اللغة: الحب قد تقدّم، السلامة: الرفاهية، يثني: يعطف ويكف، والهم: العزم، والإغراء: الولوع بالشيء، والمرء: الرجل، والكسل: التثاقل عن الشيء لأمر.
الإعراب: حب السلامة: مبتدأ، ومضاف، وخبره يثني، همّ: مفعول به، وصاحبه: مضاف إليه، عن المعالي: معناه التجاوز، ويغري: الواو عطف الفعل على الفعل، المرء: مفعول، بالكسل: الباء فيه للتعدية.
المعنى: يقول لصاحبه: حبّ السلامة يعطف عزم صاحبه عن اكتساب المعالي، ويُغري الإنسان بالكسل، كأنه لمَّا عرض على صاحبه المرافقة إلى الحيّ الذي وصفه، وجده
_________________
(١) ديوانه (م).
(٢) الأبيات في ديوان الصبابة، ص ٤٧٧ (م)، وفي زهر الأكم في الأمثال والحكم، ص ١٠٧٦ - ١٠٧٧ (م)، وفي نفحة الريحانة ص ٣١٧٨ (م).
(٣) الأبيات في الغيث المسجم ٢/ ٤٠ - ٤١، وفي ديوان الصبابة، ص ٤٧٧ـ ٤٧٨ (م).
(٤) المكتوب في المخطوطة: وقال الشهاب محمود، ويبدو أن المختصر قد انصرف نظره إلى أبيات صفي الدين الحلي، وهي تأتي بعد أبيات الشهاب محمود في الغيث المسجم فظنها للشهاب محمود، الغيث المسجم ٢/ ٤١، أمَّا أبيات الشهاب محمود فهي: ولقد ذكرتك والسيوف لوامع والموت يرقب تحت حصن المرقب والحصن في شفق الدروع تخاله حسناء ترفل في رداء مذهب سامي السماء فمن تطاول نحوه للسمع مسترقًا رماه بكوكب والموت يلمع بالنفوس خاطري يلهو بطيب ذكرك المستعذب وانظر ديوان صفي الدين الحلي، ص ٤٠٧.
[ ٨٨ ]
متثاقلا عن مرافقته، غير قابل على التوجه معه إلى الحيّ، والمشاركة له في المشاق والأخطار، فأخذ يعظه بمثل هذا الكلام، إنْ قلت: إنّ الكلام لصاحبه، وإنْ قلت: أنه قطع الكلام عنه، وأخذ يخاطب نفسه، كأن الإنسان يجرد من نفسه مخاطَبا إقامة للمواجهة بالقول، وأحسن ما جاء فيه قول الصمة بن عبد الله القشيري من الحماسة (١): (من الطويل)
حنَنْتَ إلى رَيّا وَنَفسُكَ باعَدَت مَزارَكَ مِن رَيّا وَشَعباكَما/ مَعا [٥١ ب]
الأبيات، ولعمري إنّ السلامة في الخمول خير من العطب في المعالي، فما يفي الوصل بالصدود، وقال الشاعر (٢): (من الخفيف)
إنْ مدحتُ الخمولَ نبَّهتُ قوما غفْلا عنه سابقوني إليه
هو قد دلّني على لذة العيش فما لي أدلُّ غيري عليه
وقال أبو العلاء المعري (٣): (من الوافر)
ولو جرت النباهة في طريق ال خمول إليَ لاخترت الخمولا
وقد رضي بالخمول جماعة من الرؤساء الأكابر المتقدمين في العلم والمنصب، منهم: أبو السعادات بن الأثير، صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، قال الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ لمعاوية لمعاوية ﵁ إنّ عليَّ دينًا فأوفوه وأنتم في جلٍّ من الخلافة، فأوفوا دينه، وترك لهم الخلافة، وقد فعل ذلك جماعة من الأعيان، قال بعض العارفين: أول ما نزع الله من قلوب العارفين حب الرياسة، قال إبراهيم الغزي (٤): (من مجزوء الكامل)
المجد سهل والطريـ ق إليه بالإجماع وعرُ
وقال ابن وكيع (٥): (من المتقارب)
لقد رضيت همتي بالخمول ولم ترض بالرتب العالية
وكن في مكان إذا ما وقعتَ تقومُ ورجلكَ في عافية
وهذا يشبه قول ابن رشيق (٦): (من المتقارب)
_________________
(١) ديوان الحماسة ٢/ ٦٠
(٢) الأبيات في الغيث المسجم ٢/ [٤٦ ب] لا عزو.
(٣) ديوان سقط الزند، ص ١٥٩.
(٤) البيت في الغيث المسجم ٢/ ٤٧
(٥) الأبيات في الغيث المسجم ٢/ ٤٧ - ٤٨ ابن وكيع التنيسي: الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف أبو محمد الضبي التنيسي المعروف بابن وكيع الشاعر، أصله من بغداد ومولده بتنيس. له كتاب المنصف، بين فيه سرقات المتنبي. قال ابن رشيق في كتاب أبكار الأفكار: وهو أجور من سدوم. قلت: لأنه تحامل فيه على أبي الطيب كثيرًا وهو خلاف التسمية، إلا أنه دل على أنه كان له اطلاع عظيم إلى الغاية، ولم يرض له بالسرقة من شاعر واحد، حتى يعد الجملة من الشعراء ذلك المعنى المسروق. وكان في لسانه عجمة، ويقال له العاطس، وتوفي بعلة الفالج سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. الوافي بالوفيات، ص ٩٤٣٧ - ٩٤٣٨ (م).
(٦) ديوانه (م).
[ ٨٩ ]
تُنازِعُني النَّفْسُ أَعْلى الأمورِ وَلَيْسَ مِنَ العَجْزِ لا أَنْشَطُ
وَلَكِنْ بِمِقْدارِ قُرْبِ المكانِ تَكونُ سلامَةُ مَنْ يَسْقُطُ
وعلى الجملة فالزهد أمر تمسك العقلاء بعروته الوثقى، ولهذا أفتى الفقهاء بأنه لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، وكل ما تراه عينك رهن الزوال، ومقدمات نتيجتها العدم، ولله در ابن الشبل البغدادي (١)
إذ يقول: (من الخفيف)
صحة المرء للسّقام طريقٌ وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيا أقتل الدّاء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا نت ولا كان أخذها والعطاء
صلفٌ / تحت راعد وسراب كرعت منه مومسٌ خرقاء [٥٢ أ]
راجعٌ جودها عليها فمهما يهب الصبح يستردّ المساء
ليت شعري حلما تمر به الأيا م أم ليس تعقل الأشياء
من فسادٍ يكون في عالم الكو ن فما للنفوس منه اتّقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجسـ م ففيم الشقاء وفيم العناء
قبَّح الله لذةً لشقانا نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقـ ر فإيجادنا علينا بلاء
وهي طويلة، وقال آخر (٢): (من الرمل)
هذه الدنيا وهذا شأنها أتعب الناس بها أعوانها
وذوو الأحلام قالوا إنها حلُمُ يقضي بها يقظانها
يقال إنُ بعض الخلفاء أرسل إلى الخليل بن أحمد رسوله، فوجده يبل كسرة في ماء، ويأكل منها، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي إليه حاجة، فقال: إنه يغنيك، فقال: ما دمت أجد هذين فإني لا أحتاج إليه، وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خُصٍّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون الأموال بعلمه، وأخبار الزهاد في إعراضهم كثيرة، وهذا الذي تقدم ذكره كله مخالف مراد الطغرائي في البيت، فإنّ رأيه السعي والجد والكد والكدح والانتصاب لتلقي لتلقي الأهوال في تحصيل المعالي، والترقي إلى
_________________
(١) الحسين بن عبد اله بن يوسف بن أحمد بن شبلٍ أبو عليٍ البغدادي. ولد في بغداد وبها نشأ، وبها توفي سنة أربعٍ وسبعين وأربعمائةٍ. كان متميزًا بالحكمة والفلسفة، خبيرًا بصناعة الطب، أديبًا فاضلًا وشاعرًا مجيدًا، أخذ عن أبي نصرٍ يحيى بن جريرٍ التكريتي وغيره. وهو صاحب القصيدة الرائية التي نسبت للشيخ الرئيس ابن سينا وليست له، وقد دلت هذه القصيدة على علو كعبه في الحكمة والاطلاع على مكنوناتها، وقد سارت بها الركبان وتداولها الرواة، وهي: بربك أيها الفلك المدار أقص ذا المسير أم اضطرار؟؟ معجم الأدباء ١٠/ ٢٣ - ٢٤
(٢) البيتان في الغيث المسجم ٢/ [٤٩ ب] لا عزو.
[ ٩٠ ]
منازل العز، وكسب المجد بالحركة والإقدام على ركوب الأخطار؛ لنيل الأماني، وبلوغ الأوطار، ولله درّ القائل (١): (من السريع)
فَما قَضى حاجَتَهُ طالِبٌ فُؤادُهُ يَخفِقُ مِن رُعبِهِ
وَغايَةُ المُفرِطِ في سِلمِهِ كَغايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
ومن الكلم النوابغ: صعود الآكام، وهبوط الغيطان، خير من القعود بين الحيطان، قال ابن نباتة السعدي (٢): (من الوافر)
ومن طلَبَ النجومَ أطالَ صبرًا على بعد / المسافةِ والمنالِ [٥٢ ب]
وتثمِرُ حاجةُ المحتاجِ نجْحًا إذا ما كانَ فيه ذا احتِيالِ
ومما يُنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ (٣): (مجزوء الرمل)
كِدَّ كَدَّ العبد إن آ ثرت أن تُصبح حرّا
لا تقل ذا مكسب يز ري سؤال الناس أزرى
وللسراج الوراق (٤): (من السريع)
دع الهوينا وانتصب واكتسب واكدح فنفس المرء كدّاحة
وكن عن الراحة في معزل فالصفح موجود مع الراحة