اللغة: الزوراء: بغداد، وسميت بذلك لانحراف قبلتها، وتُسمى دار السلام، قيل: لأن دجلة يسمى السلام، وقيل: لأنه يُسلَّم فيها على الخلفاء، وهي بلدة أحدثها المنصور من بني العباس، سنة أربعين ومائة، ونزلها في سنة ست وأربعين، والسكن: ما يسكن إليه الإنسان من زوج أو غيره، وبقية البيت مثل من أمثال العرب، الأصل فيه أن الصَّدُوف العدوية كانت تحت زيد بن الأخنس العدوي، وله بنت من غيرها تُسمى الفارعة، وكانت تسكن بمعزل عنها، في خباء آخر، فغاب زيد غيبة، فلهج بالفارعة عدوي، يُدعى شبيبا، وطاوعته، وكانت تركب كل عشية جملا لها، وتنطلق معه إلى ثنية يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهته، فعرّج على كاهنة اسمها طريفة، فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما تخوّف على امرأته حتى دخل عليها، فلما رأته عرفت الشرّ في وجهه، فقالت: لا تعجل واقف الأثر، لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فصار ذلك مثلا يُضرب في التبرِّي عن الشيء.
قال الراعي (٣): (من البسيط)
/وَما هَجَرْتُكِ حَتّى قُلتِ مُعلَنَةً لا ناقَةٌ لِيَ في هَذا وَلا جَمَلُ [١٠ أ]
_________________
(١) البيت الأول في الغيث المسجم ١/ ١٠٢، والبيتان معا في النجوم الزاهرة، ص ٤٣٠٩ / الموسوعة الشعرية، وفي ذيل مرآة الزمان، ص ١٦٩٦ / الموسوعة الشعرية.
(٢) البيتان في الغيث المسجم ١/ ١٠٢، وفي نصرة الثائر على المثل السائر، ص ٤٦٦ - ٤٦٧/ (م)، وفي فوات الوفيات ٤/ ٢٨٨
(٣) ديوانه، ص ١٩٨، وفيه: وما صرمتك.
[ ١٩ ]
الإعراب: فيم: أصله فيما، فحذفوا الألف منها تخفيفا، أو لاتصالها بحرف الجر، أو تفرقة بينها وبين أن تكون اسما، فالأصل في ما، في: حرف جر، وما: استفهامية، وما وموضعه رفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ الإقامة، ويقدم الخبر لأن الاستفهام له صدر الكلام، بالزوراء: الباء للظرفية المكانية، وتكون أيضا للظرفية الزمانية، ومجيئها للمكان أكثر منها للزمان، بالزوراء موضعه النصب على أنه ظرف للإقامة، لا سكني: هذه لا التي لنفي الجنس، وسكن مبني على الفتح؛ لأنه اسم تقديره لا سكن لي، بها: الباء ظرفية، والهاء والألف ضمير يرجع على الزوراء، ولا: الواو عاطفة، ولا: التي لنفي الجنس، ناقتي: اسم لا، وقد أُضيف إلى ياء المتكلم، فالفتحة مقدرة على التاء، فيها: في هنا ظرفية، والضمير للزوراء، ولا جملي: إعرابه كما تقدم.
المعنى: يقول: إقامتي في بغداد لأي شيء، ولا سكن لي بها، ولا علاقة لي فيها، بدليل ما ضربه من المثَل، فإذا كان كذلك، فرحيله منها مُتعيِّن (١). (الطويل)
وَإِنَّ صَريحَ الحَزمِ وَالرَأيِ لَاِمرُىٍ إِذا بَلَغَتهُ الشَمسُ أَن يَتَحَوَّلا
وقد خرج رسول الله ﷺ من مكة، وكان ما كان، ثم رجع إليها، وقال ﵇: العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأين ما وجدت الخير فأقم، واتق الله.
قال المتنبي (٢): (من الطويل)
وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
/ والمقادير عجائب، وفوائد قوم عند قوم مصائب، هذا يقول في بغداد هذه المقالة [١٠ ب] والعِكَوَّك يقول لمَّا كره عنها ارتحاله (٣): (من السريع)
لَهَفِي على بغدادَ مِنْ بَلْدَةٍ كانتْ مِنَ الأَسْقامِ لِي جُنّه
كأنّنِي عِنْدّ فِراقِي لَها آدمُ لَمَّا فَارَقَ الجَنَّه
وقال البحتري (٤): (من الكامل)
ما أَنصَفَتْ بَغدادُ حينَ تَوَحَّشَتْ لِنَزيلِها وَهيَ المَحَلُّ الآنِسُ
لمَّا نبت بغداد بالقاضي عبد الوهاب المالكي خرج منها طالبا مصر، فشيعه من أكابرها وفضلائها، فقال لهم لمَّا ودّعهم: لو وجدت بين ظهرانيكم كل بكرة وعشية رغيفين ما فارقت بغداد، ومن شعره فيها (٥): (من البسيط)
بغداد دارٌ لأهل المال طيبة وللمقلين دار الضنك والضيق
_________________
(١) لأبي تمام، ديوانه، ص ٢٣٩.
(٢) ديوانه ٢/ ٢٣٢
(٣) لم أجدها في المطبوع من ديوانه.
(٤) ديوانه ١/ ٣٦٠
(٥) البيتان في وفيات الأعيان ٣/ ٢٢١، وفوات الوفيات ٢/ ٤٢٠
[ ٢٠ ]
أقمتُ فيها مُضاعًا بين ساكِنِها كأنني مصحفٌ في بيت زنديق
وهذا كان شأن العلماء ﵃؛ لأنهم لا يقيمون إلاّ في مكان تتروح فيه النفوس، ويزول عنهم فيه الهم والبؤس، كما قال ابن شرف القيرواني (١): (من البسيط)
وَصَيّر الأَرضَ دارًا وَالوَرى رَجُلًا حَتّى تَرى مُقبِلًا في الناسِ مَقبولا
وهو مأخوذ من قول الأول (٢): (من البسيط)
شرقٌ وغربٌ تجدْ من غادرٍ بدلًا فَالأَرضُ مِن تُربَةٍ وَالناسُ مِن رَجُلِ
وقال مصعب الصقلي (٣): (من الطويل)
إذا كانَ أصْلِي مِنْ تُرابٍ فكلُّها بلادِي وكلُّ العالَمينَ أقارِبِي
وقال أبو فراس (٤): (من البسيط)
مَنْ كانَ مثْلِيَ فالدُّنيا له وَطَنٌ وَكُلُّ قَومٍ غَدا فيهِم عَشائِرُهُ
/وَما تُمَدُّ لَهُ الأَطنابُ في بَلَدٍ إِلّا تَضَعضَعَ باديهِ وَحاضِرُهُ [١١ أ]
وقال أبو الطيب (٥): (من المنسرح)
إِذا صَديقٌ نَكِرتُ جانِبَهُ لَم تُعيِني في فِراقِهِ الحِيَلُ
في سَعَةِ الخافِقَينِ مُضطَرَبٌ وَفي بِلادٍ مِن أُختِها بَدَلُ
قال الشارح: وما أعرف أحدا ضمن هذا المثل، أعني: لا ناقة لي في هذا ولا جملي، أمكن، ولا أحسن من قول الشهاب محمود (٦): (من البسيط)
أستغفرُ اللهَ أين الغيثُ منفصلًا من برِّه وهو طولُ الدَّهرِ متَّصِلُ
مَن حاتمٌ عدِّ عنه، واطّرحْ فبه في الجودِ لا بسواه يضربُ المثلُ
أين الذي بِرُّه الآلافَ يُتبعُها كرائمَ الخيلِ ممن جوده الإبِلُ
لو مُثِّلَ الجودُ سرحًا قال حاتمُهم لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جملُ
ثم أخذ الشارح يتكلم في التضمين، وينشد شيئا من ذلك، فاخترت من ذلك بيتين للصفي الحلي (٧)، وهما: (من الخفيف)
_________________
(١) ديوانه (م)
(٢) للبحتري، ديوانه ١/ ٢١٧، ورواية الديوان: شَرِّق وَغَرِّب فَعَهدُ العاهِدينَ بِما طالَبتَ في ذَمَلانِ الأَنيُقِ الذُمُلِ وَلا تَقُل أُمَمٌ شَتّى وَلا شِقَقٌ فَالأَرضُ مِن تُربَةٍ وَالناسُ مِن رَجُلِ
(٣) البيت في الحماسة المغربية، ص ٤١٦/ (م)، وقد نسب في كل من نفح الطيب ٢/ ١٠٩، ووفيات الأعيان ١/ ٢٤٤ لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز.
(٤) ديوانه، ص ١٢٥، ورواية الديوان: يُمسي وَكُلُّ بِلادٍ حَلَّها وَطَنٌ وَكُلُّ قَومٍ غَدا فيهِم عَشائِرُهُ وَما تُمَدُّ لَهُ الأَطنابُ في بَلَدٍ إِلّا تَضَعضَعَ باديهِ وَحاضِرُهُ
(٥) ديوانه ١/ ١٧٩ - ١٨٠، ولم تعيني: لم تعجزني.
(٦) الأبيات في الوافي بالوفيات، ص ١٩٠١٨/ (م)، وأعيان العصر وأعوان النصر، ٤٢٣٨ - ٤٢٣٩ / (م)، وفي معاهد التنصيص، ص ٢٢٥١ / (م) البيتان الثاني والرابع.
(٧) ديوانه، ص ٤٠٠
[ ٢١ ]
يا ضَعيفَ الجُفونِ أَمْرَضْتَ قَلبًا كانَ قَبلَ الهَوى قَوِيًّا مَلِيًّا
لا تُحارِب بِناظِرَيكَ فُؤادي فَضَعيفانِ يَغلِبانِ قَوِيًّا
وقول المصنف: فيم الإقامة، البيت، هذا البيت يسميه أهل البديع عقاب المرء لنفسه، لم ينشد ابن المعتز (١) في هذا المعنى غير بيتين، وهما: (من الطويل)
عصاني قومي والرشاد الذي به أمرت ومن يعص المجرب يندم
فصبرًا بني بكرٍ على الموت إنني أرى عارضًا ينهل بالموت والدم