اللغة: الذمام: الحرمة، والاعتساف: افتعال من العسف، وهو الأخذ بغير دليل، نفحة الطيب: رائحة نفح الطيب، تهدينا: ترشدنا، الحلل: جمع حلة [وهي بيوت القوم] (١).
الإعراب: الفاء للتعقيب، أي عقب كلامه بأن قال: فسر، أمره بالسير، معتسفا: اسم فاعل، وهو منصوب على الحال، وصاحبها الضمير / المقدر في سر، وهوأنت، [٣٩ ب] والعامل فيها سر، فإن قيل: لأي شيء لم يقل معتسفين لأنهم جماعة، أو مُعتسفَيْن لأنهما اثنان قد شملهما السير، فالجواب أنه أراد أن يقول لصاحبه: تقدم أنت وسِر بنا إماما، واعتسف الأرض، ودعني مشغولا بما أنا فيه من الفكر، وحديث النفس، ولا تخف؛ فنفحة الطيب التي تتضوع من أهل الحي تهديك وتدلك على الطريق إليهم، فنفحة الطيب: الفاء هنا سببية، ونفحة مرفوع على الابتداء، والطيب مجرور بالإضافة، تهدينا: فعل مضارع من هدى يهدي، فهو ثلاثي مفتوح الأول، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء؛ لأنه معتل، لا يظهر فيه الإعراب، إلى الحلل: محله النصب، لتعلقه بتهدينا.
المعنى: فسر بنا في ذمام الليل فإنه يسترنا، واعتسف السير، ولا تركب طريقا، ولا تخش الضلال عن طريق الحي، فإن له نفحة طيب من أهله ترشدك إلى الحلة التي هم بها نزول، وهذا معنى لطيف، وتركيب دقيق، وقد جرت علدة الشعراء [بأن يذكروا] (٢) أن مواطن الحبيب وأماكنه تتضوع بأنواع الطيب، وتأرج النسمات بنفحاته العطرية، قال محمد بن عبد الله النميري (٣) في زينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي: (من الطويل)
تَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نُعمانَ إِن مَشَت بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطراتِ
لَهُ أَرَجٌ مِن مَجمَرِ الهِندِ ساطِعٌ تَطلَّعُ رَيَّاهُ مِنَ الكَفراتِ
ولمَّا بلغ الحجاج أن النمري تغزل بأخته تهدده، وقال: لولا أن يقول قائل لقطعت لسانه، فهرب إلى اليمن، ثم أنه استجار بعبد الملك بن مروان فأجاره
فكتب له الحجاج فأمَّنه (٤) /
_________________
(١) زيادة من الغيث المسجم ١/ ٣٧٣
(٢) زيادة من الغيث المسجم ١/ ٣٧٧، وبها يستقيم المعنى
(٣) ديوانه (م).
(٤) كتب في الحاشية: وقال ناسخه عفا الله عنه وقد مررنا بحي من أحياء العرب بالمغرب: وَاهًا لها من خِيامٍ طابَ رَيَّاها من طِيبِ حَوراءَ لم يُعْرَفْ مُحَيَّاها مَن لمْ يمر بواديها غدًا كَلِفًَا فكيف مَنْ مَرَّبالوادي وَحَيَّاها محمد بن أحمد التلمساني لطف الله به.
[ ٦٩ ]
واستنشده حتى بلغ قوله: وَلَما رَأَت رَكبَ النَميريِّ أَعرَضَت (١)، قال له: وما كان [٤٠ أ] ركبك؟ قال: أربعة أحمرة، كنت أجلب عليها القطران، وثلاثة أحمرة لصحبي تحمل البعر، فضحك الحجاج، وخلّى سبيله.
قال الشارح: وذكرت بقول الطغرائي قول أبي العلاء المعري (٢): (من البسيط)
المُوقِدُونَ بنجْدٍ نارَ باديَةٍ لا يَحضُرونَ وفَقْدُ العِزّ في الحَضَرِ
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَتْها عَبيدُهمُ تحتَ الغَمائم للسّارين بالقُطُرِ
القطر هنا: العود، ومعناه أنّ هؤلاء الممدوحين يوقدون النار في الليل ليهتدي الضيف بها إليهم، فإذا كان الغمام، ونزل القطر، وأطفأ النار، أمروا عبيدهم أن يوقدوها بالطيب؛ ليشم الساري الرائحة؛ ليهتدي إليهم، وهذا معنىً غريب، وقول الطغرائي قول التهامي (٣): (من الكامل)
يَترُكنَ حَيثُ حَلَلن وَهي لَطيمَة مِمّا نَثرنَ بِهِ العَبيرَ فَطاحا
يَهدي ثَراهُ إِلى البِلادِ وَرُبَّما حَيَّت بِرَيّاهُ الرِياح رِياحا
وقال الأرجاني (٤): (من الخفيف)
بَلِّغاني منازلَ الحَيِّ أسألْ ها متى فارقَتْ دُماها الغِيدا
واستَدِلاّ على الحمى نَشْرَ مِسكٍ من مَجَرِّ الحسانِ فيه البرودا
والأصل في هذا كله قول أبي الطيب (٥): (من الطويل)
ولو أنّ ركْبًا يمّموكَ لقادَهم نسيمُك حتى يستدِلّ به الرّكْبُ
وقال الآخر: (من السريع)
إن جاء من يبغي لهم منزلًا فقل له يمشي ويستنشق (٦)
وقال مسلم بن الوليد (٧): (من الطويل)
أَرادوا لِيُخفوا قَبرَهُ عَن عَدُوِّهِ فَطيبُ تُرابِ القَبرِ دَلَّ عَلى القَبرِ
_________________
(١) تمامه: وَكُنَّ مِن أَن يَلقينَهُ حَذِراتِ، ديوانه (م).
(٢) ديوان سقط الزند، ص ٥٩
(٣) ديوانه (م)
(٤) ديوانه ٢/ ٤٩٩.
(٥) هذا البيت ليس لأبي الطيب، وقد اختلف فيه على النحو التالي: نسب في الحماسة المغربية، ص ٥٤٧/ (م) للعباس بن الأحنف، وفي الوافي بالوفيات، ص ١٤١٨٩/ (م) لعبد الله بن محمد المعروف بابن البواب، وفي الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص ٥١٤ / (م) لأبي العتاهية، وفي الغيث المسجم ١/ [٣٧٩ ب] لا عزو. وليس هذا هو البيت المقصود فالذي في الغيث المسجم ١/ ٣٧٩ وهو للمتنبي من الكامل: وَتَفوحُ مِن طيبِ الثَناءِ رَوائِحٌ لَهُمُ بِكُلِّ مَكانَةٍ تُستَنشَقُ وبدلا من أن يذكر المختصر هذا البيت قفز عنه إلى البيت الذي يليه.
(٦) لابن النبيه، ولم أجده في المطبوع من ديوانه، وهو في الغيث المسجم ١/ ٣٧٩
(٧) ديوانه (م)
[ ٧٠ ]