اللغة: الدهر: الزمان، قال الشاعر: (من الخفيف)
إِنَّ دَهرًا يَلُفُّ شَملي بِليلي لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ (١)
ويُجمع على دُهور، ويقال: الدهر الأبد، وقولهم: دهر داهر، أبدٌ آبد،، ودهر دهارير، أي شديد، كقولهم: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويومٌ أيوم، وساعة سوعاء، وفي الحديث: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ لأنهم كانوا يضيفون النوازل إليه، فقيل لهم: لا تسبّوا فاعل ذلك بكم، فإن ذلك الفاعل هو الله، والدُّهري: الملحد، بضم الدال، وَهِمَ الشارح، فقال بفتح الدال، وهو معذور في ذلك؛ لأن الجوهري لم يذكر ذلك في بابه، إنما ذكره في (٢)، والعكس: ردُّك الشيء إلى أوله، الآمال: جمع أمل، وهو الرجاء، والقناعة: الرضا بما قُسِم، والغنيمة: واحدة الغنائم، معروفة، والكدّ: الشدّة في طلب الكسب، والقفل: الرجوع من السفر، والقافلة: الرفقة الراجعة من السفر، ولا يقال لها ذلك حقيقة إلاّ إذا كانت راجعة خاصة، وقولهم لها قافلة تفاؤلًا بالرجوع، وأول من نطق بهذا المثل امرؤ القيس، فإنه قال: (من الوافر)
وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ (٣) حَتّى رَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ
وقال عبيد بن الأبرص (٤): (من الوافر)
وَلَو لاقيْتُ عِلباءَ بنَ عمروٍ رَضِيْتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ
الإعراب: والدهر: الواو للابتداء، والدهر مرفوع على أنه مبتدأ، يعكس: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، آمالي: جمع أمل، وهو منصوب بيعكس، ولم يظهر النصب فيه؛ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ويقنعني: الواو عطف / الفعل على [٢٢ ب] الفعل، من الغنيمة: جار ومجرور، بعد الكدّ: ظرف، ومخفوض به، بالقفل: جار ومجرور، فالدهر في البيت مبتدأ، وخبره يعكس، كأنه قال: الدهر عاكس آمالي، يقنعني موضعه الرفع عطفا على الخبر، والياء فيه مفعول أول، وبالقفل مفعول ثان له، ومن الغنيمة متعلق بيقنع، والجملة كلها من يقنع إلى آخره في موضع الرفع على أنه خبر معطوف على خبر المبتدأ، والبيت كله في موضع النصب على الحال لما في أريد بسطة كفٍّ في حالة
_________________
(١) نسب هذا البيت لكل من: حسان بن ثابت، وعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوان حسان / (م): يلف شملي بِجُملٍ، وفي ديوان عمر، ص ١٦٣: يلف شملي بسعدي.
(٢) فراغ بمقدار كلمة، وفي ب: في س.
(٣) كتبت بالآفاق، وما أثبتناه من ديوانه، ص ٤٣، ومن الغيث المسجم ١/ ٢٣٢
(٤) ديوانه / (م).
[ ٣٩ ]
الدهر عاكس آمالي فيها، قال الجوهري في صحاحه (١): أقنعه الشيء إذا أرضاه، فعلى هذا لا يتعدّى إلى مفعول ثان، إلاّ أن يشدّد، تقول: قنّعته بالقليل من الرزق.
المعنى: والدهر يعكس ما أُؤمله وأرجوه من البسطة والرفعة؛ حتى أقنع من الغنيمة بالرجوع بعد التعب والمشقة، وهذا المثل يضرب لمن مسعاه، وطال سفره، وتمنى العود إلى بلده، نعوذ بالله من هذه الحالة، كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من طمع في غير مطمع، ومن طمع يعود إلى طبع (٢)، وكان ﵊ يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، والدهر ما زال يعكس المقاصد، ويراقب الخيبة، ويُراصد، فقد تدنو المقاصد والأماني، فتعترض الحوادث والمنون، والشعراء أكثروا من هذا المعنى، قال أبو الطيب (٣): (من البسيط)
أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني ما لَيسَ يَبلُغُهُ في نَفسِهِ الزَمَنُ
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
قلت: وصواب هذا البيت أن يُقرأ: تجري الرياح بما لا يشتهي، بالياء المثناة في أوله، والسفِن / بكسر الفاء، أي صاحب السفينة، ويخلص بذلك عن المجاز. [٢٣ أ]
وقال أبو الطيب (٤): (من الطويل)
أَهُمُّ بِشَيءٍ وَاللَيالي كَأَنَّها تُطارِدُني عَن كَونِهِ وَأُطارِدُ
وقال ابن القيسراني (٥): (من الطويل)
إلى كم أسومُ الدَّهرَ غير طباعه وأصدُقُهُ عن شيمتي وهو حانثُ
وأسمو مُجدًَّا في العُلى وتَحُطُّني خطوبٌ كأنَّ الدهرَ فيهنَّ عابثُ (٦)
حكى الخالديان في اختيار شعر مسلم بن الوليد أنه كان في بعض أطراف البصرة رجل يخيف السبيل، فأعيى أمره السلطان، ثم ظفر به، فأمر بقتله، وصلبه، فلما قُدِّم لذلك قال للموكل به: إن رأيت أن تتوقف عني قليلًا، وتأتيني بقرطاس ودواة أكتب شيئا في قلبي، فإذا فرغت من ذلك فشأنك وما أُمِرت به، فأجابه إلى ما سأل، ثم لمَّا كتب قال للمُوكَّل: إفعل ما بدا لك، فنظر الموكل في الرقعة فإذا فيها مكتوب: (من السريع)
قالت سُليمى كم تُمَنينا وعدُكَ وعدُ ليس يأتينا (٧)
_________________
(١) الصحاح (قنع)
(٢) الذي كتب: من طمع في مطمع، ومن طمع يهذي إلى طمع، وما أثبتناه من بهجة المجالس، ص ١٨٥/ الموسوعة الشعرية، ومن الغيث المسجم ١/ ٢٣٤
(٣) ديوانه ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥
(٤) ديوانه ٢/ ٦٩
(٥) لم أجدهما في المطبوع من ديوانه، وهما في الغيث المسجم ١/ ٢٣٥
(٦) البيتان في الغيث المسجم ١/ ٢٣٥
(٧) الأبيات في الغيث المسجم ١/ ٢٣٦
[ ٤٠ ]
يا قانِعًا بالدُّون من عيشهِ حتى متى تُصبحُ محزونا
فحركت أشرس ذا مرّةٍ من بعد ثنتين وخمسينا
إنْ كنتُ قصَّرتُ ولم أجتهدْ في طلب الرزق فلومينا
وأيُّ بابٍ يُرتجى فتحُهُ وما قرعناهُ بأيدينا
ما قصَّرَ السعي ولكنها مقادرٌ جاريةٌ فينا
فرفع قصته إلى مَنْ أمر بقتله؛ فأمر بإطلاقه، وصفح عنه.
خرج الوزير نظام الملك أبو الحسن علي إلى الصلاة فجلس قليلا ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: هنا بيت شعر أريد له أولا، وهو: (من الكامل)
فكأنني وكأنه وكأنها أمل ونيل حال بينهما القضا (١)
وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الشافعي، فقال:
أفدي حبيبًا زارني مُتنكرًا فبدا الوشاة له فولّى مُعرضا (٢)
/ رجعنا إلى كلام الناظم، فهو يقول: إنّ الدهر يعكس مأموله، فهو دائما في [٢٣ ب] الحضيض الأسفل عما يرومه ويختاره.
قال الشارح: وقد خطر لي أن أردّ على الطغرائي ما قاله من أنّ الدهر يعكس آماله على وزن القصيدة اللامية: (من البسيط)
تقولُ يعكسُ آمالي وأنتَ كما علمت في عالمٍ في التربِ مُستفلِ
أمَا ترى الشمسَ تلقى عكس مقصدها في كل يومٍ ولولا ذاك لم تفلِ (٣)
قال: وكنتُ نظمتُ قبل هذا: (من السريع)
لا يعجب المرءُ لِعكسِ المُنَى ما فكرهُ في مثل ذا نافعِ
فالأنجمُ السبعُ العُلى ما نجتْ من عكسها بالفَلَكِ التاسعِ (٤)
قال الشارح: وليس عكس المقاصد عند الدهر مطّردًا، بل هو مع الأذى جار، وعلى نهج الردى سار، فإن تمنى الإنسان شرا قرَّبه، وإنْ تمنى خيرا قلّبه.
وقال أبو الطيب (٥): (من الطويل)
وَأَحسَبُ أَنّي لَو هَويتُ فِراقَكُم لَفارَقتُكم وَالدَهرُ أَخبَثُ صاحِبِ
فَيا لَيتَ ما بَيني وَبَينَ أَحِبَّتي مِنَ البُعدِ ما بَيني وَبَينَ المَصائِبِ
وقال ابن دقيق العيد (٦) شيخ الإسلام: (من البسيط)
_________________
(١) للشاعر مسعود بن محمد، النجوم الزاهرة، ص ٩٢٠٠ / (م).
(٢) البيت في الغيث المسجم ١/ ٢٣٦
(٣) البيتان في الغيث المسجم ١/ ٢٣٩
(٤) البيتان في الغيث المسجم ١/ ٢٣٩
(٥) ديوانه ١/ ٢٦٧
(٦) ديوانه / (م).
[ ٤١ ]
الحمدُ لله كَمْ أسْمُو بِعزميَ فِي نَيْل العُلاَ وَقَضاءُ الله ينْكسُه
كَأَنَّني البَدْرُ يبغى الشرقَ والفلكُ الـ أعلى يعارضُ مسراه فيعكسه
يقال: من نكد الوجود أنْ يرى الإنسان في منامه أنه وجد مالًا، أو أصاب جوهرا، أو ظفر بخير، فإذا انتبه لم ير من ذلك شيئا، وربما [يرى] (١) أنه قد أحدث، فإن انتبه كان ذلك يقينا.
قال الشاعر (٢): (من الطويل)
أَرى في مَنامي كُلَّ شَيءٍ يسوءني وَرُؤيايَ بَعدَ النَومِ أَدهى وَأَقبَحُ
فَإِن كانَ خَيرًا فَهُوَ أَضغاثُ حالِمٍ وَإِن كانَ شَرًّا جاءَني قَبلِ أُصبِحُ
وقال أبو العلاء المعري (٣): (من الطويل)
إلى اللهِ أشْكو أنّني كلَّ ليلةٍ إذا نِمْتُ لم أعْدَمْ خواطِرَ/ أوْهامي [٢٤ أ]
فإنْ كان شرًّا فهْوَ لا بُدّ واقِعٌ وإنْ كان خَيْرًا فهْوَ أضْغاثُ أحلام
وقال الأحنف العكبري (٤): (من الوافر)
وأحلم في المنام بكل خير فأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شرًا في منامي لوافى الشر من قبل الأذان