اللغة: الصديق: هو الصادق في المودة، الرجل صديق، والمرأة صديقة، الجمع أصدقاء، قد يقال للواحد والجمع، والمذكر والمؤنث: صديق، قال الشاعر (٧): (من الطويل)
نصبْنَ الهَوى ثُمَّ اِرتَمَينَ قُلوبنا بأعين أعداءِ وَهن صَديق
ومن هنا اختلس أبو نواس معناه في قوله (٨): (من الطويل)
_________________
(١) شعر النمر بن تولب، ص ١٢٦ (ما نسب للنمر وغيره من الشعراء) والرواية فيه: تمزقن عن بلىً.
(٢) ديوان لبيد، ص ٨٢، وفيه - تغيَّر جفنه، والقين: الحداد.
(٣) للنسابة الحلبي: الأشرف بن الأعز، الوافي بالوفيات، ص ٧٠٥٨/ (م).
(٤) ديوان سقط الزند، ص ١٣٣ - ١٣٤
(٥) ديوانه / (م)
(٦) ديوانه / (م)
(٧) لنصيب بن رباح، ديوانه / (م).
(٨) ديوانه، ص ٣٩٤
[ ٢٤ ]
إِذا امتَحَنَ الدُنيا لَبيبٌ تَكَشَّفَت لَهُ عَن عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ
مشتكى: مصدر اشتكى يشتكي، والحزن: خلاف السرور، والأنيس: فعيل من الأنس، ومنتهى: مصدر انتهى الشيء إذا بلغ الغاية، قال تعالى: [وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى] (١)، وقال ابن دريد: وكل شيء بلغ الحد انتهى، الجذل، بالذال المعجمة: ضد الحزن.
الإعراب: فلا صديق: هذه لا التي لنفي الجنس، إليه: جار ومجرور، مشتكى: مصدرية موضع رفع على الابتداء، ولم يظهر الإعراب/ لأنه مقصور، حزني: مضاف والياء [١٣ ب] التي هي الضمير للمتكلم في موضع جر، ومشتكى مضاف إلى الحزن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على أنه صفة لاسم لا، كان التقدير: فلا صديق سامعا شكوى حزني إليه موجود، والنصف الثاني إعرابه إعراب الأول.
المعنى: ما أجد صديقا يكون مشتكى حزني، ولا أرى أنيسا يكون منتهى فرحي، وهذه حالة تشق على مَن تلبس بها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لمَّا هاجر من مكة، ما خرج منها إلاّ وأبو بكر ﵁ معه؛ ليكون له أنيسا من الوحدة، ورفيقا في الغربة، يركن إليه في المشورة، ويركن به إذا خلا، وكذلك كان معه في الغار، وموسى ﵇ لمَّا أمره الله تعالى بالرسالة إلى فرعون سأل ربه أن يكون معه أخوه، قال: [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي] (٢) الآية، وقال ﵇: إذا أراد الله بملك خيرا قيّض له وزيرا صالحا، إنْ نسي ذكّره، وإنْ نوى خيرا أعانه، وإنْ أراد شرّا كفّه عنه، وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير، ولو لم يكن في الصاحب والوزير إلاّ المشورة؛ لكان كافيا، قال تعالى لنبيه سيدنا محمد ﷺ: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] (٣)، قال الشاعر (٤): (من الطويل)
إذا عنَّ أمرٌ فَاستَشِر لكَ صاحِبًا وإنْ كنتَ ذا رأي تشيرُ على الصحبِ
فإني رأيت العينَ تجهل نفسها وتدركُ ما قدْ حلَّ في موضع الشهب
وقال الأرجاني (٥): (من البسيط)
شاوِرْ سِواكَ إذا نابَتْكَ نائبةٌ يومًا وإن كنتَ من أهلِ المشوراتِ
فالعَيْنُ تَلْقى كِفاحًا ما نأى ودنا ولا تَرى نَفْسَها إلا بمِرآة
_________________
(١) النجم ٤٢
(٢) طه ٢٩، ٣٠
(٣) آل عمران ١٠٩
(٤) لم أتمكن من معرفة قائله، والبيتان في الغيث المسجم ١/ ١٥٣.
(٥) ديوانه ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧
[ ٢٥ ]
واعلم / أنَّ طلبَ الصاحب أمر مقصود عند العقلاء؛ لأنه لا بدّ من خلٍّ تسكن إليه [١٤ أ] فتشكو إليه حزنك، وتنتصر به على مَن ظلمك، وتتخذه عونا على مآربك، وكان الكندي يقول: الصديق إنسان هو أنت، وفي المثل: ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك، وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يتخذ صديقا ينبهه على عيوبه، فإن الإنسان لا يرى عيب نفسه، وأقل الأصدقاء حالة مَنْ تشكو إليه، ولم يكن عنده غير سماع الشكوى والإصغاء؛ لأن سماع الشكوى وبثّها، فيه تخفيف عن المكروب، والنفس تستريح إليه، ولهذا قال الشاعر (١): (من الطويل)
ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجّع
وإنْ يكُ منْ وصْفِ المروءةِ خالِياُ يرائيك أو يبكيكَ أو ليس يسمع
كأن المشكو إليه إمَّا أن يواسيك في همك، وهذه الرتبة العليا، وهو الصديق الحكيم المهذب، وإمَّا أنْ يتوجع، وهذه الرتبة السفلى، وهو الصديق العاجز، فإن خلا الصديق من هذين، كان وجوده وعدمه سواء، بل عدمه خير من وجوده.
ومن شواهد العربية (٢): (من الطويل)
إِذا أَنتَ لَم تَنفَع فَضُرَّ فَإِنَما يُرَجَّى الفَتَى كَيما يَضُرُّ ويَنفَعُ
واعلم أنَّ هذا البيت، وهو قوله: ولا بدّ من شكوى، وأمثاله، يسميه أرباب البديع صحة التقسيم، وأوردوا فيه قول الآخر (٣)، وهو في غاية الرقة: (من الطويل)
سريت إليه والظلام كأنه صريع كرىً والنجم في الأفق شاهد
فلو أن روحي مازجت ثَمَّ روحه لقلت ادن مني أيها المتباعد
ومن هذه المادة قول ابن سناء الملك (٤): (من الكامل)
لَوْ جُدْت لي بالنَّفْس منك لقلتُ من شَرَهِ المحبَّة إِنَّهُ لَبخيلُ
والكل أخذوا / من ابن الرومي (٥)؛ للأنه قال فأطاب، وإن طال: (من الطويل) [١٤ ب]
أعانقه والنفسُ بعدُ مشوقةٌ إليه وهل بعد العناق تداني
فألثمُ فاه كي تموت حرارتي فيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ليَشْفِيَهُ ما ترشُفُ الشَّفَتانِ
كأنَّ فؤادي ليس يَشْفي غليلَه سوى أنْ يرى الروحَيْن يمتزجان
_________________
(١) نسب البيت الأول لكل من بشار بن برد، وابن نباتة المصري، وهو في ديوانيهما (م)، أما البيت الثاني فلم أقف على قائله.
(٢) للنابغة الجعدي، ديوانه / (م).
(٣) ذكره ابن أبي حجلة في ديز\وان الصبابة، ص ٤٤٨، ولم يذكر قائله.
(٤) ديوانه (م)
(٥) ابن الرومي، ص ٧١
[ ٢٦ ]
وقوله: ولا بدَّ من شكوى، اعلم أنّ العاقل من كتم أمره، ولم يشك لأحد، عملا بقول الأول (١): (من الكامل)
لا تظهرن لعاذل أو عاذر حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين حرارة في القلب مثل شماتة الأعداء
وقال أبو الطيب (٢): (من البسيط)
وَلا تَشَكَّ إِلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ شَكوى الجَريحِ إِلى العِقْبانِ وَالرَّخَمِ
عاد الكلام إلى بيت الناظم، ولعمري في بلد بهذه المثابة، لا المثوبة، فحقه أن يفارقها، ولهذا قال أبو الطيب (٣): (من البسيط)
شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا أنيسَ بها وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ
وأين هذه البلدة التي وصفها الطغرائي من البلدة التي وصفها الحريري (٤): (من الطويل)
وجَدْتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ
وأين هؤلاء القوم الذين عاصرهم الطغرائي، وعاشرهم من آل المهلب الذين وصفهم الشاعر (٥): (من الطويل)
نَزَلتُ عَلى آلِ المُهَلَّب شاتيًا غَريبًا عَنِ الأَوطانِ في زَمَنِ المحلِ
فَما زالَ بي إِحسانُهم وجميلهم وَبِرُّهُمُ حَتّى حَسِبتهمُ أَهلي
وزاد القاضي الرشيد بن الزبير (٦)، فقال: (من الطويل)
ولما نزلنا في ظلال بيوتهم أمنا ونلنا الخصب في زمنٍ محل
ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم على البر من أهلي حسبتهم أهلي