اللغة: الإقبال: ضد الإدبار، والعجل: السرعة، والعجل: الطين / قال تعالى: [٥٩ ب]
[خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ] (٣).
الإعراب: لم: حرف يجزم الفعل المضارع، أرتض: مجزوم به، العيش: مفعول به، والأيام مقبلة: مبتدأ وخبر، وكيف: اسم مبني على الفتح، أرضى: فعل مضارع مرفوع، وقد: الواو واو الحال، وقد: للتحقيق، والتاء في ولّت علامة التأنيث، على عجل: على هذه يُحتمل أن تكون بمعنى في، ولكنها في المعنى للاستعلاء، والجار والمجرور في موضع نصب على الحال، أي ولّت مستعجلة، والجملة في قوله: وقد إلى آخر البيت في موضع النصب على الحال، تقديره: فكيف أرضى العيش والحالة هذه.
المعنى: ما رضيت بالعيش في صباي إذ كانت الأيام مقبلة، فكيف أرضى بالعيش وقد كبرت، والأيام قد ولّت عنّي، والأمر كذلك؛ لأن العيش في زمن الشبيبة أيامه في إقبال، فهو غضٌّ نَضِر يانع، غصنه رطب، ووصله حبيب، وسهمه مصيب، وله في كل لذة قسم، وفي كل نعيم نصيب، وقال ما أحسن قول المعري (٤): (من البسيط)
وقد تَعَوّضْتُ من كُلٍّ بمُشْبِهِهِ فما وَجَدْتُ لأيّامِ الصِّبا عِوَضَا
والعيش في أيام الشيخوخة أيامه في إدبار، وتوالٍ وزوال، فهو جاف ذاوٍ ذابل، ثوبه خلق، وجوّه غسق، ويومه حرق، ونزمه أرق، وغصنه عارٍ من النضارة والثمر والورق، كما قال القائل (٥): (من البسيط)
ما كنتُ أُوفِي شبابِي كُنْه قِيمَتِه حتى انقضى فإذا الدُّنْيا له تَبَعُ
_________________
(١) نسبه الخالديان في الأشباه والنظائر، ص ٧٢٤/ (م) لمسلم؟ حيث قال: ومن أجود ما قيل في المنى قول مسلم، وفي الغيث المسجم ٢/ [١٦٣ ب] لا عزو.
(٢) البيت في الغيث المسجم ٢/ ١٦٧
(٣) الأنبياء ٣٧
(٤) ديوان سقط الزند، ص ٢٠٨
(٥) لمنصور النمري كما في الغيث المسجم ٢/ ١٧٣
[ ١٠٣ ]
وبيت الطغرائي مأخوذ من قول أبي العلاء المعري: (من البسيط)
وما ازْدُهِيتُ وأثوابُ الصِّبا جُدُدٌ فكيفَ أُزهَى بثوْبٍ من ضنىً خَلَقِ
ومن قوله أيضا في رسالة له يخاطب الدنيا: أسأتني غانية، فكيف بك عجوزا فانية، أي ما انتفعت بك وأنا شاب، فكيف أنتفع / وأنا هرم، والدنيا قد يقال لها شابّة وعجوز بمعنى [٦٠ أ] يتعلق بذاتها، وبمعنى يتعلق بغيرها، فمن أول زمن آدم إلى زمن إبراهيم تسمى شابة، وإلى زمن النبي ﷺ تسمى كهلة، وبعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا، والمعنى الثاني وهو مجاز أنها بالنسبة إلى أوان كل شخص، وعلى هذا يحمل قول المعري في مخاطبته الدنيا، وإلاّ فالمعري لم يعمر من أول وجود الدنيا، وكذلك في قول أبي الطيب (١): (من البسيط)
أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ
وقال آخر في معنى قول الشاعر (٢): (من الطويل)
إذا المرء أعيته السيادة ناشئًا فمطلبها كهلًا عليه شديد
وقول الآخر (٣): (الكامل)
وإذا الفتى من دهره كملت له خمسون وهو إلى التُّقى لا يَجنَحُ
طلعت عليه المخزيات وقلن قد أرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ
وإذا رأى إبليس صورته بدتْ حيَّ (٤) وقالَ فديت من لم يفلحِ