١ - الْإِعْرَاب وفاؤكما مُبْتَدأ كالربع خَبره والمبتدأ وَالْخَبَر يؤذنان بِتمَام الْكَلَام وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بالمبتدأ بعد الْإِخْبَار عَنهُ الشَّيْء فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق الْبَاء بِالْوَفَاءِ وَلكنهَا تتَعَلَّق بِفعل يدل عَلَيْهِ الْكَلَام وَكَأَنَّهُ لما ذكر الْمصدر وَقَالَ وفاؤكما قَالَ ووفيتما بَان تسعدا الْغَرِيب شجا شجوا وأشجاه أشده شجوا كَقَوْلِك أحزنه وأسفه والشجو الْهم والحزن شجاه يشجو شجوا إِذا أحزنه وشجى بِالْكَسْرِ يشجي شجا وأشجاه يشجيه إشجاء إِذا أغصه قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْمسيب ابْن زيد مَنَاة
(لَا تُنْكِروُا القَتْلَ وَقَدْ سُبِينا فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينا)
والطاسم الدارس والطامس أَيْضا والساجم السَّائِل سجم الدمع سجوما وسجاما سَالَ وانسجم وسجمت الْعين دمعها وَعين السجوم وَأَرْض مسجومة ممطورة وأسجمت السَّمَاء صبَّتْ مثل أنجمت الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُخَاطب اللَّذين عاهداه على أَن يسعداه عِنْد ربع الْأَحِبَّة بالبكاء فَقَالَ لَهما وفاؤكما لي بإسعادي على الْبكاء كَهَذا الرّبع ثمَّ بَين وَجه الشّبَه فَقَالَ أشجى الرّبع دارسه كلما تقادم عَهده كَانَ أَحْزَن لزائره وَأَشد لحزنه وأشفى الدمع للحزن سائله المنهل الْجَارِي يُرِيد ابكيا معي بدمع ساجم فَإِنَّهُ أشفى للغليل كَمَا أَن الرّبع أشجى للمحب إِذا درس قَالَ الواحدي طلب وفاءهما بالإسعاد وَهُوَ الْإِعَانَة على الْبكاء والموافقة فِيهِ وَلذَلِك قَالَ والدمع أشفاه ساجمة وَالْمعْنَى أبكيا معي بدمع فِي غَايَة السجوم فَهُوَ أشفى للوجد فَإِن الرّبع فِي غَايَة الطسوم وَهُوَ أشجى للمحب وَأَرَادَ بِالْوَفَاءِ هَاهُنَا الإسعاد
[ ٣ / ٣٢٥ ]
لانهما عاهداه على الإسعاد قَالَ وَقَالَ ابْن جنى فِي معنى هَذَا الْبَيْت كنت أبْكِي الرّبع وَحده فصرت ابكي وفاءكما مَعَه وَلذَلِك قَالَ وفاءكما كالربع أَي كَمَا ازددت بِالربعِ وبوفائكما وجدا زِدْت بكاء قَالَ ويروي الدمع بِالْجَرِّ عطفا على الرّبع يُرِيد وفاؤكما كالربع الدارس فِي الأدواء إِذا لم تحزنا عَلَيْهِ وكالدمع الساجم فِي الشِّفَاء إِذا حزنتما عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن القطاع وفاؤكما لي بالإسعاد عَفا ودرس كالربع الَّذِي أشجاه للعين دارسه فَكنت ابكي الرّبع وَحده فصرت أببكي مَعَه وفاءكما وأشتفى بالدمع الَّذِي هُوَ رَاحَة الْإِنْسَان وأشفاه للنَّفس ساجمه قَالَ وَلما انشد أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة كَانَ ابو خالويه حَاضرا فَقَالَ لأبي الطّيب تَقول أشجاه وَهُوَ شجاه فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ لَيْسَ هَذَا من علمك إِنَّمَا هُوَ اسْم لَا فعل قَالَ الْخَطِيب الشُّعَرَاء وَغَيرهم يَزْعمُونَ ان الْبكاء يجاو بعض الْهم عَن المكروب والمحزون قَالَ الفرزدق
(ألْم تَرَ أّني يَوْمَ جَوّ سُوّيْقَةٍ بَكَيْتُ فَقالتْ لِي هُنَيْدَةُ مالِيا)
(فَقُلْتُ لَها إنَّ البُكاءَ لَرَاحَةً بِهِ يَشْتفِي مَنْ ظَنَّ أنْ لَا تَلاقِيا)
قَالَ لامهما على الْبكاء وأنهما لم يسعداه وَذهب بعض النَّاس إِلَى انه أَرَادَ بالمخاطبين عَيْنَيْهِ وَكَلَامه يدل على غير ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه بكي وَلم يبكيا مَعَه فَكَانَ ذَلِك زَائِدا فِي كَلَامه إِعْرَاب أبي الْفَتْح قَالَ كَلمته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُ بِأَيّ شَيْء تعلق الْبَاء فَقَالَ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ فَاء فَقلت بِمَ رفعت وفاؤكما فَقَالَ لي بِالِابْتِدَاءِ فَقلت لَهُ أَيْن خَبره فَقَالَ كالربع فَقلت لَهُ هَل يَصح أَن تخبر عَن اسْم قبل تَمَامه وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَهِي الْبَاء فَقَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا انه قد جَاءَ لَهُ نَظَائِر وَأنْشد الْأَعْشَى
(لَسْنا كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دَارَها بَكْرٌ بوَقْتٍ حَبُّها أنْ تُحْصَدَا)
فأبدل إيادا من من أَي كأياد الَّتِي حلت دارها فدارها لَيست مَنْصُوبَة بحلت هَذِه وَإِن كَانَ الْمَعْنى يَقْتَضِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُبدل الِاسْم إِلَّا بعد تَمَامه وَإِنَّمَا نصبها بِفعل مُضْمر دلّ عايه حلت الظَّاهِر كَأَنَّهُ قَالَ فِيمَا بعد حلت دارها وَكَذَلِكَ الْعَطف والتوكيد وَجَمِيع مَا يُؤذن بمام الِاسْم أَلا ترى أَنهم لَا يجيزون مَرَرْت بالضارب وَعَمْرو وزيدا لِأَنَّك لَا تعطف عَلَيْهِ وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَلَا يجيزون مَرَرْت بالضارب نَفسه زيدا لِأَنَّك لَا تؤكد وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن تكون الْبَاء مُتَعَلقَة بِفعل مَحْذُوف وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
[ ٣ / ٣٢٦ ]
﴿إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى السرائر﴾ فَيكون إِنَّه على رجعه يَوْم تبلى السرائر لقادر إِلَّا أَنه لَا يجوز إعرابه على هَذَا لِأَن الظّرْف على هَذَا التَّقْدِير يكون مُتَعَلقا بالرجع وَقد فصل بَينهمَا بِقَادِر وَهُوَ خبر إِن وَهُوَ أجبنى من الْمصدر وَلَا يجوز الْفَصْل بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي أَلا ترى أَنهم لَا يجيزون أطعمت الَّذِي ضرب رغيفا زيدا لَان الرَّغِيف مَنْصُوب وَهُوَ أَجْنَبِي من الَّذِي ضرب وَلَا يفصل بَين الصِّلَة وَبَعضهَا الْأَجْنَبِيّ
٢ - الْإِعْرَاب رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأنَا الدِّيوَان على شَيْخي يرفع كل على انه قد تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله مَا أَنا إِلَّا عاشق ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ كل عاشق أَي كل عاشق حَاله وَأمره وروى أبن فورجه وَالْقَاضِي كلا بِالنّصب على انه مفعول لعاشق يُرِيد أَن أعشق كل عاشق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي هَذَا الْبَيْت سُؤال وَهُوَ لَا يُقَال أعق الرجلَيْن زيد حَتَّى يشتركا فِي صفة العقوق ثمَّ يزِيد زيدا على صَاحبه فَإِذا حكم لَهما أَنَّهُمَا صفيان ثمَّ لامه أَحدهمَا فقد زَالَ عَنهُ وصف الصفاء وَحصل لَهُ وصف العقوق قُلْنَا لَهُ جَازَ لَهُ ان يَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ وَقد علم أَن أَصْحَاب النَّار شَرّ وَلَا خير فِي مستقرهم وانهما لم يشتركا فِي الْخَيْرِيَّة فَهَذَا نَظِيره وَقد قَالَ حبَان بن قرط الْيَرْبُوعي وَكَانَ جاهليا
(خالِي بَنوُ أوْسٍ وَخالُ سَرَاتِهم أوْسٌ فأُّيُهمُا أرَقُّ والأَمُ)
يُرِيد فَأَيّهمَا الرَّقِيق اللَّئِيم وَلَيْسَ يُرِيد ان الرقة واللؤم اشتملا عَلَيْهِمَا مَعًا ثمَّ زَاد أَحدهمَا على صَاحبه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالْمعْنَى هَين عَلَيْهِ لانه تَعَالَى لَا يُوصف بَان بعض الْأَشْيَاء أَهْون عَلَيْهِ من بعض وَكَذَلِكَ أعق خَلِيله أَي الَّذِي يَسْتَحِيل عاقا فالأعق هُنَا بِمَعْنى الْعَاق كَقَوْل الفرزدق
(بَيْتا دَعاِئمُهُ أعَزُّ وَأطْوْلُ )
٣ - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن قَوْله يتزيا هَل تعرفه فِي اللُّغَة أَو فِي كتاب قديم قَالَ لَا قلت فَكيف تقدم عَلَيْهِ قَالَ قد جرت بِهِ عَادَة الِاسْتِعْمَال قلت أترضى بِشَيْء تورده الْعَامَّة قَالَ مَا عنْدك فِيهِ قلت قِيَاسه يتزوى قَالَ من أَيْن لَك قلت لِأَنَّهُ من الزي وعينه وَاو وَأَصله زوى فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا وَلِأَنَّهَا أَيْضا سَاكِنة قبل الْيَاء وَدَلِيل ان عينه وَاو أَنهم لَا يَقُولُونَ لفُلَان زِيّ إِذا كَانَ لَهُ شَيْء وَاحِد يستحسن حَتَّى يجْتَمع لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة حَسَنَة فَحِينَئِذٍ يُقَال لَهُ زِيّ من زويت الأَرْض أَي جمعت وَقَالَ الآخر
[ ٣ / ٣٢٧ ]
(زَوَي بَينَ عَيْنَيْهِ عَلىَّ المَحاجمُ )
فَقَالَ لي إِلَى هَذَا ذهبت فأصغى نَحوه وَقد ذكره صَاحب الْعين فَقَالَ تزيا فلَان بزِي حسن وزييته تزية بِوَزْن تَحِيَّة فَإِن ثَبت فَلَيْسَ يُنَاقض لما قلت أَنه يتزوي فَيجب أَن يكون قلب الْوَاو يَاء تَخْفِيفًا كَقَوْل الآخر
(إنْ دَيَّمُوا جادَ وإنْ جادُوا وَبَيلْ )
وَهُوَ من دَامَ يَدُوم وَلَكِن لما رأى الديمة والديم بياء أنس بهَا وأخلد إِلَيْهَا لخفتها كَمَا قَالُوا فِي عيد أعياد وَفِي تحقيره عبيد وَهُوَ من عَاد يعود وَكَانَ قِيَاسه عُوَيْد وأعواد كَمَا قيل فِي تحقير ريح رويح فِي جمعهَا أَرْوَاح وَحكى اللحياني فِي نوادره ريح وأرواح فَهَذَا مِمَّا أجْرى مجْرى الْبَدَل اللَّازِم لخفة الْيَاء وَكَذَلِكَ يتزيا إِن كَانَ صَحِيحا من كَلَامهم فَهُوَ مِمَّا ألزم بدل الْيَاء من الْوَاو تخفيا وَلِأَنَّهُ قد أبدلها فِي زِيّ قصدا من طَرِيق الأشتقاق وَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَن تكون عين الزي واوا فِي الأَصْل لِأَن بَاب طويت وَرويت مِمَّا عينه وَاو ولامه وياء أَكثر من بَاب حييت وعييت مِمَّا عينه ولامه ياءان فَلَمَّا اجْتمع الْقيَاس والاشتقاق على قَضِيَّة لزم قبُولهَا ورفض مَا عَداهَا وَخَالف وَضعهَا الْغَرِيب التزيي تكلّف الزي ويلائمه يُوَافقهُ الْمَعْنى يَقُول إِن صَاحِبيهِ ليسَا من أهل الْهوى فَإِن أقسما بِهِ وتكلفاه فقد يتَكَلَّف الْإِنْسَان الشَّيْء وَلَيْسَ هُوَ من أَهله وَقد يصاحب الْإِنْسَان من لم يُوَافقهُ فِي أَحْوَاله ويعرض بِأَن صَاحِبيهِ لم يفيا لَهُ بِمَا عاهداه عَلَيْهِ من الإسعاد بالبكاء وإنهما لم يَكُونَا من أَرْبَاب الْهوى وَلَا يعتقدانه
٤ - الْغَرِيب الأطلال جمع طلل وَهُوَ مَا شخص من آثَار الديار والشحيح الْبَخِيل والخاتم مَا يكون فِي الإصبع للرِّجَال وَالنِّسَاء من ذهب وَفِضة وَغَيرهمَا وَفِيه لُغَات خَاتم وَخَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين وخيتام وخاتام وَالْجمع خَوَاتِيم الْمَعْنى دَعَا على نَفسه بِأَن يبْلى بلَى الاطلال الدارسة ويتغير تغير الرسوم الْعَافِيَة إِن لم يقف بديار أحبته متوجعا لَهَا ومعتنيا بهَا وقُوف شحيح ضَاعَ خَاتمه فِي الترب وَاعْتمد الْخَاتم لانه صَغِير الجرم مُهِمّ الْأَمر فلصغره يخفى مَوْضِعه وَلَا هتمامه يحب تتبعه وَاشْترط ضيَاعه فِي التُّرَاب ليَكُون تطلبه فِيهِ وَهُوَ مَوضِع آثَار الديار ورسوم الأطلال وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قد عيب عَلَيْهِ وَقَالَ لَيْسَ للفظ عَجزه جزالة لفظ صَدره وَلَيْسَ فِي وقُوف الشحيح على طلب خَاتمه مُبَالغَة يضْرب بهَا الْمثل وَقَالَ وَالْعرب تبالغ فِي وصف الشَّيْء وَتجَاوز الْحَد وَقد تقتصر أَيْضا وَيسْتَعْمل المقارنه وَهَذَا بِعَيْنِه قد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح قَالَ الراجز
[ ٣ / ٣٢٨ ]
(هُنَّ حَياريَ كَمُضِلاَّتِ الخَدَمْ )
وَهِي جمع خدمَة وَهِي الخلخال وَقَالَ الْعَرُوضِي لَا عيب عَلَيْهِ لَان الشحيح إِذا طلب الْخَاتم احْتَاجَ إِلَى الإنحناء ليقف بَصَره على الْخَاتم وَلَو كَانَ بدل الْخَاتم شَيْئا عَظِيما كالخلخال والسوار لَكَانَ يَطْلُبهُ من قيام فَلَا يحْتَاج إِلَى الإنحناء ونو كَانَ صَغِيرا كالذرة لَكَانَ يَطْلُبهُ قَاعِدا مَكَانَهُ يَقُول إِن لم أَقف بهَا منحنيا لوضع الْيَد على الكبد والانطواء عَلَيْهَا كوقوف الشحيح الطَّالِب للخاتم وَيشْهد لصِحَّته قَول ابْن هرمة يذم بَخِيلًا
(نَكَّسَ لمَّا أتَيْتُ سائِلَهُ وَاعْتَلَّ تَنْكِيسَ ناظمِ الخرَزِ)
فَشبه هَيئته بهيئة من ينظم الخرز فِي الإطراق وينكس الرَّأْس على أَنا نقُول إِن إلتزامنا بِهَذَا السُّؤَال الْوَارِد قد يبلغ من قِيمَته الْخَاتم مَا يحِق للشحيح أَن يطول وُقُوفه على طلبه قَالَ الواحدي يُقَال فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِن وقُوف هَذَا الشحيح وَإِن كَانَ لَا يطول كل الطول فقد يكون أطول من وقُوف غَيره فَجَاز ضرب الْمثل بِهِ كَقَوْل الشَّاعِر
(رُبَّ لَيْلٍ أمَدَّ منْ نَفَسِ العاشق ِ طُولًا قَطَعْتُهُ بانتْحابِ)
وَقد علمنَا أَن سَاعَة من سَاعَات اللَّيْل تستغرق عدَّة أنفاس وَلكنه لما كَانَ نفس العاشق أطول من نفس غَيره جَازَ ضرب الْمثل بِهِ وَإِن لم يبلغ النِّهَايَة فِي الطول وكقول الآخر
(وَلَيْلٍ كظِلّ الرُّمْحِ قَصَّر طُولَهُ دَمُ الزّقّ عَنَّا واصْطِفاقُ المزَاهِرِ)
وَذَلِكَ لما كَانَ ظلّ الرمْح أطول من ظلّ غَيره جعله الْغَايَة فِي الطول وَقَالَ ابْن القطاع وَإِنَّمَا قَالَ رب ليل طَوِيل خَارج عَن الْمُعْتَاد رائد الطول زَاد على المُرَاد كزيادة نفس هَذَا العاشق وَطوله على نفس من لَيْسَ بعاشق وَهَذَا نِهَايَة فِي الْمُبَالغَة وروى ابْن فورجة شجيج ضَاعَ فِي الترب خَاتمه والشجيج الَّذِي شج رَأسه وَضاع بِمَعْنى تفرق أَي صَارَت لَهُ عروق فِي الثرى وَقد علق بهَا وَلَيْسَت هَذِه الروايه بِشَيْء قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول أبي نواس
(كأّني مُرِيغٌ فِي الدّيارِ طَرِيدَةً أرَاها أمامِي مَرّةً وَوَرَائي)
٥ - الْإِعْرَاب نصب كئيبا على الْحَال من قَوْله أَقف الْغَرِيب الكئيب الحزين والريض الصعب من الْخَيل وَهُوَ من الأضداد والريض الَّذِي لم تستحكم رياضته وَالَّذِي يشد حزامه ويتوقى مِنْهُ والريض الَّذِي قد ذلل والحازم الَّذِي يسوسه ويشد حزامه
[ ٣ / ٣٢٩ ]
الْمَعْنى يَقُول العواذل توقاني إِذا وقفت فِي الرّبع كئيبا مَحْزُونا يُرِيد ان يتوقاه عاذله ويتخوف لائمه كَمَا يتوقى الَّذِي يحزم الريض من الْخَيل صولته ويتخوف نفرته
٦ - الْإِعْرَاب الأولى فاعلة ومهجتي فِي مَوضِع نصب بِوُقُوع الغرامة عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن القطاع من روى تغرمي بِإِثْبَات الْيَاء كَانَ الأَصْل تغرمين فَحذف النُّون للجزم وَالْخطاب للمحبوبة والمهجة هِيَ المحبوبة فمهجتي فِي مَوضِع نصب بالنداء وَالْأولَى مَفْعُوله وَيكون الْمَعْنى قفى يَا مهجتي تغرمي الأولى الَّتِي حرمتنيها بنظرة ثَانِيَة إِلَيْك الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قفي يَا محبوبة تغرم اللحظة الأولى الَّتِي لحظتك مهجتي بلحظة ثَانِيَة لِأَن الأولى قد أتلفت مهجتي فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْغرم فَإِن لحظ ثَانِيَة عَاشَ فَتكون الأولى قد غرمت المهجة بِالثَّانِيَةِ ثمَّ ذكر الْحجَّة الْمُوجبَة أَن يُطَالب بالوقفة فَقَالَ والمتلف غَارِم وَهِي حُكُومَة بِحَق وَقَالَ الْخَطِيب لما نظر إِلَيْهَا نظرة اتلفت مهجته وَأَرَادَ أَن ينظر إِلَيْهَا أُخْرَى لترجع إِلَيْهِ نَفسه جعل الأولى كَأَنَّهَا الغارمة فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا سَبَب التّلف وَمثله لقطرب
(أشْتاقُ بِالنَّظْرةِ الأُولى قَرينَتَها كأنَّنِي لمْ أُقدّم قبلَها نظَرَا)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ
(يَا مُسْقِما جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ فِي النَّظْرةِ الأُخرَى إلَيْكَ شِفائي)
وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت الخالد الْكَاتِب وَأَخذه أَبُو الطّيب مِنْهُ وَقَالَ الواحدي وَغَيره لَيْسَ هُوَ الخالد إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب
٧ - الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والنور من الزهر مَا كَانَ أَبيض والزهر الْأَصْفَر والكمام أوعية الزهر والنور قبل أَن تنفتق الْمَعْنى إِنَّه دَعَا لَهَا بالسقيا ثمَّ دَعَا لنَفسِهِ أَن تكون تَحِيَّة لَهُ بعد سقياها وَجعل النِّسَاء الَّتِي فِي الْخُدُور نورا لحسنهن وصفاء لونهن وَطيب رائحتهن وَجعل الْخُدُور لَهُنَّ بِمَنْزِلَة الكمائم وَقَالَ الواحدي لما جَعلهنَّ نورا بني على هَذَا اللَّفْظ السقيا والتحية فَإِن النُّور تضرته بِالْمَاءِ وَخرجت الْعَادة بِأَن يحي بعض النَّاس بَعْضًا بالأنوار والرياحين فيناوله شَيْئا مِنْهَا وَمعنى أَحْيَانًا بك الله أَي لقاناك وحيانا بك وَقد كشف السّري الْموصِلِي عَن هَذَا الْمَعْنى بقوله
(حَيّا بِهِ اللهُ عاشِقيِه فَقَدْ أصْبَحَ رَيحانَةً لِمَنْ عَشِقا)
٨ - الْغَرِيب الأظعان جمع ظعن وهم الْقَوْم المرتحلون
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الْمَعْنى يَقُول لمن يحب لَا يحْتَاج السّفر إِلَى ضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ وَأَنت مَعَهم فَإِن من وَجدك لم يعْدم الْقَمَر وَإنَّك تقومين مقَام الْبَدْر إِذا غَابَ وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(أضَرَّتْ بضَوْءِ البَدْرِ والبَدْرُ طالعٌ وقامَتْ مَقامَ البَدْرِ لمَّا تَغَيَّبا)
وَمن قَول الآخر
(إنَّ بَيْتا أنْتَ ساكِنُهُ غَيرُ مُحتاجٍ إِلَى السُّرُجِ)
٩ - الْغَرِيب ظَفرت فازت وأثاب رَجَعَ يُقَال ثاب إِلَيْهِ عقله وأثاب رَجَعَ والمطي جمع مَطِيَّة والرازمة من النوق أَو الرازم من الْإِبِل الَّذِي قَامَ من الإعياء وَأَقْعَدَهُ الهزال عَن الْمَشْي الْمَعْنى يَقُول الْإِبِل الَّتِي قد ضعفت وكلت وعجزت عَن الْمَشْي إِذا نظرت إِلَيْك رجعت قوتها وحركتها فَكيف بِنَا نَحن وَقَوله الْعُيُون يُرِيد كل عين يَقُول إِذا ظَهرت للناظرين صلحت حَال المطايا وَهِي لَا تعقل النّظر إِلَيْك فَكيف الظَّن بِنَا وحياتنا برؤيتك وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يُرِيد أَصْحَابه وَالْإِبِل لَا فَائِدَة لَهَا فِي النّظر إِلَى هَذِه المحبوبة وَإِن فاقت حسنا وجمالا وَإِنَّمَا ركابهَا يسرون بذلك وَالْقَوْل هُوَ الأول وَهُوَ قَول أبي الْفَتْح وَجَمَاعَة لَان الْإِبِل الَّتِي لَا عقل لَهَا يُؤثر فِيهَا النّظر على مُقْتَضى الْمُبَالغَة والتعمق فِي الْمَعْنى لَا على الْحَقِيقَة وَهَذَا عَادَة الشُّعَرَاء فِي الْمُبَالغَة وَذكر الْمطِي على اللَّفْظ كتذكير النّخل والسحاب وَمَا أشبهه من الْجمع
١٠ - الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب متفرد بالْحسنِ لَيْسَ لغيره فِيهِ حَظّ فَكَأَن الْحسن أحبه واستخلصه لنَفسِهِ دون غَيره أَو الَّذِي قسم الْحسن بَين النَّاس جَار عَلَيْهِم فَأعْطَاهُ الْحسن كُله وَحرمه غَيره
١١ - الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وتنسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والحي الْجَمَاعَة من النَّاس النازلين بالبادية والكرائم جمع كَرِيمَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب عَزِيز لَا تصل رماح الْخط إِلَيْهِ بل تسبى لَهُ الْكِرَام من الْأَحْيَاء فَتكون لَهُ خدما وَالْمعْنَى أَن هَذِه المحبوبة من قوم أعزه لَا يطْمع عَدو أَن يُغير فيهم وَلَا يعتصم كرائم غَيرهم مِنْهُم وَأَنَّهَا تأمن السَّبي ويسبى لَهَا كرائم الْأَحْيَاء وَمَا أحسن مَا ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَبُو الْغَنَائِم ابْن الْمعلم الوَاسِطِيّ فِي قَوْله
(نُثَلَّمُ دُون البِيضِ بِيضَ صَوَارِمٍ وَنْحطِمُ دُونَ السُّمْرِ سُمْرًا عَوَاليا)
[ ٣ / ٣٣١ ]
- الْغَرِيب الكباء الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ ونشره فوحه قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَبانًا وأُلْوِيًا منْ الهِنْدِ ذَاكِيا وَرَنْدًا وَلُبْنى وَالكِباءَ المُقَتَّترا)
الْمَعْنى يَقُول أدنى ستورها مِمَّن أرادها غُبَار خُيُول قَومهَا وَأقر بهَا مِنْهَا دُخان بخورها فقد وصفهَا بأشد المنعة وَذكر أَنَّهَا فِي غَايَة النِّعْمَة قَالَ الواحدي إِن دُخان الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ كثير عِنْده حَتَّى صَار كالحجاب بَينه وَبَين من يَطْلُبهُ قَالَ ويروي وأولها نشر الكباء وَالْمعْنَى وَأول ستر دونهَا مِمَّا يَليهَا وَيُمكن أَن يقلب هَذَا فَيُقَال أدنى ستر إِلَيْهَا من الستور دونهَا غُبَار الْخَيل وَأبْعد ستر عَنْهَا نشر الكباء يَعْنِي أَن غُبَار الْخَيل كثير حَتَّى وصل إِلَيْهَا فَصَارَ أدنى ستر مِنْهَا دونهَا وَكَذَلِكَ ارْتَفع دُخان الْعود حَتَّى يتباعد مِنْهَا الدُّخان فَصَارَ آخر ستر دونهَا قَالَ وَهَذَا أشبه بطريقة المتنبي فِي إِيثَار الْمُبَالغَة
١٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد عرف صروف الدَّهْر وانه لم يستغرب مَا طرقه بِهِ الدَّهْر من فِرَاق الحبيب وَلَا غَيره لما عرف وابتلى بِهِ من حوادث الْأَيَّام وفجائعها وَإنَّهُ إِنَّمَا علم بِمَا علم وطرق بِمَا عهد وَالْمعْنَى يُرِيد أَنه لَا يستغرب فراقا وَلَا تريه عينه شَيْئا لم يره قلبه والمصراع الأول من قَول طفيل
(وَما أَنا بِالمُسْتَنْكِرِ البَين إنَّنِي بِذِي لَطَفِ الجِيرانِ قِدْما مُفَجَّعُ)
والمصراع الثَّانِي من قَول عدي بن الرّقاع
(وَعَلمْتُ حَتى لَسْتُ أسْألُ عالِما عَنْ حَرْفِ واحِدةٍ لِكيْ أزْدَادَها)
وَمثله لِلْأَعْوَرِ الشني
(لَقَدْ أصْبَحْتُ مَا أحْتاجُ فِيما بَلَوْتُ منَ الأُمُورِ إِلَى السُّؤالِ)
وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الزيات
(وَما اسْتَغْرَبْتُ بَيْسا مِنْ حَبِيبٍ فأنْكِرهُ بعَيْنٍ أوْ بِقَلْبِ)
وَقَالَ ابْن الرُّومِي
(وَما أحْدثَ العَصْرانِ شَيْئا نَكَرْتُهُ هُما الوَاهِبانِ السَّالبِانِ هُما هُما)
١٤ - الْغَرِيب الكاشحون جمع كاشح وَهُوَ الَّذِي يضمر لَك الْعَدَاوَة والعلاقم جمع عَلْقَمَة وَهِي المرارة
[ ٣ / ٣٣٢ ]
قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ مَا وَجه التُّهْمَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع قَالَ أَن يَظُنُّوا بِي جزعا الْمَعْنى يُرِيد لَا يتهمني الْأَعْدَاء بالخوف من الردي والجزع من الْفِرَاق فَإِنِّي قد اعْتدت ذوق المرارات فَلَا أستمرها فقد حلالي أمرهَا وَمن اعْتَادَ ذوق العلاقم حلا لَهُ العلاقم ورعيت الردي يُرِيد أَسبَاب الردى وَالْمعْنَى لَا أجزع من الْفِرَاق وَإِن عظم أمره واشتدت مرارته لِأَنِّي اعْتدت ذَلِك كَقَوْل الآخر
(وَفارَقْتُ حَتى لَا أُبالي مِنَ النَّوَى وَإنْ بانَ جِيرَانٌ عَلىِّ كِرامُ)
وَقَالَ المؤرخ
(رُوّعْتُ بالْبَيْنِ حَتى مَا أُراعُ لَهُ وَبالمَصائبِ فِي أهْلِي وَجِيراني)
وَهَذَا من قَول الخزيمي
(لَقَدْ وَقَرَتَنْي الحَادِثاتُ فَما أُرَى لنازِلَةٍ مِنْ رَيْبِها أتَوَجَّعُ)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَول أَوْس بن حجر
(لَا تُجْزِعَنِّي بالفرَاقِ فَإنَّتي لَا تَسْتهِل مِنْ الفِرَاقِ شُئُوِنِي)
١٥ - الْغَرِيب أشب يشب فَهُوَ مشب وتوقاه حذره الْمَعْنى الَّذِي يجزع على فقد الشَّبَاب إِنَّمَا أشابه من أشبه فالشيب حضل مِمَّن عِنْده الشَّبَاب فَلَا سَبِيل إِلَى التوقي مِنْهُ لِأَن أمره بيد غَيره فَإِنَّمَا يهدم مَا بناه وَيَأْخُذ مَا أعطَاهُ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن الرُّومِي
(تُضَعْضِعُهُ الأوْقاتُ وَهْيَ بَقاؤُهُ وَتَغْتالُهُ الأقْوَاتُ وَهْيَ لَهُ طُعْمُ)
(إذَا مَا رَأيْتَ الشَّيْءَ يُبْلِيه عُمْرُهُ وَيُفْنِيِهِ أنْ يَبْقَى فَفي دَائِهِ عُقْمُ)
الضَّمِير فِي توقيه للباكي وَفِي بانيه وهادمه للشباب
١٦ - الْمَعْنى يَقُول قَالَ الواحدي تَمام الْعَيْش هُوَ الصِّبَا أَولا ثمَّ مَا يتعقبه من بُلُوغ الأشد حَتَّى يكون يافعا مترعرعا إِلَى أَن يخْتَلف إِلَى عارضيه لونا بَيَاض وَسَوَاد وغائب لون العارضين هُوَ الْبيَاض والقادم هُوَ السوَاد السَّابِق إِلَى الْعَارِض وَيجوز أَن يكون غَائِب لون العارضين لون الْبشرَة حَتَّى يغيب عَنْهُمَا سَواد الشّعْر وبياضه والقادم هُوَ لون الشّعْر من بَيَاض وَسَوَاد وَيجوز أَن يُرِيد بالقادم الشيب من قدم يقدم إِذا ورد وبالغائب السوَاد الَّذِي غَابَ بقدوم الْبيَاض وَيجوز أَن يُرِيد بالغائب لون جلد الْعَارِض الْمُسْتَتر بالشعر وبالقادم سَواد الشّعْر النَّابِت وَهَذَا هُوَ الأولى لِأَنَّهُ يَجْعَل تَمام الْعَيْش أَن يكون
[ ٣ / ٣٣٣ ]
الْإِنْسَان صَبيا ثمَّ مترعرعا يافعا ثمَّ ينْبت شعره فَيكون شَابًّا وَلم يَجْعَل الشيب من تَكْمِلَة الْعَيْش لِأَن من شَاب فقد مَاتَ قَالَ
(مَنْ شابَ قَدْ ماتَ وَهْوَ حَتّى يَمْشِي عَلى الأرْضِ مَشْيَ هالِكْ)
وَبَيت المتنبي من قَول ابْن الرُّومِي
(سُلِبْتُ سَوَادَ العارِضينَ وَقَبْلَهُ بَياضَهما المْحمُودَ إِذْ أَنا أمْرَدُ)
١٧ - الْغَرِيب الفاحم الْأسود الشَّديد السوَاد قَالَ الواحدي الْبيَاض فِي الشّعْر حسن وَلم يخضب الْبيَاض لِأَنَّهُ مستقبح وَلَكِن السوَاد أحسن مِنْهُ فالخاضب إِنَّمَا يطْلب الْأَحْسَن من لون الشّعْر قَالَ أَبُو الْفَتْح ذكر أَن الشيب لم يخضب لِأَنَّهُ قَبِيح وَلَكِن سَواد الشّعْر أحسن وَالْإِنْسَان إِذا شَاب علم أَنه كَبِير السن فزهد فِيهِ فَإِذا خضب ظهر للغواني أَنه شَاب فرغبن فِيهِ وَجَاء فِي الحَدِيث عَلَيْكُم بالخضاب فَإِنَّهُ زِينَة لنسائكم وهيبة لعدوكم وَسُئِلَ بعض الصَّحَابَة هَل خضب رَسُول الله
فَقَالَ لم يكن بِهِ من الشيب مَا يُوجب الخضاب وَقيل أَن عبد الْمطلب بن هَاشم نزل بِبَعْض الْمُلُوك فَأمر الْملك بخضابه فَقَالَ عبد الْمطلب
(فَلوْ دامَ لِي هذَا المَشيبُ رَضيِتُهُ وَكانَ بَدِيلا مِنْ شَبابٍ قَد انْصرَم)
قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(إنَّ خَيْرًا مِنَ الشَّبابِ بَنُو الفَياَّضِ للِمُشترِي أوِ المُعْتاضِ)
١٨ - الْغَرِيب مَاء الشبية نضارتها والحيا مَقْصُورَة الْمَطَر وَالْخصب وَهُوَ الَّذِي تحيا بِهِ الأَرْض والبارق السَّحَاب ذُو الْبَرْق اللامع والشائم الَّذِي يرقب مَوضِع الْغَيْث والفازة الْقبَّة والخيمة وَكَانَ سيف الدولة فِي خيمة من ديباج قد وصفهَا أَبُو الطّيب فِي هَذِه القصيدة وتشيب إِلَى الْمَدْح بِأَحْسَن تشبب قَالَ إِن أحسن من مَاء الشبيبة الَّذِي اجْتمع النَّاس على الكلف بوقته ولاأسف لفقده جود يشبه الْغَيْث بكثرته لملك يخلف السَّحَاب بكرمه نرقبه من قبَّة وتنتجعه فِي فازة وَأَشَارَ بذلك إِلَى كرم سيف الدولة قد جمع لَهُ فِي الْبَيْت بَين ضروب وَمن الْمَدْح ثمَّ وصف الْقبَّة فَقَالَ عَلَيْهَا رياض الْبَيْت
١٩ - الْغَرِيب الرياض جمع رَوْضَة وَهِي الَّتِي ينبتها الْغَيْث وفيهَا الأزهار والدوح جمع دوحة وَهِي الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي الْأَشْجَار كَانَت والحمائم جمع حمامة
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الْمَعْنى شبه أَبْوَابهَا بِقطع الرياض إِلَّا أَن زهراتها مِمَّا لم تحكه أَي تنسجه وتصنعه أَيدي السَّحَاب وأغصان شَجَرهَا مُخَالفَة لأغصان سَائِر الْأَشْجَار لِأَنَّهَا لَا تتغنى عَلَيْهَا حمامها وَلَا تتجاوب طيورها فَأَوْمأ بِهَذَا الِاشْتِرَاط إِلَى أَنَّهَا صُورَة ممثلة وصناعات مؤلفة وَهَذَا نوع بديع من أَنْوَاع الْإِيمَاء وَالْإِشَارَة
٢٠ - الْغَرِيب الموجه من كل شَيْء ذُو الْوَجْهَيْنِ والسمط السلك وَقيل أَرَادَ بالسمط الدَّوَائِر الْبيض على حَاشِيَة تِلْكَ الأثواب الَّتِي اتَّخذت مِنْهَا الْخَيْمَة شبهها بالدر لبياضها إِلَّا أَنه من نظمه لم يثقبه لِأَنَّهُ لَيْسَ بدر حَقِيقِيّ الْمَعْنى يَقُول كل ثوب يسْتَقْبل من هَذِه الفازة فَوق حَوَاشِيه سموط لآلي تَجْتَمِع غير مثقوبة وتتألف غير منظومة يومىء بِهَذَا الإشتراط إِلَى أَنَّهَا لآلي ممثلة لَا حَقِيقِيَّة وَهُوَ من البديع
٢١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا خيمة فِيهَا أَصْنَاف الوحوش ضد كل جنس يسالمه وَهُوَ مَصَالِحه وَمن عَادَة الْحَيَوَان أَن يهارش بعضه بَعْضًا ويفترس بعضه بَعْضًا وَأَرَادَ بالمحاربة أَنَّهَا نقشت فِي صُورَة الْمُحَاربَة والمسالمة أَنَّهَا جماد لَا روح فِيهَا فتقاتل
٢٢ - الْغَرِيب المذاكي المسنة من الْخَيل دأيت الرجل أد أَي لَهُ دأبا إِذا ختلته مثل أدوات لَهُ ودأوت لَهُ لُغَة فِي دأيت ودأي الذِّئْب ليَأْخُذ الغزال وَرُوِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من ذأي الْإِبِل إِذا طردها وساقها والضراغم جمع ضرغام وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا ضربت الرّيح هَذَا الثَّوْب تحرّك حَتَّى كَأَنَّهُ يموج وَكَأن الْخَيل الَّتِي صورت عَلَيْهِ جائلة وَكَأن أسواد تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها
٢٣ - الْغَرِيب صُورَة الرُّومِي كَانَ قد صور فِي الْخَيْمَة صُورَة ملك الرّوم والأبلج هُوَ النَّفْي مَا بَين الحاجبين وَهُوَ من صفة السَّادة والتيجان لملوك الْأَعَاجِم والعمائم للْعَرَب وَفِي كَلَامهم الْقَدِيم العمائم تيجان الْعَرَب وَالسُّيُوف أرديتها والحبا جدرانها الْمَعْنى يَقُول صُورَة ملك الرّوم على هَذَا الثَّوْب ساجد لسيف الدولة وَقد خضع لَهُ وتذلل على عَادَته وَإِن كَانَ متوجا فَإِن التيجان فِي الْحَقِيقَة والعمائم الَّتِي على رَأس سيف الدولة وَإِن أرفع الرَّأْي رَأْي من تكون لَهُ الْغَلَبَة وتعرف مِنْهُ الْقُدْرَة وروى الواحدي لأباخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ المتكبر الْعَظِيم فِي نَفسه بَلخ بِالْكَسْرِ وتبلخ
[ ٣ / ٣٣٥ ]
أَي تكبر فَهُوَ أبلخ بَين البلخ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ عكس قَول ابْن الرُّومِي
(رُؤُوسٌ مَرَائِيسٌ قَدِيما تعمَّمتْ لَعَمْركَ بِالتِّيجان لَا بِالعَمائم)
٢٤ - الْغَرِيب الْكمّ كم الثَّوْب وَهُوَ الَّذِي تخرج مِنْهُ الْيَد والبراجم الْأَصَابِع وَهِي رُؤُوس السلاميات من ظَاهر الْكَفّ وَقيل عروق ظَاهر الْكَفّ وَقيل عظامها والبراجم بطن من تَمِيم وَمن أمثالهم إِن الشقي وَافد البراجم وَقيل جمع برجمة وَهِي النواشر من مفاصل الْأَصَابِع الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك يخدمونه ويقبلون بساطه بأفواههم عِنْدَمَا يقعون لَهُ سجدا لأَنهم لَا يقدرُونَ على تَقْبِيل كمه وَيَده لارتفاعه وعلو مَكَانَهُ لانه أعظم شَأْنًا من ذَلِك فهم يستغنون عَن تَقْبِيل كمه بتقبيل بساطه إعظاما لقدره واعترافا لفضله
٢٥ - الْإِعْرَاب قيَاما مصدر لم يذكر فعله وَهُوَ حَال من الْمُلُوك الْغَرِيب القرم السَّيِّد والمواسم جمع ميسم وَهُوَ الَّذِي يوسم بِهِ الْمَعْنى يُرِيد انهم قيام بَين يَدَيْهِ أذلاء وكنى بالكي عَن طعنه وضربه بالداء عَن غوائل الْأَعْدَاء فَهُوَ يرد بالطعن وَالضَّرْب من عَصَاهُ إِلَى طَاعَته كَمَا يرد من بِهِ دَاء إِلَى الصِّحَّة بالكي وَهَذَا مثل ضربه يُرِيد أَن كل ملك عَظِيم قد ذلله وَبَان عَلَيْهِ أثر قهره إِيَّاه
٢٦ - الْإِعْرَاب القبائع جمع قبيعة وَهِي قبيعة السَّيْف وَهِي الحديدة الَّتِي فَوق مقبض السَّيْف وَأَرَادَ قبائع سيوف الْمُلُوك فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى كني عَن السيوف وَلم يجر لَهَا ذكر وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم وَالْكتاب الْعَزِيز يَقُول قَامُوا عِنْده متكئين على قبائع سيوفهم هَيْبَة لَهُ وتعظيما لَهُ وعزائمه إِذا عزم على الْأُمُور كَانَت أمضي من السيوف والجفون أغمدة السيوف وَاحِدهَا جفن
٢٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَالطير فَلَمَّا جعلهَا جمَاعَة كني عَنْهَا بِلَفْظ الْجمع وَلم يكن عَنْهَا بالتثنية للعسكرين الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي عظم الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول ان الطير تصْحَب عسكره اعتيادا لِكَثْرَة وقائعها لتأكل من لُحُوم الْقَتْلَى
[ ٣ / ٣٣٦ ]
فَكَأَنَّهَا من عديد حشمه فَإِذا رمي عسكرا بخيله وطيره أهلكه وَهُوَ من قَول النَّابِغَة
(إِذا مَا غَزَوْا فِي الجَيْشِ حَلِّقَ فْوقَهمْ عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَد بعَصائِبِ)
وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا ادري كَيفَ خص الجماجم بِالْبَقَاءِ دون سَائِر الْعِظَام وَلَا أعرف للخيل فِي هَذَا معنى بل للطير لِأَنَّهَا لَا تَأْكُل عِظَام الْمَوْتَى وَذَلِكَ أَن الْخَيل إِذا حملت من عَلَيْهَا أهلكوا من وقف وَالطير تاكلهم فَلَا تدع إِلَّا الْعِظَام للوحش وَخص الجماجم من بَين الْعِظَام لِأَنَّهَا اكبر عظم فِي الْإِنْسَان وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِنَّهُم كَانُوا يقتلُون وَيَأْسِرُونَ فَكَانُوا يَأْخُذُونَ رُؤُوس الْقَتْلَى يجعلونها فِي أَعْنَاق الأساري فَلهَذَا لم تبْق إِلَّا الجماجم
٢٨ - الْغَرِيب الأجلة جمع جلّ والملاغم مَا حول الْفَم الْوَاحِد ملغم وملغمت الْمَرْأَة إِذا تطيبت حول الْفَم وَقيل لأعرابي مَتى الْمسير فَقَالَ تلغموا بِيَوْم السبت أَي اُذْكُرُوهُ يَوْم السبت يُرِيد حركوا ملاغمكم بِذكر السبت كَمَا تَقول تفوهوا الْمَعْنى يُرِيد أَن أجلة خيله ثِيَاب من طَغى عَلَيْهِ وَخَالفهُ وموطئها من كل من بغي عَلَيْهِ وَجهه وَهَذَا مُبَالغَة وَلَا تتمّ هَذِه الصّفة إِلَّا بعد الإمعان فِي قَتلهمْ وبلوغ الْغَايَة من الظُّهُور عَلَيْهِم
٢٩ - الْإِعْرَاب أَرَادَ تغير فِيهِ فَحذف الظّرْف وأوصل الْفِعْل كَقَوْل الراجز
(قَدْ صُبِحَتْ بِصَبْحِها السًّلامُ بِكَبدِ يَتْبَعُها سنامُ)
(فِي ساعةٍ يُحيبُّها الطَّعامُ )
يُرِيد يحب فِيهَا وكقولهم أَقمت ثَلَاثًا مَا أذوقهن طَعَاما أَي أذواق فِيهِنَّ وَالضَّمِير فِي تزاحمه مفعول بِهِ وَلَيْسَت فِي معنى تزاحم فِيهِ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يُغير عِنْد الصُّبْح وَهُوَ عَادَة الْعَرَب فِي غاراتها لليغفلوا الْقَوْم وَكَانُوا يَقُولُونَ عِنْد الْغَارة واصباحاه فَيَقُول قد مل الصُّبْح وسئم وضجر مِمَّا تغير فِيهِ وَكَذَا اللَّيْل من مزاحمتك هُوَ أَنَّك تبلغ كل مَوضِع يبلغهُ اللَّيْل وَقَالَ الواحدي تغير وتزاحمه يجوز أَن يكون للخطاب وَيجوز أَن يكون للخيل وَقيل فِي معنى الْبَيْت تغيره تحمله على الْغيرَة بِمَا يزِيد على بياضه بريق أسلحتك وتزاحم اللَّيْل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك وَقَالَ ابْن الإفليلي تزاحم اللَّيْل بغبار خيلك فَكَأَنَّهُ ليل آخر
[ ٣ / ٣٣٧ ]
- الْمَعْنى قَالَ الواحدي ملت رماح الْأَعْدَاء من دقك أعاليها وملت سيوفك من ملاطمتك إِيَّاهَا والملاطمة الْمُقَاتلَة بالترس والمجن قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد رماح عسكره وَسُيُوفهمْ على أَن يرفع الصُّدُور يَقُول رماحك من كَثْرَة مَا تدق صدورها أعداءك قد ملت وملت سيوفك من الشَّيْء الَّذِي تلاطمه لِكَثْرَة وقعها عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن وَكِيع الملاطمة لَا تكون إِلَّا بَين أثنين فَلَو قَالَ مَعَ تدق تلطم لَكَانَ أحسن فِي الصِّنَاعَة وَأحسن من هَذَا قَول الْقَائِل
(حَرَامٌ عَلى أرْماحِنا طَعْنُ مُدْبِرٍ وتَنْدَقُ مِنها فِي الصُّدُورِ صُدورهُا)
٣١ - الْغَرِيب العقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير مَعْرُوف من الْجَوَارِح وَأَنت السَّحَاب الثَّانِي وَذكر الْأَخير الأول وَذَلِكَ أَن كل جمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء يجوز تذكيره وتأنيثه فَذكر الثَّانِي وَأَنت الأول أَخذ بالأمرين وَلَو قَالَ تَحْتَهُ لما تغير الْوَزْن وَيجوز أَن يكون التَّأْنِيث لجمع العقبان والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه جعل الطير الَّتِي تطير فَوق عسكره سحابا وَجعل جَيْشه سحابا لما فِيهِ من بريق الأسلحة وصب الدِّمَاء وَصَوت الْأَبْطَال وَجعل الْأَسْفَل يسْقِي الْأَعْلَى إغرابا فِي الصَّنْعَة شبه العقبان بسحب يظل الجيوش ويزحف تحتهَا سَحَاب يُرِيد الْجَيْش إِذا استسقت العقبان بِطَلَب الدَّم سقتها صوارمه لِأَنَّهَا تقتل الْأَعْدَاء فَتَشرب العقبان دِمَاء الْقَتْلَى هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا انْتهى كَلَامهمَا وتعنت قوم على أبي الطّيب مِمَّن هُوَ مقصر فِي معرفَة تدقيق الْمعَانِي بأمرين أَحدهمَا قَالَ إِن السَّحَاب لَا يسْقِي مَا فَوْقه وَالْآخر أَن الطير لَا تستقي وَإِنَّمَا تستطعم أما إسقاء السَّحَاب مَا فَوْقه فَهُوَ الَّذِي أغرب بِهِ فَإِنَّهُ لم يَجْعَل الْجَيْش سحابا فِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع إسقائه لما فَوْقه وَإِنَّمَا أَقَامَهُ مقَام السَّحَاب لِأَنَّهُ طبق الأَرْض لكثرته وتزاحمه وغطاها كَمَا يُغطي السَّحَاب السَّمَاء وَقد فعلت الْعَرَب ذَلِك فِي أشعارها وَلما جعله يَسْتَسْقِي فيسقي مَعَ أَن الطير لَا تصيب من الْقَتْلَى مَا تصيبه وَهِي فِي الجو وَإِذا كَانَت تهبط إِلَى الأَرْض حَتَّى تقع على الْقَتْلَى فالسحاب الساقي عَال عَلَيْهَا وَأما استسقاء الطير فجار على عَادَة الْعَرَب فِي أشعارها فِي اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة تَعْظِيمًا لقدر المَاء كَقَوْل عَلْقَمَة بن عَبده
(وَفِي كُلّ حَىّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَة فَحَقّ لِشأسٍ مِنْ نَداَكَ ذَنُوبُ)
وَكَانَ ملك الشَّام قد أسر أَخَاهُ شأسأ فَبعث إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات يطْلب مِنْهُ أَن يفكه وأصل الذُّنُوب الدَّلْو الْعَظِيمَة إِذا كَانَ فِيهَا المَاء وَقد قَالَ رؤبة
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(يَا أُيها المَائحُ دَلْوي دُونكا إنّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحمَدُونكا)
وهما لم يستسقيا مَاء فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا أَحدهمَا إستطلق أَسِيرًا وَالْآخر طلب عَطاء كثيرا وَأما قَوْله فِي صُحْبَة الطير لحبشة فَهُوَ كثير فِي الأشعارهم قَالَ الأفوه الأودي
(وَتَرىَ الطَّيْرَ عَلى آثارِنا رَأيَ عَينٍ ثِقَةً أنْ سَمُّارُ)
مَعْنَاهُ تُعْطِي الْميرَة بِمَا تَجِد من لُحُوم الْقَتْلَى قَالَ النَّابِغَة
(إذَا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حِلقَّ فوْقَهمْ عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَدي بِعَصائبِ)
وَقَالَ أَبُو نواس
(يَتَأيَّا الطَّيْرُ غَدْوتَهُ ثِقَةً بالشِّبَعِ مِنْ جَزَرِهْ)
وَبَيت أبي الطّيب مَنْقُول من قَول حبيب
(وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أعْلامِهِ ضُحىً بِعِقْبان طَيرٍ فِي الدّماءِ نَوَاهِلِ)
(أقامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كَأنَّها مِنْ الجَيْشِ إلاَّ أَّنها لمْ تُقاتِلِ)
٣٢ - الْغَرِيب المؤيدات القويات يُقَال أيدته قويته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ذَا الأيد إِنَّه أواب﴾ يُرِيد الْقُوَّة الْمَعْنى يصف كَثْرَة مَا لَقِي من صروف الدَّهْر وتقلبه وشدته حَتَّى لَقِي سيف الدولة وَجعل عزمه مركوبا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَافر إِلَّا بعزمه وَلما جعله مركوبا جعل لَهُ ظهرا وقوائم وَجعلهَا مؤيدات قويات وَهَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة
٣٣ - الْإِعْرَاب نصب مهالك بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام تَقْدِيره قطعت مهالك وَقد قَالَ قوم هِيَ بدل من صروف وَلَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهَا لَيست من صروف الدَّهْر فِي شَيْء الْغَرِيب القوادم صُدُور ريش الْجنَاح من الطَّائِر أَربع فِي كل جنَاح الْمَعْنى يَقُول قطعت إِلَى لِقَاء سيف الدولة مهالك لَو قطعهَا الذِّئْب لما صحبته نَفسه لشدَّة الْخَوْف لِأَنَّهُ يَمُوت خوفًا فِيهَا والغراب لَو سلكها لم نصحبه قوادمه وَلم يقدر على الطيران وَخص الْغُرَاب وَالذِّئْب لِأَنَّهُمَا يألفان الْأَمْكِنَة الْبَعِيدَة عَن النَّاس وَإِذا كَانَا عاجزين عَن قطع هَذِه المهالك فغيرهما أعجز عَن قطعهَا
[ ٣ / ٣٣٩ ]
- الْغَرِيب عبر النَّهر شطه والعائم السابح الْمَعْنى يَقُول أَبْصرت بَدْرًا إِذا طلع الْبَدْر لم ير تَحْتَهُ مثله فاستعار الرُّؤْيَة للبدر قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ لَا يرى الْبَدْر مثله على أَن يكون مثله فَاعِلا لَكَانَ جيدا وَالْمعْنَى يَقُول أَبْصرت من سيف الدولة فِي الْحسن والصباحة والطلاقة بَدْرًا لَا يرى بدر التَّمام مثله مَعَ اطِّلَاعه على الدُّنْيَا كلهَا وخاطبت مِنْهُ بحرا لَا يرى السابح فِيهِ ساحله يُرِيد بدر كرم وَمولى نعم يستعظم الْبَدْر أمره ويصغر دونه وَلَا يعْهَد مثله وَفِيه نظرا إِلَى قَول الشَّاعِر
(وَإنَّ منَّا أُناسا لَوْ أعانُهمُ دَهْرٌ رَأيْتَ بُحوُرا مَا لَها طَرَفُ)
وَقَول البحتري
(وَمَنْ يَرَ جَدْوَى يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ يَرَ البَحْرَ لمْ يَجْمَعَ جَنابَيْهِ ساحلٌ)
إِلَّا ان أَبَا الطّيب زَاد عَلَيْهِمَا بالبدر وجزالة اللَّفْظ
٣٥ - الْغَرِيب الطماطم جمع طمطم وَهُوَ الَّذِي لَا يفصح يُقَال رجل طمطم بِالْكَسْرِ إِذا كَانَ فِي لِسَانه عجمة لَا يفصح وطمطماني بِالضَّمِّ وطماطم وَقَالَ عنترة
(تأوى لَهُ قلص النعام كَمَا أوت حزق يَمَانِية لأعجم طمطم)
وَقَالَ كثير
(وَمُقَرَبَةٌ دُهْمٌ وَكُمْتٌ كَأَّنَها طَماطُم يُوفُونَ الوَقارَ عنادِلُ)
الْمَعْنى يَقُول لما رَأَيْت صِفَاته وَهِي كَثِيرَة جليلة غضِبت لكثرتها بِلَا واصف من شعرائه الَّذين يمدحونه لقصورهم عَن وصفهَا فَلَمَّا رَأَيْت الشُّعَرَاء مقصرين عَن وصفهَا فِي الْمَدْح جِئْت إِلَيْهِ ليعلم مَكَاني فِي الْمَدْح وَشبه مَا كَانَ مدح بِهِ الممدوح بالطماطم الَّتِي هِيَ أصوت لَا تفهم لأَنهم لَا يحسنون أَن يمدحوه وَلَا أَن يَأْتُوا بأوصافه على الاسْتقَامَة
٣٦ - الْغَرِيب يمت قصدت الْمَعْنى يَقُول كنت إِذا قصدت إِلَى الممدوح أَرضًا بعيدَة سريت لَيْلًا مُشْتَمِلًا بالظلام فَكَأَنِّي سر وَاللَّيْل كاتمه وَهَذَا مَنْقُول من قَول البحتري
(وَطَيَّكَ سِرا لَوْ تَكَلَّفَ طَيُّهُ دُجىَ اللِّيلِ عَنَّا لَمْ تَسَعُه ضَمائِرُهُ)
وَنَقله الصاحب بن عباد من قَول أبي الطّيب
[ ٣ / ٣٤٠ ]
(تَجَشَّمْتُهُ وَاللَّيلُ وَحْفُ جَناحُه كأّنَي سِرٌ وَالظَّلامُ ضَمِيرُ)
وَنَقله البحتري من قَول قعنب
(سريا بِهِ وَاللَّيْل داج ظلامه فَكَانَ لنا قلبا وَكَانَ لَهُ سرا)
٣٧ - الْإِعْرَاب معلما حَال من الْمجد أَي أعلم بِهِ النَّاس وأظهره الْمَعْنى يَقُول إِن الشّرف ومعالي الْأُمُور أظهره للنَّاس وَحمله على قتل الْأَعْدَاء فَلَا يغمده الْمجد وَلَا يثلمه الضَّرْب لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَو كَانَ سَيْفا من حَدِيد لثلمه الضَّرْب وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
٣٨ - الْغَرِيب من روى الْملك بِفَتْح الْمِيم أَرَادَ الْخَلِيفَة وَمن رَوَاهُ بِضَم الْمِيم وَهُوَ أَكثر وروايتي عَن شَيْخي أَرَادَ المملكة والأغر الْأَبْيَض الْكَرِيم ونجاد السَّيْف حمائله والعاتق مَوضِع النجاد على كتف الرجل والعاتق يذكر وَيُؤَنث وقائم السَّيْف قَبضته الَّتِي تكون فِي يَد الضَّارِب بِهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ سيف يتقلده الْخَلِيفَة على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهُوَ زين للخليفة نَاصِر لدين الله وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى هُوَ سيف على عاتق المملكة نجاده يتزين بِهِ الْملك فَهُوَ من الْملك فِي أرفع موَاضعه وَمن تأييد الله بالجد الَّذِي يمضيه فِيهِ فِي أَعلَى مواقعه وَإِذا كَانَ كَذَلِك اكتفه نَصره وساعدته أقداره فَحِينَئِذٍ يبلغ مُرَاده من أعدائه وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(لَقَدْ خابِ مَن أهْدَى سُويداء قلبِهِ لَحدْ سنانٍ فِي يَدِ اللهِ عامِلُهْ)
وَقد كَرَّرَه أَبُو الطّيب فِي سيف الدولة بقوله
(فأنْتَ حُسامُ المُلْكِ وَاللهُ ضارِبُ )
٣٩ - الْغَرِيب عبيده جمع عبد وَأكْثر الرِّوَايَات عباده وَعبيد مثل كلب وكليب وَهُوَ جمع عَزِيز وَقد جَاءَ فِي جمعه أعبد وَعباد وعبدان بِالضَّمِّ مثل تمر وتمران وعبدان بِالْكَسْرِ مثل جحشان وعبدان بِكَسْر أَوله وثانيه مشددا وعبداء ممدودا ومقصورا ومعبوداء بِالْمدِّ وَعبد أنْشد الْأَخْفَش ٠ أُنْسَبِ العَبْدَ إِلَى آبائِهِ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِنْ قَوْمٍ عَبَدْ)
فَهُوَ مثل سقف وسقف وَرهن وَرهن وَهُوَ جمع جيد وَله نَظَائِر والغنائم
[ ٣ / ٣٤١ ]
وَاحِدهَا غنيمَة وَهُوَ المَال الَّذِي يُؤْخَذ من الْكفَّار إِذا ظفر بهم وروى عتيدة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا والعتيد الشَّيْء الْحَاضِر المهيأ والعتاد الْعدة والأهبة والآلة يُقَال أخذت لِلْأَمْرِ عتاده أَي آلَته الْمَعْنى يَقُول الْأَعْدَاء عبيد لَهُ لِأَنَّهُ يسببهم ويسترقهم وَيملك رقابهم يحاربونه وهم عبيده وَهُوَ يتعجب من هَذَا ويدخرون الْأَمْوَال وَهِي غَنَائِم لَهُ لانه يحويها بالإغارة عَلَيْهِم فَهِيَ غير ممتنعة عَلَيْهِ
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول هم يعدون الدَّهْر كَبِير الْأَمر عَظِيم الشَّأْن والدهر دونه لانه مُسْتَعْمل بِحَسب إِرَادَته تقرب لَهُ فِيهِ السَّعَادَة بغيته ويسهل عَلَيْهِ الإقبال فِيهِ رغبته ويستعظمون الْمَوْت وَهُوَ أعظم حَادث لِأَنَّهُ يطيعه فِي أعدائه فَهُوَ يدمر أعمارهم ويقلل عَددهمْ
٤١ - الغرب على اسْم سيف الدولة وَهُوَ فعيل أَصله عليو من عَلَوْت فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء والعلي الشَّديد الرفيع الْمَعْنى يَقُول أنصفه الَّذِي سَمَّاهُ عليا بِمَا يسْتَحقّهُ من علو الْمنزلَة والرفعة لِأَنَّهُ عالي الْقدر وَقد ظلمه الَّذِي سَمَّاهُ سَيْفا لِأَن السَّيْف جماد لَا يعقل وَلَا يفعل مَا يَفْعَله هَذَا الممدوح لِأَن الجوامد لَا تُوصَف بِحسن وَلَا بقبيح وَلَا بمعقول وَإِنَّمَا هِيَ شخوص مرتبطة لَيْسَ عِنْدهَا نطق وَلَا عِبْرَة وَهَذَا يولي الْإِحْسَان ويبر الْأَهْل والإخوان ويحمي بقوته وهيبته الْبلدَانِ وَيخَاف بأسه كل سُلْطَان قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول سَمَّاهُ عليا لَكَانَ أشبه بآخر الْبَيْت وَهَذَا جَائِز حسن لِأَن الْمَفْعُول حذفه كثير من الْكَلَام
٤٢ - الْغَرِيب اللزبة وَاحِدَة اللزبات وَهِي الشدَّة يُقَال لزبة ولزبات أَي شدَّة وقحط قَالَ أَبُو الْفَتْح والواحدي نَقله مِنْهُ وَالْوَجْه أَن يُقَال لزبات بِفَتْح الزَّاي وَإِنَّمَا سكن الزَّاي ضَرُورَة وَلَيْسَ كَمَا ذكرا فقد قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه أَصَابَتْهُم لزبه أَي شدَّة وقحط وَالْجمع لزبات بالتسكين لِأَنَّهُ صفة الْمَعْنى يَقُول هُوَ أفضل من السَّيْف فقد ينبو حد السَّيْف فَلَا يقطع وَمَكَارِم هَذَا الممدوح تذْهب شَدَائِد الزَّمَان وتقطعها عَن كل إِنْسَان فَلَا يشبه فعله فعل السَّيْف حَتَّى يُسمى باسمه فقد بَان لَهُ على السَّيْف فضل ظَاهر وَشرف بَين فاخر وانه يقصر عَنهُ ويتواضع دونه
[ ٣ / ٣٤٢ ]
- ١ الْغَرِيب الإزماع الْعَزْم على الرحيل والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة والربا جمع ربوة وَخص الربادون غَيرهَا لِأَن الرَّوْضَة إِذا كَانَت على يفاع من الأَرْض كَانَت أحسن الْمَعْنى يَقُول أَيْن وَهُوَ سُؤال عَن مَكَان أَي أَي مَكَان عزمت عَلَيْهِ أَيهَا الْملك قَالَ الواحدي وَنحن وَنحن لَا عَيْش لنا إِلَّا بك فَإِذا فارقتنا لم نعش كنبات الرِّبَا لَا يبْقى إِلَّا بالغمام لِأَنَّهُ لَا شرب لَهُ إِلَّا من مَائه وَغير نَبَات الرِّبَا يُمكن أَن يجْرِي إِلَيْهِ المَاء وَهُوَ من قَول الآخر
(نَحْن زَهْرُ الرّبا وَجُودُكَ غَيْثٌ هَلْ بِغَيرِ الغُيُوثِ يُونِقُ زَهْرُ)
هَذَا كَلَامه وَهُوَ كَلَام أبي الْفَتْح نقلا وَالْمعْنَى يَقُول أَي أزمعت أَيهَا الْملك عَنَّا وَنحن الَّذين أظهر تهم نِعْمَتك إِظْهَار الْغَمَام لنبت الرِّبَا وَهُوَ من آنق النبت وَلِهَذَا ضرب الله بِهِ الْمثل فِي قَوْله ﴿كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وابل﴾ وَهُوَ مَعَ ذَلِك أقرب النبت موضعا من الْغَمَام وأشده افتقارا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُقيم فِيهِ ويسرع الانسكاب عَنهُ وَلِهَذَا شبه أَبُو الطّيب حَاله بِهِ قَالَ ابْن وَكِيع أول هَذِه القصيدة سوء أدب لسؤاله ملكا جَلِيلًا بأين أزمعت وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول أبي فنن
(لَعَمْرُكَ إنَّني وَأبا عَليّ كَنَبْتِ الأرْضِ تَصْلِحُه السَّماءُ)
٢ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اللَّام فِي لَهُ زَائِدَة وَله نَظَائِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ردف لكم﴾ وَقَوله ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ وَقَول الشَّاعِر
(أرِيدُ لأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تُمَثَّلُ لي لَيْلى بِكُلّ سبيلِ)
يُرِيد أَن أنسى وَقَالَ ابْن ميادة
(وَمَلَّكْتَ مَا بَينَ العِرَاقِ وَيَثْرِبٍ مَلِكا أجارَ لِمسُلِمٍ وَمُعاهِدِ)
يُرِيد أَجَارَ مُسلما ومعاهدا وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿ردف لكم﴾ أَي ردفكم وَنصب قربك على الْمَفْعُول الثَّانِي يُقَال خَان الزَّمَان زيدا ملكه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَلَا يجوز نَصبه على الظّرْف لِأَنَّهُ يصير ذما للمدوح وَإِقْرَار بِأَن الزَّمَان خَانَهُمْ فِي حَال اقترابهم مِنْهُ وَقيل أَرَادَ نَحن من ضايقه الزَّمَان فَحذف الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وَقَالَ ابْن فورجة الضَّمِير فِي لَهُ للزمان مَعْنَاهُ نَحن الَّذين ضايقهم الزَّمَان فِيك لنَفسِهِ ولأجله ليَكُون لَهُ دونهم كَمَا تَقول هم الَّذين رضيهم زيدا لَهُ أَي لنَفسِهِ وإلحاق اللَّام بالمفعول قبح جدا وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْمَعْنى يَقُول نَحن الَّذين ضايقهم الزَّمَان فِيك فيبخل عَلَيْهِم بك فيحرمهم لقائك ويباعد بَينهم وَبَيْنك وتخونهم الْأَيَّام فِي الْقرب مِنْك يُشِير إِلَى أَن الزَّمَان يعشقه ويغار على قربه فَهُوَ يُرِيد أَن ينْفَرد بِهِ دون النَّاس وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول مُحَمَّد بن وهيب
(وَحارَبَنِي فيهِ رَيْبُ الزَّمانِ كَأنَّ الزَّمانَ لَهُ عاشِقُ)
٣ - الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَهُوَ الصُّلْح والإجذام الْإِسْرَاع فِي السّير قَالَ طرفَة
(أحَلْتُ عَلَيْها بالقَطِيعِ فأجْذَمَتْ وَقَدْ خَبَّ آلُ الأمْعَزِ المُتَوَقِّدِ)
والإجذام الإقلاع عَن الشَّيْء بِسُرْعَة قَالَ الرّبيع بن زِيَاد
(وَحرَّقَ قَيْسٌ عَليَّ البلادَ حَتَّى إذَا اضْطرَمَتْ أجْذَما)
وَقيس هَذَا هُوَ ابْن زُهَيْر الْعَبْسِي الْمَعْنى يَقُول كل فعالك فِي سَبِيل المكارم الْعَالِيَة إِن قَاتَلت أَو سالمت فَأَنت فِي طلاب العلياء وَأَنَّك لَا تألف من ذَلِك إِلَّا مَا شرف قدره وَظهر فَضله
٤ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي لَيْت أَنا مَعَك نحمل عَنْك الْمَشَقَّة فِي مسيرك ونزولك فِي سفرك هَذَا معنى الْبَيْت وَلكنه أَسَاءَ حَيْثُ تمنى أَن يكون بَهِيمَة وجمادا وَلَا يحسن بالشاعر أَن يمدح غَيره بِمَا هُوَ وضع مِنْهُ وَلَا يحسن أَن يَقُول لَيْتَني امْرَأَتك انْتهى كَلَامه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح طعن عَلَيْهِ قوم تعصبوا عَلَيْهِ فَقَالُوا الْخيام يَعْلُو من تحتهَا وَقد جعله دونهَا فَأجَاب عَنهُ نظما
(لَقَدْ نَسَبُوا الخيامَ إِلَى عَلاءِ )
وتلخيص الْمَعْنى ليتنا نقيك الْأَذَى ونتحمل عَنْك الردى وَالْمعْنَى لَيْت أَنِّي وَمن يتَّصل بِي نتحمل من موقرتك مَا تتحمله الْخَيل عِنْد رحيلك وننوب فِي صيانتك عَن الْخيام عِنْد إقامتك رَغْبَة فِي الشّرف بقربك وَالْقَضَاء لحقوق فضلك
٥ - الْمَعْنى يَقُول كل يَوْم لَك يحدث سفرا وَهُوَ دَلِيل على علو همتك وَفِي كل يَوْم لَك رحيل يُقيم فِيهِ الْمجد عنْدك لِأَنَّهُ يطْلب الْمجد وَلِأَن الْمجد مَعَك حَيْثُمَا كنت
[ ٣ / ٣٤٤ ]
كَقَوْل الْأَزْدِيّ
(المَجْدُ صاحِبْكَ الَّذي حالفْتَه أبدا فَرَوْضَتهُ المريعةُ مَرْبَعكْ)
(فَإِذا رَحَلْتَ سرَيْتَ تحتَ ظِلالِهِ وَإذا رَتَعْتَ فَفِي ذُرَاهُ مَرْتَعُكْ)
وكقول حبيب
(كُلَّما زرْتُهُ وَجَدْتُ لَدَيْهِ نَشَبا ظاعِنا وَمجْدًا مُقيما)
٦ - الْمَعْنى يَقُول إِذا عظمت الهمة وَكَبرت النَّفس تَعب الْجِسْم فِي طلب الْمَعَالِي من الْأُمُور وَلَا يرضى بالمنزلة الدنيئة فيطلب الرُّتْبَة الشَّرِيفَة كَقَوْل العتابي
(وَإنَّ عَلِيَّاتِ الأُمُورِ مَثُوبَةٌ بِمُسْتَوْدعاتٍ فِي بُطُونِ الأساوِدِ)
وَبَيت أبي الطّيب من كَلَام أرسطا طاليس إِذا كَانَت الشَّهْوَة فَوق الْقُدْرَة كَانَ هَلَاك الْجِسْم دون بُلُوغ الشَّهْوَة وَقَالَ ابْن وَكِيع لم يَأْخُذ من الْحَكِيم وَإِنَّمَا أَخذ من أهل صناعته فَأخذ قَوْله من قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر
(فَقالُوا أَلا تَلْهُو لِتُدْرِكَ لَذَّةً فَقُلت وَكيْفَ اللَّهو وَالهمُّ حاجِزُ)
(وَنَفْسِي تُعاني أنْ تُقيِمَ مُروءَتي عَلى غايَتِي فِي المجْد وَالجَهدُ عاجِز)
وَمن قَول ابْن أبي زرْعَة
(أهْلُ مَجْدٍ لَا يَحْفِلونَ إذَانا لُوا جَسِيما أنْ تُنهَكَ الأجْسامُ)
وَمن قَول الحصني
(نَفْسِي مُوَكَّلَةٌ بِالمجْدِ تَطْلُبُه وَمَطْلب المجْدِ مَقْرونٌ بِه التَّلفُ)
وَمن قَول ابْن جَابر
(إذَا مَا عَلا المَرْءُ رَامَ العُلى وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كانَ دُونا)
وَمن قَول حبيب
(فَعَلِمْنا أنْ لَيْس إِلَّا بِشِقَّ النَّفْفْس صَار الكَريِم يدْعَى كَرِيما)
(طَلَب المْجدِ يُورِث النَّفْس خَبْلًا وهموما تُقَضْقِضّ الحيزوما)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ
(فَيامَنْ يَكُدُّ النَّفْس فِي طَلبِ العُلى إِذا كَبِرتْ نَفْسُ الفَتى طَال شُغْلُهُ)
[ ٣ / ٣٤٥ ]
- الْغَرِيب البدور جمع بدر وَإِنَّمَا أَرَادَ بدر السَّمَاء وَهُوَ وَاحِد فَكَأَنَّهُ جعل بدر كل شهر على حياله بَدْرًا فَجمع لذَلِك الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك بدر وبحر فعادتك كعادتهما لِأَن الْبَدْر يطلع تَارَة ويغيب تَارَة وَالْبَحْر يموج ويضطرب ويتحرك وَكَذَا أَنْت تقلق فِي الْأَسْفَار كالبدور تطلع علينا سائرة وتبدو لأعيننا رَاحِلَة وَالْبَحْر يمد ويجزر ويضطرب فَبين بِهَذَا أَنه من عظم شَأْنه لَا يسْتَقرّ بِهِ مَوضِع
٨ - الْمَعْنى يَقُول لَو كلفنا غير فراقك عَنَّا لصبرنا صبرا جميلا كعادتنا مِنْهُ إِلَّا أَنا لَا طَاقَة لنا فِي بعْدك وَلَا طَاقَة لنا بِاحْتِمَال نواك كَقَوْل حبيب
(الصَّبْر يحْسُن فِي المَواطِنِ كُلِّها إلاَّ عَلَيْك فإنَّه مَذْمومُ)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(جَلِيدٌ عَلى خَطْبِ الأمُورِ إذَا التَوَت وَلِيْسَ عَلى عتْبِ الأخِلاَّءِ بالجَلدْ)
وكقول الآخر
(وَقَالَ أناسٌ لَوْ صبْرتَ وإنَّنِي عَلى كُلّ شيءٍ مَا خَلا البَيْنَ صابرُ)
٩ - الْإِعْرَاب قَامَت الْهَاء مقَام خبر كَانَ والأجود لَو قَالَ تكن إِيَّاهَا وَهُوَ كبيت
(دعِ الخَمْر يَشْرَبها الغُواة فإنَّني رأيْت أخاها مُغْنيا بِمَكانِها)
(فَإلاَّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُ أخُوها غَذتهُ أمُّهُ بلِبانِها)
الْمَعْنى يُرِيد كل حَيَاة لم تطبها بقربك فَهِيَ موت وكل شمس ظلمَة إِذا لم تكن أَنْت الشَّمْس وَالْمعْنَى من كَانَت هَذِه حَاله فالصبر عَنهُ مَذْمُوم
١٠ - الْغَرِيب اللهام الْعَظِيم الَّذِي يلتهم كل شَيْء فيهلكه وَيذْهب بِهِ الْمَعْنى يَقُول أقِم عندنَا لتزول الوحشة عَنَّا يَا من بِهِ يأنس الْجَيْش لقوتهم بمكانه فيهم وَإِن كَثُرُوا فَإِنَّهُم يأنسون بِهِ ثِقَة بشجاعته ويعتد بِهِ أَكثر من اعتداده بجماعته
[ ٣ / ٣٤٦ ]
- الْغَرِيب الوغى الْحَرْب وأصوات الْحَرْب يُقَال بِالْعينِ والغين والحاء والذمام الْعَهْد الْمَعْنى يَقُول وَالَّذِي يشْهد الْحَرْب غير مُضْطَرب الجأش كَأَن الْقِتَال عاهده أَن لَا يقتل فَهُوَ يسكن إِلَى الْقَتْل سكونه إِلَى الذمام فَهُوَ يحضرها ثَبت النَّفس غير حافل بشدتها وَهُوَ من قَول حبيب
(مُتَسَرّعِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما بَينَ الحُتُوفِ وَبَيْنَهُمِ أرْحامُ)
وَمن قَول مُحَمَّد بن نواس
(يَتَبادَرونَ إِلَى الهِياجِ كَأنَّما بَدَرُوا إِلَى صِلةٍ مِن الأرْحامِ)
١٢ - الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل والفهاق جمع فهقة وَهِي الْعظم الَّذِي يكون على اللهاة وَهُوَ مركب الرَّأْس فِي الْعُنُق قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ قُرَّة بن خَالِد سُئِلَ عبد الله بن عتبي عَن المتفهقين فَنفخ وجافى يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ وَنفخ شدّ قيه قَالَ أَبُو حَاتِم أَصله من الفهقة وَهُوَ الَّذِي عقد عُنُقه تيها وكبرا والأقدام جمع قدم الْمَعْنى يَقُول وَالَّذِي يضْرب الجيوش بِسَيْفِهِ وَيقطع أَعْنَاقهم حَتَّى تتلاقى مَعَ الْأَقْدَام وَقيل الفهقة خرزة الْعُنُق الْمُتَّصِلَة بِالظّهْرِ وَسميت فهقة لأنما تفهق موضعهَا أَي تماؤه
١٣ - الْمَعْنى إِذا نزل سَاعَة بمَكَان صَار ذَلِك لَك الْمَكَان فِي ذمَّته فَلَا تنزل بِهِ الْحَوَادِث وَلَا يُصِيبهُ الزَّمَان بأذى من قحط وجدب وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة إِذا نزل بِبَلَد أجاره على الدَّهْر وكف عَنهُ صروفه وَحرم أَذَاهُ وَأمن ببركته الْمَكْرُوه
١٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَن السرُور والطرب يقيمان بذلك الْمَكَان لَا يفارقانه فَكَأَن السرُور نَبَات ذَلِك الْبَلَد لكثرته فِيهِ وَكَأن المدام سحابه لظُهُور فَرح أَهله بِهِ قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ وَالَّذِي ينْبت الْبِلَاد بهائر فَجمع بَين المشروب والمشموم لَكَانَ أحسن وَهُوَ من قَول البحتري
(وَيَوْمٍ بالمَطِيرَةِ أمْطَرَتْنَا سمَاءٌ صَوْبَ وَابِلهِا عُقارُ)
[ ٣ / ٣٤٧ ]
- الْمَعْنى يُرِيد أَنه يبلغ فِي الْكَرم مَالا يرتقب الزِّيَادَة فِيهِ وَيفْعل مِنْهُ كل مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمعرفَة فَإِذا قيل هَذَا غَايَة الْكَرم أبدع فِيهِ مَا لَا عهد لأحد بِمثلِهِ وَلَا يبلغهُ كريم بِجهْدِهِ وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْكِرَام وَهُوَ من قَول البحتري
(طَلُوبٌ لأَقْصَى غايَةٍ بَعْدَ غايَةٍ إذَا قِيلَ يَوْما قَدْ تَناهَى تَزَايَدًا)
١٦ - الْغَرِيب كع الرجل يكع بِكَسْر الْكَاف وَقد فتحهَا قوم وكع وكاع بِمَعْنى وَاحِد إِذا عجز عَن الشَّيْء والارتياح الاهتزاز للكرم الْمَعْنى يَقُول أرانا كفاحا تعجز عَنهُ الأعادي وينكصون على أَعْقَابهم مِنْهُ وارتياحا أَي اهتزاز للكرم تتحير مِنْهُ الْعُقُول وتعجز الْأَنَام عَنهُ
١٧ - الْمَعْنى يَقُول إِن فِي الْقُلُوب من هيبته مَا يَكْفِيهِ عَن السَّيْف وَمَا يشبه السَّيْف فِي نفاذه والشجاع يهابه ويخافه فَلَا يُقيم عَلَيْهِ فَإِذا لَا يحْتَاج إِلَى دفعهم بِالسَّيْفِ إِذْ هيبته تقوم فِي قُلُوبهم كالسيف قَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي دلف
(وَيصُولُ الإمامُ فِي حَيْثما صالَ وَفي صَوْلَةِ الإمامِ الحِمامُ)
١٨ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن توقاه الشجاع وَحفظ مِنْهُ نَفسه فَذَاك مِنْهُ كثير والبليغ إِن أمكنه أَن يسلم عَلَيْهِ فَذَلِك غَايَة بلاغته وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لِأَن هيبته توجب أَن لَا ينْطق أحد بَين يَدَيْهِ وَقد ذهب قوم إِلَى أَن مُرَاده أَن الشجاع بكثر التوقي مِنْهُ لِأَنَّهُ يُشَاهد من الهيبة مَا يحملهُ على ذَلِك والبليغ يسلم تَسْلِيمًا بعد تَسْلِيم فيكثر السَّلَام لِأَنَّهُ لَا يقدر على غير وَالْأول أشبه
[ ٣ / ٣٤٨ ]
- ١ الْغَرِيب الارتياح انبساط الْخلق بِالْمَعْرُوفِ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة أَنا مِنْك بَين فَضَائِل باهرة وَمَكَارِم شَامِلَة وَمن ارتياحك فِي سَحَاب لَا يقْلع وَعَطَاء لَا يقطع
٢ - الْغَرِيب الحالم النَّائِم حلم بِالْفَتْح يحلم فَهُوَ حالم إِذا رأى فِي مَنَامه شَيْئا وحلم بِضَم اللَّام من الْحلم وحلم الْأَدِيم بِالْكَسْرِ الْمَعْنى أَنْت عَظِيم الْقدر تحتقر الْأَشْيَاء الْعَظِيمَة فَإِذا رَأَيْت كَثْرَة مواهبك الَّتِي تحتقرها ظَنَنْت أَنِّي فِي نوم لِأَن الْعَادة لم تجر بذلك فِي الْيَقَظَة وَمَا فِي قَوْله فِيمَا ألاحظه نكرَة كَأَنَّهُ قَالَ فِي شَيْء ألاحظه بعيني حالم غير مُحَقّق ومتوهم غير مُصدق
٣ - الْإِعْرَاب الْهَاء فِي سيفها للدولة وَإِذا كَانَ الْمُخَاطب عَالما فالمضمر كالمظهر الْغَرِيب الِابْتِلَاء التجربة وَالِاخْتِيَار وَعين الشَّيْء حَقِيقَته والصارم الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِن الْخَلِيفَة لم يسمك سيف دولته إِلَّا بعد أَن جربك فوجدك صَارِمًا حَقِيقَة صَارِمًا لَا ينبو حدك وَلَا ينفل عزمك وَلَا يطْمع فِيهَا عَدوك
٤ - الْغَرِيب تتوج لبس التَّاج والخاتم بِكَسْر التَّاء وَفتحهَا وَقَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين بِالْفَتْح الْمَعْنى يَقُول الْخَلِيفَة يتجمل بك كَمَا يتجمل بالتاج والخاتم وَالْمعْنَى أَنَّك أرفع حلية تاجه لِأَنَّك درته وَأجل مَا يشْتَمل عَلَيْهِ خَاتمه إِذا تختم لِأَنَّك فصه يُشِير إِلَى أَنه أرفع مَا يترفع بِهِ الْخَلِيفَة
٥ - الْغَرِيب الانتضاء التَّجْرِيد والإشهار والمعرك الْحَرْب وقائم السَّيْف مَا يكون فِي يَد الضَّارِب الْمَعْنى يَقُول إِذا جردك على عَدو هلك الْعَدو وَعجز عَن حملك لِأَنَّك أجل من أَن تكون سَيْفه وَالْمعْنَى إِذا جردك على أعدائه فِي معترك وعارضهم بك فِي موقف أهلك بنفاذك جمعهم وأذل باقتدارك عزهم وَضَاقَتْ كَفه عَن قَائِم سيف أَنْت حَقِيقَته وَقل هَذَا الْأَمر لقدرك وتواضع لجلالة أَمرك
٦ - الْمَعْنى يَقُول من شمر لوصف جودك عجز عَن كل وصفك كَمَا قَالَ
(وَكُلُّ مَنْ أبْدَعَ فِي وَصْفِهِ أصْبَح مَنْسُوبا إِلَى العْيّ)
وَمن كتم وصف جودك ضَاقَ ذرعه لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يصف جودك وَيعلم عَجزه فيضيق ذرعه لأجل ذَلِك فمحاول وَصفه لَا يبلغهُ ومحاول كتمه لَا يُمكنهُ لما تبين لَهُ مِنْهُ
[ ٣ / ٣٤٩ ]
- ١ الْغَرِيب النسيب نسب الرجل بِالْمَرْأَةِ ينْسب بِالْكَسْرِ إِذا شَبَّبَ بهَا والتشبيب هُوَ الْغَزل وَهُوَ أول مَا يعْمل الشَّاعِر ثمَّ يَأْتِي بعده بالمدح الْمَعْنى يَقُول من عَادَة الشُّعَرَاء تَقْدِيم النّسَب فِي أشعارهم فَأنْكر أَبُو الطّيب هَذِه الْعَادة وَقَالَ أكل فصيح يَقُول الشّعْر هُوَ متيم بالحب حَتَّى يبْدَأ بالنسيب فَلَيْسَ الْأَمر على هَذَا فَلَا تمّ هَذِه الْعَادة يَقُول مَا كل فصيح عاشق وَلَا كل شَاعِر سلف متيم وَلَكِن آخِرهم فِي ذَلِك يَتْلُو أَوَّلهمْ حَتَّى كَانَ مَا يتو اصفونه من الْحبّ قد جَعَلُوهُ فَاتِحَة الشّعْر فَإِذا كَانَ هَذَا فوَاللَّه
٢ - الْغَرِيب ابْن عبد الله هُوَ عَليّ بن عبد الله بن حمدَان سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول حبه أولى من حب غَيره فَإِنَّهُ إِذا جرى الذّكر الْجَمِيل كَانَ هُوَ أَولا وآخرا فَلَا يذكر إِلَّا هُوَ وَإِذا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة كَانَ أولى بالحب من النِّسَاء اللَّاتِي يشبب بِهن الشُّعَرَاء
٣ - الْإِعْرَاب سكن الْيَاء من الغواني ضَرُورَة وَأَرَادَ بِعظم عَنْهُم فَحذف لعلم
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الْغَرِيب طمح ببصره طماحا وطموحا إِذا أبعد الْبَصَر بنظره والغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن الزِّينَة الْمَعْنى يَقُول كنت متيما بِالنسَاء وحبهن قبل أَن أتعرض للأمور الْعَالِيَة فَلَمَّا قصدتها تركهن وَقَوله إِلَى منظر يَعْنِي معالي الْأُمُور هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَقَالَ وَرِوَايَته على هَذَا التَّفْسِير وَأعظم أَي أَنا أعظم عَنهُ فَحذف لتقدم ذكره الخ قَالَ يَعْنِي بن جني جعل نَفسه تعظم عَن الْمَعَالِي وَأنكر ابْن فورجة تَفْسِيره وَرِوَايَته وَقَالَ الْمَعْنى كنت أَرغب فِي النِّسَاء قبل التقائي بِسيف الدولة فَلَمَّا نظرت إِلَيْهِ نظرت إِلَى منظر يصغر منظر هن عَنهُ ويعظم هَذَا المنظر عَن منظر هن لِأَنَّهُ ملك وسلطان وَهن لَهو وغزل اه وتلخيص الْمَعْنى أَنه يَقُول أَطَعْت الغواني فِي التشبيب بِهن قبل أَن يطمح بَصرِي إِلَى مملكة هَذَا الممدوح الَّتِي يقل حسنهنَّ عِنْدهَا ويصغر شأنهن عِنْد شَأْنهَا
٤ - الْغَرِيب التطبيق أَن يُصِيب الْمفصل فِي الضَّرْب والتصميم النَّفاذ فِي الْأَمر وَالضَّرْب وَسيف مطبق وَهُوَ الَّذِي إِذا أصَاب الْمفصل قطعه وَكَانَ مَاضِيا فِي الضريبة الْمَعْنى يَقُول أَتَى الدَّهْر عَن عرض فذلله بالتطبيق والتصميم وَلما جعله سَيْفا وَصفه بالتطبيق والتصميم وَجعله مَاضِيا فِي عزمه وإرادته وَأَنه لَا يعسر عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُ
٥ - الْغَرِيب الميسم الْحسن قَالَ الراجز
(لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمها لمْ تَيْثَمِ يَفْضُلها فِي حَسَب وَمَيْسمِ)
الْمَعْنى يَقُول حكمه جَائِز حَتَّى على الشَّمْس وَظهر حسنه حَتَّى على الْبَدْر أَي ظهر أَنه أحسن مِنْهُ قَالَ الواحدى قَالَ الْعَرُوضِي إِن جَازَ أَخذ الميسم من الوسامة فَأَخذه من الوسم أولى ليَكُون الْمَعْنى مُوَافقا للمصراع الأول يُرِيد أَن كل شَيْء موسم بَان أَنه لَهُ وَتَحْت قهره حَتَّى الْبَدْر وَأَشَارَ بالميسم إِلَى مَا فِي وَجهه من السوَاد الَّذِي هُوَ كأثر المحو قَالَ ابْن الإفليلى أَرَادَ الْبَدْر وَالشَّمْس وَالْعرب تفعل مثل ذَلِك تذكر وَاحِدًا وتريد ضِدّه أَو صَاحبه
٦ - الْغَرِيب العدا جمع عَدو والحليف الصاحب وَهُوَ الَّذِي يحالف الْقَوْم ليمنعوه من عدوه على رِوَايَة من روى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَلَيْسَت بِشَيْء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْحَاء
[ ٣ / ٣٥١ ]
الْمُعْجَمَة وَهُوَ جمع خَليفَة تَقول خَليفَة وخلفاء وخلائف جَاءُوا بِهِ على الأَصْل مثل كَرِيمَة وكرائم وَقَالُوا خلفاء مَعَ أَن فِيهِ الْهَاء وفعيلة بِالْهَاءِ لَا تجمع على فعلاء لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا على مُذَكّر فجمعوه على إِسْقَاط الْهَاء فَصَارَ مثل ظريف وظرفاء الْمَعْنى يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن تصرف أعَاد بِهِ فِي الْبِلَاد بأَمْره فَإِن أعرض عَنْهُم اسْتَمْتعُوا بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَإِن عزلهم سلمُوا إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ فَجعل أعاديه من الرّوم وَغَيرهم خلفاءه فِي بِلَادهمْ وعماله فِي قواعدهم فهم عاجزون عَن التَّعَرُّض لحربه
٧ - الْغَرِيب المشرفية السيوف تنْسب إِلَى مَوضِع تطبع فِيهِ السيوف وَهِي المشارف وَالْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والعرمرم الْكثير الْمَعْنى يَقُول لَا يُرْسل إِلَى أحد رَسُولا إِلَّا الْجَيْش الْكثير وَلَا كتابا إِلَّا بِالسَّيْفِ وَلَا يَسْتَدْعِي مِنْهُم حَاجَة برَسُول وَلَا كتاب لَكِن يبْعَث إِلَيْهِم الْجَيْش يَعْنِي من اقتداره عَلَيْهِم لَا كتب يبعثها وَلَا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه فهم يتصرفون على حكمه عاجزون عَن الْمُخَالفَة لأَمره وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ فِي حدّهِ الحَدُّ بَينَ الجدّ وَاللعِبِ)
٨ - الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَن عَظِيم ملكه وَمَا ظهر من عُمُوم فَضله لم يخل من نَصره أحد لَهُ يَد يبطش بهَا لوقوف جَمِيع النَّاس عِنْد أمره ووقوعهم تَحت طَاعَته وَلم يخل من شكره أحد لَهُ فَم ينْطق بِهِ لما شملهم من إحسانه وأحاط بهم من إنعامه فَبين بِهَذَا أَن طَاعَة الْجَمِيع لَهُ طَاعَة وداد ومحبة لَا طَاعَة استكراه وَغَلَبَة
٩ - الْغَرِيب الدِّينَار أَصله دنار بِالتَّشْدِيدِ فأبدل من أحد حرفي تضيعفه يَاء لِئَلَّا يلتبس بالمصادر الَّتِي تَجِيء على فعال كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا﴾ إِلَّا أَن يكون بِالْهَاءِ فَيخرج عَن أَصله كالدنامه والصنارة والمنبر أَصله من نبرت الشَّيْء رفعته ونبرة الْمَعْنى رفع صَوته عَن خفض الْمَعْنى يَقُول عَمت مَمْلَكَته الدُّنْيَا فَلم يخل مِنْبَر إِلَّا واسْمه مَذْكُور فِيهِ لِأَن الْبِلَاد تَحت ولَايَته يخْطب على منابرها بِلُزُوم طَاعَته وَلم يخل دِينَار وَلَا دِرْهَم من اسْمه لِأَن دنانيرها ودراهمها مَضْرُوبَة باسمه مسكوكة بِذكرِهِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى عظم مَمْلَكَته وَأَن الْآفَاق تَحت ولَايَته مطيعة لأَمره وَنَهْيه
[ ٣ / ٣٥٢ ]
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ستر الْغُبَار نور الشَّمْس فأظلم مَا بَين الشجاعين قبصره ثَابت لم يمنعهُ الظلام صِحَة النّظر قَالَ وَيجوز أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا قد وَقع فِي أَمر عَظِيم وَمن شَأْن النَّاس أَن يَقُولُوا أظلمت الدُّنْيَا بيني وَبَين فلَان إِذا كَلمه بكلمه يشق عَلَيْهِ وَإِن لم يكن ثمَّ ظلام انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَنه شَدِيد الضَّرْب رابط الجأش إِذا التقى الشجاعان وضاق مَا بَينهمَا بتجلد الْأَبْطَال وتقارب مَا بَين الأقران وَأَنه بَصِير إِذا أظلم مَا بَين الشجاعين بتمثل الْمَوْت لَهما وتيقن الْمنية عِنْدهمَا فهنالك يثبت نظره لقُوَّة نَفسه وَلَا يشخص بَصَره لتمكن بأسه وَهَذَا مُبَالغَة فِي الشجَاعَة
١١ - الْغَرِيب نُجُوم الْقَذْف هِيَ الَّتِي تقذف بهَا الشَّيَاطِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويقذفون من كل جَانب دحورا﴾ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى خيله تبارى تِلْكَ النُّجُوم الَّتِي تنقض فِي السرعة وَجعلهَا نجوما لِأَنَّهَا تتلألأ فِي الظلام ببريق الْحَدِيد وَأَنَّهَا تستغرق الأَرْض بسيرها فَهِيَ تسير فِي الأَرْض كَمَا تسير الْكَوَاكِب فِي السَّمَاء انْتهى كَلَامهمَا والورد الْفرس الْأَحْمَر والأدهم مَعْرُوف وَالْمعْنَى أَن خيله سريعة السّير كسرعة النُّجُوم وفيهن الْورْد والأدهم
١٢ - الْغَرِيب الْقَصْد قطع الرماح إِذا انْكَسَرت الْوَاحِدَة قصدة والمران الرماح سميت بذلك لمرانتها أَي للينها الْمَعْنى يَقُول خيله يطأن من الْأَبْطَال الْأَعْدَاء من لَا حملنه وَمَا تكسر من الرماح الَّتِي لَا تقوم بعد كسرهَا وَالْمعْنَى أَن خيله يطأن من الْأَبْطَال المقتولين فِي وقائعه من لَا جعلهَا الله أَن تحمله بِأَن يصير فِي رِجَاله ويئول إِلَى آماله ويطأن فِي تِلْكَ الوقائع من قطع الرماح مَا تقوس فَلَا يُمكن تقويمه وتكسر فَلَا يحاول تعديله وَهُوَ من قَول الْحصين بن الْحمام المرى
(يَطَأْنَ مِنْ القَتْلَى وَمَنْ قِصَدِ القَنا خيارًا فَما يَجرِينَ إلاَّ تَجشمُّا)
١٣ - الْغَرِيب السيدان جمع سيد وَهُوَ الذِّئْب وَهُوَ مِمَّا جَاءَ على فعل وفعلان نَحْو قنو وقنوان وَالْعَسَل جمع عاسل من عسلان الذِّئْب وَهُوَ الْإِسْرَاع والنينان جمع نون وَهُوَ الْحُوت وَنون ونينان كحوت وحيتان وعوم جمع عائم وَهُوَ السابح كصائم وَصَوْم
[ ٣ / ٣٥٣ ]
الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله عَمت الْبر وَالْبَحْر فَهِيَ تعدو مَعَ الذئاب فِي الْبر وتعوم مَعَ الْحيتَان فِي المَاء فَهِيَ تَارَة تقطع الْبر وَتارَة تعوم فِي الْبَحْر وَالْمعْنَى لِكَثْرَة غَزَوَاته واتصال غاراته تقطع خيله الفلوات نَحْو أعاديه عسلا مَعَ الذئاب الَّتِي مستقرها الفلوات وتعبر الْأَنْهَار نحوهم عائمة مَعَ الْحيتَان الَّتِي موضعهَا المَاء
١٤ - الْإِعْرَاب الواد حذف الْيَاء وَاسْتغْنى بالكسرة عَنْهَا كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى الْكسَائي وَاد النَّمْل بِغَيْر يَاء فِي الْوَقْف وكقراءة ابْن عَامر والكوفيين يناد المناد بِغَيْر يَاء فِي الْحَالين الْغَرِيب كمن جمع كامن تَقول كمن كمونا إِذا اختفى وَمِنْه الكمين فِي الْحَرْب والعقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير من الْجَوَارِح والنيق أَعلَى الْجَبَل والحوم جمع حائم من حوام الطير وَهُوَ دورانها الْمَعْنى يَقُول خيله كمن مَعَ الغزلان فِي الأودية الَّتِي فِيهَا كناسها أَو تقتحم على الْأَعْدَاء رُءُوس الْجبَال مَعَ العقبان الَّتِي فِيهَا وكورها وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن سيف الدولة لقُوَّة عَزَائِمه ونفاذه فِي مقاصده قد اسْتَوَى عِنْد خيله وفرسان جَيْشه الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر فَلَا يبعد عَنهُ مطلب وَلَا يمْتَنع عَلَيْهِ مَوضِع
١٥ - الْغَرِيب الوشيج عروق القنا ثمَّ صَار اسْما لَهُ ولباتهن جمع لبه وَهِي مَا فَوق النَّحْر الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي فَإِنَّهُ للوشيج على رِوَايَة من فتح الطَّاء وَمن كسرهَا فَالضَّمِير لسيف الدولة أَي يكسر الرماح بخيله طاعنة وَفِي صُدُور خيل عدوه مطعونة الْمَعْنى يَقُول إِذا جلب النَّاس القنا على سَبِيل الْجمع لَهَا وَحملُوهَا على طَرِيق التزين بهَا فَإِن السَّيْف الدولة فِي نحور الْخَيل يكسرها وبوقائعه يفتها ويحطمها
١٦ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة باسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ القافية الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَيذكر وَيُؤَنث والحجا الْعقل واللها العطايا الْوَاحِدَة لهاة والمعلم هُوَ الَّذِي يعلم نَفسه بعلامة عِنْد الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَيْهِ عرفت أَنه أهل لهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْصُوف بهَا يحارب إِذا رأى الْخَيْر فِي الْحَرْب ويسالم إِذا رأى السّلم خيرا من الْحَرْب وبعرف بِوَجْهِهِ أَنه عَاقل جواد مَحْمُود ماجد فَهُوَ معلم بِجَمَال نَفسه ووفور عقله وجلالة مجده وَإِجْمَاع النَّاس على حَمده وَأَن هَذِه الْجَلالَة شيمته فِي سلمه وحربه ومفرد بهَا من بَين أَبنَاء دهره
[ ٣ / ٣٥٤ ]
- الْغَرِيب يوده يُحِبهُ وَيُقَال رجل منجم ونجام الْمَعْنى يَقُول من لَا يوده يقر بفضله وَلَا يَدْفَعهُ لبيانه وَمن لَا ينجم يقْضى لَهُ بالسعد وَلَا يُنكره لاتصاله فلظهوره ووضوحه لَا يُنكر فَضله ولظهور آثَار السَّعَادَة عَلَيْهِ يحكم لَهُ بالسعادة من لَا يعرف أَحْكَام النُّجُوم من السَّعَادَة والنحوسة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر
(والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ )
١٨ - الْغَرِيب عَاد وجرهم قبيلتان كَانُوا فِي أول الزَّمَان وانقرضوا الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح أَجَارَ على الْأَيَّام بكفه حوادثها وإنصافه مِنْهَا بانقاذه من مكارهها حَتَّى حسبت هَاتين القبيلتين ستطالبانه بِالرَّدِّ لَهما على طول الْعَهْد مَا انصرم عَلَيْهِمَا من تقادم الدَّهْر وَأَن سعادته إِذا قربت مَا كَانَ يبعد وسهلت مَا كَانَ يعسر فَمَا تمكن لَهُ من ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ أَن يطْلب بِمَا لَا يُمكن فعله وَيسْأل مَا يمْتَنع مثله
١٩ - الْمَعْنى إِنَّمَا قَالَ للريح ضلالا لِأَنَّهَا آذتهم فِي طريقهم وَلما حَكَاهُ السَّيْل بالجود إدعاله قَالَ ابْن فورجة أَرَادَ الدُّعَاء على الرّيح لضررها وَالدُّعَاء للمطر لنفعه وَهَذَا مُطَابقَة من حَيْثُ الْمَعْنى
٢٠ - الْإِعْرَاب فيخبره نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْغَرِيب الوبل أَشد الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول هلا سَأَلَ الْمَطَر الَّذِي قصد أَن يصرفنا عَن وجهنا بسكبه واعترضنا فِي طريقنا بسيله كاشفا عَن أَمر سيف الدولة ومستفهما عَن حَاله فيخبره الْحَدِيد الَّذِي ثلمته وقائعه وكسرته بالجلادة كتائبه فيعلمه بِأَنَّهُ لَا ترد عَزَائِمه وَلَا تواجه بالاعتراض مطالبه وَهُوَ مِمَّن لَا يثنى بالحديد فَكيف بالمطر كَقَوْلِه
(فَأهْوَنُ مَا تَمُرُّ بهِ الوُحُولُ )
٢١ - الْغَرِيب بصوبه بِمَا يصوب بِهِ وَهُوَ المَاء وَفُلَان أَعلَى كَعْبًا من فلَان أرفع من صَاحبه قدرا وَأَصله فِي المصارعين لِأَن كَعْب الْغَالِب أَعلَى من كَعْب المغلوب ثمَّ اسْتعْمل فِي كَون الْإِنْسَان أرفع قدرا من صَاحبه وَإِن لم يكن ثمَّ صراع
[ ٣ / ٣٥٥ ]
الْمَعْنى لما تلقاك السَّحَاب بالمطر استقبله من هُوَ أبين مِنْهُ شرفا وَأظْهر كرما يُرِيد لما اعترضك فِي طريقك سكبه تَلقاهُ مِنْك من يعلوه برفعته ويزري عَلَيْهِ بكرم رَاحَته
٢٢ - الْمَعْنى فباشر وَجها طالما بَاشر القنا فَلم تصبه مباشرتها وبل ثيابًا طالما بلها الدِّمَاء وَلم يثنه بللها فَكيف يهاب وَقع الْمَطَر من لَا يهاب وَقع الرماح ويتألم من المَاء من لَا يتألم من الدِّمَاء
٢٣ - الْغَرِيب تلاك تبعك وَالشَّام إقليم مَعْرُوف من غَزَّة إِلَى الْفُرَات طوله عشرُون يَوْمًا الْمَعْنى يَقُول أَنْت غيث حاذق بالصب والسكب فِي الْجُود فتبعك السَّحَاب ليتعلم مِنْك والغيث بعضه يتبع بَعْضًا وَأَنت فِي الْجُود وَهُوَ متعلم فَلهَذَا تبعك ليتعلم
٢٤ - الْغَرِيب جشمه كلفه جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته تجشما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَمِنْه
(فَمَهْما تُجَشِّمْني فَإنّيَ جاشِمُ )
الْمَعْنى يَقُول زار مَعَك الْغَيْث قبر والدتك وكلفه الشوق مَا كلفك من الْمسير نَحْوهَا فَكَأَنَّهُ يشتاقها كَمَا تشتاقها أَنْت فأسعدك قَاضِيا لحقك وتبعك مُعظما لقدرك وَعلم أَن أمك تلْزم السحائب زيارتها ويحق عَلَيْهَا كرامتها
٢٥ - الْإِعْرَاب من نصب الذؤابة جعله كالضارب الرجل فأعمل اسْم الْفَاعِل وَمن جرها جعله كالحسن الْوَجْه الْغَرِيب الذؤابة الضفيرة من شعر الرَّأْس هَذَا هُوَ الأَصْل وسمى مَا سدل من الْعِمَامَة بذلك وَهَذَا مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب الْمَعْنى يَقُول لما عرضت الْجَيْش وتصفحته كَانَ بهاؤه على عظم شَأْنه وتكاثر شجعانه على الْفَارِس المعتم بَين جمَاعَة المتجففين المرخى ذؤابة عمَامَته من بَين سَائِر المغتفرين وَهُوَ زِيّ أَمِير الْعَرَب فِي الْحَرْب وَأَشَارَ بذلك إِلَى سيف الدولة
٢٦ - الْغَرِيب التجافيف من كَلَام الْعَرَب الفصيح الْوَاحِد تجفاف وَهُوَ ضرب من السِّلَاح يلْبسهُ الرِّجَال وَالْخَيْل والطود الْجَبَل والأيهم الَّذِي لَا يَهْتَدِي بِهِ يُقَال برأيهم وفلاة يهماء
[ ٣ / ٣٥٦ ]
الْمَعْنى أَنه جعل كَثْرَة التجافيف حوله بحرا مائجا وَجعل خيله الَّتِي تسير بِهَذِهِ التجافيف طودا وَالْمعْنَى أَن حوله من بريق الأسلحة ولمعان التجافيف مَا يشبه الْبَحْر بكثرته ويحكيه ببريق جملَته وَيُشِير بذلك إِلَى موكب من خيله
٢٧ - الْغَرِيب الأقتار جمع قتر وَهُوَ النَّاحِيَة من الأَرْض وَهِي مثل الأقطار وَهِي النواحي قتر وقطر والأشتات المتفرقة الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح يُحِيط خيله بالجبال وَهِي كالجبل فَكَأَن جَيْشه يؤلف بَينهَا لسعته وكثافته كَقَوْل النَّابِغَة
(تَغِببُ الشَّوَاهِق فِي جَيْشِهِ وَتَبْدُو صِغارًا إذَا لمْ تَغِبْ)
وَقَالَ الواحدي عَم الأَرْض بخيله ونظم بِعُمُومِهِ متفرق الْجبَال ونواحي الأَرْض وَقَالَ ابْن الإفليلى الأقتار الْغُبَار يُشِير إِلَى أَن هَذَا الْجَيْش يسحق الْجبَال بكثرته ويحطمها بعظمه فيستوى الرهج فِي السهل والوعر وَفِي الصلب والرخو ويشتمل العجاج على الْجبَال حَتَّى تصبر كَأَنَّهَا فِي ذَلِك العجاج منتظمة وَبِمَا عشيها من الْجَيْش مُتَّصِلَة كَقَوْل النَّابِغَة
(جَيْشٌ يَظَلُّ بِه الْفَضاء مُعَطَّلًا يَدَعُ الإكامَ كَأَّنهُنَّ صَحارِ)
٢٨ - الْإِعْرَاب وكل فَتى عطفه على قَوْله حواليه بَحر أَي وحواليه كل فَتى فَهُوَ ابْتِدَاء الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهِي أَطْرَاف الرماح الْمَعْنى يُرِيد وَحَوله كل فَتى قد خدد بِهِ الْحَرْب ووسمه الطعْن وَالضَّرْب فَفِي جَبينه للسيوف آثَار مستطيلة تشبه السطر وللأسنة فِيهِ نكت مجتمعة تشبه الْعَجم وَأَشَارَ باعتماد الْجراح لوجههم إِلَى شجاعتهم وبأسهم وإقدامهم وَجعل ضرب السَّيْف كالسطر لطوله وَطعن الرماح إعجاما لذَلِك السطر وَهُوَ النقط وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(كَتَبْتَ أوْجُههُم مَشْقا وَنَمْنَمْةً ضَرْبا وَطَعْنا يَفُلُّ الهَامَ وَالصّلفا)
(كِتابَةً لَا تَنِي مَقْرُوءَة أبَدًا وَما خَطَطْتَ بِها لاما وَلا ألفَا)
٢٩ - الْإِعْرَاب يُرِيد وَيفتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ من بَاب علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي سقيتها مَاء بَارِدًا وَيُرِيد يمد يَدَيْهِ مِنْهُ فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب المفاضة الدرْع الواسعة والضيغم الْأسد والتريكة الْبَيْضَة تَشْبِيها بالتريكة وَهِي بَيْضَة النعامة إِذا انفلقت وَخرج الْفرج فَتركت والأرقم ضرب من
[ ٣ / ٣٥٧ ]
الْحَيَّات وَجمعه أراقم وَسمي بذلك لنقش على ظَهره الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الفتيان الَّذين حوله كلهم أَسد فِي شدته وأرقم فِي بسالته يمد فِي درعه يَدي أَسد قُوَّة وَشدَّة وَيفتح من تَحت تركته عينا أَرقم إقداما وشجاعة يُشِير إِلَى أَنهم شجعان لَا يقدرهم أحد
٣٠ - الْغَرِيب رايات جمع راية وَهِي الْعلم الَّذِي يكون مَعَ الْجَيْش لكل قوم علم يعْرفُونَ بِهِ والمسمم الَّذِي سقى السم وشعارها الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ وَقت الْحَرْب وَهُوَ كَلَام اصْطَلحُوا عَلَيْهِ وَأَرَادَ هَهُنَا بالشعار لبسهَا الْمَعْنى يُرِيد كأجناس الْخَيل جَمِيع مَا مَعهَا من الرَّايَات وَالسِّلَاح على اخْتِلَاف أجناسها من السود والشهب وَسَائِر الألوان كأجناسها فِي الْفضل وَالْكَرم أَجنَاس راياتها المؤيدة وشعارها المنصورة وَمَا لبسته من سلاحها الشاك وَحَمَلته من حديدها الصَّقِيل المحسن
٣١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أدبها وإليها وتفهم للخيل وَالضَّمِير فِي طرفه لِلْقِتَالِ وَقيل لفارسها وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَن الْخَيل لما ذكرت لابد لَهَا من رَاكب الْمَعْنى قَالَ الواحدى خيله مؤدبة بطول قوده إِيَّاهَا إِلَى الْقِتَال حَتَّى أَنَّهَا تفهم الْإِشَارَة إِلَيْهَا من بعيد وَقَالَ ابْن الإفليلى أدب هَذِه الْخَيل طول ممارستها الْقِتَال والتقلب فِي شَدَائِد الْحَرْب ففارسها يُشِير إِلَيْهَا من بِعَبْد فتفهم ويومئ إِلَيْهَا بِمَا يُرِيد فتفعل
٣٢ - الْغَرِيب الْوَحْي الصَّوْت الْخَفي الْمَعْنى يَقُول الْخَيل من أدبها وَكَثْرَة مَا لاقت من الحروب تجيبه بِفعل من غير أَن تسمع الصَّوْت ويسمعها بِالْإِشَارَةِ بطرفه من غير أَن يتَكَلَّم وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(هَلْ تَذكرِينَ إِذا الرّكابُ مُناخَةٌ بِرِحالِها لِوَدَاعِ أهْلِ الموْسِمِ)
(إذْ نَحْنُ تخبِرُنا الحَوَاجِبُ بَيْنَنا مَا فِي النُّفُوسِ وَنحنُ لمْ نَتَكَلَّمِ)
٣٣ - الْغَرِيب التجانف الْميل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا﴾ أَي ميلًا وميا فارقين بَلْدَة من أَعمال ديار بكر وَلها رستاق كَبِير وَهِي صَغِيرَة الْمَعْنى يَقُول للممدوح تميل خيلك عَن ميافارقين لِأَن فِيهَا قبر والدته
[ ٣ / ٣٥٨ ]
فَكَأَنَّهَا ترحم الْبَلدة لأجل بركَة والدتك وَلَو مَالَتْ عَلَيْهَا لداستها بحوافرها فَهِيَ كَأَنَّهَا ترق لَهَا راحمة فَلَا تميل عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا تعدل عَنْهَا مشفقة وتتجانب عَنْهَا مترحمة وَذَلِكَ لبركة من فِيهَا يُرِيد أم سيف الدولة
٣٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي زحمتها للبلدة وَكَذَلِكَ فِي درت أَي درت الْبَلدة وَرفع أَي بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بعده الْخَبَر وَهُوَ اسْتِفْهَام ومفعول درت مَحْذُوف تَقْدِيره علمت ضعفها لِأَن أيا لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنعلم أَي الحزبين أحصى﴾ فَرفع أَي بأحصى لِأَنَّهُ فعل مَاض على قَول بَعضهم وَالصَّحِيح أَن أيا فِي الْآيَة بِمَعْنى الَّذِي وأحصى اسْم وَقد حذف صدر الصِّلَة وَالتَّقْدِير هُوَ أحصى وَأي إِذا كَانَت بِمَعْنى الَّذِي وتمت صلتها أعربت وَإِذا حذف صدر الصِّلَة عَادَتْ إِلَى أَصْلهَا من الْبناء وَهِي مَنْصُوبَة الْموضع بتَعَلُّم وَأي فِي الْبَيْت مُبْتَدأ والضعيف خَبره والمهدم خبر ثَان وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب بدرت فَهِيَ معلقَة عَن الْعَمَل وَأي فِي الْبَيْت اسْتِفْهَام وروى الواحدى وَغَيره سوريها فَالضَّمِير للبلدة وَرِوَايَة أبي الْفَتْح سورينا يُرِيد سور الْبناء وسور الْخَيل اسْتعَار للخيل سورا لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ الْبَلدة وَجَمعهَا فِي الْمُزَاحمَة وَلما كَانَت الْبَلدة قَوِيَّة بالسور اسْتعَار لقُوَّة الْخَيل سورا الْغَرِيب المناكب جمع منْكب والزحام لَا يكون إِلَّا بالمناكب وَهِي الأكتاف وَدرت علمت تَقول دريته ودريت بِهِ دريا ودرية ودرية ودراية أَي علمت بِهِ قَالَ العجاج
(لَا هُمَّ لَا أدْرِي وَأنْتَ الدَّارِي )
الْمَعْنى يَقُول لَو زحمتها خيلك بمناكبها أَي لَو جرت بَينهمَا مزاحمة لعَلِمت الْبَلدة أَنَّهَا ضَعِيفَة وَأَنَّهَا لَا تقدر على مزاحمة الْخَيل لِأَن الْخَيل أقوى مِنْهَا فَلَو قصدتها لهدمت سورها فَكَانَت تعلم أَن سورها ضَعِيف لَا يقوى على دفع الْخَيل وَالْمعْنَى لَو زاحمتها الْخَيل بمناكبها وصادمتها بمواكبها لأيقنت أَن سورها مَعَ شدَّة قوته وشهرة منعته كَانَ يعجز عَن زحام هَذِه الْخَيل قَالَ أَبُو الْفَتْح من أعجب مَا جرى أَن أَبَا الطّيب أنْشد هَذِه القصيدة عصرا وَوَقع السُّور لَيْلًا
٣٥ - الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله وكل فَتى وَمَا ذكر اعْتِرَاض بَينهمَا
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الْغَرِيب الطاوي الخميص الْجوف وَهُوَ الضامر رجل طيان وَامْرَأَة طيا وَهُوَ الضامر الْمَعْنى يَقُول هم خماص على خيل مضمرة أَي كل فَتى على طاو مُضْمر لَيْسَ لَهُ غذَاء وَلَا مشرب إِلَّا من لَحْمه وَدَمه فَهُوَ يزْدَاد كل يَوْم ضمورا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى كَأَنَّهُ يتغذى لحم نَفسه وَيشْرب دَمه فقد زَاد هزاله إِذْ لَيْسَ لَهُ مطعم وَلَا مشرب إِلَّا من جِسْمه وَوجه آخر وَهُوَ أَن يكون مطعمه ومشربه من لُحُوم أعدائه فَهُوَ مقتحم عَلَيْهِم وموغل فِي طَلَبهمْ ليدرك مأكله ومشربه وَهَذَا الْوَجْه أبلغ وأمدح وَالْقَوْل الأول يحسن قَالَ ابْن وَكِيع وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول أَبى الشيص
(أكَلَ الوَجِيفُ لحُومَها وَلحُومَهُم فأتَوْكَ أنْقاضًا عَلى أنْقاضِ)
٣٦ - الْغَرِيب الحصان الذّكر من الْخَيل والدارع مَا عَلَيْهِ تجفاف ومتلثم على وَجهه مخطمة من حَدِيد الْمَعْنى يَقُول لهَذِهِ الْخَيل فِي الْحَرْب زِيّ فوارسها لِأَنَّهَا قد ألبست التجافيف صَوتا لَهَا فَكل فرس مِنْهَا ذُو درع وَذُو لثام بِمَا أرسل على وَجهه فَهَذِهِ الْخَيل بالدروع مُشْتَمِلَة وَفِي الجواشن ملتثمة وَاعْتذر بعد هَذَا للفوارس باحترازهم فَقَالَ
٣٧ - الْمَعْنى اعتذر للفوارس عِنْد تحصنهم فَقَالَ لم يَفْعَلُوا ذَلِك بخلا بنفوسهم لأَنهم شجعان لَا يخَافُونَ الْمَوْت وَلَا يبالون بِالْقَتْلِ إِلَّا أَنهم قابلوا شَرّ الْأَعْدَاء بِمثلِهِ وَهُوَ فعل الحازم اللبيب وَمن شهد الْحَرْب غير مستعد بِغَيْر سلَاح فَهُوَ أخرق وروى أَن كثيرا لما أنْشد عبد الْملك بن مَرْوَان
(عَلي ابنِ أَبى العاصِي دِلاصٌ حَصِينَةٌ أجادَ المُسدِّى سَرْدَها وَأذَالها)
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك هلا مدحتني كَمَا مدح الْأَعْشَى صَاحبه فَقَالَ
(وَإذَا تَكُونُ كَتِيبَةٌ مَلْمُومَةٌ شَهْباءُ يَخْشَى الرَائِدُون نِهالَها)
(كُنْتَ المقَدَّمَ غَيرَ لابِسِ جُنَّةٍ بِالسَّيْفِ تَقْتُلُ مُعْلِما أبْطالَها)
فَقَالَ لَهُ كثير إِنَّه وصف صَاحبه بالحرق وَأَنا وصفتك بالحزم وَقَوله الشَّرّ بِالشَّرِّ الأول شَرّ الْأَعْدَاء وَالثَّانِي مَا عارضوهم بِمثلِهِ فَسَماهُ شرا للمقابلة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ فَالْأول جِنَايَة وَالثَّانِي قصاص
٣٨ - الْإِعْرَاب يجوز فِي مُسْتَقْبل حسب فتح السِّين وَكسرهَا وهما لُغَتَانِ فصيحتان
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَعبد الله بن عَامر وبيض الْهِنْد السيوف الْهِنْدِيَّة الْمَعْنى يَقُول أتحسب سيوف الْهِنْد مَعَ جلالتها ورفعتها ونفاذها وهيبتها أَنَّك مِنْهَا لمشاركتك لَهَا فِي الاسمية واللقب سَاءَ مَا ظنته وخاب سعيها فِيمَا توهمته وَالسُّيُوف بعض آلاتك تصرفها وَلَا تصرفك وتستعملها وَلَا تستعملك وَأَنَّك وَإِن سميت سَيْفا فَإنَّك أشرف من سيوف الْهِنْد وَأجل مِنْهَا شَأْنًا وَأعظم أصلا
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول إِذا نَحن سميناك سَيْفا فَحَذفهُ للْعلم بِهِ خلنا سُيُوفنَا تتكبر وتعجب تيها بمشاركتك لَهَا فِي الاسمية فَهِيَ تتبسم تيها وفخرا وَهَذَا الْبَيْت من نَوَادِر أبياته وَقد عابه من لَا يعرف مَعَاني الشّعْر وَقَالَ قد وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه حَيْثُ قَالَ تتبسم من التيه وَلَا يكون من التيه إِلَّا العبوس وَأَن يشمخ الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَهُوَ فعل التائه المتكبر وَإِنَّمَا يكون التبسم من المرح والفرح وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا والتبسم قد يكون من المعجب بِنَفسِهِ التائه على أقرانه استكثارا لما عِنْده واستقلالا لما عِنْد غَيره فَلَيْسَ يُنكر أَن يكون التبسم من الْإِعْجَاب فَكَأَن السيوف تبسمت إعجابا بِنَفسِهَا لمشاركة الممدوح لَهَا فِي التَّسْمِيَة فحقرت بذلك السِّلَاح والرماح وَهُوَ من قَول أبي نواس
(تَتِيه الشَّمْسُ وَالقَمَر المُنِيرُ إذَا قُلْنا كأنَّهما الأَميرُ)
٤٠ -، ٤١ الْغَرِيب الثَّنية الْجَبَل الصَّغِير وقيلى هِيَ الطَّرِيق فِي رَأس الْجَبَل الْإِعْرَاب اسْتعْمل الظّرْف اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فأعربه الْمَعْنى يَقُول لم نر ملكا يدعى بِدُونِ اسْمه وَقدره وبرضى بذلك وَمحله فَوق أَن يُسمى سَيْفا وَلَكِن النَّاس يجهلون قدره وَهُوَ يحلم عَنْهُم ويقصرون عَن حَقِيقَة وَصفه فيكرم ثمَّ قَالَ أخذت على أعدائك كل طَرِيق عيشهم فِيهَا فَلَيْسَ يعيشون لِأَنَّك فرفت بَينهم وَبَين أَرْوَاحهم بِالْقَتْلِ وَأَنت تُعْطِي من تشَاء وَتحرم لِأَنَّك ملك يُشِير بذلك إِلَى قُوَّة ملكه وَتمكن أمره فَأَنت تُعْطِي من أطاعك ورجاك وَتحرم من خالفك وعصاك عَالما بِمَا تَفْعَلهُ قَادِرًا على مَا تقصده فَأَنت مؤيد من الله
٤٢ - الْمَعْنى يَقُول لسنا نعلم قَتِيلا بحديد إِلَّا من سِلَاحك فِي وقعك ولسنا نعلم عَطاء يقْصد من غير هباتك ومكارمك فالموت من رماحك والرزق من عطائك وَهُوَ من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(فَما آفَةُ الآجالِ غَيرُكَ فِي الوَغَى وَما آفَةُ الأمْوَال غيرُ حبِائِكا)
[ ٣ / ٣٦١ ]
- ١ الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قلباه بِكَسْر الْهَاء وَضمّهَا وَهُوَ غير جَائِز عِنْد الْكُوفِيّين وَلَا يجوز إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَالْوَجْه قَالَ أَبُو الْفَتْح الْكسر لالتقاء الساكنين الْألف وَالْهَاء وَمن ضمهَا شبهها بعصاه ورحاه والكوفيون ينشدون لبَعض الْأَعْرَاب
(وَقَدْ رَابَنِي قَوْلهُا يَا هَناهُ وَيحَكَ ألحْقْتَ شَرّا بِشَرٍّ)
وأنشدوا أَيْضا
(يَا رَبُّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أسَلْ)
والبصريون يَقُولُونَ يَا هَناه الْهَاء بدل من الْوَاو فِي هنوك وهنوات وَهِي بدل من لَام الْكَلِمَة وَلذَلِك جَازَ ضمهَا وَقَالَ أَبُو زيد فِي مرحباه إِنَّه شبهها بِحرف الْإِعْرَاب فَضمهَا هَذَا قَول الواحدى اخْتَصَرَهُ من كَلَام أبي الْفَتْح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ ينشده بِكَسْر الْهَاء وَضمّهَا وَهَذَا لَا يعرفهُ أَصْحَابنَا وَلَا يجيزون إِثْبَات الْهَاء فِي الْوَصْل سَاكِنة وَلَا متحركة لِأَنَّهَا إِنَّمَا تلْحق فِي الْوَقْف لبَيَان الْألف قبلهَا فَإِذا صيرت إِلَى الْوَصْل أسقطت عَنْهَا بِاللَّفْظِ بِمَا بعْدهَا تَقول فِي الْوَقْف وازيداه فَإِذا وصلت قلت وازيدا وعمراه فَإنَّك تحذفها فِي الْوَصْل وتثبتها فِي الْوَقْف فَإِن قَالَ قَائِل هلا أجريت الْهَاء فِي الْوَصْل على حد الْوَقْف كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ قَول رؤبة
(ضَخْمٌ يُحِبُّ الخلُقَ الأضْخَمَّا )
بتَشْديد الْمِيم لأَنهم إِذا وقفُوا على اسْم شَدَّدُوا آخِره إِذا كَانَ مَا قبله متحركا أَلا ترى أَن من يَقُول خَالِد فِي الْوَقْف بتَشْديد الدَّال إِذا وصل رده إِلَى التَّخْفِيف إِلَّا أَنه قد يجريه فِي الْوَصْل على حد مجْرَاه فِي الْوَقْف فَلذَلِك جَازَ للمتنبي أَن يلْحق الْهَاء فِي الْوَصْل كَمَا كَانَ يثبتها فِي الْوَقْف قيل فِي هَذَا أَمْرَانِ أَحدهمَا مَكْرُوه وَلآخر خطأ فَاحش أما الْمَكْرُوه
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فإثباتها فِي الْوَصْل على حد إِثْبَاتهَا فِي الْوَقْف ضَرُورَة مستقبحة للمحدث وسبيل مثلهَا أَن لَا يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا على استكراه وَأما الْخَطَأ فَإِن الَّذِي ذهب إِلَى هَذَا وَاحْتج بِهِ قد عدل عَن صوب التَّشْبِيه وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو من أَن تجْرِي الْكَلِمَة على حد الْوَقْف أَو على حد الْوَصْل فَإِن كَانَ على حد الْوَصْل وَهُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاقِفًا فسبيله أَن يحذف الْهَاء وصلا لما ذَكرْنَاهُ من استغنائه عَنْهَا فِي الْوَصْل بِمَا يتبع الْألف وَإِن كَانَ على حد الْوَقْف فقد خَالف ذَلِك بإثباتها متحركة بِالضَّمِّ أَو الْكسر فالهاء فِي الْوَقْف بِلَا خلاف سَاكِنة فَالَّذِي رام إِثْبَاتهَا متحركة لأعلى حد الْوَصْل أجراها فيحذفها وَلَا على حد الْوَقْف أجراها فيسكنها وَلَا تعلم منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف يرجع إِلَيْهَا وتجري الْكَلِمَة عَلَيْهَا فَلهَذَا كَانَ إِثْبَات هَذِه الْهَاء متحركة خطأ عندنَا وَأما مَا رَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ فشاذ عندنَا وَأما مَا ذكره فِي نوادره أَبُو زيد من أَنهم شبهوا الْهَاء بِحرف الْإِعْرَاب فَلَا وَجه لَهُ وَلَو كَانَت الْهَاء فِي قلباه مشبهة بِحرف الْإِعْرَاب لما جَازَ فتحهَا وَلَا ضمهَا ولوجب جرها بِإِضَافَة حر إِلَيْهَا وَمر حباه الَّذِي أنْشدهُ أَبُو زيد لَيْسَ مُضَافا إِلَيْهِ فَيجوز أَن يشبه بِحرف الْإِعْرَاب أنْتَهى كَلَامه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب على لُغَة قومه وَكَانَ الأَصْل قلبِي فأبدل من الْيَاء آلفا طلبا للخفة وَالْعرب تفعل ذَلِك فِي النداء واستجلب هَاء السكت وأثبتها فِي الْوَصْل كَمَا تثبت فِي الْوَقْف وَالْعرب تفعل ذَلِك كَقِرَاءَة ابْن ذكْوَان فبهداهم اقتده هِيَ بِكَسْر الْهَاء وَإِثْبَات الْيَاء وصلا وكقراءة هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَقد اسْتَوْفَيْنَا عِلّة ذَلِك فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة فِي شرح التَّذْكِرَة وحرك الْهَاء أَبُو الطّيب لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا وللعرب فِي ذَلِك أَمْرَانِ مِنْهُم من حرك بِالضَّمِّ تَشْبِيها بهاء الضَّمِير وأنشدوا
(يَا مَرْحَباهُ بِحمارٍ أعْفَرَا )
وَمِنْهُم من يُحَرك بِالْكَسْرِ على مَا يُوجد كثيرا فِي الْكَلَام عِنْد التقاء الساكنين وأنشدوا
(يَا ربُّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أَسلْ عَفْرَاءَ يَا رَبَّاهُ منْ قَبْلِ الأجَلْ)
الْغَرِيب والشبم الْبَارِد والشبم الْبرد وَقد شبم بِالْكَسْرِ فَهُوَ شبم والشبم الَّذِي يجد الْبرد مَعَ الْجُوع قَالَ حميد بن ثَوْر
(بِعيْنيْ قَطامِيّ بِمَا فَوْقَ مَرْقَبٍ غَدَا شَبِما يَنْقَضُّ فَوْقَ الهَجارِسِ)
الْمَعْنى يَقُول واحر قلبِي واحتراقه واستحكام همه بِمن قلبه عَنى بَارِد لَا اعتناء لَهُ بِي وَلَا إقبال لَهُ على وَمن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يُوجب ألمهما وشكاة تؤذن إختلالهما وَالْعرب تكنى بحرارة الْقلب عَن الاعتناء وببرده عَن الْإِعْرَاض وَالتّرْك وتلخيص الْمَعْنى قلبِي حَار من حبه وَقَلبه بَارِد من حبي وَأَنا عِنْده مختل الْحَال معتل الْجِسْم
[ ٣ / ٣٦٣ ]
- الْغَرِيب أكتم مُبَالغَة فِي الكتمان وبرى جَسَدِي أنحله وأضناه الْمَعْنى يَقُول لأي شَيْء أُخْفِي حبه وغيري يظْهر أَنه يُحِبهُ وَهُوَ بِخِلَاف مَا يضمر وَأَنا مُضْمر من حبه مَا يزِيد مضمره على ظَاهره ومكتومه على شَاهده والأمم تشركني فِي ادِّعَاء ذَلِك بقلوب غير خَالِصَة ونيات غير صَادِقَة فينحل جسمي بقدمي فِي صدق وده وتأخري فِيمَا يخصني من فَضله
٣ - الْغَرِيب الْغرَّة الطلعة وَالْوَجْه الْحسن الْأَغَر الْمَعْنى يَقُول إِن حصلت الشّركَة فِي حبه فحظي وافر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا إِن كَانَ يجمعنا من آفَاق الْبِلَاد المتباعدة حب لغرته فليت أَنا نقتسم بره كَمَا نقتسم حبه وَالْآخر إِن كَانَ يجمعني وغيري أَن أكون أَنا وَهُوَ محبين لَهُ فليت حظي مِنْهُ مثل حظي من الْمحبَّة لَهُ كَقَوْلِك أَنا وَفُلَان تجمعنا الْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة كِلَانَا من أَهلهَا وتلخيص الْمَعْنى إِن كَانَ يجمعنا حبه والكلف بمودته فليت أَنا نقتسم الْمنَازل عِنْده بِقدر مَا نَحن عَلَيْهِ من محبتنا الْخَالِصَة وَمَا نعتقده من مودتنا الصادقة فَلَا يبخس المخلص حَقه وَلَا يبْذل للمتصنع بره
٤ - الْمَعْنى يَقُول قد خدمته فِي حالتي السّلم وَالْحَرب وَالسُّيُوف دم أَي مخضبة بِالدَّمِ يُرِيد أَنه قد شهده فِي شَدَائِد الْحَرْب وَقد جربه فِي الضّيق وَالسعَة وامتحنه فِي الْأَمْن وَالْخَوْف فأعجبه كَيفَ تقلب وأحمده على أَي حَال تصرف
٥ - الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير وَكَانَ الشيم أحسن مَا فِي الْأَحْسَن الْغَرِيب الشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة تَقول شِيمَة زيد الْكَرم أَي خليقته وخلقه الْمَعْنى يَقُول لما بلوته فِي حالتيه كَانَ أحسن الْخلق وَكَانَت أخلاقه أحسن مَا فِيهِ فَكَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله أحسن خلق الله شَاهدا وَأكْرمهمْ ظَاهرا وَكَانَ أحسن من ذَلِك شيمه المختبرة وأخلاقه المستحسنة
٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي طيه الأول عَائِد على الظفر وَفِي الثَّانِي عَائِد عَليّ الأسف الْغَرِيب يممته قصدته والأسف الْحزن وَالظفر الْفَتْح والظهور على الْعَدو
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وَالنعَم جمع نعْمَة تَقول نعْمَة وَنعم وأنعم ونعمات الْمَعْنى يُرِيد أَنه اتبع بعض مُلُوك الرّوم ففاته يَقُول فَوت الْعَدو الَّذِي قصدته ففر عَنْك لاستحكام جزعه ظفر ظَاهر واستعلاء بَين وَإِن كَانَ ذَلِك الظفر فِي طيه مِنْك أَسف على مَا حرمته من إِدْرَاكه وَفِي طي ذَلِك الأسف نعم بهَا صرف الله عَنْك مُؤنَة الْحَرْب وَشدَّة معاناه اللِّقَاء وَحفظ عسكرك من الْجراح أَو قتل فَفِي هَذَا نعم من الله كَثِيرَة
٧ - الْغَرِيب المهابة شدَّة الْفَزع والبهم الْأَبْطَال الْوَاحِدَة بهمة وهم الَّذين تناهت شجاعتهم وَيُقَال للجيش بهمة وَمِنْه قَوْلهم فلَان فَارس بهمة الْمَعْنى يَقُول قد نَاب عَنْك خوف الْعَدو لَك فذعره وهزمه وصنعت لَك فِيهِ مهابتك وَبَلغت لَك مخافتك مَا لَا تَصنعهُ الشجعان
٨ - الْإِعْرَاب نصب يواريهم بِأَن وَمثله قِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة بِنصب الْفِعْل وَقد بَيناهُ فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة يواريهم يسترهم ويكنهم وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل الوعر المسلك وَمِنْه قَول الخنساء
(وَإنَّ صَخْرًا لَتَأتَمَّ الهُدَاةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأسِهِ نارُ)
الْمَعْنى يَقُول قد ألزمت نَفسك مَا لم يكن يلْزمهَا وكلفتها مَا لَا يحِق عَلَيْهَا من أَن عَدوك لَا يواريهم أَرض تشْتَمل عَلَيْهِم وَلَا يسترهم عَنْك جبل يحول بَيْنك وَبينهمْ وَهَذَا غَايَة التَّكَلُّف
٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَتى مَا هزم جَيْشًا حَملته همته الْعَالِيَة على اقتفاء آثَارهم وَهَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار يُرِيد كلما فر جَيش من جيوش الرّوم وَولى عَنْك هَارِبا تصرفت بك همتك فِي أَثَره فَلم يرضك انهزامهم دون أَن ينالهم الْقَتْل ويستحكم فيهم السَّيْف
١٠ - الْغَرِيب المعترك ملتقى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول عَلَيْك أَن تهزمهم إِذا الْتَقَوْا مَعَك فِي الْحَرْب وَلَا عَار عَلَيْك إِذا مَا انْهَزمُوا فَتَحَصَّنُوا بالهرب وَلم تظفر بهم وَالْمعْنَى لَا عَار عَلَيْك أَن يَغْلِبهُمْ خوفك فيهزموا دون قتال ويفرقو دون لِقَاء إشفاقا مِنْك
[ ٣ / ٣٦٥ ]
- الْغَرِيب تصافحت تلاقت بالصفاح وَهِي السيوف واللمم جمع لمة وَهِي الشّعْر إِذا ألم بالمنكب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يحلو لَك ظفر تناله وأمل فِي عَدوك تبلغه إِلَّا أَن يكون ذَلِك بعد مصادمة وقتال ومجالدة ونزال وَبعد مصافحة سيوفك رُءُوسهم وتباشر سِلَاحك خيولهم فَهَذَا هُوَ الظفر الحلو عنْدك
١٢ - الْغَرِيب الْخِصَام الْمُخَاصمَة والخصم يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة يَا أعدل النَّاس فِي أَحْكَامه وَأكْرمهمْ فِي أَفعاله إِلَّا فِي معاملتي فَإِنَّهُ يخرجني عَن عدله ويضيق على مَا قد بسط من فَضله فِيك خصامي وتعبي وَأَنت خصمي وحكمي فَأَنا أخاصمك إِلَى نَفسك وأستدعي عَلَيْك حكمك قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه شكوى مفرطة لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَوضِع آخر
(وَما يُوجعُ الحرْمانُ منْ كَفّ حارِم كَمَا يُوجِعُ الحِرْمانُ من كفّ رَازِقِ)
وَإِذا كَانَ عدلا فِي النَّاس كلهم إِلَّا فِي مُعَامَلَته فقد وَصفه بأقبح الْجور وَقد وَصفه بِثَلَاثَة أَوْصَاف مُخْتَلفَة بقوله فِيك الْخِصَام أَي أَنْت الَّذِي تختصم فِيهِ وَأَنت الْخصم وَهُوَ غير مختصم فِيهِ وَأَنت الحكم وَلَيْسَ الحكم أحد الْخَصْمَيْنِ وَلَا بالشَّيْء الَّذِي يَقع فِيهِ الْخِصَام وَالْمعْنَى أَنْت الحكم لِأَنَّك ملك لَا أخاصمك إِلَى غَيْرك وَالْخِصَام وَقع فِيك
١٣ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن الْهَاء على أَي شَيْء تعود فَقَالَ على النظرات وَقد أجَاز مثله أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ فَقَالَ الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْأَبْصَار وَغَيره من النَّحْوِيين يَقُول إِنَّهَا إِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَأَنَّهُ فسر الْهَاء بالنظرات الْغَرِيب الورم الانتفاخ فِي الْعُضْو من ألم يُصِيبهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن نظراتك صَادِقَة إِذا نظرت إِلَى شَيْء عَرفته على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا تغلظ فِيمَا ترَاهُ وَلَا تحسب الورم شحما وَهَذَا مثل يُرِيد لَا تظن المتشاعر شَاعِرًا كَمَا يحْسب السقم صِحَة والورم سمنا وَقَالَ الْخَطِيب نظرات فِي مَوضِع نصب على التَّمْيِيز أَي من نظرات كَقَوْل الراجز
(كَمْ دُونَ لَيْلى فَلَوَاتٍ بِيدِ )
أَي من فلوات
[ ٣ / ٣٦٦ ]
- الْمَعْنى يَقُول وَمَا ينْتَفع أَخُو الدُّنْيَا بنظره وَلَا يعود عَلَيْهِ فَائِدَة بصده إِذا اسْتَوَت عِنْده الصِّحَّة والسقم والأنوار وَالظُّلم وَالْمعْنَى يجب أَن تميز بيني وَبَين غَيْرِي مِمَّن لم يبلغ درجتي كَمَا تميز بَين النُّور والظلمة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم أرسطاطاليس اعْتِدَال الأمزجة وتساوي أَرْكَان الْإِنْسَان تفرق بَين الْأَشْيَاء وأضدادها
١٥ - الْمَعْنى يُرِيد أَن شعره سارا فِي آفَاق الْبِلَاد واشهر حَتَّى تحقق عِنْد الْأَعْمَى والأصم فَكَأَن الْأَعْمَى رَآهُ لتحققه عِنْده وَكَأن الْأَصَم سَمعه أَي أَنا الَّذِي شاع أدبي واستبان موضعي فَثَبت ذَلِك فِي الْعُقُول وَتمكن فِي الْقُلُوب وَرَآهُ من لَا يبصره وأسمعت كلماتي من لَا يسمع وَكَانَ المعري إِذا أنْشد هَذَا الْبَيْت قَالَ أَنا الْأَعْمَى
١٦ - الْإِعْرَاب ملْء جفوني هُوَ مَوضِع الْمصدر أَي أَنَام نوما ملْء جفوني كَقَوْلِك قعد القرفصاء أَي الْقعدَة الَّتِي هِيَ كَذَلِك وَالضَّمِير فِي شواردها للكلمات قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَن يُرَاد بالكلمات جمع كلمة الَّتِي هِيَ اللَّفْظَة الْوَاحِدَة وَهَذَا أَشد فِي الْمُبَالغَة من غَيره وَيجوز أَن يَعْنِي بالكلمات القصائد وهم يسمون القصيدة كلمة الْغَرِيب الشوارد النوافر من قَوْلهم شرد الْبَعِير إِذا نفر وَيُقَال فعلت ذَلِك من جراك أَي من أَجلك وَمن جلالك وَمن إجلالك وَمن جرائك مشددا وَمن جلك هَذِه اللُّغَات كلهَا فِي هَذَا الْحَرْف قَالَ الشَّاعِر
(رَسْمُ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهْ كِدْتُ أقْضِي الحَياةَ مِنْ جَلَلِهْ)
وَقَالَ الْمَجْنُون
(أُغَفِّرُ مِنْ جَرَّاكِ خَدّي عَلى الثرَى )
وَقَالَ الرَّاعِي
(وَنحنُ قَتَلْنا مِنْ جَلالِكَ وَائِلًا وَنحنُ بَكَيْنا بِالسُّيُوفِ على عَمرِو)
وَقَالَ كثير
(حَنِيني إِلَى أسمَاءَ والخرْقُ بَيْنَنا وَإكْرِامي القَوْمَ العِدَا مِنْ جَلالِها)
ووحد الضَّمِير فِي يخْتَصم على لفظ الْخلق لَا مَعْنَاهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك﴾ على اللَّفْظ ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون﴾ على الْمَعْنى الْمَعْنى يَقُول أَنَام سَاكن الْقلب مُتَمَكن النّوم لَا أعجب بشوارد مَا أبدع
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وَلَا أحفل بنوادر مَا أنظم ويسهر الْخلق فِي تحفظ ذَلِك وتعلمه ويختصمون فِي تعرفه وتفهمه فأستقل مِنْهُ مَا يستكثرون وأغفل عَمَّا يغتنمون
١٧ - الْغَرِيب أصل الْفرس دق الْعُنُق وَمِنْه سمى الْأسد فِرَاسًا الْمَعْنى يَقُول رب جَاهِل خدعه تركي لَهُ فِي جَهله وضحكي مِنْهُ حَتَّى افترسته بعد زمَان فأهلكته فَأَنا أغضي عَن الْجَاهِل حَتَّى أهلكه فَرب جَاهِل اغْترَّ بمجاملتي ومسامحتي إِيَّاه وضحكي على جَهله حَتَّى سطوت بِهِ ففرسته وغضبت عَلَيْهِ فأهلكته
١٨ - الْغَرِيب النيوب جمع نَاب وَاللَّيْث الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا كشر الْأسد عَن نابه فَلَيْسَ ذَلِك تبسما وَإِنَّمَا هُوَ قصد للافتراس وَهَذَا مثل ضربه يَعْنِي أَنه وَإِن أبدى بشره للجاهل فَلَيْسَ هُوَ رضَا عَنهُ فَإِن اللَّيْث إِذا كشر لَا تظنه مُتَبَسِّمًا وَإِن ذَلِك أقرب لبطشه وأدل على مَا يحذر من فعله فَكَذَلِك ضحكي للجاهل قَادَهُ إِلَى صرعته وَأَدَّاهُ إِلَى هَلَكته وَمعنى الْبَيْت من قَول الشَّاعِر
(لمَّا رَآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ أبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ)
وَأَخذه حبيب فَقَالَ
(قَدْ قَلَصَتْ شَفَتاهُ مِنْ حَفِيظَتِهِ فَخِيْلَ مِنْ شِدة التَّعْبِيسِ مُبتِسما)
١٩ - الْمَعْنى يَقُول رب إِنْسَان طلب نَفسِي كَمَا طلبت نَفسه أدركتها على جواد ظَهره حرم لأمن رَاكِبه لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ فَكَأَن فِي حرم يَقُول أدْركْت مِنْهُ مَا أَرَادَ أَن يدْرك مني من قَتْلَى فَقتلته وظفرت بِهِ وَوصف جَوَاده الْبَيْت بعده
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ صَحِيح الجري يصف اسْتِوَاء وَقع قوائمه وَصِحَّة جريه فَكَأَن رجلَيْهِ رجل وَاحِدَة لِأَنَّهُ يرفعها مَعًا ويضعهما مَعًا وَكَذَلِكَ اليدان وَهَذَا الجري يُسمى النقال والمناقلة وَفعله مَا تُرِيدُ الْكَفّ بِالسَّوْطِ وَالرجل بالاستحثاث فَهُوَ بجريه يُغْنِيك عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الإفليلى وَفعله فِي السرعة مَا تُرِيدُ الْقدَم الَّتِي بهَا يستعجل وَفِي المؤاتاة والموافقة مَا تُرِيدُ الْكَفّ الَّتِي بهَا يستوقف
[ ٣ / ٣٦٨ ]
- الْغَرِيب المرهف السَّيْف الرَّقِيق الشفرتين والجحفلان الجيشان العظيمان وروى ابْن جني وَغَيره بَين الموجتين أَرَادَ موجتي الجيشين لِأَنَّهُمَا يموج بَعضهم فِي بعض الْمَعْنى يَقُول رب سيف رَقِيق الحدين سرت بِهِ بَين الجيشين العظيمين حَتَّى قتلت بِهِ وَالْمَوْت غَالب تلتطم أمواجه ويضطرب بحره واستعار الموج لكتائب الْحَرْب
٢٢ - الْغَرِيب الْبَيْدَاء الفلاة الْبَعِيدَة عَن المَاء والقرطاس الْكتاب فِيهِ الْكِتَابَة وَجمعه قَرَاطِيس يُقَال قرساطاس بِضَم الْقَاف وقرطس قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ مخش الْعقيلِيّ
(كَأنَّ بِحيْثُ اسْتَودَعَ الدَّارَ أهْلُها مَخطُّ زبور من دَوَاة وقرطس)
الْمَعْنى يصف شجاعته وجلادته وَأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَا تنكره وَهِي تعرفه لِأَنَّهُ من أَهلهَا يَقُول اللَّيْل يعرفنِي لِكَثْرَة سراي فِيهِ وَطول ادراعي لَهُ وَالْخَيْل تعرفنِي لتقدمي فِي فروسيتها والبيداء تعرفنِي بمداومتي لقطعها واستسهال لصعبها وَالْحَرب وَالضَّرْب يَشْهَدَانِ بحذقي بهما وتقدمي فيهمَا والقراطيس تشهد لي لإحاطتي بِمَا فِيهَا والقلم عَالم بإبداعي فِيمَا يُقَيِّدهُ وَقد سبقه أَبُو عبَادَة بِهَذَا فَقَالَ
(اطْلُبا ثَالِثا سوَاي فَإنّي رَابِعُ العِيسِ وَالدُّجَى وَالبِيدِ)
وَقد أَخذه أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي بقوله
(إنْ شِئْتَ تعرفُ فِي الآدابِ مَنزِلَتي وَأنَّني قدْ عَداني الفَضْلُ والنِّعمُ)
(فالطِّرْفُ والقوْسُ وَالأوْهاقُ تشْهَدُ لي وَالَّسْيفُ وَالنرْدُ وَالشِّطرَنْجُ وَالقَلَمُ)
٢٣ - الْغَرِيب من روى القور بالراء وَضم الْقَاف فَهُوَ جمع قارة وَهِي الأكمة وَقيل هِيَ حرَّة وَهِي اللابة وَجَمعهَا لوب كأكمة وأكم قَالَ مَنْظُور بن مرْثَد الْأَسدي
(هلْ تعرِفُ الدَّارَ بأعْلى ذِي القُورْ قَدْ دَرَستْ غَيرَ رَمادٍ مَكْفُورْ)
وَمن روى بِفَتْح الْقَاف وبالزاي فَهُوَ القوز وَهُوَ الْكَثِيب الصَّغِير وَجمعه أفواز وقيزان وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة معمر لذِي الرمة
(إِلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوَازَ مُشْرِفٍ شِمالًا وَعَنْ أيمانِهِنَّ الفَوَارِسُ)
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الْمَعْنى يَقُول قد سَافَرت وحدي فَلَو كَانَت الْجبَال تتعجب من أحد لتعجبت مني لِكَثْرَة مَا تَلقانِي وحدي فصحبت الْوَحْش فِي الفلوات مُنْفَردا بقطعها مستأنسا بِصُحْبَة حيوانها حَتَّى تعجب مني سهلها وجبلها وقوزها وأكمها
٢٤ - الْمَعْنى يُرِيد يَا من يعز علينا مُفَارقَته بِمَا أسلف إِلَيْنَا من فَضله واستوفرناه من الْحَظ بِقُرْبِهِ وجداننا كل شَيْء طائل بعدكم عدم لَا نسر بِهِ ومحتقر لَا نبهج لَهُ يُرِيد لَا يخلفكم أحد
٢٥ - الْغَرِيب مَا أخلقه بِكَذَا وأقمنه وأجدره أولاه والأمم الْقَصْد وَهُوَ أَمر بَين أَمريْن لَا قريب وَلَا بعيد الْمَعْنى يَقُول مَا أخلقنا ببركم وتكرمتكم وإيثاركم لَو أَن أَمركُم فِي الِاعْتِقَاد لنا على نَحْو أمرنَا فِي الِاعْتِقَاد لكم وَمَا نَحن عَلَيْهِ من الثِّقَة بكم
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ مَا فعله الْحَاسِد لنا واختلقه الواشي بَيْننَا مرضيا لكم مستحسنا عنْدكُمْ فَمَا يتشكى الْجرْح إِذا أرضاكم مَعَ شدَّة وَجَعه وَلَا يكره مَعَ استحكام ألمه حرصا على موافقتكم وإسراعا إِلَى إرادتكم قَالَ الواحدى هَذَا من قَول مَنْصُور الْفَقِيه
(سُرِرْتُ بِهَجْرِكِ لمَّا عَلمْتُ أنْ لِقَلْبِكِ فِيهَ سُرُورَا)
(وَلَوْلا سُرورُكِ مَا سَرَّنِي وَلا كنْتُ يوْما عَلَيْهِ صَبُورَا)
(لأّني أرَى كُلّ مَا ساءَني إذَا كانَ يُرْضِيكِ سَهْلًا يَسيرَا)
٢٧ - الْغَرِيب النَّهْي الْعُقُول والمعارف جمع معرفَة والذمم العهود وَاحِدهَا ذمَّة الْمَعْنى يَقُول بَيْننَا معرفَة لَو رعيتم تِلْكَ الْمعرفَة وَإِنَّمَا ذكر لِأَن الْمعرفَة مصدر فَيجوز تذكيره على نِيَّة الْمصدر يَقُول إِن لم يجمعنا الْحبّ فقد جمعتنَا الْمعرفَة وَأهل الْعقل يراعون حق الْمعرفَة والمعارف عِنْدهم عهود وذمم لَا يضيعونها فبيننا وَسَائِل الْمعرفَة وَلنَا إِلَيْكُم شوافع المحالفة إِن أَحْسَنْتُم المراعاة والمعارف عِنْد أمثالكم من ذَوي الْعُقُول الراجحة والأحلام الوافرة ذمم لَا يضيع حفظهَا
[ ٣ / ٣٧٠ ]
- الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم تطلبون لنا عَيْبا فيعجزكم وجوده وَهَذَا تعنيف لسيف الدولة على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ يطْلبُونَ لنا عَيْبا تغضبون بِهِ عينا وتصغون إِلَى الطاعن مِنْهُم علينا فِيمَا ينْقل إِلَيْكُم وَلَا يمكنكم ذَلِك وَيكرهُ الله مَا تأتون من ذَلِك ويسخطه ويكرهه الْكَرم الَّذِي يلزمكم الْإِنْصَاف وَالْعدْل وَيُوجب عَلَيْكُم الْمُحَافظَة وَالْعقل
٢٩ - الْإِعْرَاب ذان إِشَارَة إِلَى الْعَيْب وَالنُّقْصَان الْغَرِيب الثريا مَعْرُوفَة هِيَ أنجم مجتمعة والهرم الْكبر وَالْعجز الْمَعْنى أَنا بعيد عَن الْعَيْب والنقيصة كبعد الثريا من الشيب وَالْكبر فَكَمَا لَا يلْحقهَا الشيب والهرم فَأَنا كَذَلِك لَا يلحقني الْعَيْب وَالنُّقْصَان فَمَا أبعد الْعَيْب وَالنُّقْصَان عَن شرفي ورفعته وعرضي وسلامته
٣٠ - الْغَرِيب الْغَمَام السَّحَاب وَالصَّوَاعِق جمع صَاعِقَة وَهِي قِطْعَة من نَار تسْقط بأثر الرَّعْد الشَّديد وَيُقَال صَاعِقَة وصاقعة والديم جمع دِيمَة وَهِي مطر يَدُوم مَعَ سُكُون الْمَعْنى يُشِير إِلَى الممدوح معنفا لَهُ على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ أَي لَيْت هَذَا الْملك الَّذِي يشبه الْغَمَام بجوده ويخلفه بعقله الَّذِي عِنْدِي صواعقه يُرِيد مَا يلْحقهُ من الْأَذَى مِمَّن حوله يزِيل تِلْكَ الصَّوَاعِق إِلَى الحاسدين فيشاركونني فِي بؤسه كَمَا يشاركونني فِي فَضله وَالْمعْنَى لبته أَزَال الشَّرّ الَّذِي عِنْدِي إِلَى من عِنْده النَّفْع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(فَلَوْ شاءَ هَذَا الدَّهْرُ أقْصرَ شَرَّهُ كَمَا قَصُرَتْ عَنَّا لهُاهُ وَنائلُهُ)
وَمثله لِابْنِ الرُّومِي
(أعِنْدِيَ تَنْقَضُّ الصَّوَاعقُ منْكُما وَعِنْدَ ذَوي الكُفرِ الحيا وَالثرَى الجعْدُ)
وللبحتري
(سَيْلُهُ يَقْصِدُ العِدَى وَتُجاهي خُلْفُ إيماضِ بَرْقهِ وجُمُودُهْ)
وَأَخذه السّري الْموصِلِي فَقَالَ
(وَأنا الفِدَاءُ لمَنْ مخَيِلَةُ بَرْقِهِ حَظِّي وَحظُّ سوَايَ مِنْ أنْوَائِهِ)
وألفاظ السّري وسبكه أحسن من الْجَمَاعَة
[ ٣ / ٣٧١ ]
- الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والوخد والرسم ضَرْبَان من السّير والوخادة من الْإِبِل الَّتِي تسير بالوخد واحدتها واخدة والرسم الَّتِي تسير بالرسيم واحدتها رسوم وراسم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح النَّوَى هُنَا النِّيَّة أَو الْمنزلَة مَا بَين المرحلتين يُرِيد تَقْتَضِي مراحل شدادا لَا ترْتَفع وَقَالَ الواحدى يكلفني الْبعد عَنْكُم قطع كل مرحلة لَا تقوم بقطعها الْإِبِل المسرعة وَالْمعْنَى أرى النَّوَى الَّتِي أريدها والرحلة الَّتِي أعتقدها تقتضيني تجشم كل مرحلة وافية لَا تستبد بهَا الْإِبِل لبعد منالها وَلَا تطيقها لشدَّة أهوالها
٣٢ - الْإِعْرَاب ليحدثن اللَّام لَام جَوَاب الْقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط فَإِنَّهُمَا إِذا اجْتمعَا كَانَ الْجَواب للقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ وَفِي الْكتاب الْعَزِيز مثل هَذَا كثير الْغَرِيب ضمير جبل على يَمِين طَالب مصر من الشَّام وَهُوَ قريب من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن قصدت مصر ليحدثن لمن ودعتهم نَدم على مفارقتي لَهُم وأسف على رحيلي عَنْهُم يُشِير بذلك إِلَى سيف الدولة أَنه ينْدَم على فِرَاقه فَكَانَ كَمَا قَالَ
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول إِذا سرت عَن قوم وهم قادرون على إكرامك بارتباطك حَتَّى لَا تحْتَاج إِلَى مفارقتهم فهم المختارون للارتحال يُشِير بِهَذَا إِلَى إِقَامَة عذره فِي فراقهم أَي أَنْتُم تختارون الْفِرَاق إِذْ ألجأتموني إِلَيْهِ قَالَ الْخَطِيب إِن الرجل إِذا فَارق أُنَاسًا وَقد ظنُّوا أَنه غير مفارق لَهُم أسفوا لَهُ فكأنهم راحلون وَقَالَ ابْن القطاع رحلت عَن الْمَكَان انْتَقَلت ورحلت غَيْرِي نقلته وسفرته وَمَعْنَاهُ إِذا ترحلت عَن قوم قَادِرين على أَن لَا يفارقوك فالراحلون عَنْك هم وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب نَفسه وَيُشِير إِلَى سيف الدولة حَتَّى لَا يذمه فِي رحلته قَائِما فِي ذَلِك عَن نَفسه بحجته أَي إِذا رَحل الراحل عَن قوم وهم قادرون على إزاحة علته بإسعاف رغبته وأغفلوه حَتَّى ترحل عَنْهُم وَانْقطع بالزوال مِنْهُم فهم الَّذين رحلوه وأزعجوه وأخرجوه وَهُوَ مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم من لم يردك لنَفسِهِ فَهُوَ النائي عَنْك وَإِن تَبَاعَدت أَنْت عَنهُ وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(وَمَا القفر بالبيد القواء بل الَّتِي نبت بِي وفيهَا ساكنوها هِيَ القفر)
[ ٣ / ٣٧٢ ]
الْغَرِيب يصم يعيب والوصم الْعَيْب وَجمعه وَصَوْم والوصم الصدع فِي الْعود من غير بينونة والرخم جمع رخمة وَهُوَ طَائِر أبقع يشبه النسْر فِي الْخلقَة يُقَال لَهُ الأنوق قَالَ الْأَعْشَى
(يَا رَخَما قاظَ عَلى مَسْلُوبِ يُعْجلُ كَفَّ الخارِىِء المُطيبِ)
الْمَعْنى يَقُول شَرّ الْبِلَاد بِلَاد لَا يُوجد فِيهَا من يؤنس بوده ويسكن إِلَى كريم فعله وَشر مَا كَسبه الْإِنْسَان مَا عابه وأذله يُرِيد أَن هبات سيف الدولة وَإِن كثرت مَعَ جلالتها وسعتها لَا تعادل تَقْصِيره فِي حَقه وإيثاره لحساده وَشر مَا قنصه الصَّائِد وظفر بِهِ قنص يشركهُ فِيهِ البزاة الشهب مَعَ رفعتها والرخم مَعَ سقاطتها ودناءتها وَضَعتهَا يُشِير بذلك إِلَى أَن مَا وهبه من بره وَأظْهر عَلَيْهِ من إحسانه وفضله شَاركهُ فِيهِ من حساده أهل الغباوة ونازعه فِيهِ أهل الْعَجز والجهالة وَالْمعْنَى إِذا تساويت أَنا وَمن لَا قدر لَهُ فِي أَخذ عطائك فَأَي فضل لي عَلَيْهِ وَمَا كَانَ من الْفَائِدَة كَذَا فَلَا أفرح بِهِ
٣٦ - الْغَرِيب زعنفة بِكَسْر الزَّاي وَجمعه زعانف وهم اللئام السقاط من النَّاس وَهُوَ مَأْخُوذ من زعنفة الْأَدِيم وَهُوَ مَا سقط من زوائده الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة بِأَيّ لفظ تَقول الشّعْر أراذل النَّاس لَا عرب وَلَا عجم يُرِيد لَيست لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم فليسوا شَيْئا وَقَالَ الواحدى يَقُول هَؤُلَاءِ الخساس اللئام من الشُّعَرَاء بِأَيّ لفظ يَقُولُونَ الشّعْر وَلَيْسَت لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم والفصاحة للْعَرَب فليسوا شَيْئا وصحف بَعضهم فَقَالَ يخور من خوار الثور وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ تصحيفا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَهُوَ كَمَا يروي أَن رجلا قَرَأَ على حَمَّاد الرِّوَايَة شعر عنترة
(إذْ نَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ )
فَقَالَ إِذْ تستنبك فأبدل من الْبَاء نونا فَضَحِك حَمَّاد وَقَالَ أَحْسَنت لَا أرويه بعد الْيَوْم إِلَّا كَمَا قَرَأت
[ ٣ / ٣٧٣ ]
- الْغَرِيب المقة الْمحبَّة والود والكلم لَا يكون أقل من ثَلَاث كَلِمَات وَالْكَلَام قد يَقع على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لِأَنَّك لَو قلت لرجل من ضربك فَقَالَ زيد لَكَانَ متكلما فَالْكَلَام يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير فَالْكَلَام مَا أَفَادَ وَإِن بِكَلِمَة والكلم جمع كلمة كنبقة ونبق وثفنة وثفن وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا بَاب علم مَا الْكَلم من الْعَرَبيَّة وَلم يقل الْكَلَام لأته أَرَادَ أَن يُفَسر ثَلَاثَة أَشْيَاء الِاسْم وَالْفِعْل والحرف فجَاء بِمَا لَا يكون إِلَّا جمعا وَترك مَا يُمكن أَن يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وَقَالَ كثير
(وَإني لَذُو كَلْمٍ عَلى كَلِمِ العِدَى )
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ وَتَمِيم تَقول فِي كلمة كَلمه بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام مثل كبد وكبد وكبد وورق وورق وورق الْمَعْنى يَقُول هَذَا الَّذِي أَتَاك من الشّعْر عتاب مني إِلَيْك وَهُوَ محبَّة لِأَن العتاب يجْرِي بَين المحبين وَهُوَ در حسن نظمه وَلَفظه إِلَّا أَنه كَلِمَات وَالْمعْنَى هَذَا عتابك وَهُوَ وَإِن أمضك وأزعجك محبَّة خَالِصَة ومودة صَادِقَة فباطنه غير ظَاهره كَمَا أَنه قد ضمن الدّرّ لحسنه وَإِن كَانَ كلما معهودا فِي ظَاهر لَفظه وَلما أنْشد هَذِه القصيدة وَانْصَرف كَانَ فِي الْمجْلس رجل يعاديه فَكتب إِلَى أبي العشائر على لِسَان سيف الدولة كتابا إِلَى أنطاكية يشْرَح لَهُ فِيهِ ذكر القصيدة وأغراه بِهِ فَوجه أَبُو العشائر عشرَة من غلمانه فوقفوا قَرِيبا من بَاب سيف الدولة فِي اللَّيْل وأنفذوا إِلَيْهِ رَسُولا على لِسَان سيف الدولة فَلَمَّا قرب مِنْهُم ضرب رجل مِنْهُم بِيَدِهِ إِلَى عنان فرسه فسل أَبُو الطّيب السَّيْف فَوَثَبَ عَلَيْهِ الرجل وَتَقَدَّمت فرسه بِهِ فَعبر قنطرة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَأصَاب أحدهم فرسه بِسَهْم فانتزعه واستقلت الْفرس بِهِ وتباعد بهم ليقطعهم من مدد إِن كَانَ لَهُم وَرجع إِلَيْهِم بعد أَن فني نشابهم فَضرب أحدهم بِالسَّيْفِ فَقطع الْوتر وَبَعض الْقوس وأسرع السَّيْف فِي ذراعه فوقفوا على صَاحبهمْ الْمَجْرُوح وَسَار وتركهم فَلَمَّا يئسوا مِنْهُ قَالَ أحدهم نَحن غلْمَان أَبى العشائر فَحِينَئِذٍ قَالَ
(وَمُنْتَسِبٍ عِنْدِي إِلَى مَنْ أحِبُّهُ وَللنَّبْلِ حوْلي مِنْ يَدَيْهِ حَفِيف)
وَقد تقدم شرحها فِي حرف الْفَاء
[ ٣ / ٣٧٤ ]
- ١ الْإِعْرَاب زَالَ خبر وَلَيْسَ هُوَ دُعَاء فَلَيْسَ كَقَوْلِك غفر الله لَك فِي عرض كلامك أَلا ترَاهُ خاطبه بعد زَوَال مَا كَانَ يجده وَصدر الْبَيْت خبر فَكَذَلِك عَجزه الْمَعْنى يَقُول الْمجد عوفي بعافيتك وَالْكَرم صَحَّ بصحتك وَزَالَ الْأَلَم إِلَى أعدائك الَّذين تَأَخّر عَنْهُم غزوك وأغمد دونهم سَيْفك وَهُوَ من قَول حبيب
(سلِمْتَ فإنْ كانتْ لكَ الدَّعْوَةُ اسمَها وَكانَ الَّذي يَحْظىَ بإنْجاحِها المجْدُ)
٢ - الْغَرِيب الغارات جمع غَارة والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم مَعَ سُكُون وابتهجت فرحت واستبشرت الْمَعْنى يَقُول صحت الغارات بِتمَام صحتك وانتظمت الجيوش بانتظام قوتك وابتهجت بذلك المكارم وأشرق حسنها وانهلت الديم واتصل نَفعهَا وَكَانَت الأمطار مُنْقَطِعَة فَلَمَّا عوفي صَادف اتصالها عافيته
٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّمْس مَرضت لمرضه حزنا عَلَيْهِ فَعظم الْأَمر فِي علته كعادة الشُّعَرَاء وَيُرِيد أَن الشَّمْس فقدت نورها أَيَّام مَرضه فَكَانَ فقد ذَلِك كاسفا لَهَا فَقَالَ رَاجع الشَّمْس بصحتك وعاودها بِزَوَال علتك نور كَانَ فَقده كالسقم فِي جسمها أَو النُّقْصَان المضر بحسنها
٤ - الْغَرِيب الْعَارِض مَا يَلِي الناب من دَاخل الْفَم وَيُقَال هُوَ الناب الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة لَاحَ لي ببشرك وبدا لي بتبسمك برق لامع وَنور سَاطِع لَا يسْقط الْغَيْث إِلَّا فِي أَثَره وَلَا يُوجد إِلَّا فِي مَوْضِعه يُشِير إِلَى الْعَطاء الَّذِي يَتْلُو بشره وَيُرِيد أَنه إِذا تَبَسم أعْطى مَاله فَيصير ذَلِك الْمَكَان كَأَن الْغَيْث قد نزل بِهِ لِأَنَّهُ أخصب بجوده
[ ٣ / ٣٧٥ ]
- الْغَرِيب تَقول سميته وأسميته وسميته والمخدوم الَّذِي يَخْدمه غَيره والخدم جمع خَادِم الْمَعْنى يَقُول هُوَ يُسمى بِالسَّيْفِ وَالسيف لَا يُشبههُ ويوصف بِهِ وَهُوَ لَا يعدله وَكَيف يشْتَبه المخدوم وَالْخَادِم ويعدم الْملك بِمن هُوَ بأَمْره وطاعته قَائِم
٦ - الْغَرِيب المحتد الأَصْل من قَوْلهم حتد بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ عَرَبِيّ الأَصْل فالعرب تخْتَص بالفخر بِهِ إِذْ هُوَ مِنْهُم وحصلت الشّركَة للعجم مَعَ الْعَرَب فِي إحسانه وعطائه وَهُوَ من قَول البحتري
(غَدا قَسْمهُ عَدْلًا فَفِيكُمْ نَوَالُهُ وَفي سِرّ نَبهانِ بنِ عَمرٍ ومآثِرُهُ)
٧ - الْغَرِيب الآلاء النعم الْوَاحِدَة إِلَى وَمِنْه قَول الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ قَالَ نعْمَة رَبهَا الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَت الْأُمَم مُشْتَركَة فِي إنعامه وَأَن نصرته خَالِصَة لدين الْإِسْلَام لَا ينصر غَيره من الْأَدْيَان أَي جعل الله نصرته خَالِصَة لِلْإِسْلَامِ وَإِن كَانَ قد شَمل الْأُمَم بِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَان
٨ - الْمَعْنى يَقُول مَا أخصك فِي التهنئة بعافيتك مُنْفَردا بل سَلامَة النَّاس مَوْصُولَة بسلامتك وكفاية الله لَهُم متمكنة بكفايتك وَقَالَ سلمُوا على معنى كل لَا على لَفظهَا وَقد جَاءَ فِي الْكتاب الْعَزِيز على لفظ كل وعَلى مَعْنَاهَا فَأَما على لَفظهَا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَكلهمْ آتيه﴾ وَأما على مَعْنَاهَا فَقَوله تَعَالَى ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وعَلى ﴿أَتَوْهُ﴾ مَقْصُورا وَالْمعْنَى من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(لَوْ عَلمَ النَّاسُ كَيْفَ أنتَ لهمْ ماتَ إذَا مَا ألمِتَ أكْثرُهُمْ)
[ ٣ / ٣٧٦ ]
- ١ الْمَعْنى يَقُول قد سمعنَا مَا رَأَيْت فِي النّوم وَأَعْطَيْنَاك بدرة وَهِي عشرَة آلَاف دِرْهَم وأجزلنا لَك الصِّلَة فِي الْمَنَام
٢ - الْغَرِيب النوال الْعَطاء والانتباه من النّوم هُوَ الْيَقَظَة الْمَعْنى يَقُول كَانَ سؤالك فِي النّوم مثل الْعَطاء الَّذِي أعطيناك فانتبهت بِلَا شَيْء وَكَذَلِكَ نَحن كَانَ نوالنا على نَحْو مدحك وجودنا على سَبِيل قَوْلك يُشِير إِلَى تسفيه رَأْيه وتخطئة فعله إِذْ لم يَجْعَل مدحه لسيف الدولة غَرضا يَقْصِدهُ وأمرا وَاجِبا يعتمده
٣ - الْمَعْنى يزري عَلَيْهِ بِمَا فعل فَقَالَ كنت فِي الَّذِي رَأَيْته نَائِما فَهَل كنت وَقت الْكِتَابَة نَائِما أَيْضا اللَّفْظ كَانَ رديئا والخط رديئا
٤ - الْغَرِيب لَا بِمَعْنى لَيْسَ كبيت الْكتاب
(فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ )
الْمَعْنى يَقُول أَيهَا المشتكي الْفقر فِي نَومه والمتوجع للإقلال فِي حلمه والإقلال يطرد النّوم والإعدام يبطل الْحلم كَيفَ قدرت على النّوم مَعَ الْعَدَم
٥ - الْمَعْنى افْتَحْ عَيْنَيْك وَصحح قَوْلك وَلَا تخدع بالأحلام نَفسك وميز مَا يُخَاطب بِهِ سيف الإِمَام يُرِيد الْخَلِيفَة وَلَا تخاطبه بِمَا تخاطب بِهِ سَائِر النَّاس
٦ - الْإِعْرَاب يجوز أَن يكون الَّذِي فِي مَوضِع جر على الْبَدَل من سيف الإِمَام وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع على خبر الِابْتِدَاء وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع نصب على الْمَدْح الْمَعْنى يُرِيد الَّذِي لَا يغنى عَنهُ أحد وَلَا يكون مِنْهُ بدل لجلالة قدره وَلَا يحمى عَلَيْهِ فِيمَا يَطْلُبهُ أحد فَلَا يُغني عَنهُ أحد لعُمُوم فَضله وَلَا يكون مِنْهُ بدل لجلالة قدره وَلَا يحتمي عَلَيْهِ مَا طلبه لسعة مقدرته وَلَا يمْتَنع دونه لنفوذ أمره فِيهِ
٧ - الْغَرِيب الآخاء جمع أَخ كالآباء جمع أَب الْمَعْنى يَقُول كل كرام بنى الدُّنْيَا آخاؤه لأَنهم يوافقونه فِي رَأْيه ويشابهونه فِي فعله لكنه المبرز فيهم والمقدم عَلَيْهِم لِأَنَّهُ كريم كريمهم والمحتوى على جَمِيع فعالهم فَهُوَ أكْرمهم وأفضلهم وأشرفهم
[ ٣ / ٣٧٧ ]
- ١ الْغَرِيب العزائم جمع عَزِيمَة وَهِي مَا يعزم الْإِنْسَان عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول عَزِيمَة الرجل على مِقْدَاره وَكَذَلِكَ مكارمه فَمن كَانَ كَبِير الهمة قوي الْعَزْم عظم الْأَمر الَّذِي يعزم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ المكارم إِنَّمَا تكون على قدر أَهلهَا فَمن كَانَ أكْرم كَانَ مَا يَأْتِيهِ من المكارم أعظم وَالْمعْنَى أَن الرِّجَال قوالب الْأَحْوَال إِذا صغروا صغرت وَإِذا كبروا كَبرت فعلى قدر أهل الْعَزْم من الْمُلُوك وَمَا يكونُونَ عَلَيْهِ من نَفاذ الْأَمر وتظاهر الْعُلُوّ والرفعة تكون عزائمهم وعَلى قدر الْكِرَام فِي مَنَازِلهمْ واستبانة فضائلهم تكون مكارمهم فِي جلالتها وأفعالها فِي قوتها وفخامتها وَهَكَذَا كَقَوْل عبد الله ابْن طَاهِر
(إنَّ الفُتُوحَ عَلى قَدْرِ المُلوك وَهِمْمَاتِ الوُلاةِ وَأقْدَامِ المقاديِرِ)
وَكَانَ سَبَب هَذِه القصيدة أَن سيف الدولة سَار نَحْو ثغر الْحَدث وَكَانَ أَهلهَا قد سلموها بالأمان إِلَى الدمستق فَنزل بهَا سيف الدولة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَبَدَأَ فِي يَوْمه فحط الأساس وحفر أَوله بِيَدِهِ ابْتِغَاء مَا عِنْد الله تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نازله ابْن الفقاس دمستق النَّصْرَانِيَّة فِي خمسين ألف فَارس وراجل من جموع
[ ٣ / ٣٧٨ ]
الرّوم والأرمن والبلغر والصقلب وَوَقعت الْوَقْعَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ جُمَادَى الْآخِرَة وَأَن سيف الدولة حمل بِنَفسِهِ فِي نَحْو من خَمْسمِائَة من غلمانه فقصد موكبه فَهَزَمَهُ وأظفر الله بِهِ وَقتل ثَلَاثَة آلَاف من مقاتلته وَأسر خلقا كثيرا فَقتل بَعضهم واستبقى الْبَعْض وَأسر تودس الْأَعْوَر بطرِيق سمندو وَهُوَ صهر الدمستق على ابْنَته وَأسر ابْن الدمستق وَأقَام على الْحَدث إِلَى أَن بناها وَوضع بِيَدِهِ آخر شرافة مِنْهَا يَوْم الثُّلَاثَاء آخر ثَالِث عشرَة لَيْلَة خلت من رَجَب وَفِي هَذَا الْيَوْم أنْشد أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة لسيف الدولة بِالْحَدَثِ
٢ - الْمَعْنى يَقُول صغَار الْأُمُور عَظِيمَة فِي عين الصَّغِير الْقدر وعظامها صَغِيرَة فِي عين الْعَظِيم الْقدر يُشِير بذلك إِلَى شرف سيف الدولة وَمَا فعل فِي الْوَقْعَة الَّتِي ذكرنَا من نَفاذ عزمه وجلالة قدره وَالْهَاء فِي صغارها للعزائم أَو المكارم قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى الْجَمِيع
٣ - الْغَرِيب الخضارم جمع خضرم وَهُوَ الْعَظِيم الْكَبِير من كل شَيْء وَمن روى البحور الخضارم فَهُوَ غلط وَالصَّحِيح الجيوش الْمَعْنى يُكَلف جَيْشه مَا فِي همته من الْغَزَوَات والغارات وَلَا يتَحَمَّل ذَلِك الجيوش الْكَثِيرَة لِأَن مَا فِي همته لَيْسَ فِي طَاقَة الْبشر تحمله وَالْمعْنَى يُكَلف جَيْشه اسْتِيفَاء مَا تبلغه همته وتنعقد عَلَيْهِ نِيَّته والجيوش العظمية تعجز عَن ذَلِك وَلَا تُدْرِكهُ وتقصر عَنهُ وَلَا تلْحقهُ
٤ - الْغَرِيب الضراغم جمع ضرغام وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يُرِيد سيف الدولة أَن يكون النَّاس مثله فِي الشجَاعَة وَذَلِكَ شَيْء لَا يَدعِيهِ الْأسد والأسد لَا تَدعِي أَنَّهَا مثله فِي الشجَاعَة وَالْمعْنَى يطْلب أَصْحَابه وَأَتْبَاعه بِمَا عِنْده من الْبَأْس والنجدة والإقدام والشدة وَذَلِكَ مَا لَا تُطِيقهُ الْأسود العادية وَلَا تدعيه الضراغم الباسلة
٥ - الْغَرِيب القشاعم النسور الطويلات الْعُمر وَمِنْه سميت الْمنية أم قشعم لطول عمرها والملا وَجه الأَرْض والأحداث الشَّابَّة وَاحِدهَا حدث وَهُوَ الشَّاب الْإِعْرَاب نسور بدل من أتم الطير وَقيل هُوَ عطف بَيَان وأحداثها والقشاعم عطف بَيَان
[ ٣ / ٣٧٩ ]
الْمَعْنى يَقُول يفْدي أطول الطير عمرا سلَاح سيف الدولة وَبَين هَذَا الصِّنْف فَقَالَ أحداثها وقشاعمها أَي أصاغرها وأكابرها وَإِنَّمَا يفْدِيه لَو جود الجثث فِي وقائعه والاستبشار بِكَثْرَة ملاحمه
٦ - الْغَرِيب المخالب جمع مخلب وَهُوَ الظفر لسباع الطير والقوائم جمع قَائِم وَهُوَ قَائِم السَّيْف الْمَعْنى يَقُول مَا ضرّ الْأَحْدَاث من النسور يَعْنِي الْفِرَاخ والقشاعم وَهِي المسنة الَّتِي ضعفت عَن طلب الرزق وَخص هذَيْن النَّوْعَيْنِ لعجزها عَن طلب الْقُوت يَقُول لَيْسَ يضرهما أَن لَا يكون لَهما مخالب قَوِيَّة مفترسة بعد أَن خلقت أسياف سيف الدولة فَإِنَّهَا تقوم بكفاية قوتها قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وَمَا ضرها لَو خلقت بِغَيْر مخالب كَمَا تَقول مَا ضرّ النَّهَار ظلمته مَعَ حضورك وَلَيْسَ النَّهَار بمظلم لكنك تُرِيدُ مَا ضره لَو خلق مظلما وَالْمعْنَى مَا يَضرهَا أَن تخلق بِغَيْر مخالب تستعملها فِيمَا تَأْكُله وتصرفها فِيمَا تنشبه لِأَن سيوفه تبلغها فِي ذَلِك مَا ترغبه وَتفعل لَهَا مَا تريده وتطلبه وَقد ذكر الطير فِي مَوَاضِع فَأحْسن وَجَاء بِمَا لم يسْبق إِلَيْهِ بقوله
(وَيُطْمِعُ الطَّير فيهمْ طُولُ أكْلهم حَتَّى تَكادَ عَلى أحيْائِهمْ تَقَع)
وَمن مستحسن قَوْله فِي وصف الْجَيْش
(وَذِي لجَبٍ لاذُو الجَناحِ أمامَهُ بِناجٍ وَلا الوَحْشُ المُثارُ بِسالِمِ)
(تَمُرُّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهْيَ ضَعِيفَةٌ تُطالِعُهُ مِنْ بَينِ رُؤُسٍ القَشاعِمِ)
وَقد ذكر الطير جمَاعَة ذَكَرْنَاهُمْ قبل هَذَا وَقد أَخذ معنى أبي الطّيب أَبُو نصر بن نباتة بقوله
(وَبَوْماكَ يَوْمٌ لِلعُفاةِ مُذَلَّلٌ وَيَوْمٌ إِلَى الأعْدَاءِ مِنْكَ عَصَبْصَبُ)
(إذَا حَوَّمَتْ فَوْقَ الرّماحِ نُسُورُهُ أطارَ إلَيْها الضَّرْبُ مَا تَترَقَّبُ)
وَله أَيْضا
(وَإنَّكَ لَا تَنْفَكُّ تَحتَ عَجاجَةٍ تُقَطَّعُ فِيها المشْرِفِيَّةُ بالطُّلَي)
إذَا يَئِسَتْ عقْبانُها مِنْ خَصِيَلِةٍ رَفَعْتَ إلَيها الدَّارِعينَ عَلى القُلَي)
الخصيلة كل عصبَة فِيهَا لحم غليظ والطلي الْأَعْنَاق
٧ - الْإِعْرَاب أَي ابْتِدَاء والغمائم الْخَبَر وَتعلم مَكْفُوفَة عَن الْعَمَل
[ ٣ / ٣٨٠ ]
الْغَرِيب الْحَدث هِيَ القلعة الَّتِي بناها وَهِي فِي بِلَاد الرّوم وَعَلَيْهَا كَانَت الْوَقْعَة وسماها حَمْرَاء لِأَنَّهُ بناها بحجارة حمر وَقيل سَمَّاهَا حَمْرَاء لِكَثْرَة مَا أجْرى عِنْدهَا من الدِّمَاء الْمَعْنى يَقُول هَل تعرف القلعة لَوْنهَا لِأَنَّهُ غير لَوْنهَا إِمَّا بِالْحِجَارَةِ وَإِمَّا بالدماء وَهل تعلم أَي السَّاقَيْن سَقَاهَا الغمائم أم الجماجم وَترك ذكر الجماجم اكْتِفَاء بِذكر الغمائم وَهِي السحائب وَاحِدهَا غمامة وكقول الْهُذلِيّ
(دَعاني إليْها القَلْبُ إنّي لأمْرِهِ مُطِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها)
أَرَادَ أرشد أم غي فَحذف اكْتِفَاء برشد وَقد بَين أَبُو الطّيب الْمَعْنى فِي الْبَيْت الثَّانِي بقوله
٨ - الْغَرِيب الغر ذَوَات الْبَرْق والجماجم جمع جمجمة الْمَعْنى يَقُول سَقَاهَا الْغَمَام قبل نزُول سيف الدولة بهَا وجادها قبل حُلُوله فِيهَا فَلَمَّا حلهَا أوقع فِيهَا بالروم الَّذين حاولوا مَنعه من بنيانها فقتلتهم جيوشه وفلقت هامهم سيوفه فسفك فِيهَا من دِمَائِهِمْ مَا ماثل الْمَطَر الَّذِي جاد بهَا والسحاب فِي كثرته وقاومه فِي جملَته
٩ - الْمَعْنى يَقُول بنى سيف الدولة القلعة وأذل الرّوم بالإيقاع بهم وقهرهم بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِم بعد أَن تقارع القنا فِي حربهم وتلاطم موج الْمَوْت فِي منازلتهم
١٠ - الْغَرِيب الجثث جمع جثة وَهِي الْجَسَد والتمائم العوذ وَاحِدهَا تَمِيمَة الْمَعْنى جعل الِاضْطِرَاب بالفتنة فِيهَا جنونا لَهَا وَذَلِكَ أَن الرّوم كَانُوا يقصدونها ويحاربون أَهلهَا فَلَا تزَال الْفِتْنَة بهَا قَائِمَة فَلَمَّا قتل سيف الدولة الرّوم وعلق الْقَتْلَى على حيطانها سكنت الْفِتْنَة وَسلم أَهلهَا فَجعل جثث الْقَتْلَى كالتمائم عَلَيْهَا حَيْثُ أذهبت مَا بهَا من الْجُنُون وَهُوَ إسكان الْفِتْنَة فَكَأَن الْفِتْنَة كَانَت جنونا فسكن سيف الدولة تِلْكَ المخافة وأذهبت تِلْكَ المهابة وَترك حولهَا من جثث الرّوم مَا قَامَ لَهَا مقَام التمائم وأمنها من جَمِيع المحاذر وَقد لَاذَ بقول حبيب
(تكادُ عَطاياهُ يُجَنُّ جُنُوُنها إذَا لمْ يُعَوّذْها بِنَغْمَةِ طَالِبِ)
قَالَ أَبُو الطّيب مَا رد على أحد شَيْئا فقبلته إِلَّا سيف الدولة فَإِنِّي أنشدته وَمن جيف الْقَتْلَى فَقَالَ لي مَه قل من جثث الْقَتْلَى فَقبلت وَقلت كَمَا قَالَ لي
[ ٣ / ٣٨١ ]
- الْغَرِيب الطريدة المطرودة وفعيل بِمَعْنى مفعول كثير فِي الْكَلَام نَحْو قَتِيل وأسير والخطى الرماح وأصل الرغم أَن يلتصق الْأنف بِالتُّرَابِ الْمَعْنى جعلهَا طريدة الدَّهْر بِأَن سلط عَلَيْهَا الرّوم حَتَّى أخربوها فَأَعَادَ بناءها سيف الدولة وردهَا على أهل الْإِسْلَام برغم الدَّهْر حِين خَالفه فِيمَا قصد فَهُوَ يُخَاطب سيف الدولة بقوله كَانَت هَذِه الْمَدِينَة طريدة دهر أخرجهَا الدَّهْر عَن مدن الْإِسْلَام وأزعجها من بَينهم لعدم الْعمرَان فرددتها على الْإِسْلَام بتعميرك لَهَا واغتصبتها من الرّوم بدفعهم عَنْهَا وغالبت الدَّهْر الَّذِي ساعدهم عَلَيْهَا فغلبته وقارعته دونهَا فأرغمته
١٢ - الْغَرِيب تفيت تفعل من الْفَوْت والغوا رم جمع غارمة الْمَعْنى قَالَ الواحدى اللَّيَالِي إِذا أخذت شَيْئا ذهبت بِهِ فَإِن أخذت مِنْك غرمت لِأَنَّك تلزمها الغرامة قَالَ وَيجوز أَن يكون تفيت مُخَاطبَة على رِوَايَة من روى أَخَذته بِالتَّاءِ يَقُول إِذا سلبت اللَّيَالِي شَيْئا أفته عَلَيْهَا فَلم تقدر على اسْتِرْدَاده وَهِي إِذا أخذت مِنْك شَيْئا غرمت يَعْنِي أَنْت أقوى من الدَّهْر فَإِنَّهُ لَا يقدر على مخالفتك وَهَذَا من قَول الآخر
(فَما أدْرَكَ السَّاعُونَ فِبنا بوِتْرِهِمْ وَلا فاتَنا مِنْ سِائرِ النَّاس وَاترِ)
وكقول الطرماح
(إنْ نأْخُذَ النَّاسَ لَا تُدْرَكْ أخيذَتُنا أوْ نَطَّلِبْ نَتَعَدَّ الحَقَّ فِي الطَّلَبِ)
وَقَالَ الْخَطِيب وَابْن القطاع كِلَاهُمَا اشْتَركَا فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى قَالَا من رَوَاهُ بالنُّون أفسد الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع قَالَ لي شَيْخي مُحَمَّد بن الْبَراء التَّمِيمِي قَالَ لي صَالح بن رشد قَرَأت على المتنبي أحذنه بالنُّون فَقَالَ صحفت يَا أَبَا عَليّ قلت وَكَيف قلت فَقَالَ قلت أَخَذته بِالتَّاءِ لِأَنِّي لَو قلت بالنُّون لأفسدت الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب ونقضت قولي فِي آخر الْبَيْت وَذَلِكَ أَن تفيت يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فَإِذا جعلت اللَّيَالِي فَاعله ونصبت كل شَيْء لم يكن مفعول ثَان ففسد الْإِعْرَاب وَإِذا قلت بِالتَّاءِ جعلت اللَّيَالِي مَفْعُولا أول وكل شَيْء ثَانِيًا وَأما فَسَاد الْمَعْنى فَلَو جعلت اللَّيَالِي الفاعلة لجعلتها تفيت كل شَيْء وَلَا تغرمه ثمَّ نقضته بِقَوْلِي وَهن لما يَأْخُذن مِنْك غوارم وَإِنَّمَا الْمَعْنى تفيت يَا سيف الدولة اللَّيَالِي كل شَيْء أَخَذته مِنْهَا فَلَا تغرمه لَهَا وَهن غوارم لَك مَا يَأْخُذن فصح الْمَعْنى
١٣ - الْغَرِيب الْفِعْل الْمُضَارع مَا كَانَ فِيهِ إِحْدَى الزَّوَائِد الْأَرْبَع الْألف للمتكلم
[ ٣ / ٣٨٢ ]
وَالنُّون للْجَمَاعَة وَالْيَاء للْغَائِب وَالتَّاء للمخاطب وَالْمَرْأَة الغائبة والنحويون يسمون الْمُسْتَقْبل الْمُضَارع وَهُوَ يصلح للْحَال والاستقبال حَتَّى تدخل عَلَيْهِ سَوف أَو السِّين فَيصير للمستقبل خَاصَّة وَأَرَادَ أَبُو الطّيب هُنَا الِاسْتِقْبَال ليَصِح لَهُ الْمَعْنى لِأَن الْفِعْل الْحَاضِر لَا يجوز أَن يَنْوِي ويتوقع وَلَا يُؤمر بِهِ والجوازم حُرُوف الْجَزْم وَهِي لم وَلما وَمهما وحروف الشَّرْط فَهَذِهِ الْحُرُوف إِذا دخلت على الْفِعْل الصَّحِيح سكنته وَإِذا دخلت على المعتل حذفت حرف الْعلَّة مِنْهُ وَالْبَيْت بناه على التورية الْمَعْنى يَقُول إِذا نَوَيْت أمرا تَفْعَلهُ فَكَانَ ذَلِك فعلا مُسْتَقْبلا غير مَاض مضى ذَلِك الْفِعْل الَّذِي نويته قبل أَن يجْزم ذَلِك الْفِعْل يُرِيد مَا أسعده الله بِهِ وأظهره لَهُ من سعده فِي قَصده فَإِذا كَانَ مَا ينويه فعلا مُسْتَقْبلا وَلَفظ الْمُسْتَقْبل يَقع على الدَّائِم الَّذِي لم يَنْقَطِع وعَلى الْمُتَأَخر الَّذِي لم يَقع صَار ذَلِك الْفِعْل مَاضِيا بِوُقُوعِهِ مِنْهُ ومتصرفا بتمكنه مِنْهُ قبل أَن تلْحقهُ الجوازم فتثبته فِيمَا لم يجب وَتدْخل عَلَيْهِ فتخلصه فِيمَا لم يَقع قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(خَرْقاءُ يَلْعَبُ بالعُقُولِ حَبابُها كَتلاعبِ الأفْعالِ بِالأسماءِ)
١٤ - الْغَرِيب الروس فرقة تنضم إِلَى الرّوم والأساس مَا يَبْنِي عَلَيْهِ يُقَال أس الْحَائِط وأساسه وَجمع الأس آساس وَقد قَالُوا أسس بِالْفَتْح فِي أساس وَفِي جمع أساس أسس بِالضَّمِّ كقذال وقذل وَفِي جمع أس إساس كعس وعساس وَفِي جمع الأسس آساس كسبب وَأَسْبَاب واسست الْبناء تأسيسا والدعائم جمع دعامة وَهِي عماد الْبَيْت وكل شَيْء يسْتَند إِلَيْهِ ويتقوى بِهِ فَهُوَ دعامة وَمِنْه سمي السَّنَد الدعامة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يرجون هدمها وَهِي موسسة بطعنك مدعومة بشجاعتك وجيشك فالطعن لَهَا كالأساس والجيش لَهَا كالدعائم فَكيف يرومون هدمها وَقد أسستها بالطعن الَّذِي أعملته فيهم وأدعمتها بِالْقَتْلِ الَّذِي سلطته عَلَيْهِم فَكيف يرومون هدمها وَهَذِه صُورَة بنيتها وَكَيف يحاولون إخلاءها وَهَذِه حَقِيقَة منعتها
١٥ - الْمَعْنى يَقُول حاكموها يَعْنِي القلعة وَكَانُوا ظالمين لَهَا وَكَانَت مظلومة فَلَمَّا حكمت السيوف قتلت الظَّالِم وأبقت الْمَظْلُوم فأهلكت الرّوم وجدد بِنَاء القلعة وَالروم خصمين وَالْحَرب حاكمة فحكمت الْحَرْب للقلعة بالسلامة وللروم بِالْهَلَاكِ فَمَا عاشوا مَعَ مَا حاولوه من الظُّلم لَهَا وَلَا مَاتَ ذكر القلعة مَعَ مَا أرادوه من الخراب لَهَا بل نصر الله فِيهَا سيف الدولة فَهزمَ جيوشهم وأظهره عَلَيْهِم فَفرق جموعهم
[ ٣ / ٣٨٣ ]
- الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم اجترموا على نُفُوسهم وخيولهم ولبسوا الْحَدِيد وألبس خيولهم التجافيف حَتَّى صَارَت لَا تبين قَوَائِمهَا فَصَارَت كَأَنَّهَا لَا قَوَائِم لَهَا والقوائم هُنَا قَوَائِم الْخَيل وَفِي أول القصيدة
(وَقَدْ خْلِقَتْ أسيْافُهُ وَالقَوَائمُ )
فالقوائم قَوَائِم السيوف فَلهَذَا لم يكن فِي هَذِه القصيدة إيطاء وَلَو كَانَتَا بِمَعْنى لجَاز لِأَن الأول معرفَة وَهَذِه نكرَة والسرى سير اللَّيْل والجياد الْخَيل
١٧ - الْغَرِيب الْبيض السيوف الْمَعْنى جعل الرّوم يبرقون لِكَثْرَة مَا عَلَيْهِم من الْحَدِيد والبريق اللمعان وَلم يفرق بَين سيوفهم وَبينهمْ لِأَن على رُءُوسهم الْبيض والمغافر وثيابهم الدروع فهم كالسيوف وَقد فسره بقوله من مثلهَا أَي مثل السيوف يُرِيد من الْحَدِيد وَأَشَارَ بِهَذَا الْوَصْف أغْنى كَثْرَة سلَاح هَذَا الْجَيْش إِلَى قوته وَبِمَا ذكره من هَذِه الْهَيْئَة إِلَى شدته وَسمعت بَعضهم وَكَانَ شَيخا يقْرَأ عَلَيْهِ هَذَا الدِّيوَان يَقُول أَخطَأ أَبُو الطّيب كَيفَ ذكر العمائم والعمائم للْعَرَب وَلَيْسَت للروم فَكيف جعلهَا للروم فَضَحكت من قَوْله وَقلت لَهُ الضَّمِير فِي مثلهَا إِلَى أَيْن يعود أَلَيْسَ إِلَى الْبيض وَهِي السيوف فَلم يدر مَا قلت
١٨ - الْغَرِيب الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم لَهُ الميمنة والميسرة وَالْقلب والجناحان والزحف التَّقَدُّم والجوزاء أنجم مَعْرُوفَة والزمازم جمع زمزمة وَهِي صَوت لَا يفهم لتداخله الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْجَيْش لكثرته قد عَم الشرق والغرب وَبلغ صوتهم الجوزاء وخصها بِالذكر من سَائِر البروج لِأَنَّهَا على صُورَة الْإِنْسَان هَذَا قَول الواحدى وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ لَهَا أذن سَمِعت بهَا وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْجَيْش لعظم أمره وَكَثْرَة أَهله قد مَلأ مَا بَين الشرق والغرب وَفِي أذن الجوزاء من أصوات أَهله زمازم لَا تفسر وأخلاط لَا تبين وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْأَصْوَات تبلغ السَّمَاء بكثرتها وتقطع أبعد المسافات بشدتها وَلم نسْمع فِي وصف جَيش مثل هَذَا وَمثل قَول الطَّائِي
(مَلأ المَلا عُصَبا فَكادَ بِأنْ يُرَى لَا خَلْفَ فيِهِ وَلا لَهُ قُدَّام)
[ ٣ / ٣٨٤ ]
- الْغَرِيب اللسن اللُّغَة وَاللِّسَان أَيْضا وَقد قَرَأَ أَبُو السمال الْعَدْوى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بلسن قومه﴾ أَي بَلغهُمْ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بلغتهم والحداث جمع حَادث وَهُوَ بِمَعْنى متحدث قَالَ سُوَيْد بن أبي كَاهِل
(يُسْمعُ الحُدَّاثَ قَوْلًا حَسَنا لَوْ أرَادُوا غَيرَهُ لمْ يَسْتَطعْ)
والتراجم جمع ترجمان وَقد نطقت الْعَرَب فَقَالُوا ترجمان وَالْجمع التراجم مثل زعفران وزعافر وصحصحان وصحاصح وترجمان بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا إتباعا لضم الْجِيم قَالَ الراجز
(فَهُنَّ يَلْغَطْنَ بِهِ إلْغاطا كالترْجُمان لِفيَ الأنْباطا)
الْمَعْنى يَقُول تجمع فِي هَذَا الْجَيْش جَمِيع أهل اللُّغَات من الْأُمَم الْمُخْتَلفَة والطوائف المفترقة فَمَا يتفاهم الحداث مِنْهُم إِلَّا بتراجم تتكلف لَهُم وتفاسير تسْتَعْمل بَينهم وكل هَذَا يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وَمَا قد جمع فِيهِ من الْمُقَاتلَة
٢٠ - الْغَرِيب يُرِيد بالغش الضُّعَفَاء من الرِّجَال والصارم السِّلَاح الْقَاطِع والضبارم الْأسد الشَّديد الغليظ الْمَعْنى يتعجب من ذَلِك الْوَقْت الَّذِي قَامَت الْحَرْب فِيهِ بَين سيف الدولة وَالروم يَقُول مَا كَانَ مغشوشا هلك وتلاشى كَأَنَّهُ ذاب بِنَار الْحَرْب وَذكر النَّار لِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ أَو أَرَادَ لهبها فَلم يبْق إِلَّا سيف قَاطع أَو رجل شَدِيد الْحلق شُجَاع وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْحَرْب أدهبت تمويه الفرسان وذوبت نارها غشهم وبينت أَمرهم فَلم يبْق من السيوف إِلَّا الْقَاطِع وَلَا من الرِّجَال إِلَّا الضبارم
٢١ - الْمَعْنى يَقُول تكسر من السيوف مَا لم يكن مَاضِيا يقطع الدروع والرماح وَذهب الْجُبَنَاء الَّذين لَا يُقَاتلُون يُرِيد تكسر السَّيْف الَّذِي لَا يقطع الدرْع والرماح لِأَنَّهُ كل وَعجز على رِوَايَة من روى تقطع وَهِي رِوَايَة الْخَطِيب وفر من الفرسان من لَا يقدر على المصادمة وَمن روى فَقطع بِالْفَاءِ أَرَادَ الْوَقْت يَعْنِي أَن الْوَقْت كَانَ صعبا لم يبْق فِيهِ إِلَّا الْخَاص من الرِّجَال والأسلحة قَالَ ابْن القطاع تقطع كل سيف لَا يقطع الدرْع وَالرمْح أَي كل سيف كهام لَا يقطع وَقَوله تقطع أَي تفرق وتمزق
[ ٣ / ٣٨٥ ]
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي تفَرقُوا وتمزقوا فَلم يبْق إِلَّا مَاض صارم أَو أَسد ضبارم
٢٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى سَمِعت الشَّيْخ أَبَا معمر الْفضل بن إِسْمَاعِيل القَاضِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز يَقُول لم أنْشد المتنبي هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي بعده أنكر عَلَيْهِ سيف الدولة تطبيق عجزي الْبَيْتَيْنِ على صدريهم وَقَالَ لَهُ يَنْبَغِي أَن تطبق عجز الأول على الثَّانِي وَعجز الثَّانِي على الأول ثمَّ قَالَ لَهُ وَأَنت فِي هَذَا مثل امْرِئ الْقَيْس فِي قَوْله
(كَأنّي لمْ أرْكَبْ جَوَادًا لِلَذَّةٍ وَلمْ أتَبَطَّنْ كاعِبا ذَاتَ خَلْخال)
(وَلمْ أسْبإِ الزّقَّ الرَّوِيَّ وَلمْ أقُلْ لخَيْليْ كُرّى كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ)
قَالَ وَوجه الْكَلَام فِي الْبَيْتَيْنِ على مَا قَالَه أهل الْعلم بالشعر أَن يكون عجز الأول على الثَّانِي وَالثَّانِي على الأول ليستقيم الْكَلَام فَيكون ركُوب الْخَيل مَعَ الْأَمر للخيل بالكر وسبء الْخمر مَعَ تبطن الكاعب فَقَالَ لَهُ أَبُو الطّيب أدام الله عز مَوْلَانَا إِن صَحَّ أَن الَّذِي استدرك هَذَا على امْرِئ الْقَيْس أعلم مِنْهُ بالشعر فقد أَخطَأ امْرُؤ الْقَيْس وأخطأت أَنا ومولانا يعرف أَن الْبَزَّاز لَا يعرف الثَّوْب معرفَة الحائك لِأَن الْبَزَّاز يعرف جملَته والحائك يعرف جملَته وتفصيله لِأَنَّهُ أخرجه من الغزلية إِلَى الثوبية وَإِنَّمَا قرن امْرُؤ الْقَيْس لَذَّة النِّسَاء بلذة الرّكُوب للصَّيْد وَقرن السماحة فِي شِرَاء الْخمر للأضياف بالشجاعة فِي منازلة الْأَعْدَاء وَأَنا لما ذكرت الْمَوْت فِي أول الْبَيْت أتبعته بِذكر الردى ليجانسه وَلما كَانَ وَجهه المنهزم لَا يَخْلُو من أَن يكون عبوسا وعينه من أَن تكون باكية قلت ووجهك وضاح لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنى فأعجب سيف الدولة وَوَصله بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَلَيْسَ الْملك والشجاعة فِي شَيْء من صناعَة الشّعْر وَلَا يُمكن أَن يكون فِي ملاءمة الْعَجز الصَّدْر مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لِأَن قَوْله كَأَنَّك فِي جفن الردى هُوَ معنى قَوْله وقفت فَلَا معدل لهَذَا الْعَجز عَن هَذَا الصَّدْر لِأَن النَّائِم إِذا طبق جفْنه أحَاط بِمَا تَحْتَهُ فَكَأَن الْمَوْت قد أظلهُ من كل مَكَان كَمَا يحدق الجفن بِمَا يتضمنه من جَمِيع جهاتها فَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْمَوْت وَقَوله تمر بك الْأَبْطَال هُوَ النِّهَايَة فِي التطابق للمكان الَّذِي تكلم فِيهِ الْأَبْطَال فتكلح وتعبس وَقَوله ووجهك وضاح لاحتقار الْأَمر الْعَظِيم انهى كَلَامهمَا يَقُول وقفت غبر متهيب وأقدمت غير متوقع الْمَوْت وَهُوَ لَا شكّ فِيهِ عِنْد من وقف موقفك وَتقدم تقدمك كَأَنَّك من الردى فِي أنكر موَاضعه وَهُوَ معرض عَنْك فِيمَا تتكلفه من شَدَائِد وَأَشَارَ بجفن الردى إِلَى عَظِيم مَا اقتحم وَجعله نَائِما لسلامته من الْهَلَاك لِأَنَّهُ لم يبصره وغفل عَنهُ بِالنَّوْمِ فَسلم وَلم يهْلك
[ ٣ / ٣٨٦ ]
- الْغَرِيب كلمى جرحى وَهُوَ جمع كليم وهزيمة مهزومة وَهُوَ من بَاب فعيل بِمَعْنى مفعول والوضاح الْوَاضِح الْمَعْنى يَقُول تمر بك الْجَرْحى من الْأَبْطَال منهزمين وكلمى مستسلمين وَذَلِكَ لَا يثنى عزمك وَلَا يضعف نَفسك بل كنت حِينَئِذٍ وضاحا غير متخوف وبساما غير متضجر واثقا من الله بنصره متيقنا بِمَا وصلك بِهِ من جميل صنعه وَهُوَ من قَول مُسلم ابْن الْوَلِيد
(يَفْترُّ عِنْد اقْتِرابِ الحَرْبِ مُبْتَسِمًِا إذَا تَغَيرَ وَجْهُ الفارِسِ البَطَلِ)
٢٤ - الْغَرِيب النهى جمع نهية وَهِي الْعقل الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول مَا فِيك من الفطانة يتَجَاوَز حد الْعقل لِأَنَّهُ يدْرك الْعقل مَا تُدْرِكهُ أَنْت وَمَا فِيك من الشجَاعَة قد تجَاوز الْحَد إِلَى مَا تَقوله النَّاس فِيك من أَنَّك عَالم بِالْغَيْبِ لِأَنَّك كدت أَن تعرف مَا تصير إِلَيْهِ من الظفر فَلَا تحذر الْمَوْت لعلمك أَن الْعَاقِبَة لَك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي آخِره بعض التنافر لأوله لِأَن الشجَاعَة لَا تذكر مَعَ علم الْغَيْب وَلَوْلَا أَنه ذكر الْعقل لَكَانَ أَشد تباينا لِأَن الْعَاقِل عَارِف بأعقاب الْأُمُور وَلَو كَانَ مَوضِع الشجَاعَة الفطانة لَكَانَ أليق بِعلم الْغَيْب إِلَّا أَنه كَانَ فِي ذكر الْحَرْب وَكَانَت الشجَاعَة من أَلْفَاظ وصفهَا وَيجوز أَن يكون ذكر الشجَاعَة مَعَ علم الْغَيْب أَنه كَانَ قد عرف مَا يصير إِلَيْهِ فشجع وَلم يحذر الْمَوْت انهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَنَّك أظهرت من إقدامك وعزمك وسماحتك بمهجتك مَا صدق قَول قوم فِيك إِنَّك تعلم الْغَيْب يُرِيد غيب مآل أَمرك فِي الظفر فَلم تحفل بِشدَّة الْحَرْب وتيقنت مَا ختم الله لَك بِهِ من التأييد فأمنت مخاوف الْقَتْل فَحِينَئِذٍ كنت وضاحا بساما عِنْد شدَّة الْحَرْب
٢٥ - الْغَرِيب الجناحان جانبا الْعَسْكَر من جناحي الطَّائِر والخوافي أَربع ريشات تتلو أَرْبعا قبلهَا من جناحي الطَّائِر والقوادم أَربع ريشات فِي أول جناحي الطَّائِر وَعَلَيْهَا معوله فِي طيرانه وَأَرَادَ بالجناحين الميمنة والميسرة وهما جانبا الْعَسْكَر وَلما سَمَّاهَا جناحين جعل رجالهما خوافي وقوادم والجناح يشْتَمل على القوادم والخوافي الْمَعْنى يَقُول لففت جناحي الْعَسْكَر على الْقلب فأهلكت الْجَمِيع بقتلك أَوَّلهمْ وَآخرهمْ يُرِيد أَنَّك ضممت جناحي جَيش الرّوم ضمة مُنكرَة وشددت فِي الْجَيْش شدَّة صَادِقَة قتلت بهَا مِنْهُم من كَانَت مَنْزِلَته فِي إنهاض الْخَمِيس منزلَة الخوافي والقوادم من
[ ٣ / ٣٨٧ ]
الجناحين والأوائل والأواخر من هذَيْن العضدين واستعار الجناحين وَجعل الخوافي والقوادم فرسَان الْجَيْش وَلَقَد أحسن فِي هَذَا غَايَة الْإِحْسَان وَقَالَ قوم فِي الْجنَاح عشرُون ريشة أَربع قوادم وَأَرْبع مناكب وَأَرْبع خواف وَأَرْبع أباهر وَأَرْبع كلي
٢٦ - الْغَرِيب الهامات جمع هَامة وَهِي الرُّءُوس واللبات النحور وَاحِدهَا لبة وطابق بَين غَائِب وقادم قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ضربت عدوا فَحصل سَيْفك فِي رَأسه لم تَعْتَد ذَلِك نصرا وَلَا ظفرا وَإِذا فلق رَأسه وَصَارَ إِلَى اللبة يكون نصرا وَلَا يرضيك مَا دونه وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا عَنى سرعَة النَّصْر وَأَنه لم يلبث إِلَّا قدر وُصُول السَّيْف الْمَضْرُوب بِهِ من الهامة إِلَى اللبة كَمَا تَقول نازلت الْعَدو والنصر غَائِب وضربتهم بِالسَّيْفِ وَقد قدم النَّصْر وَالْمعْنَى كسرت الجناحين والقوادم والخوافي بِضَرْب فلق رُءُوس الرّوم وَبلغ لباتهم وتمكنت سيوفك فيهم وجيشهم مهزوم وجمعهم مغلوب والنصر الْغَائِب قد قدم والظهور قد انتظم والتأم وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن هزيمَة الرّوم لم تكن إِلَّا مجالدة وَغَلَبَة وظفر سيف الدولة لم يكن إِلَّا بعد مقاومة
٢٧ - الْغَرِيب الردينيات الرماح المنسوبة إِلَى ردينة امْرَأَة بِالْيَمَامَةِ هِيَ وَزوجهَا يعملان الرماح والشتم السب وَالِاسْم الشتيمة شتم فَهُوَ شاتم الْمَعْنى تركت الرماح فِي الْقِتَال وازدريتها لِأَنَّهَا سلَاح الْجُبَنَاء وَسلَاح الشجعان السَّيْف لمقاربة مَا بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْقِتَال وَلما اخْتَرْت السَّيْف على الرمْح عير الرمْح لِأَنَّهُ يطعن من بعيد وَالسيف من قريب فَكَأَنَّهُ يشتمه بالضعف وَقلة الْغناء وَالْمعْنَى أَنَّك طرحت الرماح واستقللت فعلهَا وَعدلت إِلَى السيوف عَالما بفضلها واعتمدتها لخبرتك بأمرها فَكَأَنَّهَا شتمت الرماح بتصغيرها لشأنها وإهانتها تسخطا لفعلها
٢٨ - الْغَرِيب الْبيض السيوف والخفاف المرهفة والصوارم القواطع الْمَعْنى يَقُول من ارتقب النَّصْر الْجَلِيل وحاوله وَطلب الْفَتْح الْمُبين فَإِنَّمَا مَفَاتِيح ذَلِك السيوف الصارمة الْخفاف الْمَاضِيَة
٢٩ - الْغَرِيب الأحيدب جبل والنثر التَّفْرِيق الْمَعْنى يَقُول فرقتهم على هَذَا الْجَبَل مقتولين ونثرتهم نثر الدَّرَاهِم على الْعَرُوس فتفرقت مصَارِعهمْ على هَذَا الْجَبَل كَمَا تتفرق مواقع الدَّرَاهِم إِذا نثرت وَهَذَا من محَاسِن
[ ٣ / ٣٨٨ ]
أبي الطّيب وَقد أَشَارَ إِلَى أَن سيف الدولة تحكم فِي الرّوم قتلا وأسرا ونثر جيشهم فَوق هَذَا الْجَبَل نثرا
٣٠ - الْغَرِيب وكر الطَّائِر مَوضِع مبيته وَالْجمع وكور والذرا رُءُوس الْجبَال الْمَعْنى يُرِيد أَنه يتبعهُم فِي رُءُوس الْجبَال حَيْثُ تكون وكور الطير فيقتلهم هُنَاكَ فتكثر للطير المطاعم عِنْد بيوتها أَي إِذا أخذُوا عَلَيْك دربا صعدت إِلَيْهِم رُءُوس الْجبَال فتقتلهم هُنَالك فتكثر المطاعم حول الوكور هَذَا كَلَام أَبى الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَقَالَ غَيره تدوس بك الْخَيل فِي آثَار الرّوم وكور الطير فِي رُءُوس الْجبَال وقنن الأوعار وَقد كثرت الجثث من الْقَتْلَى حول الوكور بِكَثْرَة من قتلته هُنَالك فرسانك وَمن أهلكه من الرّوم جيشك وغلمانك وَأَشَارَ بذلك إِلَى كَثْرَة الجثث حول وكور الطير مَعَ انتزاح موَاضعهَا وَامْتِنَاع أماكنها إِلَى مَا كَانَ الرّوم عَلَيْهِ من شدَّة الْهَرَب وَمَا كَانَ أَصْحَاب سيف الدولة عَلَيْهِ من قُوَّة الطّلب وَأَنَّهُمْ قتلوهم فِي رُءُوس الْجبَال وأدركوهم فِي أبعد غايات الأوعار
٣١ - الْغَرِيب الفتخ إناث العقبان واحدتها فتخاء وَسميت بذلك لطول جناحها وَلينه فِي الطيران والفتخ لين المفاصل والأمهات جمع أم فِيمَا لَا يعقل وَقد جَاءَ فِيهِ أُمَّهَات حملا على من يعقل وَالْعتاق كرام الْخَيل والصلادم جمع صلدم وَهِي الْفرس الشَّدِيدَة والصلبة القوية الْمَعْنى يَقُول ظنت فراخ العقبان لما صعدت خيلك إِلَيْهَا أَنَّهَا أماتها لِأَن خيلك كالعقبان شدَّة وَسُرْعَة وضمرا وَقَالَ ابْن الإفليلي تظن فراخ العقبان لِكَثْرَة مَا صيرت حول وكورها من جثث الْقَتْلَى أَنَّك زرتها بأماتها فأمددتها بمطاعمها وأقواتها وَإِنَّمَا فعل ذَلِك صلادم خيلك وَكَثْرَة كتائب جيشك
٣٢ - الْغَرِيب الصَّعِيد وَجه الأَرْض والأراقم الْحَيَّات الْمَعْنى يَقُول إِذا زلقت الْخَيل فِي صعودها الْجبَال جَعلتهَا تمشي على بطونها فِي الصَّعِيد يصف صعوبة ترقيها إِلَى الْجبَال أَي إِذا زلقت لصعوبة مَا تحاوله مشيتهَا على بطونها مُكْرَهَة وأنهضتها على تِلْكَ الْحَال مسرعة كَمَا تتمشى الأراقم فِي الصَّعِيد على بطونها وتسير فِيهِ متمكنة فِي مسيرها
٣٣ - الْغَرِيب الدمستق صَاحب جَيش الرّوم وَقد مر تَفْسِيره فِي مَوَاضِع وَجمعه
[ ٣ / ٣٨٩ ]
دماسقة على زِيَادَة التَّاء الْمَعْنى يَقُول أكل يَوْم يقدم عَلَيْك ثمَّ يفر فيلوم قَفاهُ وَجهه على إقدامه فَيَقُول لم أقدمت حَتَّى عرضتني للضرب بهزيمتك وَذَلِكَ أَن إقدامه سَبَب هزيمته وَقَفاهُ من الضَّرْب لائم وَجهه وَأَصْحَابه غير مستشكرين لفعله
٣٤ - الْغَرِيب اللَّيْث الْأسد وَالْجمع الليوث يذوقه يجربه ويختبره وذاق أَي جرب الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ حازما لكفاه مَا يعرفهُ ويسمعه من أخبارك ويشاهده من شجاعتك أَي أَنه يسمع خبرك ويأتيك مُقَاتِلًا ثمَّ ينهزم وَلَو انهزم من غير قتال لَكَانَ أحزم
٣٥ - الْإِعْرَاب جمع فعلة فعلات بِفَتْح الْعين فِي الصَّحِيح وَإِنَّمَا أسكن الْمِيم من حملات ضَرُورَة الْغَرِيب الصهر أهل بَيت الْمَرْأَة عَن الْخَلِيل وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الصهر من الأحماء والأختان جَمِيعًا يُقَال صاهرت إِلَيْهِم إِذا تزوجت فيهم وأصهرت بهم إِذا اتَّصَلت بهم وتحرمت بجوار أَو نسب أَو تزوج عَن ابْن الْأَعرَابِي وَأنْشد لزهير
(قَوْدُ الجِيادِ وَصْهارُ المُلُوكِ وَصَبْرٌ فِي مَوَطِنَ لَوْ كانُوا بِها سَئِموا)
والغواشم الغواصب الْمَعْنى يَقُول حملاتك عَلَيْهِم الَّتِي تغشمهم وتدقهم وتكسرهم قد فجعتهم بأقاربه فَهَلا اعتبربهم حَتَّى لَا يقدم يُرِيد أَن حملات سيف الدولة فجعت الدمستق بِابْنِهِ وأصهاره وَهُوَ لَا يرتدع بحملاته الغوا شم للأقران العواصب لأنفس الفرسان فَمَا للدمستق لَا يكفه عَن التَّعَرُّض لَهُ مَا أسلف سيف الدولة من الْإِيقَاع
٣٦ - الْغَرِيب الظبا جمع ظبة وَهِي حد السَّيْف والمعاصم جمع معصم وَهُوَ الزند الْمَعْنى يُرِيد أَنه يشْكر أَصْحَابه لِأَن السيوف اشتغلت بهم عَنهُ فشكرهم كَأَنَّهُمْ وقوه السيوف برءوسهم وأيديهم حَتَّى انهزم وَفَاتَ السيوف
٣٧ - الْغَرِيب المشرفية السيوف نسبت إِلَى مشارف وَهِي قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو إِلَى الرِّيف يُقَال سيف مشرفي وَلَا يُقَال مشارفي لِأَن الْجمع لَا ينْسب إِلَيْهِ إِذا كَانَ على هَذَا الْوَزْن فَلَا يُقَال مهالبي وَلَا جعافري وَلَا مغافري الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا يفهم أصواتها أحد لِأَن أصواتها أعاجم غير مفهومة
[ ٣ / ٣٩٠ ]
والدمستق يفهم صَوتهَا فِي أَصْحَابه لِأَنَّهُ يسْتَدلّ بذلك على قَتلهمْ فَهُوَ فهم من الطَّرِيق الاعتياد لَا من طَرِيق السماع يَعْنِي إِذا سمع صليلها علم أَنهم مقتولون
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مسرور بِمَا أَخَذته من أَصْحَابه وأمتعته حَيْثُ كَانَت الْفِدَاء لَهُ إِذْ نجا هُوَ واشتغل الْعَسْكَر بِأخذ هَذِه الْأَشْيَاء وَلَيْسَ يفرح جهلا بحالته وَإِنَّمَا يفرح بسلامته حَيْثُ نجا مِنْك سالما بِرُوحِهِ وَأمن من غنيمته ففاتك بِنَفسِهِ وطلبته فَلم تنله بحتفه فَهُوَ وَإِن نجا بِرَأْسِهِ غَانِم وَإِن كَانَ مغنوما فالمسلوب إِذا نجا مِنْك بسلبه فَهُوَ غَانِم سَالم وَهَذَا مثل قَول بسطَام بن قيس فِي الْمثل السَّلامَة إِحْدَى الغنيمتين
٣٩ - الْإِعْرَاب رفع هازم خبر لَكِن والتوحيد الْخَبَر الأول كَقَوْلِك حُلْو حامض وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَي أَنْت هازم الْمَعْنى يَقُول لست فِي هزمك الدمستق ملكا مثله وَلَكِنَّك الْإِسْلَام هزم الشّرك وَلَيْسَ بَينهمَا قِيَاس فِي الْفضل يُرِيد أَنَّك سيف الْإِسْلَام ومقيم أود الْإِيمَان وَملك الرّوم الَّذِي واجهك عماد أهل الْكفْر وَعَلِيهِ مدَار الْأَمر فهزيمتك لَهُ هزيمَة التَّوْحِيد للشرك وظهورك عَلَيْهِ ظُهُور أهل الْحق على أهل الْإِفْك
٤٠ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بِهِ لمليك وَهُوَ لُغَة فِي ملك وَلَو كَانَ بدل الْهَاء كَاف كَانَ أَجود حَتَّى يكون مُخَاطبا الْغَرِيب مُضر وَرَبِيعَة ابْنا نزار بن معد بن عدنان وَرَبِيعَة رَهْط سيف الدولة والعواصم قلاع وحصون من أَعمال حلب وَقيل هِيَ من الْفُرَات إِلَى حمص الْمَعْنى يَقُول تفتخر بِهَذَا الْملك الْعَرَب كلهَا لَا يخص ربيعَة قومه وتفتخر بِهِ الدُّنْيَا كلهَا لَا الشَّام وَحدهَا فَكل النَّاس يفتخرون بِهِ وَإِن بعد نسبهم عَن نسبه والبلاد تَفْخَر بِهِ وَإِن بعد أَكْثَرهَا عَن بَلَده
٤١ - الْمَعْنى يُرِيد بالدر شعره يُرِيد أَن الْمعَانِي لَك وَاللَّفْظ لي فَأَنت تعطيه وَأَنا ناظمه لِأَنِّي أصف مكارمك فِيهِ وأقيد فضائلك بِهِ وَهُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(وَدُونَكَ مِنْ أقاوِيلي مَديِحا غَدَا لكَ دُرُّهُ وَلى النِّظامُ)
[ ٣ / ٣٩١ ]
- الْغَرِيب تعدو أَي تجْرِي وتسرع والوغى الْحَرْب الْمَعْنى يُرِيد أَنِّي أركب خيلك الَّتِي تهبني فَهِيَ تعدو بِي فِي الْحَرْب فلست مذءوما فِي أَخذهَا لِأَنِّي شَاكر أياديك وناشر ذكرك وَلست نَادِما على مَا أَعْطَيْتنِي لقيامي بِحَق مَا أوليتني
٤٣ - الْإِعْرَاب على مُتَعَلق بِمَا قبله من قَوْله نادم أَي لست نَادِما على كل طيار الْغَرِيب الغماغم جمع غمغمة وَهِي الصَّوْت الْمُخْتَلف وَهِي أصوات الْأَبْطَال فِي الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول لست نَادِما على كل فرس طيار وَيجوز أَن يكون على مُتَعَلقا بِمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ أقصد الوغى على كل طيار يطير بِرجلِهِ أَي يجْرِي فِي سرعَة الطير إِذا سمع صَوت الْأَبْطَال فِي الْحَرْب وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن المعتز
(وَليلٍ كَكُحلِ العَينِ خضْتُ ظلامَهُ بأزَرق لمَّاعٍ وَأخْضَرَ صارِمِ)
(وَطَيَّارَةٍ بِالرجْلِ خَوْفا كَأنَّما تُصافحُ رُضَّاضَ الحَصَى بِالجَماجِمِ)
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت السَّيْف الَّذِي لَا ينبوه حد وَلَا يتضمنه غمد وَلَا فِيهِ لمبصره رِيبَة وَلَا تعتصم مِنْهُ جثة لِأَن مقاصده مَوْصُولَة بالنصرومساعيه مكنوفة بجميل الصنع
٤٥ - الْمَعْنى تهنأ هَذِه الْأَشْيَاء بسلامتك لِأَنَّك قوامها فَضرب الْهَام أَنْت أحذق النَّاس بِهِ وَالْمجد أَنْت أكسب النَّاس والعلا أَنْت جَامع شملها وراجي مكارمك الَّتِي لَا تمطل بفضلها وَالْإِسْلَام لِأَنَّك أعززت دَعوته وأبلجت على الْإِشْرَاك حجَّته بأنك سَالم أَي منسأ عمرك متبوع أَمرك
٤٦ - الْمَعْنى لم اسْتِفْهَام إِنْكَار أَي لم لَا يحفظك مَا دمت تفلق هام العدا فَالله لاشك يحفظك لِأَنَّك سَيْفه بك يصول على أعدائه
[ ٣ / ٣٩٢ ]
- ١ الْغَرِيب أراع أفزع والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة والغمام السَّحَاب وسح أمطر الْإِعْرَاب كَذَا فِي وضع نصب صفة مصدر مَحْذُوف أَي روعا كَذَا مثل هَذَا الْمَعْنى يَقُول هَل رَاع ملك جَمِيع الْمُلُوك وَكَذَا أَي كَمَا أرى من روعك إيَّاهُم وَهل تقاطرت الرُّسُل على ملك كَمَا تقاطرت عَلَيْك وَجعل توالي الرُّسُل إِلَيْهِ كسح الْغَمَام وَهَذَا تعجب يُرِيد هَل رَاع ملك قبل هَذَا كل الْمُلُوك حَتَّى خضعوا لَهُ واستجاروا بِهِ وَتَتَابَعَتْ رسلهم عَلَيْهِ حَتَّى كَأَن غماما أمطرهم بِحَضْرَتِهِ
٢ - الْغَرِيب دَانَتْ أطاعت الْمَعْنى يَقُول دَانَتْ الدُّنْيَا لأَمره وَبلغ ابعد غاياتها بعفوه وَالْأَيَّام قَائِمَة فِيمَا يبتغيه مجتهدة فِيمَا يحاوله وينويه لَا يسْعَى فِي تَحْصِيل مُرَاد وَالْأَيَّام تسْعَى فِي تَحْصِيل مَا يُريدهُ
٣ - الْغَرِيب اللمام الزِّيَارَة القليلة وَمِنْه قَول جرير
(بِنَفْسِيَ مَنْ تَجَنُّبُهُ عَزِيزٌ عَلىَّ وَمَنْ زِيارَتُهُ لمام)
الْمَعْنى يَقُول إِذا غزاهم كفاهم أدنى نزُول مِنْهُ لَو اكْتفى هُوَ بذلك لكنه لَا يَكْتَفِي حَتَّى يبلغ أقاصي بِلَادهمْ
٤ - الْمَعْنى يَقُول الزَّمَان يتبعهُ من أحسن إِلَيْهِ من النَّاس أحسن إِلَيْهِ الزَّمَان وَمن أَسَاءَ إِلَيْهِ أَسَاءَ إِلَيْهِ الزَّمَان فالزمان فِي النَّاس يتبع خطوه وَلَا يُخَالف أمره وَحكمه حَتَّى كَأَن لكل زمَان فِي يَدَيْهِ زماما يملكهُ بِهِ وخطاما يذلله يُشِير إِلَى قُوَّة سعده وإقبال جده
٥ - الْإِعْرَاب لَيْسَ هُنَا تحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون استعملها اسْتِعْمَال مَا كَقَوْل الْعَرَب لَيْسَ الطّيب إِلَّا الْمسك فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَالثَّانِي أَن يكون فِي لَيْسَ ضمير وَحذف تَاء التَّأْنِيث ضَرُورَة والأجود أَن تكون بِمَعْنى مَا فتخلو من الضَّمِير لِأَنَّهُ إِذا جعلهَا فعلا مَاضِيا فَالْوَاجِب أَن يَقُول لَيست تنام
[ ٣ / ٣٩٣ ]
الْمَعْنى أَن الرُّسُل تنام عنْدك آمِنَة تتفيأ ظلك مستبشرة بمشاهدة فضلك وأجفان الْمُلُوك الَّذين بعثوهم إِلَيْك ساهرة لما تتوقعه من خيبة رسلهم وَالْمعْنَى الرُّسُل تنام آمِنَة لما تحسن إِلَيْهِم وهم آمنون بمقامهم عنْدك وَالَّذين بعثوهم يخافونك لأَنهم لَيْسُوا على أَمَان مِنْك فَلَا تنام أجفانهم خوفًا مِنْك وَقد بَينه بقوله الْبَيْت بعده
٦ - الْغَرِيب الْقبل الْمُقَابلَة والمواجهة وَهِي مُخَفّفَة من الْقبل وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ جمع أقبل وقبلاء وَهُوَ الَّذِي أَقبلت إِحْدَى عَيْنَيْهِ على الْأُخْرَى تشاوسا وَعزة نفس الْمَعْنى يَقُول هم لَا ينامون حذارا لمن يركب الْخَيل عريا إِلَى الْحَرْب يَعْنِي لَا يقف حَتَّى تسرج أَو تلجم إِذا فَجْأَة أَمر أَي يحذرون ملكا شَدِيدا بأسه قَوِيا جَيْشه تتسابق فرسانه إِلَى الْحَرْب عِنْد مفاجأتها لَهُم على أعراء الْخَيل فيستقبلون بهَا الطعان غير ملجمة ويجالدون عَلَيْهَا الأقران غير مسرجة
٧ - الْإِعْرَاب الضميران فِي الظرفين لِلطَّعْنِ الْمَذْكُور فِي الْبَيْت الَّذِي قبله الْغَرِيب الأعنة جمع عنان وَهُوَ للخيل السيور الَّتِي فِي اللجام والسياط جمع سَوط وَهُوَ مَا يضْرب بِهِ الرَّاكِب الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله مؤدبة إِذا قيدت بشعرها انقادت كَمَا تنقاد بالعنان وَإِذا زجرت قَامَ الْكَلَام لَهَا مقَام السَّوْط فَهِيَ لَا تحْتَاج إِلَى اللجم وَأَرَادَ أَن يَقُول والأعنة معارفها فَمَا صَحَّ لَهُ الْوَزْن وَلَو صَحَّ لَكَانَ حسنا وَإِنَّمَا اكْتفى بشعرها وَمرَاده المعارف
٨ - الْمَعْنى يَقُول مَا تَنْفَع الْخَيل الْكِرَام وَلَا السِّلَاح وَإِن عزمها لَيْسَ بِنَافِع إِذا لم يكن فَوْقهَا كرام فِي الْحَرْب يُرِيد لَيْسَ تَنْفَع الْخَيل وَلَا صم الرماح إِذا لم يصرفهَا من الْأَبْطَال كرام
٩ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّك تردهم عَمَّا يطْلبُونَ من الْهُدْنَة ردك لوم اللائمين لَك فِي الْعَطاء أَي كَمَا أَنَّك لَا تصغي إِلَى ملامة لائم فِي سخائك فَكَذَلِك لَا تقبل الْهُدْنَة وَهَذَا هُوَ الْمَدْح الموجه
١٠ - الْغَرِيب الذمام جمع ذمَّة وَهِي الْعَهْد وطعت للشَّيْء طَوْعًا وطواعة وطواعية
[ ٣ / ٣٩٤ ]
الْمَعْنى يَقُول إِن كنت لَا تُعْطِي الرّوم عهدا وصلحا بالطوع فلياذهم بك يُوجب لَهُم الذمام لِأَن من لَاذَ بالكريم وجيت لَهُ الذِّمَّة أَي فقد حصل لَهُم مَا طلبُوا وَإِن لم تعطهم وعوذ الأعادي بِالْملكِ الْكَرِيم جوَار يأمنون بِهِ وَقد استعاذوا بك فتقبلتهم ورجوا كريم عائذتك فأسعفتهم وأجرتهم وَقد أكد هَذَا الْمَعْنى بِمَا بعده فَقَالَ الْبَيْت بعده
١١ - الْغَرِيب أممتك قصدتك وَالْحرَام الَّذِي لَا يستباح الْمَعْنى يَقُول إِن نفوسا قصدتك مستجيرة بك واعتمدتك راجية لَك مَمْنُوعَة مِمَّا تحذره آمِنَة لما تكرههُ وَإِن دِمَاء استسلمت إِلَيْك واقتصرت بآمالها عَلَيْك لواجب حفظهَا حرَام سفكها
١٢ - الْغَرِيب الْملك والمليك وَاحِد الْمَعْنى يَقُول إِذا خَافَ ملك من ملك أجرت الْخَائِف بِفَضْلِك وزجرت المخيف بعزك وَالروم خَافُوا سَيْفك فخضعوا لَك والجوار يطْلبُونَ ليعتصموا بك وَإِذا كنت تجير من غَيْرك فَأَنت بِأَن تجير من نَفسك أولى
١٣ - الْمَعْنى هم يهربون من سيوفك الْمَاضِيَة المرهفة ويزدحمون عَلَيْك بالكتب يطْلبُونَ الْهُدْنَة بالتلطف والتضرع وَقَالَ قوم بل بالكتب اللطيفة نَفسهَا وَالْمعْنَى أَنه يُشِير إِلَى عجزهم عَن مقاومته فِي الْحَرْب وازدحامهم عَلَيْهِ فِي السّلم
١٤ - الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول حب الْحَيَاة يغر الْقلب حَتَّى يخْتَار عَيْشًا فِيهِ ذل أَو يخْتَار الْهَرَب من خوف الْقَتْل وَذَلِكَ هُوَ الْقَتْل فِي الْحَقِيقَة بل هُوَ شَرّ مِنْهُ وَالْمعْنَى أَن اخْتِيَار الْعَزِيز للذل هُوَ الذل
١٥ - الْغَرِيب الزؤام الْمَوْت العاجل والمضام المغلوب الْمَعْنى يَقُول شَرّ الموتتين العاجلتين يُشِير إِلَى ميتَة الذل وميتة الحتف المحتومة عيشة يذل متخيرها ويضام مؤثرها يُرِيد أَن عيشة الذل شَرّ الموتتين وأضعف الْحَالَتَيْنِ
١٦ - الْغَرِيب الغرام الشَّرّ الدَّائِم الملازم وَمِنْه الْغَرِيم لملازمته
[ ٣ / ٣٩٥ ]
الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الَّذِي طلبوه مصالحة لما احتاجوا إِلَى التشفع بفرسان الثغور لِأَن الصُّلْح أَن ترغب فِيهِ أَنْت أَيْضا وَلَكِن طلبُوا مِنْك أَن تُؤخر الْحَرْب عَنْهُم أَيَّامًا فَكَانَ ذَلِك ذلالهم يُرِيد أَن فرسَان طرسوس بعثوهم إِلَيْهِ ليشفعوا لَهُم فِي المهادنة فشفعهم فَيَقُول لَو كَانَ صلحا لما تشفعوا إِلَيْك بفرسان طرسوس الَّذين شفعتهم فيهم وَجعلت لَهُم الْمِنَّة عَلَيْهِم وَلكنه مِنْهُم خضوع وذلة وَعجز وهلكة
١٧ - الْمَعْنى بلغتهم مَا كَانُوا لَا يظنون أَنه يَقع فأخرت عَنْهُم الْحَرْب بشفاعة الفرسان فَكَانَت لَهُم عَلَيْهِم منَّة إِذْ بلغوهم مَالا يكَاد أَن يطْلب وَلَا يبلغونه بِأَنْفسِهِم
١٨ - الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة من الْخَيل والخضوع الذلة والخائم الناكص على عَقِبَيْهِ وخام عَنهُ يخيم خيومة أَي جبن الْمَعْنى يَقُول هَذِه كتائب قد جَاءُوا إِلَيْك وأقدموا على مقاربتك وقصدوك مستسلمين فشجعوا على مشاهدتك وَلَو لم يَكُونُوا كَذَلِك لجبنوا عَنْك ناكصين على أَعْقَابهم ولتباعدوا عَنْك هاربين
١٩ - الْغَرِيب الذري الظل تَقول هُوَ فِي ذراه أَي فِي ظله وكنفه وعام سبح فِي المَاء الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم تعودوا إحسانك قَدِيما إِذْ كَانُوا فِي ناحيتك وكنفك وحمايتك تحسن إِلَيْهِم حَتَّى غرقوا فِي برك وإحسانك
٢٠ - الْغَرِيب الميمون ذُو الْيمن وَالْبركَة والغارة الْحَرْب وَالصَّلَاة الرَّحْمَة وَالسَّلَام الْبركَة تَقول صلى صَلَاة وتصلية قَالَ
(تَركْتُ القِدَاحِ وَعَزْفَ القِيانِ وَأدْمَنْتُ تَصْلِيَةً وَابْتِهالاَ)
الْمَعْنى يَقُول هم لمحبتك يصلونَ عَلَيْك ويسلمون وَإِن كنت تغير عَلَيْهِم تَعَجبا لحسن وَجهك الميمون على الْإِسْلَام وَأَهله الْمُبَارك على الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَحزبه
٢١ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْكِرَام كلهم يقتدون بأفعاله فَكل أنَاس لَهُم إِمَام يؤمونه وَأَنت إِمَام أهل المكرمات وسيدهم وقدوتهم ومعتمدهم
[ ٣ / ٣٩٦ ]
- الْغَرِيب عنوان الْكتاب مَا يعرف بِهِ وَهُوَ بِضَم الْعين فِي اللُّغَة الفصيحة قَالَ أَبُو دواد
(لمَنْ طَلَلٌ كَعُنْوَانِ الِكتابِ بِبَطْنِ الوَجّ أوْ قَرْنِ الذَّهابِ)
وَيُقَال عنوان وعنيان وعلوان وعلوان وَجمعه عناوين وعلاوين وعنونت الْكتاب وعنيته وعنيته أبدلوا من إِحْدَى النونات يَاء والقتام الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول رب جَيش أقمته مقَام جَوَاب كنب إِلَيْك فَصَارَت غبرته تدل عَلَيْهِ كَمَا يدل عنوان الْكتاب على الْكَاتِب والمكتوب إِلَيْهِ
٢٣ - الْغَرِيب الْبَيْدَاء الأَرْض القفرة الْبَعِيدَة والفض الْكسر والختام طَابع الْكتاب الْمَعْنى يَقُول تضيق الأَرْض الواسعة بذلك الْجَيْش قبل أَن تنشر كتائبه وتغص بجمعه قبل أَن تغير موَالِيه ويملأ الفضاء وَهُوَ مُجْتَمع لم يفض ختامه وَلَا انْتَشَر بالغارة على الْأَعْدَاء نظامه واستعار الفض والختم وهما للْكتاب وَالْجَوَاب لما جعل الْجَيْش كتابا وجوابا وَقد أبدع فِي هَذَا غَايَة الإبداع
٢٤ - الْغَرِيب الْجواد الْفرس الْكَرِيم والذابل الرمْح الْيَابِس الْمُسْتَقيم والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه وصل الِاسْتِعَارَة فَقَالَ حُرُوف هجاء النَّاس فِي ذَلِك الْجَواب الَّذِي هُوَ الْجَيْش جواد ينْهض فارسه ورمح يقدم حامله وحسام يصول بِهِ صَاحبه فَهُوَ مؤلف من هَذِه الْأَشْيَاء كَمَا يؤلف الْجَواب من حُرُوف الهجاء
٢٥ - الْغَرِيب يَقُول يَاذَا الْحَرْب لهى الرجل عَن الشَّيْء يلهي إِذا أعرض وَلها يلهو إِذا أَخذ فِي اللَّهْو الْمَعْنى يَقُول اترك الْحَرْب سَاعَة فقد أَتعبت الْخَيل وَالرِّجَال حَتَّى يغمد سيف أَو يحل عَن جواد حزامه فقد أَتعبت الْجَيْش أَي حَتَّى تغمد النصول الَّتِي سلتها فرسانك وَتحل الحزم الَّتِي قد شدتها أتباعك وأعوانك
٢٦ - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يُقَال يُعَمِّرْنَ فِيهِ إِلَّا أَنه شبه الظّرْف بالمفعول اتساعا كَمَا تَقول قُمْت اللَّيْلَة أَي فِيهَا الْغَرِيب عمر الرجل يعمر إِذا طَال عمره الْمَعْنى يَقُول إِن أَعمار الرماح عِنْد غَيْرك دعة تطول واتساع هدنة وَغَايَة أعمارها عنْدك عَام لَا يتجاوزه لِأَن الانكسار يسْرع إِلَيْهَا بمداومتك الطعْن وأمد مهادنتك للروم عَاما
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ثمَّ تعود إِلَى حربهم على عادتك وتكسر الرماح فيهم على سجيتك وَمَا تتْرك عادتك
٢٧ - الْغَرِيب السمر الرماح واللهام الْكَبِير وَهُوَ الَّذِي يلتهم كل شَيْء الْمَعْنى يَقُول لَهُ مازلت تفنى الرماح بِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا وتفنى بهَا جَيش الْأَعْدَاء فَمَا زلت تفنى الرماح فِي وقائعك مَعَ كثرتها وتفنى بفنائها الْجَيْش الْكثير وَتذهب بإذهابها الجموع الْعِظَام
٢٨ - الْغَرِيب الجالون الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء﴾ الْمَعْنى يَقُول إِذا عَاد الَّذين فارقوا دِيَارهمْ هربا مِنْك إِلَى أوطانهم عدت إِلَيْهِم وظفرت بهم فقتلتهم وَالْمعْنَى إِذا عَاد الرّوم الَّذين تركُوا دِيَارهمْ خوفًا مِنْك بالهدنة الَّتِي أَجَبْتهم إِلَيْهَا عاودت أَنْت تِلْكَ الأَرْض بالغزو فألفيت فِيهَا جماعات تعْمل سيوفك فِي رقابهم وتصرفها فِي رُءُوسهم
٢٩ - الْإِعْرَاب ربوا مَعْطُوف على عاودت أَرضهم وَحَتَّى تكون للعاقبة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ أَي تكون الْعَاقِبَة إصابتك لَهُم الْغَرِيب الكاعب الَّتِي قد بدا ثديها للنهود وشب الْغُلَام كبر وَنَشَأ الْمَعْنى لما هربوا مِنْك وجلوا عَن مَنَازِلهمْ ربوا أَوْلَادهم لسبيهم فَصَارَت الْبِنْت كاعبا وَالِابْن شَابًّا يصلحان للسي فَأَشَارَ إِلَى أَن مسالمة سيف الدولة ضرب من التَّدْبِير عَلَيْهِم لأَنهم يعاودون مَا أخلوه من مَنَازِلهمْ فَيكون ذَلِك أقرب لقتلهم وَأمكن لسبيهم
٣٠ - الْغَرِيب القصوى الْبَعِيدَة يُقَال القصوى والقصيا الْمَعْنى يَقُول جاروك حَتَّى إِذا أنهى بهم الجري تخلفوا عَنْك وجريت وَحدك فسبقتهم أَرَادَ جاراك الْمُلُوك فِيمَا نهجته من مكارمك واقتدت بك فِيمَا عرضت إِلَيْهِ من مقاصدك فَلَمَّا أوفيت على الْغَايَة الْبَعِيدَة والمنزلة الْعَالِيَة جريت وَحدك غير ثَان لعنانك وَتَقَدَّمت مُقبلا على شَأْنك ووقفوا عاجزين عَن بُلُوغ شأوك معترفين بالتقصير عَن إِدْرَاك سعيك
٣١ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه أنور من الشَّمْس فإنارتها تذْهب بَاطِلَة عِنْد إنارته وَهُوَ أتم من الْبَدْر فتمامه كلا تَمام وَالْمعْنَى: لَيْسَ لشمس مِنْهُم إنارة مَعَ مَا يَبْدُو من نورك وَلَا لبدر مِنْهُم تَمام مَعَ مَا أتمه الله لَك من فضلك. يُرِيد أَن الْمُلُوك صَغِير كل كَبِير مِنْهُم عِنْد قدرك وناقص كل من كَانَ يتم مِنْهُم بِالْإِضَافَة إِلَى فضلك تمّ الْجُزْء الثَّالِث من ديوَان المتنبي ويليه الْجُزْء الرَّابِع
[ ٣ / ٣٩٨ ]