اللغة: الحِب بالكسر: الحبيب، يقال للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وبالضم / المحبة [٤٠ ب] العِدى بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، قال ابن السكّيت: لم يأت فعل من النعوت إلاّ حرف واحد، يقال: هؤلاء قوم عِدىً، وأنشد: (من الطويل)
إذا كنت في قوم عدي لست منهم فكل ما عُلِفتَ من خبيث وطيّبِ (٢)
ويقال: قوم عِدى وعُدى بالضم والكسر، مثل سِوى وسُوى، الأُسد: جمع أسد، ويجمع على أُسْدٍ وأُسود، وأُسْد وآساد، رابضة: باركة، كما تبرك الإبل، حول: يقال: قعد حوله وحواليه، الكناس: موضع الظبي، الغاب: مكان الأسد، الأسل: هنا الرماح.
الإعراب: فالحب: مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره مستقر، حيث: ظرف مكان مبني على الضم، وهو في موضع النصب، والعامل فيه مستقر، وقد سدّ مسد الخبر، العدى: مبتدأ، والأسد معطوف عليه، من عطف النسق، رابضة: خبر عن المبتدأ المعطوف، حول: منصوب على الظرفية، لها: جار ومجرور، وهو خبر مقدم، لأن المبتدأ نكرة، وهوغاب، وقوله: لها غاب من الأسل في موضع رفع صفة للأسد.
المعنى: حبيبي مكانه حيث الأعادي، والأسود رابضة حول كناسه، وللأسود غاب من الرماح.
قال الشارح: ولو كان لي في البيت حكم لقلت: فالحب حيث العِدى كالأسد رابضة؛ لأنه ينتهي إلى أن يقول: حول الكناس لها غاب من الأسل، والأسل هي الرماح (٣) التي أراها في البيت، والرماح مما يختص بالأناسي، لا بالأسود، وأيضا الأسود فما من شأنها الإلف بالناس؛ لتكون حولهم، قال: فإن قلت أراد بالأسود العِدى؛ وذلك لأنهم في الناس كالأسد، فأطلق ذلك عليهم مجازا، فالجواب لايتأتى له ذلك، وهو قد عطف الأسد على العِدى، والعطف يدل على المغايرة، ووصف / المحبوب بأن الأعادي محيطون به، وحولهم [٤١ أ] الأسل أبلغ في المنع والتحصن من الأسد، لأن الإنسان أبلغ في الحرص والاحتراز من الأسد لأنه ذو عقل وتفكر، وإنما الأسد بطشه شديد، وعلى الجملة فإن الطغرائي وصف محبوبه بأته مصون محجب، لا سبيل إلى الوصول إليه والحالة هذه، كما قال [ابن] الخياط الدمشقي (٤): (من الطويل)
_________________
(١) عجز هذا البيت في الديوان، ص ٣٠٤ هو: نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ
(٢) للكميت بن زيد الأسدي، ديوانه / (م).
(٣) قلب المختصر الكلام، فقد قال: والرماح هي الأسل، انظر الغيث المسجم ١/ ٣٤٨
(٤) ديوانه (م). ابن الخياط ٤٥٠ - ٥١٧ هـ / ١٠٥٨ - ١١٢٣ م أحمد بن محمد بن علي بن يحيى التغلبي أبو عبد الله. شاعر، من الكتاب، من أهل دمشق مولده ووفاته فيها. طاف البلاد يمدح الناس، ودخل بلاد العجم وأقام في حلب مدة له (ديوان شعر - ط) اشتهر في عصره حتى قال ابن خلكان في ترجمته: "ولا حاجة إلى ذكر شيء من شعره لشهرة ديوانه".
[ ٧١ ]
وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍ وَفِي الْقَلْبِ مِنْ إِعْراضِهِ مِثْلُ حُجْبِهِ
وقال ابن القيسرلني (١): (من الطويل)
وفوق مُرادي من مراد عقائلٍ تبيت المذاكي القب سجف قبابها
وما أحسن قول ابن خفاجة: (من الطويل)
لَقَد جُبتُ دونَ الحَيِّ كُلَّ تَنوفَةٍ يَحومُ بِها نَسرُ السَماءِ عَلى (٢) وَكرِ
وَخُضتُ ظَلامَ اللَيلِ يَسوَدُّ فَحمُهُ وَدُستُ عَرينَ اللَيثِ يَنظُرُ عَن جَمرِ
وَجِئتُ دِيارَ الحَيِّ وَاللَيلُ مُطرَفٌ مُنَمنَمُ ثَوبِ الأُفقِ بِالأَنجُمِ الزُهرِ
أَشيمُ بِها بَرقَ الحَديدِ وَرُبَّما عَثَرتُ بِأَطرافِ الثقَّفَةِ ِ السُمرِ
فَلَم أَلقَ إِلّا صَعدَةً فَوقَ لامَةٍ فَقُلتُ قَضيبٌ قَد أَطَلَّ عَلى نَهرِ
وَلا شِمتُ إِلّا غُرَّةً فَوقَ أَشُقر فَقُلتُ حَبابٌ يَستَديرُ عَلى خَمرِ
فَسِرتُ وَقَلبُ البَرقِ يَخفُقُ غَيرَةً هُناكَ وَعَينُ النَجمِ تَنظُرُ عَن شَزرِ
وقال (٣): (من الطويل)
وَلَيلٍ طَرَقتُ المالِكِيَّةَ تَحتَهُ أَجَدَّ عَلى حُكمِ الشَبابِ مَزارا
فَخالَطتُ أَطرافَ الأَسِنَّةِ أَنجُمًا وَدُستُ لِهالاتِ البُدورِ دِيارا
واعلم أنّ بيت الطغرائي ذكر فيه أنّ الرقيب ملازم لمحبوبه، ولا شك أنّ ملازمته الرقيب أمر يضني، ومرض يفري الحشا ويفني، والمحبون ابتلوا به قديما، ورعوا به روض المحبة هشيما، وأرى أن الرقيب هو المبتلى، وصاحب السهر والتعب، على أنه ما عشق ولا سلا، وذلك لأن العاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، والرقيب / ضاع زمانه [٤١ ب] وذاب فؤاده بلا فائدة، ولهذا قال ابن رشيق: (من الطويل)
تأَذَّى بِلَحْظي مَنْ أُحِبُّ وَقالَ لي أَخافُ منَ الْجُلاَّسِ أَنْ يَفْطِنوا بِنا
وَقالَ إِذا كَرَّرْتَ لَحْظَكَ دُونَهُمْ إِليَّ فَما يَخْفى دَليلُ مُريبِنا
فَقُلْتُ بُلِينا بالرَّقيبِ فَقال ما بُلِينا وَلكِنَّ الرَّقيبَ بُلي بِنا
وما ألطف قول ابن المعتز (٤): (من الخفيف)
وا بَلائي مِن مَحضَري وَمَغيبي من َحَبيبٍ مِنّي بَعيدٌ قَريبُ
لَم تَرِد ماءَ وَجهِهِ العَينُ إِلّا شَرِقَت قَبلَ رَيَّها بِرَقيبِ
_________________
(١) البيت في الغيث المسجم ١/ ٣٨٥
(٢) ديوانه (م)
(٣) ابن خفاجة أيضا. ديوانه (م)
(٤) ديوانه، ص ٥٢
[ ٧٢ ]
وبالغ القائل في ملازمة الرقيب (١): (من الخفيف)
أنا والحب ما خلونا ولا طرفةُ عينٍ إلا علينا رقيبُ
ما اجتمعنا بحيثُ إنْ لم يكن لدهـ رِ بأني اقول انتَ الحبيب
بل خلونا بقدر ما قلت أنت الح فوافى فقلت كيم الطبيب
قال الشارح: وما ترك هذا الشاعر غاية لمن بعده في الظرف، وتذكرت من هذه المادة ما ذكره الحريري في درة الغواص قال: حكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمداني حين قدم البصرة حاجا في سنة أربع وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة، فقال: ما الذي بك؟ قال له الصاحب قه، فقال له النديم وه، فاستحسن الصاحب ذلك، وخلع عليه.
قيل إنّ بعض الظرفاء سمع امرأة حسناء وقد أتت إلى جانب نهر تقول: يا جارية أين أضع رجلي، فقال: على كتفي، فقالت له، بخفي، فقال لها: رقبة زوجك، فقالت له: [من أين]
خرجت: فقال لها: من بيتك، فقالت له: مصفوع، فقال لها: على تهمة بك، فقالت له: وأنت بريء، فانقطع. قال الطغرائي ﵀: