اللغة: [محتال]: اسم فاعل، مَنْ تعمَّد الحِيَل، والضجر: القلق، والحيل: جمع حيلة.
الإعراب: اصبر: فعل أمر، لها: اللام هنا للتعدية، والضجر: يرجع إلى معهود في النفس لم يُذكر، وهو المقادير، أو الأيام، غير محتال: غير منصوب على الحال، أي مسلِّما أمورك إلى الله تعالى، ولا ضجر: الواو عاطفة، عطفت النفي على النفي، في حادث الدهر: في هنا ظرفية، وحادث: / مجرور بالإضافة، ما يغني: ما هذه نكرة [٦٤ ب] موصوفة بما بعدها، ومعنى البيت فاصبر للحوادث مسلَِّما أمورك إلى الله، ففي حادث الدهر ما يغنيك عن الحِيَل.
المعنى: اصبر للنوائب صبر مَنْ لا يقلق، ولا يحتال، فإنّ في حوادث الدهر ووقائعه ما يغنيك عن الحيل، ويأتيك بما لا تقدر عليه، قال ﵊: انتظار الفرج بالصبر عبادة، وروى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، وقالت عائشة ﵂: لو كان الصبر رجلا لكان كريما، وقيل لعليّ كرم الله وجهه: أي شيء أقرب إلى الكفر، قال ذو فاقة لا صبر له، وقال المحاسبي ﵁: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان عقله، وجوهر العقل الصبر، ومن كلامهم: الصبر مُرٌّ لا يتجرعه إلاّ حرٌّ، وقال (١): (من الخفيف)
صَبِّرِ النَفسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ إِنَّ في الصَبرِ حيلَةَ المُحتالِ
لا تَضيقَنَّ في الأُمورِ فَقَد يُكـ شَفُ عنها الردى بِغَيرِ اِحتِيالِ
رُبَّما تَجزَعُ النُفوسُ مِنَ الأَمـ رِ لَهُ فُرجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ
ولهذه الأبيات حكاية، وهي أنّ الحجاج كان أنكر على مَنْ يقرأ [إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ] (٢) وقال له: إن لم تأتني بدليل، وإلاّ ضربت عنقك، وأجّله على ذلك أجلا، فأخذ يطوف في أحياء العرب، فبينما هو في بعض الأسحار وإذا هو براكب ينشد هذه الأبيات، قال: قلت ما ذاك، قال: مات الحجاج، قال: فوالله ما أدري بإيهما أُسرُّ فرحا، بقوله مات الحجاج، أو بقوله: فُرجة، انتهى.
قال ابن حجاج: (من البسيط)
دعها سماوية تجري على قدرٍ لا تُفْسِدَ نْها برأيٍ منكَ أرضيّ (٣)
_________________
(١) لعبيد بن الأبرص، ديوانه / (م).
(٢) البقرة ٢٤٩
(٣) البيت في الغيث المسجم ٢/ ٢٩٣
[ ١١٢ ]
/ وقال آخر (١): (من الكامل) [٦٥ أ]
الدهر لا ينفك عن حدثانه والمرء منقاد لحكم زمانه
فدع الزمان فانه لم يعتمد لجلالة أحدًا ولا لهوانه!
كالمزن لم يخصص بنافع صوبه أفقا ولم يخش أذى طوفانه
لكن لباريه بواطن حكمةٍ في ظاهر الأضداد من أكوانه
وقال [أبو] الخوارزمي (٢): (من الرجز)
ما أثقل الدهر على من ركبه حدثني عنه لسان التجربهْ!
لا تحمدن الدهر لشيء سببه فانه لم يتعمّد بالهِبهْ
وإنّما أخطأ فيك مذهبه كالسيل إذ يَسقي مكانًا أخربه!
وقال إبراهيم بن العباس الصولي (٣): (من الكامل)
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بها الفَتى ذَرعًا وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
كَمُلَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها فُرِجَت وَكُان أيظُنُّها لا تُفرَجُ
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان: يقال: ما رددها من نزلت به نازلة إلاّ فرّج الله عنه، وقال آخر (٤): (من مجزوء الكامل)
كن عن همومك معرضًا وكِلِ الأمورَ إلى القضا
وابشِرْ بخيرٍ عاجلٍ تنسى به ما قد مضى
فلرُبَّ أمرٍ مُسْخِطٍ لك في عواقِبه رضا
الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا