اللغة: النقل: جمع نقلة.
الإعراب: إنَّ العلى: إنّ واسمها، حدثتني: في موضع رفع خبر إنّ، وهي: الواو واو الابتداء، صادقة: خبره، وما: اسم ناقص لا يتم إلاّ بصلة وعائد، تحدث: فعل مضارع، وهو صلة ما التي تقدّمت، والعائد محذوف لأنه فضلة، تقديره فيما تحدثه، إنّ العزَّ: إنّ واسمها، وهي مكسورة؛ لأنها محكية بالقول، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو خبر إنّ، تقديره إنّ العزّ يستقرّ في النقل، وقوله: إنّ العزّ وما بعده في موضع نصب على أنه على أنه مفعول ثان، وقوله: وهي صادقة جملة اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب.
المعنى: إنّ العلى حدثتني فيما حدثت من الأخبار إتّ العز موجود في النقل من مكان إلى مكان، والاغتراب من مكان مبا بساكنه إلى مكان يلائمه ويوافقه، وينال فيه المعالي، وقد أكثر الشعراء من الحث على الانتقال والحركة، قال أبو تمام (٤): (من الطويل)
وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ
فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَلَيهِم بِسَرمَدِ
ومن كلام الحكماء: إنّ الله لم يجمع منافع الدنيا في مكان من الأرض، بل فرّقها، وأحوج بعضها إلى بعض، وقيل: إنّ المسافر يجمع العجائب، ويجلب المكاسب، وقيل: الأسفار مما
_________________
(١) ديوانه ٢/ ٢٠٣ـ ٢٠٤.
(٢) البيتان في الغيث المسجم ٢/ ٨٤، الدألان: الخادع
(٣) لذي الرمة، ديوانه (م).
(٤) ديوانه، ص ٩٨
[ ٩٥ ]
تزيد / علما بقدرة الله تعالى وحكمته، وتدعو إلى شكر نعمته، وقيل: ليس بينك وبين [٥٥ ب] بلد نسب، فخير البلاد ما حملك، وقال ابن قلاقس (١): (من مجزوء الكامل)
سافِرْ إذا حاولتَ قَدْرا سارَ الهلالُ فصارَ بَدرا
وقال أيضا (٢):
ليس ارتحالُكَ تَرْتَادُ الغِنَى سفرًا بَلِ المُقَامُ على خَسْفٍ هو السفرُ
وقد استعار الطغرائي الحديث للعلى؛ لأن العلى أمور معنوية لا تتصف بالكلام، ولكنه لمّا جرّب وجود العز بالنقلة والحركة، صارت التجربة عنده علما استفاده، فكأنه حدثته العلى بذلك، فأسند ذلك إلى العُلى تعظيما للرواية في إسنادها إلى العُلى ليتلقّاها السمع بالقبول، قوله وهي صادقة جملة اعترض بها، وقد زادت الكلام حسنا لتأكيد الصدق عند المخاطب، كما تقول: حدّثني فلان، وهو صادق، فيما يرويه، طلبا للتأكيد في قبول ما يأتي به من الرواية عمّن يروي الحديث عنه، وهذا أبلغ من قوله: إنّ العلى حدثتني فيما تحدث إن العز في النقل، ومن الجمل الاعتراضية قوله تعالى: [فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ] (٣) فاعترض اعتراضين: أحدهما أصل، والثاني فرع، الأول اعتراضه بقوله: وإنه لقسم، بين قوله بمواقع، وبين قوله: إنه لقرآن كريم، الثاني أنه اعتراض بقوله لو تعلمون بين قوله وإنه لقسم، وبين قوله عظيم، وقد رأيت ما أفادت هاتان الجملتان في الاعتراض من الجزالة والبلاغة.