بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد
قال أبو الطيب يمدح الأمير الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان عند نزوله إنطاكية، (ومنصرفه) من الظفر بحصن برزويه، في جمادى الأخيرة من ستة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وهي أول ما أنشده. رحم الله الجميع بمنه.
وفاؤُكما كالرَّبعِ أشْجاهُ طاسِمُه بأن تُسْعِدا والدَّمعُ أشْفَاهُ ساجِمُهْ
يقول: وفاؤكما لي بالإسعاد على الحب كهذا الربع، الذي أشجاه
[ ١ / ١٥٧ ]
للنفس ما ذهب من آثاره، وعفا من رسومه، ووفاؤكما كذلك، وإذا عدمت إسعادكما جلست استشف بالدمع الذي هو جنة المحزون. وأشفاه ساجمه كما أن وفاؤكما أشجاه للنفس ذاهبه.
وما أنا إلاّ عاشقُ كُلُّ عاشقٍ أعقُّ خَلِيْلَيْهِ الصَّفَّيينِ لائِمُهُ
ثم قال، مبينًا لعذره، وطاعنًا على صاحبيه في لومه: وما أنا إلا عاشق يريد: أنه كمن تقدمه من العشاق، وكل عاشق خليليه المصافيين الذي يؤثر لومه، ويستجيد عذله، فلا شكر ما أكرهه من لومكما، وأرغبه من إسعادكما.
وقد يَتَزَيا بالهَوَى غَيْرُ أهْلِهِ وَيَسْتَصْحِبُ الإنْسَانُ من لا يُلائِمُهْ
ثم أكد ملامة صاحبيه، بأنهما منعاه ما يمكنهما من إسعاده، بظاهر يتكلفانه له وإن لم يعتقداه بالهوى أهله، ويستصحب الإنسان من لا يوافقه على رأيه.
بَلِيْتُ بِلَى الأطْلالِ إنْ لَمْ أقِفْ بها وُقوفَ شَحِيْحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهْ
ثم دعا على نفسه، مستبصرًا في مذهبه، بأن يبلى بلى الأطلال
[ ١ / ١٥٨ ]
الدارسة، ويتغير تغير الرسوم العافية، إن لم يقف بديار أحبته، متتبعًا لها، ومعتنيًا بها، وقوف شحيح ضاع خاتمه في الترب. واعتمد خاتمه؛ لأنه صغير الجرم، مهم الأمر،
فلصغره يخفى موضعه، ولاهتمامه يحب تتبعه. واشترط ضياعه في الترب ليكون تطلبه فيه، وهو موضع آثار الديار، ورسوم الأطلال.
كَئِيْبًَا تَوَقَّاني العَوَاذِلُ في الهَوَى كَمَا يَتَوَقَّى رَيَّضَ الخَيْلِ حَازِمُهْ
ثم يقول: إنه يقف في هذه الأطلال كئيبًا محزونًا، يتوقاه عاذله، ويتخوفه لائمه، كما يتوقى الذي يحزم الفرس الريض صولته، ويحذر نفرته.
قِفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهْجَتي بِثَانيةٍ وَالمُتْلِفُ الشَّيَء غَارِمُهْ
ثم خاطب محبوبته، فاستوقفها ليطلب لحظته الأولى لها، بمهجته التي أتلفتها؛ لأن المتلف غارم. واشترط اللحظة الأولى، يشير بذلك إلى تناهي
[ ١ / ١٥٩ ]
حسن محبوبته؛ لأن من أتلف في أول لحظة فهو من الحسن في أرفع مرتبة.
سَقَاكِ وَحَيانا بِكِ الله إنَّما عَلَى الْعِيسِ نَوْرُ والخُدُودُ كَمائِمُهْ
ثم دعا لمحبوبته بالسقيا، رعاية لها، وتمنى قربها، شغفًا بها، ثم مائل شيئين بشيئين أحسن مماثله؛ مثل الخدور المشتملة على أحببته بالأكمام المشتملة على النور، ومثل حسن أحببته بحسن النور، فماثل بين ساترين مستطرفين، ومستورين مستحسنين.
وما حَاجَةُ الأظْعَان حَوْلَكِ في الدُّجَى إلى قَمَرٍ ما واجدُ لَكِ عَادِمُهْ
ثم ذكر أن الأظعان حول محبوبته لا تحتاج إلى الاستنارة بقمر؛ لأنها تستغني بضيائها، وتستنير بحسنها، ولا يعدم القمر من وجدها.
إذا ظَفِرتْ مِنْكِ العُيُونُ بِنَظْرَةٍ أَثابَ بها مُعْي المَطِيِّ وَرَازِمُهْ
ثم قال: إن العيون إذا ظفرت بلحظة من محبوبته أوجبت من النشاط، وبعثت من الفرج، ما يثوب معه إلى المعي نشطته، وإلى الضعيف قوته.
حَبيبُ كأنَّ الحُسْنَ كان يُحِبُّهُ فَآثَرَهُ أوْ جَارَ في الحُسْنِ قاسِمُهْ
ثم وصف حبيبته بوفور الحظ من الحسن، حتى كأن الحسن أحبه، فخصه بجملته
وآثره في قسمته.
[ ١ / ١٦٠ ]
تَحُولُ رِمَاحُ الخَطَّ دُونَ سِبَائِهِ وَيُسْبَى لهُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ كَرائِمُهْ
ثم قال: إن محبوبته من قوم أعزة، لا يطرح عدو في أن يسبي فيهم، ولا تعتصم كرائم غيرهم منهم، وإنها تأمن السبي، ويسبى لها كرائم الأحياء.
وَيُضْحَى غُبارُ الخْيلِ أدْنَى سُتُورِهِ وآخِرُهَا نَشْرُ الكِبَاءِ المُلازِمُهْ
ثم ذكر: أن أدنى ستورها ممن أرادها غُبار خيول قومها، وأقربها منها دخان بخورها، فوصفها بأشد المنعة، وذكر أنها في غاية النعمة.
وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْني فِرَاقًَا رأيْتُهُ ولا عَلَّمَتْني غَيْرَ ما القَلْبُ عَالُمِه
ثم قال: إنه لم يستغرب ما طرقه به الدهر من فراق أحبته، لما تصرف فيه من حوادث الأيام وفجائعها، وإنما علم ما علم، وطرق بما عهد.
فلا يَتَّهِمْني الكَاشِحُونَ فَإنني رَعَيْتُ الرَّدَى حَتَّى حَلَتْ لي عَلاقِمُهْ
ثم قال: فلا يتهم الكاشحون قوله، ولا يستنكروا أمره، فقد تقلب في صروف الدهر وشدائده حتى استحلى مرة، واستسهل صعبه.
[ ١ / ١٦١ ]
مُشِبُّ الذي يَبْكي الشَّبَابَ مُشِيْبُه فَكَيْفَ توَقَّيهِ وَبانْيهِ هَادِمُهْ
ثم ذكر تقلب الدهر بأهله، وتصريفه لهم بطبعه، وأنه الذي سر بالشباب وأبكى بالمشيب، فكيف توقيه! وإنما يهدم ما بناه، ويأخذ ما أعطاه.
وَتَكْملةُ العَيْشِ الصِّبَا وَعقِيْبُهُ وغَائِبُ لَوْنِ العَارضَيْنِ وَقَادِمُهْ
ثم قال: إن العمر إنما تكملته بالصبا والكبر، والشباب والشيب، وإنها تتعاقب وتتداول؛ فالصبا أول، والكبر آخر، وسواد الشعر غائب، والشيب قادم.
وما خَضَبُ النَّاسُ البَياضَ لأنهُ قَبِيْحُ ولكنْ أحْسَنُ الشَّعْرِ فَاحِمْهْ
ثم قال: إن الشيب لم يخضب لقبحه، ولا استحسن سواد الشعر لنفسه، ولكن الشيب ذل على انقضاء العمر فاستكره، وأطمع فاحم الشعر في العيش فاستحسن.
وأحْسَنُ مِنْ ماءِ الشَّبِيْبةَ كُلِّهِ حَيَا بارٍقٍ في فازَةٍ أنا شائِمُهْ
الحيا: الغيث الذي تحي به الأرض، والبارق: السحاب الملمع، والشائم الذي يرقب موضع الغيث، والفازة القبة.
[ ١ / ١٦٢ ]
وكان سيف الدولة قد اصطنع فازة ديباج فوصفها أبو الطيب في هذا الشعر، وتسبب، فقال: إن أحسن من ماء الشبيبة الذي اجتمع الناس على الكلف بوقته، والأسف لفقده، جود يشبه الغيث بكثرته، لملك يخلف السحاب بكرمه، نشيمه: أي: نرقبه من قبة، وننتجعه من فازة وأشار بذلك إلى كرم سيف الدولة الممدوح، وجعله حيًا على الاستعارة.
عَلَيْها رِياضُ لم تَحُكْهَا سَحَابةُ وأغْصَانُ دَوْحِ لم تَغَنَّ حَمَائِمُهْ
ثم وصف الفازة، فشبه أثوابها بقطع الرياض، إلا أن أمثلة زهراتها لم تحكه أيدي السحاب، وأغصان شجرها مخالفة لأغصان سائر الشجر؛ لأنها لا تتغنى حمائمها، ولا تتجاوب طيورها. فأومى بهذا الاشتراط إلى أنها صور ممثلة، وصناعات مؤلفة، وهذا من البديع يعرف بالإيماء والإشارة.
[ ١ / ١٦٣ ]
وَفَوْقَ خَواشي كُلِّ ثَوْبٍ مُوَجَّهِ مِن الدُّرِّ سِمْطُ لم يُثَقّبْهُ نَاظِمُهْ
السمط: السلك المغلق المنظوم، والموجه: المستقبل.
ثم ذكر: أن كل ثوب يستقبل من هذه الفازة فوق حواشيه سموط لآلئ تجتمع غير مثقوبة، وتتآلف غير منظومة، يومئ بهذا الاشتراط إلى أنها لآلئ أمثلة لا لآلئ حقيقة.
تَرَى حَيِوانَ البَّرَّ مُصْطَلحًَا بها يُحَاربُ ضِدُّ ضِدَّهُ ويُسَالُمهْ
ثم ذكر ما تشتمل عليه أثواب هذه الفازة من التصاوير، وأن الأضداد من حيوان البر تبدو فيها إذا سكنت مصطحبة متسالمة، وإذا اضطربت مختلفة متواثبة.
إذَا ضَرَبَتْهُ الرَّيحُ مَاجَ كأنَّه تَجُولُ مَذَاكِيهِ وَتَدْ أي ضَراغِمُه
المذاكي: الخيل المسنة، وتدأي: تتهيأ للوثوب، والضراغم: الأسد.
[ ١ / ١٦٤ ]
ثم يقول: إذا حركت الريح شيئًا من هذه الأثواب، أراك المذاكي من خيله في هيئة المتجاولة، والضراغم من أسده في هيئة المتصاولة.
وفي صُورةِ الرّوميِّ ذي التَّاجِ ذِلَّةُ لأبْلَجَ لا تيجَانَ إلاَّ عَمَائِمُهْ
الأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وهو من صفات السادة.
فيقول: إن في أمثلة ذلك الديباج صورة سيف الدولة، وصورة ملك الروم وقد تخاضع له، وتذلل على عادته، وأن ملك الروم، وإن كان متوجًا فإن التيجان في الحقيقة العمائم التي هي زي سيف الدولة، وأن أرفع الزي زي من تكون له الغلبة، وتعرف فيه القدرة.
تُقَبِّلُ أفْواهُ المُلُوكِ بِساطَهُ وَيكْبُرُ عَنْها كُمُّهُ وَبَراجِمُهْ
البراجم: رؤوس السلاميات من ظاهرة الكف، إذا قبض القابض يده نشزت وارتفعت، واحدتها برجمة.
ثم أخذ في مدحه، ووصف حاله، فقال: إن الملوك يتواضعون عن تقبيل
[ ١ / ١٦٥ ]
يده وكمه، ويقتصرون على تقبيل بساطه، إعظامًا لقدره، واعترافًا بفضله.
قِيامًا لمن يَشْفي مِنَ الدَّاءِ كَيُّهُ ومِنْ بَيْن أذْني كُلِّ قَرْمٍ مواسِمُهْ
ثم ذكر أن الملوك يقومون بين يديه إعظامًا له، وأن أدبه يبصرهم من جهلهم، ويشفيهم من دائهم، وأن ملكه لقرومهم وذوي الأقدار منهم، يقوم مقام السمة بين آذانهم، والوشم في الأعناق والأيدي غاية استدلال المالك لمن ملكه، وقد فعل ذلك الحجاج بقوم من عجم السواد؛ ولذلك قال الفرزدق في بعض من طعن على نسبه من العرب:
لو كانَ حيًَّا لَهُ الحَجَّاجُ ما وُجِدَتْ كَفَّاهُ سَالِمةً من نَقْشِ حَجَّاجِ
قَبَائِعُها تَحتَ المَرَافِقِ هَيْبَةَ وأنْفَذَ مِمَّا في الجُفون عَزَائِمُهْ
القبائع: رؤوس السيوف، واحدتها قبيعة.
ثم ذكر أن الملوك لإعظامها له، تعتمد بين يديه على قبائع سيوفها، وعزائمه أنفذ مما في جفونها.
[ ١ / ١٦٦ ]
لَهُ عَسْكرا خَيْلٍ وطَيْرٍ إذا رَمَى بَها عَسْكَرًا لم تَبقَ إلاَّ جَمَاجِمُهْ
ثم ذكر أن الطير تصحب خيله اعتيادًا لكثرة وقائعها، على نحو قول النابغة.
إذا ما غَزَوا بالجيشِ حلق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب
فكأنها لملازمتها عسكره من عديد جيشه وحشمه، فإذا رمى عسكرًا بخيله وطيره أهله، ولم يبق منه غير جماجم أهله.
أجِلَّتُها من كُلَّ طَاغٍ ثَياُبُه وَمْوطُئَها مِنْ كُلَّ بَاغٍ مَلاَ غُمهُ
ثم ذكر قدرته على أعاديه، واستعلاءه على مخالفيه، فقال: إن جلال خيله من ثياب طغاتهم، وماطئها ملاغم أفولههم، مشيرًا بذلك إلى قتلهم، والملاغم: ما حول الفم، وليس تتم الصفة التي ذكر إلا بعد الإمعان في قتلهم، وإهلاكه لهم، وبلوغ الغاية في الظهور عليهم.
[ ١ / ١٦٧ ]
فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مِمَّا تُغِيُره وَمَلَّ سَوادُ الليلِ مِمَّا تُزَاحِمُهْ
ثم ذكر: أنه لا يزال يغير في الصبح، ويسري في الليل، ويطاعن بالرماح حتى تتكسر صدورها، ويلاطم بالسيوف حتى يملها.
ومَلَّ القَنَا مِمَّا تَدُقُّ صُدُور ومَلَّ حَدِيدُ الهْنِدِ مِمَّا تُلاَطُمهْ
سَحَابٌ مِنَ العِقْبَانِ تَزحَفُ تَحْتَهَا سَحَاب إذا اسْتَقَتْ سَقَْتَها صَوَارِمُهْ
ثم وصف جيوشه وكثرتها، وصحبة الطير لها وملازمتها، فشبه العقبان لكثرتها بسحائب مستعلية، تحتها سحاب من جيوشه، إذا استسقت سقتها سيوفه من ماء أعدائه، وألحمت طيوره أجسادهم وحذف من هذا في لفظه ما دل عليه بإشارته.
سَلَكْتُ الدَّهْرِ حَتَّى لَقِيْتُهُ عَلَى ظَهْرِ عَزْمِ مُؤْيدَاتٍ قَوَائمُهُ
المؤيدات: المثقلات.
ثم ذكر نفسه: أنه سلك صروف الدهر بتقلبه فيهان حتى لقي سيف
[ ١ / ١٦٨ ]
الدولة ممتطيًا لعزم قد أثقل وفوره قوائمه. وجرى هذا على سبيل. الاستعارة.
مَهَالِكَ لم تَصْحْب بَهَا الذَّئبَ نَفْسُهُ ولا حَمَلتْ فيِهَا الغُرابَ قَوادُِمهْ
ثم وصف ما تقلب فيه من خطوب الدهر، قبل لقائه سيف الدولة، التي لا تصحب الذئب فيها نفسه مع جراته عليها، ولا تحمل الغراب فيها قوادمه مع اعتياده لها.
والقوادم: صدور ريش جناح الطائر، أربع في كل جناح.
فَأَبْصَرْتُ بَدْرًا لا يَرَى البَدْرُ مِثْلَهُ وخَاَطْبُت بَحْرًا لا يَرَى العْبَر عَائِمْ
عبر النهر: شطه.
ثم ذكر: أنه من سيف الدولة؛ ممدوحه، بدر كرم، ومولى نعم، يستعظم البدر أمره، ويقصر دونه، ولا يعهد مثله، وخاطب بحرًا لا يبصر العائم شطه، ولا يدرك الناظر ساحله.
غَضِبْتُ لَهُ لَمَّا رَأيتُ صِفاتِهِ بِلاَ وَاصفٍ والشَّعر تَهْدي طَمَاطُمة
[ ١ / ١٦٩ ]
الطماطم: أصوات لا يستبين لفظها.
ذكر: أنه غضب له من جلالة أوصافه، وتقصير وصافه، وشبه ما كان يمدح من الشعر قبله بالطماطم، التي هي أصوات لا تفهم، واختلاطات لا تعلم، فوجه إلى قصده عزمه، وأعمل في امتداحه نفسه.
وكُنْتُ إذَا يَمَّمْتُ أرْضًَا بَعِيدة سَرَيْتُ فَكُنْتُ السِّرَّ واللَّيْلُ كَاتِمُهْ
يقول: إنه لنفاذ عزمه، وشدة جلده، إذا قصد أرضًا بعيدة إدرع الليل، والليل، واستتر به، وواصل السرى فيه، وكان موضعه من اشتمال الليل عليه، والخفاء فيه، موضع السر من حامله، والضمير المصون من كاتمه.
لَقَدْ سَلَّ سَيَّفَ الدَّوْلةِ المْجْدُ مُعْلِمًا فَلاَ المَجْدُ مُخْفِيهِ ولا الضَّرْبُ ثَالُمِهْ
ثم أخذ في المدح، فقال: إن المجد قد أعلم سيف الدولة، مباهيًا بجلالته، وواثقًا بصرامته، فلا المجد يخفيه لتزيينه بموضعه، ولا الضرب يتلثمه لحسبه وكرمه.
عَلَى عاتِقِ المُلْكِ الأغَرِّ نِجَادُهُ وفي يَد جَبَّارِ السَّماواتِ قائِمُهْ
[ ١ / ١٧٠ ]
ثم أخذ له صفات من اسمه، أبان بها جلالة قدوه، فقال: إنه من الملك في أرفع مواضعه، ومن تأيد الله ﷿ في المحل الذي تمضيه فيه يده، وإذا كان كذلك، اكتنفه نصرهن وساعدته أقداره.
تُجارِبُهُ الأعْدَاءُ وَهْيَ عِبَادُهُ وَتَدَّخِرُ الأمْوَالَ وَهْيَ غَنَائِمُهْ
ثم قال: الأعداد تحاربه وهي عباده، والعباد: جمع عبد على قياسه. لأن قدرته عليهم قدرة المالك على عبده، وتدخر الأموال وهي غنائم له؛ لأنها غير ممتنعة عليه.
وَيَستْكْبِرُون الدَّهْرُ والدَّهْرَ دُونه وَيَستْعظمون الموتَ والموتُ خَادُمِهُ
ثم قال: فمالهم يستكبرون الدهر، الدهر دونه؛ لأنه مستعمل بحسي إرادته، تقرب له فيه السعادة بغيته، ويسهل عليه الإقبال رغبته، وكذلك يستعظمون الموت، الموت يخدمه؛ لأنه يفني أعداءه، ويبتر أعمارهم، ويقلل عددهم، وييسر الله ذلك له، وينتقم من أعدائه به.
[ ١ / ١٧١ ]
وإن الذي سَمَّى عَلِيًَّا لَمُنْصِفُ وإنَّ الذي سَمَّاهُ سَيْفًا لَظَالِمُهْ
ولما ذكر أن الدهر طوعه، والموت معينه، قضى بالظلم على من سماه سيفًا؛ لتقصر السيف عنه، وبالإنصاف على من سماه عليًا؛ لمشاكلة العلو له، وجعل هذا الاسم، وإن كان عليًا علمًا مخصوصًا، صفة مشتقة له، تشاكل حاله، وتوافق حقيقته.
وما كُلُّ سَيْفِ يَقْطَعُ الهامَ حَدُّهُ وتَقْطَعُ لَزْبَاتِ الزَّمَانِ مَكَارِمُهْ
ثم أكد ذلك بقوله: أنه لا يوجد سيف غيره يقطع الهام حده، ويوجب الخصب
فضله، وتقطع لزبات الزمان مكارمه، وهي الشدائد، فبين أن فضله على السيف فضل ظاهر، وشرفه عليه شرف بين، وأنه يقصر عنه، ويتواضع دونه.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال يمدحه، وقد عزم الرحيل عن إنطاكية:
أيْنَ أزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمَامُ نَخْنُ نَبْتُ الرُّبَا وأنْتَ الغَمَامُ
المزمع: المعتزم، والربا: جمع ربوة، وهي الأكمة.
فيقول: أين أزمعت على الرحيل عنا أيها الملك، ونحن الذين أظهرتهم نعمك، إظهار الغمام لنبت الربا، وهو من آنق النبت، ولذلك ضرب الله تعالى المثل به، فقال تعالى: (ومَثَلُ الذينَ يُنْفِقونَ أمْوَالَهم ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله وتَثْبِيتًا من أنْفُسِهم، كَمَثلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصَابها وابلُ).
وهو مع ذلك أقرب النبت موضعًا من الغمام، وأشده افتقارًا إليه، لأنه لا يقيم فيه، ويسرع الانسكاب عنه، ولهذا شبه أبو الطيب حاله به.
[ ١ / ١٧٣ ]
نَحْنُ مَنْ ضَايَقَ الزَّمانُ له في كَ وخَانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
ثم ذكر: أن الزمان ضايقه في الاقتراب من سيف الدولة، ولم يسمح له به، وخانته الأيام فيه؛ لاتصال حركاته، وكثرة غزواته.
في سَبيل العُلاّ قِتَالُكَ والسل مُ وَهَذا المُقامُ والإجْذَامُ
السلم: الصلح، وأوله يكسر ويفتح، فمن كسره ذكره، ومن فتحه أنثه، والإجذام: الإسراع.
فيقول: إن قتال سيف الدولة وسلمه، وإقامته ورحلته في طريق المجد وسبيل الكرم، وإنه لا يألف من ذلك إلا ما شرف قدره، وأظهر فضله.
ليْتَ أنا إذا ارتَحَلتْ لَكَ الخَيْلُ وَأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
ثم قال: ليت أني ومن يتصل بي نتحمل من مئونتك ما تتحمله الخيل عند رحلتك، وننوب في صيانتك عن الخيام عند إقامتك، رغبة في الشرف بقربك، والقضاء لحقوق فضلك.
كُلَّ يَوْمٍ لَكَ احتِمَالُ جَديدُ وَمَسيرُ للمَجْدِ فيه مُقامُ
[ ١ / ١٧٤ ]
ثم ذكر: أنه لا ينفك من مرحلة وغزوة، يرفه المجد فيها بتعبه، ويجمه بتمونه،
فيوجب ذلك انفراده به، واجتيازه له، ولقد أبدع بالمطابقة بين المسير والمقام.
وإذَا كانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًَا تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأجْسَامُ
ثم قال: وإذا عظمت النفوس، وارتفعت الهمم، سهل في مرادها الشديد، وقرب البعيد، وتعبت الأجسام، الأجسام، واستكره المقام.
وَكَذا تَطْلُع البُدُورُ عَلَيْنَا وَكَذَا تَقْلَقُ البُحُورُ العِظَامُ
وكذلك البدور إنما تطلع علينا سائرة، وتبدو لأعيننا راحلة، والبحر يمد ويحشر، ويهيج ويضطرب، فبين أن من عظم شأنه، كثر تمونه، ولم يستقر به موضعه، والبدور جمع بدر، وكأنه جعل بدر كل شهر بدرًا على حياله.
ولَنَا عَادَةُ الجَميلِ من الصَّبرِ لَو أنَّا سِوَى نَوَاكَ
ثم يقول: نحن أهل الصبر والحفاظ، والمعتادون لذلك، لو أننا
[ ١ / ١٧٥ ]
نطرق بغير نواك، ونعرض لغير بعدك، ولكن ذلك مما يخذل الصبر فيه محاولة، ولا يسعد عليه طالبه.
كُلُّ عَيشٍ ما لَمْ تُطِبْهُ حِمَامُ كُلَّ شَمْسٍ ما لَمْ تَكُنْهَا ظَلامُ
ثم بين ذلك، بأن ذكر: أن العيش في غير جنبته موت، والحياة إذا لم تطب بقربه حمام، والشمس إذا لم تتأيد بضيائه ظلمته، والنهار إذا لم يستمد ببهجته سدفة، ومن كانت هذه حاله، فالصبر معدوم عند فقده.
أزِلِ الوَحْشَةَ التَّي عِنْدَنا يا مَنْ بِهِ يأنَسُ الخميسُ اللُّهَامُ
الخميس: الجيش، واللهام: الذي يلتهم الأرض بكثرته، والالتهام: الابتلاع.
فيقول: أزل بقدومك علينا الوحشة التي أوجبتها رحيلك عنا، يا من بموضعه يأنس الجيش الكثير، والذي يعتد الجيش بشجاعته أكثر من اعتداده بجماعته. وأبدع بالمطابقة بين الأنس والوحشة.
والذي يَشْهَدُ الوغى سَاكِنَ القلْبِ كأنَّ القِتَالَ فِيها ذِمَامُ
ثم قال: والذي يشهد الحرب، رابط الجأش، ثابت النفس، غير
[ ١ / ١٧٦ ]
حافل بشدتها، ولا مشتغل بمخوف عاقبتها، حتى كأن قتاله فيها ذمام يقضيه، وفرض يؤديه.
والَّذي يَضْرِبُ الكَتَائبَ حَتَّى تَتَلاقَى الفِهَاقُ والأقدَامُ
الفهاق: جمع فهقة، وهو العلم الذي يكون على اللهاة.
ثم ذكر: أن السيف الدولة يضرب كتائب أعدائه، حتى تطأ الأقدام فهاق فرسانها، فتتلاقى حينئذ. وأشار بذلك إلى قتلهم، وسقوط رؤوسهم عن أجسادهم.
وإذَا حَلَّ سَاعَةً بِمَكانٍ فَأذَاهُ عَلَى الزَّمانِ حَرَامُ
يريد: أن سيف الدولة إذا حل ببلد أقل إحلال، أجاره على الدهر، وكشف عنه صروفه، وحرم عليه أذاه، وأمن ببركته، وجانبه المكروه بسعادته.
والذي تُنْبِتُ البِلادُ سُرُورُ والَّذي تُمْطِرُ السَّحَابُ مُدَامُ
[ ١ / ١٧٧ ]
ثم قال: فكأن السرور نبات ذلك البلد لكثرته فيه، وكأن المدام سحابه؛ لظهور فرح أهله به.
كُلَّما قِيلَ قَدْ تَنَاهَى أَرَانَا كَرَمًا ما اهْتَدت إليه الكِرامُ
يريد: أنه يبلغ في الكرم ما لا ترتقب الزيادة فيه، ويفعل منه كل ما تنتهي المعرفة إليه، فإذا قيل هذا غاية الكرم، أبدع فيه ما لا عهد لأحد بمثله، ولا يبلغه كريم بجهده.
وَكِفَاحًا تَكِعُّ عنهُ الأعَادي وارْتيَاحًا يَحَارُ فيه الأنامُ
ثم قال: وكذلك يظهر في الحرب جلادًا تنكص الأعداء منه على أعقابها، وتفر منه على وجوهها، ثم ذكر أنه يرتاح للكرام ارتياحًا، تحار العقول فيه، وتعجز الأنام عنه.
إنَّما هَيْبَةُ المُؤمَّلِ سَيْفِ الدْ دَولَة المُلْكِ في القُلوبِ حُسَامُ
فَكَثيرُ مِنَ الشُّجاعِ التَّوَقِّي وَكَثيرُ من البليغِ السَّلامُ
ثم ذكر: أن في القلوب من هيبته، ما يشبه السيف في نفاذه، ثم قال: فالشجاع مقصر عن مباطشته، وكثير له توقيه، والبليغ منقطع عن مفاتحته، ويستعظم لفه أن يسلم عليه.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقال عند مسيره عنها:
رَوَيْدَكَ أيُّها المَلِكُ الجُليلُ تأيَّ وَعُدَّهُ مِمَّا تُنِيلُ
يقول: تمهل أيها الملك في رحيلك، وترفق في سيرك، واجعل ذلك مما تعتد به في نوالك، عند أهل بلدك، وهباتك للمشتملين بنعمتك.
وَجُودُكَ بالمُقامِ وَلَوْ قَليلًا فَمَا فِيما تجودُ بِهِ قَليلُ
وقال: وجودك في أن يقيم، ولو قليلًا، فيه بقربك، وإن كان لا قليل فيما تنيله، ولا يسير فيما تسمح به.
لأكْبِتَ حَاسِدًَا وأرَي عَدُوًَّا كأنَّما وَداعُكَ والرَّحيلُ
يقول له: ترفق في رحيلك؛ لأكبت بذلك حاسدًا يشبه وداعك، وعدوًا يشله رحيلك، فشبه الحاسد بالوداع، وكلاهما ذو ظاهر ولا حقيقة له، والعدو بالرحيل، وكلاهما معلن بمكروهه، فشبه شيئين بشيئين أصح تشبيه، وهذا أرفع وجوه البديع.
وَيَهْدَأ ذا السّحَابُ فَقَدْ شَكَكْنَا أتَغْلِبُ أمْ حَياهُ لكمْ
[ ١ / ١٧٩ ]
ثم سأله انتظار سكون المطر وهدوئه، إذ قد افضل منه ما لا يشبه جود الممدوح، حتى شككه في من يستحقه من الفريقين؛ تغلب قومه أم خيا السحاب الذي هو يشبهه.
وَكُنْتُ أَعِيبُ عَذْلاَ في سَمَاحٍ فها أَنا في السَّمَاحِ لَهُ عَذُولَ
ذكر: أنه كان يعيب العذل في السماح حتى رأى جود الممدوح، فرأى من إفراصه، ما أوجب عليه أن يأتي في عذله على جوده، ما كان ينهى عنه
وَمَا أَخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍ وَسَيْفُ الدَّوْلةِ اَلْماضِي الصُّقِيل
ثم قال: إنه لم ينهه عن الرحيل في المطر إلا رغبة في الاستكثار منه، لا خوفًا لنبوه عن وحل الطريق وخصوبته، فهو سيف الدولة الماضي حده، الصقيل متنه.
وَكُلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمَنَّى لِسَيْرِكَ أَنَّ مَفْرِقَهَا السَّبِيلُ
يريد: أن الطريق تتشرف به، وتأتي على جمع الوجوه له. حتى أن رؤوس السادة
تود أن مفارقها بدل من طرقه، لتزداد شرفًا بسيره فيها، ورفعة باقترابه منها.
[ ١ / ١٨٠ ]
وَمثل العمق مملوء دماء مشت بك في مجاريه الخيول
يقول: ما أخشى نبوك عن هذه الوادي المعترض لك، ولو أنه مليء من دماء وقائعك، فمشت بك خيولك في مجاريه، فكيف أخشى عليك سيله.؟
إذَا اعتادَ الَفتَى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول
ثم قال: إن من اعتاد أن يخوض غمرات المنايا، فأهون ما يعانيه خوض الماء والطين؛ وهما الوحل.
ومن أمر الحصون فما عصته أطاعته الحزونة والسهول
قال: من أطاعته الحصون الممتنعة فأفتتحها، والقلاع المتصعبة فتملكها، أطاعته لا محالة حزون الطرق وسهولها، وتمكن له قريبها وبعيدها.
[ ١ / ١٨١ ]
أًتَخْفُرُ كُلَّ مَنْ رَمَتِ اللْيالي وَتُنْشِرُ كُلَّ دَفَنَ الخُمُولُ!
قال: أتجير كل من رمته الليالي بصروفها، وقصدته بخصوبها، وتحيي كل من سقط ذكره، ودفنه خموله، فتجير ذلك بحمايتك له، وتحيي هذا بإكرامك إياه.
وَنَدْعُوكَ الُحسَامَ وهَلْ حُسَامٌ يَعِيْشُ بِهَ مِنَ الموتَ القَتِيل!
قال وندعوك سيفًا، والسيف يعدم الحياة، وأنت تعيده، وهو يتلفها، وأنت تهبها، فكيف نسيمك بما فعلك ضد فعله، وقدرك فوق قدره؟.
وَمَا لِلسَّيْفِ إِلا القَطْعَ فِعْلُ وأَنْتَ القَاطِعُ البُرُّ الوَصُولُ
قال: وما للسيف فعل غير قطعه، وأنت تقطع أعاديك، وتصل مؤمليك وتسر قصادك، وتحوط رعيتك فتشركه في أرفع أحواله، وتنفرد دونه بأرفع أحوالك أجل أوصافك.
[ ١ / ١٨٢ ]
وأنت الفارس القوال صبرًا وقد فني التكلم والصهيل
يقول: أنت الفارس الثابت النفس، الرابط الجأش، الداعي إلى الصبر، إذا طاشت
العقول، وخرست الألسن، فلم يقدر الأبطال على الكلام، ولا الخيل على الصهيل.
يَحِيْدُ الرُّمْحُ عَنْكَ وفيهِ قَصْدُ وَيَقْصُرُ أَنْ يَنَالَ وفيهِ طُولُ
ثم قال: إن في هذا المقام تنهبك الأبطال، فتحيد رماحهم عنك مع استقامتها، وتقصر عن أن تنالك مع طولها؛ يريد: أنه لا يتعاطى الفرسان مطاعنته، ولا تمثيل مقاومته.
فلو قَدَرَ السَّنَانْ على لِسَانٍ لَقَالَ لَكَ الَسنَانُ كَمَا أَقُولُ
يقول: فلو أن سنان الرمح ينطق، لصدق ما أصفه من هيبته لك، ولقال بمثل ما أقول من ذلكن لترفيعه بك.
وَلَوْ جَازَ الخُلودُ خَلَدْتَ فَرُدًَا ولَكِنْ لَيْسَ للدُّنْيَا خَليلُ
يقول: ولو أن الدنيا خلدت أحدًا لتزينها بهن وما جمعه الله من الفضائل لكنت أنت ذلك المخلد، لعلو قدرك، وجلاله أمرك، ولكن الدنيا ليس لها خليل تؤاخيه، ولا أحد تبقيه وتصافيه.
[ ١ / ١٨٣ ]
وتوفيت لأن سيف الدولة بما فارقين، وورد خبرها إلى حلب، وأبو الطيب بإنطاكية، فقال هذه القصيدة، وأنشدها سيف الدولة بحلب في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
نُعِدُّ المَشْرَفِيَّةَ والعَوَالي وتَقْتُلُنا المَنُونُ بلا قِتَال
يقول: نعد صوارم السيوف، وعوالي الرماح، لمنازلة الأعداء، ومدافعة الأقران، وتحترمنا المنية دون قتال أو نزال، لا يمكننا حذارها، ولا يتهيأ لنا دفاعها.
وَنَرْتَبطُ السَّوابِقَ مُقْرَبَاتٍ ومَا يُنْجينَ مِنْ خَبَبِ اللَّيالي
قال: ونرتبط عتاق الخيل وسوابقها، ونكرمها باستقراب مرابطها، وهي مع ذلك لا تعصمنا بجهدها واستفراغها من عقوبة الدهر لنا، وخبب لياليه في آثارنا، بل ذلك العفو يغلب جهدها، ويعجز أبعد غايات سعينا.
وَمَنْ لم يَعْشَقِ الدُّنْيَا قَديمًا وَلَكِنْ لا سَبيلَ إلى الوِصالِ
يقول: إن النفوس مجبولة على عشق الدنيا، مع التيقن بسرعة
[ ١ / ١٨٤ ]
زوالها، والتحقق لامتناع وصالها وإن سرورها يعقبه الحزن، وحياتها يقطعها الموت.
نَصِيْبُكَ في حَيَاتِكَ مِنْ حَبيبٍ نَصِيبُكَ في مَنَامِك من خَيَال
يقول: إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته، كنصيبه من وصال خياله في منامه؛ لاتفاق الأمرين في سرعة انقطاعهما، واشتباههما في صحة زوالهما، وإن الحالين كلاهما يعدم، ويحدث عنه ويمتثل، فما ظنك بحق يشبه الباطل، ويقظة يشاكلها النوم.!
رَماني الدَّهْرُ بالأرزاءِ حتَّى فُؤادي في غِشاءٍ من نِبالِ
ثم ذكر: أن الدهر قصده بفجائعه، ورماه بمصائبه، واعتمده بسهامه، وأثبت فيه نصاله، حتى صار منها في غشاء يشمله، ووعاء يعمه.
فِصرْتُ إذَا أصَابتْني سِهامَ تَكَّسَرتِ النَّصالُ على النِّصَالِ
قال: فهو إذا أصابه الدهر بخطب من خطوبه، وصرف من صروفه،
[ ١ / ١٨٥ ]
فإن ذلك
إنما يوافق مثله، ويفرع شكله، وكنى بنصال السهام عن اجتداد الخطوب، وقال: إن بعضها يكسر بعضًا في فؤاده، لتزاحمها فيه، وتكاثرها عليه.
وَهَانَ فَمَا أبَالي بالرَّزَايا لأني ما انتفَعْتُ بأن أُبالي
قال: وهان، يريد: رمي الدهر له برزاياه، فحذف الرمي لدلالة قوله (رماني الدهر) عليه، وأضمر ثقة بما قدمه من التفسير؛ لأنه لما قدم وصف حاله، ورمي الدهر له، قال (وهان)، يريد: وهان ذلك، وإضمار ما يقدم ذكره حسن في الكلام، ثم ذكر أنه لا يبالي بما طرقه من الرزايا لتتابعها، فهو لا يجزع لها، لتيقنه أن الجزع غير نافع فيها.
وهَذَا أوَّلُ النَّاعِيْنَ طُرًَّا لأوَّلِ مَيْتَةٍ في ذَا الجَلالِ
كَأنَّ الموتَ لم يَفْجَعْ بِنَفْسٍ وَلَمْ يَخْطُرْ لِمَخْلُوقٍ بِبِالِ
ثم قال: إن الناعي لأم سيف الدولة أول من نعى ميتة في شرفها، ومفقودة في مثل منزلتها، وإم المصيبة بها أنست المصائب، وبعثت من الحزن ما أفقد جميل الصبر، وأوجب أشد الجزع، حتى كأن الموت قبلها لم يفجع بنفس، ولا خطر ببال.
[ ١ / ١٨٦ ]
صَلاةُ الله خَالِقنَا حَنُوطُ على الوَجْهِ المُكَفَّنِ بالجَمَالِ
ثم قال: رحمة الله ومغفرته حنوط هذه الميتة التي غيبها الجمال كما غيبها الكفن، وسترها كما سترها القبر.
عَلَى المَدْفُونِ قَبْلَ التُّرْبِ صَوْنًا وَقَبْلَ اللَّحْدِ في كَرَمِ الخِلاَلِ
ثم قال: على التي كانت قبل أن تدفن في الترب دفينة في ستر الصيانة، وقبل أن تشتمل في اللحد مشتملة بالكرم والديانة، وأن شخصها وإن أبلاه الترب، وغيره الموت، فذكر كرمه جديد، وأثر فضله ظاهر، وشاهد إحسانه بين.
فإنَّ لَهُ بِبَطْنِ الأرْضِ شَخْصًا جَديدًا ذِكْرُنَاهُ وَهو بَالي
وقال: (ذكرناه)، فوضع الضمير المتصل موضع الضمير المتصل، وقد ذكر سيبويه أن ذلك جائز في الشعر، وأنشد عليه:
همُ القائلون الخيرَ والآمِرُونَهُ إذا ما خَشُوا من مُحْدَثِ الأمْرِ مُعْظَمَا
فوضع الهاء في قوله (والآمرونه) موضع المنفصل، كما وضعها المتنبي في قوله (ذكرناه).
[ ١ / ١٨٧ ]
أطَابَ النَّفْسَ أنكِ مُتِّ مَوْتًَا تَمنَّتْهُ البَوَاقي والخَوَالي
يقول: عزى عن عظيم مصابك أن الموت طرقك ولا بد منه، على سبيل من الرفعة، وحال من السلطان والنعمة، يتمنى الموت في مثلها كل من كان قبلك، ومن يتلوك بعدك.
وَزُلْتِ وَلَمْ تَرَيْ يَوْمًا كَرِيهًا يُسَرُّ الروحُ فيه بالزَّوَالِ
رِوَاقُ العِزِّ فَوْقَكِ مُسْبَطُّر وَمُلْكُ عليَّ ابْنِكِ في كَمَالِ
ثم إنك لن تري في حياتك يومًا تكرهينه، ولا شيئًا تسائين به، وعوفيت من خطوب الدهر التي يتمنى لها الموت، فزلت ورواق العز ممدود عليك، وابنك كامل ملكه، جليل قدره.
سَقَى مَثْوَاكِ غَادٍ في الغَوَادي نَظِيرُ نَوَالِ كَفَّكِ في النَّوَالِ
ثم قال: سقى قبرك غيث وابل، يكون موقعه في السحاب، موقع نوال كفك في العطاء، وأشار بذلك إلى أن إعطاءها غاية ما يطلبه المتمني في الكثيرة.
[ ١ / ١٨٨ ]
لِساحِيهِ على الأجْدَاثِ حَفْشُ كأيْدي الخَيْلِ أبْصَرَتِ المَخَالي
ثم وصف ذلك الغيث الذي دعا لها به، فقال: لساحيه، وهو وابله وغزيرة، على الأجداث، وهي القبور، وقع يشبه بشدته وقع أيدي الخيل على الأرض، إذا بحثت بها عند نظرها إلى العلف.
أُسَائِلُ عَنْكَ بَعْدَكِ كُلَّ مَجْدٍ وَمَا عَهْدي بِمَجْدٍ مِنْكِ خَالي
يَمُرُّ بِقَبْرِكِ العافي فَيَبْكي ويَشْغُلُهُ البكاءُ عن السُّؤَالِ
ثم قال: إن المجد كان مقصورًا عليها في حياتها، فصار (معدولًا) عنها بعد مماتها، وإن العافي، وهو السائل، إذا مر بقبرها، وتذكر ما كان يشمله منها، وما يناله من فضلها، أذهله الحزن عن الطلب، وشغله البكاء عن السؤال.
وما أهدَاكِ للجدْوَى علَيْهِ لَوْ أنَّك تَقْدِرينَ على فِعَالِ
يقول: وما كان أعلمك بطريق الإفضال عليه، لو أن الموت أمهلك، والأفعال تتمكن لك.
بِعَيْشِكِ هَلْ سَلَوتِ فإنَّ قَلْبي وإن جَانَبْتُ رَبْعَكِ غَيْرُ سالي
[ ١ / ١٨٩ ]
يقول: بعيشك هل سلوت عن الحياة، فإني غير سال عن الحزن عليك، أذكرك وإن كنت بعيدًا عن موضعك، وأندبك وإن كنت منتزحًا عن أرضك.
نَزَلْتِ عَلَى الكَرَاهيةِ في مَكَانٍ بَعُدْتُ عَنِ النَّعامَى والشَّمَالِ
ثم قال: نزلت مكرهة في منزل بعدت فيه عن الرياح مع شدة هبوبها، وقصرت أن تدركك مع سيرها، فدل على أنها في بطن الأرض، وأشار أبدع إشارة إلى اللحد.
تُحَجَّبُ عَنْكِ رائِحَةُ الخُزَامَى وتُمْنَعُ مِنْكِ أنْدَاءُ الطَّلالِ
ثم أكد ذلك بأن قال: تحجب عنك رياح الرياض العبقة، وتمنع منك أنداء طلالها المونقة، وأشار بالخزامى والأنداء إلى الرياض أحسن إشارة، ودل على القبر أبين دلالة، واعتمد الطلال من بين سائر الأمطار؛ لأنها أسمحها في الروض، وقطرها برقته يثبت على طاقات النور، ويرسخ بلينه في الأرض.
بِدَارٍ كُلُّ سَاكِنِها غَرِيْبُ طَويلُ الهَجْرِ مُنْبَتُّ الحِبَالِ
[ ١ / ١٩٠ ]
ثم أكد بيان ما أبهمه، فقال: بدار من القبر ساكنها غريب، وقاطنها فقير، من حل فيها امتنع وصالة، ومن صار إليها انبتت حباله.
حَصَانُ مِثْلُ مَاءِ المُزْنِ فيهِ كَتُومُ السِّرِّ صَادِقَةُ المَقَالِ
ثم قال: إن أم سيف الدولة في شرف نسبها، وعلو منصبها، وطهارة نفسها، وصيانتها في قومها، كماء المزن، قد تناهت صيانتها كتناهي صيانته فيه، وارتفع موضعها كارتفاع موضعه، وطاب عنصرها كطيب عنصره، وهي مع ذلك كاتمة لسرها، صادقة في قولها.
يُعَلَّلُها نِطاسِيُّ الشَّكَايا وواحِدُها نِطَاسِيُّ المعَالي
إذا وَصَفُوا له دَاءً بِثَغْرٍ سَقَاهُ أسِنَّةَ الأسَلِ الطَّوالِ
أخبر: أنها تعللت بطبيب عالجها، وقد ولدت طيب المكارم، وواحدي الفضائل، وأنه إذا وصفت له علة بثغر شفت من دائها أسنته، وأمنت مخافتها سيوفه، ولكن المنية لا تدفع بقدرة، ولا يعتصم منها بمنعة.
وَلَيْسَتْ كالإنَاثِ ولا اللَّوَاتي تُعَدُّ لَهَا القُبُورُ من الحِجَالِ
ولا مَنْ في جَنازَتِها تِجاَرُ يَكُونُ وَدَاعُها نَفْضَ النِّعَالِ
[ ١ / ١٩١ ]
يقول: ليست كالإناث اللواتي تنقص بالجبلة، ويتمنى موتهن للسترة؛ لأنها عاشت ظاهرة الإحسان، وماتت مرتفعة المكان، وولدت ملكها تشرف الملوك بخدمته، ويتصرفون على حسب إرادته، فهم كانوا أهل جنازتها، لا التجار الذين يمتطون إلى المشاهد أقدامهم، وينفضون عند انصرافهم نعالهم.
مَشَى الأمَرَاءُ حَوْلَيْها حُفَاةً كأنَّ المَرْوَ من زِفَّ الرِّئالِ
حوليها: بمعنى حولها، تقول العرب: حولك وحوليك وحوالك وحواليك، كل ذلك بمعنى واحد، والمرو: حجارة بيض براقة تكون فيها النار والزف: صغير الريش، والرأل: ولد النعامة، وجمعه رئال.
فيقول: إن الأمراء مشوا في هذه الجنازة حفاة متحزنين، قد ملكتهم الهيبة، وأفرطت عليهم الجلالة، حتى صاروا يطئون المرو ولا يتألمون به كما لا يتألم
زف الرئال من وطأه.
وَأبْرَزَتِ الخُدُورُ مُخَبَّآتٍ يَضَعْنَ النِّفْسَ أمْكِنَةَ الغَوالي
النقس: المداد.
[ ١ / ١٩٢ ]
وأبرزت الخدور من نوادي هذه الميتة وحشمها، مخبآت غذتهن النعمة، وأنشأتهن الرفاهية، فهن يضعن النفس من وجوههن موضع الغالية.
أتَتْهُنَّ المُصِيْبَةُ غَافِلاتٍ فَدَمْعُ الحُزْنِ في دَمْعِ الدَّلاَلِ
الدلال: الدالة.
يقول: أتتهن المصيبة على حين غفلة، ولم يكن من المصائب على عادة، فهن يظهرن الدلال مع الحزن، ويبدين الوله مع الحسن.
وَلو كانَ النَّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا لَفُصِّلَتِ النَّسَاءُ عَلَى الرِّجالِ
يقول: لو كمل النساء كمال هذه الفقودة، واحتزن ما احتازته من الفضل، لبان فضل النساء على الرجال، فرب تأنيث يقصر التذكير عنه، ولا يبلغ مبلغه، ولا ينال موضعه.
وَمَا التَّأنِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبُ ولا التَّذْكيرُ فَخْرُ لِلْهلاَلِ
ثم بين ذلك بأن الشمس مؤنثة، والفضل لها، والقمر مذكر، وليس يعدل بها.
وأفْجَعُ مَنْ فَقَدْنَا مَنْ وَجَدْنَا قُبَيْلَ الفَقْدِ مَفْقُودَ المِثالِ
ثم قال: إن أعظم المفقودين فجيعة، وأجلهم مصيبة، من فقد
[ ١ / ١٩٣ ]
مثاله قبل فقده، وعدم نظيره قبل موته، وهذه المفقودة كذلك؛ إنها لم يماثلها أحد في فضائلها مدة حياتها، فعظمت الفجعة بها عند تمامها.
يُدَفِّنُ بَعْضُنَا وَيَمْشي أواخِرُنَا عَلَى هَامِ الأوَلي
الأوالي: بمعنى الأوائل، إلا أنه قلب، والعرب تفعل ذلك.
فيقول: إن الإنسان مجبول على السلوة، مطبوع على الإعراض عن الرزية،
فالحي يدفن ساليًا، والآخر يطأ قبر الأول ناسيًا، والمصير واحد، والاغترار زائد.
وَكَمْ عَيْنٍ مُقْبلةِ النَّواحي كَحِيلٍ بالجَنَادل والرَّمَالِ
ثم قال: وكم من ذي نعمة نقل عنها إلى لحده، وذي رفاهية أخرج منها إلى قبره، وذي عين محبوبة مزينة عوضت بالبلى من زينها، وبالتراب من كحلها.
وَمُغْضٍ كانَ لا يُغْضِي لخَطْبٍ وَبَالٍ كَانَ يُفْكِرُ في الهُزَالِ
الهزال: سوء الحال.
[ ١ / ١٩٤ ]
ثم قال: ورب من كان لا يغضي للخطوب لرفعة قدره، قد ثنى الموت طرفه، وغير جسمه، ورب من كان يحذر الضر، ويتوقع الفقر، قد عاجله الموت فأبلاه قبل ما كان يحذره، وإخترمه قبل الذي كان يتوقعه. والإغضاء: تقريب ما بين الجُفُونِ.
أسَيْفَ الدَّوْلَةِ اسْتَنْجِد بِصَبْرٍ وَكَيْفَ بِمِثْل صَبْرِكَ لِلْجَبالِ
الاستنجاد: الاستعانة.
فيقول لسيف الدولة: استعن بالصبر، وأنت أهله، وأثبت من الجبال فيه.
وأنْتَ تُعَلِّمُ النَّاسَ التَّعَزيَّ وَخَوْضَ الموتِ في الحَرْبِ السِّجالِ
الحَرْبُ السجال: التي تتداول فيها الغلبة، وذلك أدعى إلى شدتها. ثم قال: وأنت أهل العزاء؛ لأن العزاء منك يتعلم، والجدير بالصبر؛ لأن الصبر إليك ينسب، وبك يقتدي في الإقدام على الموت، والنفاذ في غمرات الحرب، والاستقلال بشدائدها، والقيام بها عند تساجلها.
وَحَالاتُ الزَّمانِ عَلَيْكَ شَتَّى وَحَالُكَ وَاحِدُ في كُلِّ حَالِ
فحالات الزمان تختلف عليك بالسراء والضراء، والشدة والرخاء،
[ ١ / ١٩٥ ]
وحالك لا تختلف في كرم نفسك، ونفاذ عزمك. وما يتكفل الله به من جميل العاقبة لك.
فلا غِيْضَتْ بِحَارُكَ يا جَمْومًَا على الغَرَائِب والدَّخالِ
غيض: الماء: ذهابه، والجموم: البئر الغزيرة، والعلل: الشرب الثاني، والدخال: هاهنا أن تشرب الإبل ثم تثار فتعرض على الماء، وقد يقال بخلاف ذلك، والغرائب من الإبل: المستضيفة إلى إبل أهل الماء من غيرها. فيقول لسيف الدولة: لا أعدم الله العفاة جزيل عطائك، ومتتابع إحسانك، يا بحر كرم يتدفق مع كثرة الواردين له، ويزيد مع ترادف الشارعين فيه، فينال منه الغريب القاصد، كما ينال القريب القاطن، وضرب لذلك مثلًا من السقيا، فشبههة بالمورد الغزير الذي يكثر مع تتابع الشرب فيه، وليس تصير الغرائب من الإبل إلى العلل والدخال إلا عن غزر المورد، وبلوغ إبل الماء إلى غاية الري.
رَأيْتُكَ في الَّذينَ أرَى مُلُوكًا كأنَّكَ مُسْتَقيمُ في مُحَالِ
فإن تَفُقِ الأنَامَ وأنتَ منهُمْ فإن المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغزَالِ
[ ١ / ١٩٦ ]
ثم قال: إن بيان فضله على الملوك، كبيان فضل الاستقامة على المحال، والحق على الباطل، فإن فاق الأنام وهو منهم، وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم، فالمسك من دم الغزلان في أصله، وسائر دماء الحيوان يقصر عنه، ولا يشبه بشيء منه، ورب واحد قد بذ أمه، وبعض قد فات جملة.
[ ١ / ١٩٧ ]
ونجم خارجي يعرف بابن هرة الرماد في كلب ببرية حمص، فأغار على أطراف حمص، وصاحب حربها أبو وائل، تغلب بن داود بن حمدان من قبل سيف الدولة، وكان قد خرج من ذلك اليوم كالمنتزه وحده، فأسره الخارجي، وطالبة بمال، وخيل كانت له سوابق، فوعده بها، واتصل الخبر بسيف الدولة، فسار في جيشه، فما أراح حتى أوقع به، وجعل العرب على مقدمته، فوقعت بابن هرة الرماد فهزمها، إلى أن بلغ إلى سيف الدولة، وكان سيف الدولة في ألفين من غلمانه ووجوه رجاله، فحمل عليه فقتله وجميع أصحابه، واستنقذ أبا وائل، فقال أبو الطيب - أنشدها في شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
إلامَ طَمَاعِيَةُ العَاذِلِ وَلاَ رَأيَ في الحُبِّ لِلْعَاقِلِ
إلام: هي إلى التي للخفض، دخلت على ما التي للاستفهام، فبنيت
[ ١ / ١٩٨ ]
معها بناء كلمة واحدة، وسقطت الألف من ما استخفافًا، واعتدادًا بالي في الكلمة الموصولة بها، وكذلك يفعلون بما التي للاستفهام إذا اتصل بها سائر حروف الجر، ولا يفعلون ذلك بما في الخبر، وأخرجهم إلى ذلك كثرة الاستعمال، لما في الاستفهام، والطماعية: مصدر بمعنى الطمع، كالعلانية والكراهية.
فيقول: إلى أي شيء يصرف العاذل طمعه من سلوان المحب، وما يرجوه من ذلك ممتنع، والمقصد بينه وبين المحب مختلف؛ لأن المحب مغلوب على أمره، والمتعقب العاقل مختار لنفسه، ولا رأي له في الحب الذي يوجع قلبه، ويشغل نفسه.
يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانُكُمْ وتَأبى الطِّبَاعُ على النَّاقِلَ
الطباع والطبيعة: بمعنى واحد، وهما الخليقة.
ثم أكد ذلك بقوله، مخاطبًا لأحبته: يريد العاذل من القلب نسيانكم،
[ ١ / ١٩٩ ]
وقد جرى حبكم منه مجرى الطبيعة، وحل فيه محل الخليقة، والطبيعة لا تنقاد لناقلها، ولا تتأتى لمخالفها.
وإنِّي لأعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ نُحُولي وكُلُ امْرئ ناحِلِ
أخبرنا باستبصاره في عشق وأنه لتأكد نيته في ذلك، يعشق نحول جسمه، ويأنس باتصال سقمه، ويعشق كل ناحل، لمشاكلته إياه في حاله.
وَلَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَنْ أبْكِكُمْ بَكَيْتُ على حُبِّي الزَّائِلِ
ثم قال: ولو زلتم ولم أبك على نأيكم، وأظهر الأسف لفقدكم، لبكيت لفقد حبكم، وأسفت لعدم عشقكم، اغتباطًا بذلك فيكم، واستعذابًا لما ألقاه بكم. واستفتاحه بقوله: (ولو زلتم)، وتقفيته بعد ذلك بالزائل، باب من أبواب البديع يعرف بالتصدير.
أيُنْكِر خَدِّي دُمُوعي وَقَدْ جَرَتْ مِنْهُ في مَسْلَكٍ سَائلِ
[ ١ / ٢٠٠ ]
يقول، مؤكدًا لما قدمه من استئناسه بوجوده، واستسهاله لحاله: أينكر خدي ما أسيل عليه من الدمع، وهو يسكن من ذلك إلى حال قد عرفها، وعادة قد ألفها، وتجري منه في طريق مسلوك، وسبيل معمور؟ والمسلك السائل: الذي يكثر المرور فيه.
أأوَّلُ دَمْعٍ جَرَى فَوْقَهُ وأوَّلُ حُزْنٍ عَلى رَاحِلِ
ثم أكد، فقال: أهذا الدمع أول دمع أذريته؟ وهذا الحزن أول حزن شكوته؟ هذا الذي لا أعرف غيره، ولا أود فقده.
وَهَبْتُ السُّلُوَّ لِمَنْ لامَني وَبِتُّ مِنَ الشَّوْقِ في شَاغِلِ
يقول، مستبصرًا في حبه، ومعرضًا عن المتكلف للومه: وهبت للائم لي السلو الذي يدعوني إليه، والجلد الذي يخضني عليه، وبت من الشوق فيما يشغلني عن لومه، ويزهدني في عذله.
كأنَّ الجُفُونَ على مُقْلتي ثِيابُ شُقِقْنَ علَى ثَاكِلِ
ثم شبه قلة التقاء جفونه على مقلته، واشتغاله بما يذريه من عبرته، بثياب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة، وشبه مقلته في حزنها
[ ١ / ٢٠١ ]
بتلك الثاكل في وجدها،
وتبعيد السهر لما بين جفونه بتشقيق الثاكل لثياب حدادها. وهذا مما شبه به شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو من أرفع وجوه البديع.
وَلَوْ كُنْتُ في غَيْرِ أَسْرِ الهَوَى ضَمِنْتُ ضَمَانَ أبي وَائِلِ
ثم خرج إلى وصف أمر أبي وائل احسن خروج، فقال: ولو كنت أسير غير الحب، ومغلوبًا في غير سبيل العشق، لاحتلت بحيلة أبي وائل في الاستتار، وضمنت لآسري ضمانه من الفكاك، وسلكت في الاحتيال عليه سبيله.
فَدَى نَفْسَه بِضَمَان النُّضَارِ وأعْطَى صُدُورَ القَنَا الذَّبِلِ
النضار: الذهب.
فيقول: إن أبا وائل ضمن لآسره اعتدادًا من الذهب يقتدي بها، وأعطى عن ذلك صدور الرماح، يشير بذلك إلى جيش سيف الدولة الذي استنقذه.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وَمَنَّاهُمُ الخَيْلَ مَجْنُوبَةً فَجِئْنَ بكُلَّ فَتًى باسِلِ
ثم قال: ومناهم أن يقود إليهم الخيل التي اشترطوا عليه في فدائه. فجاءتهم تحمل إليهم كل فتى باسل.
والباسل: الشجاع.
كَأَنَّ خَلاصَ أَبي وَائِلٍ مُعَاوَدَةُ القَمَرِ الآفلِ
ثم شبه خلاص أبي وائل من إساره، بخروج القمر من سراره، ومعاودته، وما كان عليه من السيادة، بمعاودة القمر الآفل لضيائه، ومراجعته لبهائه.
دعَا فَسَمِعْتَ وَكَمْ سَاكتٍ على البُعْدِ عِنْدَك كالقَائِل
ثم قال؛ مخاطبًا لسيف الدولة: دعا فسمعت دعوته على بعد محله، وأصرختها على انتزاح مستقره، ورب ساكت عنك لبعده كالمخاطب لك؛ لما يوجبه كرمك من اهتمامك بشأنه، واعتنائك بأمره.
فَلَبَّيْتَهُ بِكَ في جَحْفَلٍ لهُ ضَامنٍ وَيِه كَافلِ
[ ١ / ٢٠٣ ]
ثم قال: فلبيته إذ دعاك بنفسك في جحفل، ضامن لفك أسره، كافل بتعجل نصره.
خَرَجْنَ مِن النَّفْعِ في عَارِضٍ وَمِنْ عَرَقِ الرَّكْضِ في وَابِلِ
النفع: الغبار، والعارض: السحاب، والوابل: المطر الكثير.
فيقول: إن خيل سيف الدولة خرجت من العجاج، فيما يشبه السحاب، وعليها من العرق الذي أوجبه الركض، فيما يشله غزير المطر، وأشار بهذا إلى شدة الطلب.
فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِيْنَ السَّياطَ بِمثْل صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ
الصفا: الحجر الأملس.
ثم قال: فلما نشق عرق هذه الخيل على ما التبس به من الغبار، لقيت سياط الفرسان من جلودها، بمثل الحجر الأملس، الذي يكون في البلد الممحل، وهو البعيد العهد بالمطر، وذلك أبلغ في يبسه وجفوفه، وهذه الزيادة التي تطلب بها الغاية، وقد كان يتم الكلام دونها، باب من أبواب البديع يعرف بالتتميم.
شَفَنَّ لِخَمْسٍ إلى مَنْ طَلَبْ نَ قَبْلَ الشُّفُونِ إلى نَازلِ
[ ١ / ٢٠٤ ]
الشفون: النظر.
فيقول: إن خيل سيف الدولة أدركت بغيتها، قبل أن ينزل فرسانها عن ظهورها، وأنها نظرت بعد خمس ليال من ركضها إلى من ركضها إلى أن طلبته، قبل نظرها فيها إلى نزول من حملته. وأشار بذلك إلى فرسان هذه الخيل، لم يفتروا في الركض، حتى أوقعوا بالقوم الذين أسروا عليهم.
فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَى على ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِل
البرى: التراب
ثم قال: إن هذه الخيل التي جهدت في الطلب، وتدنست جلودها بما تصبب عنها من العرق، وما التبس بذلك من غبار الرهج، قاربت مرافقهن التراب بإثارتها له، لا بدعتها فيه، وقد تيقنت أن دم من توقع به يغسلها، وخوضها فيه بعد الظفر
يطهرها.
وَما بَيْنَ كَاذَتي المُسْتَغيرِ كما بَيْنَ كادتي البائلِ
[ ١ / ٢٠٥ ]
الكاذة: لحم مؤخر الفخذ.
ثم ذكر: أن هذه الخيل ركضت المدة التي ذكرها، وبلغت من الظفر إلى الغاية التي وصفها، وهي كالمتفحجة لكرمها ونشاطها، لم تحتك كاذتاها. ولا تدانت عراقيبها. وهذا يحدث على الخيل الهجن عند الركض الشديد، بل كان ما بين كاذتي المغير منها كالذي بين كاذتي البائل، لم تستحل عن خلقها، ولا اضطربت في شيء من أمرها.
فَلُقَّينَ كلَّ رُدْينيَّةٍ وَمَصْبوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
الردينية: الرماح تنسي إلى ردينة؛ اسم امرأة كانت تبيع الرماح في الجاهلية، والشائل: الناقة التي ابتدأ حملها فحف لذلك لبنها، والمصبوح من الخيل: الذي يسقى اللبن صباحًا لكرامته على صاحبه.
فيقول: إن خيل سيف الدولة بعد جهدها في الطلب، وإغراقها في الركض، لقيت مع الخارجي أشداء الأعراب، الذين يطاعنون بالرماح، وتعدو بهم كرائم الخيل التي تؤثر باللبن عند قلته، ويكون صبوحها مع شدة الحاجة إليه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وَجَيْشَ إمَامٍ عَلَى نَاقَةٍ صَحيحِ الإمَامَةِ في البَاطِلِ
ولقيت جيشًا إمامه على ناقة، قد تيقن استهلاك أصحابه دونه، وامتثل أن الغلبة له، فأعرض لذلك عن ركوب الخيل، ووصفه بحالة من كذبه في دعواه واشتهاره بباطله.
فأقْبَلن يَنْحَزْنَ قُدَّامَهُ نَوافِرَ كالنَّحْلِ والعاسِلِ
ثم قال: إن خيل سيف الدولة تهيبت الخارجي في أول لقائه، وانصرفت إلى سيف الدولة منحازة بين يدي الخارجي، كانحياز النحل بين يدي عاسلها، وافتراقها إذا
أحست بسائرها.
فَلَّما بَدَوْتَ لأصْحَابهِ رَأتْ أسْدُها آكِلَ الآكلِ
يقول: لسيف الدولة: فلما بدوت لأصحاب الخارجي بعد انحياز أصحابك بين يديه، رأت أسد خيله منك أسد الأسود، وآكل الآكل، الذي يغلب الغالب، ويستهضم القادر.
بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍ له فِيهُمُ قِسْمَةُ العَادِلِ
وبدونت لهم بضرب عم جماعتهم، وشمل جملتهم، أبلغ فيهم إبلاغ الجائر، وأفرط إفراط المسرف، وسوى بينهم فيما نالهم منه تسوية العادل،
[ ١ / ٢٠٧ ]
وشمل جميعهم شمول المنصف، وطابق بين الجور والعدل.
وَطَعْنٍ يَجْمَعُ شَذَّا نُهُمْ كما اجْتَمعَتْ دِرَّةُ الحافِلِ
الشَّذان: القوم المتفرقون، وشذان الحصى: ما أفترق منه، والحافل من الشياه: التي قد اجتمع في لبنها في ضرعها.
ثم قال: وبدوت لهم جمع شذانهم بشدته. وحصرهم لمخافته، كما يجمع الضرع الحافل درته، ويحصر لبنه.
إِذا ما نَظَرْتَ إلى فَارِسٍ تَحيَّرَ عَنْ مَذْهَبِ الرَّاحلِ
يقول لسيف الدولة: إن أصحاب الخارجي لما رأوك، تداخلهم من هيبتك، وأدركهم من مخافتك، ما صار فارسهم معه يعجز عما يبلغه الراجل، وقويهم يقصر عما يفعله الضعيف.
فَظَلَّ يُخَضَب منها اللَّحى فَتًى لا يُعِيدُ على النَّاصِل
ثم قال: فخضب لحاهم بدمائهم منك فتى، لا يقصد بخضابه قصد التزيين، وإنما يقصد به. قصد الإهلاك، فليس يحفل إذا أتلف النفس بما أخطئه خضابه من الشعر. ونصول الشعر: خروجه خروجهُ من الخضاب.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ولا يَسْتَغِيثُ إلى ناصِرٍ ولا يَتَضَعْضَعُ مِنْ خَاذِلِ
ثم قال: إنه لا يستغيث إلى ناصر ينصره، لاستغنائه بنفسهن ولا يتضعضع لخاذل يخذله، لما يسند إليه من بأسه.
ولا يَزَعُ الطّرْفُ مُقْدَمٍ ولا يَرْجِعُ الطَّرْفَ عن هَائِلِ
الوزع: الكف، والطرف: الفرس الكريم.
فيقول: إن سيف الدولة لا يكف فرسه عن مقدم لشجاعته، ولا يغض طرفه عن هائل لجرأته.
إذَا طَلَبَ التَّبْلَ لم يَشْأَهُ وإن كانَ دْينًا عَلَىَ مَاطِلِ
التبل: الترة، هائل الشأو: السبق.
ثم قال: إذا طلب ثارًا يفته، وإن كان متعذرًا أمره، ممتنعًا موضعه، وضرب قوله: (وأن كان دنيا على ماطل) مثلا في ذلك.
خُذُوا ما أَتَاكُمْ بِهِ واعْذِرُوا فَإنَّ الغَنِيمَة في العَاجِلِ
ثم قال: هازئًا بهم: خذوا ما أتاكم به من هذه الوقعة متجوزين، وتصبروا لذلك عاذرين، فغن الغنيمة فيما استعجل، والغبطة فيما اقتضى.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وهذا على طريق الهزء بهم، والتوبيخ بالوقعة التي عجلها سيف الدولة لهم.
وإنَّ كَانَ أَعجَبَكُمْ عَامُكُمْ فَعُودوا إلى حِمْصَ في القَابِلِ
يقول، على نحو ما تقدم من هزئه بهم: وإن كنتم مستلقين بما نالكم في هذا العام من سيف الدولة، فعودا إلى عمله في حمص في العام القابل، فإنه يعود بمثل ما أوقعه بكم.
فإنَّ الحُسَامَ الخضِيبَ الَّذي قُتِلتُمْ بِهِ في يِدِ القَاتِلِ
ثم قال: فإن السيف الخصيب بدمائكم، المسلمون لقتلكم، في يد الذي قتل جماعتكم، وأذل عزاكم، وأذهب نخوتكم.
يَجُودُ بِمثْلِ الذي رُمتُمُ فَلَمْ تُدْركُوه على السَّائِلِ
ثم قال: إنه يجود على سائله بمثل الذي رمتموه فأعجزكم، ويسمح لقاصده بمثل الذي حاولتموه فأهلككم، ولو سألتموه لعمكم فضله، ولو قصدتموه لشملكم عفوه.
[ ١ / ٢١٠ ]
أَمَامَ الكَتِيْبَةِ تزْهى بِهِ مَكَان السَّنَانِ من العامِلِ
الزهو: الكبر، والعامل: صدر الرمح.
فيقول: إن سيف الدولة لإقدامه، وجزاء نفسه في صدور خيله، وأوائل كتائبه، تتيه فرسانه به، وتزهى بموضعه، وإنه منها بمكان السنان من صدر الرمح، والسنان الذي له الفعل، وبه يكون الطعن، وسائر الرمح أداة تعضده، وآلة تؤيده.
وإني لأعْجَبُ مِنْ آملٍ قِتالًا بِكُمٍّ على بَازِلِ
البازل من الإبل: الذي قد ظهر نابه.
ثم رجع إلى الخارجي، فقال: وإني لأعجب بمن يؤمل قتالًا بكمه، دون أن يصل شيئًا من السلاح بنفسه، ويقتحم الحرب على جمل دون أن يقتحمها على فرس.
أقَالَ لَهُ اللهُ لا تَلْقَهُمْ لماضٍ عَلَى فَرَسٍ حَائِلِ
الحائل من الخيل: التي لم تحمل.
الله أمره بأن لا يأخذ للحرب آلتها، ولا يتأهب فيها بأهبتها، وأن
[ ١ / ٢١١ ]
لا يلقى محاربة بسيف ماض صارم، على فرس كريم حائل؟ واشترط الحيال؛ لأنه أمكن للجري.
إذا ما ضَرَبْتَ به هَامَة بَرَاها وغَنَّاك في الكَاهلِ
الكاهل: أعلى الظهر.
ثم قال: إذا ضرب بذلك السيف هامة براها بحدته، ونفذ فيها بصرامته، وبلغ إلى الكاهل فصوت فيه، وتخطى الهامة بقربها إليه.
وَلَيْسَ بأولِ ذي هِمَّةٍ دَعَتْهُ لَمِا لَيْسَ بالنَّائِلِ
يقول: إن هذا الخارجي ليس فيما حاوله من معارضة الدولة، بأول من هم بما
يمتنع عليه، ورام ما لا يجد سبيلًا إليه.
يُشَمِّرِ لِلُّجِّ عّنْ سَاقِهِ وَيَغْمُرهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
يقول: إنه فيما يتعاطاه من مقاومة جملة جيوشه، وعجزه عن أقلها، وما رامة من التعرض لشدة عزائمه، وهلاكه بأيسرها، كمن يريد أن
[ ١ / ٢١٢ ]
يخوض لجة البحر، ويضعف عن الوقوف في شطه، ويريد اقتحام معظمه، والموج يغمره في ساحله، فيتعرض للصعب الكبير، يعجز عن السهل الحقير.
أما لِلخَلافَةِ من مُشْفِقٍ على سَيْفِ دَرْلَتِها الفَاضَل
يَقُدُّ عِدَاها بلا ضارِبٍ وَيَسْرِي إليهْم بِلاَ حَامِلَ
يقول: أما للحلافة من ضنين بسيف دولتها، ومشفق على حائط جملتها، الذي قد بان فضله، وارتضي سعيه، فهو يقد أعداءها دون ضارب بنهضة، يسري إليهم دون حامل ينقله، فإذا افتقر السيف إلى من يضرب به، كان هو منفردًا فعله، وإذا التجأ إلى من يحمله، كان هو مكتفيًا بنفسه.
تَرَكْتَ جَمَاجِمَهُمْ في النَّقَا وَمَا يَتَحَصَّلْنَ للنَّاخِلِ
النقا: الكثيب من الرمل.
[ ١ / ٢١٣ ]
فيقول: تركت جماجم أصحاب الخارجي في النقا، وقد فترقت أجسادهم، بعد أن أوقعت بها من الضرب ما هشمها، ودقق أجزاءها، حتى التبست بالرمل، ولم تتحصل لناخلها، ولا انفصلت لمتأملها.
وأَنَبَتَّ مِنْهُم رَبِيعَ السَّبَاعِ فَأَثْنَتْ بإِحسَاِنكَ الشَّامِلِ
ثم قال: وأنبت من أجسادهم ربيع السباع، فأحصبت في لحومها، إخصاب السائمة في بيعها، فأَثنت بما عنها من فضلك، وشملها من إحسانك، وأجرى أكثر لفظ هذا البيت على الاستعارة.
وعُدْتَ إلى حَلبٍ ظاهرًا كَعَوْدِ الحُلِيَّ إلى العَاطلِ
ثم قال: وعدت إلى حلب مستقرك ظافرًا مستعليًا، فحليت بعد العطل بعودتك، وأنست بعد الوحشة بأوبتك.
وَمِثْلُ الذي دُسْتَهُ حَافِيًا يُؤَثّرُ في قَدَمِ النَاعل
دست الشيء: إذا وطئته
فيقول: ومثل الذي أدركته بعقوك، وتناولته بأيسر سعيك، يعجز عنه غيرك، وإن أجهد فيه نفسه، ويقصر عنه، أخذ له أهبته، وكنى بالحافي عن المسترسل، وبالناعل عن المتاهب، وحمل الكلام على الاستعارة.
[ ١ / ٢١٤ ]
وكمَ لَكَ مِنْ خَبَرٍ شَائِعٍ لَهُ شِيَةُ الأبلَق الجائلِ
الشية: العلامَة
ثم قال: وكم لك من خير شائع ذكره، ومن فعل جليل قدره، قد شهره كريم أثرك، كما تشهر الأبلق الجائل شيته، وتبينه، علامته.
وَيَوْمٍ شَرَابُ بَنيهِ الرَّدَى بَغيضِ الحُضُورِ إلى الواغِلِ
الواغل: الداجل على القوم في طعام أو شراب دون أن يدعوه.
ثم قال: وكم لك من يوم أقمت فيه سوق الحرب، وتنازع بنوه شراب الردى، وتعاطوا كؤوس الموت، فأبغض حضوره الواغل فيه، وتكره شدته الصالي به، وجرى هذا الكلام على مثل ما تقدم من الاستعارة، وهي من أبواب البديع.
تَفكُّ العُنَاةَ وتُغْني العُفَاةَ وَتَغْفِرُ للمُذْنِبِ الجَاهلِ
العناة: الأسرى، والعفاة: السؤال.
فيقول: تفك الأسرى ببأسك، وتغني السؤال بكرمك، وتغفر للجاهلين بحلمك.
[ ١ / ٢١٥ ]
فَهُنَأكَ النَّضرَ مُعْطيكه وأرضَاهُ سَعْيُكَ في الأجلِ
ثم قال: فهناك الله ما منحك من نصره، وزادك فيما آتاك من فضله، ووصل ما وهب من ذلك في العاجل، بما يرضيه من سعيك في الآجل.
فّذِي الدَّارُ أخْوَنُ من مُومِس وأخْدَعُ من كَفَّهِ الحَابِلِ
وقوله: (فذي الدار أخون من مومس)، ذي حرف يشار به إلى المؤنث، كما يشار بذا إلى المذكر، والدار التي أشار إليها الدنيا، والمومس: المرأة الفاجرة، والحابل: الصائد، وكفته: حبالته. فيقول: هذه الدنيا أخون من الفاجرة التي تحلف من وثق بها، وأخدع من الحبالة التي تصرع من اطمأن إليها.
تَفَانَي الرَّجَالُ على حُبَّها وَمَا يَحْصُلونَ على طَائِلِ
ثم قال: إن الرجال قد تفانوا على حبها، ولم يحصلوا على طائل من أمرها، لأنها تأخذ ما تعطيه، وتهدم ما تبنيه، وتمر بعد حلاوتها، وتعوج بعد استقامته، فمن عرفها رفضها، ومن تدبرها هجرها.
[ ١ / ٢١٦ ]
وسار سيف الدولة إلى الموصل لنصرة أخيه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما قصده من بغداد أحمد بن بويه الديلمي، ليغلبه على أرض الموصل، فلما أحسن الديلمي بإقبال سيف الدولة، قارب الحسن بن عبد الله، وأحبابه إلى أن يبعث إلى حضرة السلطان من خراج الموصل بما جرت به عادته ببعثه، وانصرف عنه إلى بغداد دون حرب. فقال أبو الطيب في ذلك، أنشدها في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
أعْلَى الممالِكِ ما يُبْنى على الأسَلِ والطَّعنُ عِنْدَ مُحِّبيهنَّ كالقُبلِ
الممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك في رعيته، والأسل: الرماح، والقبل جمع قبلة.
فيقول: أعلى الممالك رتبة، وأطهرها رفعة، ما بني على الحرب، ودفع عنه بالطعن والضرب، وأشار بالأسل إلى هذه العبارة، وما يكون الطعن عند مالكه، والقتال عند محبه كالقبل المستعذبة، واللذات المغتنمة.
وما تَقِرُّ سيوفُ في مَمالِكِها حَتَّى تَقَلْقَلَ دَهْرًَا قَبْلُ في القُلَلِ
[ ١ / ٢١٧ ]
التقلقل: دوام الحركة، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة، وقلة كل شيء: أعلاه.
ثم قال: وما تقر سيوف في دولها، وتسكن في ممالكها، حتى تطول حركتها في ضرب رؤوس المخالفين، وتشهر آثارها في قمع المعترضين، فحينئذ تنوب رهبتها عن استلالها، وتغني هيبتها عن استعمالها، وأشار بذلك إلى انصراف الديلمي دون حر، تهيبًا لسيف الدولة.
مِثْلُ الأميرِ بَغَى أمْرًا فَقَرَّبَهُ طُولُ الرَّمَاحِ وَأيْدي الخيل والإبلِ
يقول، مصدقًا لما شرطه، ومحققًا لما ذكره: مثل الأمير سيف الدولة بغى حماية الموصل، ودفع الديلمي عنها، فقرب له ذلك طول رماحه في وقائعه، وإسراع خيله وإبله إلى أعاديه.
وَعَزْمَةُ بَعَثَتْها هِمَّةُ زُحَلُ مِنْ تَحْتِها بِمَكانِ التُّرْبِ من زُحَلِ
ثم قال: وعزمة استعملها نافذة، بعثتها منه همة عالية، يتواضع زحل عن علو موضعها، كتواضع الترب عن علو موضعه.
على الفُرَاتِ أعَاصيرُ وفي حَلَبٍ تَوَحُّشُ لِمُلَقَّى النَّصرِ مُقْتَبَلِ
[ ١ / ٢١٨ ]
الفرات: نهر معروف، والأعاصير: الرياح الكثيرة الغبار، واحدها إعصار، والمقتبل: الذي تناهى شبابه، ولا أثر فيه للكبر.
فيقول: إن على الفرات، وهو في حدود أعمال الديلمي، غبرات من العجاج، تثيرها كتائب سيف الدولة، وفي حلب، دار مستقرة من الشام توحش منها لملك، قد عوده الله الظهور على أعاديه، ولقاه النصر في مقاصده، مقتبل في شبيبته، متناه في قوته.
تْتُلُو أَستَّنُهُ الكُتْبَ التي نَفَذَت وَيَجْعَلُ الخيلَ أَبْدالًا من الرُّسل
ثم قال: مشيرا إلى أمر الديلمي: ينذر أعاديه بكتبه، ويعذر إليهم برسله، فإذا قامت حجته عليهم، تلت أسنته كتبه، وعاقبت خيوله رسله، وكان إيقاعه بهم، بدلًا من تحذيره لهم.
يَلْقَى الملوكَ فلاَ يَلْقَى سِوَى جَزَىٍ وما أَعَدُّو فلا يَلْقَى سوى نَقَلِ
النقل: الغنيمة.
فيقول: إن سيف الدولة يلقى الملوك إذا خالفته، فلا يلقى منها
[ ١ / ٢١٩ ]
إلا جزر سيوفه، وما أعدوه من سلاحهم وآلاتهم، فلا يلقى إلا غنائم جيوشه، لما عوده الله من الظهور عليهم، والنكاية فيهم.
صَانَ الخَليفَة بالأبْطَال مُهْجَتَهُ صِيَانَةَ الذَّكَرِ الهِنْديَّ بالخِلَلِ
الخلل: جلود جفون السيوف، واحدتها خلة، والخلة: كل جلد من منقوش.
ثم قال: إن الخليفة لما عليم أنه سيفه الذي يسطو به، صانه بالأبطال الذين أثبتهم في رسمه، والحماة الذين جردهم لحفظه، كما يصان السيف الكريم بالجفون التي
ينتقل فيها، والأغماد التي يحفظ بها، وجعل هذا الوصف إشارة لما شرفه به الخليفة من تلقيه بسيف الدولة.
الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لِشدَّته والقائلُ القولَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ
يقول: إن سيف الدولة يفعل الذي عنه الفاعلون لشدته، وعظم شأنه في حقيقته، ويقول القول الذي عجز القائلون عنه قبله فلم يقدروا على مثله، ولا قصدوا إلى تركه.
والباعِثُ الجيشَ قد غَالَتْ عَجاجَتُهُ ضَوَْء النَّهارِ قَصار الطُّهْرُ كالطَّفَلِ
[ ١ / ٢٢٠ ]
الغول: الإهلاك، والطفل: وقت المساء.
ثم قال: وهو الباعث الجيش الشديد بأسه، الكثير عدده، الذي تذهب عجاجته بضوء النهار، وتطمس إشراق الشمس في وقت الظهر، حتى تصير على مثل حالها في وقت الغروب، وأشار بذلك إلى عظم الجيش.
الجوُّ أضْيَقُ ما لاقاهُ سَاطِعُها وَمُقْلةُ الشَّمْسِ فِيْهِ أحْيَرُ المُقَلِ
الجو: ما بعد من الهواء، والساطع: المنتشر.
فيقول: إن ما بعد من الهواء أضيق بساطع هذا الرهج مما قرب؛ لأن فيما بعد تجتمع جملته، وتتوافى كثرته، وما قرب فإنما يرده الشيء بعد الشيء فيتخلى منه، ولا يجتمع فيه، ومقلة الشمس أحير المقل به؛ لقربها من مستقره، ودنوها من مجتمعه.
يَنالُ أبْعَدَ مِنْهَا وهِيَ نَاظِرَةُ فما تُقَابِلُهُ إلاَّ عَلَى وَجَلِ
ثم قال: إن هذا العجاج بتتابعه، واتصاله وترادفه، يعلو على
[ ١ / ٢٢١ ]
الشمس مع ارتفاع موضعها، إليه، وهي ناظرة إليه، غير مساوية في العلو له، فتقابله وجله من ذهابه بنورها، وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها، وأشار بما وصف من كثرة هذا العجاج إلى كثرة الجيش الذي يثيره، وعظم الجمع الذي يبعثه.
قَدْ عَرْضَ السيفَ دونَ النَّازِلاتِ به وظَاهرَ الحَزْمَ بَيْنَ النَّفس والغِيَلِ
المظاهرة: المعاونة، والغيل: جمع غيلة: وهي قتل الخديعة.
فيقول: قد عرض السيف دون ما ينزل به، وجرده فيما يحدث عليه، واستعان بالحزم في دفع الغيل عن نفسه، وأقامه حاجزًا بينها وبينه.
ووَكَّلَ الظَّنَّ بالأسْرَار فانْكِشَفَتْ لَهُ ضَمائِرُ أهْلِ السَّهْلِ والجَبلِ
ثم قال: إنه وكل صادق ظنه بما يطويه أهل السهل والجبل دونه، فعلم ما أسروه، وانكشف له ما أضمروه، وكذلك الألمعي، وهو الحاذق بالأمور، يصيب بظنه، حتى كأنه مبصر لما غاب عنه، ويعلم بتقديره، حتى كأنه شاهد لما يعد منه.
[ ١ / ٢٢٢ ]
هو الشَّجَاعُ يَعُدُّ البُخْلَ من جُبنٍ هو الجَوادُ يَعُدَّ من بَخَلِ
البخل والبخل: لغتان، والإغذاذ: الإسراع في السير.
فيقول: إن السيف الدولة الشجاع المتناهي في الشجاعة، فالبخل عنده باب من الجبن؛ لأن من سمح بنفسه لم يبخل بكرائم ماله، وهو الجواد المتناهي الجود، والجود بالنفس غاية الجود، ومن جاد بنفسه لم يجبن عن عدوه، ومن كان كذلك، فالجبن عنده باب من البخل، فدل على أن الشجاعة والجود من طريق واحد، وأجمل، ما فسره أبو تمام بقوله:
وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في وغىً وندًى ومُبْدئ غارةٍ ومُعيْدا
يَقْري مُرَجِّيه حَشاشةَ مالهِ وشَبَا الأسِنَّةِ ثُعْرَةً ووَريْدا
أيقَنْتَ أن مِنَ السَّماحِ شَجَاعةً وعَلِمْتَ أنَّ من الشجاعةِ جودا
فبين أبو التمام وفسر، وجمع أبو الطيب واختصر.
يَعُودُ مِنْ كُلِّ فَتْحٍ غَيْرَ مُفْتَخِرٍ وقَدْ أغَذَّ إليهِ غَيْرَ مُحْتَفِلِ
ثم قال: إنه يفتح الفتوح العظيمة فلا يفخر بها، ويسرع إليها ولا يحتفل بها، استقلالًا لعظيم ما يفعله، وارتفاعًا عن تهيب ما يقصده.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ولا يُجيرُ عَلَيْهِ الدَّهْرُ بِغْيَتَهُ ولا تُحَصِّنُ دِرْعُ مُهْجَةَ البَطَلِ
يقول: إن الله ﷿ قد قرن بسيف الدولة من نصره، وأمده من عونه، بما لا يمنعه الدهر معه من بغية، ولا يجير عليه من اعتقد له معصية، ولا تحصن الدرع دونه مهجة البطل إذا خالفه، ولا تعصمه من الهلاك إذا أراده.
إذا خَلَعْتُ على عِرْضٍ لهُ حُلَلًا وَجَدْتُها مِنْهُ في أبْهَى مِنَ الحُلَلِ
ثم قال: إنه إذا خلع عليه حلة من شعره، والبسه ثوبًا من مدحه، وجد تلك الحلة متزينة بفضله، وذلك المدح متشرفًا بقدره، فهو يرفع الشعر فوق رفعته له، وتزين المدح أكثر من تزينه به.
بذي الغَبَاوةِ من إنشادِهَا ضَرَرُ كما تُضِرُّ رياحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ
ثم قال: إن ذا الغباوة، وهو الجاهل، إذا أنشد ما يمدحه به، وأسمع ما ينظمه فيه، بعد على فهمه، وأثر ذلك في نفسه، وانكشف له قدر تقصيره، واستضر بحسن قوله، وبديع شعره، كما يستضر الجعل يرياح الورد التي تؤذيه بطيبها، وتقتله بمضادته لها.
لَقَدْ رَأتْ كلُّ عَينٍ مِنْكَ مالِئَها وَجَرَّبَتْ خيرَ سَيْفٍ خَيْرَةُ الدُّولِ
[ ١ / ٢٢٤ ]
يقال: خير وخير وخيرة، كل ذلك بمعنى واحد، قال الله ﷿: (فِيهِنَّ خَيْراتُ حِسانُ) بمعنى خَيْراتٍ.
فيقول: لقد رأت كل عين من جمالك ما بهرها، ومن جلالتك ما ملأها، وجربت خيرة الدولة، أي: أفضل الدول، منك أفضل السيوف.
فما تُكَشَّفُكَ الأعداءُ عن مَلَلٍ مِنَ الحُرُوبِ ولا الآراءُ عن زَلَلِ
ثم قال: فما كشفت الأعداء منك، بطول ممارستها، مللًا في حربها، ولا أبدت الآراء منك، مع تزاحمها عليك، زللًا في تناولها.
وَكَمْ رِجَالٍ بلا أرْضٍ لِكَثْرَتهم تَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضًا بلا رَجُلِ
يقول: وكم جمع جمعة الأعداء لك، تغيب الأرض مع كثرة رجاله، وتخفى عن الأبصار بتزاحم جموعه، حتى كأنهم رجال دون أرض، أفنيت أعدادهم، وقتلت جمعهم، وتركت موضعهم أرضًا دون رجال.
مَا زَالَ طِرْفُكَ يجري في دِمَائِهمُ حَتَّى مَشَى بِك مَشْيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ
[ ١ / ٢٢٥ ]
الطرف: الفرس الكريم، والثمل: السكر.
ثم قال: ما زال طرفك يطأُ دماءهم، ويقتحم معتركهم، حتى أزلقته الدماء بكثرتها، فمشى مشي الشارب السكران، الذي لا يثبت بنفسه، ولا يطمئن في مشيه.
يا مَنْ يَسيرُ وَحُكْمَ النَّاظريْنِ لَهُ فيما يَرَاهُ وَحُكْمَ القَلْبِ في الجَذَلِ
يقول: يا من يسير، وله حكم ناظريه في ألاّ يريهما الله إلا ما يسره، وحكم نفسه في ألا يعرفها الله إلا ما يجذله، والجذل: الفرح.
إنَّ السَّعَادةَ فِيمَا أنْتَ فَاعِلَهُ وُقِّفْتَ مُرْتَحِلًا أو غَيْرَ مُرْتَحِلِ
ثم قال: إن السعادة فيما يقضي به الله لك، والتوفيق فيما تمضي عليه فعلك، مقيمًا كنت أو ظاعنًا، مستقرًا أو راحلًا، بهذا إلى انصرافه عن الديلمي، وقال إن فعله اله لك من الموادعة التي اختارها محاربك، قد جعل لك فيه السعادة، وقرن لك به الخيرة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
أجْرِ الجِيَادَ عَلَى ما كُنْتَ مُجْريّهَا وَخُذْ بِنَفْسِكَ في أخْلاَقِك الأُوَلِ
يقول: أجر خيلك على ما كنت تجريها عليه، من غزو الروم، وحماية الثغر، فقد كفاك الله ما كنت تحذره على أخيك من الديلمي، وخذ بنفسك من ذلك فيما تقدم من أخلاقك، وشهر من مذاهبك، واعدل عن السلم إلى الحرب، وعن إلى الجهاد.
يَنْظُرنَ من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس بالعسالة الذبل
الأحجة: جمع حجاج، وهو العضم الذي يحيط بالعين، والعسالة: الرماح التي تهتز لطولها، والذبل اليابسة.
ثم وصف حال خيله في السبيل التي ندبه إليها، فقال: ينظرن من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس لها الرمح في حين الطراد، وأشار بذلك إلى ما حضه عليه من غزو الروم.
فلا هَجَمْتَ بِها إلاَّ عَلَى ظَفَرٍ ولا وَصَلْتَ بها إلاَّ إلى أمَلِ
ثم قال، داعيًا له: فلا الله إلا على ظفر يظهرك به على عدوك، ولا أوصلت إلا أمل يقرب لك به مرادك.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأمره سيف الدولة بالمسير معه في هذه السفرة فقال:
سِرْ حلَّ حَيْثُ تَحُلُّهُ النُّوَّارُ وَأرَادَ فيكَ مُرَادَكَ المِقْدارُ
يقول: سر، جعل الله كل محل تحله روضة مونقة، وحديقة ممرعة، وأجرى المقادير بما تريده، أحكامها بما تحبه.
وإذا ارتَّحَلْتَ فَشَيَّعَتْك سَلامَةُ حَيْثُ اتَّجَهْتَ وَدِيمَةُ مِدْرَارُ
الديمة: السحابة، والمدرار: الغزيرة.
ثم قال: وإذا ارتحلت، فصحبك الله بسلامته حيث توجهت، وسقى بلادك كيف تصرفت.
وَصَدَرْتَ أغْنَمَ صادرٍ عن مَوْرِدٍ مَرْفُوعَةً لِقُدُومِكَ الأبْصَارُ
يقول: ورجعك الله أظفر راجع عن مقصده، وأصدرك أغنم صادر عن موروده، عزيزًا نصرك، ممتدة الأبصار نحوك.
وَأرَاكَ دَهْرُكَ ما تُحاوِلُ في العِدَى حَتَّى كأَنَّ صُرُوفَهُ أَنْصَارُ
وأرَاك دهرك في عدوك ما تحاوله من كبته، وتكفل لك فيه بما تتمناه
[ ١ / ٢٢٨ ]
في أمره، حتى كأن صروفه تنصرك، باعتمادها له، وخطوبه تعينك، في اغترائها به.
أنْتَ الذي بَجَحَ الزَّمَانُ بِذْكِره وتَزَيَّنَتْ بِحَديثهِ الأسْمارُ
بجح الرجل بالشيء: إذا كان يهذي به فرحًا، والسمر: حديث القوم بالليل.
فيقول: أنت الذي كلف بذكره، وزهي بموضعه، وتزين السمر بحديثه، وحسن بما تضمنه من خيره.
وإذَا تَنَكَّرَ فالفَنَاءُ عِقَابُهُ وإذا عَفَا فَعَطاؤُهُ الأعْمَارُ
ثم قال: وأنت يقترن الفناء بعقابه إذا غضب، وتستدام الحياة بعفوه إذا رضي، فسخطه هلك، ورضاه نجاة.
وَلَهُ وإنْ وَهَبَ المُلُوكُ مَوَاهِبُ دَرُّ المُلُوكِ لِدَرَّهَا أغْبَارُ
الدر: اللبن الكثير، والغبر: بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار.
فيقول: إن لسيف الدولة، إذا فذوكرت مواهب الملوك، مواهب
[ ١ / ٢٢٩ ]
عظيمة، وعطايا جليلة، كثير مواهب الملوك يقل عندها، وعظيمها يصغر فيها، وضرب الدر مثلا للكثير، والغبر مثلًا للقليل.
لله قلبك ما يخافُ من الرَّدَى وتخاف أنْ يَدْنُو إليك العَارُ
ثم قال: لله قبلك لا تهاب الموت وسطوته، ولا تخاف الردى وشدته، وتخاف دنو العار إليك، وتشفق من وصمته، وتتوقع قبح أحدوثته.
وَتَحيدُ عن طَبَعِ الخلائقِ كُلِّهِ وَيَحسدُ عَنْكَ الجَحْفَلُ الجَرَّارُ
ثم قال: وتحيد عن جميع ما يدنس الخلق ويعيبه، والجحفل الجرار يحيد عنك، وذو البأس الشديد يفرق منك.
يا مَنْ يَعِزُّ الأعِزَّةِ جَارُهُ وَيَذِلُّ في سَطَواتِهِ الجّبَّارُ
[ ١ / ٢٣٠ ]
يقول: يا أيها الملك الذي تتواضع الأعزة لجاره، وتذل الملوك لأمره، وتعترف لجلالة قدره.
كُنْ حَيْثُ شِئْتَ فما تُحُولُ تَنُوفَةُ دُونَ اللَّقَاءِ ولا يَشُطُّ مَزَارُ
البتنوفة: الفلاة، ويشط: يبعد.
ثم قال: كن كيف شئت من الطعن والإقامة، والاستقرار والرحلة، فما يمنعني الفلوات وتجشمها من لقائك، ولا يعوقني بعد المزار، ونأي المقصد عن صحبتك.
وَبِدُونِ مَا أنَا مِنْ وِدَادِكَ مَضْمِرُ يُنْضَى المَطِيُّ ويَقْرُبُ المُسْتَارُ
المستار: موضع المسير.
ثم قال: وبدون ما أضمره من ودك، وأعترف به من فضلك، يهون الشديد، ويستقرب البعيد، وينضى المطي، ويهجر الوطن، ويستسهل السفر، فكيف أمتنع منك أو أتأخر على حال عنك؟
إنَّ الَّذي خَلَّقْتُ خَلْفي ضَائِعُ مَا لي عَلَى قَلقي إليه خِيَارُ
[ ١ / ٢٣١ ]
يقول: إن الذي خلقت ممن يهمني أمره، ويلزمني حفظه، ضائع بمغيبتي، محتل بمفارقتي، وما لي على قلقي إليه خيار أؤثره، ولا مراد اقصده.
وإذا صُحِبْتَ فَكُلُّ مَاءٍ مَشرَبُ لولا العِيالُ وكُلُّ أرضٍ دَارُ
ثم يقول: وإذا صحبتك فكل ماء أنزل به مشرب استعذبه، وكل أرض أسير فيها وطن أتخيره، لولا العيال وضيعتهم، والأهل وخلتهم.
إذْنُ الأميرِ بأنْ أعوُدَ إليهِمُ صِلَةُ تَسِيرُ بشُكْرِهَا الأشْعَارُ
ثم قال: وإن الأمير في أن أعود إليهم، وإسعافه في أن أشرف عليهم، صلة تسير الأشعار بشكرها، وتتقيد بما يضع عندي من فضلها.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقال يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة، وتوفي بميافارقين.
أنشدها في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
بِنَا مِنْكَ فَوْقَ الرَّمْلِ ما بِكَ في الرَّمْلِ وَهَذا الذي يُضْني كذَاكَ الذي يُبْلي
يقول: بنا من السقم بعدك، والأسف لفقدك، وضنى الأجسامِ لمصيبتك، وتغيرها لرزيتك، وإن كنا على ظاهر الأرض، كالذي بك في باطنها، من بلى جسمك، وتغير الترب لحسنك، وهذا الذي يضني أجسامنا كذاك الذي يبلى جسمك.
كأنَّكَ أبْصَرْتَ الَّذي بي فَخِفْتَهُ إذا عِشْتَ فاخْتَرْتَ الحِمَامَ عَلَى الثُّكْلِ
الحمام: الموت، والثكل: فقد الحبيب.
ثم قال: كأنك أبصرت الذي ألقاه من الحزن عليك، وأقاسيه من الوجد بك، وعلمت أن الدنيا مجبولة على فقد الأحبة، وإعدام الأعزة، فآثرت الموت على الثكل، واخترت الحمام على الحزن.
تَرَكْتَ خُدُودَ الغَانِياتِ وَفَوْقَها دُمُوعُ تُذِيبُ الحُسْنَ في الأعْيُنِ النَّجِل
[ ١ / ٢٣٣ ]
يقول: تركت خدود الغانيات من نوادبك، والمنعمات من بواكيك، وفوقها دموع مسفوحة عليك، منهملة لمصابك، كأنها ذوب الحسن في العيون الباكيات بها، وصابته في الجفون المذرية لها.
تُبلُّ الثَّرى سُوْدًا مِنَ المِسْكِ وَحْدَهُ وَقَدْ قَطَرَتْ حُمْرًا على الشَّعَرِ الجَثْلِ
الشعر الجثل: الكثير الملتف، والعين النجلاء: الواسعة الحسنة، والجمع نجل.
ثم قال: يقطر من الجفون والخدود على الأصداغ، وقد حمرها الدم، وتبل الأرض من الأصداغ، وقد سودها المسك. فأشار إلى حال بواكيه في النعيم والرفعة، وما هن ببسيله من حر المصيبة.
فَإنْ تَكُ في قَبْرٍ فإنك في الحَشَى وإنْ تَكْ طِفْلًا فالأسَى لَيْسَ بالطَّفْلِ
يقول: فإن تك في قبر تضمنك، ولحد قد سترك، فإن مثالك في القلب ساكن، ومحلك في الحشا لطيف، وإن تك طفلًا في سنك، وصغيرًا فيما انصرم من
عمرك، فإن الرزء بك ليس بالصغير، والحزن عليك ليس باليسير.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ومِثْلُكَ لا يُبْكَى على قَدْرِ سِنِّهِ ولكِنْ عَلى قَدْرِ المْخِيْلَةِ والأصْل
المخيلة: السحابة التي يتأكد الرجاء في مطرها، وبها سميت الدلالة الصادقة في الشيء مخيلة.
يقول: ومثلك لا يبكى على قدر سنه، وما انصرم من يسير عمره، ولكن على قدر مخيلة نجابته، وما يتيقن من جليل سيادته، وما يعليه من أصيله الكريم، ويسمو به من نسبه الرفيع.
أَلَسْتَ مِنَ القَوْمِ الذي مِنْ رِمَاحِهمْ نَدَاهُمْ وَمِنْ قَتْلاَهُمُ مُهْجَةُ البُخْلِ
يقول: ألست من القوم الذين كرمهم من سلاحهم، ونداهم من رماحهم، ومهجة البخل من قتلاهم، فهم يسطون على الأعداء بما يرتهنونهم به من الفضل، ويتكلمونهم بما يشيعون فيهم من الجود.
بِمَوْلُودِهمْ صُمْتُ اللِّسَانِ كَغَيْرهِ ولَكِنَّ في أعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ
عطف الرجل: جانبه من رأسه إلى وركه.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ومولودهم إذا أصمتنه الحيلة، ومنعته من الكلام الطفولة، نطقت السيادة من أعطافه منطق فصل، وشهدت له مخايل الكرم شهادة عدل.
تُسَلِّيهُمُ عَلْيَاؤُهُمْ عَنْ مُصَابهم وَيَشْغِلُهُمْ كَسْبُ الثَّنَاءِ عن الشُّغُلِ
يقول: يسليهم الكرم عن مصائبهم، ويوجب لهم الصبر في فجائعهم، ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل بغيره، فيحتارون من فضله بحسب اعتنائهم بأمره.
أقَلُّ بِلاَءً بالرَّزَايا مِنَ القَنَا وأقْدَمُ بَيْنَ الجَحْفَلَيْنِ مِنَ النَّبْلِ
البلاء: المبالاة.
فيقول إن رهط سيف الدولة أقل مبالاة بالرزايا من الرماح المتوقعة، وأنقذ بين الجحفلين المتقاتلين من السهام المرسلة،
[ ١ / ٢٣٦ ]
فشبههم لجرأة أنفسهم، وجلدهم على
الرزايا إذا طرقتهم، بالرماح والسهام، التي تصيب ولا تصاب، وتهاب ولا تهاب.
عَزَاَءكَ سَيْفَ الدَّولةِ المُقْتَدَى بِهِ فإنِّكَ نَصْلُ والشّدَائِدُ للنَّصْلِ
ثم قال لسيف الدولة: (عزاءك المقتدى به، فإنك نصل) بمعنى: تعز عزاءك المقتدى به، فأنت الأسوة في صبرك، والأوحد في كرمك فضلك، وأنت سيف، والشدائد للسيف، يكشفها بحدثه، وينفذ فيها بصرامته.
مُقِيمُ من الهَيْجَاءِ في كُلِّ مَنْزِلِ كأنَّكَ مِنْ كُلِّ الصَّوارِمِ في أهْلِ
يقول: أنت مقيم في كل منزل الحرب، تأنس بها، ولا تستوحش لها، حتى كأن صوارمها أهلك، وأسلحتها المتوقعة رهطك، تنصرك ولا تخذلك، وتظفرك ولا تظفر بك.
وَلَمْ أرَ أعْصَى مِنْكَ لِلحُزْنِ عَبْرَةً وأثْبَتَ عَقْلًا والقُلُوبُ بلا عَقْلِ
ثم قال: إن عبرته تتعاصى على الحزن؛ لما هو عليه من الجلد والصبر، وإنه أثبت الناس عقلًا إذا أذهبت الحرب العقول بشدتها، وأذهلتها بمخافتها، يشير بذلك إلى استسهاله لأمرها، واستقلاله بحملها.
[ ١ / ٢٣٧ ]
تَخُونُ المَنَايا عَهْدَهُ في سَلِيلِهِ وَتَنْصُرُهُ بَيْنَ الفَوارِسِ والرَّجْلِ
السليل: الولد.
فيقول معجبًا بأمره، ومنبهًا على جلالة قدره: وإن الموت حتم من الله تعالى على جميع خلقه. تخالفه المنايا فتخترم نفس ابنه، وتخون عهده في سليله وتنصره في حربه، وتطيعه عند مواقعته بعدوه، وفي هذا شاهد على أن الموت لا يدفع بقوة، ولا يمتنع منه برفعة.
وَيَبْقَى عَلَى مَرَّ الحوادِثِ صَبْرُهُ وَيَبْدُو الفِرَنْدُ على الصَّقْلِ
الفرند: وشيء السيف.
ثم قال: إن الحوادث لا تذهب بصيره، ولا تخل بجلده، ولكنها تبقي ذلك وتظهره،
وتبديه وتبينه، كما يبدي فرند السيف صقله، ويظهر بجلائه فضله.
وَمَنْ كَانَ ذَا نَفْسٍ كَنَفْسكَ حُرَّةٍ فَفيهِ لها مُغْنٍ وفيها له مُسْلي
ثم قال: ومن كان ذا نفس حرة كنفسك، وذا طبيعة كريمة كطبيعتك، ففي جلالته ما يغني نفسه عن كل حميم يفقده، وفي كرم نفسه ما يسليه عن كل مهم يطرقه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وما الموتُ إلا سَارِقُ دَقَّ شَخْصُهُ يَصُولُ بِلاَ كَفَّ وَيَسْعَى بلا رِجْلِ
يقول: وما الموت الذي لا يؤمن في حين الغفلة، ولا يدفع بأشد الحيلة، إلا كسارق مختلس، خفي شخصه، شديد أمره، يصول دون كف يظهرها، ويسعى دون رجل ينقلها، وذلك أشد لبطشه، وأسرع لسعيه.
يَرُدُّ أبُو الشَّبْلِ الخميسَ عن ابنِهِ وَيُسْلِمُهُ عِنْدَ الوِلادَةِ للنَّمْلِ
الشبل: ولد الأسد، والخميس: الجيش الكبير.
ثم قال، دالًا على أن حوادث الدهر، لا يمتنع منها بقوة، ولا يدفع محتومها بشدة: يرد الأسد الجيش عن ابنه، ويسلمه لأذى النمل عند ولادته، فيحميه من العظيم الكثير، ويسلمه للحقير اليسير، وضرب في ذلك مثلًا بقيام سيف الدولة بجليل الأمور، وهو مع ذلك لا يدفع الموت عن ابنه، ولا يمتنع منه بنفسه. يريد أنه يعجز عن المخاتلة من لا يعجز عن المبارزة.
بِنَفْسِي وَلِيدُ عَادَ مِنْ بَعْدِ حَمْلِه إلى بَطْنِ أمٍّ لا تُطْرِّقُ بالحَمْلِ
[ ١ / ٢٣٩ ]
التطريق بالحمل: أن يخرج بعض الولد ويبقى بعضه.
فيقول: بنفسي ولد عاد من بعد حمل أمه إلى بطن أم لا تطرق بحملها، ولا تبدي ما استتر من بطنها. فأشار بذلك إلى الأرض، وأنها لا تبدي قبورها من أجنته، ولا تطرق بمن تضمنته.
بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابَةِ بالرِّوَي وَصَدَّ وَفِينَا عُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ
الروي: الماء الكثير، والغلة: العطش.
ثم قال: بدا ذلك الوليد وشواهد الكرم بادية عليه، ومخايله ظاهرة فيه، فوعد من فضله بمثل ما يعد به السحاب من وبله، ثم صد باخترام الموت له، فأبقى بأنفسنا مثل غلة البلد الممحل، إذا منع من السحاب الممطر.
وَقَدْ مَدَّتِ الخَيْلُ العِتَاقُ عُيونَها إلى وَقْتِ تَبْديل الرِّكَابِ مِنَ النَّعْلِ
الخيل العتاق: هي الكرام.
فيقول: وقد مدت الخيل الكرام أعينها إليه، وتنافست عتاقها فيه،
[ ١ / ٢٤٠ ]
وارتقبت أن يصير من السن إلى حال يتعوض فيها بالركاب من النعل، وبركوب الخيل من المشي.
وَرِيْعَ له جَيْشُ العدوَّ وما مَشَى وَجَاشَتْ له الحربُ الضَّروس وما تَغلى
جاشت القدر: إذا غلت وهاجت، فاستعار ذلك في الحرب، والضروس: الشديدة الغص، والروع: الفزع.
ثم قال: وفزع له جيش العدو، وهو في سن من لا يمشي؛ لصغره، وغلت الحرب الشديدة باهتياجها، لاعتدادها بموضعه، قبل أن يباشرها بنفسه، وتستعمل فيها ما يرتقب من سعيه، وجرى الكلام في جاشت على الاستعارة، وإن كان ما وصفه غير مشهور الحقيقة.
أيَفْطِمُهُ التَّوْرابُ قَبْلَ فِطامِهِ وَيَأكُلُهُ قَبْلَ البُلوغِ إلى الأكْاش
الفطام: منع الصبي من الرضاع، والتوراب: لغة في التراب.
فيقول: أيفطمه التراب باشتماله عليه، قبل بلوغه سن الفطام؟
[ ١ / ٢٤١ ]
ويأكل جسمه بإبلائه له قبل بلوغه سن الأكل؟ يشير إلى اخترام الموت له في سن الطفولية.
وَقَبْلَ يَرَى مَنْ جُودِهِ ما رَأيْتَهُ وَيَسْمَعَ فيه ما سَمِعْتَ مِنَ العَذْلِ
ثم قال، مخاطبًا لسيف الدولة: وقبل أن يرى من عموم جوده ما رأيته، ويشهد من
كثرته ما شهدته، ويسمع من العذل فيه كالذي سمعت، ويعرض عنه كما أعرضت. ودل بكثرة العذل عليه، علي قلة إصغائه غليه، وحذف أن من كلامه، وهو يريدها في قوله: (وقبل يسرى). والعرب تفعل ذلك: قال الشاعر وهو طرفه.
(ألا أيُّهذا الزَّاجري أحْضُرَ الوَغَى)
يريد: أن أحضر، فحذف لدلالة الكلام على ما أراد.
وَيَلْقَى كَما تَلْقَى من السَّلْمِ والوَغَى وَيَمْسِي كَمَا تَمْسِي مَلِيكًا بلا مِثْلِ
يقول: ويلقى كالذي تلقاه من عظيم سلطانك، وارتفاع شأنك
[ ١ / ٢٤٢ ]
في السلم وجلالة قدرك، ومشهور ظفرك في الحرب، ويصير في حالك ملكًا لا يماثل ملكه، وسلطانًا لا يعترض أمره.
تُوَلَّيه أوسَاطَ البِلاَدِ رِمَاحُهُ وَتَمْنَعُهُ أطْرَافُهُنَّ من العَزْلِ
ثم قال: توليه رماحه قواعد البلاد، ووسائط الأرض، بتغلبه عليها، وتمنعه أطراف تلك الرماح، برهبة الأعداء لها، من أن يعزل عنها، وطابق بين الولاية والعزل، والأوساط والأطراف، وذلك من البديع.
نُبَكِّي لِموْتَانَا على غَيْرِ رَغْبَةٍ تَفُوتُ من الدُّنيا ولا مَوْهبٍ جَزْلِ
يقول: نبكي على موتانا، ونحزن لهم، ونكثر الأسف لفراقهم، ونحن نتيقن أنهم لا يفوتهم من الدنيا ما يرغب في مثله، ولا يمنعون منها ما يجب أن يتنافس في نيله؛ لأنها بجملتها غرور، وتمنع من بقي فيها بصحبتها يسير.
إذا ما تأمَّلْتَ الزَّمانَ وَصَرْفَهُ تَيَقَّنْتَ أنَّ الموتَ ضَربُ مِن القَتْلِ
[ ١ / ٢٤٣ ]
ثم قال: إذا ما تأملت الزمان وصروفه، وتدبرت الدهر وخطوبة، تيقنت أن ما حتم على الإنسان من الموت، كالذي يتوقعه من القتل؛ لأن الأمرين متساويان في مكروههما، متماثلان فيما يشاهد من عدم الحياة بهما، فما ظنك بشيء يكون آخر
مصيره إلى أكره ما يحذر من أموره، وهذا يوجب الزهد في الدنيا، ويدعو إلى الإعراض عنها، وقلة الأسف عليها.
هَلْ الوَلَدُ المَحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةُ وهل خَلْوةُ الحسناءِ إلا أذَى البَعْلِ
التعلة: الشغل.
فيقول: هل الولد المرغوب فيه إلا شغل لوالده، وفتنة لمنسله، وهل خلوة الحسناء التي تدعو إليه إلا أذى للبعل المتعرض لها؛ لأنه غير مستديم للذتها، ولا حامد للنسل في عاقبتها.
وَقَدْ ذُقْتُ حَلْوَاَء البَنيْنَ على الصِّبَا فلا تَحْسِبنِّي قُلتُ ما قُلتُ عن جَهْلِ
والحلوى: معروفة، واسمها يستعار لكل ما استحلي.
ثم قال: وقد ذقت حلاوة البنين في حين الصبوة، والعدم لحقيقة
[ ١ / ٢٤٤ ]
المعرفة، ثم لحظتهم بعين اليقين، بعد تجربتي لأمرهم، وإحاطتي بعلمهم، فلا تحسبني ذممتهم عن غير معرفة، وزهدت فيهم دون تجربة.
وما تَسَعُ الأزْمَانُ عِلْمِي بأمْرِها ولا تُحْسِنُ الأيَّامُ تَكْتُبُ ما أمْلي
يقول، مؤكدًا لما قدمه من إحاطته بالأمور، وما خض عليه من الزهد في الدنيا، وقلة الأسف على التولد: وما تسع الأزمان ما أعلمه من أمرها، وأتيقنه من شدة تكدرها. يريد أنها تضيق عن علمه وتقصر، وتعجز عن الاشتمال عليه وتتأخر، وأنها لا تحسن أن تكتب من ذلك ما يمله، وتضبط ما يعده.
وما الدَّهْرُ أهلُ أنْ تُؤَمَّلَ عِنْدَه حَيَاةُ وأنْ يُشْتَاقَ فيه إلى نَسْلِ
ثم قال: وما يحسن بالدهر المذموم أمره، الشديد تنكره، أن تؤمل عنده حياة، أو يشتاق فيه إلى نسي؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، ومآل
[ ١ / ٢٤٥ ]
النسل فيه إلى الفقد بعد طول الشغل والنصب، ومعاناة الكد والطلب، وما كان كذلك، فالسرور يسير بوجوده، والحزن غير واجب عند فقده.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وسأله عن صفة فرس ينفذه إليه، فقال ارتجالًا.
مَوْقِعُ الخَيْلِ مِنْ نَدَاك طَفيفُ وَلَوْ أنَّ الجيَادَ مِنْها ألُوفُ
ومن اللَّفْظِ لَفظةُ تَجْمَعُ الوَصف وذاكَ المُطَهَّمُ المَعْرُوفُ
ما لَنا في النَّدَى علَيْكَ اختِيارُ كُلُّ مَا يَمْنَحُ الشَّريفُ شَريفُ
الطفيف: الحقير، والمطهم من الخيل: التام الخلق. فيقول: موقع الخيل حقير في جودك، والألوف منها يسير في بذلك، ثم قال: ومن اللفظ قليل يجمع الكثير من النعت، ولفظة تشتمل على جملة الوصف، في الخيل، المطهم التام خلقه، المعروف المشهور عتقه، ثم قال: وما لنا في نداك اختيار عليك، أنت الشريف، وشريف ما تهبه، والرفيع، ورفيع ما تبذله.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وخيّره بين فرسين: دهماء وكميت، فقال ارتحالًا:
اخْتَرْتُ دَهْمَاَءتَيْنِ يا مَطَرُ وَمَنْ لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
الخيرُ: جمع خيرة، وخيرة الشيء: أرفعه.
فيقول لسيف الدولة: اخترت دهماء هاتين الفرسين، وأسقطها التي للتنبيه، كما تقول في المذكر: اخترت أفضل دين، وأنت تريد هاذين، وشبهه بالمطر في عموم جوده، وتدفق كرمه، فقال له: يا مطر، ويا من له من الفضائل أجلها رتبة، وأبينها رفعة.
وَرُبَّما فَالَتِ العيونُ وَقَدْ يَصْدُقُ فِيها وَيَكْذِبُ النَّظَرُ
قال الشيء: إذا أخطأ.
ثم قال: ربما أخطأت العيون فيما تؤثره، وغلطت فيما تتخيره، فالنظر يصدق ويكذب، ولست أبرئ نفسي من ذلك، فيما تخيرته. واستحسنته.
أنْتَ الذي لو يُعَابُ في مَلاءٍ ما عيبَ إلاَّ بأنَّهُ بَشَرُ
[ ١ / ٢٤٨ ]
يقول أنت الذي لو يعيبه عائب في ملا يحصلون قوله، ويراقبون كذبه وصدقه، ما عيب إلا بأنه بشر يماثل في كرمه وفضله.
وإنَّ إعطاءهُ الصَّوارِمُ وال خَيْلُ وسُمْرُ الرِّماحِ والعَكَرُ
العكر: ثلاث مائة من الإبل، فما زاد على ذلك.
ثم قال: وإن إعطاءه، السلاح التي توجب المنعة، والخيل التي تقرب البغية، والكثرة العظيمة من الإبل التي تضمن الثروة، فعائبه لا يعيبه إلا بيان فضله، وتناهي كرمه. وهذا من البديع باب يعرف بالاستثناء.
فَاضِحُ أعْدائهِ كأنَّهُمُ لَهُ يَقِلُّونَ كُلّما كَثُرُوا
يريد: أنه يفضح أعداءه، بظهور فضله فيهم، واستحكام غلبته عليهم حتى كأنهم كلما كثروا يقلون له؛ لأنه يحتقرهم، ويملكهم ويستذلهم، ويقهرهم.
أعَاذَكَ اللهُ مِنْ سِهَامِهِمُ وَمُخطِئُ مَنْ رَمِيَّهُ القَمَرُ
ثم دعا له، فقال: أعاذك الله مما يرمونك به من كيدهم، ويوجهونه إليك من مكرهم، وإعاذة الله لك مضمونة، وكفايته متيقنة؛ لأنك القمر في بيان فضلك، وعلو قدرك، ومخطئ من رميه القمر؛ لأنه يحاول ما لا يدركه، ويرمي ما لا يبلغه.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأمر سيف الدولة بإنفاذ خلع إليه، فقال:
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّمَاءِ بأرْضِهِ خِلَعُ الأميرِ وَحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
السماء: المطر.
فيقول: فعلت خلع الأمير بنا، فيما ظهر علينا من حسنها وجمالها، فعل المطر بالأرض، فيما يكسوها من الروض، ويظهر فيها من الزهر.
فَكَأنَّ صِحَةَ نَسْجِها مِنْ لَفْظِهِ وَكَأنَّ حُسْنَ نَقَائِها مِنْ عِرْضِهِ
ثم وصف تلك الخلع، فقال: فكأن صحة نسجها تحكي من سيف الدولة صحة لفظه، وكأن حسن رونقها يحكي رونق عرضه.
وإذَا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رَأيَهُ في الجُودِ بانَ مَذِيقُهُ مِنْ مَحْضِهِ
المذيق: المخلوط، والمحض: الخالص.
ثم قال: وإذا وكلت إلى الكريم رأيه في الجود، كشف لك حقيقته، وأبان لك يقينه، وعرفت بما يبديه لك، فضل ما بين المذيق والمحض، وفرق ما بين المشوب والصفو.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقال أيضًا يمدحه:
لا الحُلْمُ جَادَ بِهِ ولاَ بِمِثَالِهِ لَوْلا ادِّكارُ وزِيَالِهِ
الزيال: كالزوال، يقال: زال الشيء زوالًا، وزالت الخيل بركبانها زيالًا، تقلب الواو ياء للكسرة التي قبلها.
فيقول: إن الأحلام لم يكن في قوتها أن تجود بمن أحبه فتقربه، ولا بما يشبهه فتمثله، لولا ما يدعو إلى ذلك من وكيد التذكير لوداعه عند فرقته، وزياله عند رحلته.
إنَّ المُعيدَ لَنَا المَنامُ خَيَالهُ كَانَتْ إعَادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ
ثم قال: إن المحبوب الذي أعاد لنا النوم خياله، كانت تلك الإعادة لخفه وقعتها، وتقاصر مدتها من ذلك الخيال، كالخيال الذي لا حقيقة له، ولا شفاء للعاشق به.
بِتْنَا يُنَوِلنا المُدَامُ بكَفِّهِ مَنْ لَيْسَ يَخْطُرُ أن نَراهُ بِبَالِهِ
ثم وصف حاله عند زيارة الطيف له، وما قرب بذلك من البعيد وأمكنه من العسير، فقال: إنه بات يتناول المدام من كف محبوبه،
[ ١ / ٢٥١ ]
وذلك المحبوب لا يخطر بباله رؤيته، لتباعده عنه ولا يتوهمها، لانفصاله بالمسافة المتراخية منه.
نَجْني الكَواكِبَ مِنْ قَلائِدِ جِيدهِ وتنالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالِهِ
ثم شبه جواهر عقود محبوبه بالكواكب، ولمعان خلاله بعين الشمس، وذكر أنه بات يجني الكواكب من تلك القلائد، بتناوله لها، وينال عين الشمس من تلك الخلاخل، بلمسه إياها، فأحرز صواب التشبيه فيما شبه به، مما لا زيادة عليه في حسن المنظر، وامتناع الموضع. وأشار إلى المعانقة والملامسة أحسن إشارة، وغير عنهما ألطف عبارة.
بِنْتُمْ عَنِ العَيْنِ القَريحَةِ فِيكُمْ وَسَكَنْتُمْ وَطَنَ الفُؤادِ الوَالِهِ
فَدّنَوْتُمُ وَدُنُوُّكُمْ مِنْ عِنْدهِ وَسَمَحْتُمُ وَسَماحُكُمْ مِنْ مَالِهِ
الفؤاد: القلب، والوله: ذهاب العقل لشدة الحب
فنقول: بنتم عن العين القريحة من مواصلة البكاء لبينكم، وسكنتم وطن الفؤاد الواله بحبكم، المشغول بذكركم، المقصور على تمثلكم،
[ ١ / ٢٥٢ ]
فأدناكم الحلم من عاشقكم في نومه، بذكره لكم، وقربكم الوهم منه في يقظته، لشغفه بكم، فذلك الدنو من عنده، ولا من عندكم، وذلك السماح من ماله، لا من قبلكم. وأجرى ذكر السماح والمال على طريق الاستعارة.
إنِّي لأبْغِضُ طَيْفَ مَنْ أحْبَبْتُهُ إذَ كَانَ يَهْجُرُنَا زَمَانَ وِصَالِهِ
يقول: إنه يبغض طيف محبوبه مع كلفه به، ويكرهه مع ارتياحه له؛ لأنه كان يهجره في زمان الوصل، ولا يطرقه مع التئام الشمل.
مِثْلَ الصبَابَةِ والكآبَةِ والأسَى فَارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحَالِهِ
ثم قال: مثل الصبابة والكآبة والأسى، فارقت من أحب، فحدثن بفرقته، وعدمته، فشكوتهن بعد رحلته، وكذلك الطيف، إنما زار في زمان الهجر، وطرق عند امتناع الوصل.
وقد استَقَدْتُ مِن الهَوَى وأذَقْتُهُ مِنْ عِفَّتي ما ذُقْتُ منْ بَلْبَالِهِ
البلبال: شدة الوجد.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فيقول: وقد أخذت قودي من الهوى، وأذقته من الأسف بالعفة، التي سهلت لي خلافه، كالذي أذاقني من الألم ببلابله، والتحمل للواعجه.
وَلَقَدْ ذَخَرْتُ لِكُلِّ أرضِ سَاعةً تَسْتَجْفِلُ الضِّرْغَامَ عَنْ أشْبَالِهِ
الاستجفال: الاستعجال.
ثم قال: ولقد ذخرت للأرض وقعة أوقعها، وساعة أثور فيها، تستعجل الضرغام بشدتها عن شبله، وتجعل له أوكد شغل في نفسه
تَلْقَى الوُجُوهُ بها الوجُوهَ وَبَيْنَها ضَرْبُ يَجُول الموتُ في أجْوَالِه
الأجوال: النواحي، واحدها جول.
ثم وصف تلك الساعة، فقال: إن وجوه الأبطال الذين لا ينكصون، يلقى بعضها بعضًا، وبينها ضرب شديد، وجلاد وكيد، يكثر الموت فيه،
[ ١ / ٢٥٤ ]
ويجول في نواحيه. وجانس بقوله يجول الموت في جواله؛ لأن حروف الأصل في يجول وفي أجواله واحدة، والمراد بالكلمتين مختلف، واتفاق هذا في الكلام هو التجنيس، وهو من البديع.
وَلَقَدْ خَبَّأتُ مِنَ الكلامِ سُلافَهُ وسَقَيْتُ مَنْ نَادَمْتُ من جِرْيَالِهِ
السلاف والسلافة: ما سال من الخمر دون أن يعصر، والجريال: صيغ أحمر، وما اشتدت حمرته من الخمر، يسمى جريالًا على المشابهة.
فيقول: إنه خبأ من الكلام أسهله وأفضله، وما هو منه كالسلاف في ضروب الخمر، وأظهر منه ما لا يدفع فضله، ولا ينكر حسنه، كالجريال في أنواعها، إلا أن الذي أظهره مع تقدمه دون الذي خبأه. يشير بهذا إلى قدرته على الكلام وإحاطته به.
وإذَا تَعَثَّرَتِ الجِيادُ بِسَهْلهِ بَرَّزْتُ غَيْرَ مُعَثَّرٍ بِجِبَالِهِ
ثم قال: وإذا بعد سهل الكلام على أهل الإحسان، وصعب انقياده لهم، صعوبة المقامات التي توجب ذلك، برزت هنالك غير مقصر في
[ ١ / ٢٥٥ ]
غوامض القول، ولا متعثر في بدائع الشعر. وكنى (بالسهل) عما قرب من الكلام، (وبالجبال)، عما غمض منه، (وبالجياد)، عن أهل الإحسان، فاستعار هذه الألقاب أحسن استعارة، وأشار إلى إحسانه أبدع إشارة، وكل ذلك من بديع الكلام.
وَحَكَمْتُ في البَلَدِ العَراءِ بناعِجٍ مُعْتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ
العراء: الأرض الفضاء التي لا يستثر فيها، والناعج من الجمال: الأبيض، وذلك من دلائل كرمه، والمجتاب للبلد: الذي يقطعه، والمغتال له: الذي يستوفي غايته.
فيقول: إنه اقتدر على الفقر العراء بجمل معتاد للسير فيه، مستضلع بالقطع له،
مستقل ببلوغ غايته، فحكم في هذا الفقر، بركوبه جملًا هذه صقته.
يَمْشي كَمَا عَدَتِ المَطِيُّ وَرَاءهُ وَيزِيدُ وَقْتَ جَمَامِها وكَلالِهِ
العدو: ضرب من الجري.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ثم قال: إن هذا الجمل لقوته يساوي بمشيه جري غيره من المطي، فيستظهر بمشيه على عدوها، وبعفوه على جهدها، فتصير وراءه، ويزيد على ذلك عند كلاله وجمامها، وتعبه وراحتها، فما ظنك به إذا تساوت الحال وذهب عنه الكلال؟
وَتُراعُ غَيْرَ مُعقَّلاتٍ حَوْلَهُ فَيَفُوتُها مُتَجَفَّلا بِعِقَالِهِ
وتراع المطي حول هذا الجمل، وكلها لا عقال عليه، وهو معقول بينها، فتفر هذا الجمل لفراها، فيفوتها مسرعًا، وهو بعقاله، وهي مطلقة ويتقدمها موثقًا برباطه، وهي مجتهدة. والمتجفل: المسرع.
فَغَدَا النَّجَاحُ وَرَاحَ في أخْفَافِهِ وَغَدَا المِرَاحُ وَرَاحَ في إِرْقَالِهِ
المراح: النشاط.
يقول: إنه أعمل هذا الجمل في قصد هذا الرئيس، فاقترن الظفر بسيره، والفوز والغبطة بسفره، وبلغه والنجاح يغدو ويروح في أخفاف مطيته، والنشاط يحملها، والقوة تنهض بها.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَشَرِكْتُ دَوْلَةَ هَاشِمٍ في سَيْفِهَا وَشَقَقْتُ خِيْسَ المُلْكِ عَن رِئْبَالِهِ
الرئبال: الأسد: والخيس: أجمته.
يقول: إنه شرك دولة هاشم في هذا الرئيس، الذي هو سيفها، فاختاره لقصده، كما اختاره الملك لنفسه، ووصل إلى دار سلطانه، ورفيع مكانه، فأبدى له مستقر تلك المنعة، وموضع تلك الرفعة، عن أسد الملك المانع منه، وسيفه المدافع عنه، وكنى بالرئبال عن سيف الدولة، وبالخيس عن بلده.
عَنْ ذَا الَّذي حُرِمَ اللَّيوثُ كَمالَهُ يُنْسِي الفَريسَةَ خَوْفَهُ بجَمَالِهِ
الفريسة: ما اختطفه الأسد، فدق عنقه.
فيقول إنه شق خيس الملك عن الأسد، الذي حرمت الأسد كماله، ومنعت خصاله؛ لأنه يشركها ببأسه، ويفوتها بحسنه، فهي منسوبة إلى القبح، وهو لحسنه ينسي فريسته خوفه بجمال وجهه، ويشغلها ببهائه عما تتوقعه من بأسه.
وَتَواضَعَ الأمَراءُ حَوْلَ سَرِيرهِ وتُرِى المَحَبَّةَ وهي من آكَالِهِ
الآكال: جمع أكل.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ثم قال: إنه لشدة هيبته، وارتفاع رتبته، تتواضع الأمراء حول سريره، وتعتصم بالخضوع له، وتريه محبتها، وليست من أشكاله، وتتودده، وهي من آكاله.
وَيُمِيتُ قَبْلَ قِتَالِه، وَيَبَشُّ قَبْلَ نَوَالِهِ، وَينِيلُ قَبْلُ سُؤَاِلِه
البشاشة: الاستبشار.
فيقول إن هذا الممدوح يميت بهيبته قبل أن يقاتل، ويستبشر بنواله قبل أن يعطي، وينيل من يقصده قبل أن يسأل.
إنَّ الرِّياحَ إذا عَمدْنَ لِنَاظِرٍ أعْنَاهُ مُقْبِلُهَا عن استعْجَالهِ
ثم ضرب له مثلًا، في قوته على ما يقصده، وقدرته على ما يفعل، بالريح في قوة هبوبها، وعجلة مسيرها، فقال: وكذلك الرياح إذا اعتمدت الناظر إليها، أغناه سرعة حلولها عن استعجالها في مسيرها.
أعطَى وَمَنَّ على الملوكِ بِعَفْوِهِ حَتَّى تَسَاوَي النَّاسُ في إفْضَالِهِ
يقول: أعطى، فغم بفضله، واقتدر على الملوك المرتفعين عن
[ ١ / ٢٥٩ ]
تقبل العطاء، فمن عليهم بعفوه، وكان صفحه عنهم من أوفر العطاء عندهم، فتساوى، الملوك والسوق فيما شملهم من إفضاله، وتماثلوا فيما أحاط بهم من إحسانه.
وإذا غَنُوا بِعَطَائِهِ عن هَزِّهِ وإلى فأغْنَى أن يَقُولوا وَالِهِ
ثم قال: وإذا أغنى كرمه عن مسألته، وابتداؤه للعطاء عن هزه وإلى ذلك وتابعه،
وأعاده وواصله، فأغنى احتماله عليه من تحريكه بالمسألة إليه.
وَكَأنَّما جَدْوَاهُ من إكْثَارهِ حَسَدُ لسائِلِهِ على إقْلاَلِهِ
الجَدْوَى: العطاء.
فيقول: وكأنما عطاؤه لكثرته، وما هو عليه من مواصلته، استكراه منه للمال، وحسد للسائل على الإقلال.
غَرَبَ النُّجُومُ فَغُرْنَ دُونَ هُمُومِه وَطَلَعْنَ حِيْنَ طَلَعْنَ دُونَ مَنَالِهِ
الهم والهمة بمعنى واحد.
ثم قال: إن النجوم مع ارتفاع مواضعها، وانتزاح مغاربها
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومطالعها، تغرب مقصرة عما تبلغه همته، وتطلع متواضعة عما يدركه تناوله.
واللهُ يُسعِدُ كلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ وَيَزيدُ من أعْدَائِهِ في آلِهِ
يقول: والله يمده في كل يوم بكرامة يصلها به، وسعادة يجددها له، ويظفره بمن ناوأه، ويظهره على من عاداه، ويجعلهم بعد العداوة أتباع أمره، وأنصارًا لحزبه.
لَو لَمْ تَكُنْ تَجْري عَلى أسَيافِهِ مُهَجَاتُهُمْ لَجَرَتْ عَلَى إقْبَالِهِ
ثم قال: لو لم يهلكهم بوقائعه، وتجري مهجاتهم على سيوفه، لتكفل له بذلك إقبال جده، وما أظهره الله من تمكنه وسعده.
فَلِمثْلِهِ جَمعَ العَرَمْرَمُ نَفْسَهُ وَبِمِثلْه انفَصَمَتْ عُرَا أَقْتَالِ
العرموم: الجيش الكثير، والأقتال: الأعداء، والواحد قتل، والانفصام: الانقطاع
فيقول: فلمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أنفسها، وسلمت
[ ١ / ٢٦١ ]
طاعتها، إعظامًا لقدره، بفضله، وبمثله من أهل الحزامة، والمتقدمين في الرياسة، انفصمت عرا أعدائه، وانحل عقدهم، وانفل حدهم.
لم يَتْركوا أثَرًَا عَلَيْهِ مِنَ الوَغَى إلاَّ دِمَاَءهُم على سِرْ بَالِهِ
ثم قال، مشيرًا إلى استنفاذه لأعدائه، بقتله لهم، وبلوغه المراد منهم: لم يتركوا
عليه للحرب أثرًا يظهره، وشاهدًا يتكلفه؛ لاستغنائه عن ذلك ببلوغ البغية فيه، إلا ما في ثوبه من دمائهم، التي سفكتها صوارمه، وأجرتها وقائعه، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء.
يا أيُّها القمرُ المُباهي وَجْهَهُ لا تُكْذَبَنَّ فَلَسْتَ من أشْكالِهِ
يقول: يا أيها القمر الذي يباهي وجه سيف الدولة بنوره، ويساجله بحسنه، لا تكذبن عن نفسك، فهو أبهى منك وأحسن، وأضوء منك وأنور، وله في البأس والكرم رتب لا تبلغها، ومنازل لا تستحقها، فلست ممن يشاكله ويضاهيه، ويماثله ويساويه.
وإذَا طَمَا البَحْرُ المُحِيْطُ فَقُلْ لَهُ دَعْ ذا فإنَّك عاجِزُ عَنْ حَالِهِ
ثم قال: وإذا طما البحر المحيط، وطموه: ارتفاعه، فقل له: دع ما
[ ١ / ٢٦٢ ]
تظهره، فكرم سيف الدولة يغمرك، ومواهبه تحقرك، وأنت عاجز عن رتبته، ومقصر عن جلالته ورفعته.
وَهَبَ الّذي وَرِثَ الجُدودَ وما رَأى أفْعالَهُمْ للابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
ثم قال: (وهب الذي ورث الجدود)، والعرب تسقط حرف الجر مع ورث، فتعمل الفعل، والحرف ثابت في النية، فيقول أحدهم: ورثت أبي ماله، وهو يريد: ورثت من أبي ماله، وأنشد سيبويه:
وَرِثْتُ أبي أخْلاَقَهُ: عاجِلَ القِرَى وَعْبْطَ المَهارِي كُومُها وشبُوبُها
يريد من أبي.
فيقول أبو الطيب: إن سيف الدولة لسعة فضله، وعموم جوده، وهب الذي ورثه من جدوده، وأشار بهذا إلى استنفاذه لجمعه، واستيعابه لكسبه؛ لأن نفقة التالد بعد نفقة الطارف، ولم يقنع بما خلده جدوده من المجد، وأسلفوه من الجود، دون أن يتلوهم بفعله، ويماثلهم، ولا رأى أن أفعال
[ ١ / ٢٦٣ ]
الآباء تشرف الابن، إذا لم تشرفه
أفعاله، وترفعه أحواله، نحو قول الجعدي:
لِسْنَا وإن كَرُمَتْ أوائِلُنا يَوْمًا على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
حَتَّى إذا فَنِيَ التُّراثُ سِوَى العُلاَ قَصَدَ العُدَاةَ مِنَ القَنَا بِطِوَالِهِ
قم قال: حتى إذا أفنى البذل تراثه، واستوعب طارفه وتالده، ولم يبق من ذلك إلا العلا التي خلدها، والمكارم التي شيدها، طلب المال مغالبة، فقصد عداه بطوال رماحه، واستعمل فيهم صوارم سيوفه.
وبأرعَنٍ لَبِسَ العَجَاجَ إلَيْهِمِ فَوْقَ الحَديدِ وَجَرَّ مِنْ أذْيالهِ
الرعن: أنف الجبل، والأرعن: الجيش الكبير التي تكون له فضول، كفضول الجبال ورعونها.
[ ١ / ٢٦٤ ]
فيقول: إن سيف الدولة قصد أعاديه بجيش ضخم، له رعون وفضول، يلبس ما يثيره من العجاج فوق ما يلبس فرسانه من السلاح، ويجر أذياله لوفوره، ويسحبها إلى العدو في مسيره.
فَكَأنَّما قَذِي النَّهَارُ بِنَقْعهِ أوْ غَضَّ عَنْهُ الطَّرْفَ من إجلالِهِ
القذى: ما وقع في العين فعاقها عن النظر، والنفع: الغبار.
ثم قال: إن ذلك العجاج طمس ضياء النهار بشدته، حتى كأنه قذي بغباره، أو غض طرفه عنه، لمخافته وإجلاله. يشير بذلك إلى تغلب الإظلام على نوره، واستيلاء العجاج على ضوئه.
الجَيْشُ جَيْشُكَ غَيرَ أنَّكَ جَيْشُهُ في قَلْبِهِ وَيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
يقول: الجيش جيشك في امتثاله لأمرك، وتصرفه على إرادتك، وأنت جيشه في أنه إنما يشجع بشجاعتك، ويقدم بك، وتهابه الأعداء من أجلك. هذه حالك في قلبه، ويمينه وشماله، فإذا امتنع الرؤساء بجيوشهم، فأنت تمنع جيشك، وإذا احتموا بجموعهم، فأنت تحمي جمعك.
تَرِدُ الطَّعَانَ المُرَّ عَنْ فُرْسَانِهِ وَتُنازِلُ الأبْطَالَ عَنْ أبْطَالِهِ
[ ١ / ٢٦٥ ]
ثم قال: يسبق فرسانه إلى الطعان، فيرد قبلهم مرة، ويسبق أبطاله إلى النزال، فيصلي دونهم حره.
كُلُّ يُريدُ رجالهُ لحِياتِهِ يا مَنْ يريدُ حَياتَهُ لِرجالِهِ
ثم قال: كل الأمراء غيرك يريد الرجال ليستبقي حياته، وأنت تريد الحياة لتسبقيني رجالك، وتحفظ جمعك، جندك.
دُونَ الَحلاوةِ في الزَّمان مَراَرةّ لا تُخْطَى إلا على أهواله
يقول: دون حلاوة الظفر، ولذة بلوغ الأمل، مرارة من الغرر، ومشقة من الخطر، لا تتجاوز تلك المرارة إلا بمقارعة أهوال الزمان وشدتها، والتعرض لمحنتها وصعوبتها، وضرب هذا مثلًا فيها قدمه، والمثل أرفع وجوه البديع.
فَلِذاكَ جَاوَزَها عَليُّ وَحْدَهُ وَسَعى ُبمْنُصِلِه إلى آمالِه
ثم قال: فلذلك انفرد علي بجواز تلك المرارة، وتخطي تلك الصعوبة، وسعي إلى أمله بسيفه، واقتدار على مراده بعزمه.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقال أيضًا، يمدحه:
أنا مِنْكَ بَيْنَ فَضَائِلٍ وَمَكارمِ وَمِن ارتَياحِكَ في غَمَامٍ دائِمِ
الارتياح: انبساط الخلق بالمعروف.
فيقول لسيف الدولة: أنا منك بين فضائل باهرة، ومكارم شاملة، ومن ارتياحك في سحاب لا يقلع، وعطاء لا ينقطع.
وَمِنَ احتِقَارِكَ كُلَّ ما تَحْبو بهِ فِيما ألاَ حِظُهُ بعَيْنَيْ حَالِمِ
ثم قال: وأنا من احتقارك لعظيم ما تفعله، وكثير ما تبذله في شيء ألحظه بعيني حالم غير محقق، ومتوهم غير مصدق.
إنَّ الخَليفَةَ لَمْ يُسَمِّكَ سَيْفَهُ حَتَّى بَلاَكَ فَكُنْتَ عَيْنَ الصَّارِمِ
الابتلاء: التجربة، وعين الشيء: حقيقته.
فيقول: إن الخليفة لم يمسك سيف دولته حتى جربك، فكنت السيف حقيقة لا ينبو حدك، ولا ينفل عزمك، ولا يطمع فيك عدوك.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فإذا تَتَوَّجَ كُنْتَ دُرَّةَ تَاجِهِ وإذا تَخَتَّمَ كُنْتَ فَصَّ الخَاتَمِ
ثم قال: فأنت أرفع آلات تاجه إذا تتوج؛ لأنك درته، وأجل ما يشتمل عليه خاتمه إذا تختم؛ لأنك فصه. يشير إلى أنه أرفع ما يترفع الخليفة به، وأجل ما يباهي بموضعه.
وإذا انتَضَاكَ على العِدَى في مَعْرَكِ هَلَكُوا وَضَاقَتْ كَفُهُ بالقائِمِ
يقول: إذا جردك على أعاديه في معرك، وعارضهم بك في موقف، أهلك بنفاذك جمعهم، وأذل بابتدارك عزمهم، وضاقت كفه عن قائم سيف أنت حقيقته، وقل هذا الاسم لقدرك، وتواضع لجلالة أمرك.
أَبْدَى سَخَاؤُكَ عَجْزَ كُلِّ مُشَمِّرٍ في وَصْفِهِ وأضَاقَ ذَرْعَ الكَاتِمِ
ثم قال: أبدى سخاؤك لكثرته عجز واصفه، وأضاق كرمك بتظاهره ذرع كاتمه، فمحاول وصفه لا يبلغه، لعجزه عنه، ومحاول كتمه لا يمكنه، لما تبين منه.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقال فيه، وقد أمر له بفرس وجارية.
أيَدْرس الرَّبْعُ أيَّ دَم أرَاقَا وأيَّ قُلُوبِ هَذا الرَّكْبِ شاقَا
الشعراء تذكر أن الحزن إذا أفرط، والبكاء إذا اتصل، امتزج الدم بالدمع، فتلاه في جريه، وانحدر في فيقول: أيدري هذا الربع أي الركب الوقوف به، أراق دمه، مما كلفه من البكاء فيه، وأكد اشتياقه بما جدده من الجزع عليه؟
لَنَا وَلأهْلِهِ أبَدًا قُلوبُ تَلاقى في جُسُومٍ ما تَلاقَا
ثم قال: لنا وللراحلين من أهله قلوب تتلاقى أبدًا، بما هي عليه من التذكر لسالف العهد، والامتثال لأيام الوصل، في أجساد متباينة، وأجسام غير متلاقية.
وَمَا عَفَت الرِّياحُ لَهُ مَحَلًا عَفَاهُ مَنْ حَدَا بِهمُ وَسَاقَا
يقول: وما غير آثار هذا الربع، وعفي رسومه، اختلاف الرياح عليه، وتكررها بالهبوب فيه، وإنما غيره وعفاه، وأخلقه وأبلاه، من رحل بأهله عنه، وأخرج العامرين له منه.
فَلَيْتَ هَوَى الأحِبَّةِ كانَ عَدْلًا فَحَمَّلَ كُلَّ قَلْبٍ ما أطَاقَا
[ ١ / ٢٦٩ ]
ثم قال: فليت هوى الأحبة الراحلين، والآلاف المتحملين، عدل في حكمه، وأنصف من نفسه، فحمل كل قلب ما يطيقه من الحب، وأودعه ما يستقل به من الصبابة والوجد.
نَظَرْتُ إليهمُ والعَيْنُ شَكْرَى فَصَارَتْ كُلُّهَا للدَّمْعِ مَاقَا
العين الشكري: الممتلئة بالدمع، والمآق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مخرج الدمع من العين.
فيقول: نظرت إليهم عند رحلتهم، والعين ممتلئة بدمعها، فصارت كلها مخرجًا للدمع، لكثرته فيها، وشدة انحداره منها. يخبر عن غلبة البكاء له.
وَقَدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهمْ وأعْطَاني من السَّقَمِ المُحَاقَا
قم قال: وقد أخذ البدر الراجل فيهم حال التمام في حسنه، والكمال في جماله،
وأعطاني المحاق من السقم عليه، والنحول من الوجد به، والتضاؤل بعد الفقد له. وطابق بين المحاق والتمام، وذلك من بديع الشعر.
وَبَيْنَ الفَرْعِ والقَدَمَيْنِ نُورُ يَقُودُ بِلاَ أزِمَّتِها النِّيَاقَا
[ ١ / ٢٧٠ ]
الفرع: الشعر، والنياق: جمع ناقة.
فيقول: وبين الفرع والقدمين نور، من ضياء وجه من أحبه، وتلألؤ حسنه، يقود النياق بلا أزمة، ويحدوها على السير بلا مؤونة.
وَطَرْفُ إن سَقَى العَشَّاقَ كَأسًَا بِهَا نَقْصُ سَقَانِيها دِهَاقا
الدهاق: الممتلئة.
وفيما هنالك منه، لحظ فاتر، وطرف ساحر، إذا سقى العشاق المغرمين به كأسًا من خمرة ناقصة، سقانيها دهاقًا مترعة.
وَخَضرُ تَثْبُتُ الأبْصَارُ فيه كأنَّ عَلَيْهِ مِنْ حَدَقٍ نِطَاقَا
وفيما هنالك أيضًا، خصر لطيف، تثبت الأبصار فيه، وتتردد لحسنه عليه، وتكثر الإعجاب منها به، حتى كأن عليه منها نطاقًا يشمله ووشاحًا يعمه.
سَلي عَنْ سِيْرتي فَرَسي وسَيْفِي وَرُمحي والهَمَلَّعَةَ الدِّفَاقَا
الهملعة: الناقة الخفيفة القوية، والدفاق: السريعة
[ ١ / ٢٧١ ]
فيقول للتي يخاطبها: سلي عن سيرتي في الإقدام على الأهوال، والقوة على الأسفار، والنفاذ في الفلوات، فرسي الذي يحملني في الحرب، وسيفي ورمحي اللذين أبطش بهما في الطعن والضرب، وناقتي التي تحملني في الأسفار، وأقطع عليها الفلوات بالارتحال.
تَرَكْنَا مِنْ وَرَاء العِيْسِ نَجْدًا ونَكَّبْنَا السَّمَاوَةَ والعِراقَا
السماوة: فلاة بين الشام والعراق.
ثم قال: تركنا نجدًا من وراء رواحلنا، ونكبنا عن السماوة والعراق في سفرنا،
قاصدين سيف الدولة في موضعه من الشام، ومستقره من تلك الأرض.
فَمَا زَالَت تَرَى واللَّيْلُ دَاجٍ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الملِكِ ائْتِلاَقَا
الائتلاق: التلألؤ واللمعان.
يقول: فما زالت عيسنا عند دجو ليلها، واعتراض الظلام لها، ترى لسيف الدولة الملك ضياء يقتادها، ونورًا يسطع لها، إشارة إلى ما تظاهر في أرضه من فضله، وأشرق فيها من أنوار مجده.
أدِلَّتُهَا رِيَاحُ المِسْكِ مِنْهُ إذا فَتَحَتْ مَنَاخِرَها انْتِشَاقا
[ ١ / ٢٧٢ ]
يقول: أدلة عيسنا إليه، تضوع المسك لفوحه، وسطوع روائح طيبه، فإذا فتحت مناخرها، قادها استنشاق ذلك الفوح نحوه، وعرفت بتضوعه أرضه.
أباحَكِ أيُّها الوَحَشُ الأعَادي فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرِّفَاقَا
ثم قال: مخاطبًا للوحش المعترضة له: أباحك سيف الدولة، أيها الوحش، العداد، بوقائعه فيهمن وقتله لهم، وإلحامك أجسادهم، فما لك، واعتراض الرفاق التي تعتمده، وأشار بهذا القول إلى كثرة إيقاعه بمن يخالفه، وشده استظهاره على من يعارضه.
وَلَوْ تَبَّعْتِ مَا طَرَحَتْ قَنَاهُ لَكَفَّكِ عَنْ رَذَايَانَا وَعَاقَا
الرذايا: جمع رذية، وهي ما هزل من الإبل، وانقطع فلم يستطع براحًا.
فيقول للوحش المعترضة له: لو تبعت ما طرحت لك قناة، من قتلى وقائعه، وصرعى ملاحمه، لأغناك ذلك عنها، ومنعك بكثرته منها.
وَلَوْ سِرْنا إليه في طَريقٍ مِنَ النِّيرانِ لم نَخَفِ احتِرَاقَا
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثم قال: ولسنا نرهب أيها الوحش سطوتك، ولا نخاف على ركائبنا مضرتك؛ لأن ما يحيط بنا من سعادة سيف الدولة مقصودنا يكفك، وما نتقلب فيه من إقباله يعوقك، ولو سلكنا إليه طرقًا من النيران، لعادت ببركته بردًا وسلامًا لا نحذرها،
وأمنًا وعافية لا نتألمها.
إمَامُ للأئِمَّةِ من قُرَيْشٍ إلى مَن يَتَّقونَ لَهُ شِقَاقَا
إمام القوم: متقدمهم، والشقاق: الخلاف.
فيقول: إن سيف الدولة بجلالة قدره، وارتفاع أمره، يتخذه الخلفاء من قريش، وهم أئمة الناس، إمامًا في حروبهم، يقدمونه إلى من يحذرون نفاقه، ويتوقعون خلافه، فيذل لهم عزه، ويسهل عليهم صعبه.
يَكُونُ لَهُمْ إذا غَضِبُوا حُسامًا ولِلْهَيْجَاءِ حِينَ تَقُومُ سَاقَا
ساق الشيء: ما قام عليه.
[ ١ / ٢٧٤ ]
ثم قال: يكون لهم سيفًا يبطشون به عند غضبهم، وساقًا يعتمدون عليها في حربهم، فبموضعه يحتمي سلطانهم، وبمكانه يذل لهم أعداؤهم.
فلا تَسْتَنْكِرَنَّ لَهُ ابْتِسامًا إذَا نَهقَ المَكَرُ دَمًَا وَضَاقَا
المكر: مجال الحرب، وفهقه: اتساعه وجري الدم فيه
فيقول لمخاطبه: فلا تنكرن استبشار سيف الدولة بالحرب، واستسهاله لها، وابتسامه عند تضايق مجالها، وانسفاك الدم في مكرها، فهو متيقن لغلبة من نازعه، والظهور على من ناصبه.
فَقَدْ ضَمِنَتْ لَهُ المُهَجَ العَوَالي وَحَمَّل هَمَّهُ الخَيْلَ العِتَاقَا
يقول فقد ضمنت له رماحه مهج أعدائه، وتكفل له بما يبغيه منهم، عتاق خيله، وأبطال جيشه.
إذَا أنْعِلْنَ في آثَارِ قَوْمٍ وإنْ بَعِدَوا جَعَلْنَهُمُ طِرَاقَا
إنعال الخيل: تصفيح أيديها بالحديد، والطراق: تضعيف جلد النعل.
ثم قال: إذا أنعلت خيله في آثار قوم، وحاول غزوهم، وقصد أرضهم، وإن بعدوا بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم، أسرعت تلك الخيل في
[ ١ / ٢٧٥ ]
قتلهم، واستباحة حريمهم،
وغادرت أجسادهم بعد القتل كالطراق، يدوسها الحافر، ويطأها القدم.
وإن نَقَعَ الصَّريخُ إلى مَكانٍ نَصَبْنَ لَهُ مُؤَللةَ دِقَاقا
النقع: ارتفاع الصوت، والصريخ: المستغيث، والمؤللة: المحددة، والدقاق: الرقاق.
فيقول: (وإن نقع الصريخ) أي: ارتفع الصوت باستغاثة إلى مكان قد طرقه عدو، أصاخت خيله إلى ذلك الصوت أصاخت استشعار للحذر، وتسرع إلى الجري. والخيل تحدد آذانها عند مثل هذه الحال. فأشار بهذا الوصف إلى تبادر هذه الخيل نحو الصريخ، ودل بانتصاب آذانها على حذرها، وبدقتها على كرمها.
فَكَانَ الطَّعْنُ بَيْنَهُما جَوَابًا وَكَانَ اللَّبْثُ بَيْنَهُما فُوَاقَا
الفواق: ما بين الحلبتين
ثم قال: فكان الطعن بينهما جوابًا، يريد: بين هذه الخيل وبين العدو الطارق، يعني أن جواب ذلك الصريخ، كان بطعن هذه الخيل في نحور
[ ١ / ٢٧٦ ]
الطارقين، وكان اللبث بينهما فواقًا، يريد: أنها لم تلبث العدو إلا فواق ناقة، واستبان ظفرها، ففر الأعداء عنها ناكصين، وولوا منهزمين.
مُلاقَيةُ نَواصِيها المَنايَا مُعَاوِدَةُ فَوارِسَها العِنَاقَا
ثم قال: إن خيل سيف الدولة تلقى نواصيها المنايا مقدمة عليها، وتواجهها متسرعة إليها، وتعتاد فوارسها عناق الأقران في الحرب، وتلك غاية الصبر، وأبعد أوصاف البأس؛ لأن الحرب أولها المراماة، ثم المطاعنة، ثم المجالدة ثم المعانقة.
تَبِيْتُ رِمَاحُهُ فَوْقَ الهَوادِي وَقَدْ ضَرَبَ العَجَاجُ لَها رِوَاقَا
هوادي الخيل: أعناقها.
فيقول: تبيت رماح سيف الدولة معرضة على أعناق خيله في سراه إلى عدوه، والعرب تعرض الرماح على أعناق الخيل في السير، وتسددها في الحرب، فيقول:
إنه يبيت وهذه حال خيله، وما تثيره من الغبار
[ ١ / ٢٧٧ ]
والعجاج كالرواق عليها. يشير إلى أنه يسري إلى أعاديه، ويدرع الليل نحوهم.
تَميلُ كَأنَّ في الأبْطَالِ خَمْرًا عُلِلْنَ بِهِ اصْطَباحًا واغْتَبَاقا
الخمر والخمار بمعنى، يراد بها بقية السكر، والعل: إعادة الشرب. ثم قال: تميل فرسان تلك الخيل، كأن بها خمارًا من مداومة السهر، وغلبة النوم، كأن ذلك الخمار يتكرر لهم اغتباقًا بعد اصطباح، يشير بهذا إلى ملازمة هذه الخيل للغارات.
تَعَجَّبَتِ المُدَامُ وَقَدْ حَسَاها فَلَمْ يَسْكَرْ وَجَادَ فَما أفَاقَا
ثم قال: تعجبت المدام وقد شربها، فعجزت عن إحالة ذهنه، وقصرت عن مغالبة عقله، واستولى عليه جوده، فلم يفق من طربه له، ولا صحا من ارتياحه به.
أَقَامَ الشّعْرُ يَنْتَظِرُ العَطَايا فَلَمَّا فَاقَتِ الأمْطَارَ فَاقَا
يقول: أقام الشعر ينتظر زمان الكرم، وأوان العطاء، فلما ظهر منه بسيف الدولة ما فاق الأمطار بكثرته ظهر شعر أبي الطيب، ففاق الشعر ببراعته.
وَزَنَّا قِيمَةَ الدَّهماءِ مِنْهُ وَوَفَّيْنَا القِيَانَ بِهِ الصَّدَاقَا
[ ١ / ٢٧٨ ]
ثم قال: بعثنا منه إلى سيف الدولة ما كافأ قيمة الدهماء، وهي الفرس التي أهداها إليه. ووفى بصداق القينة التي بعث بها مع الفرس، فأشار إلى أنه قارض بشعره جوده، وكافأ بمدحه هبته.
وَحَاشَى لارتِيَاحِكَ أنْ يُبَارى وَلِلْكَرَمِ الذَّي لك أن يُباقى
حاشى: بمعنى التعويذ والتنزيه، والارتياح: الطرب لفعل الجميل، والمباقاة: المداومة.
فيقول، معتذرًا مما قدمه في قوله هذا؛ إنه كافأ جود سيف الدولة بشعره: وأعيذ ارتياحك من أن يجازى، ويماثل، ويساوي ويشاكل، وأعيد كرمك من أن يباقيه
شاكر بشكره، أو يستوفيه شاعر بشعره.
ولَكِنَّا نُداعِبُ مِنْكَ قَرْمًا تَرَاجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
القرم: الصعب من الإبل، والحقاق: جمع حقة، وهي التي استحقت أن يحمل عليها من النوق.
يقول: ولكنا فيما قدمناه من ذلك مفاكهون لك، مداعبون منك، لملك قرم، عادت له قروم الملوك وصعابها كالحقاق، تخضع لأمره، وتسلم لحكمه. وجرى في القروم والحقاق على سبيل الاستعارة:
فَتىً لا تَسْلُبْ القَتْلَى يَدَاهُ وَيَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوَثَاقَا
[ ١ / ٢٧٩ ]
يقول: إن سيف الدولة يقتل الأقران، ولا يسلبهم، ويطلق الأسرى ولا يوثقهم، إيثارًا للإبقاء عند الغلبة، واحتمالًا على العفو عند المقدرة.
وَلَمْ تَأتِ الجَميلَ إليَّ سَهْوًا ولم أظْفَرْ بِهِ مِنْكَ اسْتِرَاقا
ثم قال: ولم تأت ما أوليتنيه من الجميل ساهيًا في فعلك، ولا مضيعًا في فضلك، ولا ظفرت به منك ظفر المسترق، ولا قبلته قبول المختلس، ولكني كنت أهلًا لما أسديته، وكنت مصيبًا فيما أوليته.
فَأبْلِغْ حَاسِديَّ عَلَيْكَ أني كَبَا بَرْقُ يُحَاوِلُ بي لِحَاقَا
كبا الجاري: إذا سقط لوجهه.
فيقول: فأبلغ من يحسدني عليك، أني الذي لا يدرك، والمتقدم الذي لا يلحق، وأن البرق لو سابقني لكبا وقصر، وعجز وتأخر.
وَهَلْ تُغْنى الرَّسائِل في عَدَّو إِذا ما لم يَكُنَّ طُبًَا رِقَاقا
ثم قال: والرسائل في العدو غير مغنية، والأقوال فيه غير مجزية، إذا لم تكن الرسائل سيوفًا ماضية، والزواجر أفعالًا واقعة.
[ ١ / ٢٨٠ ]
إذَا ما النَّاسُ جَرَّبَهُمْ لِبِيبٌ فإنَي قَدْ أَكَلْتُهُمُ وَذَاقَا
يقول: إذا ما الناس جربهم لبيب، عالم بأمورهم، خبير بأحوالهم، فموقع ذلك مني على ثبات معرفته، موقع الذائق من الآكل، والمتطرف من المستوعب، لإحاطتي بمعرفتهم، وتمكني في اخيبارهم.
فَلَمْ أرَ ودَّهُمْ إلاّ خِداعًا ولم أرَ دِيْنَهُمْ إلا نِفَاقًا
قال، فلم أر ما يتجاوزن به من الود إلا خداعًا ومكادبة، وما يبدونه من التدين إلا نفاقًا وكمظاهرة.
يُقَصِّر عَنْ يَمينكَ كُلُّ بَحْرٍ وَعمَّا لم تُلِقْهُ ما ألاقَا
لاق الشيء بالشيء: إذا لصق به وأمسك فيه.
فيقول: يقصر كل بحر عن يمينك، لعظم جودك، واتساع كرمك، ويقل ما يمسكه البحر ويجمعه عند ما تهبه وتبذله.
وَلَوْلا قُدْرَةُ الخَلاَّقِ قُلْنَا أعَمْدًا كانَ خَلْقُكَ أمْ وِفَاقا
ثم قال: ولولا اتساع قدرة الله ﷿، لقلنا لما اجتمع فيك من
[ ١ / ٢٨١ ]
ضروب الخير، وتكامل لك من صنوف الفصل، أتيسر هذا أم قصد، واتفق أم اعتمد، ولكنا لا نقول ذلك لاتساع القدرة عليه.
فَلا حَطَّتْ لكَ الهَيْجاءُ سَرْجًَا ولا ذَاقَتْ لَكَ الدُّنيا فِرَاقا
ثم دعا له، فقال: حطت الهيجاء سرجك، بفقدها لك، ولا زلت مالكًا لتدبيرها، ولا ذاقت الدنيا فراقك، وبقيت مصرفًا لأمورها.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقال يمدحه، ويرثي أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، أنشدها إياه في جمادى الأولى من سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
مَا سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَوْرُودِ أكْرَمَ مِنْ تَغْلِبَ بنِ دَاودِ
السدك: المولع بالشيء.
فيقول: ما ولعت علة بمورود نالته، وعليل داومته، أكرم من هذا الهالك تغلب بن داود.
يَأنَفُ من مِيْتَةِ الفِرَاشِ وَقَدْ حَلَّ بٍِهِ أصْدَقُ المَوَاعيدِ
ثم قال: يأنف من أن يموت على فراشه، وأن يهلك حتف أنفه، وقد حل به من الموت وما لا يدفعه بأنفته، ولا يرده بشجاعته؛ لأنه أصدق موعود، وختم غير مردود.
وَمِثْلُهُ أنْكَرَ المَماتَ عَلَى غَيْر سُرُوجِ السَّوَابحِ القُودِ
السوابح في الخيل: التي تمد أيديها في الجري، والقود: الطوال الأعناق، واحدها أقود.
[ ١ / ٢٨٣ ]
فيقول: ومثل أبي وائل من الممارسين للحرب، والمتحققين بها، والمقدمين على شدائدها، أنكر الموت على غير سروج الخيل السوابح في طردها، الدالة على الكرم بقودها وحسن خلقها.
بَعْدَ عِثَارِ القَنَا بِلَبَّتِهِ وضَرْبِهِ أرؤُّسَ الصَّنَادِيدِ
الصناديد: الملوك.
ثم قال، مؤكدًا لما قدمه: بعد استهدافه للرماح، وتعثرها بلبته، واعتصامه منها بحصانة سلاحه، وضربه رؤوس الملوك في وقائعه، وإقدامه عليهم في ملاحمه.
وَخَوْضِهِ غَمْرَ كُلِّ مَهْلَكَةٍ للذِّمْرِ فيها فُؤَادُ رِعْدِيدِ
الغمر: مجتمع الماء، فاستعار ذلك من الحرب، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان.
ثم قال: وبعد خوضه من الحرب أشد مواضعها، واقتحامه على مجتمع مهالكها، حيث يكون قلب الشجاع الجريء، كقلب الجبان الضعيف، أصابه الموت وادعًا في حاله، واخترمه آمنًا بين أهله.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فَإنَّ صَبَرْنَا فإنَّنَا صُبُرُ وإن بَكَيْنَا فغيْرُ مَرْدُودِ
يقول: فإن صبرنا على هذا المصاب، فنحن متقدمون في الصبر، مستقلون بمؤلم الرزء، وإن بكينا، فغير مردود من نبكيه، ولا مرجو من نحزن عليه.
وَإنْ جَزِعْنَا لَهُ فَلاَ عَجَبُ ذَا الجَزْرُ في البَحْرِ غَيْرُ مَعْهُودِ
ثم قال: وإن جزعنا على هذا المفقود، فلا عجب في ذلك، ففقده جليل أمره، والمصاب به لم يعهد مثله. وضرب بالجزر الذي ينتقص البحر مثلا في هذا الرزء، وكنى به عن عظيم هذا الخطب.
أيْنَ الهِباتُ التي يُفَرِّقُها عَلَى الرَّزَافاتِ والمَوَاحيدِ
الزرافات: الجماعات، والمواحيد: الأفراد واحدها موحد.
فيقول: أين كرم المفقود، وهباته التي كانت تعم وتخص، وتنال الجماعات فتعمهم. والآحاد فتغمرهم.؟
[ ١ / ٢٨٥ ]
سَالِمُ أهلِ الوِدَادِ بَعْدَهُمْ يَسْلَمُ للحُزْنِ لا لِتَخْلِيدِ
ثم قال: سالم أهل الوداد بعد من يفقدونه منهم، إنما يسلم للحزن والهم والتنغيص والألم، ثم الموت مآلهم، والخلود ممنوع منهم.
فَمَا تُرَجِّي النُّفُوسُ مِنْ زَمَنٍ أحْمَدُ حَالَيْهِ غَيْرُ مَحْمُودِ
ثم قال: فماذا ترجيه النفوس من دهر غشوم، متعسف ظلوم، أحمد حاليه للمتمتع بالحياة فيه مذموم منكد، مكروه منغص، بعد حتف يرصده، وحميم يفقده.
إنَّ نُيُوبَ الزَّمَانِ تَعْرِفُني أنَا الَّذي طَالَ عَجْمُها عُودي
نيوب الزمان: خطوبه، واحدها نائب، والعجم: العض والمضغ.
فيقول: إن نيوب الزمان تعرفه بتكررها عليه، وتعرضها كثيرًا له، وإنها طال ما عجمت عوده، وقصدت بمكارهها نحوه.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَفيَّ ما قًَارَعَ الخُطُوبَ ومَا أنَّسَني بالمصائِبِ المسُّودِ
ثم قال: وفي من الصبر والجلد، والحفاظ والكرم، ما مثله قارع الخطوب فغلبها، وأنسى بسود المصائب وهونها، وهونها، وحذف مما ذكرناه ما في قوة الكلام أن يدل عليه.
مَا كُنْتَ عَنْهُ إذا اسْتَغَاثَكَ يا سَيفَ بَنِي هَاشِمٍ بِمَغْمُودِ
وكان أبو وائل، هذا المرثي، قد أسره الخارجي بالشام، واستغاث سيف الدولة، فأسرى إلى الخارجي فقتله، واستنفذ أبا وائل، على ما تقدم في القصيدة التي أولها (إلام طماعية العاذل)، فيقول: ما كنت عنه إذ استغاثك من أسر الخارجي، يا سيف خلفاء بني هاشم، بمغمود عن نصره ولا يغافل عن أمره، بل أصرخت دعوته، وكشفت كربته.
يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ يا أمْلَكَ ال أَمْلاَك طُرًَّا يا أَصْيَدَ الصَّيدِ
الأصيد: الملك المعظم الذي لا يكاد يلتفت لعزته.
ثم قال مرفعًا بسيف الدولة؛ يا أكرم من نذكر من الأكرمين،
[ ١ / ٢٨٧ ]
وأملك الملوك المعظمين، وأصيد الصيد منهم، وأعز ذوي العزة فيهم.
قَدْ مَاتَ مِنْ قَبْلِها فَأنْشَرَهُ وَقْعُ قَنَا الخَطِّ في اللَّغَاديدِ
اللغاديد: واحدها لغدود، وهو ما بين أسفل اللحي من آخره، وموصل العنق في الرأس.
فيقول: قد مات أبو وائل قبل هذه الميتة بالأسر، فأحياه غياثك له، وأنشره إسراعك إليه، وطعن فرسانك برماحهم في مقاتل الآسرين له. وكنى باللغاديد عن ذلك.
وَرَمْيُكَ اللَّيْل بالجُنُودِ وَقَدْ رَمَيْتَ أجْفَانَهُمْ بتَسْهيدِ
ثم قال: وإنك رميت الليل ساريًا إليهم بجنودك، وقد أسكنت السهاد جفونهم، مسرعًا بهم غير متوقف، ومقدمًا غير متخوف، فلو دوفع الموت لدافعته عنه على عادتك، ولو غولب لاستنقذته منه على سجينك. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظة، فقد دل عليها بإشارته.
فَصَبَّحَتْهُ رعَالُها شُزُبًا بَيْنَ ثُبَاتٍ إلى عَبَاديدِ
الرعال: قطع الخيل، والشزب: الضامرة، والثبات: الجماعات المتآلفة، واحدتها ثبة، والعباديد: الجماعة المتفرقة.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فيقول واصفًا لاستنقاذ سيف الدولة لأبي وائل، وإيقاعه بالخارجي وأصحابه: فصبحتهم رعال الخيل ضامرة، لطول الركض، منها كتائب ثبات مجتمعة، وعباديد مفترقة.
تَحْمِلُ أغْمَادَها الفِداَء لَهُم فانْتَقَدوا الضَّرْبَ كالأخَادِيدِ
الأخاديد: حفر في الأرض.
ثم قال: تحمل إليهم عن الفداء الذي طلبوه من أبي وائل، سيوفًا مصلتة، ومنايا حاضرة، فانتقد أصحاب الخارجي عما طلبوه من الفداء، ضربًا أبقى في أجسادهم جراحًا كالأخاديد. يشير إلى شدته وثباته وقوته.
مَوْقِعُهُ في فَرَاشِ هَامِهمُ وَريحُهُ في مَنَاخِرِ السِّيدِ
الفراش: طرائق في باطن عظم الرأس، والسيد: الذئب، وأشار به إلى النوع.
ثم قال: موقع ذلك الضرب في فراش رؤوسهم، وريحه في أنوف الذئاب التي تقصدهم. يشير إلى أن هذا الضرب لم يقصر بهم عن القتل،
[ ١ / ٢٨٩ ]
وأن هذه الوقعة غادرتهم جزر السباع، تنهش أجسادهم، وتتقوت لحومهم.
أفْنى الحَياةَ التَّي وَهَبْتَ لَهُ في شَرَفٍ شَاكِرًا وَتَسْويدِ
يقول: أفنى أبو وائل حياته، التي كانت هبتك له، في شرف بك وتسويد منك، شاكرًا لك على نعمتك، قائلًا بفضل منتك.
سَقيمَ جِسْمٍ، صَحيحَ مَكْرُمَةٍ مَنْجُودَ كَرْبٍ غيَاثَ مَنْجُودِ
المنجود: المغاث، يقال نجدت الرجل وأنجدته: إذا أغثته، والمنجود: المكروب.
سقيم الجسم بما شكاه من علته، صحيح الكرم بما استبان من سيادته، منجودًا بك عند كربه، غياث منجود يستغيث به.
ثُمَّ عَدَا قِدَّهُ الحِمَامُ وما تَخْلُصُ مِنْهُ يَمينُ مَصْفُودِ
القد: ستر من جلد غير مدبوغ يصفد به الأسير، والتصفيد: ربط اليد إلى العنق.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ثم إذا الموت له كالقد الذي يملك الأسير، فلم يمكنك فكه بقدرتك، ولا تأتي لك غياثه مع عظيم مملكتك، والموت قد لا يتخلص المصفود به، وأسر لا يتمكن غياث المعرض له. وجرى في هذا الكلام على الاستعارة، وذلك على ما قدمناه من بديع الكلام.
لا يَنْقُصُ الهَالِكُونَ مِنْ عَدَدٍ مِنْهُ عَليُّ مُضَيَّقُ البِيْدِ
يقول: لا ينقص الهالكون وإن جل أمرهم، وعز فقدهم، من عدد قوم، علي سيف الدولة منهم، وهو الملك الذي تضيق اليد بجمعه، وتغص بجيشه، وكان أبو وائل ابن عمه، فيريد: أن موته لا يوجب نقصًا في عشيرته، وسيف الدولة رئيس جمعهم، ومؤثل مجدهم.
تَهُبُّ في ظَهْرِهَا كَتَائبهُ هُبُوبَ أرْوَاحِها المَرَاويدِ
الرياح المراويد: التي تطلب غاياتها، واحدها مرواد. والريادة: الطلب.
ثم قال: تهب كتائبه في ظهور تلك البيد، ممتثلة لأوامره، فتشبه الرياح بسرعتها، وتغالبها بكثرتها.
[ ١ / ٢٩١ ]
أَوَلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْ سَنابكُ الخَيْلِ في الجَلاَمِيدِ
السنابك: جمع سنبك، وهو مقدم حافر الفرس.
ثم قال: أول حروف اسمه، صورته صورة ما تثبته سنابك الخيل في ظهور الجلاميد.
يشير إلى أول حروف علي، وهو العين، فيقول: إنه كان فألا يؤذن بانقياد الخيل لأمره، وتصرفها على حكمه.
مَهْمَا يُعَزَّ الفَتَى الأَميرُ به فلا بإقْدَامِهِ ولا الجُودِ
الفتى: الشاب المقتبل.
فيقول: مهما فقده الفتى الأمير فعزي به، يشير إلى رئاسته واقتبال شبيبته، فلن يفقد إقدامه وكرمه، وفيهما الخلف الكريم ممن يفقده، والعوض الجميل ممن يعز به.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَمِنْ مُنانا بَقَاؤُه أَبدًا حتى يُعَزَّى بِكُلَّ مَوْلُودِ
ثم قال: ونحن نتمنى له بقاء الخلود، حتى يعزي في كل كريم يولد، ويغنى عن كل فاضل يفقد.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وركب سيف الدولة لتشييع عبده يماك، لما نفذ في مقدمته إلى الرقة، وهاجت ريح شديدة، فقال أبو الطيب.
لا عَدِمَ اُلمشَيَّعُ لْيتَ الَّرَياحَ صُنَّعُ ما تَصنَعُ
يقول: لا عدم سيف الدولة هذا العبد المحب، والوالي الناصح، ثم أقبل على سيف الدولة، فقال: ليت هذه الريح تحذو حذوك، وتفعل فعلك.
بكرن ضرًا وبكرت تنفع وسجسج أنت وهن زعزع
وواحد أنت وهن أربع وأنت نبع والملوك خروع
السجسج: الريح الطيبة ما بين الحر والبرد، والزعزع: الريح الشديدة المؤذية، والنبع: شجر صلب العود يصنع منه القسي، والخروع: شجر ضعيف العود.
ثم قال: فقد بكرت بضرها، وبكرن بنفعك، وآذات بشدتها، وأحسنت برفقك، فقصرت عنك، وهي أربع، وأنت واحد، وهي كثيرة
[ ١ / ٢٩٤ ]
وأنت مفرد، فمن شبه الريح بك في كرمك، فقد ظلمك، ومن أضافها إليك في فضلك، فقد جهلك، وكذلك أنت، إذا قرنت الملوك بك، كالنبع إذا قرن الخروع به، تضعف عند صلابة عودك، وتصغر عند جلالة أمرك.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وسايره وهو يريد الرقة، واشتد المطر في موضع يعرف بالثديين، فقال:
لِعَيْنِي كُلَّ يومٍ مِنْكَ حَظٌ تَحَيَّرُ مِنْهُ في أمْرٍ عُجَابَ
جِمَالَهُ ذا الحُسامِ على حُسَامٍ وَمَوْقِعُ ذا السَّحابِ على سَحَابِ
وزاد المطر، فقال:
تَجِفُّ الأَرضُ من هذا الرَّبابِ وَيُخْلِقُ ما كَسَاهَا من ثِيَابِ
وما يَنْفَكُّ مِنْكَ الدَّهْرُ رَطْبًَا وَلاَ يَنْفكُّ غَيْثُكَ في انسِكَابِ
وتُسَايرُكَ السَّوَاري والغَوادي مُسَايَرةِ الأَحِيَّاءِ الطَّرابِ
وتُفِيدُ الجودَ مِنْكَ فَتَحْتَذِيه وَتَعْجِرُ عن خلائِقِكَ العِذَابِ
الحمالة: علاقة السيف، والرباب، السحاب، والسواري من السحاب: التي تطرق بالليل، للغوادي التي تنشا بالصباح.
فيقول: في كل يوم أردد عيني منك في منظر يعجب بحسنه، ويعجز اللسان عن وصفه، ولا يحط العقل بحقيقته؛ لأنك أجل السيوف، وتشرف السيف بحمله، وجودك أنفع من السحاب: ويعتادك السحاب بوجله، فحملك للسيف إِفضال عليه؛ لأنك غني عنه، واستصحابك للسحاب إزراء عليه، لأنك أعم نفعًا منه.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ثم قال الزيادة:
إن سيف الدولة يعمر السحاب بجوده، ويعلمون بفضله؛ لأن السحاب يمطر ويقشع، ويسكب ويقلع، وما يظهر على الأرض من زهراته يذوي ويذبل، ويحل ويرحل، وجود سيف الدولة لا يقلع وبلة، ولا يفتر سكبه، وآثار إحسانه ظاهرة لا تعدم، وشواهده دائمة لا تنصرم، ثم قال: تسايرك السحاب على اختلاف أوقاتها، وتصرف أحوالها، مسايرة من يطرب لصحبتك، ويشاق إلى غرتك. ثم قال: فتشهد من جودك ما لا تعلمه، ويتبين لها من كرمك ما لا تبلغه، فتتلوك ممتثلة لك، وتحكيك مقتدية بك، وتعجز عن شرف خلائقك، ولا تبلغ عذاب شمائلك.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وأجمل سيف الدولة ذكره، فقال أبو الطيب:
أنَا بالوُشاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُ تَأتي النَّدَى وَيُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
وإذا رَأيْتُكَ دُونَ عِرْضٍ عَارِضًا أيْقَنْتُ أنَّ اللهَ يَبْغِي نَصْرَهُ
يقول لسيف الدولة: أنا فيما أنشره من فضلك، وأقول به من كرمك، شبيه بالواشي بك؛ لأني أظهر ما تبغي ستره، وأنشر ما تأبى ذكره، وأنت لا تباهي بإنعامك، ولا تريد سمعة بإحسانك، وإنما كرمك طبيعة منك، وفضلك جبلة فيك، ثم قال: وإذا رأيتك معترضًا دون عرض تحفظ حرمته، وتحمي جهته، أيقنت أن الله يحميه ويحفظه ويقيه؛ لأنه ناصر من تنصره، حافظ من تحفظه.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وأجمل أيضًا ذكره، فقال:
رُبَّ نَجِيْعٍ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ انْسَفَكا وَرُبَّ قَافيةٍ غَاضَتْ بِهِ مَلِكَا
مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعِهِا أَوْ يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يسْتَكْرِمِ الرَّمَكَا
تَسُرُّ بالمالِ بَعْضَ المالِ تَمْلِكُهُ إنَّ البلادِ وإنَّ العِالَمينَ لَكَا
النجيع: الدم، والرمك: جمع رمكة، وهي الفرس التي تتخذ للنتاج دون الركوب.
فيقول: رب مخالف عصى سيف الدولة، فسفك دمه، ورب معاند له من الملوك سمع شعري فيه، فغاظه حسنه، ثم ضرب لسيف الدولة مثلًا في اختياره لقصده، ومعرفة سيف الدولة بقدره، فقال: من عرف الشمس لم ينكرها، لاختلاف مطالعها، ومن عرف سيف الدولة لم ينكره، لاختلاف مقاصده، وتباين مواضعه، ومن أبصر عتاق الخيل لم يستكرم هجان الرمك، وذلك شأن سيف الدولة في اصطناعه لأبي الطيب، وإعراضه عن حساده؛ لأن موقعه منهم هذا الموقع.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ثم قال: تسر بما تهينه من مالك من تهبه له من قصادك وخولهم، وهم في وقوعهم تحت ملكك، وتصرفهم تحت أمرك، على حسب نهبك وأمرك، كمالك الذي تنفرد بملكه، وتتحكم في أمره، فأنت تسر بمالك مالك، ويوقرك من لا يخرج عن ملكك، فالأرض في قبضتك، وعمروها أهل طاعتك.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وسايره وهو يريد آمد، وتوسط الأجبال، فقال له:
يُؤَمِّمُ ذا السَّيْفُ آمالَهُ فَلاَ يَفْعَلُ السَّيْفُ أفْعَالَهُ
إذَا سَارَ في مَهْمَةٍ عَمَّهُ وإنْ سَارَ في جَبَلٍ طَالَهُ
وأنْتَ بِمَا نِلْتَنا مَالِكُ يُثَمِّرُ مِنْ مالهِ مالَهُ
كأنَّكَ ما بَيْنَنَا ضَيْغَمُ يُرَشَّحُ للْفَرْسِ أشْبَالَهُ
المهمة: القفر، والضيغم: الأسد والفرس: دق العنق، والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد، والترشيح: التهيئة.
فيقول: يقصد هذا الملك، الذي يشبه السيف به، إلى ما يريده ويأمله، ويعتقده، فلا يفعل السيف في استعجال ذلك فعله، ولا يلحق في إدراكه كشأوه، فإن سار في مهمة بكثرة جيشه، وإن سار في جبل بعلو مجده.
ثم قال، مخاطبًا له: وأنت بما نلتنا به من فضلك، وتابعه لنا من بذلك، مالك يثمر ماله بماله، ويحوط ملكه بملكه؛ لأننا لك في وقوعنا
[ ١ / ٣٠١ ]
تحت أمرك، وما يحيط بنا من ملكك، كالمال الذي تحويه وتضبطه، وتحوزه وتملكه.
ثم قال: كأنك فيما تسبقنا إليه من مقارعة الأبطال، وما تنفرد به دوننا من مغازلة الأقران، أسد ينهج لأشباله ما يفعله، ويضربها على ما تأتيه وتمثله.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ودخل على سيف الدولة بميافارقين في يوم شديد المطر والبرد، وهو على الشراب، فقال له سيف الدولة: عاب عليك يا أبا الطيب إنسان قولك:
لَيْتَ أنَّا إذا ارتَحَلْتَ الخَيْلُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ
وقال: إنه جعل الخيام فوقك، وأومأ إلى بعض من حضر، فقال أبو الطيب؛ وأراد قطع الكلام:
لَقد نسَبُوا الخِيامَ إلى عَلاءِ أبَيْتُ قَبُولَهُ كُلَّ الإبَاءِ
وما سَلَّمْتُ فَوقَكَ للثُّريا ولا سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للسَّمَاءِ
يقول: لقد نسبوا الخيام من الرفعة، وأوجبوا لها من علو الرتبة، ما أباه ولا أسلمه، وأنفه ولا أثبته، ثم قال: وما سلمت للثريا أن لا تفوقها بمجدك، ولا للسماء ألا تبلغها بشرفك وفضلك.
وقد أوْحَشْتَ أرضَ الشَّامِ حَتَّى سَلَبْتَ رُبُوعَهَا ثَوْبَ البَهاءِ
تَنَفَّسُ وَالعَوَاصِمُ مِنْكَ عَشْرُ فَيُعْرَفُ طِيْبُ ذَلِكَ في الهَوَاَء
يقول: وقد أوحشت أرض الشام برحيلك عنها، وسلبت ربوعها ثوب البهاء بخروجك منها.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ثم قال: تتنفس وأنت بأرض الجزيرة، والعواصم منك على سير عشر ليال، فيعرف ذلك أهل الشام في هوائهم، ويتبينون الفوح في بلادهم، ويؤكد لهم أمثال ذلك استشرافهم إلى أوبتك، واشتياقهم إلى غرتك.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وذكر سيف الدولة لأبي العشائر جده وأباه، وجد أبي العشائر الحسين ابن حمدان، عم سيف الدولة، فقال أبو الطيب:
أغْلَبُ الحَيِّزَيْنِ ما كُنْتَ فيه وَوَليُّ النَّماءِ مَن تَنْمِيِهِ
ذا الذَّي أنتَ جَدُّهُ وأبوه دِنْيَةً دونَ جَدِّهِ وأبيهِ
يقول لسيف الدولة: أغلب فروع نسبك على الشرف الحيز الذي أنت فيه، وولي الكثرة في المفاخر والحسب من تنميه، يريد بذلك: ما عرف به سيف الدولة أبا العشائر من شرف أبيه وجده. ثم قال لسيف الدولة: هذا أبو العشائر، أنت جده وأبوه، لأن شرف ك أنهض به من شرفهما، وسلطانك أظهر عليه من سلطانهما، فأنت بما أحاط به من فضلك، وتجدد له من الشرف بك، جده وأبوه دنية، دون جده وأبيه.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وسأله سيف الدولة إجازة بيت، وهو:
وإني الممنوعُ المقَاتِلِ في الوغَى وإن كُنْتُ مَبْذُولَ المقاتِلِ في الحُبِّ
فقال:
فَدَيْنَاكَ أهْدَى النَّاسِ سَهْمًا إلى قَلْبِ وأقْتَلُهُمْ للدَّارعينَ بلا حَرْبِ
تَفَرَّدَ بالأحكَامِ في أهْلِهِ الهَوَى فأنْتَ جَميلُ الخُلْفِ مُسْتَحْسَنُ الكِذْبِ
الكذب، والكذاب والكذب كل ذلك بمعنى واحد.
فيقول: فديناك وإن كنت أثبت الناس إصابة للقلوب بسهامك دون رمي، وأقتلهم للدارعين بحبك دون حرب. ثم قال: وكذلك الهوى منفرد بالحكم في أهله، فمن هوي كان جميلًا خلقه، ومن عشق كان مستحسنًا كذبه.
وإني لَممْنُوعُ المقاتِلِ في الوغى وإن كُنْتُ مَبْذُولَ المقَاتِلِ في الحُبِّ
ومَنْ خُلِقَتْ عَيْنَاكَ بَيْنَ جُفُونِهِ أصابَ الحَدُورَ السَّهلَ في المُرْتَقَى الصَّعْبِ
يقول: وإني وأن استضعفت في الحب فأصيبت مقاتلي به، وقلت
[ ١ / ٣٠٦ ]
مدافعتي فيه، لظاهرة في الحرب قوتي، وشديدة فيه منعتي، وبعيدة على الأقران إصابتي. ثم خاطب محبوبه، فقال: ومن خلقت بين جفونه عيناك، ورشق القلوب بسهامك، سهل عليه ما يصعب مثله، وقرب له ما يبعد تناوله.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأذن المؤذن، فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب:
إلا أذِّنْ فَمَا أذْكَرْتَ نَاسي ولا لَيَّنْتَ قَلْبًَا وَهُوَ قَاسِي
ولا شُغِلَ الأمِيرُ عَن المعَالي وَلا عَن حَقِّ خَلِقِهِ بِكَاسِ
وركب سيف الدولة، وركب الجيش معه بالتجافيف والسلاح، فقال أبو الطيب يمدحه، ويصف الجيش:
إذا كَانَ مَدْحُ فالنَّسيبُ المُقَدَّمُ أكُلُّ فَصِيحٍ قَالَ شِعْرًَا مُتَيَّمُ
يقول: إن الشعراء مجمعون على تقديم النسيب في أشعارهم، والاستفتاح به في مدائحهم، وليس كل فصيح منهم عاشقًا، ولا كل شاعر
[ ١ / ٣٠٨ ]
سلف لهم متيمًا، ولكن أخرهم في ذلك يتلو أولهم، حتى كأن ما يتناصفونه من الحب قد جعلوه فاتحة الشعر.
لَحُبُّ ابن عَبْد اللهِ أوْلَى فإنَّهُ بِهِ يُبْدَأُ الذِّكْرُ الجَمِيلُ وَيُخْتَمُ
ثم قال: وإذا كان هذا، فلحب ابن عبد الله، يريد: سيف الدولة، أحق ما استفتح الشعر به، وأولى ما قدم الذكر له، فبسيف الدولة يبدأ الذكر الجميل ويختم، وبمجده يفتح ويتمم.
أطَعْتُ الغَوَاني قَبْلَ مُطْمَحِ نَاظِري إلى مَنْظَرٍ يَصُغُرْنَ عَنْهُ وَيَعْظُمُ
ثم قال: أطعت الغواني في التشبيب بهن، والإيثار لهن، قبل عند يطمح ناظري إلى ما شهدته من مملكه سيف الدولة، التي يقل حسنهن عند حسنها، ويصغر شأنهن عند شأنها. والطموح: الارتفاع.
تَعرَّضَ سَيْفُ الدَّولَةِ الدَّهْرَ كُلَّهُ يُطَبِّقُ في أوْصَالِهِ ويُصَمِّمُ
التطبيق: إبانة القطع، والتصميم: النفاذ في الأمر.
[ ١ / ٣٠٩ ]
فيقول: تعرض سيف الدولة الدهر كله متحكمًا فيه، مستوليًا عليه، يطبق منه فيما يقطعه، ويصمم إليه فيما يقصده. يشير إلى أن أموره فيه جائزة، وأحكامه عليه نافذة، وذكر التطبيق والتصميم على سبيل الإبداع فيما استعارة له من ذلك.
فَجَازَ له حَتَّى عَلَى الشّمْس حُكْمُهُ وَبَانَ له حَتَّى عَلَى البَدْرِ مَيْسَمُ
الميسم: العلامة التي يضعها المالك على ما يملكه.
ثم قال: فجاز حكمه حتى حكم على ما لا يجوز الحكم عليه، وبان وسمه حتى وسم ما لا يبين الوسم فيه، وجعل ذكر الشمس والبدر كناية عن هذه العبارة، والعرب تفعل ذلك، تصف الممدوح بالقدرة على ما لا يقدر أحد عليه في الحقيقة، ليوجب له بذلك غاية القوة، وأبعد نهايات القدرة.
كَأنَّ العِدَى في أرْضِهم خُلَفَاؤُهُ فإنْ شَاَء حَازُوها وإن شَاَء سَلَّموا
يقول: كأن أعاديه من الروم وغيرهم، خلفاؤه في بلادهم، وعماله في قواعدهم، فإن أعرض عنهم، استمتعوا بالبقاء فيها، وإن غزاهم
[ ١ / ٣١٠ ]
سلموها إليه بالخروج عنها. يشير إلى تصرف أعاديه تحت أمره، وعجزهم عن التعرض لحربه.
ولا كُتْبَ إلاَّ المشْرَفِيَّةُ عِنْدَه ولا رُسْلُ إلا الخَميسُ العَرَمْرَمُ
المشرفية: سيوف منسوبة إلى المشارف، وهي مواضع تطبع فيها السيوف، والخميس، والعرمرم: الكثير.
ثم قال مؤكدًا لما قدمه، من اقتداره عليهم: إنه لا كتب يستعملها إليهم غير سيوفه، ولا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه، فهم متصرفون على حكمه، عاجزون عن المخالفة لأمره.
فَلَم يَخْلُ من نَصْرٍ لَهُ مَنْ لَهُ يَدُ ولم يَخْلُ من شُكْرٍ لَهُ مَنْ له فَمُ
يقول مخبرًا عن عظيم ملكه، وما ظهر من عموم فضله: فلم يخل من نصره أحد له يد يبطش بها؛ لوقوف جميع الناس عند أمره، ووقوعهم تحت طاعته وملكه، ولم يخل من شكره أحد له فم ينطق به، لما شملهم من إحسانه، وأحاط بهم من إنعامه. فبين أن طاعة الجميع له طاعة وداد ومحبة، لا طاعة استكراه وغلبة.
ولم يَخْلُ من أسْمَائِهِ عُودُ مَنْبَرٍ ولم يَخْلُ دِينَارُ ولم يَخْل دِرْهَمُ
[ ١ / ٣١١ ]
ثم قال: ولم يحل من أسمائه عود منبر؛ يريد أن بلاد الأرض مضافة إلى ولايته، مختطب على منابرها له بلزوم طاعته، ولم يحل دينار، ولم يخل درهم؛ يريد: أن دنانير الآفاق ودراهمها مطبوعة باسمه، مسككة بذكره. يشير إلى عظم شأنه، واتساع أعمال سلطانه.
ضَرُوبُ وَمَا بَيْنَ الحُسامَيْن ضَيِّقُ بَصيرُ وَمَا بَيْنَ مُظْلِمُ
يقول: إنه شديد الضرب، رابط الجأش، إذا ضاق ما بين الحسامين بتجالد الأبطال، وتقارب ما بين الأقران، وأنه بصير إذا أظلم ما بين الشجاعتين، بتمثل الموت لهما، وتيقن المنية عندهما، فهنالك يثبت نظره لقوة نفسه، ولا يشخص بصره لتمكن بأسه.
تُباري نُجُومَ القَذْفِ في كُلِّ لَيلَةٍ نُجُومُ لَهُ مِنْهُنَّ وَرْدُ وأدْهَمُ
نجوم القذف: الشهب التي ترمي بها الشياطين.
ثم قال: تباري نجوم القذف مع سرعة انصبابها، وشدة انحدارها، خيول له كالنجوم في شدة عدوها، وسرعة جريها، منهن الورد والأدهم.
يَطأْنَ من الأبْطَالِ مَنْ لا حَمَلْنَه وَمِنْ قِصَدِ المُرَّانِ مَا لاَ يُقَوَّمُ
المران: الرماح، وقصدها: قطعها.
[ ١ / ٣١٢ ]
ثم قال: يطأن من الأبطال من لا حملنه؛ يريد: أن خيل سيف الدولة تطأ من الأبطال المقتولين في وقائعه من لا جعلها الله أن تحمل من يصير في حاله، ويؤول إلى مآله، وكذا تطأ في تلك الوقائع من قطع الرماح ما قد تدقق فلا يمكن تقويمه، وتكسر فلا يحاول تعديله.
فَهُنَّ مَعَ السَّيدَان في البَرِّ عُسَّلُ وَهُنَّ مَعَ النِّيْنَان في الماء عُوَّمُ
السيدان: الذئاب، واحدها سيد، والعسل: المسرعة، واحدها عاسل، والنينان: الحيتان، واحدها نون.
فيقول: إن خيل سيف الدولة لكثرة غاراته، واتصال غزواته، تقطع الفلوات نحو أعاديه عسلًا مع الذئاب التي الفلوات مستقرها، وتعبر الأنهار نحوهم عائمة مع الحيتان التي الأنهار مواضعها.
وَهُنَّ مَعَ الغِزْلاَنِ في الوادِ كُمَّنُ وَهُنَّ مَعَ العِقْبَانِ في النَّيقِ حُوَّمُ
النيق: ما استعلى من حروب الجبل، والوشيج: الرماح.
[ ١ / ٣١٣ ]
وكذلك تكمن عليهم مع الغزلان في الأودية التي فيها كنسها، وتقتحم عليهم رؤوس الجبال مع العقبان التي فيها وكورها، فأشار إلى أن سيف الدولة للقوة عزائمه، ونفاذه في مقاصده، قد استوى عند خيله، وفرسان جيشه؛ البر والبحر، والسهل والوعر، لا يبعد عليه مطلب، ولا يمتنع منه موضع.
إذَا جَلَبَ النَّاسُ الوَشِيجَ فإنَّه بِهِنَّ وفي لَبَّاتِهنَّ يُحَطَّمُ
ثم قال: إذا جلب الناس الرماح على سبيل الجمع لها، وحملوها على طريق التزين بها، فإن سيف الدولة في نحور الخيل يكسرها، وبوقائعه يفنيها يحطمها.
بِغُرَّتِهِ في الحرْبِ وَالسِّلمِ والحِجَى وَبَذْلِ اللُّهَى والحَمْدِ والمَجْدِ مُعْلِمُ
المعلم: الذي يسم نفسه بعلامة يعرف بها، واللهى: العطايا، واحدتها لهوة.
فيقول: إن سيف الدولة معلم بجمال وجهه، ووفور عقله، وعموم جوده، وجلاله مجده، وإجماع الناس على حمده، وإن هذه الخلال
[ ١ / ٣١٤ ]
تسمه في سلمه وحربه، وينفرد بها من بين أبناء دهره.
يُقِرَّ لَهُ بالفَضْلِ مَنْ لا يَوَدُّهُ وَيَقضي لَهُ بالسَّعْدِ مَنْ لا يُنَجِّمُ
ثم قال: إن من لا يوده يقر بفضله، ولا يدفعه لبيانه، ومن لا ينجم يقضي بسعده، ولا ينكره لاتصاله.
أجارَ عَلَى الأيَّامِ حتَّى ظَنَنْتُهُ تُطالبُه بالرَّدِّ عادَ وَجَرْهُمُ
ثم قال: إن سيف الدولة أجار على الأيام بكفه للحوادثها، وأنصف منها بإنقاذه من
مكارهها، حتى حسبت عادًا وجرهمًا، هاتين القبلتين الفانيتين، والجماعتين الهالكتين، سيسئلانه ردهما، على بعد العهد، وما انصرم عليهما من تقادم الدهر، وأن سعادته إذا قربت ما كان يبعد، وسهلت ما كان يعسر، فما تمكن له من ذلك يوجب عليه أن يطلب بما لا يمكن فعله، ويسأل ما يمتنع مثله.
ضَلالًا لهذي الرِّيحِ ماذا تُريده وهَدْيًا لهذا السَّيلِ ماذا يُؤَمِّمُ
[ ١ / ٣١٥ ]
ثم دعا على الريح، ولم يدع لها، ودعا للسيل، ولم يدع عليه؛ لأن الريح اعترضت سيف الدولة في مسيره، ولم تسعده على شيء من أموره، والسحاب وإن كان رام ثنيه بوبله، ووعر طريقه بسيله، فإنما تلاه متعلمًا من جوده، وصحبه مسعدًا له على رأيه، قاضيًا لذمام القبر الذي قصده، ومروضًا بسقياه للربع الذي اعتمده. فيقول: ضل سعي هذه الريح، ووفق لهداه هذا السيل، ماذا تريده هذه، وماذا يقصده هذا، حين يعترضان سيف الدولة في مسيره، ويجاهران بالخلاف على أمره.
ألم يَسْألِ الوَبْلُ الذي رَامَ تَيْنَنَا فَيُخْبِرَهُ عَنْكَ الحَديدُ المُثَلِّمُ
ثم قال: ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا بسكنه، واعترضنا في طريقنا بسيله، كاشفًا عن أمره سيف الدولة، ومستفهمًا عن حاله، فيخبره الحديد الذي ثلمته وقائعه، وكسرته بالجلاد كتائبه، ويعلمه بأنه الذي لا يرد عزائمه، ولا تواجه بالاعتراض مطالبه.
وَلَّمَا تَلَقَّاكَ السَّحَابُ بِصَوْبِهِ تَلَقَّاهُ أعْلى منه كَعْبًا وَأكْرَمُ
فَبَاشَرَ وَجْهًا طَالَ ما بَاشَر القَنَا وَبَلَّ ثِيَابًا طَالَ ما بَلَّها الدَّمُ
[ ١ / ٣١٦ ]
يقول: ولما تلقاك السحاب بصوبه، واعترضك في طريقك بسكبه، تلقاه منك من يعلوه برفعته، ويزري عليه بكرم راحته، فباشر وجهًا طال ما باشر الرماح، فلم تثنه مباشرتها، وبل ثيابًا طال ما بلها الدم، ولم يعقه بللها، فكيف يهاب وقع المطر
من لا يهاب وقع الرماح، ويتألم بلل الماء من لا يتألم بلل الدم؟
تَلاَكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بَعْضَهُ مِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَاذِقَ المُتَعَلِّمُ
يقول: تلاك الغيث والبعض يتبع كله، والشكل يألف شكله، وأنت الغيث بعموم جودك، وسابغ فضلك، فقفا أثرك من الشام، يتلوك كما يتلو المتعلم الحاذق، ويقفوك كما يقفو المتأخر الأول.
فَزَارَ التي زَارَتْ بِكَ الخَيلُ قَبْرَها وَجَشَّمَهُ الشَّوقُ الذي تجَشَّمُ
التجشم: التكلف.
ثم قال: فزار الغيث المتوفاة التي زارت الخيل بك قبرها؛ يريد: أم
[ ١ / ٣١٧ ]
سيف الدولة، وجشمه شوقه إلى ذلك كالذي جشمك شوقك، وأسعدك الغيث قاضيًا لحقك، وتبعك معظمًا لقدرك، وعلم أن المتوفاة تلزم السحاب زيارتها، وتحق عليه كرامتها؛ لأنها كانت بجودها، وتزيد على صوبه بكرمها.
وَلَّما عَرَضْتَ الجَيْشَ كانَ بَهَاؤُهُ عَلَى الفَارسِ المُرْخِي الذُّؤَابَةِ مِنْهُمُ
الذؤابة: الضفيرة من شعر الرأس، ويسمى بذلك ما سدل من فضل العمامة، وإلى هذا قصد أبو الطيب.
فيقول لسيف الدولة: ولما عرضت الجيش وتصفحته، كان بهاؤه على عظم شأنه، وتكاثر شجعانه، على الفارس المعتم بين جماعة المتجففين، المرخي ذؤابة عمامته من بين سائر المغتفرين. وهذا زي أمراء العرب في الحرب، وأشار بذلك إلى سيف الدولة.
حَوَالَيْهِ بَحْرُ للتَّجافيفِ مائجُ يَسيرُ به طَوْدُ من الخَيْلِ أيْهَمُ
التجافيف: جمع تجفاف، وهو ضرب من السلاح تلبسه الرجال والخيل، والطود: الجبل، والأيهم: الطويل.
[ ١ / ٣١٨ ]
ثم قال: حواليه من تلألؤ السلاح، ولمعان التجافيف، ما بشبه البحر بكثرته،
ويحكيه ببريق جملته، ويسير بذلك البحر موكب من الخيل كالجبل الأيهم في اعتلائه وازدحامه، واكتنازه واتصاله.
تَسَاوَتْ بهِ الأقتارُ حَتَّى كَأَنَّهُ يُجَمَع أَشْتَاتَ الجبِالِ
القتر: الغبار.
فيقول: تساوت بهذا الجيش العجابات، فصار ما يثور منها في الجبل الصلد، كالذي يثور منها في القرار الرخو، يشير إلى أن هذا الجيش يسحق الجبال بكثرته، ويحطمها بعظمه، فيستوي الرهج في السهل والوعر، وفي الصلب والرخو، ويشتمل العجاج على الجميع، حتى تصير الجبال كأنها في ذلك العجاج منتظمة، وبما غشيها من الجيش متصلة، وألم بقول النابغة.
جَيْشٌ يَظَلُّ به الفَضَاءُ مُعَضَلًا يَدَعُ الآكامَ كأنَّهُنَّ صَحَارى
وَكُلُّ فَتًى للحَرْبِ فَوْقَ جَبِيْنهِ من الضَّربِ سَطْرُ بالأسِنَّةِ مُعْجَمُ
[ ١ / ٣١٩ ]
العجم: الشكل والنفط.
ثم قال: وكل فتى؛ يريد: كل فتى، قد جرحته الحرب، ووسمه الطعن والضرب، ففي جبينه للسيوف آثار مستطيلة تشبه السطر، وللأسنة فيه نكت مجتمعة تشبه العجم، وأشار باعتماد الجراح لوجوههم، إلى شجاعتهم وبأسهم، وإقدامهم وصبرهم.
يَمُدُّ يَدَيِهِ في المُفاضَةِ ضَيْغَمُ وَعَيْنَيْهِ مِنْ تَحْتِ التَّريكَةِ أرْقَمُ
المفاضة: الدرع، والضيغم: الأسد، والتريكة: البيضة، والأرقم: الحية.
فيقول: إن هؤلاء الفتيان الذين ذكرهم، كلهم أسد في شدته، أرقم أفعوان في بسالته، يمد في درعه يدي أسد؛ قوة وشدة، ويمد من تحت تريكته عيني أرقم؛ إقدامًا وشجاعة.
كأجْنَاسِها رَاياتُها وشِعَارُها وَمَا لَبِسَتْهُ والسَّلاحُ المُسَمَّمُ
الشعار: علامة ينادى بها في الحرب، والمسمم المحسن المزين.
[ ١ / ٣٢٠ ]
ثم أشار إلى الخيل التي قدم ذكرها، فقال: كأجناسها في الفضل والكرم أجناس راياتها المؤيدة، وشعارها المنصور، وما لبسته من سلاحها الشاك، وحملته من حديدها الصقيل المحسن.
وأدَّبَهَا طُولُ القِتَال فَطَرْفُهُ يُشيرُ إليها من بَعِيدٍ فَتَفْهَمُ
يقول: وأدب هذه الخيل طول ممارسة القتال، والتقلب في شدائد الحروب، ففارسها يشير إليها على بعد بما يقصده فتفهمه، ويومئ إليها بما يريده فتفعله.
تُجاوِبُهُ فِعْلًا وَمَا تَسْمَعُ الوَحَى ويُسْمِعُهَا لَحْظًَا وَمَا يتكَلَّمُ
الوحى: الاستعجال.
ثم قال: يسمعها فارسها بلحظه دون أن يتكلم، وتجاوبه بفعلها دون أن تستعجل.
تَجَانَفُ عن ذَاتِ اليَمينِ كَأنَّها تَرِقُّ لِمَيَّافارقيْنَ وَتَرْحَمُ
[ ١ / ٣٢١ ]
التجانف: الميل والعدول وميافارقين: مدينة من العواصم، كان عسكر سيف الدولة بقربها، فيقول: إن هذه الخيل تتجانف عن ذات اليمن، وهناك كانت هذه المدينة المذكورة، فكأنها تعدل عنها مشفقة، وتجانبها في سيرها مترحمة.
وَلٍوْ زَحَمَتْهَا بالَمنَاكِبِ زَحْمَةً دَرَت أَيُّ سُوْرَيْهَا الضِّعيفُ المُهَدَّمُ
ثم قال: ولو زاحمتها هذه الخيل بمناكبها، وصادمتها بمواكبها؛ لأيقنت أن سور هذه المدينة مع شدة قوته، وشهرة منعته، كان يعجز عن زحام سورة هذه الخيل وينخر، ويضعف دون ذلك ويتهدم. وأشار بهذا الوصف إلى عظم هذا الجيش، وجعل سورًا، أخبر عنه على طريق الاستعارة.
عَلَى كُلَّ طَاوٍ تَحْتَ طَاوٍ كَأنَّهُ مِنَ الدَّمِ يُسْقَى أوْ مِنَ اللَّحْمِ يُطْعَمُ
الطاوي: الضامر البطن.
فيقول: إن فرسان هذا الجيش، كلهم طاو في خلقه، ضرب في
[ ١ / ٣٢٢ ]
جسمه، على الخيل
كلها طاو بطنه، مجدول خلقه، كأنما يسقى من فهو يتجرعه ولا يستكثر، ويطعم اللحم، فهو يتبلغ به ولا يستبطن.
لها في الوَغَى زِيُّ الفوارسِ فَوْقَها فَكُلُّ حِصَانٍ دَارعُ مُتَلتَّمُ
وَمَا ذاكَ بُخْلًا بالنّفُوسِ عَلَى القَنَا وَلَكنَّ صَدْمَ الشَّرِّ بالشَّرَّ أحْزَمُ
الحصان: الذكر من الخيل.
ثم قال: وهذه الخيل بالدروع مشتملة، وفي الجواشن متلثمة، وفي زي فرسانها، وعلى حال ركبانها، وليس ذلك فرقًا من الموت، وتهيبًا للسلاح، ولكن الحزم أن يصدم الشر بمثله، ويتقدم إليه بشكله.
أتَحْسِبُ بِيضُ الهِنْدِ أصْلَكَ أصْلَها وأنَّكَ مِنها؟ سَاَء ما تَتَوَهَّمُ
يقول: أتحسب سيوف الهند مع جلالتها ورفعتها، ونفاذها وهيبتها، أنك منها، بمشاكلتها لك في الاسم، وموافقتها لك في اللقب؟ ساء ما ظنته، وخاب سعيها فيما توهمته! إن السيوف بعض آلاتك؛ تصرفها ولا تصرفك، وتستعملها ولا تستعملك.
[ ١ / ٣٢٣ ]
إذا نحنُ سَمَّينَاكَ خِلْنَا سُيُوفَنَا مِن التِّيهِ في أغْمَادِها تَتَبَسَّمُ
ثم قال: إذا نحن سميناك بسيف الدولة، خلنا سيوفنا في أغمادها تتبسم، مزدهية بك، وتتكبر بادعائها لك.
ولم نَرَ مَلْكًا قَطُّ يُدْعى بِدونِهِ فَيَرْضَى وَلَكِنْ يَجْهَلونَ وَتَحْلُمُ
يقول: ولم نر ملكًا قبلك يدعى بدونه، بما يتواضع عن قدره فيرضى ويصبر، ويغضي ويغتفر، ولكنهم يجهلون وتحلم، ويقصرون عن حقيقة وصفك فتكرم.
أخذتَ على الأرواحِ كل ثنية من العيش تعطي من تشاء وتحرم الثنية: الطريق في رأس الجبل.
فيقول: أخذت على نفوس الناس بمجاميع الطرق. يشير بذلك إلى قوة ملكه، وتمكن أمره. فأنت تعطي من أطاعك ورجاك، وتحترم من خالفك وعصاك،
عالمًا بما تفعله، قادرًا على ما تقصده، تسعدك الأقدار على إرادتك، وتسهل لك وجوه رغبتك.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فَلاَ مَوْتَ إلاَّ مِنْ سِنَانِكَ يُتَّقَى ولا رِزْقَ إلاَّ من يَمِينِكَ يُقْسَمُ
ثم قال: فلسنا نعلم قتلًا يتقى، إلا من سلاحك في وقائعك، ولسنا نعلم عطاء يقصد، من غير هباتك ومكارمك.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وضرب لسيف الدولة بميافارقين خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن المقام يتصل. وهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الحساد عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذَّلُ وَتْشَملُ مَنْ دَهْرَها يَشْملُ
يقول: أينفع في الخيمة أن تلام بفعلها، وتعذل على سقوطها؟ وعذرها بين، والموجب لفعلها ظاهر. كيف لها أن تشمل الدهر بسلطانه، ويجير عليه بإحسانه!
وِتَعْلُو الذي زُحَلُ تَحْتَهُ مُحَالُ لَعَمْرُكَ ما تُسأَلُ
ثم قال: وكيف تعلو من يتواضع زحل عن رفعته، ويقصر دون بلوغ منزلته؟ محال ما تسأله، وممتنع ما تحمله.
فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لاَمَها وَمَا فَصُّ خَاتِمهِ يَذْبُلُ
ثم قال: ولم لا تلوم هذه الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس
[ ١ / ٣٢٦ ]
الذي تهيبته، وأعجزها الاشتمال عليه، يقصر يذبل مع عظمه عن فص خاتمه، ويخف عند ركابته كخفته، ويقل عند جلالته كقلته؟
تَضِيقُ بِشَخْصِكَ أَرْجَاؤها وَيَرْكُضُ في الوَاحِدِ الجَحْفَلُ
ثم قال، مخاطبًا لسيف الدولة: تضيق أرجاء هذه الخيمة بشخصك إعظامًا له، وفي الواحد من تلك الأرجاء يركض الجيش العظيم، ويتصرف الجمع الكبير، فإنما ضاقت بك على طريق الإجلال لك.
وَتَقْصُرُ مَا كُنْتَ في جَوْفِها وَيُرْكَزُ فِيها القَنَا الذُّبَّلُ
ثم قال: وتقصر عند كونك في جوفها، مكبرة للاشتمال عليك، وتضطرب مستعظمة للاستعلاء فوقك، وذلك لجلالتك لا لصغرها وقصرها، ولهيبتك لا لتطأطؤها؛ لأن القنا الذبل تركز فيها لعلوها، وتقصر عنها لارتفاعها.
وَكَيْفَ تَقُومُ عَلَى راحةٍ كَأنَّ البِّحَارَ لها أنْمُلُ
ثم قال، باسطًا لعذر الخيمة في سقوطها: وكيف تقوم هذه الخيمة مشتملة على من البحار كالأنمل لراحته، يعمها بأيسر جوده، ويزيد عليها بأقل بذله؟
[ ١ / ٣٢٧ ]
فَلَيْتُ وَقَارَكَ فَرَّقْتَهُ وَحَمَّلْتَ أرْضَكَ مَا تَحْمِلُ
ثم قال: فليتك أيها الرئيس فرقت وقارك وقسمته، وشاركت فيه وبعضته، وحملت الأرض منه ما تحمله، وكلَّفتها ما تبلغه!
فَصَارَ الأنَامُ بهِ سَادَةً وَسُدْتَهُمُ بالذي تَفْضُلُ
ثم قال: فكان في ذلك ما يصير الأنام به سادة بمثله، ورؤساء بما يصل إليهم من فضله، وكان فيما يفضل عنهم ما تسود به جماعتهم، وتستحق معه رياستهم.
رَأتْ لَوْنَ وَجْهِكَ في لَوْنِهَا كَلَوْنِ الغَزَالَةِ لا يُغسَلُ
ثم قال: رأت هذه الخيمة لون وجه سيف الدولة في لونها، وتلألؤ حسنه في حسنها، كنور الشمس يشرق ولا يغسل، ويضيء ولا يغير.
وَأنَّ لها شَرَفًا بَاذِخًَا وَأنَّ الخِيَامَ بها تَخْجَلُ
ثم قال: ورأت أن لها به شرقًا باذخًا، واعتلاء ظاهرًا، وأنها تخجل الخيام بعجزها، وتحقرها بجلالة قدرها.
[ ١ / ٣٢٨ ]
فلا تُنْكِرَنَّ لها صَرْعَةً فَمِنْ فَرِحَ النَّفْسِ ما يُقْتُلُ
ثم قال: وغير بديع أن يصرعها طربها، ويستخفها فرحها، فمن الفرح ما يقتل بشدته، ومن الطرب ما يضر بزيادته.
وَلوْ بُلِّغَ النَّاسُ مَا بُلِّغَتْ لَخَانَتْهُمُ حَوْلَكَ الأرْجُلُ
ثم قال: ولو بلغ الناس العقلاء ما بلغته هذه الخيمة، من الصيانة لك، والاتصال بك، والاشتمال عليك، لخانتهم أرجلهم، فلم تحملهم، وصرعهم فرحهم، ولم يحملهم.
وَلَما أمرتَ بِتَطْنِيْبِها أشيْعَ بأنَّكَ لا تَرْحَلُ
ثم قال لسيف الدولة: ولما أمرت بنصب هذه الخيمة، ومد أطنابها، أشاع الناس أن ذلك لأمر وقفك عن الرحيل، وعذر ثبطك عن الغزو.
فما اعْتَمَدَ اللهُ تَقْويضَها وَلَكِنْ أشِارَ بما تَفْعَلُ
فلم يكن سقوطها إرادة من الله، لحط ما رفعته منها، ولكن نبهك على الرحيل الذي أعرضت عنه، وأراك رشدك في النهوض الذي أخرت أمره.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وَعَرَّفَ أنَّكَ مِنْ هَمِّه وأنَّكَ في نَصْرِهِ تَرْفُلُ
ثم قال: وأبان أنه يذكرك راضيًا عنك، وينصرك مانعًا منك، ففي نصره ترفل، وفي تأييده تتقلب.
فما العَانِدُون وما أثَّلُوا؟ وَمَا الحاسِدونَ وما قَوَّلُوا؟
ثم قال: وما قدر العاندين وما جمعوه، وما بلغ حسدهم، ومبلغ ما اختلفوه، إذا اقترن ذلك بجلاله سلطانك، واستضاف إلى علو مكانك؟
هُمُ يَطْلُبونَ فَمَنْ أدَرَكوا؟ وَهُمُ يَكْذبونَ فمن يَقْيْلُ؟
ثم قال: هم يجتهدون في الطلب، فسلهم أين منزلة من أدركوه من نظرائهم من منزلتك؟ وأين محلهم من علو رتبتك؟ وهم يكذبون، فسلهم عمن يقبل كذبهم، ويسمع إفكهم إلا طغام لا يحفل بهم، وهمج لا يعرج عليهم؟
وَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ ما يَشْتَهُونَ وَمِنْ دُونِهِ جَدُّكَ المُقْبِلُ
ثم قال: وهم يتمنون من الظهور عليك، بحسب ما تبلغه شهواتهم، ويعترضهم دون ذلك، إقبال جدك، وتمكن سعدك، وما يتكفل الله به من إعلاء أمرك.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وَمَلْمومَةٍ زَرَدُ ثَوْبُها ولكِنْهُ بالقَنَا مُخْمَلُ
يقول لسيف الدولة: ورب كتيبة لك، لباس فرسانها الدروع، حتى كأنها منها في ثوب شامل، ولباس سابغ، إلا أن ذلك الثوب محتمل بالرماح البادية منه، مشعب بالقنا المتشاجرة فيه.
يُفَاجِئُ جَيْشًَا بِهَا حَيْنُهُ وَيُنْذِرُ جَيْشًَا بِهَا القَسْطَلُ
ثم قال: إذا فاجأت تلك الكتيبة جيشًا فاجأه بها حينه، وقابله منها حتفه، ويقدمها
عند إيقاعها به من عجاج خيلها، ورهج غبارها، ما ينذر غير ذلك الجيش بأمرها، ويهزمه بتوقع بأسها.
جَعَلْتُكَ بالقَلْبِ لي عُدَّةً لأنَّك باليَدِ لا تُجْعَلُ
ثم قال: جعلتك بالقلب لي عدة أعتدها، وعصمة أعتقدها؛ لأنك أرفع من أن تصرف فتنقل، وتتناول باليد فتجعل.
لَقَد رَفَعَ اللهُ من دَوْلةٍ لَهَا مِنْكَ يا سَيْفَها مُنْصُلُ
[ ١ / ٣٣١ ]
ثم قال: لقد رفع الله شأن دولة صيرك سيفها، وأنت ملك الملوك (وجعلك) منصلها، وأنت أمير الأمراء.
فإن طُبِعَتْ قَبْلَكَ المُرْهَفَاتُ فإنَّكَ مِنْ قَبْلِها المِفْصَلُ
يقول: فإن تقدمتك السيوف بزمان طبعها، وسبقتك بوقت صناعتها، فأنت تسبقها بنفاذ أمرك، وتتقدمها بمضاء عزمك.
وإن جَادَ قَبْلَك قَوْمُ مَضَوْا فإنَّكَ في الكَرَمِ الأوَّلُ
ثم قال: وإن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم، وتراخت مددهم، فأنت تتقدمهم بعموم جودك، وتسبقهم بسبوغ كرمك، فإن تقدموك بالزمان، فأنت تتقدمهم بالإحسان.
ثم قال: وكيف تقصر عن غاية من الفضل، ومنزلة من الكرم والبأس، والأسد ولدتك، وثديها أرضعتك؟
وَكَيْفَ تُقَصِّرُ عن غَايةٍ وأمُّكَ مِنْ لَيْثِها مُشْبِلُ
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَقَدْ وَلَدَتْكَ فَقَالَ الوَرَى ألم تَكُنِ الشَّمْسُ لا تَنْجُلُ
ثم قال: وقد ولدتك أمك، وهي الشمس في رفعة قدرها، وجلالة أمرها، فاستعظم الناس أن يكون مثلها يلد، ومن صار في مثل منزلتها ينسل، فكيف بك وأمك الشمس جلالة ورفعة، وأبوك الأسد صرامة وشدة؟
فَتَبًَّا لِدينِ عَبيدِ النُّجومِ وَمَنْ يَدَّعي أنَّها نَعْقِلُ
ثم يقول: فأهلك الله أصحاب النجوم، والمصدقين بها، وعبيدها المعظمين لها، وأبعد الله القائلين: إنها عاقلة مميزة، وعالية مدبرة.
وَقَدْ عَرَفَتْكَ فَمَا بَالُهَا تَرَاكَ تَرَاهَا ولا تَنْزِلُ
وقد عرفتك وشاهدتك، وأبصرتك وتبينتك، فما بالها تراك تنظر إليها ولا تنزل خاضعة لك، وتنحط من أماكنها متواضعة عنك؟ وهي في الحقيقة لا تبلغ رتبة فضلك، ولا تقارب جلالة قدرك.
وَلَوْ بِتُّمَا عِنْدَ قَدْرَيْكُما لَبِتَّ وأعَلاكُمَا الأسْفَلُ
يقول: ولو بتما، وموضع كل واحد منكما على حسب فضله، ومكانه حيث يستحق بقدره، لبت في مواضع النجوم، وباتت في موضعك، تعلوها وتسفل منك، وتسبقها وتتواضع عنك.
[ ١ / ٣٣٣ ]
أنَلْتَ عِبَادَك ما أمَّلَتْ أنَالَكَ رَبُّكَ ما تَأمُلُ
ثم قال: أنلت عبيدك، وهم العباد، ما أملوه من فضلك، وحققت رجاءهم فيما استدعوه من كرمك، أنالك ربك ما تأمله، وأيدك على ما تقصده، وتكفل لك بتقريب ما تريده.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس، في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وأصبح وقد صف الجيش قاصدًا سمندو، وكان أبو الطيب متقدمًا، فالتفت فرآه وقد خرج من الصفوف يدير رمحًا بيده، فرجع إليه، فسايره، وأنشده:
لِهذا اليومِ بَعْدَ غدٍ أريجُ وَنَار في العَدُو لها أجِيْجُ
الأريج: الفوج، وأجيج النار: اشتعالها.
فيقول: لهذا اليوم بعد غد، بطيب ذكره، وكريم خبره، ومشكور أثر سيف الدولة فيه، فوح يتضوع، وطيب يعبق، ونبأ محمود يؤثر.
تَبِيْتُ بِهِ الحَوَاصِنُ آمِنَاتٍ وَتَسْلَمُ في مَسَالِكِها الحَجِيجُ
الحواصن: العفائف، واحدتهنَّ حصان.
ثم قال: يشير إلى ما يوقعه سيف الدولة في ذلك اليوم بالعدو، وأن ذلك يوجب له من قوة سلطانه، ما تأمن به الحواصن من نساء
[ ١ / ٣٣٥ ]
الثغور، وما يسلم معه السالكون لطرق الحج.
فَلاَ زَالَتْ عُدَاتُكَ حَيْثُ كَانَتْ فَرائِسَ أيهَّا الأسَدُ المَهِيج
فريسة الأسد: ما دق عنقه.
فيقول لسيف الدولة: فلا زالت أيها الرئيس، الذي يشبه اهتياجه في حربه اهتياج الأسد عند غضبه، عداتك حيث تصرفت من الجهات، وأين كانت من البلاد، فرائس تصرعهم وقائعك، وتتحكم فيهم صوارمك.
عَرَفتُكَ والصّفوفُ مُعّبَّاتُ وأنتَ بغَيْرِ سَيْرِكَ لا تَعيْجُ
العائج: المكترث، يقال: عاج بعيج إذا اكترث، وعاج يعوج إذا انعطف.
ثم قال: عرفتك مع كثرة عساكرك، وازدحام كتائبك، والصفوف معبئات للحرب، مهيئات للطعن والضرب، وأنت لا تحفل بغير سيرك ولا تكترث للقاء عدوك.
وَوَجْهُ البحرِ يُعْرَفُ من بعيدٍ إذا يِسْجُو فكيفَ إذا يَمُوجُ
[ ١ / ٣٣٦ ]
يقال: البحر يسجو إذا سكن، ويموج إذا ارتج.
ثم ضرب مثلًا، فقال: وكذلك البحر لا يخفي موضعه مع سكونه، ولا يغيب عن الأبصار مع قراره، فكيف إذا هاج وزحر، وارتج وطمح؟! وأنت كذلك، لا يخفي على البعيد موضعك مع السلم، فكيف بك عند تأهبك للحرب؟!
بأَرضٍ تَهْلِكُ الأشْوَاطُ فيها إذا ملَئِتْ من الركضِ الفُرُوجُ
الأشواط: جمع شوط، وهو ما بين أول الطلق وآخره.
فيقول: إن هذا الجيش يسير من أرض الروم في أرض بسيطة، بعيد آخرها، نائية نهايتها، وإن ذلك البعد يقرب على هذا الجيش بشدة ركضه، وسرعة سيره، فتهلك الأِشواط عند ما هو بسبيله من الإسراع إلى العدو، والجد في قصده.
تُحَاولُ نَفْسَ مَلْكِ الرومِ مِنْهاَ فَتَفْدِيهِ رَعِيَّتُهُ العُلُوجُ
ثم قال: تحاول من هذه الأرض نفس ملك الروم، فتيقنا بفراره، ويعتصم منا بهربه، ويجعل فداءه رعيته المغنومة، وعساكره المهزومة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
أَبا الغَمَراتِ تُوْعِدُنَا النَّصَارى وَنَحنُ نُجُومُها وَعسَ البُرُوجُ
غمرات الحرب: شدائدها.
فيقول: أبشدائد الحرب تواعدنا النصارى، وهي أوطاننا التي نألفها، ومواضعنا التي نسكنها؟ فانتقالنا فيها كانتقال النجوم في بروجها، وتصرفها في منازلها، فكيف نهاب ما لا نعدمه، ونتوقع ما لا نفقده؟!
وَفِينَا السيْفُ حَمْلَتُهُ صَدُوق إذَ لاَقى وَغَارَتُهُ لَجوجُ
ثم قال، مؤكدًا لما قدمه: وفينا سيف الدولة، وهو السيف صرامة وشدة، ونفاذًا وعزيمة، إن حمل صدقت حملته، وإن أغار أبعدت في المقصد غارته.
نُعَوِّذُهُ من الأعيانِ بَأسًا وَيَكْثُرُ بالدُّعاءِ لَهُ الضَّجِيْجُ
ثم قال: نعوذه من بأس العيون مخافة أن تلقعه، ويكثر الضجيج بالدعاء له شكرًا
على ما يفعله.
رَضِيْنَا والدُّمُسْتُقُ غَيْرُ راضٍ بِمَا حَكَمَ القواضِبُ والْوَشِيجُ
الدمستق بالرومية: قائد جيوش الروم، والقواضب: السيوف، والوشيج: الرماح.
[ ١ / ٣٣٨ ]
فيقول: رضينا بما حكمت به السيوف والرماح، من استباحة بلاد الروم، وسبي نسائهم، وقتل رجالهم، والدمستق لا يرضى بذلك الحكم؛ لما فيه من هتك ملكه، وإذلال عزه.
فإنْ يُقْدِمْ فَقَدْ رُرْنَا سَمَنْدُو وإن يُحْجِمْ فَمَوْعِدُه الخَليجُ
سمندو: حصن يتوسط بلاد الروم، والإحجام: التأخر، والخليج: ما انجر إلى القسطنطينية من البحر.
ثم قال: فإن يقدم فيها نحن اؤلاء بسمندو، وهي من وسائط أرضه، فليقدم إن كانت به على ذلك قوة، وإن يحجم فنحن على أثره لا ننصرف عن الخليج حتى نرده، ولا نتأخر عنه حتى نبلغه.
[ ١ / ٣٣٩ ]
شرح غزاة المصيبة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
ومر سيف الدولة في هذه الغزاة بسمندو، وعبر آلس، وهو نهر عظيم، ونزل على صارخة فأحرق ربضها وكنائسها، وربض خرشنة وما حولها، وأكثر القتل وأقام بمكانه أيامًا، ثم رحل حتى عبر آلس راجعًا، فلما أمسى ترك السواد وأكثر الجيش، وسار حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهرًا، فلقي الدمستق، وكان في ألوف من الخيل، فلما نظر إلى أوائل خيل المسلمين ظنها سرية، فثبت لها، وقاتل أوائل الناس حتى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة فانهزم، وقتل من فرسانه خلق (كثير)، وأسر من بطارقته نيف على ثمانين، وأفلت الدمستق، ولذلك قال أبو الطيب:
[ ١ / ٣٤٠ ]
ذَمَّ الدُّمُسْتُقُ عَيْنَسهِ وَقَدْ طَلَعَتْ سُودُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أَنَّها قَزَعُ
وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانمًان فلما وصل إلى عقبة تعرف بمقطعة الأَثفار، صافة العدو على رأسها، فأخذ سيف الدولة ساقة الناس يحميهم، فلما انحدر بعد عبور الناس، ركبه العدو، فجرح من الفرسان جماعة، وفي ذلك قال أبو الطيب:
وَفَارِسُ الخَيْلِ مِنْ فَوَقَّرَهَا في الدَّربِ والدَّمُ في أعْطَافِها دُفَعُ
ونزل سيف الدولة على بردان، وهو نهر، وضبط العدو عقبة السير، وهي عقبة صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها، وكثرة العدو بها، فعدل مياسرًا في طريق وصفه له يعض الأدلة، وأخذ ساقة الناس، وكانت الإبل كثيرة معيية، واعترضه العدو آخر النهار من
[ ١ / ٣٤١ ]
خلفه، فقاتله إلى العشاء، وأظلم الليل، وتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون سوادهم، فلما رأى ذلك، وبقي وحده مع نفر يسير، سار حتى لحق بالسواد تحت عقبة قريبة من بحيرة الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانيين، وجعل سيف الدولة يستنفر الناس، فلا ينفر أحد، ومن تخلص من العقبة نهارًا لم يرجع، ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة، وتخاذل
الناس، وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة الزراورة وكل من كان في السلاسل وسار سيف الدولة واجتاز أبو الطيب العدو آخر الليل بجماعة من المسلمين، يعضهم نائم بين القتلى من التعب، وبعضهم يحركونها فيجهزون على من تحرك؛ فلذلك قال أبو الطيب:
وَجَدْتُموهُمْ نِيامًَا في دِمَائِكُمُ كَأَنَّ قَتْلاَكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
[ ١ / ٣٤٢ ]
ورجع سيف الدولة إلى حلب، فقال أبو الطيب بعد القفول يصف الحال، أنشدها سيف الدولة في جمادى الأخيرة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة:
غَيْري بأكثِر هذا النَّاس يَنْخَدِعُ إن قاتَلُوا جَبُنُوا في حَدَّثوا شَجُعُوا
الناس، اسم من أسماء الجموع يخبر عنه بالإفراد على لفظه، وبالجمع على معناه.
فيقول: غيري ممن يجهل الناس ولا يعرفهم، يغير بأكثرهم فيخدعونه بالدعاء، ويغرونه بالكذب، وشأنهم، وحيلتهم، وحالهم وحقيقتهم، أنهم يشجعون في حديثهم وما يعدون به من أنفسهم، ويجبنون في قتالهم، ويضعفون عند اختبارهم. وأشار إلى ما تظهر من عجز أصحاب سيف الدولة في هذه الغزاة التي سميت بغزاة المصيبة، التي تقدم ذكرها.
أَهْلُ الحَفِيْظَةِ إِلاَّ أَنْ تُجَرّبَهُمْ وَفي التجِارِبِ بَعْدَ الغَيَّ ما يَزَعُ
الحفيظة: الأنفة، والوزع: الكف.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ثم قال: يظهرون الحفيظة والصبر، والأقدام والجلد، ويتزينون بذلك ما لم تقع التجربة لهم، وفي تجربتهم ما يمنع من الاغترار بكذبهم، وينزع عن الغي في حسن الظن بهم.
وما الحَيَاةُ وَنَفْسٍي بَعْدَمَا عِلَمَتْ أَنَّ الحَياةَ كما لا تَشْتَهي طَبَعُ
الطبع: الدنس.
ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهرة، وسلم مارنه
فيقول: وما لنفسي والركون إلى الحياة، والحرص عليها، والاغتزار بها، وهي تعلم أن حياة الإنسان على حال يكرهها، وطريقة لا يستحسنها؛ دنس ودناءة، وسقوط وضعة.
لَيْسَ الجَمَالُ لِوَجْهٍ صَحَّ مارِنُهُ أَنْفُ العَزِيْزِ بِقَطْعِ العِزَّ يُجْتَدَعُ
المارن: مقدم الأنف وهو ما لان منه.
ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهره، وسلم مارنه، واعتمد المارن من بين سائر الوجه؛ لأن العرب تفعل ذلك فتقول: أرغم الله أنف فلان، فتقصد الأنف من بين سائر الوجه.
فيريد: أن جمال الوجه ليس بسلامة ظاهرة، فأنف العزيز يجتدع بالإذلال، وحسنه يستلب بالإخلال به.
[ ١ / ٣٤٤ ]
أَأَطْرَحُ المَجْدَ عَنْ كِتْفِي وأطْلُبُهُ وأتْرُكُ الغَيْثَ في غِمْدي وأنْتَجِعُ
الانتجاع: طلب الكلأ.
فيقول: أأدع أن أحوز المجد بالسيف، وأكتسب المال من طريق الحرب، وأتناول ذلك بالطلب، وأتكلف فيه أشد الشعب، فأكون كمن طرح عن كتفه ما يطلبه، وترك في غمده ما ينتجعه.
وَالمَشْرَفِيَّةُ لا زَالَتْ مُشَرَّفَةً دَوَاَء كُلِّ كَريمٍ أوْهِيَ الوَجَعُ
ثم قال: والمشرفية لا زالت مشرفة، فأبدع في المجانسة، ودعا للسيوف بدوام الرفعة؛ لأنها دواء الكريم الذي يستشفي به إذا أسعدته، أو وجعه الذي يتشكاه إذا خذلته.
وَفارِسُ الخَيلِ مَنْ خَفَّتْ فَوَقَّرَهَا في الدَّرْبِ والدَّمُ في أعْطَافِها دُفَعُ
الدرب: المدخل إلى بلاد العدو، والعطف: الجانب.
فيقول: وفارس الخيل من وقرها وقد استفزها الخوف، وثبتها
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقد استولى عليها
الوجل، فاقتدت بصبره، وشجعت بموضعه، والدم دفع في جوانبها، عضتها الحرب، وأنهكها الطعن والضرب، وأشار إلى سيف الدولة وما ظهر من جلده في هذه الوقعة.
وَأوْحَدَتْهُ وَمَا في قَلْبِهِ قَلَقُ وأغْضَبَتْهُ وَمَا في لَفْظِهِ قَذَعُ
القذع: السب.
ثم قال: وأوحدته، يريد: أن الخيل أفردته بتوليها عنه، فلم يحدث ذلك فلقًا في قلبه، وأغضبته بما ظهر عليها من قلة الصبر، فلم يوجب ذلك قذعًا في لفظه، بل ثبت عند اضطرابها ثبات الواثق بنفسه، وأقدم المعول على شجاعته وبأسه.
بالجَيْشِ تَمْتَنِعُ السَّادَاتُ كُلُّهُمُ والجَيْشُ بابن أبي الهيجاء يَمْتَنِعُ
يقول: إن السادات كلهم، إنما يعدون الجيوش ليمتنعوا بها، ويتعززوا بكثرتها، وسيف الدولة يمنع جيشه، ويعز جمعه، ويحميه ولا يحتمي به، ويشجعه ولا يشجع بموضعه.
قَادَ المقَانِبَ أقَصَى شُرْبِها نَهَلُ على الشَّكيمِ وأدنى سَيْرَها سِرَعُ
[ ١ / ٣٤٦ ]
المقنب: ثلاث مائة من الخيل أو نحو ذلك، والجمع مقانب، والنهل: الشرب الأول والشكيم: جمع شكيمة، وهي حديدة اللجام المعترضة في فم الدابة، والسرع: شدة الإسراع.
ثم قال، مبينًا لما ذكره عنه: قاد مقانب الخيل إلى أرض العدو مجتهدًا في سيره مقتحمًا على تلك البلاد في غزوه، فسار وأقصى شرب خيله النهل على الشكيم، لا يوجدها السبيل إلى نزع لجمها، واستيفاء الري في شربها، وأدنى ما تتكلفه من السير والسرع الذي هو غاية الجري، وأقصى ما تحاول من العدو، يشير إلى ما كان عليه سيف الدولة في هذه الغزاة من الجد، وما احتمل عليه من قوة العزم.
لا يَعْتَقِي بَلَدُ مَسْراهُ عن بَلدٍ كالموتِ لَيْسَ لَه رِيُّ ولا شَبَعُ
يعتقي: بمعنى يحبس، وهو مقلوب من عاق يعوق، كان أصله يعتاق، فقلب إلى يعتقي. وخرشنة: اسم مدينة من مدائن الروم.
فيقول: إن سيف الدولة سار مجدًا في سيره، مقتحمًا على الروم في غزوه، لا يعوقه بلد عمًا بعده، ولا يقنعه حصن يفتتحه عن التماس ما خلفه، كالموت الذي لا يرويه ولا يشبعه كثرة من يفنيه ويهلكه.
[ ١ / ٣٤٧ ]
حَتَّى أقَامَ عَلَى أَرْبَاضِ خَرْشَنَةٍ تَشْقَى به الرُّومُ والصُلْبَانُ والبِيَعُ
ثم قال: حتى أقام على أرباض خرشنة، وهي من وسائط تلك البلاد، وقد شقيت الروم بكثرة من قتلة وسباه منها، وشقيت الصلبان والكنائس بكثرة ما أحدثه من التغيير والهدم فيها.
لِلسَّبْي ما نَكَحوا، والقَتْل ما ولَدوا والنَّهْبِ ما جَمَعُوا، والنَّارِ ما زَرَعوا
يقول: إن سيف الدولة أهلك تلك البلاد بسبي ما نكحه أهلها، وقتل من ربوه من أولادهم، ونهب ما جمعوه من أموالهم، وإحراق ما رجوه من زروعهم، ومثل هذا التصنيف باب من البديع يعرف بالتقسيم.
مُخْلَّى لَهُ المَرْجُ مَنْصُوبًا بَصارِخَةٍ لهُ المَنابِرُ مَشْهُودًا بها الجُمَعُ
المرج: موضع متوسط في بلاد الروم، وصارخة: مدينة من مدائنهم طال اضطراب سيف الدولة حولها.
ثم قال: مخلى له المرج مع توسطه في بلاد الروم، ولا يمكنهم الظهور فيه؛ لما يحذرونه من عسكر سيف الدولة، منصوبًا له المنابر بصارخة،
[ ١ / ٣٤٨ ]
قد اقتدر المسلمون على ملكها، وأطالوا الانتشار في أرضها، وصاروا لذلك في حالة الساكنين بها، فأقاموا الجمع فيها، وخطبوا لسيف الدولة في جهاتها.
يُطَمِّعْ الطَّيْرَ فِيهم طُولُ أكْلِهِمِ حَتَّى تَكادُ عَلَى أحْيائِهمْ تَقَعُ
يقول: إن سيف الدولة قد أدام قتل الروم، وقوت الطير بلحومهم في وقائعه، حتى
نكاد لما اعتادته من ذلك، تقع على أحيائهم فتأكلهم، وتعرضهم في طرقهم فتخطفهم.
وَلَوْ رَآهُ حَوَارِ يَّوهُمُ لَبَنَوا عَلَى مَحَّبتِهِ الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا
ثم قال: ولو رأى سيف الدولة حواريو الروم، وشهدوا مكارمه وفضله، وإنصافه وعدله، وإقدامه وبأسه، مع موضع الحواريون من الصدق، واحتمالهم على طرق الحق، لبنوا شريعة الروم على محبته، وألزموهم الاحتمال على طاعته.
ذَمِّ الدُّمُسْتُقُ عَيْنَيْهِ وَقَدْ طَلَعَتْ سُددُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أنَّها قَزَعُ
القزع: قطع السحاب، والدمستق: قائد جيوش الروم.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فيقول إن موكب سيف الدولة طلعت متتابعة كأنها قطع السحاب، فأشكلت على الدمستق وأصحابه، ولم تنفصل لهم من الفرع، فذم عينيه لذلك، وهو الذي ينظر فلا له نظره ما يبصره.
فيها الكُمَاةُ التي مَفُطُومُها رَجُلُ عَلَى الجِيَاد التي حَوْلِيُّهَا جَذَعُ
ثم وصف تلك الكتائب، فقال: إن فرسانها لتمام خلقهم، وعظم أجسامهم، في حين الفطام على هيئات الرجال، فما ظنك بهم عند الكمال، وبلوغ الأسد؟! وكذلك خيولهم حوليها في هيئة الجذع؛ جسارة وقوة، فكيف تظنها قارحة متكاملة، مستوفية لسن القوة، متناهية؟!
يُذْرِي اللقُّانُ غُبَارًا في مَنَاخِرِهَا وفي حَنَاجِرِهَا من آلِسٍ جُرَعُ
اللقام: كوضع معروف في بلاد الروم، وآلس: نهر عظيم من أنهارهم.
فيقول: إن هذه الخيل لسرعة سيرها، وشدة عدوها، وردت اللقان، وصار غبارة في مناخرها وحناجرها لم تجف من ماء آلس،
[ ١ / ٣٥٠ ]
وهو النهر الذي غبر فيه من صارخة، وبين الموضعين مسافة طويلة، فأشار إلى ما كانت عليه هذه الخيل من قوة ركضها، وإسراعها في إغارتها.
كَأنَّما تَتَلقَاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْ فالطَّعْنُ يَفْتَحُ في الأجْوَفِ مَا تَسَعُ
ثم قال، كأنما تتلقى هذه الخيل الروم لتسلك أجسادهم، وتتخذ طرقًا في جسومهم، فطعن فرسانها فيهم يفتح ما يسعهم، ويخرق ما لا يضيق بهم، وليس في الإفراط بأعجب من قول النابغة يصف سيوف بني جفنه.
تَقُدُّ السَّلوُقيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ وَتُوِقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحبِ
تَهْدِي نَوَاظُرَها والحَربْ مُظْلِمَةُ من الأَسِنِةِ نَارُ والقَنَا شَمَعُ
يقول: إن خيل سيف الدولة تهدي نواظرها في وقائعه،
[ ١ / ٣٥١ ]
والحرب مظلمة، بما يثور فيها من العجاج، ويسطع من الغبار، اتقاد الأسنة التي تشبه المصابيح، بضيائها في رؤوس القنا، التي تشبه الشمع في إشراقها بها، وهذا مما شبه فيه شيئين بشيئين في بيت واحد، أصح تشبيه، وذلك غاية الأبداع.
دُونَ السَّهامِ ودُونَ الفَر طافِحَةً عَلَى نفوسِهِم المُقَدَرَّةُ المُزُعُ
المقورة: الضامرة، والطافحة: المستعلية، والمزع: المسرعة.
ثم قال: يريد الروم، دون وقوع السهام فيهم، واتفاق ما حاولوه من الفرار لهم، اقتحمت عليهم المقورة المزع من خيل سيف الدولة فصرعتهم، وأعجلتهم عن الفر فقتلتهم، وطفحت فوقهم تطؤهم حوافرها، وتدوسهم سنابكها. وقصد السهام من بين سائر السلاح، مشيرًا إلى غلبة هذه الخيل لهم في أول القتال؛ لأن الرمي في القتال أول الحرب، وقد بين ذلك زهير بقوله:
[ ١ / ٣٥٢ ]
يَطْعَنُهُم ما ارتموا حَتَّى إذا اطَّعَنوا ضَارَبَ، حَتَّى إِذا ما ضَارَبوا اعَتَنَقا
فأخبر بأن هذه الخيل صرعتهم في أول الحرب، ومنعتهم ما راموه من الفر.
إذَا دَعَا العِلْجُ عِلْجًا حَالَ بَيْنَهُما أَظْمَى تُفَارقُ مِنْهُ أُخْتَها الضَّلعُ
الأظمى: الأسمر الذابل، وكنى به عن الرمح.
فيقول: إذا دعا العلج علجًا يستعينه، وينتصر به، حال بينهما أظمى من الرماح،
تفارق به الضلع أختها، مع تآلفها بالخلقة، فكيف بتفريقه بين العلجين، وإنما تألفهما بالصحبة؟!
أَجَلُّ مِنْ وَلَدِ الفَقَّاسِ مُنْكَتِفُ إِذْ فَاتَهُنَّ، وأَمْضَى منهُ مُنْصَرعُ
ولد الفقاس: الدمستق.
ثم قال: أجل من ولد الفقاس، وهو الدمستق، وهو رئيس جيش الروم، إذ فات الرماح بهربه، مأسور قد ملك فكتف، وأمضى منه
[ ١ / ٣٥٣ ]
في انهزامه، مقتول قد أهلك وصرع؛ لأنه إنما هرب بعد أن قتل جيشه، وأفني جمعه، وأذلت الحرب عزه، فهو وإن كان حيًا أعجز ممن قتل، وهو وإن كان أفلت أذل ممن أسر.
وَمَا نَجَا مِنْ شِفَارِ البِيْضِ مُنْفَلِتُ نَجَا وَمِنْهُنَّ في أَحْشَائِهِ فَزَعُ
يقول: وما نجا من شفار السيوف منفلت، أنجاه فراره، وعصمه من القتل هربه، فهو لا يأمن لشدة فزعه، ولا يسكن لاستحكام توقعه، ومن كانت هذه حاله، فحياته موت، ونجاته هلاك.
يُبَاشِرُ الأَمْنَ دَهْرًَا وهو مُخْتَبَلُ وَيَشْرَبُ الخَمْرَ حَوْلًا وَهو مُمْتَقَعُ
الخبل: الجنون، والامتقاع: تغير اللون.
ثم أكد ما قدمه، فقال: يباشر الأمن دهرًا، وهو لفزعه مختبل العقل، ويشرب الخمر حولًا، وهو لشدة مخافته ممتقع اللون.
كَمْ مِنْ حُشَاشَةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَها للْبَاتِرات أَمينُ مَا لَهُ وَرَعُ
الحشاشة: رمق النفس، والباترات: السيوف، والأمين: الذي يصدق في ما وليه، وأراد هاهنا به القيد.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فيقول: كم من بطريق لم يبق منه إلا رمقه، ضمن ذلك الرمق للسيوف أمين من القيد لا ورع له، وحافظ لا يحذر الخيانة عليه.
يُقَاتِلُ الخَطْوَ مِنْهُ حِينَ يَطْلُبُهُ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ عَنْهُ حِينَ يَضْطَجِعُ
ثم بين القيد الذي كني عنه، فقال: إذا حاول ذلك البطريق الخطو، منعه القيد منه، وإذا رام المشي، قاتله بتضايقه دونه، وكذلك لا يكنه الاضطجاع به، فيطرد عنه نومه، ولا تتأتى له الحركة معه، فيتضاعف عليه همه.
تَغُدو اَلمنَايَا فضلا تَنْفَكُّ وَاقِفَةً حَتَّى يَقُولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ
ثم قال، يريد سيف الدولة: تغدو المنايا فلا تنفك واقفة ترتقب أمره، وتبادر فلا تزال ماثلة تستمطر رأيه، فإن كفها ولت مندفعة، وإن أرسل بها سيوفه سطت مستعجلة، وفي ظاهر لفظه ما يدل على هذه العبارة.
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلِميْنُ لَكُمْ خَانُوا الإلَهِ فَجَازَاهُمْ بما صَنَعُوا
قوله: (قل للدمستق إن المسلمين لكم)، قال: كان أبو الطيب قد اجتاز في الليل الموضع الذي قتل فيه سيف الدولة من قتله من أسرى
[ ١ / ٣٥٥ ]
الروم، وكان هنالك فيها من المسلمين قوم؛ منهم من أضجعه النوم والتعب، ومنهم من كان يتتبع القتلى فيجهز على من كان فيه منهم رمق، وقد سيف الدولة، وأدرك العدو هذه الطائفة، فأوقع بهم، فقتل فيهم وأسر، فلذلك قال أبو الطيب: قل للدمستق: إن الذين أسلمهم لكم سيف الدولة خانوا الإله بعصيانهم لأميرهم، وانقطاعهم عن جماعتهم، فجازاهم بما صنعوه، وأعقلهم فظفرتم بهم، وضيعهم فظهرتم عليهم.
وَجَدْتُمُوهُمْ نِيَامًا في دمائِكُمُ كَأنَّ قتلاكم إيَّاهُمُ فَجَعوا
ثم قال: وجدتموهم نيامًا بين قتلاكم، ومن أجهزوا عليه من جرحاكم حتى كأنهم لتقلبهم بينهم مفجوعون بهم، متوجعون لهم.
ضَعْفَى تعِفَّ الأَعَادِي عَنْ مِثالِهِم مِن الأَعادي وإن هَمُّوابهم نَزَاعُوا
[ ١ / ٣٥٦ ]
نزعت عن الشي: إذا أعرضت عنه.
فيقول: للروم: أن أسرتموه من المسلمين إنها كانوا ضعفى لا يحفل بهم، ولا يعرج على من كان في مثل حالهم، بل الأعادي يترفعون عن الانحطاط إلى
نظرائهم من أعاديهم، وإن هموا بهم نزعوا عن ذلك وتركوه، وأنفوا منه واجتنبوه.
لا تَحْسَبُوا مَن أَسَرْتُمْ كَانَ ذَا رَمَقٍ فَلَيْسَ تَأْكُلُ إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
ثم قال: مؤكدًا لما قدمه: لا تحسبوا أن من أسرتموه رمقًا يطمعكم به، ورقية تبعث لكم رجاء فيه، فلو كان ذلك لضعفتم عن أسره، وعجزتم عن قتله، فإنما أنتم كالضبع التي تهاب الحي وتحذره، وتتسلط على الميت فتأكله، وأنتم كذلك عجزتم عن مقارعة الأبطال، وتسلطتم على الضعفاء والأفسال.
هَلاَّ على عَقَبِ الوادِي وقد صَعِدَتْ أسْدُ تَمُرُّ فُرَادَى ثُمَّ تَجْتَمِعُ
[ ١ / ٣٥٧ ]
العقب: جمع عقبة.
فيقول، مخاطبًا للروم: هلا كان ما أظهرتموه من الإقدام على المتخلفين، من ضعفاء الجيش عند تجمعكم على عقب الوادي، وأخذكم بمضائقه، واعتراضكم لجيش سيف الدولة فيه، ثم وليتم ناكصين، وتركتم الطريق صاغرين، وقد صعدت نحوكم من ذلك الجيش أسد تمر فرادى، لا يمكنها الاجتماع لضيق الموضع، ولا يتهيأ لها الترافد لوعورة المسلك، فيمرون أفرادًا ثم يجتمعون، ويخطرون آحادًا ثم يلتئمون.
تَشُفُّكُم بِفَتاها كُلُّ سَلْهَبةٍ والضَّربُ يَأُخذْ مِنْكُمْ فَوْقَ مَا يَدَعُ
السلهبة من الخيل: الطويلة.
ثم قال تشقكم بفتاها؛ بفتيان جيشه، كل سلهبة من عتاق خيله، يريد: أن الجيش اخترقهم، وأقدمت فرسانه عليهم والجراح قد أثخنتهم، ومن ناله الضرب فيهم أكثر ممن فاته منهم.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَإِنَّمَا عَرَضَ اللَّهُ الجُنُودَ بِكُمْ لِكَي يَكُونُوا بلا فَسْلٍ إذا رَجَعوا
الفسل: الدنيء من الرجال.
ثم قال: وإنما عرض الله الجيوش بكم، يريد: أن الله خلصها من الأدنياء، وطهرها
من الضعفاء والجبناء، فقتلهم بكم، وكفى جيش سيف الدولة مئونتهم على أيديكم، ليكونوا عند رجوعهم صميمًا لا حشو فيهم، وأبطالًا لا فسل بينهم.
فَكُلُّ غَزوٍ إليكُمْ بَعْدَ ذَا فَلَهُ وَكُلُّ غَازٍ لِسَيْفِ الدّولة التَّبَعُ
ثم يقول للروم: إن سيف الدولة قد نهج للناس سبيل غزوكم، وهون على من أرادكم أمركم، فمن غزاكم بعده فإنما يقفو أثره، ومن اقتحم أرضكم فإنما يمتثل سيره.
تَمْشي الكِرَامُ عَلَى آثارِ غَيْرِهم وأَنْتَ تَخْلقُ ما تَأْتي وَتَبْتَدِعُ
[ ١ / ٣٥٩ ]
الخلق: الصناعة
ثم قال لسيف الدولة: تمشي الكرام على آثار من تقدمها، مقتدية بفعله، وتتلوه ممتثلة لسعيه، وأنت تبتدئ ما تأتيه في المجد وتبتدعه، وتسبق إلى ذلك وتخترعه.
وَهَلْ يَشِيْنُكَ وَقْتُ كُنْتَ فَارِسَهُ وَكَانَ غَيْرَك فيهِ العاجِزُ الضَّرَعُ
الشين: العيب، والضرع من الرجال: الضعيف.
فيقول، مشيرًا إلى خذلان أصحاب سيف الدولة له في بعض تلك العزاة: وهل يعيبك وقت أقدمت فيه وأحجم فرسانك، وكررت وقد عجز أصحابك، فبان فضلك وبان نقصهم، وجل قدرك وضاق عذرهم.
مَنْ كَانَ فَوْقَ مَحَلَّ الشَّمْسَ مَوْضِعُهُ فَلَيسَ يَرْفَعُهُ شَيْءُ ولا يَضَعُ
ثم قال: ومن حل في الفضائل محلك، واشتهر بالشجاعة اشتهارك، فتواضعت الشمس عن موضعه، وقصر محتدها عن محتده، فلم يبق له في الشرف غاية يبلغها فترفعه، ولا للعيب إليه سبيل فيضعه.
[ ١ / ٣٦٠ ]
لم يُسْلِمِ الكَرُّ في الأَعْقَابِ مُهْجَتَهُ إنْ كَانَ أَسْلَمَها الأصحابُ والشَّيَعُ
الشيع: الأتباع.
فيقول لم يسلم مهجة سيف الدولة بأسه وإقدامه، وكره في أعقاب خيله واستلجامه،
إن كان أسلمها أتباعه وحشمه، وفارقه فرسانه وخوله، بل كان من شجاعته في جيش يمنعه، ومن إقدامه في جمع يتبعه.
لَيْتَ الملوكَ على الأَقْدارِ مُعْطِيةُ فَلَمْ يَكُنِ لِدَنَّي عِنْدَها طَمَعُ
ثم قال، ليت أن الملوك في عطاياها جارية على قدر من تعطيه، وحقيقة من تؤثره وتدنيه، فلم يكن للأدنياء طمع في فضلهم، ولا لأهل الجبن والخور نصيب في بذلهم، وأشار بهذا إلى من فر عن سيف الدولة من فرسانه، الذين كان يؤثرهم بالإحسان، ويخصهم بالتوسع والإنعام.
رَضِيتَ مِنْهُم بأَنْ زُرْتَ الوَغَى فرأوا وإن قَرَعْتَ حَبْيَكَ البْيَضِ فاسْتَمعُوا
الحبيك: طرائق في الماء، واستعار ذلك في البيض، والواحد حبيكة.
[ ١ / ٣٦١ ]
فيقول لسيف الدولة: رضيت من فرسانك بأن صليت الحرب، فرأوك وشهدوك، وقرعت حبيك بيض الروم بجلادك، فاستمعوا، يشير إلى أنه أقدم وأحجموا، وكر في أعقابهم وانهزموا.
لَقَدْ أَبَاحَكَ غِشًَّا في مُعَامَلةٍ مَنْ كُنْتَ مِنْه بِغَيرِ الصَّدقِ تَنْتفِعُ
ثم قال يخاطبه: لقد أباحك الغش في معاملته من كذبك عن نفسه، ولبس عليك في أمره، فأراك الشجاعة، والجبن خليقته، وأظهر لك الجلد، والضعف حقيقته، فموه بما لا يبلغه، وتعاطى عندك ما لا يفعله.
الدَّهرُ مُعْتَذِرُ والسَّيفُ مُنْتَظِرُ وَأَرْضُهُمْ لَكَ مُصْطَافُ وَمُرْتَبَعُ
المصطاف: موضع الإقامة في الصيف، والمرتبع: موضع الإقامة في الربيع.
فيقول لسيف الدولة: الدهر معتذر مما سمح به للروم في نيلهم من أطراف جيشك، والسيف منتظر لإدراك الثأر فيهم، واستعجال الانتقام منهم، وأرضهم مصطاف لجيوشك، ومرتبع لخيولك، لا تغبهم وقائعك، ولا تنام عنهم عزائمك.
وما الجِبَالُ لِنَصْرانٍ بِحَامِيةٍ وَلَوْ تَنَصَّر فيها الأَعْصَمُ الصَّدَعُ
[ ١ / ٣٦٢ ]
الأعصم: الوعل الذي في بدنه بياض، والصدع: الوعل بين الوعلين، لا بالمسن ولا بالصغير. والنصران: واحد النصارى، نحو ندمان وندامى، قال الشاعر:
فِكِلْتَاهُما خرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُها كما سَجَدتْ نَصْرانَةُ لم تَحنَّفِ
ثم قال: وما تعصم الجبال متنصرًا منك، ولا تحجبهم بامتناعها عنك، ولو أن الأعصم الصدع يتنصر فيها لما امتنع عليك ولأسلمته الأٌقدار إليك، وضرب المثل بالوعل لقدرته على الصعود في الجبال، والتقحم للأوعار، واشترط الصدع؛ لأنه أثبت قوة، وأشد سرعة، وهذا الاشتراط باب من البديع يعرف بالتتميم.
وما حَمِدْتُكَ في هَوْلٍ ثَبتَّ لَهُ حَتَّى بَلَوْتُكَ والأَبْطَالُ تَمْتِصعُ
المصاع: التجالد بالسيوف.
فيقول: وما بلغت حقيقة وصفك، وما يجب في حمدك، مع ما
[ ١ / ٣٦٣ ]
شهدته من ثباتك في الأهوال التي جمعتني بك، حتى بلوتك والأبطال تتماصع سيوفها، وتجتهد في جلادها، ورأيت غناءك وشدة بأسك، ومقاومتك للروم بنفسك، فهناك علمت مقدار صبرك، واستوفيت حقيقة حمدك.
فَقَدْ يُظَنُّ يُظَنُّ شُجَاعًَا مَنْ بهِ خَرَقُ وَقَدْ يُظَنُّ جَبَانًا مَنْ به زَمَعُ
الخرق: البهت والدهش، والزمع: خفة تعتري الشجاع عند الحرب نحو اشتداد الحمى، وكان البراء بن مالك الأنصاري قد شهر بها.
ثم قال مؤكدًا لما ذكر؛ أنه خفي عليه من أمره، وأن المقاتل لا يقضي عليه دون الاختبار لظاهره: فرب من يثبت في الحرب، ويسكن
[ ١ / ٣٦٤ ]
ولا ينصرف، فيظن به الشجاعة، وإنما ثبت عن دهش وخرق، ورب من يخف فيها ويضطرب فيظن به الجبن، وإنما اضطرب عن إقدام وشره.
إنَّ السَّلاحَ جَميعُ النَّاس يَحْمِلُهُ وَلَيْس كُلُّ ذَواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ
ثم ضرب في ذلك مثلًا، فقال: إن السلاح يشترك الناس في حمله، ويتماثلون في
الاشتمال به، وقليل منهم من يستعمله في الجلاد والطعان، ويصرفه في منازلة الأقران يشير إلى سيف الدولة، كما أن السباع كلها ذوات مخالب، ولكن الأسد يفضلها بقوته، ويزيد عليها بشدته وبأسه، وكذلك، أصحاب سيف الدولة يتزيون بشكله، ويشاركونه في لبس السلاح وحمله، ولكنهم يقصرون عن تصريفه له، ويعجزون عما يبلغه من البطش به.
ورفع كل ذوات المخلب والسبع على الابتداء والخبر، وأضمر اسم (ليس)، كأنه قال: وليس الشأن أن كل ذوات المخلب السبع، وصار الابتداء وخبره في موضع خبر ليس، والعرب تفعل ذلك، فتقول: (ليس
[ ١ / ٣٦٥ ]
خلق الله مثله)، فتضمر الشأن والقصة، ولولا ذلك، لما ولي ليس (خلق)؛ لأن الأفعال لا يلي بعضها بعضًا، روى هذا سيبويه عن العرب، وأفرد لهذا النحو بابًا في كتابه، وكثر عليه بالشواهد، وشهرة ذلك تغني عن تطويل القول فيه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وتوقف سيف الدولة في غزاة ثانية على إحراق القرى ببقعة عربسوس ثم أصبح صافًا، يريد سمندو، وقد اتصل به أن العدو بها معد، جامع في أربعين ألفًا، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيب، وأنشده:
نَزُورُ دِيَارًا ما نُحبُّ لها مَغْنى وَنَسأَلُ عنها غَيْرَ سُكَّانها الإذْنَا
المغنى: الموضع الذي يحل فيه ويسكن.
فيقول: نزور من بلاد الروم ديارًا ما نحبها، ونقصد مواضع لا نألفها، فنزورها على سبيل الإفساد لها، ولسنا نزورها على سبيل الأنس بها، ونستأذن في دخولها أمراء جيوشنا، والمدبرين لأمورنا، فنزورها غير موجبين لحقها، وندخلها غير مستأذنين لأهلها. واستعمل في هذا الإشارة دون التصريح، وذلك من أبواب البديع.
[ ١ / ٣٦٧ ]
نَقودُ إِلَيْها الآخذاتِ لنا المَدَى عَلَيْها الكُماةُ المُحْسِنونَ بِهَا ظَنَّا
المدى: الغاية.
ثم قال: نقود إليها من الخيل ما نستصفيه لعتقه، ويحرز لنا الغايات بسبقه، وعلى تلك الخيل منا كماة الفرسان، الذين جربوها فصدقتهم، واختبروها فأرضتهم.
وَنُصْفي الذي يُكْنَى أبا الحَسَن الهَوَى ونُرْضِي الذي يُسْمَى الإلهَ ولا يُكْنَى
الكماة: الشجعان، واحدهم كمي.
ثم قال: ونصفي المدعو بكنيته، يشير إلى سيف الدولة، صادق ودنا، ونمحض له خالص نصحنا، ونرضي الإله الذي سمي نفسه، وارتفع عن الكنية قدره، بإعزازنا لدينه، وجهادنا لعدوه، وجرى في جميع ذلك على الإشارة التي قدمنا، وهي من أبواب البديع.
وَقَدْ عَلَمِ الرُّومُ الشَّقِيُّونَ أَنَّناَ إذا مَا تَرَكْناَ أَرْضَهُمْ خَلفَنَا عُدْنَا
يقول: وقد علم الروم الشقيون بوقائعنا فيهم، وما نحدثه من القتل عليهم، أنا إذا ما تركنا أرضهم بالخروج عنها، عاودناها باستئناف الغزو إليها.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وإنَّا إذَا ما الموتُ صَرَّحَ في الوَغَى لَبِسْنَا إلى حَاجَاتِنَا الضَّرْبَ والطَّعْنَا
التصريح: الكشف والإعلان.
ثم قال: وإنا إذا ما الموت في الحرب كشف عن وجهه، وصرح عن نفسه، لبسنا إلى ما تبتغيه الضرب والطعن، وادرعنا إليه الاعتزام والصبر.
قَصَدْنا له قَصْدَ الحَبْيبِ لِقَاؤُهُ إلينا وقُلْنا لِلسُّيوفِ هَلُمَّنَّا
ذكر سيبويه أن من العرب من يقول (هلم) وللاثنين والجميع ويجمعه، فيقول للواحد: هلم، وللاثنين: هلما، وللجميع هلموا. فاستعمل أبو الطيب هذه اللغة، وأدخل النون الثقيلة مؤكدا على هلموا، وهو فعل الجماعة، فاجتمع له في واو الجماعة والنون الثقيلة من النون الأولى ساكنان، فأسقط أحدهما وهو الواو، فبقي هلمن، ثم أشبع الفتحة للقافية، فقال: هلمنا.
ثم قال، مؤكدًا لما قدمه: نقصد إليه، يريد: الموت، قصد من لقاؤه حبيب إلينا، فنقدم عليه إقدام من لا يكرهه، ونسرع إليه إسراع من لا يتوقعه، ونقول للسيوف هلمنا. قول المستقربين لها، المستعينين على ما نبتغيه بها.
وخَيْلٍ حَشَوْنَاهَا الأَسنَّةَ بَعْدَما تَكَدَّسْنَ من هَنَّا علينا ومِنْ هَنَّا
[ ١ / ٣٦٩ ]
تقول العرب: حشوته بالسنان إذا أودعته حشاه، وتكدس الخيل: أن تركب بعضها بعضًا، وهنا: كلمة يشار بها إلى موضع قريب.
فيقول: وخيل حشوناها أسنتنا، وتمكنت في فرسانها رماحنا، فكرهتنا بعد تكدسها حولنا، وفرت منا بعد إسراعها نحونا.
ضُرِبْنَ إِلينا بالسياطِ جَهَالةً فَلَمَّا تَعارَفْنَا ضُرِبْنَ بِها عَنَّا
ثم قال، مبينًا لذلك: ضربت تلك الخيل بالسياط مقدمة علينًا، واستعجلت مسرعة إلينا، فلما تعارفنا نكص عنا فرسانها مولين، وضربوها بتلك السياط منهزمين.
تَعَدَّ القُرَى والْنُسْ بِنَا الجَيْشَ لَمْسَةً نُبارِ إلى ما تشتهيَ يَدُكَ اليُمْنَا
اللمس: معروف، والمباراة: المسابقة.
فيقول لسيف الدولة، مؤكدًا لبصيرته فيما اعتقده من منازلته جمع الروم: تعد مدن الروم وهدمها، ورعاياهم وسبيها، والمس بنا جيشهم لمسة، واطراق بنا جمعهم طرقة، نبار إلى ما تريده من الإقدام عليهم، وما ترغبه من الإيقاع بهم يمنى يديك، طاعة لك، وامتثالًا لأمرك. واشترط يمنى اليدين، لأنها أسرع في الفعل، وهذا من التتميم، وقد تقدم.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فَقَدْ بَرَدَتْ فَوْقَ اللُّقَانِ دِمَاؤُهْم ونحنُ أناسُ نُتَبُع البَارِدَ السُّخْنَا
اللقان: موضع معروف من أرض الروم، كانت فيه وقعه غزاة المصيبة.
ثم قال: فقد بردت دماؤهم التي سفكتها فوق اللقان سيوفك، وأجرتها بالأمس فيما هنالك جيوشك، ونحن أناس نتبع بارد الدم سخنة، وجارية جامده. يشير إلى أن وقائعهم مترادفة، وأيامهم على الروم متوالية.
وإنْ كُنْتَ سَيْفَ الدَّولةِ العَضْبَ فِيْهُمُ فَدَعْنَا نَكُنْ قَبْلَ الضَّرابِ القَنَا اللَّدْنَا
العضب: القاطع، واللدن: اللين.
ثم قال: وأن كنت سيف الدولة العضب، إقدامًا على ما تقصده، ونفاذًا فيما تعتقده، فاستفتح بنا حرب هذا الجيش، وضعنا منم موضع الطعن من الضرب، والرمح من السيف، نبدأ الحرب ونحتمها، ونستفتحتها ونتممها.
فَنَحنُ الأُلَى لا نَأْتَلي لَك نُصْرَةً وَأَنْتَ الَّذي لَوْ أَنَّه وَحْدَهُ أَغْنَى
الائتلاء: التقصير والتأخر.
فيقول: فنحن الذين لا نقصر في نصرك، ولا نتأخر دون ما يلزمنا من
[ ١ / ٣٧١ ]
امتثال أمرك، وأنت الذي لو انفرد دون جيشه لاستغنى عنهم، ولو قصد الروم وحده لأغنى فيهم.
يَقِيكَ الرَّدَى مَنْ يَبْتَغِي عِنْدكَ العُلا وَمَنْ قَالَ لا أَرْضَى مِن العَيْشِ بالأَدْنَى
ثم قال، داعيًا لسيف الدولة: يقيك من الردى، وما تحذره من بأس الأعداء وما تتوقعه، من أعلاه سلطانك، وشمله إحسانك، ومن يبتغي رفيع العيش بك، ويدرك معالي الأمور عندك، فكلهم خليق بصيانتك، جدير بالاستهلاك دون إرادتك.
فَلَوْلاَكَ لم تَجْرِ الدَّمَاءُ ولا اللُّهَى ولم يَكُ للدُّنيا ولا أهلِها مَعْنى
ثم يقول لسيف الدولة: فلولاك لم تسفك دماء الأعداء، ولا اكتسبت رغائب الأموال، ولا كان للدنيا وأهلها معنى يرغب فيه طالبه، وينافس عليه محاوله.
وَمَا الخوفُ إلا ما تَخوَّفَه الفَتَى وَمَا الأَمْنُ إِلاَّ ما رآه الفَتَى أَمْنَا
ثم قال: وما الخوف والأمن إلا بمقدار ما يسبق من ذلك إلى الإنسان فيما يطلبه، وإنما ذلك بحسب ما تنعقد عليه نيته فيما يقصده، فمن
[ ١ / ٣٧٢ ]
استسهل الشديد فيما يريده، استعفه وأمنه، ومن استصعب اليسير فيما يحاوله، استثقله وحذره، وضرب هذا مثلًا لسيف الدولة؛ لأنه يقدم على الأهوال إقدام من لا يحذرها، ويقتحم فيها اقتحام من يأمنها ولا يتوقعها.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقال يمدحه، ويذكر هذه الغزاة، وأنه لم يتم قصد خرشنة، بسبب الثلج وهجوم الشتاء:
عَواذِلُ ذاتِ الخَال فيَّ حَوَاسِدُ وإِنَّ ضَجِيعَ الخَوْدِ مِنّي لَمَاجِدُ
الخود: الفتاة الشابة، والخال معروف.
فيقول: عواذل محبوبتي ذات الخال، على ما تظهره من الإعجاب بي، وتلتزمه من الموافقة لي، حواسد غير نواصح، وكواذب غير صوادق؛ لأن ضجيع الخود مني ماجد سيد، وفاضل أوحد.
يَرُّدُّ يَدًَا عَنْ ثَوْبِها وَهو قَادِرُ وَيَعصِي الهَوَى في طَيْفِها وَهَو رَاقِدْ
ثم قال، مؤكدًا لما قدمه: يعف عن ملامسة ثوبها في يقظته، مع القدرة على ذلك، صيانة لها، ويمتثلها في نومه، فيعصي هواه في طيفها ضنانة بها.
مَتَى يَشْتَفي مِنْ لاَعِجِ الشَّوءٌِ في الحَشَى مُحِبُّ لها في قُرْبِهِ مُتَبَاعِدُ
لاعج الشوق: حره.
فيقول: متى يشتفي من الشوق ولاعجه، ومن الوجد وألمه، محب يدينه الوصل، فتبعده العفة، ويقربه الإسعاد، فتملكه المروءة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
إذَا كُنْتَ تَخْشَى العَارَ في كُلَّ خَلْوةٍ فَلْم تَتصَبَّاكَ الحِسَانُ الخَرائِدُ
ثم قال، معنفًا لنفسه، إذا كنت تملك أربك في خلوتك، ولا تسمح لنفسك عند قدرتك، فما لك وللحسان تصبو بهن؟! وما الذي يدعوك إلى التعرض لهن؟!
أَلحَّ عَليَّ السُّقمُ حتَّى ألفْتُهُ وَمَلَّ طَبِيبي جانبِي والعَوائِدُ
ثم وصف حاله، فقال: ألفت السقم بطول إلحاحه وملازمته، وسكنت إليه بشدة تكرره ومداومته، أومللت الطبيب، فأعرض عن معالجتي، وأيأست العوائد فاحتملن على مجانبتي.
مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
المعاهد: المنازل، وحمحمة الفرس: تكرر صوته.
فيقول: إنه مر بدار محبوبته، وهي خالية منت ساكنها، وموخشة من أهلها، فحمحمت جواده، فعل عارفة بها، وحنت إليها حنين متذكرة لها، فعجب من أن تشجوا لخيل ديار الأحبة، وتشوقها منازلهم، وتعطفها معاهدهم.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وما تُنْكِرُ الدَّهماءُ مِنْ رَسْمِ مَنْزِلٍ سَقَتْها ضَريبَ الشَّوْلِ فيه الولائِدُ
الضريب: اللبن الذي يخلط رقيقه بثخيينه، وذلك إنما يفعل عند قلته، والشول: جمع شائلة، وهي التي مضى بحملها سبعة أشهر ولبنها يقل عند ذلك، والولائد: الخدم.
ثم قال: وما للدهماء أن تنكر منزلًا كانت تعتاده وتألفه، وتزوره وتقصده، وكان أهل ذلك المنزل لكرامتها عليهم، ونفاستها عندهم، يأمرون الولائد فيسقينها ضريب الشول مع قلته، ويؤثرنها باللبن عند انصرام مدته.
أَهُمٌّ ُ بشيءٍ والليالي كَأَنَّها تُطَارِدُني عن كَوْنِهِ وأُطَارِدُ
المطاردة: المحاولة في الحرب.
فيقول: أهم بأمل آمله، ومراد أرتقبه، والليالي تدافعني عنه، مدافعة المقاتل المطارد، وتعترضني دونه، اعتراض المنازل المجاول.
وَحِيْدًا من الخُلاَّنِ في كُلَّ بَلْدَةٍ إِذا عَظُمَ المَطْلوبُ قَلَّ المُسَاعِدُ
ثم قال: وحيدًا من خلان الصفاء، وأهل المشاركة والوفاء حيث كنت، وفي كل بلد احتللت، وإذا عظم المطلوب قل المساعد عليه، وإذا جل عدم المؤيد فيه.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وَتُسْعِدُني في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرةٍ سَبُوحُ لها مِنها عَلَيْها شَوَاهَدُ
غمرة الحرب: شدتها، والسبوح: الفرس التي تمد يديها في الجري.
فيقول: وتسعدني في غمرات الحرب، فرس كريمة، سبوح سريعة، لها من حسن خلقها شواهد، تخبر عن كرمها وعتقها.
تَثَنَّى عَلَى قَدْرِ الطَّعانِ كَأنَّما مَفَاصِلُهَا تَحْتَ الرَّماحِ مَرَاودُ
المراود: معروفة.
ثم وصف هذه الفرس بحسن أدبها، وكرم طبعها، وأنها تطيع فارسها، وتساعد راكبها، فقال: تثنى للطعان وتعطف، وتحيد عن الرماح وتنحرف، حتى كأن مفاصلها مراود تتداخل عند انقباضها وتحرزها، ثم تعود متصلة عند انبساطها وتدفعها.
وأُوْرِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدِي مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَنْ لا يُجَالِدُ يقول: إنه يورد
نفسه، والسيف في يده، موارد لا يصدر عنها من لا يصدق في مجالدته، ولا يتخلص منها إلا من تقدم في صبره ومدافعته.
وَلَكنْ إِذَا لَمْ يَحْمِلِ القَلْبُ كَفَّهُ عَلَى حَالَةٍ لَمْ الكَفَّ سَاعِدُ
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثم قال: ولكن القلب إذا لم يحمل الكف بشجاعته وقوته، وصرامته وشدته، على حالة يفعلها، وطريقة يمتثلها، لم يحمل الكف ساعدها، ولم يبطش بها صاحبها.
خَلِيلَيَّ إِني لا أَرَى غَيْرَ شاعِرٍ فلِمْ مِنْهُمُ الدَّعْوَى ومِنَّي القصائِدُ
يقول: خليلي إني لا أرى إلا من يدعي الشعر، ويتعاطى قوله، ويتسمى به ويحاول نظمه، فما بالهم لا يحصلون من ذلك إلا على دعاوى كاذبة، وأقوال متخرصة، وأنفرد دونهم بالقصائد فأبدعها، وبالنوادر فأخترعها.
فَلاَ تَعْجَبا إنَّ السُّيوفَ كَثيرَةُ وَلَكِنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ اليومَ وَاحِدُ
ثم قال لصاحبيه: فلا تعجبا لذلك، فالسيوف كثيرة في ظاهرها، موجودة عند الطلب لها، ولكن سيف الدولة المحامي عن حوزتها، المدافع عن بيضتها، واحد لا يشاكل، ومفرد لا يماثل، فلا تنكرا أن تكثر الأشعار في ظاهرها، وأنفرد في الحقيقة بقولها، كما أن السيوف كثيرة في عدتها، وسيف الدولة منفرد بفعلها. وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد.
[ ١ / ٣٧٨ ]
لَهُ مِنْ كَرِيمِ الطَّبعِ في الحَرْبِ مُنتَضٍ وَمِنْ عَادةَ الإحسانِ والصَّفْحِ غَامِدُ
يقول: أن سيف الدولة يجرده في الحرب كرم طبعه، ويسله على أعدائه اشتهار مجده، فإذا عاذوا بفضله، واعتصموا بتجاوزه وصفحه، نالهم من ذلك ما يكف سطوته، وأحاط بهم منه ما يغمد بأسه وحدته، وأبدع بالمطابقة بين منتض وغامد، والمطابقة أن يقترن الشيء بضده على انتظام من الكلام.
وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ دونَ مَحَلَّهِ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الدَّهرَ للنَّاسِ نَاقِدُ
ثم قال: ولما رأيت الناس دون محله ورتبته، وشهدتهم يتأخرون عن منزلته ورفعته، تبين لي أن الدهر انتقد أهله وتخيرهم، وامتحن جميعهم وتدبرهم، فقدم سيف الدولة عليهم، لشرف خلاله، ورأسه فيهم، لاشتهار خصاله.
أَحِقُّهُمْ بالسَّيْفِ مَنْ ضَرَبَ الطُّلىَ وبالأَمر مَنْ هَانَتْ عَليه الشَّدَائدُ
يقول: أحقهم بأن يملك السيف، من ضرب به الأعناق في الحرب،
[ ١ / ٣٧٩ ]
وتقدم به في مواقف البأس، وأحقهم بتدبير الأمور من هانت الشدائد عليه بجلده، واستسهل الاقتحام فيها بصبره، وأحسن التصريف لها بتدبيره. يشير بذلك إلى سيف الدولة.
وَأَشْقَى بِلادِ اللهِ ما الرُّومُ أَهْلُها بِهَذَا وَمَا فيها لَمِجْدكَ جاحدُ
ثم قال: وأشقى بلاد الله، برئاسة سيف الدولة وإمارته، وما اشتهر من فضله وسيادته، البلاد التي أهلها الروم، وما فيها مع ذلك، وأقبل على مخاطبة سيف الدولة، فقال: وما فيها جاحد لفضلك، ولا منكر لمجدك، بل جميعهم يقول بفضلك، وإن لا يودك، ويعظمك وإن كان لا يحبك.
شَنَنْتَ بِها الغَاراتِ حَتَّى تَرَكْتَها وَجَفْنُ الَّذي الفَرَنْجةِ سَاهِدُ
الساهد: الذي لا ينام.
فيقول: شننت الغارات في بلاد الروم، حتى تركتها وجفن الذي خلف الفرنجة منهم ساهد لخوفك، متوقع لأمرك، فما ظنك بمن دنا منك وجاوزك، واتصل بأعمالك وقاربك.
مُخَضَّبةً والقومُ صَرْعَى كَأَنَّها وإنْ لَمْ يَكُونُوا سَاجِدينَ مَسَاجدُ
[ ١ / ٣٨٠ ]
ثم قال: مخضبة تلك بدماء أهلها، وهم صرعى في عراصها، مكبون على وجوههم بين منازلها، كأنها مساجد، وإن لم يكونوا فيها ساجدين، ومواضع عبادة، وإن كانوا إلى العبادة غير قاصدين.
تُنَكَّسُهُمْ والسَّابِقاتُ جِبَالُهم وَتَطْعُنُ فيهم والرَّماحُ المكَايدُ
السابقات: الخيل.
ثم وصف حال أولئك، فقال: تنكسهم والخيول جبالهم، يريد: أنهم لا يتعاطون مقاتلتك بالخيل، وإنما يعتصمون منك بالجبال، فهي خيلهم، واستنزالهم منها تنكيسهم، ونقل الكلام على سبيل الاستعارة، ثم قال: وتطعن فيهم بغير الرماح؛ لأنهم يعجزون عن مبارزتك، فتستعمل فيهم من مكائدك ما تفتح معه حصونهم، وتوجه إليهم من تدبيرك ما تصدع به قلوبهم، فتنزلهم مما ارتفعوا إليه بعزمك، وتطعن فيهم حيث تحرزوا منك برأيك.
وتَضْرِبُهُم هَبْرًا وَقَدْ سَكَنَوا الكُدَى كَمَا سَكَنَتْ بَطْنَ التُّرَابَ الأَسَاوِدُ
الهبر: القطع.
[ ١ / ٣٨١ ]
فيقول لسيف الدولة: وتضربهم ضربًا يفصل ما وقع عليه، وقد فروا منك إلى الكدى، فسكنوها معتصمين بها. وحلوها مستترين فيها، كما سكنت الأساود بطن التراب، فلم يسكنوها اعتزازًا وقوة، وإنما سكنوها استتارًا وذلة، فسبيلهم فيها مع علوها، سبيل الأساود في بطن الأرض مع تسافلها.
وتُضْحِي الحُصُونُ، المُشْمَخِرَّاتُ في الذُّرَى وَخَيْلُكَ في أَعْنَاقِهِنَّ قَلاَئِدُ
المشمخر: الطويل، وذروة كل شيء أعلاه، والجمع ذرى.
ثم قال: وتضحي الحصون المشمخرات، الرفيعة المكان، المتقنة البنيان، المتحدة في ذرى الأوعار، وقنن الجبال، وخيلك متسابقة إليها، متغلبة عليها، قد أحاطت
بها، إحاطة الأطواق بالأعناق، والقلائد بالأجياد.
عَصَفْنَ بِهِمْ يَوْمَ اللُّقَانِ وَسُقْنَهُمْ بِهَنْزيطَ حَتَّى ابْيَضَّ بالسَّبْي آمدُ
[ ١ / ٣٨٢ ]
اللقان وهنزيط: موضعان من بلاد الروم، وآمد: بلد يكثر الثلج في جباله.
فيقول: إن هذه الخيل عصفت بالروم يوم اللقان فأهلكتهم، وألحت عليهم بنهزيط فهزمتهم، واجتلبت سبيهم إلى حين سقوط الثلج، ومنع الشتاء من الغزو، وجعل ما ذكره من ابيضاض آمد بالسبي المجتلب عليه، إشارة إلى زمان سقوط الثلج.
وألحقنَ بالصَّفْصافِ شَابُورَ فانهَوَى وذاق الرَّدَى أَهلاهُما والجلامِدُ
الصفصاف وشابور: حصنان من حصون الروم فتحهما سيف الدولة، والانهواء: لحاق الأعلى بالأسفل، وعصفت الريح بالشيء: إذا اقتلعته واشتد ذهابها به، فاستعار ذلك أبو الطيب لهذه الخيل.
ثم قال: وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى؛ يريد: أن سيف الدولة خرب شابور كتخريبه للصفصاف، فانهوى كلاهما، وذاق الردى أهلهما، وعم القتل والسبي سكانهما، ونال جلاميد هذين الحصنين من الردى بتخريبهما، ونقض بنيانهما، كالذي نال من سكنهما، وأصاب من اعتصم بهما.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وغَلَّسَ في الوَادي بِهِنَّ مُشَيَّعُ مُبَارَكُ ما تَحْتَ اللَّثَامَيْنِ عَابِدُ
التغليس: الخروج في آخر الليل، والمشيع: الشجاع، واللثامان: لثام المغفر ولثام العمامة.
فيقول: وغلس بهذه الخيل من سيف الدولة رئيس مشيع القلب، شديد البأس، مبارك الوجه، عابد لله بما يحتمل عليه من الجهاد في إعزاز دينه، وإذلال عدوه.
فَتىً يَشْتَهي طُولَ البِلادِ وَوَقْتهِ تَضِيقُ بِهِ أَوْقَاتُهُ والمَقاصِدُ
قم قال، يريد سيف الدولة: فتى يشتهي طول البلاد ليبعد فيها أثره، وطول الزمان ليتمكن فيه تصرفه؛ لأن مقاصده تضيق في الغزو عما تبلغه همته وأوقاته تضيق
في المجد عما تنعقد عليه نيته.
أَخو غَزَوَاتٍ ما تُغِبُّ سُيُوفُهُ رِقَابُهُمُ إلا وَسَيْحانَ جَامِدُ
سيحان: مهر عظيم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
ثم قال: أخو غزوات لا يملها، ووقائع في الروم لا يغبها، حتى يعترضه الشتاء، ويمنعه الثلج، فحينئذ ترتفع عن الروم سيوفه، وتتوقف عن بلادهم جيوشه. وأشار بجمود سيحان إلى ما قصده من كثرة الثلج وإكباب الشتاء.
فَلَمْ يَبْقَ إلاّ مَنْ حَمَاها من الظُّبا لَمَى شَفَتْيها والثَّدِيُّ النَّواهدُ
اللمى: حمرة الشفتين يغلب عليها السواد.
فيقول: فلم تبق سيوف الدولة من الروم غير النساء اللواتي حماهن من ظبا السيوف حسنهن، وما رغبه أهل الجيش من التمتع بهن.
تُبَكَّي عليهَّن البَطَاريقُ في الدُّجى وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتُ كَوَاسِدُ
البطاريق: أكابر الروم، والكواسد: اللواتي لا يرغب فيهن.
ثم قال: تبكي عليهن البطاريق من أوليائهن، لتقصيرهم عن المنع، وهن بأيدينا كواسد، لا نرغب فيهن لكثرتهن، ولا يعجب بهن لتمكنهن.
[ ١ / ٣٨٥ ]
بِذَا قَضَتِ الأيَّامُ مَا بَيْنَ أَهْلَها مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ
ثم قال، مخبرًا عما وصفه من إعوال الروم على ما يستبشر به أهل هذا الجيش: بذا حكمت الأيام بين أهلها، وقضت على من صحبها بتصرفها، أن يكون سرور الغالبين في أسف المغلوبين، ومصائب المنكوبين فوائد عهد قوم آخرين. وهذا مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع، قد تقدم تنبيها عليه.
وَمِنْ شَرَفِ الإِقْدامِ أَنَّكَ فِيهُمُ عَلَى القَتْلِ مَوْمُوقُ كأَنَّكَ شَاكِدُ
الموموق: المحبوب، والشكد: العطية، والشاكد: المعطي.
فيقول لسيف الدولة: ومن شرف الإقدام أنك على ما تحدثه من القتل في الروم
محبوب منهم، وعلى ما تغشاهم به من المكروه مفضل فيهم، فأنت تقتلهم وكأنك تعطيهم، وتسبيهم وكأنك تحبوهم.
وَأَنَّ دَمَا أَجْرَيَتَهُ بِكَ فَاخِرُ وأَنَّ فُؤَادًَا رُعْتَهُ لَكَ حَامِدُ
ثم أكد ذلك، فقال: وإن من قتلته وأجريت دمه، فقد أبقيت له فخرًا، لمقاتلته لك، ومن أجليته وروعته، فقد جعلت له عذرًا في فراره عنك؛ لأن من قاتلك يستغرب فعله، ومن فر عنك لا يدفع عذره، فهذا
[ ١ / ٣٨٦ ]
يترفع بما أبقيت له من الفخر، وهذا يحمدك بما تضمنت له من العذر.
وكُلَّ يَرَى طُرْقَ الشَّجَاعةِ والنَّدى وَلَكنَّ طَبْعَ النَّفْسِ للِنَّفْسِ قَائِدُ
ثم قال: وكل يرى أن الشجاعة والكرم أشرف الخلال، وأجل الخصال، ولكن الطبائع غالبة، والعادات مستولية، وأشار إلى أن الروم يعرفون لسيف الدولة فضل إقدامه، ويعجزون عن مماثلته في جليل أفعاله.
نَهَبْتَ مِن الأَعْمَارِ ما لَوْ حَوْيَتهُ لَهُنَّئَتِ الدُّنْيَا بأَنَّكَ خَالدُ
يقول: نهبت من أعمار الروم بقتلك لهم، وأفنيت منهم بوقائعك فيهم، ما لو حويته لنفسك، ووصلته بعمرك، لهنئت الدنيا بخلودك، ومتعت آخر الأبد ببقائك.
فَأَنْتَ حُسَامُ المُلْكَ واللَّهُ ضَارِبُ وَأَنْتَ لواءُ الدَّينِ واللَّهُ عَاقِدُ
يقول: فأنت حسام الملك والله ضارب بك، وأنت لواء الدين والله عاقد لك، وما ضرب الله به لا ينبو حده، وما عقده لا ينحل عقده.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وَأَنْتَ أَبُو الهيجا بنُ حَمْدانَ يابْنَهُ تَشَابَهَ مَوْلُودُ كريمُ وَوَالدُ
أبو الهيجاء: والد سيف الدولة، والذين ذكرهم بعده، أجداده على نسق، فيقول لسيف الدولة: أنت أبو الهيجاء أبوك، في كرمه وبأسه، وجلالته وفضله، تشابه منكما مولود ووالده، وابن ومنسله.
وَحَمدَانُ حَمْدُونُ، وَحَمْدونُ حَارِثُ وحارِثُ لُقْمَانُ، ولُقْمَانُ راشِدُ
ثم قال: وكذلك حمدان جدك، حمدون أبوه، وحارث لقمان أبوه، ولقمان راشد أبوه، كل آبائك يتشابهون في مجدهم، ويتماثلون في فضلهم، ويتلو في الكرم آخرهم أولهم، ويحكي في البأس والفضل خلفهم سلفهم.
أَولِئكَ أَنْيَابُ الخِلاَفةِ كُلَّها وَسَائِرُ أَمْلاَكِ البِلاَدِ الزَّوَائَدُ
ناب القوم: سيدهم، والجمع أنياب.
ثم قال: أولئك كلهم أنياب الخلافة، وأركان المملكة، وزعماء الدولة، وسائر أملاك البلاد، الزائد بالإضافة إليهم، المتأخرون إذا قرنوا بهم.
أُحبُّكَ يا شمسَ الزَّمَانِ وبَدْرَهُ وإن لاَمَني فيك السُّها والفَرَاقِدُ
السها: نجم صغير يقترن بالوسطى من بنات نعش الكبر.
[ ١ / ٣٨٨ ]
والفرقدان في بنات نعش الصغر، وهما النجمان النيران من النعش، وجمعهما وهما اثنان؛ لأن التثنية ضرب من الجمع، وقد يخبر عنهما كما يخبر عن الجميع، قال الله ﷿: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا لا تخف، خصمان بغي بعضنا) فأخبر عن الاثنين كما أخبر عن الجميع، وذلك كثير في كلام العرب.
فيقول لسيف الدولة: أحبك يأيها الرئيس الذي هو في الملوك كالشمس والقمر بين النجوم، يصغرون وتعظم، ويقلون وتكثر، وإن لامني فيك ممن يتسمى بالرئاسة، من يحسدك على مدحي لك، وينافسك في اعتلاقي بك، ومحل أولئك منك محل الوشل من البحر، وصغار الكواكب من الشمس والبدر. وهذا إن لم يلفظ بجميعه، ففي فحوى خطابه ما يدل عليه.
وَذَاكَ لأَنَّ الفَضْلَ عِنْدَكَ باهِرُ وَلَيْسَ لأَنَّ العَيْشَ عِنْدَك بَارِدُ
[ ١ / ٣٨٩ ]
ثم قال وليس حبي لك لدعة العيش عندك، ورفاهيته فيما قبلك، ولكنه لبيان فضلك، وكرم نفسك، وارتفاع مجدك، وإنصافك لمن اعتلق بحبلك.
فَإِنَّ قَليلَ الحُبَّ بالعَقْلِ صَالِحُ وإِنَّ كَثِيرَ الحُبَّ بالجهلِ فَاسِدُ
ثم ضرب مثلًا، أكد به ما قدمه، فقال: فإن قليل المودة صالح إذا بعث عليه العقل، وكثيرها فاسد إذا دعا إليه الجهل. يشير إلى أن القليل من حسن رأي سيف الدولة مع تمامه وفضله، أغبط من كثير ما يبذله غيره، ممن لا تؤمن بوادر جهله.
[ ١ / ٣٩٠ ]