذَنبه ذل أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر
(أَبى قِصَرُ الأذْنابِ أنْ تَخْطِرُوا بِها )
وَإِنَّمَا هَذَا مثل يُرِيد أَنه أَتَاهُم وأذلهم وأصغر أَمرهم وَالْمعْنَى يَقُول تركت فحول تِلْكَ الْقَبَائِل كفحول إبل تستذل بِقطع الأذناب وسكنتها بغلبتك عَلَيْهَا فَانْقَطَعت أصوات شقاشقها وَالْمعْنَى أَنه أذلّ أعزاء الْأَعْرَاب وَذهب بقوتهم وظفر بهم
[ ٢ / ٣٢٨ ]
- الْغَرِيب الشواهق جمع شَاهِق وَهُوَ العالى من الْجبَال الْمَعْنى يَقُول مَا عاقوك بِمَا كلفته من اقتحام الفلاة عَلَيْهِم عَن لَذَّة وَلَا منعُوا بذلك خيلك من رَاحَة وَلَا أخرجوك عَن عادتك وَلَا عدلوا بك عَن طريقك وَلَكِن كفت فلواتهم خيلك اقتحام شَوَاهِق جبال الرّوم الَّتِى تركتهَا وقصدت إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب لِأَنَّك لَو لم تقصد إِلَيْهِم لقصدت الرّوم فقد كفت البرارى خيلك بالسير فِيهَا قطع جبال الرّوم
٣٩ - الْغَرِيب صم القنا الصلاب مِنْهَا وركز الرمْح إِذا جعله فى الأَرْض قَائِما لَا يطعن بِهِ والدماسق جمع دمستق على حذف التَّاء لِأَن هَذَا الِاسْم لَو كَانَ عَرَبيا لكَانَتْ التَّاء فِيهِ زَائِدَة وَهُوَ اسْم أعجمى يتَغَيَّر مَجْمُوعَة عَن مفرده على عَادَة الْعَرَب فى الْأَسْمَاء الأعجمية الْمَعْنى أَنه يُشِير إِلَى أَن جَيش سيف الدولة لم يكن يتَكَلَّف فى طلب الْأَعْرَاب مئونة وَلَا يتجشم مشقة وَإِنَّمَا خرج من حَرْب إِلَى حَرْب فَلم تكن رماحة قبل قِتَالهمْ مركورة وَلَا غير مستعملة متروكة وَإِنَّمَا شغلوها بطعن نحورهم عَن نحور الدماسق وهى قواد جَيش الرّوم فقتاله الْعَرَب بجيشه كقتاله الرّوم بِهِ
٤٠ - الْإِعْرَاب أسكن الْيَاء من الأيدى ضَرُورَة وهى فى مَوضِع نصب الأولى مفعول يَجْعَل الأول وَالثَّانيَِة مَفْعُوله الثانى الْغَرِيب المسخ قلب الْخلقَة والخرانق جمع خرنق وهى الْإِنَاث من أَوْلَاد الأرانب وَقيل الصغار مِنْهَا وخرنق امْرَأَة شاعرة وهى خرنق بنت هفان من بنى سعد بن ضبيعة الْمَعْنى يُرِيد أَنه يَجْعَل الشجعان أذلاء والأقوياء ضعفاء وَيجْعَل الأيدى القوية كأيدى الخرانق وفيهَا قصر وَالْمعْنَى ألم يحذر الْأَعْدَاء سطوته الَّتِى هى على عدوه كالمسخ الذى يقلب الْخلق ويقبح الصُّور وَيُعِيد بهَا عزيزهم ذليلا وكثيرهم بِالْقَتْلِ قَلِيلا وَيجْعَل أيدى الْأسد من أعاديه وَقد تناهت فى الْقُوَّة كأيدى الخرانق قَصِيرَة مِمَّا يكسبهم من الذلة وَالصغَار وَالْمعْنَى لحبيب
(لَوْ أنَّ أيْدِيَكُمْ طِوَالٌ قَصَّرَتْ عنهُ فكيْفَ تكونُ وَهىَ قِصاَرُ)
[ ٢ / ٣٢٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول قد عَايَنت الْعَرَب وقائعه فى غَيرهم فَمَا وعظتهم تِلْكَ المصارع وَلَا بصرتهم تِلْكَ الزواجر وَكَانَ من حَقهم أَن يعتبروا وَقد أَرَاهُم مصرع العاصى الْخَارِج عَن أمره حَتَّى يعْتَبر الثانى بِالْأولِ وَهَذَا معنى قَول الشَّاعِر
(شَدَّ الخِطامَ بِأَنْفِ كُلّ مُخالِفٍ حَتَّى اسْتَقامَ لَهُ الَّذِى لَا يُخْطَمُ)
والمارق الذى يَمْرُق من الطَّاعَة والديانة وَهُوَ من مَسْرُوق السهْم
٤٢ - الْغَرِيب القضم أكل الدَّابَّة الشّعير والعلائق جمع عليقة وهى المخلاة وجنوبها نَوَاحِيهَا وجيوبها مَا فتح من أَعْلَاهَا وجيب المخلاة فمها الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن معنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ الْفرس إِذا علق عَلَيْهِ المخلاة طلب لَهَا موضعا مرتفعا يَجْعَلهَا عَلَيْهِ ثمَّ يَأْكُل فخيله إِذا أَعْطَيْت عليقها رفعته على هام الرِّجَال الْقَتْلَى لكثرتهم حولهَا فقد تعودت خيله فى غَزَوَاته ذَلِك
٤٣ - الْإِعْرَاب وَلَا ترد نَصبه عطف على لَا تقضم الْغَرِيب الغدران جمع غَدِير وَهُوَ مَا غدره السَّيْل أى تَركه والشقائق نور أَحْمَر ينْسب إِلَى النُّعْمَان واحدتها شَقِيقَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لِكَثْرَة مَا قتل من الْأَعْدَاء جرت دِمَاؤُهُمْ إِلَى الغدران فَغلبَتْ على خضرَة المَاء حمرَة الدَّم وَالْمَاء يلوح من خلال الدَّم فالريحان تَحت الشقائق لِأَن مَاء الغدير أَخْضَر من الطحلب فَشبه خضرَة المَاء وَحُمرَة الدَّم بالريحان تَحت الشقائق وَقَالَ ابْن فورجة لَا تشرب خيله المَاء إِلَّا وَقد حَارَبت عَلَيْهِ واحمر المَاء من دم الْأَعْدَاء كَمَا قَالَ بشار
(فَتًى لَا يَبِيتُ عَلى دِمْنَةٍ وَلا يَشْرَبُ المَاءَ إلاَّ بِدَمِ)
وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أَن خيله لَا تقرب الغدران وَارِدَة وَلَا تقتحم مياهها شاربة إِلَّا وَتلك الْمِيَاه تَحت مَا يسفكه من دِمَاء أعدائه كالريحان فى خضرته إِذا استبان تَحت الشقائق واستولت بحمرتها على جملَته وَأَشَارَ بخضرة المَاء إِلَى صفائه وكثرته وَنبهَ بذلك على جمومه وَأَن هَذِه الْخَيل إِنَّمَا تأنس من المَاء مَا هَذِه صفته وَترد مِنْهُ مَا هَذِه حَقِيقَته وَفِيه نظر إِلَى قَول جرير
(وَما زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِماءَها بدِجْلَةَ حَتَّى ماءُ دجَلَةِ أشْكَلُ)
[ ٢ / ٣٣٠ ]
- الْغَرِيب نمير قَبيلَة من قيس عيلان تلقوا سيف الدولة حِين قصد إِلَى بنى عَامر ابْن صعصعة وأظهروا لَهُ الخضوع فَسَلمُوا مِنْهُ والأظعان الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة من النِّسَاء والظعينة الْمَرْأَة مَا دَامَت فى الهودج والوسائق جمع وسيقه وهى الْقطعَة من حمر الْوَحْش الْمَعْنى يَقُول فعل ابْن نمير كَانَ أرشد من فعل هَؤُلَاءِ لأَنهم تعلقوا بعفوه وخضعوا لَهُ فَسَلمُوا من جَيْشه وَكَانُوا قد طردوا نِسَاءَهُمْ طرد الوسائق خوفًا مِنْهُ ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ مستعفين فَعَفَا عَنْهُم فَكَانُوا أرشد من غَيرهم
٤٥ - الْغَرِيب الفيالق جمع فيلق وهى الكتيبة الْكَثِيرَة السِّلَاح وَغرب كل شئ حَده الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم ردوا عَن أنفسهم بِمَا أعدُّوا من خضوعهم لَهُ رماحا نَافِذَة وأسلحة مَاضِيَة فطاعنوا بذلك الخضوع جَيْشه وَكفوا بذلك الِاعْتِرَاف خيله فَرد ذَلِك الخضوع حد فيالقه فَكف جَيش الِاعْتِرَاف بَأْس كتائبه وَأصَاب مَا استدفعته بَنو نمير سَائِر بنى عقيل بِسوء نظرهم وَقلة تدبرهم لَهُ وَهَذَا معنى قَول أَبى تَمام
(فَحاطَ لَهُ الإقْرَارُ بالذَّنْبِ رُوحَهُ وجُثْمانَهُ إذْ لَمْ تَحُطْهُ قَبائِلُهْ)
٤٦ - الْغَرِيب المخاتل المخادع وَهُوَ أَيْضا المسارق الْمَعْنى يَقُول لم أر أحدا أرمى من سيف الدولة غير مخادع فى رميه وَلَا أسرى إِلَى الْأَعْدَاء مِنْهُ غير مسارق فى قَصده يُرِيد أَنه يتَنَاوَل أُمُوره تنَاول قدرَة يحاولها محاولة اعتزام وَشدَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى المخاتلة والمسارقة لِأَن الطعْن من قبله وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(مَنْ كانَ يَخْثِلُ قِرْنا عندَ مَوْقِفِهِ فإنَّ قِرْنَ يَزِيدٍ غَيْرُ مُخْتَتَلِ)
وللبحترى مثله
(فنُدْرِكُ بالإقْدامِ بُغْيَتَنا الَّتِى نُطالِبُها لَا بالخَدِيعَةِ والمَكِْ)
٤٧ - الْغَرِيب المجانيق جمع منجنيق هُوَ مَا يرْمى بِهِ على الْحُصُون فى الْحصار والبنادق جمع بندقة وَهُوَ مَا يعْمل من الطين ويرمى بهَا الطير الْمَعْنى يُرِيد أَنه لسعة قدرته وَمَا مكنه الله من الْأُمُور فى رَعيته تصيب المجانيق الْعِظَام مَعَ اخْتِلَاف رميها وَتعذر ضَبطهَا دقاقا يقصر قسى البندق عَن مثلهَا ويعجز عَمَّا يبلغ من أمرهَا يُشِير إِلَى أَنه معَان مؤيد مَنْصُور مُسَدّد
[ ٢ / ٣٣١ ]
- ١ - الْغَرِيب الأرق فقد النّوم والجوى الْحزن الذى يستبطن الْإِنْسَان فَيكون فى حشاه وَالْعبْرَة تردد الدمع فى الْعين ورقرقت المَاء فترقرق وَمثله أسلته فَسَالَ الْمَعْنى يَقُول لى سهاد بعد سهاد على أثر سهاد وَمن كَانَ عَاشِقًا يسهد لِامْتِنَاع النّوم عَلَيْهِ وحزنه يزِيد كل يَوْم ودمعه يسيل
٢ - الْإِعْرَاب جهد الصبابة مُبْتَدأ وَأَن تكون فى مَوضِع رفع خَبره وَعين مسهدة خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره ولى عين مسهدة وَيجوز أَن يكون عين خَبرا عَن جهد الصبابة وَأَن تكون فى مَوضِع الْحَال الْغَرِيب الْجهد بِالْفَتْح الْمَشَقَّة وبالضم الطَّاقَة وَقيل هما لُغَتَانِ بِمَعْنى والصبابة رقة الشوق الْمَعْنى يَقُول جهد الصبابة أَن تكون كرؤيتى وفسرها فى باقى الْبَيْت بِمَا ذكر من حَاله وَمثله للجمانى
(قالتْ عَيْيْتَ عَنِ الشَّكْوَى فقُلْتُ لَهَا جُهْدُ الشِّكايَةِ أنْ أعْيا عَنِ الكَلِمِ)
وَقَالَ البحترى
(هَلْ غايَةُ الشَّوْقِ المُبَرِّحِ غَيْرَ أنْ يَعْلُو نَشِيجٌ أوْ تَفِيضَ مَدَامِعُ)
٣ - الْإِعْرَاب ولى فؤاد مُبْتَدأ وَخبر خَبره مقدم عَلَيْهِ وهى جملَة فى مَوضِع الْحَال الْغَرِيب الشيق يجوز أَن يكون بِمَعْنى فَاعل من شاق يشوق كالجيد وَالطّيب والهين وَزنه فيعل وَهُوَ كثير كالسيد والصيب وَيجوز أَن يكون على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول وترنم الطَّائِر هُوَ حسن صَوته فى صياحه الْمَعْنى يَقُول مَا لَاحَ برق إِلَّا وشوقنى لِأَن لمعان الْبَرْق يهيج العاشق يُحَرك شوقه إِلَى أحبته لِأَنَّهُ يتَذَكَّر بِهِ ارتحالهم للنجعة والفرقة وَكَذَلِكَ ترنم الأطيار وَهَذَا كثير جدا فى أشعارهم وَمثله لِابْنِ أَبى عُيَيْنَة
(مَا تَغَنَّى القُمْرِىُّ إلاَّ شَجانى وغِناءُ القُمْرِىّ لِلصَّبّ شاجِى)
[ ٢ / ٣٣٢ ]
- الْإِعْرَاب مَا تنطقى مَصْدَرِيَّة وَالضَّمِير فى تحرق عَائِد على نَار الْهوى وَعَما تحرق مُتَعَلق بتكل ومعمول تنطفى مَحْذُوف على رأى الْبَصرِيين فى إِعْمَال ثانى الْفِعْلَيْنِ كَقَوْلِك رضيت وصفحت عَن زيد فحذفت مَعْمُول الأول لدلَالَة الثانى عَلَيْهِ وحجتهم أَن الثانى أقرب إِلَى الْمَعْمُول وَاخْتَارَ الْكُوفِيُّونَ إِعْمَال الأول لِأَنَّهُ أسبق فى الذّكر وَقد جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز إِعْمَال الثانى فَهُوَ دَلِيل للبصرى وَجَاء فى أشعار الْعَرَب إِعْمَال الأول ففى الْقُرْآن ﴿آتوني أفرغ عَلَيْهِ قطرا﴾ ﴿هاؤم اقْرَءُوا كِتَابيه﴾ وفى الْبَيْت محذوفان هَذَا الذى ذَكرْنَاهُ والثانى حذف الْعَائِد إِلَى مَا الثَّانِيَة من صلتها وَفِيه حذفان آخرَانِ تقديرهما جربت من قُوَّة نَار الْهوى انطفاء نَار الغضى وكلو لَهَا عَن إحراق مَا تحرقه نَار الْهوى الْغَرِيب الغضى شجر عَظِيم تستعمله الْعَرَب فى وقيدها وناره قَوِيَّة تبقى أَزِيد من غَيرهَا الْمَعْنى يَقُول جربت من نَارا الْهوى تكل الغضى عَمَّا تحرقه هَذِه النَّار وتنطفى عَنهُ فَلَا تحرقه وَالْمعْنَى أَن نَار الْهوى أَشد إحراقا من نَار الغضى وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الآخر
(لَوْ كانَ قَلْبِى فِى نارٍ لأَحْرَقَها لأَنَّ إحْرَاقَهُ أذْكَى مِنَ النَّارِ)
٥ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى ذهب قوم فى هَذَا الْبَيْت إِلَى أَنه من المقلوب على تَقْدِير كَيفَ لَا يَمُوت من يعشق يُرِيد أَن الْعِشْق يُوجب الْمَوْت لِشِدَّتِهِ وَأَنه يتعجب مِمَّن يعشق كَيفَ لَا يَمُوت وَإِنَّمَا يحمل على الْقلب مَا لَا يظْهر الْمَعْنى دونه وَهَذَا ظَاهر الْمَعْنى من غير قلب وَهُوَ أَنه يعظم أَمر الْعِشْق ويجعله غَايَة فى الشدَّة يَقُول كَيفَ يكون موت من غير عشق أى من لَا يعشق يجب أَن لَا يَمُوت لِأَنَّهُ لَا يقاسى مَا يُوجب الْمَوْت وَإِنَّمَا بوجبه الْعِشْق وَقَالَ بعض من فسر هَذَا الْبَيْت لما كَانَ المتقرر فى النُّفُوس أَن الْمَوْت فى أَعلَى مَرَاتِب الشدَّة قَالَ لما ذقت الْعِشْق وَعرفت شدته عجبت كَيفَ يكون هَذَا الْأَمر الْمُتَّفق على شدته غير الْعِشْق
٦ - الْمَعْنى يَقُول عذرت العشاق ولمتهم قبل وقوعى فِيهِ وابتلائى بِهِ فَلَمَّا ابْتليت بالعشق وَلَقِيت فِيهِ من الشدَّة والأهوال مَا لقى العشاق حِينَئِذٍ رجعت إِلَى نفسى وَعرفت أَنى مذنب مُخطئ فى لومهم فعذرتهم لما ذقت مرارته وشدته وَمَا فِيهِ من أَصْنَاف الْبلَاء وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول على بن الجهم
(وَقَدْ كُنْتُ بالعُشَّاقِ أهْزأُ مَرَّةً وَها أَنا بالعُشَّاقِ أصْبَحْتُ باكيا)
وَمن قَول أَبى الشيص
(وكنتُ إذَا رأيْتُ فَتًى يُبَكِّى عَلى شَجًنٍ هَزَأْتُ إذَا خَلَوْتُ)
(وأحْسَبُنِى أدَالَ اللهُ مِنِّى فَصِرْتُ إذَا بَصُرْتُ بِهِ بَكَيْتُ)
[ ٢ / ٣٣٣ ]
- الْغَرِيب غراب الْبَين مثل فى الْفِرَاق كَانَت الْعَرَب إِذا صَاح فى دِيَارهمْ الْغُرَاب تشاءمت بِهِ وَهُوَ كثير فى الْأَشْعَار ونغق بالغين الْمُعْجَمَة مَعَ الْقَاف ونعب بِالْمُهْمَلَةِ مَعَ الْبَاء الْغُرَاب صَاح الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أبنى أَبينَا يَا إِخْوَاننَا وغراب الْبَين دعى الْمَوْت وَأَنه انْتقل من الْغَزل إِلَى الْوَعْظ وَهَذَا حذق مِنْهُ وَحسن تصرف وَقَالَ الواحدى هَذَا فَاسد لَيْسَ على مَذْهَب الْعَرَب فداعى الْمَوْت لَا يسمع لَهُ صياح وَالْأَمر فى غراب الْبَين أشهر من أَن يُفَسر بِمَا فسره بِهِ وَقد انْتقل من الْغَزل والتشبيب إِلَى الْوَعْظ وَذكر الْمَوْت لَا يستحسن إِلَّا فى المراثى وَالْمعْنَى يَا إخواتاه وَيَا بنى آدم لِأَن النَّاس كلهم بَنو آدم وَيجوز أَن يكون يُرِيد بِهِ قوما مخصوصين من رهطه أَو قبيلته يَقُول نَحن نازلون فى منَازِل يتفرق عَنْهَا أَهلهَا بِالْمَوْتِ
٨ - الْغَرِيب المعشر وَالْعشيرَة وَالْجَمَاعَة الْأَهْل الْمَعْنى يَقُول نبكى على فِرَاق الدُّنْيَا ولابد مِنْهُ لِأَن الدُّنْيَا دَار اجْتِمَاع وَفرْقَة وعادتها التَّفْرِيق وَالْجمع وَمَا اجْتمع فِيهَا قوم إِلَّا تفَرقُوا وَقد بَينه فِيمَا بعده وَهُوَ من قَول الآخر
(لَا يُلْبِثُ القُرَناءَ أنْ يَتَفَرَّقُوا لَيْلٌ يَكُرُّ عَليْهِمِ وَنهارُ)
وَقَالَ صَالح بن عبد القدوس
(أَرِنى بِيَوْمِكَ مِنْ زَمانِكِ أنَّهُ لَمْ يُلْبِثِ الْقُرَناءَ أنْ يَتَفَرَّقُوا)
٩ - الْغَرِيب الأكاسرة جمع كسْرَى على غير قِيَاس وهم مُلُوك فَارس والجبابرة جمع جَبَّار والألى بِمَعْنى الَّذين لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه والكنوز جمع كنز وَهُوَ المَال المدفون الْمَعْنى يَقُول أَيْن الْمُلُوك وَأَيْنَ الْجَبَابِرَة الَّذين كنزوا المَال وأعدوه فَلَنْ يغنى عَنْهُم مَعَ الْمَوْت شَيْئا ثمَّ مَعَ هَذَا مَا بقى هُوَ وَلَا هم وَهَذَا وعظ شاف وَهُوَ من قَول أَبى الْعَالِيَة
(أينَ الأُولى كَنْزُّوا الكُنوزَ وأسَّسُوا أينَ القُرُونَ هِىَ القُرُونُ المَاضِيَهْ)
(دَرَجُوا فَأصْبَحَتِ المَنازِلُ مِنْهُمُ عطُلًا وأصْبَحَتِ المَساكِنُ خالِيَهْ)
[ ٢ / ٣٣٤ ]
- الْغَرِيب الفضاء الأَرْض الواسعة وثوى من رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ فَمَعْنَاه هلك من رَوَاهُ بِالْمُثَلثَةِ فَمَعْنَاه ثوى أى أَقَامَ فى الْقَبْر وحواه اللَّحْد واللحد مَا يكون فى جنب الْقَبْر وَمِنْه قَوْله ﵊ " اللَّحْد لنا والشق لغيرنا " الْإِعْرَاب من ضَاقَ من نكرَة مَوْصُوفَة وصفتها ضَاقَ وَلَيْسَت بصلَة وَالتَّقْدِير من كل ملك ضَاقَ الفضاء بجيشه وَمن كل للتبيين يُرِيد أَيْن الأكاسرة ثمَّ قَالَ من كل الْمَعْنى يُرِيد أَيْن الأكاسرة والملوك الجبارون من كل ملك ضَاقَتْ بجيشه وَجُنُوده الأَرْض الواسعة انْضَمَّ عَلَيْهِ اللَّحْد وضيقه بعد أَن كَانَ الفضاء يضيق عَن جُنُوده وَهَذَا من قَول أَشْجَع
(وأصْبَحَ فِى لَحْدٍ مِنَ الأرْضِ ضَيِّقٍ وكانَتْ بِهِ حَيُّا تَضِيقُ الصَّحاصِحُ)
١١ - الْمَعْنى يَقُول هم موتى لَا يجيبون دَاعيا كَأَنَّهُمْ يظنون أَن الْكَلَام محرم عَلَيْهِم وَلَا يحل لَهُم أَن يتكلموا قَالَ الواحدى وَلَو قَالَ خرس إِذا نُودُوا لعجزهم عَن الْكَلَام وَعدم الْقُدْرَة عَن النُّطْق كَانَ أولى وَأحسن مِمَّا قَالَ لِأَن الْمَيِّت لَا يُوصف بِمَا ذكر
١٢ - الْغَرِيب المستغر الْمَغْرُور وروى على بن حَمْزَة المستعز بالزاى وَالْعين الْمُهْملَة من الْعِزّ والأحمق الْجَاهِل وَقيل الذى لَا عقل لَهُ الْمَعْنى يَقُول النُّفُوس يأتى الْمَوْت عَلَيْهَا وَإِن كَانَت عزيزة نفيسة لَا يمنعهُ ذَلِك من أَخذهَا والأحمق الْمَغْرُور بالدنيا وَبِمَا يجمعه فِيهَا والكيس لَا يغتر بِمَا جمعه مِنْهَا لعلمه أَنه لَا يبْقى هُوَ وَلَا مَا جمعه فَمن اغْترَّ بهَا فَهُوَ أَحمَق وَمن طلب الْعِزّ بِمَالِه فَهُوَ أَيْضا أَحمَق والنفوس نفائس جناس حسن والنفيس الذى ينفس بِمَا بِهِ أى يبخل وَمثله قَول الْقَائِل
(إنَّ امْرأً أمِنَ الزَّما نَ لِمُسْتَغِرّ أحْمَقُ)
[ ٢ / ٣٣٥ ]
- الْغَرِيب الشهية المشتهاة الطّيبَة من شهى يشهى وشها يشهو إِذا اشْتهى الشئ وهى فعيلة بِمَعْنى مفعولة والشبيبة الشَّبَاب وأنزق أخف وأطيش الْمَعْنى يَقُول الْمَرْء يَرْجُو الْحَيَاة لطيبها عِنْده والشيب أَكثر لَهُ وقارا من الشَّبَاب وَالْمعْنَى أَن الْإِنْسَان يكره الشيب وَيُحب الشَّبَاب والشيب خير لَهُ لِأَنَّهُ يفِيدهُ الْحلم وَالْوَقار وَهُوَ يحب الشَّبَاب وَهُوَ شَرّ لَهُ لِأَنَّهُ يحملهُ على الطيش والخفة فالشيب أوقر من غَيره والشبيبة أنزق من غَيرهَا
١٤ - الْغَرِيب اللمة من الشّعْر مَا ألم بالمنكب والرونق الْحسن والنضارة الْمَعْنى يَقُول بَكَيْت على الشَّبَاب ولمتى مسودة يُرِيد أَيَّام كَانَت فِيهَا لمتى سَوْدَاء ولوجها حسن والغوانى تطلبنى
١٥ - الْإِعْرَاب حذرا مصدر فى مَوضِع الْحَال وَالْعَامِل فِيهِ بَكَيْت وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا أى حذرت عَلَيْهِ حذرا وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لأَجله أى لحذرى وبماء جفنى أى بِسَبَب مَاء جفنى وَالتَّقْدِير كدت بِسَبَب مَاء جفنى أشرق بريقى الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة بكائى وجريان دموعى كَاد يشرق بهَا جفنى أى يضيق عَنْهَا وشرق بِالْمَاءِ وغص بِالطَّعَامِ وَإِذا شَرق جفْنه شَرق هُوَ وَيجوز أَن يكون يغلبه فَلَا يبلع وَهُوَ من قَول الآخر
(كُنتُ أبْكِى دَما وأنْتِ ضَجِيعِى حَذَارًا مْنْ تَشَتُّتٍ وَفِراقِ)
وَأنْشد ثَعْلَب لِابْنِ الْأَحْنَف
(قدْ كُنْتَ أبْكِى وَأَنت رَاضِيَةٌ حِذَارَ هَذَا الصُّدُودِ والْغَضَبِ)
وَمثل قَول الْعَبَّاس قَول الآخر
(مَا كُنْتُ أيَّامِ كُنْتِ رَاضِيَةً عَنِّى بِذَاكَ الرّضَا بِمُغْتَبِطِ)
(عِلْما بأنَّ الرّضَا سَيَتْبَعُهُ مِنْكِ التَّجَنِّى وكَثْرَةَ السَّخَطِ)
١٦ - الْغَرِيب أما فى الْأَكْثَر تسْتَعْمل مكررة وَقد تأتى مُفْردَة وهى للتفصيل وقلما وقلما تأتى مُفْردَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿أما السَّفِينَة وَأما الْغُلَام وَأما الْجِدَار﴾ والأينق جمع نَاقَة وهى على غير الْقيَاس وَالْأَصْل الأنوق إِلَّا أَنهم أبدلوا الْوَاو يَاء وقدموها على النُّون وفى جمعه لُغَات نُوق ونياق وأينق وأيانق الْمَعْنى يَقُول قوم هَؤُلَاءِ الممدوح أعز النَّاس لمنعتهم وشرفهم فهم أعز من يقْصد ويسرى إِلَيْهِ الطلاب والقصاد ويحدون جمَالهمْ قَالَ الواحدى وروى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر الرِّضَا بِضَم الرَّاء قَالَ وَهُوَ اسْم صنم وَأَرَادَ ابْن عبد الرِّضَا كَمَا قَالُوا ابْن منَاف ويريدون ابْن عبد منَاف
[ ٢ / ٣٣٦ ]
- الْغَرِيب الشموس جمع الشَّمْس وَكَانَ الأولى أَن يُقَال رجال مثل الشموس وَإِنَّمَا جمع ليجعل كل وَاحِد مِنْهُم شمسا فقابل جمَاعَة بِجَمَاعَة واستجاز ذَلِك لِأَن الشَّمْس يخْتَلف طُلُوعهَا وغروبها وازدياد حرهَا وانتقاصه وَتغَير لَوْنهَا فى الأصائل وَغَيرهَا فَيُقَال شمس الضُّحَى وشمس الأصائل وشمس الصَّيف وشمس الشتَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ و﴿رب الْمَشَارِق والمغارب﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب﴾ وَقَالَ النخعى
(حَمِىَ الحَدِيدُ عَلَيهِمُ فكأنَّهُ وَمَضَانُ بَزْقٍ أوْ شُعاعُ شُموسِ)
الْمَعْنى يَقُول كَبرت لله تَعَجبا لما رَأَيْت الشموس طالعة من قبل الْمغرب لِأَن الممدوح كَانَ بَيته فى جِهَة الْمغرب فعجبت من طُلُوع الشَّمْس من الْمغرب وَهَذَا مثل قَوْلك رَأَيْت زيدا فَلَقِيت حاتما جودا والأحنف حلما وإياسا ذكاء وعمرا دهاء وخَالِد بن صَفْوَان بلاغة
١٨ - الْمَعْنى كَانَ من حَقّهَا أَن تلين حَتَّى ينْبت الْوَرق فتعجبت مِنْهَا كَيفَ لَا تورق صخورها لفضل أَيْديهم على السحب // وَهَذَا من الْمُبَالغَة // وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحترى
(أشْرَقْنَ حَتَّى كادَ يَقْتَبسُ الدُّجَى وَرَطُبْنَ حَتَّى كادَ يجْرِي الجندل تَعُومُ وَلَا تَغْرَقُ)
قَالَ أَبُو الشمقمق وَكَانَ مَعَ طَاهِر بن الْحُسَيْن فى حراقة فى دجلة
(عَجِبْتُ لِحُرَّاقَةَ ابْنِ الْحُسَيْنِ كَيْفَ تَعُومُ وَلَا تَغْرَقُ)
(وَبحْرَانِ مِنْ تَحْتِها وَاحِدٌ وآخَرُ مِنْ فَوْقِها مُطْبِقُ)
(وأعْجَبُ مِنْ ذَاكَ عِيدَانُها وَقَدْ مَسَّها كَيْفَ لَا تُوْرِقُ)
وَقَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
(لوْ أنَّ كَفًاّ أعْشَبَتْ لِسَماحَةٍ لبَدَا برَاحَتِهِ النَّباتُ الأَخْضَرُ)
ولبعض الْأَعْرَاب
(لوْ أنَّ رَاحَتَهُ مَرَّتْ على حَجَرٍ صَلْدٍ لأَوْرَقَ مِنها ذلكَ الحَجَرُ)
[ ٢ / ٣٣٧ ]
- الْغَرِيب يُقَال مَكَان ومكانة كمنزل ومنزلة قَالَ الله تَعَالَى ﴿على مكانتكم﴾ وَقَرَأَ أَبُو بكر ﴿على مكاناتكم﴾ بِالْجمعِ الْمَعْنى يَقُول ذكرهم قد عَم الْبِلَاد وانتشر بالتناء عَلَيْهِم وَالثنَاء يُوصف بِطيب الرَّائِحَة لِأَن طيب أَخْبَار الثَّنَاء فى الآذان مسموعة كطيب الرَّائِحَة فى الأنوف مشمومة وَالْمعْنَى أَن ذكرهم يسمع بِكُل مَكَان لِكَثْرَة من يثنى عَلَيْهِم كَقَوْل ابْن الرومى
(إنْ جاءَ مَنْ يَبغى لَنا مَنْزِلًا فَقُلْ لَهُ يَمْشِى وَيَسْتَنْشِقُ)
وَلابْن الرومى أَيْضا
(أعْبَقْتَهُ مِنْ طِيبِ رِيحِكَ عَبْقةً كادَتْ تَكونُ ثَناءَكَ المَسْمُوعا)
وَلآخر
(لوْ كانَ يُوجَدُ رِيحُ مَجْدٍ فائحًا وَلَكِنَّهُ ذَاكَ الثَّناءُ المُخَلَّفُ)
وللعطوى
(وليسَ بشَمّ المِسْكِ مَا يجِدُونَهُ وَلَكِنَّهُ ذَاكَ الثَّناءُ المُخَلَّفُ)
وللعطوى
(ولَوْ رَكْبا يَمَّمُوكَ لَقادَهُمْ شَمِيمُكَ حَتَّى يَسْتَدِلَّ بكَ الرَّكْبُ)
٢٠ - الْغَرِيب النفحات الروائح وتعبق تفوح وتلزق الْمَعْنى يَقُول هم طيبُوا الرَّائِحَة بالثناء عَلَيْهِم فلهَا طيب رَائِحَة الْمسك وهى بهَا وحشية من غَيرهم فَلَا تعبق إِلَّا بهم وَالْمعْنَى لَا يثنى عَلَيْهِم بِمَا يثنى على غَيرهم
٢١ - الْمَعْنى يَقُول يَا طَالب مثله فى هَذَا الزَّمَان لَا تطلب مَا لَا يدْرك فَإِنَّهُ لَا يُوجد لَهُ نَظِير لِأَنَّهُ فَرد فى زَمَانه وَهُوَ من قَول البحترى
(وَلَئِنْ طَلَبْتُ شَبِيهَهُ إنّى إذَنْ لَمُكَلِّفٌ طَلَبَ المُحالِ رِكانِى)
وَله أَيْضا
(أيُّها المُبْتَغِى مُساجَلَةَ الْفَتْحِ بِنًيْلٍ بغيت مَا لَا يُنالُ)
ولأبى الشيص
(لَوْ تَبْتَغى مِثْلَهُ فِى النَّاسِ كُلِّهِمِ طَلَبْتَ مَا ليسَ فِى الدُّنْيا بِمَوْجُودِ)
[ ٢ / ٣٣٨ ]
- الْمَعْنى يَقُول لَا تطلب مثله فظنى أَنه لَا يخلق الله مثل مُحَمَّد وَصدق إِن أَرَادَ الإسم لَا الصُّورَة لِأَن الله تَعَالَى لم يخلق فى الأول وَلَا فى الآخر مثل مُحَمَّد
وَمثله لأبى الشيص
(مَا كانَ مِثْلَكَ فِى الوَرَى فيمَنْ مَضَى أحَدٌ وَظَنِّى أنَّهُ لَا يُخْلَقُ)
وَلابْن الرومى
(فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى مِثْلِهِ أبَى اللهُ ذَاك عَلى مَنْ خَلَقْ)
وللحصنى
(لمْ يكُنْ فِى خَليقَةِ اللهِ نِدّ لَكَ فِيما مَضَى وَليسَ يَكُونُ)
٢٣ - الْغَرِيب أَتصدق أعْطِيه الصَّدَقَة وأهبها لَهُ وَالتَّصَدُّق إِعْطَاء الصَّدَقَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتصدق علينا﴾
والمتصدق الْمُعْطى لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يحب المتصدقين﴾ والمصدق الذى يَأْخُذ صدقَات الْإِبِل وَالْغنم والمصدقين والمصدقات بتَشْديد الصَّاد وَأَصله المتصدقين فَقلب التَّاء صادا وأدغمت وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم بِالتَّخْفِيفِ جعله من التَّصْدِيق وَقد جَاءَ فى الشاذ أَن الْمُتَصَدّق السَّائِل وَأنْكرهُ اللغويون وَأنْشد الْمُدعى لذَلِك
(لَوْ أنَّهُمْ رُزِقُوا عَلى أقْدَارِهِمْ لَلَقِيتَ أكْثَرَ مَنْ تَرَى يَتَصَدَّقُ)
أى يسْأَل النَّاس وَهُوَ من قَول زُهَيْر
(تَرَاهُ إذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا كأنَّكَ تُعْطِيهِ الذَّى أنْتَ سائِلُهْ)
٢٤ - الْإِعْرَاب قَالَ الشريف هبة الله بن على بن مُحَمَّد الشجرى العلوى فى الأمالى لَهُ ونقلته بخطى تَقْدِيره فَإِن تنظر إِلَى لَا أغرق وَيحْتَمل رَفعه وَجْهَيْن أَحدهمَا أَرَادَ لِئَلَّا أغرق فَحذف لَام الْعلَّة ثمَّ حذف أَن فارتفع كَقَوْلِه
(أُوْجَدُ مَيْتا قَبَيْلَ أفْقِدُها )
كَمَا جَاءَ فى قَول طرفَة
(أَلا أيُّهذَا الزَّاجِرِ أَحْضُرَ الْوَغَى )
أَرَادَ أَن أحضر فحذفها يدلك على حذفهَا قَوْله وَأَن أشهد اللَّذَّات والثانى أَن يكون بإلفاء مقدرَة وَإِن كَانَت فى الْجَواب مقدرَة ارْتَفع الْفِعْل بتقديرها كَمَا يرْتَفع بإثباتها وَإِذا كَانُوا يحذفونها من جوا ب الشَّرْط الصَّرِيح فيرفعون فحذفها من جَوَاب الْأَمر أسهل كَقَوْلِه
(مَنْ يفْعَلِ الْحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها )
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يضركم﴾ فى قِرَاءَة الْكُوفِيّين وَابْن عَامر فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا بِتَقْدِير الْفَاء والثانى على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَأَنَّهُ قَالَ لَا يضركم كيدهم وَإِن تصبروا وتتقوا وَبِهَذَا التَّقْدِير ارْتَفع قَول الشَّاعِر وَهُوَ بَيت الْكتاب
(إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ )
وَالثَّالِث أَن يكون الضَّم للإتباع الْغَرِيب الثرة الْكَثِيرَة المَاء من الثرارة قَالَ عنترة
(جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ )
الْمَعْنى لما ذكر الْمَطَر وكثرته ذكر الْغَرق فَقَالَ أمطر على جودك غزيرا وَلَكِن إِذا سَالَ على ارحمنى لكيلا أغرق من كثرته وَهُوَ من قَول عبد الله بن أَبى السمط فى وصف سَحَابَة
(حَتَّى ظَلَلْتُ أَقُولُ فِى إلْحاحِها بالْوَيْلِ هَلْ أَنا سالِمٌ لَا أغْرَقُ)
[ ٢ / ٣٣٩ ]
- الْمَعْنى يَقُول كذب ابْن زَانِيَة فكنى عَن الزَّانِيَة بالفاعلة وَالْمعْنَى كذب من قَالَ إِن الْكِرَام مَاتُوا وَأَنت حى مَرْزُوق قَالَ الواحدى وروى ترزق بِفَتْح التَّاء وَالضَّمِير للممدوح وَيُرِيد تُعْطى النَّاس أَرْزَاقهم وَالْأول أَجود لِأَنَّهُ يُقَال فلَان حى يرْزق وَذَلِكَ أَنه مَا دَامَ حَيا مَرْزُوق وَلَا يَنْقَطِع الرزق إِلَّا بِالْمَوْتِ وَمثله لعمر بن شبة
(وَقائِلَةٍ لَمْ يَبْقَ فِى الأرْضِ سَيِّدٌ فَقُلْتُ لَهَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ جَعْفَرِ)
[ ٢ / ٣٤٠ ]
- ١ - الْإِعْرَاب أى اسْتِفْهَام إِنْكَار الْمَعْنى يُرِيد انه لم يبْق مَحل فى الْعُلُوّ وَلَا دَرَجَة إِلَّا وَقد بلغَهَا وَأَنه لَيْسَ يتقى عَظِيما وَلَا يخافه وَكذب فى ادعائه مرتقى الْعُلُوّ بل مَحَله الْعُلُوّ فى الْحمق
٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا لَا يجوز أَن يكون مخلوقا كذات البارئ وَصِفَاته لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ هَذَا للزمه الْكفْر بِهَذَا القَوْل وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا لم يخلقه مِمَّا سيخلقه بعد وَإِن كَانَ قد لزمَه الْكفْر باحتقاره لخلق الله وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء والمرسلون وَالْمَلَائِكَة المقربون
١٥٦
- ١ - الْإِعْرَاب الْبَين عطف بَيَان أَو الْبَين مُبْتَدأ ثَان وَخَبره مُضْمر تَقْدِيره الذى فرق كل شئ وَهُوَ كِنَايَة عَن الْبَين والنحويون يسمون مَا كَانَ مثل هَذَا الْإِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَقَوْل تَعَالَى ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ وَقَول الشَّاعِر
(هِىَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ )
وَحَتَّى للابتداء وَتَقْدِيره الْبَين يفرق كل شئ حَتَّى مَا تأنى الحزائق أَن يتفرقوا إِذا ظهر وَأَنت يَا قلب مِمَّا أفارقه إِذا ظهر الْغَرِيب تأنى تمهل وترفق الحزائق الْجَمَاعَات وَاحِدهَا حزيقة الْمَعْنى يَقُول هُوَ الْبَين المفرق كل أحد حَتَّى لَا تتمهل الْجَمَاعَات أَن يتفرقوا إِذا جرى فيهم حكم الْبَين ثمَّ خَاطب قلبه بقوله يَا قلب كل أحد يفارقنى حَتَّى أَنْت وَالْمعْنَى أَن الْأَحِبَّة فارقونى فَذهب قلبى مَعَهم ففارقنى وفارقته وَمثله للْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
(تَفَرَّق قَلْبِى مِنْ مُقِيمٍ وَظاعِنٍ فَلِلَّهِ دَرّى أىَّ قَلْبٍ أُشَيِّعُ)
وَلآخر
(كأنَّ أرْوَاحَنا لَمْ تَرْتَحِلْ مَعَنا أوْ سِرْنَ فِى أثَرِ الْحَىَّ الَّذِى سارَا)
[ ٢ / ٣٤١ ]
- الْإِعْرَاب فريقى فى مَوضِع نصب على الْحَال من الضَّمِير فى وقوفنا وَالْعَامِل فِيهِ الْمصدر وَقَوله وشائق أى وَمنا شائق فَحذف خبر الثانى للْعلم بِهِ الْغَرِيب البث الْحزن الْمَعْنى يَقُول وقفنا للوداع وزادنا حزنا أَنا وقفنا فريقين يجمعهما الْهوى فمنا العاشق المشوق يشوقه حَبِيبه بِفِرَاقِهِ وَمنا المعشوق الشائق يشوق عاشقه وَجعل هَذَا الْحَال يزِيدهُ بثا لِأَن فِرَاق الْأَحِبَّة أَشْقَى على الْقلب من فِرَاق الْجِيرَان والمعارف الَّذين لَا علاقَة بَينه وَبينهمْ
٣ - الْغَرِيب البهار زهر أصفر والشقائق جمع شَقِيقَة وهى زهر أَحْمَر ينْسب إِلَى النُّعْمَان وقرحى بِغَيْر تَنْوِين جمع قريح كجرحى وجريح ومرضى ومريض وَقَالَ ابْن جنى قلت لَهُ عِنْد الْقِرَاءَة عَلَيْهِ قرحا أتريده بِالتَّنْوِينِ فَقَالَ نعم جمع قرحَة وهى اسْم لَا وصف وَقَوله بهارا جمع بهارة الْمَعْنى يَقُول صَارَت الجفون قرحى من كَثْرَة الْبكاء وَحُمرَة الخدود صفرَة لأجل الْبَين وَهَذَا كَقَوْل عبد الصَّمد = بن المعذل
(باكَرَتْهُ الْحُمَّى وَرَاحَتْ عَلَيْهِ فَكَسَتْهُ حُمَّى الرَّوَاحِ بَهَارَا)
(لَمْ تَشِنْهُ لَمَّا ألَحَّتْ وَلَكِنْ بَدَّلَتْهُ بالاِحْمِرَارِ اصْفِرَارَا)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(لَمْ تَشِنْ وَجُهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ صَبَّرَتْ ١ وَرْدَ وَجْنَتَيْهِ بَهَارَا)
وَله أَيْضا
(لَهَا مِنْ لَوْعَةِ البَيْنِ الْتِداَمٌ يُعِيدُ بَنَفْسَجًا وَرْدَ الخُدُودِ)
٤ - الْإِعْرَاب اجْتِمَاع وَفرْقَة ارْتَفع على إِضْمَار الِابْتِدَاء وَتَقْدِيره لَهُم اجْتِمَاع وَفرْقَة وَمِنْهُم ميت ومولود ومبغض وعاشق الْغَرِيب القالى الْمُبْغض وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ والوامق الْمُحب الْمَعْنى يَقُول النَّاس قد مضوا قبلنَا لَهُم اجْتِمَاع مرّة وَفرْقَة أُخْرَى وولادة مرّة وَمَوْت أُخْرَى يُرِيد تصرف الدَّهْر بِالنَّاسِ وَاخْتِلَاف أَحْوَاله وَهُوَ من قَول الْأَعْشَى
(شَبابٌ وَشَيْبٌ وَافْتِقارٌ وَثَرْوَةٌ فَلِلَّهِ هَذَا الدَّهْرُ كَيْفَ تَرَدَّدَا)
وَقَول الآخر
(وَما النَّاسُ وَالأيَّامُ إلاَّ كَمَا تَرَى رَزِيَّةُ مالٍ أوْ فِرَاقُ حَبِيبِ)
وَقد تعيب بعض من لَا يفهم أَبَا الطّيب فَقَالَ كَانَ ينبغى أَن يَقُول
(على ذَا عَهْدِنا النَّاسَ رَاضٍ وَساخِطٌ وَمَيْتٌ وَمَوْلُودٌ . . الخ)
أَو يَقُول على التَّمْثِيل اجْتِمَاع وَفرْقَة وَمَوْت وولادة وقلى ومقة لكَون الْبَيْت مصَادر وَهَذَا لَا يلْزم الشَّاعِر وَلم يَأْتِ فى أشعار الْعَرَب
[ ٢ / ٣٤٢ ]
- الْغَرِيب الغرانق الشَّاب الناعم وَجمعه غرانق بِفَتْح الْغَيْن كجوالق وجوالق بِفَتْح الْجِيم فى الْجمع وَقيل فى جمعه الغرانيق والغرانقة وَأَصله من الغرانيق وَهُوَ نَبَات لين يكون فى أصل العوسج الْوَاحِد غرنوق وغرانق شبه الشَّاب الناعم بِهِ لنضارته وطراءته الْمَعْنى يَقُول الليالى تمر وتجئ وهى على حَالهَا وبمرها تغير حالى وتشيبنى وَهن لَا يشبن وَالْمعْنَى أَن الزَّمَان يبْلى وَلَا يبْلى وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(مِنْ عهد إِسْكَندَرٍ أوْ قبلَ ذاكَ وَقَدْ شابَتْ نَوَاصِى اللَّيالى وَهْىَ لَمْ تَشِبِ)
٦ - الْإِعْرَاب الظّرْف مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أَيْن حل وَوَقع وَحصل وَجَوَاب سل مَحْذُوف تَقْدِيره تخبرك الْغَرِيب جوز كل شئ وَسطه والمهارى جمع مهرى وَيجوز فِيهِ فتح الرَّاء وَكسرهَا كصحارى وصحارى وهى إبل منسوبة إِلَى قَبيلَة من الْيمن وهم بَنو مهرَة ابْن حيدان يُقَال مهارى ومهارى فى الْجمع بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها قَالَ رؤبة
(بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلّ مِيْلَةِ بِنا حَرَاجِيحُ المَهارِى النُّفَّةِ)
وَهُوَ جمع نافه وَهُوَ الْجمل والنقانق جمع نقنق وَهُوَ ذكر النعام الْمَعْنى يَقُول سل البيد تخبرك أَيْن الْجِنّ منا فى البيد وَنحن نقطع وَسطهَا وَأَيْنَ تقع مِنْهَا النقانق فى السرعة أى أَيّنَا أسْرع أى هَل تقطع الْجِنّ البيد كَمَا نقطع وَهل تفعل كَمَا نَفْعل وسلها عَن إبلنا هَل تسير ذُكُور النعام فِيهَا كسيرها أى إِن الْجِنّ دُوننَا والنعام دون إبلنا فى الجراءة والإقدام فى السّير
[ ٢ / ٣٤٣ ]
- الْإِعْرَاب رفع السمالق بجلت على أَنه فَاعله ومحياك فى مَوضِع نصب بالمفعولية وَلنَا مُتَعَلق بجلست وَالضَّمِير فى الظّرْف لِليْل وَهُوَ مُتَعَلق باهتدينا الْغَرِيب الدجوجى المظلم وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا بياء النّسَب وجلت كشفت وأظهرت وَمِنْه جلت الْعَرُوس أظهرت والمحيا الْوَجْه والسمالق جمع سملق وهى الأَرْض الْبَعِيدَة وَأَصله السلق زيدت فِيهِ الْمِيم وَهُوَ القاع الطَّوِيل الصفصف وَجمعه سلقان كخلق وخلقان الْمَعْنى يَقُول رب ليل مظلم سرنا فِيهِ إِلَى قصدك فأظهرت السمالق لنا غرَّة وَجهك فاهتدينا إِلَيْك فَزَالَتْ ظلمته بِنور وَجهك وَهَذَا مَنْقُول من قَول مُزَاحم العقيلى
(وُجُوهٌ لَوْ أنَّ المُدْلِجِينَ اعْتَشَوْا بِها صَدَعْنَ الدُّجَى حَتَّى ترَى اللَّيلَ يَنْجلى)
وكقول أَشْجَع
(مَلِكٌ بِنُورِ جَبِينِهِ نَسْرِى وَبحْرُ اللَّيْلِ طامى)
وَلمُسلم
(أجَدَّكِ هَلْ تَدْرِينَ أنْ بِتُّ لَيْلَةً كأنَّ دُجاها مِنْ قُرُونِكِ يُنْشَرُ)
(صَبَرْتُ لَهَا حَتَّى تَجَلَّتْ بِغُرَّةٍ كَغُرَّةِ يَحْيَى حِينَ يُذْكَرُ جَعْفَرُ)
ولأبى المعتصم
(لَمْ يَحِرْ فِى لَيْلَةٍ أحَدٌ وَابْنُ إبْرَاهِيمَ كَوْكَبُهُ)
٨ - الْغَرِيب جنح الطَّرِيق جَانِبه وجنح اللَّيْل طَائِفَة مِنْهُ وجنوحه إقباله فَهُوَ يجنح أى يمِيل إِلَى النَّهَار فَيذْهب النَّهَار ويجئ هُوَ وجابه قطعه وَمِنْه ﴿الَّذين جابوا الصخر﴾ والأيانق جمع نَاقَة والركبان جمع الركب الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا نور وَجهك لما زَالَ جنح الظلام وَلَا قَطعنَا الأَرْض الْبَعِيدَة لَوْلَا الأيانق
٩ - الْإِعْرَاب رفع هز عطفا على الأيانق الْغَرِيب الهز التحريك والإزعاج يُرِيد هز الْإِبِل راكبها لسرعة سَيرهَا وَأَرَادَ بالسكر النعاس والغرز ركاب من خشب لِلْإِبِلِ خَاصَّة وَقَالَ أَبُو الْغَوْث هُوَ ركاب من جلد فَإِذا كَانَ من خشب أَو حَدِيد فَهُوَ ركاب وَلَا يُقَال الغرز إِلَّا إِذا كَانَ من جلد واغترز السّير أى دنا الْمسير وَأَصله من الغرز والشبارق الْخلق المقطع وشبرقت الثَّوْب شبْرقَة مزقته وشبراقا أَيْضا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فأدرَكنَهُ يأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسا كَمَا شَبْرَقَ الوِلْدَانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِى)
أى الذى أَتَى من بَيت الْمُقَدّس الْمَعْنى يُرِيد وَلَوْلَا هز أطار النّوم يحركنى بِسُرْعَة السّير إِلَيْك ويمنعنى النّوم لما قطعت اللَّيْل فَكنت فى الركاب أميل مِمَّن سكر من النعاس من جَانب إِلَى جَانب كأنى ثوب خلق مقطع تضربه الرّيح وشبارق بِضَم الشين جمعه شبارق بِفَتْحِهَا كالجوالق والجوالق
[ ٢ / ٣٤٤ ]
- الْإِعْرَاب شدوا أى غنوا بمدح ابْن إِسْحَاق كحذف الْمُضَاف وَمِنْه الشادى للمغنى والذفرى الْموضع الذى يعرق من الْبَعِير خلق الْأُذُنَيْنِ وَالْجمع ذفريات وذفارى بِفَتْح الرَّاء وَالْألف منقلبة عَن يَاء وَلِهَذَا قيل ذفار مثل صحار وَقَالَ أَبُو زيد بعير ذفر بِالْكَسْرِ وَتَشْديد الرَّاء عَظِيم الذفرى وناقة ذفرة وَيُقَال هَذِه ذفرى بِلَا تَنْوِين لِأَن ألفها للتأنيث مَأْخُوذَة من ذفر الْعرق لِأَنَّهَا أول مَا يعرق من الْبَعِير والنمارق جمع نمرقة قيل نمرق وهى الوسادة تكون تَحت الرَّاكِب وَغَيره والتى أَرَادَ أَبُو الطّيب هى الَّتِى تكون قُدَّام الرحل يَجْعَل الرَّاكِب عَلَيْهَا سَاقه للاستراحة إِذا أخرجهَا من الغرز الْمَعْنى يَقُول لما غنوا بمدح الممدوح نشطت الْإِبِل للسير فَرفعت رءوسها حَتَّى ضربت بذفرياتها كيرانها وهى جمع كور وَهُوَ الرحل وَذَلِكَ لطيب مدحه وَأَن الْإِبِل مَعَ حاديها طربت لمدحه // وَهَذَا مُبَالغَة // وَهُوَ مَنْقُول من قَول إِسْحَاق بن خلف
(إذَا مَا حُدِينَ بِمِدْحِ الأمِيرِ سَبَقْنَ لِحاظَ الحَثِيَِ الحثيث الْعَجِلِ)
وَمن قَول ابْن الرومى
(لَا تَضْرِبُ الرَّكْبُ الطَّلائِحَ نَحْوَهُ بَلْ باسمِهِ يَزْجُرْنَ كُلَّ طَلِيحِ)
١١ - الْإِعْرَاب بِمن بدل من ابْن إِسْحَاق وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمتعلق الأول وَقد أعَاد الْعَامِل فى الْبَدَل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه للَّذين استضعفوا لمن آمن مِنْهُم﴾ الْغَرِيب الاقشعرار انتفاش الشّعْر على بدن الرجل إِذا خَافَ والارتجاج الِاضْطِرَاب والشواهق جمع شَاهِق وَهُوَ العالى الْمَعْنى يُرِيد أَنه تهابه الأَرْض إِذا مَشى عَلَيْهَا وتضطرب الْجبَال الْعَالِيَة وتتحرك خوفًا مِنْهُ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
- الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح الجون مَضْمُومَة الْجِيم جعله نعتا للسحاب على أَنه جمع سَحَابَة وَهُوَ من الجموع اللاتى بَينهَا وَبَين مفردها الْهَاء وروى غَيره الجون بِفَتْح الْجِيم وَجعله نعتا للسحاب على الْإِفْرَاد والجون الْأَبْيَض والحيا بالقسر الْمَطَر لِأَنَّهُ يحيى الأَرْض وَالصَّوَاعِق جمع صَاعِقَة الْمَعْنى يَقُول هُوَ مهيب مرجو كالسحاب يُرْجَى مطره وتخشى صواعقه فَهُوَ يُرْجَى نَفعه ويخشى ضَرَره وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(هُوَ عارِضٌ زَجِلٌ فَمَنْ شاءَ الْحَيا أرْضى وَمن شَاءَ الصَّوَاعِق أغضبا)
وكقول حبيب
(سماحا وبأسا كالصواعق والحيا إذَا اجْتَمَعَا فِى العارِضِ المُتَأَلِّقِ)
١٣ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ كالسحاب فى الْجُود ثمَّ قَالَ إِلَّا أَنَّهَا تمضى أى إِن السَّحَاب ينقشع أَحْيَانًا وَهَذَا مُقيم بجوده لم يزل والسحاب قد يكذب فى الرَّعْد والبرق بِأَن لَا يكون فيهمَا مطر وَهَذَا يصدق فِيمَا يعد وَيَقُول وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(فضَلْتَ أخاكَ الغَيْثَ بالعِلْمِ وَالْحِجا وَحاصَصْتَهُ فِى الجُودِ أىَّ حِصَاصِ)
(عَلى أنَّهُ يَمْضِى وأنْتَ مُخَيِّمٌ سَماؤُكَ مِدْرَارٌ وأَرْضُكَ ناصِ)
وللبحترى
(أنَّى يكونُ لهُ احْتِفالُكَ فِى النَّدَى وَوُقُوعُهُ فِى الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ)
١٤ - الْمَعْنى أَنه زهد فى الدُّنْيَا وَانْقطع عَن أَهلهَا فَلم يزده ذَلِك إِلَّا جلالة قدر لِأَنَّهُ لم يخل من ذكره أهل الشرق والغرب لِأَن صنائعه ومعروفه فيهم وَقد نظر إِلَى قَول البحترى
(وَشُهِرْتُ فِى شَرْقِ البِلادِ وَغَرْبِها فَكأَّنَّنِى فِى كُلّ نادٍ جالِسُ)
[ ٢ / ٣٤٦ ]
- الْإِعْرَاب الهندوانيات جمع هندوانى بِمَعْنى الهندى وَسيف مهند وهندى وَهُوَ مَا عمل بِبِلَاد الْهِنْد والطلى الْأَعْنَاق والمدارى جمع مدرى وَهُوَ مَا يفرق بِهِ الشّعْر والمخانق جمع مخنقة وهى قلادة قَصِيرَة الْمَعْنى يَقُول غذا سيوفه بالأعناق والرءوس كَمَا يغذى الصبى فَصَارَت سيوفه للرقاب كالمدارى للمفارق والمخانق فى الْأَعْنَاق أى أَنَّهَا تصاحبت مَعَ الْهَام والأعناق كَمَا صحبتهَا المدارى والمخانق يعْنى إِذا علت سيوفه الرُّءُوس صَارَت بِمَنْزِلَة المدارى وَإِذا علت الْأَعْنَاق صَارَت بِمَنْزِلَة المخانق
١٦ - الْغَرِيب اللحى جمع لحية وَيُقَال فِيهِ لحى بِضَم اللَّام مثل ذرْوَة وذرا والتحى الْغُلَام وَرجل لحيان عَظِيم اللِّحْيَة والمفارق جمع مفرق الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه إِذا غزا أَكثر الْقَتْلَى فتشقق عَلَيْهِم الْجُيُوب وتخضب اللحى والمفارق من دِمَائِهِمْ
١٧ - الْغَرِيب جنبته الشئ بعدته عَنهُ وَصلى يصلى بِالْأَمر إِذا قاسى حره وشدته قَالَ الطهوى
(وَلا تَبْلَى بَسالَتُهُمْ وَإنْ هُمُ صَلُوا بالْحَرْبِ حِينا بَعْدَ حِينِ)
الْمَعْنى يَقُول من غفل عَنهُ حتفه أى هَلَكته وَلم ينقص أَجله يبعد من سيوفه فَلَا يصير مقتولا بهَا وَلَا يقاسى شدتها وَإِنَّمَا يقاسى شدتها وبلاءها من فارقته نَفسه كَالْمَرْأَةِ الطالق من الزَّوْج
١٨ - الْغَرِيب حجا يحجو إِذا أَقَامَ وَثَبت والأحجية الْكَلِمَة الْمُخَالفَة اللَّفْظ للمعنى وهى الأحجوة وَأَصله الشئ الملعز يلقى على الْإِنْسَان ليستنبط مَعْنَاهُ كَقَوْل أَبى ثروان مَا ذُو ثَلَاث آذان يسْبق الْخَيل بالرديان يُرِيد السهْم وآذانه قذذه وَقيل لَهَا أحجية من بَاب التثبيت لِأَن الْملقى عَلَيْهِ يحْتَاج إِلَى التثبت والتفكر الْمَعْنى إِن النَّاس يحاجى بَعضهم بَعْضًا بِهَذَا الممدوح يَقُولُونَ من اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف المتضادة فى ظَاهر اللَّفْظ فَيُقَال الممدوح وَقد فسره بالمصراع الثانى فَقَالَ يرى ساكتا يعْنى الممدوح فَهُوَ لَا ينْطق بفخره وَلَا شجاعته وَلَكِن السَّيْف عَن فِيهِ نَاطِق بِمَا يظْهر من آثاره فَهُوَ يدل على شجاعته ويخبر بجميل بلائه وبحميد غنائه وَمعنى الْبَيْت أَن الرجل إِذا سُئِلَ عَن هَذِه الْخِصَال فَجَوَابه الْحُسَيْن بن إِسْحَاق
[ ٢ / ٣٤٧ ]
- الْغَرِيب تَقول نكرت وَأنْكرت إِذا لم تعرف وَلَا يسْتَعْمل من نكر إِلَّا هَذَا الماضى قَالَ الْأَعْشَى
(وأنْكَرَتْنَى وَما كانَ الَّذِى نَكِرَتْ مِنَ الحَوَادِثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلَعا)
الْمَعْنى يَقُول طَال تعجبى مِنْك وَأنْكرت أَن يكون أحد مثلك فى فضلك فَعلمت أَن الله تَعَالَى قدير مقتدر وَمن قدرته أَن يخلق مَا يُرِيد فَحِينَئِذٍ لَا عجب من خلقَة الله وَقدرته
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت تحب الشّرف وَالْمجد فَأَنت فى الْعَطاء مبغض لِلْمَالِ وفى ملاقاة الْأَبْطَال تحب الْمَوْت فَتقدم عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحترى
(تَسَرَّعَ حَتَّى قالَ مَنْ لَقِىَ الوَغَى لِقاءُ أعَاد أمْ لِقاءُ حَبائِبِ)
٢١ - الْإِعْرَاب قَلما إِذا جعلت مَا مَصْدَرِيَّة فصلت فى الْخط بَينهَا وَبَين اللَّام وَإِذا جَعلتهَا كَافَّة وصلتها الْغَرِيب القنا جمع قناة وهى الرماح والسوابق جمع سَابق وسابقة وهى الْخَيل الْكِرَام فى الْمَعْنى يَقُول لَا تبقى الْخَيل والرماح على كَثْرَة مَا نزل بهَا لطول اسْتِعْمَالهَا فى الحروب والغارات وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تبقى الْخَيل والرماح على مَا ظهر مِنْهَا وَحل بهَا مِنْك
٢٢ - الْغَرِيب السمار جمع سامر وهم الَّذين يسمرون لَيْلًا والسفار جمع سفر وسافروهم الَّذين يلازمون الْأَسْفَار وذر طلع والشارق الشَّمْس وَالْقَمَر وَهَذَا من إِرَادَة التَّأْبِيد أى أبدا الْمَعْنى لَا زلت دَائِما وذكرك مخلدا يحيى اللَّيْل بذكرك السمار ويغنى بمدحك المسافرون وَقَالَ الواحدى مَا لَاحَ كَوْكَب مَا بقى من اللَّيْل شئ وَمَا ذَر شارق وَمَا بقى من النَّهَار شئ ترى فِيهِ الشَّمْس وَلِهَذَا قَالَ ابْن جنى يَسِيرُونَ إِلَيْك نَهَارا فينشدون مدائحك وَإِذا جَاءَ اللَّيْل سمروا بذكرك وَالْقَوْل هُوَ الأول لِأَن الحداء لَا يخْتَص بِالنَّهَارِ بل هُوَ بِاللَّيْلِ اكثر وغالب الْعَادة وَمثله للبحترى
(ثَناءٌ يقُصُّ الأرْضَ نَجْدًا وَغائِرًا وَسارَتْ بهِ الرُّكْبانُ شَرْقا وَمَغْرِبا)
وَمثله لعلى بن الجهم
(فسارَ مَسيرَ الشَّمسِ فى كلّ بَلْدّةٍ وَهبَّ هُبُوبَ الرِّيحِ فِى البَلَدِ القَفْرِ)
وَمن قَول ابْن الرومى
(لقدْ سارَ شِعْرِى شَرْقَ أرْضٍ وَغَرْبَها وَغَنَّى بِهِ الْحَضْرُ المُقِيمُونَ والسَّفْرُ)
[ ٢ / ٣٤٨ ]
- الْغَرِيب البرقع نقاب للْعَرَب يغطى بِهِ الجبين وَالْوَجْه وَلَا يكون فِيهِ إِلَّا ثقبان للعينين تنظران مِنْهُمَا والعواتق جمع عاتق وهى الْجَارِيَة المقاربة للاحتلام والخدور جمع خدر وَهُوَ الْكن وَالْبَيْت الذى يستر فِيهِ الْعَوَاتِق الْمَعْنى يَقُول خف الله فى النَّاس واستر حسن جمالك بنقاب على وَجهك فَإنَّك إِن ظَهرت ذاب الجوارى الْعَوَاتِق شوقا إِلَيْك وعشقا لَك وروى أَبُو الْفَتْح
(حَاضَت فى الْخُدُور )
وَيُقَال إِن الْمَرْأَة إِذا اشتدت شهوتها سَالَ دم حَيْضهَا فَالْمَعْنى اسْتُرْ جمالك عَنْهُن وَإِلَّا ذبن وهلكن عشقا
٢٥ - الْغَرِيب الرتق ضد الفتق قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ الْمَعْنى يَقُول لَا ترزق الأقدار من لم ترزقه وَلَا تحرم من لم تحرمه وَالْأَيَّام طوع لَك تصنع مَا شِئْت فَلَا تفتق شَيْئا رتقته وَلَا ترتق شَيْئا فتقته فهى لَا تخالفك والأقدار كَذَلِك وَهَذَا من قَول حبيب
(فَلاَ تَتْرُكُ الأَيَّامُ مَنْ هُوَ آخِذٌ وَلا تأْخُذُ الأيَّامُ مَنْ هُوَ تارِكُ)
وَمن قَول الآخر
(كُنَّا مُلُوكا وكانَ أُوَّلُنا لِلْحِلْمِ والبأْسِ والنَّدَى خُلِقُوا)
(لَا يَرْتُقُ الرَّاتِقُونَ مَا فَتَقُوا يَوْما وَلا يَفْتَقُونَ مَا رَتَقُوا)
وَمن قَول أَشْجَع
(فَلا يَرْفَعُ النَّاسُ مَنْ حَطَّهُ وَلا يَضَعُ النَّاسُ مَنْ يَرْفَعُ)
وَالْأَصْل فى هَذَا كُله قَول الْعَبَّاس بن مرداس السلمى للنبى
(وَما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُما وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ)
[ ٢ / ٣٤٩ ]
- ٢٦ - الْغَرِيب رام قصد وَطلب واللاذقية بلد الممدوح وهى من بِلَاد السَّاحِل بِالشَّام الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِأَن يرْزق الْخَيْر وَلَا يُفَارِقهُ الْخَيْر فَيَقُول الْخَيْر لَك لَا لغيرك وَغير طلب من غَيْرك الْغنى وَلحق بِغَيْر بلدك وَأَنا لَا أطلب إِلَّا مِنْك وَلَا أقصد إِلَّا بلدك وَهَذَا عكس قَول على بن جبلة وَمثل قَول أَبى الطّيب قَول الوائلى
(فلَيسَ الْحَضْرُ إلاَّ الْحَضْرَ فَرْدًا وَلَيْسَ الأرْضُ إلاَّ بَرْقَعِيدَا)
٢٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَن بلدك الْمَطْلُوب والمقصد وهى الْغَرَض الْبعيد أبعد مَا يطْلب فَإِذا بلغَهَا إِنْسَان بلغ أمانيه كلهَا فَلَا يطْلب بعْدهَا شَيْئا وَالدُّنْيَا كلهَا مَنْزِلك وَأَنت جَمِيع الدُّنْيَا
١٥٧
- ١ - الْغَرِيب المدامة الْخمر وغلابة أى تغلب الْعقل الْمَعْنى يَقُول الْخمر تغلب عقول الرِّجَال وتهيج الأشواق أى تحركها كَقَوْل البحترى
(مِنْ قَهْوَةٍ تُنْسِى الهُمُومَ وَتَبعَثُ الشَّوْقَ الَّذِى قَدْ ضَلَّ فِى الأحشَاءِ)
٢ - الْمَعْنى يُرِيد تسئ التَّأْدِيب بالحركات المفرطة العديدة وَقَول الْفُحْش وَيُرِيد بِحسن الْخلق السماح والبذل وَهَذَا ينظر فِيهِ إِلَى قَول الآخر
(رأيْتُ أقَلَّ النَّاسِ عَقْلًا إِذا انْتَشَى أقَلَّهُمُ عَقْلًا إذَا كانَ صَاحِيا)
(تَزِيدُ حُمَيَّاها السَّفِيهُ سَفاهَةً وتَتْرُكُ أخْلاقَ الكَرِيمِ كماَ هِيا)
٣ - الْمَعْنى يَقُول أعز مَا للرجل عقله والعاقل لَا يرضى بِإِخْرَاج عقله من نَفسه
٤ - الْمَعْنى أَنه جعل السكر وَإِزَالَة الْعقل عَنهُ موتا فَقَالَ من مَاتَ موتَة لَا يشتهيها أُخْرَى وَلَا يشتهى عود الْمَوْت إِلَيْهِ قَالَ ابْن وَكِيع ينظر فِيهِ إِلَى قَول بَعضهم فى معنى السكر وَعجز الْبَيْت الثانى // غير صَحِيح //
(يُسِئُ وَيَعْذِرُهُ حُسْنُهُ لَدَى عاشِقَيْهِ بِغَيْرِ اعْتِذارِ)
(مَحَاسِنُ تَغْفِرُ ذَنْبَ الصُّدُودِ كمَا غَفَرَ السُّكْرُ ذَنْبَ الخُمارِ)
وَمَا بَينهمَا قِيَاس وَلَا هُوَ فى الْمَعْنى
[ ٢ / ٣٥٠ ]
- ١ - الْإِعْرَاب أَن هى المخففة من الثَّقِيلَة وَالتَّقْدِير أَنَّهَا وَلَا يدْخل عَلَيْهَا الْفِعْل إِلَّا بفاصل يفصل بَينهمَا نَحْو سَوف وَالسِّين وَلَا نَحْو أَن سيقوم وَإِنَّمَا دخلت على لَيْسَ لِضعْفِهَا عَن الفعلية فَإِنَّهَا فعل لَا تصرف فِيهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ الْغَرِيب الغدائر جمع غديرة وهى الذؤابة من الشّعْر الْمَعْنى يَقُول هَذِه لعبة ذَات شعر وَلكنهَا لَا تصلح للعناق لِأَنَّهَا غير آدمية الْمَعْنى يَقُول هجرها من غير مجانية وزيارتها من غير شوق فهى جماد لَا تميز بَين الهجر والوصل وَهَذَا الْبَيْت مُفَسّر للْأولِ
١٥٩
- ١ - الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن وَقد ذكرناهما فِي غير مَوضِع من كتَابنَا هَذَا والود الْحبّ وشابه يشوبه خلطه والمذق المزج وَلبن مذيق وممذوق ممزوج بِالْمَاءِ الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا شربت الْخمر لِأَنَّك أَقْسَمت على بحياتك فشربتها ومحبة لَك لم تشبها وَلم تمزجها بغَيْرهَا وهما من الوافر والمتواتر
٢ - الْإِعْرَاب يَمِينا مصدر لِأَن قَوْله بحقى قسم كَأَنَّهُ قَالَ أَقْسَمت عَلَيْك قسما وعنقى يثقل ويخفف وهما لُغَتَانِ فصيحتان ويروى وَأَنت ناو وَحلفت على الْخطاب وعَلى قَتْلَى إِذن وَبِهِمَا قَرَأت الدِّيوَان
[ ٢ / ٣٥١ ]
- ١ - الْغَرِيب المروج جمع مرج وَهُوَ الذى يُرْسل فِيهِ الدَّوَابّ والخلا الْكلأ الرطب والحدائق جمع حديقة وهى الْقطعَة من النّخل وَالشَّجر وَالزَّرْع والعوائق جمع عائق وَهُوَ مَا يعوق عَن النَّفاذ فى الشئ الْمَعْنى يَقُول نبت هَذِه الْمَوَاضِع يشكو الْمَوَانِع من طلوعه وهى مَا يمنعهُ من الطُّلُوع كَالْبردِ والثلج وهما اللَّذَان يمنعان النَّبَات من الظُّهُور
٢ - الْمَعْنى يَقُول قد أَقَامَ فى هَذِه المروج الثَّلج كالمرافق لَهَا فَلَا يفارقها وَمن شدته أَن الرجل إِذا بَصق جمد رِيقه فَوق أَسْنَانه وَهُوَ مَنْقُول من قَول عبد الصَّمد بن المعذل
(وَنَسَجَ الثَّلْجَ عَلى الطُّيُورِ وأجمَدَ الرّيقَ عَلى الثُّغُورِ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول إِن الثَّلج يذيبه الْحر فَكَأَن الذوب سَاقه وقاده حَتَّى ذهب جعل أَوَائِل الذوب قائدا وَالْآخر سائقا قَالَ الواحدى ويروى من دونه بِالدَّال وَالنُّون يُرِيد من قدامه وَذَلِكَ بِأَن الْقَائِد أَمَامه والسائق خَلفه
٤ - الْغَرِيب الطخرور اسْم فرسه ولاصق لَا يرْتَفع عَن الأَرْض وباغى طَالب والآبق الهارب الْمَعْنى يُرِيد أَن فرسه لقلَّة المرعى لَا يثبت فِي مَكَانَهُ فَكَأَنَّهُ يطب آبقا وَهُوَ يَأْكُل من نَبَات لاصق بِالْأَرْضِ لَا يرْتَفع عَنْهَا
٥ - الْغَرِيب الحبر هُوَ الذى يكْتب بِهِ والمهارق جمع مهرق وهى الصَّحِيفَة الَّتِى يكْتب فِيهَا وَهُوَ مُعرب مهر كرده كَانُوا يَأْخُذُونَ الْخرق ويطلونها بشئ والشوذانق مُعرب وَهُوَ الشاهين وَهُوَ نصف البازى من قَول الْعَجم سه دانك أى نصل دِرْهَم فَكَأَنَّهُ نصف البازى الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أروده للنبات وَأدْخل الْبَاء على كَاف التَّشْبِيه لِأَنَّهَا تَأْوِيل الِاسْم أى بِمثل الشوذائق فى خفته وحركته وَأَرَادَ أرود فِيهِ فَحذف حرف الْجَرّ الْمَعْنى شبه النبت الْقصير اللاصق بِالْأَرْضِ ورعى فرسه فِيهِ بالحبر يقشر عَن الصَّحِيفَة فَهُوَ يذهب ويجئ فِيهِ لقلته فَكَأَنَّهُ يقشر خطا عَن صحيفَة وَهُوَ // تَشْبِيه جيد //
[ ٢ / ٣٥٢ ]
- الْغَرِيب يُرِيد بِمُطلق الْيُمْنَى أَن لَوْنهَا يُخَالف قوائمه الثَّلَاث بِأَن يكون فِيهَا تحجيل دون الثَّلَاث وَالْفَائِق مفصل الرَّأْس فى الْعُنُق فَإِذا طَال الْفَائِق طَال الْعُنُق وعبل الشوى غليظ الْأَطْرَاف وَإِذا تدانت مرافقة كَانَ أمدح لَهُ
٧ - الْغَرِيب رحب اللبان وَاسع الصَّدْر وَيسْتَحب فى الْفرس أَن يكون وَاسع جلد الصَّدْر يجِئ وَيذْهب ليَكُون خطوه أبعد فَإِنَّهُ إِنَّمَا يقدر على توسيع الخطو بسعة جلد صَدره ونائه الطرائق النائه العالى المشرف وناه الشئ يُنَوّه إِذا علا والطرائق جمع طَريقَة وهى الْأَخْلَاق أى هُوَ مُرْتَفع الْأَخْلَاق شريفها لكرمه وعتقه وروى الواحدى عَن ابْن فورجة أَن الرِّوَايَة نابه بِالْبَاء الْمُوَحدَة من النباهة وَهُوَ أَمر نابه إِذا كَانَ عَظِيما جَلِيلًا والإطل الخاصرة ولاحق من اللحوق وَهُوَ ضمور الخاصرة وسعة المنخر وَهُوَ مَحْمُود فى للْفرس لِئَلَّا يحبس نَفسه وَهَذَا كُله وصف الْفرس وَقَالَ الواحدى وَأَرَادَ بالطرائق طرائق اللَّحْم يعْنى أَن طرائق اللَّحْم على كفله وَمَتنه عالية
٨ - الْغَرِيب المحجل الذى قوائمه تخَالف سَائِر جسده والنهد العالى المشرف والزاهق الْمُتَوَسّط بَين السمين والمهزول والغزة الشادخة الَّتِى مَلَأت الْوَجْه وَلم تشْتَمل على الْعَينَيْنِ والشارق ضوء الشَّمْس شبه غرته بضوء الشَّمْس وَهُوَ // تَشْبِيه حسن //
٩ - الْغَرِيب البارق السَّحَاب فِيهِ الْبَرْق والبوغاء التُّرَاب والشقائق جمع شَقِيقَة وهى الأَرْض فِيهَا رمل وحصى الْمَعْنى شبه غرنه بالبرق وَجَسَده بالسحاب يَقُول كَأَنَّهَا برق فى سَحَاب وَهُوَ بَاقٍ على السّير فى الْحزن والسهل أى صبور على الشدَّة
[ ٢ / ٣٥٣ ]
- الْغَرِيب الأبردان الْغَدَاة والعشى والهجير شدَّة الْحر والماحق الذى يمحق كل شئ وَمِنْه
(فى مَا حِقٍ مِن نِهارِ الصَّيْفِ مُحْتَدِمِ )
الْمَعْنى يَقُول هُوَ صبور على شدَّة الْحر وَالْبرد والفارس الراكض الواثق بجودة ركُوبه مِنْهُ خَائِف أى من أجل نشاطه وصعوبته
١١ - الْإِعْرَاب رفع خوف على الِابْتِدَاء وَخَبره للفارس وَاللَّام مُتَعَلقَة بِالِابْتِدَاءِ وَمِنْه مُتَعَلق بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْمصدر الْغَرِيب الجبان ضد الشجاع وَهُوَ الذى يرعب عِنْد الْقِتَال الْمَعْنى يَقُول الْفَارِس الواثق بفروسيته يخَاف مِنْهُ كخوف الجبان فى قلب العاشق أَي إِذا ركب الْفَارِس الشجاع كَانَ ذاهلا من الْخَوْف كَمَا يذهل العاشق
١٢ - الْإِعْرَاب فى ريد أى على ريد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ لأصلبنكم فى جُذُوع النّخل﴾ أى على جُذُوع النّخل الْغَرِيب الريد حرف الْجَبَل والطود الْجَبَل والشاهق العالى ويشأى يسْبق الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ على حرف الْجَبَل العالى يُرِيد لعلوه وَعظم خلقه كَأَن فارسه فى جبل عَال وَهُوَ يسْبق إِلَى السّمع صَوت الصَّارِخ فيصل قبل وُصُول الصَّوْت إِلَيْهِ لسرعته وحدته فى جَرَيَانه
١٣ - الْغَرِيب الأبارق جمع أبرق وهى آكام فِيهَا حِجَارَة وطين والمناطق جمع منْطقَة وهى مَا يشد بهَا الْوسط الْمَعْنى يَقُول من شدَّة عدوه وَقُوَّة وثوبه يُؤثر فى الصخر آثارا كالآثار الَّتِى فى سيور المنطقة من الحلى إِذا قلع مِنْهَا وَهُوَ // تَشْبِيه حسن // وَهُوَ مَنْقُول من قَول أَبى المعتصم
(وَإذَا جَرَى وَالْبَرْقُ فى شأَوَاتِهِ فالْبَرْقُ عانٍ خَلْفَهُ مَجْنُوبُ)
(الغَرْبُ شَرْقٌ عِنْدَهُ إنْ هَمَّ فى غَرْبٍ بشَرْقٍ والشُّرُوقُ غُرُوبُ)
[ ٢ / ٣٥٤ ]
- الْإِعْرَاب مشيا مصدر فى مَوضِع الْحَال يُرِيد أَنه يتْرك فى حَال مَشْيه هَذِه الْآثَار وَإِذا عدا أثر فِيهَا مثل الْخَنَادِق الْمَعْنى يَقُول إِذا مَشى أثر بحافره فى الصخر آثارا كآثار الحلى إِذا قلع وَإِذا عدا أثر فِيهِ مثل الْخَنَادِق // وَهَذَا مُبَالغَة //
١٥ - الْغَرِيب غب السَّحَاب بعده والصادق الْكثير الْمَطَر وأحسبت كفت وَمِنْه ﴿حَسبنَا الله﴾ أى كفانا ﴿وحسبهم جَهَنَّم﴾ والخوامس الْإِبِل الَّتِى ترد الْخمس بِالْكَسْرِ وَهُوَ أَن ترعى ثَلَاثَة أَيَّام وَترد فى الْيَوْم الرَّابِع والأيانق جمع أينق جمع نَاقَة وَيُقَال فى جمعهَا أَيْضا نياق ونوق وأنوق الْمَعْنى يَقُول لَو أردْت إبل بعد سيل سَحَاب صَادِق الْقطر وَكَانَت عطاشا خمْسا لكفتها آثَار حوافر هَذَا الْمهْر لِأَنَّهَا مثل الْخَنَادِق لعظم آثاره فى الأَرْض أى إِذا أقلع السَّحَاب وامتلأت آثَار حَوَافِرِهِ كفت الْإِبِل العطاش
١٦ - الْغَرِيب شحا فتح فَاه والناغق الصائح بالغين الْمُعْجَمَة يُقَال نغق الْغُرَاب بالغين الْمُعْجَمَة ونعق الراعى بِالْعينِ الْمُهْملَة فالغين للغين وَالْعين للعين الْمَعْنى يَقُول إِذا ألْجم لأمر لَيْلًا أَو نَهَارا لم يمْتَنع عَن اللجام وَيفتح فَاه كَمَا يفتح الْغُرَاب فَاه عِنْد النغيق يصفه بسعة الْفَم يُقَال شحا فَاه فَتحه وشحا فوه فَهُوَ مُتَعَدٍّ ولازم يعْنى أَن هَذَا الْمهْر مَعَ شدته وَكَرمه لَا يمْتَنع من إلجامه وَلَا قوده
١٧ - الْغَرِيب الناهق عظم قَالَ الأصمعى الناهقان عظمان شاخصان من ذوى الحوافر فى مجْرى الدمع قَالَ يَعْقُوب وَيُقَال لَهما أَيْضا النواهق قَالَ النَّابِغَة الذبيانى
(بِعارِى النَّوَاهِقِ صَلْتِ الجَبِينِ يَسْتَنُّ كالتَّيْسِ ذى الحُلَّبِ)
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الناهق من الْحمار حَيْثُ يخرج النهاق من حلقه وَمن الْخَيل ونواهقه مخارج نهاقه وَأنْشد للنمر بن تولب
(فأرْسَلَ سَهْما لَهُ أهْزَعا فَشَكَّ نَوَاهِقَهُ والْفَما)
وسيتا الْقوس جانباه والجلاهق البندق وَمِنْه قَوس الجلاهق وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ جله وهى كبة عزل وَالْكثير جلهاق الْمَعْنى يصفه بالعرى من اللَّحْم شبه رقة جلده وصلابته على ناهقه بمتن قَوس البندق كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى حرفا حرفا
[ ٢ / ٣٥٥ ]
- الْغَرِيب المذاكى جمع مذك وَهُوَ الْفرس الذى أَتَى عَلَيْهِ بعد قروحه سنة والعقائق جمع عقيقة وهى الشّعْر الذى يخرج على الْمَوْلُود من بطن أمه والنقانق جمع نقنق وَهُوَ ذكر النعام الْمَعْنى يَقُول بذ المذاكى أى سبقها وقطعها وَهُوَ مهر عَلَيْهِ شعر الْولادَة وَقد سبق الْخَيل المسنة وَزَاد على النعام بدقة السَّاق وصلابتها وَهُوَ مَحْمُود فى الْخَيل قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(لَهُ أيْطَلا ظَبْىٍ وَساقا نَعامَةٍ )
١٩ - الْغَرِيب الصَّوَاعِق جمع صَاعِقَة قَالَ أَبُو زيد هى نَار تسْقط من السَّمَاء فى رعد شَدِيد والخرانق جمع خرنق وَهُوَ ولد الأرنب الْمَعْنى يُرِيد أَن وَقع حَوَافِرِهِ فى الأَرْض أَشد من صَوت الصَّوَاعِق وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن حَوَافِرِهِ تفعل فى الأَرْض من شدتها كَمَا تفعل الصَّوَاعِق وَأذنه توفى على آذان الأرانب فى الدقة والانتصاب وَهُوَ مَحْمُود فى الْخَيل
٢٠ - الْغَرِيب العقاعق جمع عقعق وَهُوَ مثل الْغُرَاب يضْرب بِهِ الْمثل فى الحذر وَالْخَوْف فَيُقَال أحذر من عقعق وَأحذر من غراب وَأَصله مَا حكوا فى رموزهم أَن الْغُرَاب قَالَ لِابْنِهِ إِذا رميت فتلو قَالَ يَا أَبَت أَنا أتلوى قبل أَن أرمى وَيُقَال أحذر من طليم وَهُوَ ذكر النعام وَأحذر من الذِّئْب تحكى الْعَرَب أَن الذِّئْب يبلغ من حذره أَنه إِذا نَام راوح بَين عَيْنَيْهِ فَيجْعَل إِحْدَاهمَا نَائِمَة مطبقة وَالْأُخْرَى مَفْتُوحَة حارسة وَهُوَ بِخِلَاف الأرنب كَأَنَّهُ ينَام وَعَيناهُ مفتوحتان خلقَة لَا احتراسا قَالَ حميد بن ثَوْر يصف ذئبا
(يَنامُ بإحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِى بِأُخُرَى المَنايا فَهْوَ يَقْظانُ نائمُ)
وَهَذَا يَقع لى أَنه محَال لِأَن النّوم يَأْخُذ جملَة النَّائِم الْمَعْنى يَقُول هُوَ يزِيد فى حذره على حذر الْغُرَاب وَيعرف الْهزْل من الْجد يُرِيد أَن صَاحبه إِذا دَعَاهُ لأمر عرف الْجد من الْهزْل
[ ٢ / ٣٥٦ ]
- الْغَرِيب الْخرق ضد الحذق والحاذق الماهر بالأشياء يأتى فى أَفعاله بالغرض الْمَطْلُوب الْمَعْنى يَقُول هُوَ ينذر أهل الحى فَإِنَّهُ إِذا أحس بسارق صَهل لِأَنَّهُ لَا ينَام فى اللَّيْل لحدته وذكائه ولشدة جريه وتناهيه فى الْعَدو ويظن بِهِ خرق وَهُوَ مَعَ ذَلِك حاذق وَذَلِكَ أَنه لَا يخرج مَا عِنْده من الْعَدو مرّة وَاحِدَة بل يعلم مَا يُرَاد مِنْهُ فيستبقى مِمَّا عِنْده لوقت الْحَاجة كَقَوْل الآخر
(وَللْقارِحُ الْيَعْبُوبُ خَيْرٌ عُلالَةً مِنَ الجَذَعِ المُرْخَى وأبْعَدُ مَنْزَعا)
وفى هَذَا نظر إِلَى قَول حبيب
(ذُو أوءلَقٍ عِنُدَ الجِرَاءِ وإنَّمَا مِنْ صحَّةٍ إفْرَاطُ ذَاكَ الأَوْلَقِ)
٢٢ - الْغَرِيب أَنى شَاءَ كَيفَ شَاءَ والآفق من كل شئ فاضله وشريفه الْمَعْنى يُرِيد أَنه لين المعاطف يحك بدنه كَيفَ شَاءَ كَمَا يحك الباشق الذى ينتهى رَأسه ومنقاره إِلَى أى مَوضِع أَرَادَ من جسده وقوبل يُرِيد أَنه كريم الطَّرفَيْنِ من أَبِيه وَأمه فقد اكتنفه الْعتْق من جانبيه فَهُوَ كريم الْأَب وَالأُم كَمَا قَالَ
(مُقابَلٌ فى عَمِّهِ وَخالِهِ )
٢٣ - الْغَرِيب الْعتاق من الْخَيل الْكِرَام من الْآبَاء والأمهات والبواسق جمع باسقة وهى النَّخْلَة الْعَالِيَة الْمَعْنى يَقُول يكتنفه الْعتْق من آبَائِهِ وأمهاته وَالْعتاق جمع عَتيق والعتائق جمع عتيقة وهى الْكَرِيمَة من الْخَيل وَهَذَا مُتَعَلق بِمَا قبه من قَوْله قوبل أى يكتنفه الْعتْق من قبل أَبِيه وَأمه فَهُوَ بَين عتاق الْخَيل وعتائقها وَهُوَ طَوِيل الْعُنُق يزِيد على النّخل الطوَال طولا وَالْخَيْل تُوصَف بطول الْأَعْنَاق كَمَا قَالَ
(وَهادِيها كأنْ جِذْعٌ سَحُوقُ )
[ ٢ / ٣٥٧ ]
- الْغَرِيب الفتر مَا بَين الْإِبْهَام والسبابة والفيالق جمع فيلق وهى الكتيبة من الْجَيْش الْمَعْنى يُرِيد أَن حلقه رَقِيق لَو أَرَادَ الخانق أَن يجمعه بفتره قدر
٢٦ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الَّتِى قَرَأت بهَا الدِّيوَان على شيخى أَبى الْحرم وَعبد الْمُنعم والنصل ذُو بِالرَّفْع وَرَفعه على الِابْتِدَاء وَالْوَاو للْحَال أى فى هَذِه الْحَالة وَرَوَاهُ الواحدى وَغَيره بِنصب النصل وَمَا بعده عطفا على الضَّمِير الْمَنْصُوب فى يحملنى وَيجوز أَن يكون على أَنه مفعول مَعَه أى أَي مَعَ النصل الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف وسفاسق النصل طرائقه الْوَاحِدَة سفسقة والبنائق جمع بنيقة وهى الدخريص الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْمهْر يحملنى وَالسيف يقطر دَمًا فى كمى على بنائقى أى يحملنى فى هَذِه الْحَالة
٢٧ - الْغَرِيب الوامق الْمُحب العاشق الْمَعْنى يَقُول لَا أنظر الدُّنْيَا بعينى محب عاشق لَهَا فيذل لطلبها وَلَا أبالى قلَّة من يوافقنى على مطَالب الْأُمُور الْعَالِيَة بل أجتهد فى طلبَهَا وحدى
٢٨ - الْإِعْرَاب أى حرف نِدَاء وحروف النداء خَمْسَة يَا وأيا وهيا وأى والهمزة الْمَعْنى يُخَاطب فرسة وَيَقُول لَهُ يَا كبت حسادى فهم يحسدوننى عَلَيْك قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى يُخَاطب ممدوحا وَلَيْسَ فى هَذِه القصيدة ذكر ممدوح وَلم يمدح بهَا أحدا فَكيف يُخَاطب ممدوحا وَإِنَّمَا يُخَاطب الْفرس الذى وَصفه فى هَذِه الْقطعَة
[ ٢ / ٣٥٨ ]
- ١ - الْمَعْنى يَقُول لَا دَوَاء للأحمق إِلَّا الْمَوْت وَهَذَا مَنْقُول من قَول البحترى
(مَا قَضَى اللهُ لِلْجَهُولِ بِسَتْرٍ يَتَلافاهُ مِثْلُ حَتْفِ قاضِى)
وكقول صَالح
(والْحُمْقُ دَاءٌ مالَهُ حِيلَةٌ تُرْجَى كَبُعْدِ النَّجْمِ مِن لَمْسِهِ)
٢ - الْمَعْنى يَقُول حَيَاته وَمَوته سَوَاء فَإِن مَاتَ فَلَا يحزن على فَقده وَإِن عَاشَ فَلَيْسَ لَهُ خلق حسن وَلَا صُورَة جميلَة وَهُوَ يشبه قَول الْخبز أرزى
(فأَنْتَ فى الخَلْقِ لَا وَجْهٌ وَلا بَدَنٌ وأنْتَ فى الخُلْقِ لَا عَقْلٌ وَلا أدَبُ)
٣ - الْغَرِيب الخون والخيانة وَاحِد والملق إِظْهَار الْمحبَّة والمدح الْمَعْنى يَقُول العَبْد الذى قلته وغدر بِهِ تعلم الْغدر وَإِظْهَار الْمحبَّة وفى قلبه الْخبث
٤ - الْإِعْرَاب وَحلف نَصبه عطفا على قَوْله شقّ هامته وَهُوَ مفعول يعلم الْمَعْنى يَقُول تعلم نه أَن يحلف أى يَمِين كَاذِبَة مطرودة كأنابيب الرمْح وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى فى التَّشْبِيه
(شَرَفٌ تَفَرَّدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ كالرُّمْحِ أَنْبُوبا عَلى أَنْبُوبِ)
والبحترى
(نَسَبٌ كَمَا اطَّرَدَتْ كُعُوبُ مُثَقَفٍ لَدْنٍ يَزِيدُكَ بَسْطَةً فى الطُّولِ)
٥ - الْمَعْنى يَقُول مَا أنكرهُ وَلم أزل أعرفهُ وَهُوَ فى صُورَة القرد إِلَّا أَنه لَيْسَ لَهُ ذَنْب كذنب القرد وأعرفه جَبَانًا فَارغًا من الشجَاعَة إِلَّا أَنه قد امْتَلَأَ من الحماقة والطيش كَقَوْل ابْن الرومى
(مَعْشَرٌ أشْبَهُوا القُرُودَ وَلكِنْ خالَفُوها فى خِفَّةِ الأَرْوَاحِ)
وكقول الخبزأرزى
(لمْ يعْدُكَ القِردُ فِى خَلْقٍ وفى خُلُقٍ إلاَّ بِخِفَّتِهِ لِلِّعْبِ والذَّنَبِ)
[ ٢ / ٣٥٩ ]
- الْمَعْنى يصفه بالطيش وَأَنه لَا يثبت على حَال وَهُوَ من قَول ابْن الرومى
(فَحِلْمُكَ أطْيَشُ مِنْ رِيشَةٍ وَرُوحُكَ مِنْ هَضْبَةٍ أرْجَحُ)
ولبعضهم
(يَا رِيشَةً فَوْقَ مَهَبّ الصَّبا يَهْفُو بِها الرّيحُ عَلى مَرْصدِ)
(أطْيَشَ مِنْ قَلْبِ فَتَى عاشِقٍ متيم بَات على موعدُ)
٧ - الْغَرِيب الفودان جانبا الرَّأْس يُقَال بدا الشيب بفوديه قَالَ يَعْقُوب إِذا كَانَ للرجل ضفيرتان يُقَال لفُلَان فودان والفودان العدلان يُقَال قعد بَين الغودين وفاد ويفود ويفيد أى مَاتَ قَالَ لبيد يرثى الْحَارِث بن أَبى شمر الغسانى
(رَعَى خَرَزَاتِ المُلْكِ سِتِّينَ حِجَّو وَعشرِينَ حَتَّى فادَ والشِّيب شامِلُ)
والجورب يشبه الْخُف إِلَّا أَنه من صوف يلبس تَحت الْخُف لأجل الْبرد الْمَعْنى يَقُول هودميم صَغِير الْقدر يصفع فتستغرق أكف الصافعين هَذِه الْمَوَاضِع مِنْهُ وَهُوَ نَتن الرَّائِحَة يكتسى الْكَفّ نَتن رَائِحَة من جسده وَهَذَا ينظر إِلَى قَول بَعضهم
(قُلْ مَا بدا لَكَ أنْ تَقولَ فإنَّنِى أُثْنِى عَلَيْكَ بِمِثْلِ رِيحِ الجَوْرَبِ)
٨ - الْغَرِيب الْفرق الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يَقُول هُوَ جبان فَسَلُوا قاتليه هَل مَاتَ خوفًا أَو مَاتَ بِالْقَتْلِ وَهَذَا فِيهِ نظر إِلَى قَول حبيب
(وَإلاَّ فَأَعْلِمْهُ بِأنَّكَ ساخِطٌ عليهِ فإنَّ الخوْفَ لَا شَكَّ قاتِلُهْ)
[ ٢ / ٣٦٠ ]
- الْمَعْنى يصفه بِأَنَّهُ غير شئ لدمامته وَصغر قدره يَقُول هُوَ بِغَيْر رَأس وَبِغير عنق وَغير جسم لصِغَر قدره
١٠ - الْغَرِيب اللئام جمع لئيم وَهُوَ الخسيس الأَصْل الذى لَيْسَ لَهُ عرض يخَاف عَلَيْهِ والخرق جمع خرقَة الْمَعْنى يُرِيد باللئام آباءه يَقُول لَوْلَا مَا بَينه وَبينهمْ من المشابهة لَكَانَ ألأم مَوْلُود وفى هَذَا تَسْوِيَة بَينه وَبينهمْ وَفِيه نظر إِلَى قَول بَعضهم وَأحسن فِيهِ وَقصر أَبُو الطّيب
(إِذا وَلَدَتْ حَلِيلَةُ باهِلّى غُلاما زِيدَ فِى عَدَد اللِّئامِ)
١١ - الْإِعْرَاب منظره مصدر أضيف إِلَى الْمَفْعُول يُرِيد النّظر إِلَيْهِ وَيجوز أَنه يكون أَرَادَ الْوَجْه الْمَعْنى يَقُول أَكثر من تلقى من النَّاس يشق عَلَيْهِم اسْتِمَاع كَلَامه لِأَنَّهُ يَقُول قولا فَاحِشا مُنْكرا وَلَا سِيمَا زَمَاننَا ويشق على أَعينهم النّظر إِلَيْهِ لقبح صورته وَسُوء فعله حَيْثُ يلقاهم يلقاهم بالبشر وَهُوَ ينطوى على الْخبث والغدر وَهَذَا الْبَيْت // من أحسن الْمعَانى //
[ ٢ / ٣٦١ ]
- ١ - الْغَرِيب المآقى جمع مؤق وَهُوَ مُؤخر الْعين الْمَعْنى يُخَاطب صَاحبه يَقُول أتراها لِكَثْرَة مَا ترى الدمع فى مآقى عشاقها تحسبه خلقَة فَلَا ترحم من يبكى وَلِهَذَا قَالَ كف ترثى وَحسب يحْسب بِفَتْح السِّين فى الْمُسْتَقْبل وَكسرهَا لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأت بهما قراء السَّبْعَة قَرَأَ بِالْفَتْح عَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة فى جَمِيع الْقُرْآن وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر السِّين
٢ - الْإِعْرَاب راءها بِوَزْن راعها وَالْأَصْل رَآهَا قدم الْألف وَأخر الْهمزَة ضَرُورَة وَغير الأولى نصبها على الِاسْتِثْنَاء وَالثَّانيَِة على الْحَال وَقَالَ قوم نصب الثَّانِيَة على الْمَفْعُول الثانى لترى إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم وَهَذَا بعيد لِأَنَّهَا لَا تعلم أَن أجفان النَّاس غير راقئة الْغَرِيب رفأ الدمع أَو الدَّم إِذا قطع يرقأ رقوءا ورقئا وَهُوَ من بَاب الْهمزَة وَإِنَّمَا أبدل الْهَمْز يَاء لِأَنَّهُ آخر الْبَيْت وَالْعرب تفعل مثل هَذَا فى الْوَقْف وَمِنْه قَرَأَ حَمْزَة فى الْهَمْز الْمُتَوَسّط إِذا وقف عَلَيْهِ أبدله من جنسه يُقَال رقأ الدمع وَالدَّم وأرقأ الله دمعه أى سكنه والرقوء على فعول بِالْفَتْح مَا يوضع على الدَّم وفى الحَدِيث " لَا تسبوا الْإِبِل فَإِن فِيهَا رقوء الدَّم " يُرِيد أَنا تُعْطى فى الدِّيات فتحقن بهَا الدِّمَاء الْمَعْنى يَقُول هَذِه المحبوبة لَا ترحم باكيا وَكَيف تَرْجمهُ وهى ترى كل جفن من النَّاس إِلَّا جفنها غير راق بالبكاء يُرِيد غير مُنْقَطع الدمع من الْبكاء فهى لَا ترحم أحدا لِأَنَّهَا تحسب الدمع فى أجفان العشاق خلقَة
٣ - الْغَرِيب فئتن وأفتن والفصيح فتن وَكَانَ الأصمعى يُنكر أفتن وَجَاء الْقُرْآن بالثلاثى لَا غير والضنى النحول الْمَعْنى يَقُول أَنْت منا معشر العشاق إِلَّا أَنَّك تعشقين نَفسك فَلهَذَا منعتها فَأَنت مَفْتُونَة بحب نَفسك إِلَّا أَنَّك سَالِمَة من الشوق والصبابة وَقد نَقله من قَول جحظة
(لَوْ تَرَى مَا أَرَاهُ مِنْكَ إذَا مَا جالَ ماءُ الشَّبابِ فى وَجَتَيْكا)
(لَتَمَنَّيْتَ أنْ تُقَبَّلَ خَدَّيْكَ وَإنْ لَمْ تَصِلْ إِلَى خَدَّيْكا)
[ ٢ / ٣٦٢ ]
- الْغَرِيب حَال دونه حَائِل كَمَا يُقَال عَاق دونه عائق والمزار الزِّيَارَة الْمَعْنى لما بخلت عَنَّا بزيارتك ومنعتها منا ذَابَتْ أجسامنا شوقا إِلَيْك فَلَو سمحت الْآن بالزيارة لم نقدر على المعانقة لَك لشدَّة النحول يُرِيد لم يكن فِينَا بَقِيَّة لعناقك
٥ - الْمَعْنى يَقُول أدمنا إِلَيْك النّظر وأدمته إِلَيْنَا وأكثرناه كَانَ عَن عمد منا فأنفق لنا فِيهِ عَن غير الْقَصْد الحتق
٦ - الْغَرِيب عدا صرف وأرار أذاب ومخ رير ورير أى ذائب والرسيم ضرب شَدِيد من سير الْإِبِل يُقَال بعير راسم والمناقى جمع منقية وهى السمينة الَّتِى فى عظامها نقى وَهُوَ المخ الْإِعْرَاب نصب غير على الْحَال وَالتَّقْدِير بعد غير هجرك فَلَمَّا قدم وصف النكرَة نَصبه على الْحَال الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الْحَائِل بَيْننَا وَبَيْنك بعْدك لَا هجرك لواصلنا السّير إِلَيْك حَتَّى تنضى الْإِبِل ويذوب نقيها وأتعبناها فى طى الْبعد إِلَيْك وَلَكِن الْحَائِل وَالْمَانِع هجرك وَقد ذكر هَذَا الْمَعْنى بقوله
(أبْعَدَ نَأْىِ المَلِيحَةِ الْبَخَلُ )
٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَجْرُور للمناقى الْغَرِيب الأرماق جمع رَمق وَهُوَ بَقِيَّة النَّفس الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَو وصلنا إِلَيْك وهى تحملنا على استكراه ومشقة كَمَا تحمل أرماقنا أَنْفُسنَا لشدَّة الْجهد لأَنا قد بلغنَا أَوَاخِر أَنْفُسنَا قَالَ الواحدى هَذَا محَال كَيفَ يحمل الرمق النَّفس وَكَيف تكون الأنفاس على الأرماق بِالْمَعْنَى الذى ذكره وَإِنَّمَا يعْنى إِنَّا نَخَاف مهزولون قد أَضْعَف الضنى ثقلنا حَتَّى نَحن فى الخفة كأننا أنفاس على أرماق يُرِيد إبلنا نحاف مهازيل لم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل كَمَا قَالَ الآخر
(أنْضَاءُ شَوْقٍ على أنْضَاءِ أسْفارِ )
٨ - الْإِعْرَاب مَا استفهامية وَالْمعْنَى أى شئ بِنَا لَفظه استفهمام وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّب وَقَالَ ابْن القطاع لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّب الْغَرِيب الأشفار جمع شفر وَهُوَ منبت الشّعْر من الجفن والحدق جمع حدقة الْمَعْنى يَقُول أى شئ أَصَابَنَا من هوى الْعُيُون السود والأشفار السود مثل الأحداق
[ ٢ / ٣٦٣ ]
- الْغَرِيب المواضى جمع مَاضِيَة والبواقى جمع بَاقِيَة الْمَعْنى يَقُول قصرت الليالى الْمَاضِيَة بالوصل وأطالتها بالهجر وَأَيَّام الْوِصَال أبدا تُوصَف بِالْقصرِ وَأَيَّام الهجر بالطول وَإِنَّمَا طَالَتْ عِنْده لأجل تذكره وتحسره على ليالى الْوِصَال
١٠ - الْغَرِيب الإيراق مصدر أَوْرَق الصَّائِد إِذا لم يصد شَيْئا وأورق الغازى إِذا لم يغنم شَيْئا وأورق الطَّالِب إِذا لم ينل شَيْئا الْمَعْنى قَالَ الواحدى النَّاس يحملون الإيراق فى هَذَا الْبَيْت على الإفعال من الأرق وَكَانَ الخوارزمى يَقُول فى تَفْسِيره هى تطلب بإسهادها إيانا الْغَايَة طلب الْأَمِير بإنالته النِّهَايَة فَكَأَنَّهَا تكاثره نوالا لَكِن نوالها الأرق ونواله الْوَرق فَإِن كَانَ أَبُو الطّيب أَرَادَ بالإيراق هَذَا فقد أَخطَأ لِأَنَّهُ لَا يبْنى الإيراق من الأرق وَإِنَّمَا يُقَال أرق يأرق أرقا وأرقه تأريقا وَالْأولَى أَن يحمل الإيراق على منع الْوَصْل يَقُول هى فى منعهَا وَصلهَا فى النِّهَايَة كَمَا أَن الْأَمِير فى بذله نائله قد بلغ النِّهَايَة فَكَأَنَّهَا تكاثره فى عطائه لينْظر أَيهمَا أَكثر
١ - الْإِعْرَاب خلق اسْم لَيْسَ وَأَبا العشائر خَبَرهَا وَالتَّقْدِير لَيْسَ خلق سَاد الورى إِلَّا أَبَا العشائر سَاد بِحَق وَاجِب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ أحد اسْتحلَّ السِّيَادَة فَسَاد الْخَلَائق بِحَق غير هَذَا الممدوح وَهُوَ يشبه
(خضَبْتَ وَفارَتْ مِنْ أنامِلِ سَيَّدٍ نَفَعَ المَسُودَ فَسادَ باسْتِحْقاقِ)
وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا البحترى بقوله
(قَدْرُهُ مُرْتَفِعٌ عَنْ حَظِّهِ لَا يَرُعْكَ الحَظُّ لَمْ يُوجَدْ بِحَقّ)
الْإِعْرَاب طَاعن خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف الْغَرِيب الفيلق الْجَيْش والذعر الْفَزع وَالدَّم المهراق السَّائِل الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا طعن وَاحِدًا من الْجَيْش فَرَأَوْا الطعنة وسعتها جبنوا جَمِيعهم فَكَأَنَّهُ طعن الْجَيْش وَالدَّم المهراق أحسن مَا فى الْبَيْت يُرِيد أَنه يخرج مِنْهَا دم ثَائِر يضْرب صُدُور الْقَوْم فَكَأَنَّهُ قد طعنهم كلهم وَقَالَ الواحدى طعنته لسعتها يخرج مِنْهَا دم فيخافون لذَلِك خوفًا شَدِيدا فَكَأَن تِلْكَ الطعنة طعنتهم كلهم
[ ٢ / ٣٦٤ ]
- الْإِعْرَاب ذَات من رفع جعلهَا خبر ابْتِدَاء يُرِيد طعنته ذَات وَمن نصب جعلهَا حَالا من الطعنة بِمَعْنى وَاسِعَة كَأَنَّهُ قَالَ يطعن الفيلق وَاسِعَة الْغَرِيب الْفَرْع مخرج المَاء من الدَّلْو من بَين العراقى وَمِنْه يُسمى الفرغان فرغ الدَّلْو الْمُقدم وَفرغ الدَّلْو الْمُؤخر وهما من منَازِل الْقَمَر وكل وَاحِد مِنْهُمَا كوكبان نيران بَين كل كوكبين قدر خَمْسَة أَذْرع فى رأى الْعين والفراغة مَاء الرجل وَهُوَ النُّطْفَة وأطرق بِرَأْسِهِ إِذا خفضه وطأطأه الْمَعْنى يَقُول إِذا سمع بهَا الْمُحدث على رِوَايَة كسر الْبَاء والمختبر بهر بِفَتْح الْبَاء على رِوَايَة الْفَتْح أطرق من خوفها كَأَنَّهَا فى جنبه استعظاما لَهَا
١٤ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ ضَارب الْهَام فى الهيجاء ويسقى الأقران كئوس الْحمام وَلَا يباكى أَن يشرب مَا يسقيهم شجاعة ورغبة فى الْفَخر فَهُوَ لَا يبالى بِالْمَوْتِ
١٥ - الْغَرِيب فرس أشق وَالْأُنْثَى شقاء إِذا كَانَ رحب الْفروج طَويلا قَالَ جَابر التغلبى
(وَيَوْمَ الكُلابِ اسْتَنزَلَتْ أسَلاتُنا شُرَحْبِيلَ إذْ آلى أليَّةَ مُقْسِمِ)
(لَيَنْتَزِعَنْ أرْماحَنا فأزَالَهُ أبُو حَنَشٍ عَنْ ظَهْرِ شَقَّاءَ صِلْدِمِ)
الصلدم القوية والصفاق الْجلد الْأَسْفَل الذى تَحت الْجلد الذى عَلَيْهِ الشّعْر وَأنْشد الأصمعى للنابغة الجعدى
(لَطَمْنَ بِتُرْسٍ شَدِيدِ الصِّفا قِ مِنْ خَشَبِ الجَوْزِ لَمْ يُشْقَبِ)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ ضَارب وطاعن فَوق فرس طَوِيلَة وسيعة الْفروج شَدِيدَة وَهُوَ من عَلَامَات الْعتْق يجول بَين قَوَائِمهَا الْفرس الذّكر
[ ٢ / ٣٦٥ ]
- الْغَرِيب الْبراق الدَّابَّة الَّتِى جَاءَ بهَا جِبْرِيل ﵇ للنبى
فركبها وَقَالَ فى وصفهَا " دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار " الْمَعْنى إِذا نظر المكذب للأنبياء إِلَى سرعتها أَو نشاطها صدق الْأَخْبَار الْوَارِدَة فى وصف دَابَّة رَسُول
١٧ - الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهُوَ الرمْح والنطاق مَا يشد بِهِ الْوسط الْمَعْنى أَنه لَا يعبأ بالأسنة إِذا أحدقت بِهِ وَصَارَت عَلَيْهِ كالنطاق وَإِنَّمَا همته فى الْأَبْطَال لَا فى أسنتهم لِأَن مَقْصُوده قَتلهمْ وٍ أسرهم فَهُوَ يحتقر الأسنة لما عِنْده من الشجَاعَة
١٨ - الْغَرِيب الثاقب المضئ الْمُنِير وَمِنْه النَّجْم الثاقب والإقلاق مصدر أقلق الْمَعْنى يَقُول هُوَ ثاقب الْعقل ثَابت حلمه لَا يقلقه أَمر من الْأُمُور وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن دُرَيْد
(يَعْتَصِمُ الْحِلْمُ بِجَنْبَىْ حُبْوَتِى إذَا رِياحُ الطَّيْشِ طارَتْ بالحِْبا)
١٩ - الْغَرِيب الْحَارِث بن لُقْمَان جد أَبى العشائر وَالْعتاق جمع عَتيق وعتيقة وهى الْخَيل الْكِرَام الْمَعْنى دَعَا لَهُم وَأحسن بِأَن لَا يفارقوا ظُهُور الْخَيل فُرْسَانًا فى الْحَرْب قَالَ أَبُو الْفَتْح قَوْله فى الوغى // حَشْو حسن // لأَنهم مُلُوك وَإِنَّمَا يركبون الْخَيل لِحَرْب أَو دفع ملمة فَخص حَالَة الْحَرْب وَلَو لم يقل فى الوغى لاقتضى الدُّعَاء أَن لَا يفارقوا متونها فى وَقت وَهَذَا من أَفعَال الرواض لَا من أَفعَال الْمُلُوك لِأَن الْمُلُوك يَحْتَاجُونَ فى تَدْبِير الْملك بالرأى إِلَى الْفَرَاغ والاستقرار
٢٠ - الْغَرِيب الرعب الْخَوْف والفزع وتسكن الْعين وتضم لُغَتَانِ فصيحتان وَقَرَأَ بِضَم الْعين حَيْثُ وَقع عبد الله بن عَامر والكسائى وسكنها الْبَاقُونَ الْمَعْنى يَقُول هاجوا الْخَوْف فى قُلُوب أعاديهم قبل الْمُحَاربَة لَهُم فلشدة خوفهم مِنْهُم كَأَنَّهُمْ قاتلوهم قبل ان يلقوهم وَهُوَ من قَول حبيب
(لوْ لمْ يُزاحِفْهُمْ لَزاحَفَهُمْ لَهُ مَا فى قُلُوبِهِمِ مِنَ الأَوْجالِ)
[ ٢ / ٣٦٦ ]
- الْغَرِيب الظبى السيوف الْمَعْنى يَقُول قد تعودت السيوف أَن تغمد فى الْأَعْنَاق فهى تكَاد تنسل بِنَفسِهَا عَن أَن يسلها ضَارب إِلَى الْأَعْنَاق وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطائى
(وَنَبَّهْنَ مِثلَ السَّيْفِ لَوْ لَمْ تَسُلَّهُ يَدَانِ لَسَلَّتْهُ ظُباهُ مِنَ الْغِمْدِ)
٢٢ - الْغَرِيب الإشفاق مصدر أشْفق وَهُوَ الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يَقُول إِذا خَافت الفرسان وَقع الأسنة وجبنوا خَافُوا من خوف أَن ينسبوا إِلَى جبن وفزع
٢٣ - الْغَرِيب الذمر الرجل الشجاع وَجمعه أذمار والمحاق بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا نُقْصَان الْقَمَر فى أَوَاخِر الشَّهْر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح
(تَمامهَا فى المحاق )
الْكَلَام متناقض الظَّاهِر لِأَن المحاق غَايَة النُّقْصَان وَهُوَ ضد الْكَمَال وَإِنَّمَا سوغ لَهُ ذَلِك قَوْله
(يزِيد فى الْمَوْت حسنا )
أى هُوَ من قوم أحسن أَحْوَالهم عِنْدهم أَن يقتلُوا فى طلب الْمجد فشبههم ببدور تَمامهَا فى محاقها فَجَاز لَهُ هَذَا اللَّفْظ على طَرِيق الاستظراف والتعجب مِنْهُ فَشبه مَا يجوز ان يكون بِمَا لَا يجوز أَن يكون اتساعا وتصرفا وَقَالَ ابْن فورجة أَرَادَ أَن البدور يفضى امرها إِلَى المحاق فَهُوَ غايتها الَّتِى تجرى إِلَيْهَا ومصيرها الذى تصير إِلَيْهِ وَهَؤُلَاء الْقَوْم تَمام أَمرهم قَتلهمْ وَلَيْسَ التَّمام فى هَذَا الْبَيْت الذى يعْنى بِهِ استكمال الضَّوْء وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله كبدور البدور لَا تكون بدور إِلَّا بعد استكمال ضوئها وَلَو أَرَادَ استكمال الضَّوْء لقَالَ كأهلة قَالَ الواحدى وعَلى قَوْله هَذَا لَا مدح فى الْبَيْت لِأَن كل حى يفضى أمره إِلَى الْمَوْت وَآخره الْهَلَاك وَإِنَّمَا شبههم ببدور تَمامهَا فى المحاق بزيادتهم حسنا بِالْمَوْتِ لانْتِهَاء آخر أَمرهم إِلَى الْمَوْت وَالْمعْنَى أَنهم إِذا قتلوا فى طلب الْمجد والرفعة ازْدَادَ شرفهم فَيَزْدَاد حسن ذكرهم بموتهم كالبدور فَإِنَّهَا تستفيد الْكَمَال بالمحاق وَلَو لم تصر إِلَى المحاق لم يتم لِأَنَّهَا من المحاق ترْتَفع إِلَى دَرَجَة الْكَمَال فمحاقها سَبَب كمالها وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ إِذا قتلوا يَكْسِبُونَ ذكرا وشرفا قَالَ والذى ذكره أَبُو الْفَتْح وَجه آخر وَهُوَ أَنه شبههم ببدور تَمامهَا فى محاقها إِن وجد ذَلِك أَو جَازَ وجوده والذى ذَكرْنَاهُ هُوَ الْوَجْه
[ ٢ / ٣٦٧ ]
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أى ينغمس فى منيته كَمَا ينغمس فى درعه قَالَ الواحدى وَهَذَا تَفْسِير غير كَاف وَلَا مقنع وَلَيْسَ للانغماس هُنَا معنى وَإِنَّمَا يُرِيد أَنه يتقى الْعَار وَلَو بِمَوْتِهِ فَإِن لم يجد واقيا من الْعَار غير منيته جعلهَا درعا لَهُ فاتقى بهَا الْعَار كَمَا يتقى بالدروع الْمَوْت والهلاك وَهَذَا مَنْقُول من قَول بَعضهم وتمثل بِهِ عبد الْملك ابْن مَرْوَان
(وَمَوْتٍ لَا يَكُونُ عَلىّ عاراَ أحب إِلَيّ من عَيْش رماق)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(وَقد كَانَ فَوت الْمَوْت سهلا فَرده إلَيْهِ الْحِفاظُ المُرُّ الخُلُقُ الوَعْرُ)
٢٥ - الْغَرِيب الشفار جمع شفرة وهى حد السَّيْف والرقاق الْحداد القاطعات الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ فى المنظر رَقِيق الطَّبْع فَإِذا سيم خسفا خشن جَانِبه وَاشْتَدَّ إباوه أى إِنَّه خشن جَانِبه للأعداء لَا ينقاد لَهُم وَشبه كرمه بِالْمَاءِ وَهُوَ لين عذب فَإِذا صَار فى شفار السَّيْف شحذها وَجعلهَا قَاطِعَة كَذَلِك كرمه فِيهِ لين ١٠ لأوليائه وخشونه على أعدائه وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(وكالسَّيْفِ إنْ لَا يَنْتَهُ لانَ مَتْنُهُ وَحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنانِ)
وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى
(فإنَّ الْحُسامَ الهُنْدَوَانِىَّ إنَّمَا خُشُونَتُهُ مَا لَمْ تُفَلَّلْ مَضَارِبُهُ)
٢٧ - الْغَرِيب الْأَخْلَاق جمع خلق وخليقة الْمَعْنى يَقُول لكم معال شريفة لم ينلها أحد سواكم فَإِذا ادَّعَاهَا سواكم نسب إِلَى الْخِيَانَة وَالسَّرِقَة ثمَّ قَالَ أَنْت شَدِيد الشّبَه بأبيك فَإِذا ظَهرت ظَهرت فِيك خلائقه وَإِن غَابَ شخصه وَفِيه نظر إِلَى قَول الْقَائِل
(شِنْشِنَةٌ أعْرِفُها مِنْ أخْزَمِ )
والشنشنة الطَّرِيقَة والخليقة وَهَذَا كَقَوْل ابْن الرومى
(إِذا خَلَفٌ أوْدَى وَخَلَّفَ مِثْلَهُ فَمَا ضَرَّهُ أنْ غَيَّبَتْهُ الرَّوَامِسُ)
[ ٢ / ٣٦٨ ]
- الْغَرِيب الْمَكْر التّكْرَار فى الْحَرْب بالطعن وَالضَّرْب الْمَعْنى يَقُول لَو غيرت زيك الْمَشْهُور فى الْحَرْب حَتَّى لَا يعرفك أَهلهَا لعرفوك بإقدارمك وكرك كَمَا يعْرفُونَ إقدام أَبِيك فَحَلَفُوا أَنَّك ابْنه بِالطَّلَاق قَالَ أَبُو الْفَتْح فى الْمَكْر حَشْو وَفِيه نُكْتَة وهى أَنه إِنَّمَا شبهه فى الْمَكَان الذى يتَبَيَّن فِيهِ الْفضل والشجاعة فَذكر أنفس الْمَوَاضِع فَجَعلهَا شبهه فِيهَا لَا فى غَيرهَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ شهرتها قَالَ الْخَطِيب الْمَعْنى حلفوا أَنَّك ابْنه أى ابْن الْمَكْر لَا ابْن أَبِيك الْمَشْهُور وَحَملهمْ على ذَلِك أَنهم يجدونك فِيهِ سالما من الطعْن وَالضَّرْب فَكَأَنَّهُ أَب يشفق عَلَيْك من أَن يصل إِلَيْك جرح أَو طعنة
٢٩ - الْغَرِيب الْآفَاق جمع أفق وهى نواحى الدُّنْيَا وأقطارها الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يُطيق زندك حمل كفك وَقد اشْتَمَل على نواحى الأَرْض وَصَارَت الْآفَاق فِيهِ لاشْتِمَاله عَلَيْهَا بِمَنْزِلَة كف الْإِنْسَان فى وسط الْآفَاق يُرِيد أَنه اقتدر على الدُّنْيَا وصغرت فى قَبضته
٣٠ - الْمَعْنى يَقُول الْأَعْدَاء لَا يقدرُونَ عَلَيْك بِالْحَرْبِ لشجاعتك وبأسك وخوفهم من ملاقاتك لشدَّة شوكتك فَمَا يلقاك أحد إِلَّا بالمخادعة فَيجْعَل الخداع والنفاق سَيْفا لَهُ
٣١ - الْغَرِيب الْهَوَاء الْمَمْدُود هُوَ الذى يهب وَهُوَ الرّيح والمقصور هوى النَّفس وَالْحمام الْمَوْت الْمَعْنى هَذَا الْبَيْت مُؤَكد لما قبله وَفِيه إِقَامَة عذر من يداجيه وَلَا يجاهره بِالْحَرْبِ لِأَن حب الْحَيَاة زين لَهُم الْجُبْن وأراهم طعم الْحمام مرا لِأَن أنفسهم ألفت الْهَوَاء الطّيب الرَّقِيق قَالَ الشريف هبة الله بن على العلوى الشجرى قَالَ أَبُو الْعَلَاء هَذَا الْبَيْت والذى بعده يفضلان كتب الفلاسفة لِأَنَّهُمَا متناهيان فى الصدْق وَحسن النظام وَلَو لم يقل شاعرهما سواهُمَا لَكَانَ لَهُ شرف مِنْهُمَا وجمال وَهَذَا مَنْقُول من قَول الْحَكِيم النُّفُوس البهيمية تألف مساكنة الأجساد الترابية فَلذَلِك تصعب عَلَيْهَا مُفَارقَة أجسامها والنفوس الصافية بضد ذَلِك
[ ٢ / ٣٦٩ ]
- الْغَرِيب الأسى الْحزن الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفضل العروضى يَقُول لَا يحسن أَن يحزن الْإِنْسَان للْمَوْت بعد تيقنه بِوُقُوعِهِ فَإِنَّهُ قبل الْوُقُوع لَا ينفع الحذر وينغص الْعَيْش وَإِذا وَقع فَلَا حزن عَلَيْك وَلَا علم لَك بِهِ وَقد نسب فى هَذَا إِلَى الْإِلْحَاد وَقَالَ ابْن فورجة يَقُول إِن خوف الْمَوْت من أكاذيب النَّفس وَمن إلفنا هَذَا الْهَوَاء وَإِلَّا فقد علم أَن الْحزن على فِرَاق الرّوح قبل فِرَاقه من الْعَجز وَعلم أَيْضا أَن الْحزن على الْمُفَارقَة لَا يكون بعد الْمَوْت فلماذا يحزن الْإِنْسَان قَالَ الوحدى وَهَذَا الْبَيْت والذى قبله حث على الشجَاعَة وتحذير من الْجُبْن وتهوين للْمَوْت لِئَلَّا يخافه الْإِنْسَان فَيتْرك الْإِقْدَام هَذَا مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب وَلم يرد الْإِلْحَاد وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا من حَيْثُ الظَّاهِر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْبَيْت مُؤَكد لما قبله ومصراعه الأول احتجاج على من يشح بِنَفسِهِ يَقُول هُوَ لعمرى وَإِن كَانَ عَاجِزا فَإِن مُفَارقَة الرّوح تبطل الْعَجز وهى نِهَايَة الْخَوْف والحذر قَالَ الْخَطِيب لَيْسَ المصراع الثانى احتجاجا لمن شح بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ نفى للشح بِالنَّفسِ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ قبل الْمَوْت عجز وَبعد الْمَوْت لَا يكون
٣٣ - الْغَرِيب الثراء بِالْمدِّ كَثْرَة المَال والمقصور التُّرَاب الْمَعْنى يَقُول كم مَال كَانَ لبخل أربابه فى أسر فقلتهم وأبحته الطلاب فأطلقته من وثاقة وَهُوَ مَنعه من طلابه
٣٤ - الْغَرِيب الإملاق الْفقر وَالْحَاجة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق﴾ الْمَعْنى أَرَادَ كَمَا يقبح الْفقر فى يَد الْكَرِيم فَقلب ضَرُورَة أى إِن الْغنى عِنْد الْبَخِيل قَبِيح كَمَا أَن الْفقر والعسر عِنْد الْكَرِيم قَبِيح وَهُوَ يشبه قَول حبيب
(كَمْ نِعْمةٍ للهِ كَانَتْ عِنْدَهُ فَكَأَنَها فى غُرْبَةٍ وَإِسَارِ)
وَمَا أحسن قَول العطوى
(نِعْمَةُ اللهِ لَا تُعابُ وَلَكِنْ رُبَّمَا اسْتُقْبِحَتْ على أقْواَمِ)
(لَا يَلِيقُ الغِنَى بوَجْهِ أَبى يَعْلَى وَلَا نُورُ بَهْجَةِ الإسْلامِ)
(وَسِخِ الثَّوْبِ والقَلانِسِ وَالْبِرْ ذَوْن والوَِجْهِ والقَفا والغُلامِ)
وَهَذَا مَنْقُول من الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم قَبِيح بذى الْجدّة أَن يُفَارِقهُ الْجُود لِأَنَّهُمَا إِذا اعتدلا كَانَ اعتدالهما كشئ وَاحِد
[ ٢ / ٣٧٠ ]
- الْمَعْنى أَنه اسْتعَار لفعله شمسا لإضاءته يَقُول لَا يبلغ قولى مَحل فعلك وَلكنه يدل عَلَيْهِ ويحسنه كالإشراق فى الشَّمْس قَالَ أَبُو الْفَتْح وَإِلَى هَذَا ذهب عِنْد سؤالى عَنهُ قَالَ ابْن وَكِيع وَنظر فى هَذَا إِلَى قَول ابْن الرومى
(عجِبْتُ للشَّمِس لمْ تُكْسَفْ لِمَهْلِكِهِ وَهْوَ الضّياءُ الَّذِى لَوْلاهُ لَمْ تَقِدِ)
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت شَاعِر الْمجد الْعَالم بدقائفقه وَأَنا شَاعِر اللَّفْظ فَكل منا صَاحب الْمعَانى الدقيقة كَقَوْل الطائى
(غَرُبَتْ خلائِقُهُ فأغْرَبَ شاعِرٌ فيهِ فأَبْدَعَ مُغْرِبٌ فى مُغْرِبِ)
٣٧ - الْغَرِيب الصهال والصهيل وَاحِد كالنهيق والنهاق والشحيج والشحاج الْمَعْنى يَقُول أَنْت لم تزل تسمع الْأَشْعَار لِأَنَّك ملك كثير المداح إِلَّا أَن شعرى يفضل مَا سَمِعت كفضل صَهِيل الْجِيَاد على نهيق الْحمار وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(ألِمِّى بابْنِ عَمِّكِ لَا تَكُونِى كمُخْتارٍ عَلى الفَرَس الْحِماراَ)
وَفِيه نظر إِلَى قَول خِدَاش بن زُهَيْر
(ولَنْ أكُونَ كَمَنْ ألْقَى رِحالَتَهُ على الحِْمارِ وَخَلَّى مَنْسِجَ الفَرَسِ)
٣٧ - الْغَرِيب الأدهر جمع دهر وَيجمع أَيْضا على دهور الْمَعْنى يَقُول أَنا أَتَمَنَّى أَن يكون حظى كحظ هَذَا الدَّهْر الذى أَنْت فِيهِ لِأَنَّهُ سعد على الدهور بكونك فِيهِ فليت لى مثل مَاله من الْحَظ والرزق
٣٩ - هَذَا كَقَوْل مُسلم بن الْوَلِيد
(كالدَّهْرِ يَحْسُدُ أُوْلاهُ أوَاخرَهُ إِذْ لَمْ يكُنْ فى أعْصَارِهِ الأُوَلِ)
وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(مَضَى طاهِرَ الأثْوَابِ لَمْ تَبْقِ بُقْعَةٌ غَدَاةَ ثَوَى إلاَّ اشْتَهَتْ أنَّها قَبْرُ)
[ ٢ / ٣٧١ ]
- ١ - الْغَرِيب الْوَرق الْفضة وَقيل هى الدَّرَاهِم المضروبة وَكَذَلِكَ الرقة وَالْهَاء عوض عَن الْوَاو وفى الحَدِيث " فى الرقة ربع الْعشْر " وفى الْوَرق ثَلَاث لُغَات فتح الْوَاو وَكسر الرَّاء مثل كبد وَكسر الْوَاو وَسُكُون الرَّاء مثل كبد وكسرهما مثل كبد لِأَن مِنْهُم من ينْقل كسر الرَّاء إِلَى الْوَاو بعد التَّخْفِيف وَمِنْهُم من يَتْرُكهَا على حَالهَا وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَأَبُو بكر وَحَمْزَة بورقكم بِسُكُون الرَّاء وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا الْمَعْنى يَقُول لَام أنَاس أَبَا العشائر على جوده وَلم يُصِيبُوا فى ذَلِك لِأَنَّهُ مجبول على الْجُود وَقد بَينه بقوله الْبَيْت بعده
٢ - الْمَعْنى يَقُول الذى يلومه فى جوده هُوَ بِمَنْزِلَة من يَقُول لَهُ لم خلقت كَذَا جوادا يُرِيد انه مطبوع على الْجُود وَمَا هُوَ شئ يتكلفه فَلَا ينفع اللوم فِيمَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان لِأَن المطبوع على الشئ لَا يقدر أَن يُغَيِّرهُ وَلَا ينْتَقل إِلَى غَيره عَنهُ كَمَا لَا يقدر أَن يُغير خلقه فالذى خلق خلقه بِالْفَتْح خلق خلقه بِضَمَّتَيْنِ
٣ - الْمَعْنى كَانَ أَبُو العشائر قد ضرب بَيْتا على الطَّرِيق بميا فارقين ليَأْتِيه النَّاس فَلَا يرَوْنَ دونه حِجَابا فَذَلِك ذَلِك أَبُو الطّيب فى شعره وَقَالَ إِن النَّاس قَالُوا ألم يكفه سماحته ونداه فى الْبَلَد حَتَّى بنى بَيته على الطَّرِيق للقصاد
٤ - الْغَرِيب الشُّح الْبُخْل وَالْفرق الْخَوْف والذعر الْمَعْنى يَقُول إِن الشجاع يتَجَنَّب الْبُخْل ويتقيه كَمَا يتَجَنَّب الْخَوْف وَهُوَ لَا يفزع كَمَا قَالَ بَعضهم الْبُخْل والجبن عيبان يجمعهما سوء الظَّن بِاللَّه وَهَذَا كَقَوْل أَبى تَمام
(وَإذَا نَظَرْتَ أَبَا يَزيد فى وَغًى وَنَدًى وَمُبْدىَ غارَة وَمُعيدًا)
(أيْقَنْتَ أنَّ مِنْ السَّماحِ شَجاعَةً تُدْمى وأنَّ مِنَ الشَّجاعَةِ جُودَا)
وَمثله قَول الآخر
(إِلَى جَوَادٍ يَعُدُّ البُخْلَ مِنْ جُبُنٍ وَباسِلٍ بُخْلُهُ يُعْتَدُّهُ جُبْنَا)
(يَلْقَى العُفاةَ بِما يَرْجُونَ مِنْ أمَلٍ قَبْلَ السُّوَالِ وَلا يَبْغِى بِهِ ثَمَنا)
[ ٢ / ٣٧٢ ]
- الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الْمُسْتَتر فى سلاحه والملق التودد إِلَى النَّاس بالْقَوْل اللين فَهُوَ يتملق لَهُم بِإِظْهَار الْمحبَّة وَأَصله إِظْهَار الْمَوَدَّة الْمَعْنى يَقُول هُوَ شُجَاع وكل أحد يُحِبهُ لشجاعته كَمَا يحب من يتملق إِلَى النَّاس وَيظْهر لَهُم الْمحبَّة فقد صَحَّ لَهُ بقتل الكماة مَا يكتسبه المتملق إِلَى النَّاس وَهَذَا معنى قَوْله
(وَمِنْ شَرَفِ الإقْدامِ أنَّكَ فِيهِمُ على القَتْلِ مَوْموقٌ كأنَّكَ شَاكِدُ)
قَالَ ابْن وَكِيع وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم
(سَدَّ الثُّغثورَ يَزِيدٌ بَعْدَما انْفَرَجَتْ بقائِمِ السَّيْفِ لَا بالمَكْرِ والْحِيَلِ)
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَبَين الْمَعْنيين بعد مَا بَين المشرقين
٧ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول هُوَ لَا يغرق فى السماح وَإِن كَانَ بحرا لِأَن سَيْفه قد آمنهُ من كل مَحْذُور حَتَّى من الْغَرق يعْنى أَنه وَإِن كَانَ سَمحا فَهُوَ شُجَاع لَا يخَاف مهْلكا حَتَّى لَو صَار السماح مهْلكا لما خافه لشجاعته قَالَ أَبُو الْفَتْح سَيْفه جنَّة لَهُ من كل عَدو ناطقا كَانَ أَو غير نَاطِق وَكِلَاهُمَا لم يذهب إِلَى معنى الْبَيْت وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ كن أَيهَا الْجُود بحرا ذَا لجة مهْلكا فَهُوَ لَا يخَاف الْفقر وَلَا يقدر على إغراقه بالفقر لِأَن سَيْفه قد آمنهُ من ذَلِك لِأَنَّهُ كلما أعْطى السُّؤَال والقصاد مَالا أَخذ لَهُ سَيْفه أَضْعَاف ذَلِك فَهُوَ كَقَوْلِه
(فالسِّلْمُ يَكْسِرُ مِنْ جَناحَىْ مالهِ بِنَوَالِهِ مَا تَجْبُرُ الهَيْجاءُ)
[ ٢ / ٣٧٣ ]
- ١ - الْغَرِيب النجيع الدَّم وسفكه صبه والقافية القصيدة الْمَعْنى يَقُول رب دم سفك كَانَ سفكه بأَمْره من الَّذين يخافونه ويعاندونه وَرب ملك يعانده سمع مدائحه فَغَاظَهُ ذَلِك وحسده عَلَيْهَا لحسنها وَهَذِه من الْبَسِيط والقافية من المتراكب
٢ - الْغَرِيب الرمك جمع رمكة وهى الْفرس الَّتِى تتَّخذ للنتاج دون الرّكُوب وَقَالَ الجوهرى هى الْأُنْثَى من البراذين وَجَمعهَا رماك وأرماك ورمكات مثل ثمار وأثمار الْمَعْنى أَنه ضرب لَهُ مثلا بِاخْتِيَارِهِ لقصده وَمَعْرِفَة سيف الدولة فَضله من عرف الشَّمْس لَا يُنكر مطالعها باختلافها وَمن عرف سيف الدولة لم يستعظم غَيره لاخْتِلَاف مقاصده وَمن أبْصر عتاق الْخَيل لم يستكرم هجان الْخَيل الرمك
٣ - الْمَعْنى يَقُول نَحن مِمَّن تملكه فَإِذا أَعطيتنَا شَيْئا فَإِنَّمَا يفرح بعض ملكك بِبَعْض لِأَن الْبِلَاد وَالنَّاس كلهم طوع لَك وَفِيه نظر إِلَى قَول عدى بن زيد
(ولَكَ المَالُ والبِلادُ وَما يُمْلَكُ مِنْ ثابِتٍ وَمِنْ مُسْتاقِ)
١٦٥
- ١ - الْغَرِيب الْفلك هُوَ مدَار الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْملك بِالتَّحْرِيكِ وَاحِد وَجمع قَالَ الكسائى أَصله مألك بِتَقْدِيم الْهمزَة من الألوكة وهى الرسَالَة قلبت وقدمت اللَّام فَقيل ملأك وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة لرجل جاهلى من عبد الْقَيْس أَو هُوَ أَبُو وجزة ١
(فلسْتُ لإِنْسِى ولكنْ لِمَْلأَكْ تَنَزَّلَ مِنْ جَوّ السَّماءِ يَصُوبُ)
ثمَّ تركت همزته لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فَلَمَّا جمع ردهَا إِلَيْهِ فَقَالُوا مَلَائِكَة وملائك قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت
(فكأنَّ بِرْقِعَ وَالمَلائِكِ حَوْلَهَا سَدِرٌ تَوَاكَلَهُ القِوَائِمُ أجْرَبُ)
قَوْله برقع اسْم من أَسمَاء السَّمَاء قيل هى السَّابِعَة وَسدر بَحر شبه السَّمَاء بالبحر أَرَادَ لملاسته لَا لجريه وَقَوله
(تواكله القوائم )
أى تواكلته الرِّيَاح فَلم يتموج ذكر الجوهرى هَذَا الْبَيْت فى صحاحه فَقَالَ تواكله القوائم أجرب ذكره ابْن دُرَيْد والأزهرى بِالدَّال أى وَهُوَ الصَّوَاب وَقَبله
(فَأَتَّم سِتًّا فاسْتَوَتْ أطْباقُها وأَتى بِسابِعَةٍ فَأنَّى تُورَدُ)
الْمَعْنى يَقُول شعرى فى الشّعْر كالملائكة فى النَّاس وَهُوَ سَائِر فى الدُّنْيَا سير الشَّمْس وَأَرَادَ أَن الْمَلَائِكَة أفضل النَّاس وَقد ذهب جمَاعَة إِلَى أَن الْمَلَائِكَة أفضل من بنى آدم كلهم وَذهب قوم إِلَى أَنهم أفضل من بني آدم مَا خلا النبين وَاسْتدلَّ الستاذ الزَّمَخْشَرِيّ على أَنهم أفضل من الْأَنْبِيَاء بقوله تَعَالَى ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبد الله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ فَقَالَ هُوَ كَقَوْل الْقَائِل لَا يقدر زيد أَن يخالفنى وَلَا أَبوهُ يُرِيد إِذا كَانَ لَا يقدر فَهُوَ كَذَلِك بِالْأولَى وَإِذا كَانَ الْمَلَائِكَة وهم أفضل لَا يستنكفون عَن الْعِبَادَة فَلَا يستنكف عَنْهَا عِيسَى ﵇ وَأهل السّنة يَقُولُونَ الْأَنْبِيَاء أولو الْعَزْم أشرف من الْمَلَائِكَة وَأما نَبينَا ﵊ فَهُوَ أشرف خلق الله رجلا وملكا وَكَانَ أشرف الْمَلَائِكَة خَادِمًا لَهُ وَصَاحب ركابه عِنْد الْإِسْرَاء وَبَيت أَبى الطّيب مَنْقُول من قَول على بن الجهم
(فَسارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فى كلّ بَلْدَةٍ وَهبَّ هُبوبَ الرّيحِ فى البَلَدِ القَفْرِ)
[ ٢ / ٣٧٤ ]
- الْمَعْنى يَقُول للممدوح عدل الله فِيهِ بينى وَبَيْنك فَقضى لى بالإبداع فى نظمه وَقضى لَك بِمَا يختلج فِيهِ من الْمَدْح وَالْمجد لَك فَالله تَعَالَى قد عدل بَيْننَا حِين حكم بِلَفْظ وَحسنه لى وبالحمد لَك دَائِما
٣ - الْمَعْنى يَقُول إِذا سَمعه حَاسِد من شَاعِر يحسدنى هلك // بِحسن لَفظه // لعَجزه عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ فَذَلِك الْحَاسِد يصير مِمَّن كَانَ حَيا فَأَهْلَكَهُ الْحَسَد وَإِذا مر بأذنى ملك حَاسِد لَك وَسمع حسن مناقبك وفضائلك هلك حسدا لِأَنَّهُ لَا يقوم لَهُ أمل فى أَن يبلغ مَا بلغته من المدائح والفضائل فَحِينَئِذٍ يهلكه الْحَسَد وَقَوله ﴿عدل الرَّحْمَن﴾ فى الْبَيْت الثانى ينظر فِيهِ إِلَى معنى قَول ابْن الرومى
(خُذْ مِنْ فَوَائِدِكَ الَّتِى أعْطَيْتَنِى فالدُّرُّ دُرُّكَ والنِّظامُ نِظامى)
[ ٢ / ٣٧٥ ]
- ١ - هَذِه الْقطعَة من الْبَسِيط والقافية من المتدارك الْغَرِيب الحبك جمع حبيكة وهى طرائق النُّجُوم الْمَعْنى يَقُول أَو مَا ترى مَا أرَاهُ من الْعَجَائِب ثمَّ شبه مَجْلِسه لعلو قدره وشرفه بالسماء إِلَّا أَنه غير ذى طرائق كطرائق السَّمَاء ثمَّ قَالَ الْبَيْت الثانى
٢ - الْغَرِيب الفرقدان نجمان نيران يوصفان بالأخوة وَلَو أمكنه أَن يَقُول والمصباح أَخُوهُ لقَالَ وَإِنَّمَا قَالَ صَاحبه فَأتى بالجناس وَإِن كَانَت الصُّحْبَة لَا يتَعَدَّى وصفهَا الْمَعْنى أَنه جعل ابْنه فرقدا والمصباح المضئ أَخَاهُ وَجعله بَدْرًا ومجلسه فلكا وَفِيه نظر إِلَى قَول على بن الجهم
(كأنَّهُ وَوُلاةُ الأَمْرِ تَتْبَعُهُ بَدْرُ السَّماءِ تَلِيهِ الأنْجُمُ الزُّهُرُ)
قَالَ ابْن وَكِيع هَذَا التَّشْبِيه من قَول أَبى نواس
(مَضَى أيلولُ وَارْتَفَعَ الْحُرُورُ وأذْكَتْ نارها الشِّعْرَى العَبُورُ)
(فَقُوما فانْكِحا خمرًا خَمْرًا بِمَاءٍ فإنَّ نِتاجَ بَيْنِهِما السُّرُورُ)
(نِتاجٌ لَا تَدِرُّ عَلَيْهِ أُمٌّ بِحَمْلٍ لَا تُعَدُّ لَهُ الشُّهُورُ)
(إذَا الْكاساتُ كَرَّتْها عَلَيْنا تَكَوَّنَ بَيْنَها فَلَكٌ يَدُورُ
(تَسِيرُ نُجُومُهُ عَجَلًا وَرَيْثا مُشَرِّقَةً وأحْيانا تَغُورُ)
(إِذا لَمْ يجْرِهِنَّ القُطْبُ مِتْنا وفِى دَوْرَاتِهِنَّ لَنا نُشُورُ)
[ ٢ / ٣٧٦ ]
- ١ - الْغَرِيب المغانى جمع مغنى وَهُوَ الْمنزل الذى كَانَ بِهِ أَهله الْمَعْنى يَقُول يَا ربع بَكَيْت فى مغانيك حَتَّى فنيت وفنى دمعى وَقَوله بى أى بنفسى بَكَيْت حَتَّى أذهبتها فَلَو كنت مِمَّن يعقل لساعدتنى على الْبكاء فقد بَكَيْت حَتَّى فى دمعى أسفا عَلَيْك وتذكرا لأهْلك وَمَا أحسن قَول ابْن الرومى
(فَلَوْ طاوَعَتْنِى إذْ بكَيْتُ دُثُورَها بَكَيْتُ نُحُولى بالدُّمُوعِ الهَوَاطِلِ)
٢ - الْغَرِيب عَم صباحا كلمة تَحِيَّة من نعم ينعم بِالْكَسْرِ كَمَا تَقول كل من أكل ياكل فَحذف مِنْهُ الْألف وَالنُّون اسْتِخْفَافًا قَالَ عنترة
(وعِمِى صَباحا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِى )
الْمَعْنى يُخَاطب الرّبع على مَا جرت بِهِ عَادَة الْعَرَب فى مُخَاطبَة الأطلال والربوع بعد ارتحال أَهلهَا عَنْهَا وَهُوَ على سَبِيل الدُّعَاء أى أنعم صباحا لقد هيجت أحزانى حِين نظرت إِلَيْك تذكرا لما سلف لى فِيك من وصل الْأَحِبَّة وَنحن مُسلمُونَ عَلَيْك فاردد علينا وَهَذَا مِمَّا يدل على كَثْرَة الوله لفقد الْأَحِبَّة لِأَن الجمادات لَا تقدر على الْكَلَام فَكَأَنَّهُ من ولهه على الْأَحِبَّة لم يدر مَا يَقُول
٣ - الْغَرِيب الريم الظبى الْخَالِص الْبيَاض وَجمعه آرام والفلا جمع فلاة وهى الأَرْض الواسعة الْبَعِيدَة الْمَعْنى يَقُول بأى حكم من أَحْكَام الزَّمَان جرى عَلَيْك فتبدلت الظباء بِمن كَانَ فِيك من النِّسَاء وَالْمعْنَى تبدلت ظباء الْإِنْس بظباء الْوَحْش وَمثله لحبيب
(وَظِباءُ إنْسِكَ لم تُبَدَّلْ بَعْدَها بِظِباءِ وَحْشِكَ ظاعِنا بِمُقِيمِ)
٤ - الْغَرِيب الشموس هُنَا الجوارى وانبعثن ذهبن وجئن وتحركن وانبعثن الثَّانِيَة أسلن بعثته فانبعث والمسفوك المصبوب الْمَعْنى يَقُول أَنا أَتَذكر أَيَّام فِيك شموس وَالْعَامِل فى أَيَّام فعل مُقَدّر أى أَتَذكر أَيَّام فِيك شموس مَا ذهبن وَجبن إِلَّا أَجْرَيْنِ بألحاظهن دِمَاء عشاقهن وَفِيه إِشَارَة إِلَى قَول أَشْجَع
(فإذَا نَظَرْتَ إِلَى مَحَاسِنِها فلِكُلّ مَوْضِع نَظْرَة قَتْلُ)
وَمثله لأى نواس
(يَا ناظِرًا مَا أقْلَعَتْ لَحَظاتُهُ حَتَّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلُ)
وَمَا أحسن مَا أَخذه بَعضهم فَقَالَ
(وَجُفُون لَكَ لَا تَطْرِفُ إلاَّ عَنْ قَتِيلِ )
(مَا جَمِيلُ الصَّبْرِ عَنْها عِنْدَ مِثْلى بِجَمِيلِ)
[ ٢ / ٣٧٧ ]
- الْمَعْنى يَقُول كَانَ الْعَيْش فِيك طيبا وأطلالك مشرقة بِمن كَانَ فِيك من الْأَحِبَّة قبل ارتحالهم // وَهَذَا من أحسن المخالص //
٦ - الْغَرِيب الركب جمع رَاكب والركاب الْإِبِل وَلم يؤموك لم يقصدوك الْمَعْنى يَقُول نجا وتخلص من مكاره الزَّمَان من كنت حَاجته وقصده وخاب من لم يقصدك
٧ - الْمَعْنى يَقُول أَحييت لَهُم الشّعْر بِمَا أريتهم من دقائق الْكَرم وعلمتهم من غوامض الْمعَانى حَتَّى استغنوا عَن استخراجها بالفكر فسهل عَلَيْهِم الشّعْر حَتَّى صَار كَأَنَّهُ حَتَّى بعد أَن كَانَ مَيتا ثمَّ مدحوا الْمُلُوك بِمَا فِيك من خِصَال الْمجد ومعانى الشّرف وهى لَك إِلَّا أَنهم انتحلوها لغيرك وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(مَدَحَ الأَوَّلُونَ قَوْما بِأَخْلا قِكَ مِنْ قَبْلِ أنْ تُرَى مَخْلُوقا)
(نَحَلُوهُمْ ذَخَائرا لَكَ بِالْيَا طِلِ مِنْ قَوْلهم وَكانَ زَهُوقا)
(فانْتَزَعُنا الْحُقُوقَ مِنْ غاصِبِيها فَحَبا صَادِقٌ بِها مَصْدُوقا)
٨ - الْمَعْنى علمُوا النَّاس مِنْك المكارم لما مدحوهم بمعانيك وَمَا فِيك من الشّرف والفضائل وَهَذَا من قَول ابْن أَبى فنن
(يُعَلِّمُنا الْفَتْحُ المَدِيحَ بِجُودِهِ ويْحْسِنُ حَتَّى يُحْسِنُ القوْلَ قائِلُهْ)
وَمثله لأبى الْعَتَاهِيَة
(شِيَمٌ فَتَّحَتْ مِنَ المَدْحِ مَا قدْ كانَ مُسْتَغْلِقا على المُدَّاحِ)
وَقد قَالَ أَبُو تَمام
(وَلَوْلا خِلالٌ سَنَّها الشِّعْرُ مَا دَرَى بُناهُ العُلا مِن أينَ تُؤْتَى المَكارِمُ)
[ ٢ / ٣٧٨ ]
- الْمَعْنى قَالَ كن على الْحَالة الَّتِى أَنْت عَلَيْهَا أَو كَمَا شِئْت يُرِيد أَنه لَا يكون إِلَّا على طَريقَة الْمجد وَالْكَرم
١٠ - الْمَعْنى يَقُول لعظم قدرك فى نواحى الدُّنْيَا وشرفك عِنْد النَّاس خيل لى أَنى بمدحتى لَك أهجوك حَيْثُ لم يكن على قدر استحقاقك وَهُوَ من قَول البحترى
(جَلَّ عَن مَذْهَبِ المَديحِ فقَدْكا دَ يَكُونُ لى المَدِيحُ فِيكَ هِجاءُ)
١١ - الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ السَّائِل وَالطَّرِيق أهل نجد تذكره وَأهل الْحجاز تؤنثه الْمَعْنى يَقُول شكر السَّائِلين لعطائك دلنى عَلَيْك فَوجدت طَرِيق الْعرف إِلَيْك مسلوكا فسلكته إِلَى جودك ويروى إِلَى نداك وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ وَجِداّ فَمَا أحَدٌ أرَادَكَ فاسْتَدَلاَّ)
وَمثله لأشجع
(لقدْ قَوَّمَ الرُّكْبانُ مِن كُلّ وِجْهَة إلَيْكَ اتِّصَالَ الرَّكبِ يتْبعُهُ الرَّكْبُ)
١٢ - الْإِعْرَاب من مواليك هى مزادة فى الْوَاجِب وَالْمعْنَى كل مواليك كَقَوْلِه من
(من جبالٍ فِيهَا من بَرَد )
الْمَعْنى يَقُول شرفك كَفاك بأنك من هَذِه الْقَبِيلَة يُرِيد فى مَوضِع شرِيف وَإِن فخرت بِهَذَا الشّرف فَكل بنى قحطان مواليك
[ ٢ / ٣٧٩ ]
- الْغَرِيب الشانئ الْمُبْغض وَمِنْه
(إنّ شانئك هُوَ الأبتر ك )
الْمَعْنى يَقُول لَو نقصت كَمَا قد زِدْت فى أفعالك على النَّاس لرآنى النَّاس دنيا دَاخِلا فى الذل والقلة مثل عَدوك الذى يبغضك وَهَذَا من قَول أَبى عُيَيْنَة
(لَوْ كَما تَنْقُصُ تَزْدَا دُ إذَنْ نِلْتَ السَّماءَ)
وَقَول الآخر
(لَوْ كَما تَنْقُصُ تَزْدَا دُ إذَنْ كُنْتَ الخليفَهْ)
ولأبى تَمام
(أما لَوَآنَّ جَهْلَكَ كانَ عِلْما إذَنْ لَنَفَذْتَ فى عِلْمِ الغُيُوبِ)
١٤ - الْغَرِيب لبّى من الإلباب وهى الْمُلَازمَة وألب بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ فِيهِ وَلَزِمَه وَقَالَ الْخَلِيل لب بِالْمَكَانِ وهى لُغَة حَكَاهَا أَبُو عُبَيْدَة عَنهُ وَمِنْه قَوْلهم لبيْك أى مُقيم على طَاعَتك وثنى على معنى التَّأْكِيد أى إلبابا بعد إلباب وَإِقَامَة بعد إِقَامَة وَقَالَ الْخَلِيل هُوَ من قَوْلهم دَار فلَان تلب دارى أى تحاذيها أى أَنا مواجهك بِمَا تحب إِجَابَة لَك وَالْيَاء للتثنية وَقَالَ يُونُس بن حبيب الضبى لَيْسَ هَذَا بمثنى إِنَّمَا هُوَ مثل عَلَيْك وَإِلَيْك ولديك وأصل التَّلْبِيَة الْإِقَامَة بِالْمَكَانِ يُقَال ألببت بِالْمَكَانِ ولببت ثمَّ قلبوا الْيَاء الثَّانِيَة إِلَى الْيَاء استثقالا كَمَا قَالُوا تظنيت وَأَصلهَا تظننت وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ مثنى وَأنْشد للأسدى
(دَعَوْتُ لِمَا نابَنِى مِسْوَرًا فَلَبَّىْ فَلَبَّى يَدَىْ مِسْوَرِ)
قَالَ وَلَو كَانَ بمنزله على لقَالَ
(فلبى يدى مسور )
وَقَالَ قوم أَرَادوا بقَوْلهمْ لبيْك إلبابين أى إِجَابَة بعد إِجَابَة فثقل عَلَيْهِم فرخم ليَكُون أخف وحذفوا النُّون لما أضافوها إِلَى الْكَاف الْمَعْنى يَقُول دعانى جودك فأسمعنى فَأَنا أُجِيبهُ بقولى لبيْك ثمَّ دَعَا لَهُ فَقَالَ يفديك من رجل صحبى وَأَنا أفديك من بَين الرِّجَال فَمن هَهُنَا تَفْسِير أَو تَخْصِيص هَذَا قَول الواحدى
١٥ - الْغَرِيب الأيادى النعم وَاحِدهَا يَد وَتجمع على أياد والجارحة تجمع على أيدى الْمَعْنى يَقُول كثرت عندى أياديك لاتباعها نعْمَة بعد نعْمَة فَظَنَنْت أَن حياتى من جملَة أياديك الَّتِى لَك عندى وَهَذَا ينظر إِلَى قَول الآخر
(لَا تَنْتِفَنِّى بَعْدَ مَا رِشْتَنِى فإنَّنِى بَعْضُ أيادِيكا)
[ ٢ / ٣٨٠ ]
- ١٦ - الْغَرِيب هَا مَعْنَاهُ خُذ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هاؤم اقْرَءُوا كِتَابيه﴾ وسخا يسخو وسخا يسخى وروى لَا يشحو بالشين والحاء شحا فَمه يشحوه لَازم ومتعد وَمَعْنَاهُ يفتح الْمَعْنى يَقُول أَنْت عادتك أَن تَقول خُذ وهى الْمَعْرُوفَة مِنْك وَلَا تَقول لَا فَإِنَّهَا كلمة لَا يسمح بهَا نطقك أى لَا ينفتح بهَا فمك وَلَا تقدر على النُّطْق بهَا وَهَذَا مثله كثير للشعراء قَالَ الفرزدق
(مَا قالَ لَا قَطُّ إلاَّ فِى تَشَهُّدِهِ لَوْلا التَّشَهُّدُ كانتْ لاءَهُ نَعَمُ)
ولأبى الْعَتَاهِيَة
(وَإنَّ الخَلِيقَةَ مِنْ بُغْضِ لَا إلَيْهِ لَيْبْغِضُ مَنْ قالَهَا)
وَقَالَ أَبُو نواس
(أتَرَى لَا حَرَاما وَتَرَى هَا حَلالا)
وَقَالَ العكوك فى أَبى دلف
(مَا خَطَّ لَا كاتباهُ فى صَحِيفَتِهِ كمَا تُخَطَّطُ لَا فى سَائرِ الكُتُبِ)
وَحكى الواحدى قَالَ أهْدى العميرى إِلَى الصاحب كتبا وَكتب مَعهَا
(العُمَيْرِىُّ عبْدُ كافِى الْكُفاةِ وَإنِ اعْتُدَّ مِنْ وُجُوهِ الْقُضَاةِ)
(خَدَمَ المجْلِسَ الرَّفِيعَ بكُتْبٍ مُتْرَعاتٍ مِنْ حُسْنِها مُفْعَمَاتِ)
فَكتب إِلَيْهِ الصاحب
(قَدْ أَخَذْنا مِنَ الجَميعِ كِتابا وَرَدَدْنا لِوَقْتِها الْباقِياتِ)
(لَسْتُ أسْتَغْنمُ الكَثيرَ فَطَبْعِى قَوْلُ خُذْ لبس مذْهَبى قوْلُ هاتِ)
١ - هَذِه من الطَّوِيل والقافية من المتدارك الْغَرِيب صور بلد بساحل الْبَحْر من أَرض الشَّام الْمَعْنى يَقُول أنهنئ بصور فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام لما دلّت عَلَيْهِ أم وَقد ذكرنَا هَذَا فى مَوَاضِع من كتَابنَا يُرِيد أنهنيك بصور أم نهنئ صورا بك ثمَّ قَالَ قل لصَاحب صور وَهُوَ ابْن رائق الذى أَنْت فى الظَّاهِر لَهُ وَمن أَصْحَابه هُوَ لَك وَقد نَقله من قَول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم
(أُنَهنِّيكَ بطُوٍ أمْ نُهَنِّى بِكَ طُوسا)
(أصْبَحَتْ بَعْدَ طَلاقٍ بِكَ يَا فَضْلُ عَرُوسا)
وَفِيه نظر إِلَى قَول أَشْجَع
(إنَّ خُراسانَ وَقَدْ أصْبَحَتْ تَرْفَعُ مِن ذى الهِمَّةِ الشَّانا)
(لَمْ يَحْبُ هارُونُ بِها جَعْفَرًا لَكنَّهُ حابَى خُرَاسانا)
[ ٢ / ٣٨١ ]
- الْغَرِيب الْأُرْدُن مَوضِع بِالشَّام وَله نهر الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْولَايَة عَظِيمَة الشَّأْن وقدرها جلبل وَإِنَّمَا صغر قدرهَا بِالْإِضَافَة إِلَى قدرك
٣ - الْمَعْنى يَقُول إِن الْبِلَاد يحْسد بَعْضهَا بَعْضًا على ولايتك لَهَا فَلَو أَن لَهَا نفوسا لسار الشرق والغرب إِلَيْك حبا لَك وفخرا بك وَمثل هَذَا كثير قَالَ البحترى
(وَلَوَانَّ مُشْتاقا تكلَّفَ فوْقَ مَا فى وِسْعِهِ لَسَعَى إلَيْكَ المِنْبَرُ)
ولأبى تَمام يصف دِيمَة
(لوْ سَعَتْ بلْدَةٌ لإعْظامِ نُعْمَى لَسَعَى نَحْوَها المَحَلُّ الجَدِيبُ)
ولأبى نواس
(تَتَحاسَدُ الآفاقُ وَجْهَكَ بَيْنَها فَكأنَّهُنَّ بحَيْثُ كُنْتَ ضَرَائِرُ)
وَقَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الفرزدق فى زين العابدين على بن الْحُسَيْن بن على رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
(يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ رُكْنُ الحَطِيمِ إِذا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ)
٤ - الْمَعْنى لَو كَانَ للأمصار عقول لَكَانَ كل مصر لم تكن أَمِيرا فِيهِ باكيا متحسرا عَلَيْك
[ ٢ / ٣٨٢ ]
- ١ - الْإِعْرَاب من نكرَة مَوْصُوفَة وصفتها نادمت وَالتَّقْدِير لم تَرَ أحدا أَو إنْسَانا وَقَوله إلاكا // هُوَ جَائِز // فى ضَرُورَة الشّعْر كَقَوْل الآخر
(فَمَا نُبالِى إذَا مَا كُنْتِ جارَتَنا ألاَّ يُجاوِرنَا إلاَّكِ دَيَّارُ)
وَالْوَجْه أَن يُقَال إِلَّا إياك لِأَن إِلَّا لَيْسَ لَهَا قُوَّة الْفِعْل وَلَا هى عاملة الْمَعْنى يَقُول لم تَرَ إنْسَانا نادمته غَيْرك وَلَيْسَ ذَلِك لشئ إِلَّا لمحبتك لى وَإِنَّمَا أَنا أنادمك لِأَنَّك تودنى لَا لِمَعْنى آخر
٢ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى قَوْله لحبيها للخمرة أى لحب الْخمْرَة وَقد كنى عَنْهَا وَإِن لم يجر لَهَا ذكر وَهُوَ كثير فى الْكَلَام الفصيح قَالَ الله تَعَالَى ﴿فوسطن بِهِ جمعا﴾ يُرِيد الوادى وَهُوَ غير مَذْكُور فى السُّورَة الْمَعْنى يَقُول لم أنادمك لحب الْخمر لَكِن لِأَنَّك مهيب مخوف فِيهِ الرَّجَاء وَالْخَوْف فالرجاء للأولياء وَالْخَوْف للأعداء
١٧٠
- ١ - الْمَعْنى يخاطبه وَيَقُول أَنْت ملك وندماؤك شركاؤك فى مَالك لَا فى ملكك لِأَن ملكك لَا يقدر أحد عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وَمَنْ كَثَرَتْ فى مالهِ شُرَكاؤُهُ غَدَا فى مَعالِيهِ قَلِيلَ المُشارِكِ)
[ ٢ / ٣٨٣ ]
- ٢ - الْمَعْنى أَنه جعل الْخمر دم الْكَرم اسْتِعَارَة وَجعل شربهَا سفكا أى كل يَوْم تتوب من توبتك من شرب الْخمر فالتوبة من التَّوْبَة ترك التَّوْبَة
٣ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن جنى كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول فنبئنا إِلَّا أَنه أبدل الْهمزَة يَاء ثمَّ حذفهَا وَقَالَ ابْن فورجة هَذَا تَصْحِيف من أَبى الْفَتْح وَإِنَّمَا هُوَ فنبئنا ثمَّ كتب بِالْألف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنسفعا بالناصية﴾ وَقَوله ﴿ليسجنن وليكونا﴾ الْمَعْنى يَقُول الصدْق هُوَ من عَادَة الْكَرم والمروءة فخبرنا أَو بَين لنا على الرِّوَايَتَيْنِ من أَيهمَا تتوب قيل قَالَ لَهُ بدر بل من تَركه
١٧٢
- ١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ عِنْده فى مجْلِس الشّرْب لَيْلًا وَأطَال فَقَالَ لَهُ بلغت بِنَا مَا أردْت من الْإِكْرَام وقضيت حق هَذَا الشريف وَكَانَ عِنْده رجل علوى فَقُمْ إِلَى مَنْزِلك وَإِذا لم تقم خفت أَن تجئ إِلَيْك الديار اشتياقا إِلَيْك ومحبة لَك
١ - الْمَعْنى يَقُول لَئِن أحسن فى وصف الْبركَة لقد ترك الْحسن فى وَصفه إياك لِأَنَّهُ لم يصفك وَلم يمدحك وَلم يذكر مناقبك وفضائلك لِأَنَّك بَحر وَإِن الْبحار لتأنف من وصف هَذِه البرك أى كَانَ وَصفه لَك أولى من وصف الْبركَة لِأَنَّك بَحر والبحار تستصغر البرك وَقيل إِن الشَّاعِر وصف أَبَا العشائر بِالْبركَةِ فَقَالَ المتنبى قد ترك الْحسن فى وصفك حِين شبهك بهَا وَأَنت بَحر وَالْبَحْر فَوق الْبركَة
[ ٢ / ٣٨٤ ]
- ٣ - الْمَعْنى يَقُول كسيفك أَنْت لِأَنَّك لَا تبقى مَا ملكت من مَال وسيفك لَا يبْقى مَا ظفر بِهِ وَلَا يدع أحدا حَيا وَقد ملكتهم السيوف إِذا لم يمتنعوا عَنْهَا قَالَ الْبَيْت بعده
٤ - الْمَعْنى يَقُول أَكثر من جرى مَاء الْبركَة عطاؤك وَبِذَلِك وَمَا سفك سَيْفك من الدِّمَاء أَكثر من مَاء الْبركَة ثمَّ يَقُول أَسَأْت إِلَى أعدائك وأحسنت إِلَى أوليائك عَن قدرَة عَلَيْهَا وعممت النَّاس بِالْخَيرِ وَالشَّر عُمُوم الْفلك إيَّاهُم بالنحس والسعد قَالَ أَبُو الْفَتْح ذهب قوم من أهل اللُّغَة إِلَى أَن اشتقاق الْبركَة من الْبركَة لِأَنَّهَا لَا تتَّخذ إِلَّا فى أَرض ذَات نفع وَقيل لِأَن الْإِبِل تبرك حولهَا واشتقاق السَّيْف من السوف وَهُوَ الْهَلَاك وأساف الرجل إِذا ذهب مَاله فكأنهم ذَهَبُوا إِلَى أَن أصل السَّيْف سَوف وَهُوَ من ذَوَات الْوَاو
١ - الْإِعْرَاب الْفِدَاء إِذا كسر أَوله يمد يمد وَيقصر وَإِذا فتح فَهُوَ مَقْصُور كَقَوْلِهِم فدى لَك أَبى وَمن الْعَرَب من يكسر فدى بِالتَّنْوِينِ إِذا جاور لَام الْجَرّ خَاصَّة فَيَقُولُونَ فدى لَك لِأَنَّهُ نكرَة يُرِيدُونَ بِهِ معنى الدُّعَاء وَأنْشد الأصمعى للنابغة
(مَهْلًا فِداءٌ لكَ الأقْوِامُ كُلُّهُمُ وَمَا أُنَمِّرُ مِنْ مالٍ وَمِنْ وَلَدِ)
الْغَرِيب يُقَال فدَاه وفاداه إِذا أعْطى فداءه وأنقذه وفداه يفْدِيه إِذا قَالَ لَهُ جعلت فدَاك وتفادوا أى فدى بَعضهم بَعْضًا الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن أجيبت هَذِه الدعْوَة فدَاك كل الْمُلُوك لأَنهم يقصرون عَن مداك وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا يُرِيد الدُّعَاء أى يفديك من يقصر عَن مداك وَلَا معنى لقَوْله إِن أجيبت وَلَيْسَ فى الْبَيْت وَأخذ هَذَا الْمَعْنى الصابى بقوله
(أيُّهَذَا الوَزِيرُ لَا زَالَ يَفْدِيكَ مِنَ النَّاسِ كلُّ مِن هُوَ دونَكْ)
(وَإِذا كانَ ذَاكَ أوْجَبَ قَوْلِى أنْ يَكونُوا بأسْرِهِمْ يَفْدُونَكْ)
[ ٢ / ٣٨٥ ]
- الْغَرِيب قلى أبْغض وَمِنْه قلى وقلاء قَالَ اللهبى
(كُلٌّ لَه نِيَّةٌ فِى بُغْضِ صَاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللهِ نَقْلُوكُمْ وَتَقْلُونا)
الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول لَو قُلْنَا فدى لَك من يساويك وتساويه دَعونَا بِالْبَقَاءِ لأعدائك لأَنهم كلهم دُونك وَلَا يساوونك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح المُرَاد أَن الْخلق كلهم فدَاء الممدوح لأَنهم يقصرون عَن مداه فَإِذا قُلْنَا فدَاك من يساويك مِنْهُم دون غَيرهم لَكَانَ هَذَا دُعَاء لمن يبغضك من الْمُلُوك بِالْبَقَاءِ لأَنهم لَا يساوونك فى الْملك بل يقصرون عَنْك وَالْمعْنَى لَو قُلْنَا يفديك من يساويك ويوازيك ويماثلك لَكنا قد أحلنا فى فدائك على مَعْدُوم لَا يُوجد وأشرنا إِلَى مَفْقُود لَا يعْهَد ولدعونا بِالْبَقَاءِ لمن يبغضك
٣ - الْإِعْرَاب وآمنا هُوَ عطف على قَوْله ﴿دَعونَا بِالْبَقَاءِ﴾ الْغَرِيب المملكة الْملك وملاك الشئ قوامه الْمَعْنى يَقُول هَذِه النُّفُوس وَإِن كَانَت قواما للْملك فهى مَعَ هَذَا تقصر عَنْك فقد أمنت أَن تفديك وَالْمعْنَى قد أمنت نفوس الْخَلَائق أَجْمَعِينَ وملوكهم المترفين وَإِن كَانَ فى تِلْكَ النُّفُوس من هُوَ ملاك مملكة وَمن ينْفَرد بعلو منزلَة فهم عِنْد إضافتهم إِلَيْك كالعوام الَّذين لَا يحصل بهم نفع والسوام الَّذين لاحظ لَهُم فى الْملك
٤ - الْإِعْرَاب وَمن عطف على قَوْله كل نفس ويظن أَصله يظتنن فقلبت التَّاء طاء لتوافقهما بالإطباق والجهر وأبدلت الطَّاء ظاء لتدغم فى الَّتِى بعْدهَا فَصَارَ يظتنن وأدغمت النُّون فى النُّون أَو أَصله يتظنن وَهُوَ تفعل من الظَّن الْغَرِيب الشباك جمع شبكة وهى الَّتِى يصاد بهَا الطير وَغَيره الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك يجودون بِطَلَب الْعِوَض كَمَا نثر الصَّائِد حبا تَحت الشبكة وَلَا يعد ذَلِك جودا لِأَنَّهُ إِنَّمَا نثر لأخذ الصَّيْد الذى هُوَ خير من الْحبّ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
- الْإِعْرَاب من بلغ عطف على الأول الْغَرِيب السكاك الْهَوَاء والجو وروى وَمن بلغ الحضيض وَهُوَ قَرَار الأَرْض الْمَعْنى وآمنا أَن يفديك من الْمُلُوك من بلغ الحضيض بهم قصر أفهامهم وَتَأَخر إدراكهم وَإِن كَانَت أَحْوَالهم قد بلغت بهم الرّفْعَة والعلو والتمكن إِلَّا أَنهم دُونك
٦ - الْغَرِيب الصّديق يَقع على الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع والتثنية بِلَفْظ وَاحِد وَلَو أمكنه أَن يَقُول عدوا لَكَانَ أحسن فى الصَّنْعَة وَلكنه لأجل القافية وعداك جمع عَدو الْمَعْنى يَقُول فَلَو كَانَت قُلُوبهم تعتقد مودتك وضمائرهم تخلص طَاعَتك لعاودوك بكرم خلائقك ولأسخطوك بمذموم مذاهبهم
٧ - الْغَرِيب الْحسب المَال والنحيف المهزول وَالْمَرْأَة الضناك الممتلئة بِاللَّحْمِ أخذا من الضنك وَهُوَ الضّيق وَذَلِكَ لضيق جلدهَا لِكَثْرَة اللَّحْم واستعار ذَلِك للدنيا الْمَعْنى يَقُول للممدوح أَنْت تبغض من كَانَت دُنْيَاهُ وَاسِعَة كثير المَال وَالْولَايَة ونواله ضَعِيف مهزول فَهُوَ يتشبه بِأَهْل الشّرف وَيقْعد بِهِ عَنهُ لؤم السّلف فَأَنت مبغض كل بخيل لَا يحب الشّرف والمفاخر وَقد نَقله من قَول عبد الصَّمد
(سَلِيلُ خِلافَةٍ وَغَذِىُّ مُلْكٍ جَسِيمُ مَحَامِدٍ مَنْهُوكُ مالِ)
٨ - الْمَعْنى يَقُول أروح عَنْك وَقد ختمت على قلبى بحبك واستخلصته بِمَا ترادف على من برك فَلم يدع حبك فِيهِ لغيرك مَكَانا ينزله وَلَا افضلت مِنْهُ لسواك نَصِيبا يتَنَاوَلهُ وَقد نَقله من قَول ابْن المعتز
(لَا أُشْرِكُ النَّاسَ فِى مَحَبَّتِهِ قَلْبِى عَنِ العَالِمينَ قَدْ خُتِما)
[ ٢ / ٣٨٧ ]
- الْغَرِيب الحراك اسْم يقوم مقَام الْمصدر تَقول حرك يُحَرك تحريكا وحراكا ثمَّ إِنَّه اسْتعْمل بِمَعْنى الْحَرَكَة الْمَعْنى يَقُول قد حملتنى من شكرك مَا هُوَ طَوِيل لَا يتناهى ذكره وثقيل لَا يستخف حمله لَا أُطِيق بِهِ حراكا لكثرته وَلَا يمكننى التحرك بِهِ استنقالا لجملته وَمثله لأبى نواس
(قَدْ قُلْتُ للعَبَّاسٍ مُعْتَذِرًا مِنْ ضَعْفِ شُكْرِيهِ وَمُعْتَرِفا)
(لَا تُسْدِيَنَّ إلىَّ عارِفَةً حتَّى أقومَ بشُكْرِ مَا سَلَفا)
١٠ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى قَوْله يشق وفى قَوْله يمشى يعود على الشُّكْر الثقيل الْغَرِيب السِّوَاك مَشى ضَعِيف من مَشى الْإِبِل المهازيل الضِّعَاف قَالَ عُبَيْدَة ابْن هِلَال اليشكرى
(إِلَى الله نَشْكُو مَا نَرَى مِنْ جِيادِنا تَساوَكُ هَزْلَى مُخُّهُنَّ قَلِيلُ)
الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا نحاذر على المطايا أَن يشق عَلَيْهَا ثقله فَلَا تنهض بِنَا إِلَّا مشيا ضَعِيفا
١١ - الْغَرِيب الذرى الكنف والناحية الْمَعْنى يَقُول أَرْجُو من الله أَن يَجْعَل هَذَا الرحيل سَببا للإقامة عنْدك فإنى أصلح أمورى وأعود إِلَيْك مُقيما فى خدمتك بأهلى وجماعتى فَيكون هَذَا رحيلا جالبا مقامى فى ناحيتك وَهُوَ من قَول الطائى
(أآلِفَةَ النَّجِيبِ كَمِ افْتِرَاقٍ أَظَلَّ فَكانَ دَاعِيَةَ اجْتِماعِ)
(وَلَيْسَتْ فَرْحَةُ الأَوْباتِ إلاَّ لِمَوْقُوفٍ عَلى تَرَحِ الوّداعِ)
ولعمرة بن الْوُرُود
(تَقُولُ سُلَيْمَى لوْ أقَمْتَ بأرْضِنا وَلمْ تَدْرِ أنّى للمُقامِ أُطَوّفُ)
١٢ - الْمَعْنى يَقُول لَو أَنى اسْتَطَعْت خفض طرفى لما أعتقده من عَاجل الأوبة وأقصده من سرعَة الرّجْعَة خفضت طرفى فَلم أبْصر بِهِ حَتَّى أقدم على حضرتك الْكَرِيمَة وأكحل جفونى بِالنّظرِ إِلَى غرتك الوسيمة وَقد نَقله من قَول أَبى النَّجْم
(لَمَّا تَيَقَّنْتُ أنّى لَا أُعايِنُكُمْ غَضَضْتُ طَرْفِى فَلَمْ أُبْصِرْبهِ أحدا)
وَمن قَول مُسلم
(إنْ يَحْجُبُوها عَنِ الْعُيُونِ فَقَدْ حَجَبْتُ طَرْفِى لَهَا عَنِ الْبَشَرِ)
[ ٢ / ٣٨٨ ]
- الْمَعْنى يَقُول كَيفَ الصَّبْر عَنْك والتجلد على الِانْفِصَال مِنْك وَقد كفانى مَا غمرنى من برك وأحاط بى من إنعامك وفضلك وَمَا كَفاك ذَلِك وَلَا أقنعك وَلَا أرضاك حَتَّى أعطيتنى أَكثر مِمَّا كنت أَتَمَنَّى فَإِذا كَانَ الْحَال هَذِه فَكيف أَصْبِر عَنْك ولكنى أجتهد فى الْإِسْرَاع إِلَيْك وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى
(وَلمْ أَمْلَ إلاَّ مِنْ مَوَدَّتِهِ يَدِى وَلا قُلتُ إلاَّ مِنْ مَواهِبهِ حَسْبى)
١٤ - الْإِعْرَاب أتتركنى هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار وَهُوَ مقلوب وَالْأَصْل أنتركك وَلكنه قلب الْكَلَام وَمثله كثير لِأَن من تركته فقد تَركك وَنصب فتقطع لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بحصولى عنْدك وقصدى لَك شرفت عِنْد النَّاس فَإِذا بَعدت عَنْك زَالَ مَا كسوتنيه من الشّرف والرفعة فصرت بِمَنْزِلَة من كَانَت نَعله عين الشَّمْس فَمشى فِيهَا فَانْقَطع شراكها فَسَقَطت من رجله وَالْمعْنَى أَنا شرِيف مُعظم عنْدك فَإِذا رحلت عَنْك إِلَى غَيْرك زَالَ ذَلِك الشّرف عَنى وَسَقَطت من أعين النَّاس
١٥ - الْغَرِيب الابتراك السُّقُوط على الركب وَأَرَادَ بِهِ هَا هُنَا سرعَة السّير الْمَعْنى يَقُول أَنا شَدِيد الأسف وَلم أسر بعد فَكيف إِذا أَسْرَعنَا فى السّير وَهُوَ من قَول أَشْجَع
(فَها أنْتَ تَبْكى وَهُمْ جِيرَةٌ فكَيْفَ تَكُونُ إذَا وَدَّعُوا)
(لَقَدْ صَنَعُوا بِكَ مَا لَا يَحِلْ وَلَوْ رَاقَبوا اللهَ لَمْ يَصْنَعُوا)
(أتَطْمَعُ فِى العَيْشِ بعْدَ الفِرَاقْ مُحَالٌ لعَمْرُكَ مَا تَطْمَعُ)
وَمثله لآخر
(لقَدْ كُنْت أبْكى خِيفَةً لفِرَاقِهِ فكَيْفَ إذَا بانَ الحَبِيبُ فَوَدَّعا)
وَمثله لسحيم
(أشَوْقا وَلَّما يَمْضِ لى غَيْرُ لَيْلَةٍ فكَيْفَ إِذا جَدَّ المَطِىُّ بِنا شَهْرَا)
[ ٢ / ٣٨٩ ]
- الْغَرِيب يُقَال حاك السَّيْف وأحاك لُغَتَانِ وَهُوَ الْقطع والأثر والبين الْبعد والفراق الْمَعْنى يَقُول الشوق على مثل السَّيْف يعْمل عمله وَهُوَ صارم لم أضْرب بِهِ وَقد قطع وَلَا باشرته وَقد آلم وأوجع
١٧ - الْغَرِيب أعرض الشئ بدا وَظهر الْمَعْنى يَقُول إِذا ظهر التوديع قَالَ لى قلبى اسْكُتْ لَا تَتَكَلَّم بالوداع قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى لَا تمدح غَيره وَالْمعْنَى لَا صاجبت فَاك أى لَا نطقت وَهَذَا من الْأَلْفَاظ الَّتِى يتطير مِنْهَا
١٨ - الْغَرِيب مناك جمع منية وَهُوَ مَا يتمناه الْإِنْسَان والمعاودة الْعود إِلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أَن قلبى أَكثر مَا يتَمَنَّى وَيطْلب خدمَة الممدوح لَقلت لَهُ لَا بلغت مناك وَقَالَ الواحدى لَا بلغت مناك فى الارتحال حَتَّى لَا أفارقه وَلكنه يتَمَنَّى الارتحال للعود إِلَيْهِ
١٩ - الْغَرِيب الِاسْتِشْفَاء التعالج من الدَّاء والشفاء الْبُرْء من السقم الْمَعْنى يَقُول لِقَلْبِهِ أضمرت من الشوق شوقا إِلَى أهلك فَكَانَ ذَلِك داءك وتداويت مِنْهُ بِأَن فَارَقت أَبَا شُجَاع ومفارقته دَاء أعظم من دَاء شوقك إِلَى أهلك فَكَأَنَّمَا تداويت من فِرَاقه بِمَا هُوَ أقتل من مكابدتك الشوق إِلَى أهلك وَقد نَقله من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم إِذا كَانَ سقم النَّفس بِالْجَهْلِ كَانَ شفاؤها بِالْمَوْتِ وَهَذَا أَيْضا مَنْقُول من قَول حميد بن ثَوْر الهلالى
(أرَى بَصَرِى قَدْ رَابَنِى بَعْدَ صحَّةٍ وَحَسْبُكَ دَاء أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما)
وَقَالَ الحصنى
(أفْضَى بِكَ الهَجْرُ إِلَى آلِنا فَجِئْتَ مِنْ دَاءٍ إِلَى داءِ)
[ ٢ / ٣٩٠ ]
- الْغَرِيب النَّجْوَى مَا يستر من الْكَلَام والعراك المحاككة ١ والمزاحمة الْمَعْنى يَقُول لعضد الدولة مُخَاطبا أَنا أستر مِنْك مَا يجرى بينى وَبَين الْقلب من الْمُنَاجَاة وأخفى عَنْك هموم فراقك الَّتِى قد أطلت بمزاحمتها ومغالبتها
٢١ - الْغَرِيب الركاك الضِّعَاف وَهُوَ جمع رَكِيك كضعيف الْمَعْنى يَقُول إِذا عاصيت الهموم فى فِرَاق الممدوح اشتدت على فَإِن طاوعتها فى الارتحال سهلت ولانت وفاضت وَإِن عاصيتها فى الْإِقَامَة عنْدك اشتدت على وَمثل هَذَا قَول أَبى الْعَتَاهِيَة
(كَمْ أُمثورٍ عاصَيْتُهُنَّ زَمانا ثُمَّ هَوَّنْتُها عَلىَّ فَهانَتْ)
٢٢ - الْغَرِيب الثوية مَكَان بِالْكُوفَةِ قَرِيبا مِنْهَا على ثَلَاثَة أَمْيَال الْمَعْنى يَقُول كم دونهَا من إِنْسَان حَزِين لفراقى فَإِذا قدمت فَرح بقدومى فَيَقُول لَهُ الْقدوم هَذَا السرُور بالغم الذى كنت لَقيته بالبعد وَهَذَا كَقَوْل الطائى
(وَلَيْسَتْ فَرْحَةُ الأَوْباتِ إلاَّ لِمَوْقوفٍ عَلى تَرَحِ الوَداعِ)
وَقَالَ ابْن الرومى يُخَاطب أمه وَقد أَرَادَ سفرا
(فقُلْتُ لَهَا إنَّ اكْتِئابا بِشاخِصٍ سَيُتْبِعُهُ اللهُ ابْتِهاجا بِقادِمِ)
٢٣ - الْإِعْرَاب وَمن عذب عطف على قَوْله من حَزِين أى وَكم من عذب الرضاب الْغَرِيب الرضاب مَاء الْأَسْنَان وتروك اسْم نَاقَة قد أَعْطَاهَا لَهُ عضدا لدولة والوراك جلد يَتَّخِذهُ الرَّاكِب تَحت وركه كالمخدة الَّتِى يثنى عَلَيْهَا الرَّاكِب رجله إِذا تَعب ليستريح وهى قُدَّام وَاسِطَة الرجل وَالْجمع ورك قَالَ زُهَيْر
(مُقَوَّرَةٌ تَتَبارَى لَا شَوَارَ لَهَا إلاَّ القُطُوعُ على الأَجْوَازِ والوُرُكُ)
الْمَعْنى يَقُول كم هُنَاكَ من شخص عذب الرضاب إِذا أنخت إِلَيْهِ ناقتى قبل رَحلهَا ووراكها إعجابا بهَا يفديها بِنَفسِهِ إِكْرَاما لَهَا إِذا أدنتنى إِلَيْهِ
٢٤ - الْغَرِيب صاك الشئ بالشئ لصق بِهِ وَمِنْه قَول الْأَعْشَى
(وَمِثْلُكِ مُعْجَبَةٌ بالشَّبابِ وَصَاكَ العَبِيرُ بأجْلادِها)
الْمَعْنى يَقُول من وصف عذب الرضاب أَنه يحرم الطّيب لأجل مفارقتى لَهُ وَلَا يتصنع بشئ من الزِّينَة بعدى فيتلقانى وَقد برت أليته وكملت أمْنِيته بقدومى وفاح الطّيب من أردانه وعبق وصاك العبير فى أثوابه ولصق
[ ٢ / ٣٩١ ]
- الْغَرِيب البشام والأراك ضَرْبَان من الشّجر يستاك بفروعهما قَالَ جرير
(أتَنْسَى إذْ تُوَدِّعُنا سُلَيْمَى بِفَرْعِ بِشَامَةٍ سُقِىَ البَشامُ)
الْمَعْنى يَقُول لَا يصل إِلَى ثغرها عاشق لصونها وعفتها وَلَكِن تمنحه أى تعطيه وتبذل لَهُ هذَيْن الضربين من الشّجر الذى يستاك بِهِ
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول هَذَا المغرم بحب قدومى يرانى فى الْمَنَام فَأَنا أَتَمَنَّى أَن النّوم حَدثهُ بإحسانك إِلَى وإكرامك لى وبعطائك الجزيل عندى فَكَانَ فى ذَلِك أبلغ السلوة والسكون إِلَيْهِ أتم الْأنس إِذا علم أَنى عنْدك جليل الْقدر عَظِيم الْخطر
٢٧ - الْإِعْرَاب فَاعل أنضى مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ يعرقن وَالتَّقْدِير لَا يعرقن إِلَّا وَقد أنضى الإعراق لحومها وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾ فَرد الضَّمِير على الْجعل وَلم يذكرهُ لدلَالَة جعل عَلَيْهِ وَيجوز أَن يكون الْفَاعِل مُقَدرا أى وَقد أنضاها ثقل مَا عَلَيْهَا من عطايا الممدوح الْغَرِيب أعرق إِذا أَتَى الْعرَاق وأنجد إِذا أَتَى نجدا والكوفة بلد أَبى الطّيب أحد العراقين وأنضاها أذهب لَحمهَا وهزلها وَقَوله العذافرة النَّاقة الشَّدِيدَة وسمى الْأسد عذافرا لِشِدَّتِهِ وقوته اللكاك المكتنزة اللَّحْم الْمَعْنى يَقُول وأتمنى أَن يحدثه النّوم أَن البخت وهى الْجمال الخراسانية لَا تأتى الْعرَاق إِلَّا بعد هزالها من ثقل مَا عَلَيْهَا من الْأَمْتِعَة الَّتِى أعطَاهُ إِيَّاهَا عضد الدولة
٢٨ - الْغَرِيب التبشك والابتشاك الْكَذِب وأبشك القَوْل وحرفه واختلقه بِمَعْنى الْمَعْنى يَقُول مَا أرْضى أَن يحدثه النّوم بحلم فبتوهمه كذبا عِنْد الانتباه فلست أطلب ذَلِك وَلَا أرضاه
[ ٢ / ٣٩٢ ]
- الْإِعْرَاب وَلَا إِلَّا أَرَادَ وَلَا أرْضى إِلَّا فَحَذفهُ لدلَالَة الأول عَلَيْهِ وروى فليته لَا يتيمه على حذف إشباع الضَّمِير كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(مُسْتَعْسِرُ الظَّهْرِ يَنْبُو عَنْ وَلِيَّته مَا حَجَّ رَبَّهُ فى الدُّنْيا وَلا اعْتَمَرَا)
وكما أنْشد أَيْضا
(فَمَا لَهُ مِنْ مَجْدٍ تَلِيدٍ وَمالَهُ )
الْمَعْنى يَقُول لَا أرْضى إِلَّا أَن أورد عَلَيْهِ فيصغى إِلَى مَا أوردهُ عَنْك من حسن الذّكر وأحكى مَا أسديته إِلَى من جليل الْفضل فليته عِنْد ذَلِك لَا يتيمه هَوَاك إعجابا بك وَبِمَا جمعه الله فِيك من الْفَضَائِل لِأَن الْإِحْسَان يستعبد الْإِنْسَان ويحبب صَاحبه إِلَى الْإِنْس والجان
٣٠ - الْغَرِيب الطَّرب خفَّة تغلب عِنْد شدَّة الْفَرح والحزن والعلا غايات الشّرف والرفعة والواحدة عليا الْمَعْنى يَقُول كم من إِنْسَان تطرب مسامعه إِذا سمع شعرى فِيك وَلَا يدرى أيعجب من حسن ثنائى فِيك أم من علوك يُرِيد أَن كِلَاهُمَا عجب لأنى أثبت فى شعرى من فضلك وأظهرت فِيهِ من مدحك مَا لَيْسَ يدْرِي عِنْد سَمَاعه لذَلِك أيعجب من علاك وَمَا تبلغه من الْجَلالَة والرفعة أم من ثنائى
٣١ - الْغَرِيب النشر الرَّائِحَة الطّيبَة والفهر الْحجر الذى يسحق بِهِ الطّيب والمداك للصلاية الَّتِى يداك عَلَيْهَا والدوك الدق والسحق الْمَعْنى يَقُول الثَّنَاء الطّيب وَهُوَ عرضك كَانَ بِمَنْزِلَة الطّيب وَهُوَ الذى يتضوع عِنْد مَا أضيفه لَك من مجدك وأذكره من ترادف فضلك أى نشر فضلك الذى هُوَ الْمسك فى كرم جوهره وعبق طيبه ومجده وَهُوَ ذَاك الْمسك ومداكه اللَّذَان يستخرجان حَقِيقَة فَضله ويخبران عَن جلالة قدره شعرى الذى يسير فى البدو والحضر ويتغنى بِهِ فى الْحُلُول وَالسّفر وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وَما ازْدادَ فَضْلٌ فيكَ بالمَدْحِ شُهْرَةً بَلى كانَ مثلَ المِسْكِ صَادَفَ مِخْوَضا)
والمخوض الذى يُحَرك بِهِ الطّيب وَذَلِكَ لَا يزِيد الطّيب فضلا بل يظْهر رَائِحَته كَذَلِك الشّعْر يظْهر فَضَائِل الممدوح للنَّاس وَلَا يزِيدهُ فضلا
[ ٢ / ٣٩٣ ]
- الْمَعْنى لَا تحمد فهرى ومداكى وَلَا تحمد الشّعْر وَحسنه وَاحْمَدْ الْهمام الْبَاعِث لَهما المتفرد بِمَا أكمل لَهُ من الْفَضَائِل مِنْهُمَا الذى إِلَّا أضمره شاعره وأضافه إِلَى نَفسه وكنى عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه علم أَنه يَعْنِيك وَلم يشك عِنْد ذَلِك من يسمعهُ أَنه فِيك وَهُوَ من قَول أَبى نواس
(وَإنْ جَرَتِ الألْفاظُ مِنَّا بِمِدْحَةٍ لغَيْرِكَ إنْسانا فأنْتَ الَّذى نَعْنِى)
٣٣ - الْإِعْرَاب الْأَغَر الْأَبْيَض ونصبه صفة لهماما الْغَرِيب الشَّمَائِل الطبائع وَالْخَلَائِق الْوَاحِدَة شمال الْمَعْنى يَقُول هُوَ أغر يعْنى عضد الدولة أى ذَا بهاء وجلالة وجمال وصباحة لَهُ شمائل أَبِيه الْمَعْرُوفَة ومذاهبه الجليلة الْمَعْلُومَة ثمَّ أقبل يخاطبه فَقَالَ غَدا يلقى بنوك بِتِلْكَ الشَّمَائِل أَبَاك ويحكونه بِتِلْكَ الْفَضَائِل ويحذون فى ذَلِك حذرك ويقتفون أثرك وهديك وَقَوله
(غَدا يلقى بنوك )
قَالَ الواحدى هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنهم لم يبلغُوا رتبتك حَتَّى بشبهوك بل يشبهون أَبَاك وَكَانَ حَقه أَن يَقُول أباهم لَوْلَا مَا أَرَادَ أَن يفضله على أَبِيه فَجعل أَوْلَاده يشبهون أَبَاهُ وَلَا يشبهونه وَيجوز أَن يكون جَاءَ بالْكلَام من الْإِخْبَار وَمن الْإِخْبَار إِلَى المخاطبة على مَا جرت بِهِ الْعَادة فى كَلَام الْعَرَب أَن يخرجُوا من الْخطاب إِلَى الْإِخْبَار وَمن الْإِخْبَار إِلَى الْخطاب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة﴾ وَمثله كثير
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول وفى الْأَحِبَّة من وجده صَحِيح لَا دَعْوَى وَمِنْهُم من يدعى الْمحبَّة وَلَيْسَ هُوَ من أَهلهَا وَلَيْسَ لدعواه حَقِيقَة أَو الْمَعْنى أَنه صَحِيح الود لَيْسَ كمن يدعى الوداد من غير حَقِيقَة أَو لست مِمَّن يدعى محبتك وَيظْهر غير ذَلِك لِأَن مَا اشْتهر فِيك من صَحِيح الْمَدْح يدل على أَنى صَحِيح الوداد غير مداج فى موالاتك
٣٦ - الْغَرِيب الذِّمَّة الْعَهْد وأذم الرجل لغيره إِذا عاهده على أَمر يلْزمه لَهُ والنوى الْبعد وَقَوله أولاكا لُغَة فى أُولَئِكَ الْمَعْنى قَالَ الواحدى روى ابْن جنى وَابْن فورجة نواى بالنُّون من الْبعد قَالَ ابْن جنى منعت مكرمات عينى أَن تجرى دموعها كَاذِبَة وَاخْتَارَ الْبعد عَنهُ وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد أَن مكرمات أَبى شُجَاع تذمر لعينى على أهلى الَّذين أقصدهم من نواى عَنْك يُرِيد أَنى ابدا أشتهى ملازمتك والبعد عَن أُولَئِكَ فيكُن الذمام إِذن على أَهله لعَينه وهم الخائفون من نوى أَبى الطّيب وَهَذَا كَمَا تَقول أَذمّ لهِنْد على عاشقها من الْوُصُول إِلَيْهَا مَا دَامَت بِالْبَصْرَةِ فَهُوَ لَا يصل إِلَيْهَا مَا دَامَت بِالْبَصْرَةِ قَالَ وَهَذَا كَلَامهمَا وَلم يظْهر معنى الْبَيْت ببيانهما وَمعنى أَذمّ لفُلَان على فلَان كَذَا إِذا مَنعه مِنْهُ كَمَا قَالَ
(وَهُمْ مِمَّنْ أَذَمَّ لَهُمْ عَلَيْه كَرِيمُ العِرْقِ والنَّسَبُ النُّضَارُ)
أى مَنعهم مِنْهُ يَقُول مكرماته منعت عينى وعقدت لَهَا عقدا على أهلى من فِرَاق عضد الدولة وَيكون على من صلَة أذمت وَمن روى ثواى بالثاء الْمُثَلَّثَة من الثوى وَهُوَ الْمقَام فَالْمَعْنى مكرماته أذمت لعينى من الْمقَام عَلَيْهِم يُرِيد عقدت لعينى عقدا يؤمنها من النّظر إِلَى أُولَئِكَ لأنى قصرتها على عضد الدولة فَلَا تنظر إِلَى سواهُ وعَلى من صلَة الثوى
[ ٢ / ٣٩٤ ]
- الْغَرِيب الركاب الْإِبِل المتحملة بالقوم والأسنة جمع سِنَان يُخَاطب الْبعد وَهُوَ من الاستعارات الملاح إِذْ جعل لَهُ حسا فَقَالَ تَنَح عَن أيدى هَذِه المطايا فَإِنَّهَا تقطعك كَقطع الأسنة الأحشاء فَإِن سعد عضد الدولة يكفيها وإقباله ينْهض بهَا فهى تقطعك كَقطع الأسنة
٣٨ - الْغَرِيب يَقُول أَذَى أذاة وَنَجَا ينجو نجاة وَهلك هَلَاكًا الْمَعْنى يَقُول كونى أَيهَا الطَّرِيق كَيفَ شِئْت فَلَا أبالى وَلَو كَانَ فِيك الْهَلَاك قيل إِن عضد الدولة قَالَ تطيرت عَلَيْهِ من تَركه النجَاة بَين الأذاة والهلاك
٣٩ - الْغَرِيب تشرين شهر من أشهر الْفرس وَهُوَ أول سنتهمْ تشرين الأول والثانى وكانون الأول والثانى وشباط وأذار ونيسان وإيار وحزيران وتموز وآب وأيلول والسماك كَوْكَب مَعْرُوف من كواكب الأنواء وَهُوَ يطلع بِالْغَدَاةِ لخمس خلون من تشرين الأول الْمَعْنى يَقُول لَو سرنا وفى تشرين خمس لَيَال لسبقت السماك بالطلوع // وَهَذَا مُبَالغَة // فى سرعَة السّير فَكَأَنَّهُ يَقُول إِذا أَخذ السماك فى الطُّلُوع وَأخذت فى السّير سبقته إِلَى أهلى بِالْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنه لِثِقَتِهِ بِمَا أحَاط بِهِ من سَعَادَة عضد الدولة فَلَو سرت وَقد انصرم من تشرين خمس لَيَال يرانى من أقصده وأحن إِلَيْهِ من أهلى من الْجَمَاعَة الْمُتَّصِلَة بنفسى قبل أَن يرَوا السماك الذى هُوَ فى هَذَا الْوَقْت يُشِير إِلَى سرعَة السّير
[ ٢ / ٣٩٥ ]
- الْغَرِيب فناخسر اسْم أعجمى وَهُوَ اسْم عضد الدولة والطعن الدراك المتتابع الْمَعْنى يَقُول سَعَادَة عضد الدولة وبركته ترد عَنى رماح الْأَعْدَاء وطعنها المتتابع
٤١ - الْغَرِيب السِّلَاح يجمع السَّيْف وَالرمْح والسهام وَالْغَالِب عَلَيْهِ التَّذْكِير وَرُبمَا أنث قَالَ الطرماح فى صفة ثَوْر وحشى طردته كلاب الصَّيْد
(يَهُزُّ سِلاحا لَمْ يَرِثْها كَلالَةً يَشُكُّ بِها مِنْها أُصُولَ المَغابِنِ)
وَالْأَكْثَر التَّذْكِير لِأَنَّهُ يجمع على أسلحة جمع تذكير كحمار وأحمرة ورداء وأردية وَصَلَاح شَاك بِمَعْنى شائك أى ذُو شَوْكَة كَقَوْلِهِم كَبْش صَاف على حذف الْعين وَمِنْه قَول مرحب
(قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أّنى مَرْحَبُ شاكُ السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ)
الْمَعْنى يَقُول لعضد الدولة رضاك عَنى بِمَنْزِلَة السِّلَاح الذى يخوف الْأَبْطَال
٤٢ - الْغَرِيب اعتاض تعوض والزور الْبَاطِل وَالْكذب الْمَعْنى يَقُول من الذى أعتاضه مِنْك إِذا فارقتك وأتخذه بَدَلا بعْدك إِذا باعدتك وَالنَّاس مَا خلاك زور لَا يحفل بهم وملوكهم بِالْإِضَافَة إِلَيْك سوقة لاحظ لَهُم فى الْإِمَارَة وَهُوَ مَنْقُول من قَول عمرَان بن حطَّان
(أنْكَرْتُ بَعْدَكَ مَنْ قد كُنتُ أعْرِفُهُ مَا النَّاسُ بَعْدَكَ يَا مِرْداسُ بالنَّاسِ)
٤٣ - قَالَ الواحدى أَنا فى الْخُرُوج من عنْدك وَقلة اللّبْث فى أهلى كالسهم الذى يرْمى فى الْهَوَاء فَيذْهب وينقلب سَرِيعا قَالَ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لم يقل فى سرعَة الأوبة وَقلة اللّبْث كَمَا قيل فى هَذَا الْبَيْت وَالْبَيْت مَدْخُول وَلم يعرف ابْن جنى وَجه فَسَاده وَهُوَ كل سهم يرْمى بِهِ فى هَوَاء لَا يعود إِلَّا إِذا مَا عولى بِهِ وَلم يذكر فى الْبَيْت أَنه أَرَادَ الْهَوَاء العالى قَالَ الْخَطِيب اخْتلف أهل النّظر فى هَذَا الْموضع فَقَالَ قوم إِن السهْم وَالْحجر إِذا رمى بِهِ صعد فبتناهى صُعُوده يكون لَهُ فى آخر ذَلِك لبثة مَا ثمَّ يتصوب منحدرا وَقَالَهُ آخَرُونَ لَا لبثة لَهُ هُنَاكَ وَإِنَّمَا أول وَقت انحداره عقيب آخر صُعُوده
[ ٢ / ٣٩٦ ]
- الْمَعْنى روى أَبُو الْفَتْح
(واصطفاك )
بِكَسْر الطَّاء وَبهَا قَرَأت الدِّيوَان قَالَ وَهُوَ من بَاب قصر الْمَمْدُود وَاسْتشْهدَ على قصره بأشعار وَقصر الْمَمْدُود كثير وَأنْشد أَبُو الْفَتْح
(وأنْتَ لَوْ باكَرْتَ مَشْمُولَةً صَفْرًا كلَوْنِ الفَرَسِ الأشْقَرِ)
والاصطفاء والاصطفاء الاختبار وَمِنْه
(إنى اصطفيتك على النَّاس )
وَأنكر ابْن فورجة وَجَمَاعَة كسر الطَّاء وَقَالُوا لم يستحى من الله إِذا فَارق دَار الممدوح واختياره لَهُ بل لَا وَجه لحيائه فى فعله ذَاك إِذْ لَيْسَ من فَارقه وزهد فى اخْتِيَاره ارْتكب حوبا وَإِنَّمَا يستحى من الله إِذا فَارق دَار الممدوح وَالله قد اخْتَارَهُ على خلقه وكل من فَارقه يجب أَن يستحى من خالقه وَإِنَّمَا يَقُول أستحى من الله أَن أُفَارِقك وَقد اصطفاك ووكل إِلَيْك الأرزاق أَلا ترَاهُ كَيفَ بَين وَجه حيائه إِذا ذكر اصطفاءه لَهُ وَلَو لم يذكرهُ لَكَانَ لَا تخلص لَهُ من الْحيَاء إِذْ الْأَشْبَه أَن يكون اصطفاكا فعلا مَاضِيا وَقد ذكر مُحَمَّد ابْن سعيد أَن المتنبى قَالَ لم أقصر فى شعرى ممدودا إِلَّا موضعا وَاحِدًا وَهُوَ قولى
(خُذْ مِنْ ثَناىَ عَلَيْكَ مَا أسْطِيعُهُ لَا تُلْزِمَنّى فى الثَّناء الْوَاجِبا)
تمّ الْجُزْء الثانى من شرح ديوَان أَبى الطّيب المتنبى الْمَعْرُوف بالتبيان الْمَنْسُوب إِلَى أَبى الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن العكبرى الضَّرِير ويليه الْجُزْء الثَّالِث وأوله حرف اللَّام
[ ٢ / ٣٩٧ ]