قال الجاحظ في البيان (١): كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمون تلك القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات، يصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. قال: وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال، ومنها الشواهد والشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات: أوّلهم الفحل الخنذيذ، وهو التام، ودون الخنذيذ، الشاعر المفلق. ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع:
الشّعرور. وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.
_________________
(١) البيان والتبيين ٢/ ٧ باختلاف اللفظ.
[ ١ / ٢٦ ]
٤ - وأنشد:
دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها
هذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أوّلها: (١)
أبا الصّرم من أسماء حدّثك الّذي جرى بيننا يوم استقلّت ركابها
زجرت لها طير الشمال فإن تكن هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
وقد طفت من أحوالها واردتها سنين فأخشى بعلها وأهابها
ثلاثة أحوال فلمّا تجرّمت علينا بهون واستحار شبابها
فقلت لقلبي: يا لك الخير إنّما يدلّك للموت الجديد حبابها
دعاني إليها القلب إنّي لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها (٢)
قال السكري: العرب تتشاءم بطير الشمال. وقوله: (فإن تكن هواك) يعني إن كانت الطير التي زجرها هواه يعني نفسها، يريد إن صدق هذا الطير سيصيبك اجتنابها، أي تنحيها وتباعدها (٣). واستقلت: احتملت. والركاب: الابل. وقوله:
زجرت، يروى بفتح التاء وضمها، وفيه التفات على الثاني، وعلى الفتح الالتفات في طفت أو في بيننا. وقوله: من أحوالها: أي حولها، فمن زائدة. والأحوال: جمع حول. وأهابها: أستحى أن أواجهها. وثلاثة أحوال: عطف بيان لسنين أو بدل.
وتجرّمت، بالجيم، انقضت تلك السنون وتكملت. والهون: الهوان. واستحار، بالحاء المهملة، تم واجتمع. ودعاني: جواب لما، ويروى عصاني. قال الأصمعي:
أي جعل لا يقبل منى وذهب إليها سفها. وروى مطيع بدل سميع، وهو ودعاني رواية
_________________
(١) سمط اللألي ٨٦٦، وديوان الهذليين ١/ ٧٠.
(٢) ترتيب هذا البيت في ديوان الهذليين قبل البيت السابق. وفيه: (عصاني اليها ..).
(٣) في الهذليين: (زجرت لها طير السنيح)، ويروى: (زجرت لها طير السماء). وبعض العرب تتشاءم بالسنيح، قوله: فإن تصب هواك الذي تهوى، يعني الطير الذي زجره.
[ ١ / ٢٧ ]
أبي عمرو. قال الأصمعي: والمعنى: فما أدرى أرشد أم غيّ، فحذف الغيّ، وهو محل الشاهد، وجوّز بعضهم. وقوله: يا لك الخير، قال السكري: أي يا قلب لك الخير، فهو على حذف المنادى. انتهى.
ويجوز أن يكون (يا) للتنبيه، وهو الأولى في أمثاله عند ابن مالك. قلت:
ويحسنه هنا أن القلب لما اشتغل بحبها فكأنه دخل في غمرة وغفلة فحسن تنبيهه بحرفه.
والموت: الجديد. قال الاخفش: المغافص (١). وقال الباهلي: جديد الموت أوّله.
والحباب: مصدر بمعنى الحب، يقال حابيته حبابا ومحابة.
ومن أبيات هذه القصيدة وهي آخرها:
فأطيب براح الشّأم صرفا وهذه معتّقة صهباء وهي شيابها
فما إن هما في صحفة بارقية جديد حديث نحتها واقتضابها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقا من اللّيل والتفّت عليك ثيابها
رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها بقرّان إن الخمر شغب صحابها
ولو عثرت عندي إذا ما لحيتها بعثرتها ولا أسيء جوابها
ولا هرّها كلبي ليبعد نفرها ولو نبحتها بالشّكاة كلابها
أطيب: صيغة تعجب. والشياب المزاج والخلط. وضمير هي راجع للشهدة، وهمالها وللخمر. والبارقية: نسبة إلى بارق، رجل كان يصنع الصحاف. والجديد والحديث: صفتان بمعنى. والاقتضاب: أخذها من شجرها حديثة. ويجوز أن يكون نحتها لأحد الوصفين، واقتضابها للآخر. فيكون فيه لف ونشر. وفي البيت «من» (٢) أنواع البديع: التفضيل، وهو كثير في شعر العرب جدّا، وهو أن ينفي بما ونحوها عن ذي وصف أفعل تفضيل، فناسب لذلك الوصف فعدى بمن إلى ما يراد مدحه أو ذمّه، فتحصل المساواة من الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما،
_________________
(١) يريد المفاجئ الآخذ على غرة.
(٢) مزيدة.
[ ١ / ٢٨ ]
لأنها نفت الأفضلية. فتبقى المساواة. وقرّان واد (١). وقوله: (ان الخمر الخ) هو النوع المسمى في المعاني بالتذييل. وفي البيت الذي يليه شاهد لجواب لو بإذن، ولحيتها: لمتها. وأسى: ماض مبنى للمفعول. قوله: (ولا هرّها. الخ) قال الأصمعي وغيره: هذا مثل، أي لا يأتيها من قبلي أذى ولو أتاني الأذى من قبلها.
والنفر: مصدر نفر. والشكاة، بالفتح والقصر، القول القبيح.