ورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوهم في تمام بنائه على يد سيف الدولة؛ لأن ملكهم لزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغار والروس والصقالبة وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، فنظر فيها يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه؛ لضبطهم الطرق، فلما أسحر لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث، عادت إليه الطلائع فأخبرته بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول سيف
[ ١ / ١ ]
الدولة على عقبة يقال لها العيراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار خوفا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يمكن الله من نصره عليهم إلا في نقوب نقبوها، فأتتهم طلائع بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب، وولى كل فريق على ودهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم، وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه:
ذي المَعَالي فَلْيَعْلُونَ مَنْ تَعَالَى هكَذا هكذا وإلاَّ فلا لا
شَرَفٌ يَنْطَحُ النُّجومَ بِرَوْقَيْ هِ وعِزٌّ يُقَلْقِلُ الأَجْبَالا
حَالُ أَعدائِنا عظيمٌ وسَيْفُ الدَّ ولَةِ ابنُ السُّيوفِ أَعْظَمُ حالا
كلَّما أَعْجَلوا النَّذيرَ مَسِيرًا أَعْجَلَتْهُمْ جِيادهُ الإِعْجَالا
فَأَتَتْهُم خَوارِقُ الأَرْضِ ماتَح مِلُ إِلاَّ الحَدِيْدَ والأَبْطالا
خافياتِ الأَلوانِ قد نَسَجَ النَّقعُ عليها بَرَاقِعًا وجِلالا
حالَفَتْهُ صُدُورها والعَوالي لَيَخُوضُنَّ دُونَهُ الأَهْوَالا
وَلَتَمْضِنَّ حيثُ لا يَجِدُ الرُّم حُ مَدارًا ولا الحِصانُ مَجَالا
لا أَلومُ ابنَ لاونٍ مَلِكَ الرُّوم مِ وإِن كانَ ما تَمنَّى مُحَالا
أَقْلَقَتْهُ بَنيَّةٌ بين أذُنَيْهِ وبانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالا
كُلَّمَا رامَ حَطَّها اتَّسَعَ البَنْ يُ فَغَطَّى جَبِينَهُ والقَذالا
يَجْمَعُ الرُّومَ والصَّقَالِبَ والبُلْ - غَرَ فيها، وتَجْمَعُ الآجالا
وتُوافِيهُمُ بها في القَنا السُّمْ رِ كما وافَتِ العِطاشُ الصّلالا
قَصَدوا هَدْمَ سُورِها فَبَنَوْهُ وأَتَوْا كَيْ يُقَصَّروهُ فَطَالا
واستَجَرُّوا مكايدَ الحَرْبِ حَتَّى - تَرَكوها لَهَا عَلَيْهِمْ وَبالا
[ ١ / ٢ ]
رُبَّ أَمْرٍ أَتَاكَ لا تَحْمَدُ الفُعْ عَالَ فيه وتَحْمَدُ الأفْعَالا
وقِسِيًّ رُمِيْتَ عَنْها فَرَدَّتْ في قُلُوبِ الرُّماةِ عَنْكَ النَّصَالا
أَخذوا الطُّرقَ يَقْطَعونَ بها الرُّسْ لَ فَكَانَ انْقِطاعُها إِرسالا
وهُمُ البَحْرُ ذُو الغَزَارِبِ إِلاَّ أَنَّهُ صَارَ عِنْدَ بَحْركَ آلا
ما مَضَوْا لَمْ يُقاتِلُوكَ وَلكِنْ - نَ القِتالَ الذي كَفَاكَ القِتَالا
الغوارب: الأمواج، والآل: السراب.
فيقول مخبرا عن الروم، ومخاطبا لسيف الدولة: أخذوا الطرق موكلين بها، وقاطعين عنك للرسل منها، فكان ذلك القطع إشعارا، وقام ذلك الضبط مقام الإرسال إليك، لأنك أنكرت فعلهم، واستربت أمرهم، فأسرعت نحوهم، وبادرت بنفسك وجيشك إليهم.
ثم قال: إنهم كالبحر ذي الغوارب؛ لتكاثف جمعهم، وتكاثر عددهم، إلا أنهم صاروا عند قوتك وعديدك، وبأسك وجنودك، كالآل الذي يتخيل ولا يصدق، ويتمثل ولا يتحقق، ففروا هاربين، وولوا عنك مدبرين.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: ما مضى الروم عنك غير مقاتلين لجيشك، ولا ولو غير متيقنين لأمرك.
ثم قال: ولكن القتال عند التأمل، والنزال الشديد عند التبين، ما أسكنت قلوبهم وقائعك من الهيبة، وما أودعتها من مهابة، حتى صار اسمك يهزم عساكرهم، وذكرهم يثني عزائمهم.
والذي قَطَّعَ الرَّقابَ مِنَ الضَّرْ بِ بِكَفَّيْكَ قَطَّعَ الآمالا
والثَّبَاتُ الذي أجادوا قديما عَلَّمَ الثَّابِتِيْنَ ذا الإجْفالا
الإجفال: الإسراع.
فيقول مخاطبا لسيف الدولة: والضرب الذي قطعت به كفاك رقاب الروم في
[ ١ / ٣ ]
وقائعك، وأفنيت به أبطالهم في ملاحمك، قطع ما أملوه في حصن الحدث من مكايدتك، وأكذب ما حاولوه فيه من مغالبتك.
ثم قال مخاطبا له: والثبات الذي أجاد الروم قديما في قتالك، فأفضى بهم إلى المهالك، وأعقبهم أشد الهزائم، علم الثابتين من رجالهم، وأهل البأس من حماتهم وأبطالهم، الهرب منك، والاجتهاد في الإجفال عنك.
نَزَلُوا في مَصَارِعٍ عَرَفوها يَنْدُبُونَ الأَعْمَامَ والأخوالا
تَحِملُ الرَّيحُ بَيْنَهُمْ شَعَرَ الها مِ وتُذْري عَلَيْهِمُ الأَوْصَالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أَنْ يُقِيمَ لَدَيْها وتُرِيْهِ لِكُلَّ عُضْوٍ مِثَالا
الندب: ذكر الميت بجميل أفعاله، وتذري: تثير وتفرق.
فيقول: نزل الروم على الحدث في مواضع تقدمت معرفتهم بها وبإيقاع سيف الدولة عليهم فيها، فجعلوا يندبون من قتل [أبطالك] من أعمامهم وأخوالهم وأبطالهم وفرسانهم، وامتثلوا تلك الحال في أنفسهم، وتوقعوا أن يحدث ما يشبهها عليهم.
قم قال: تحمل الريح بينهم شعر هام القتلى منهم، وتذري ما تدفق من عظامهم عليهم وأوصالهم، فيخيفهم ويذعرهم، ويقلقهم ويفزعهم.
ثم قال: تنذر تلك الأوصال جسمهم بأن يؤول إلى مآلها، ويقيم لديها في مثل حالها، وتريه لكل عضو من أعضائه مثالا شاهدا، ونظيرا حاضرا، وأشار بما ذكره إلى رفعة سيف الدولة على الروم عند بنيانه لحصن الحدث التي وصفها في قصيدته التي أولها:
على قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ
ولم تَكُنْ بَعِيدة من هذه الغزوة، فقال: إن الروم لما اشرفوا على موضع تلك الوقعة، وتذكروا عظم تلك النكبة، أشفقوا من أن يعاودهم سيف الدولة بمثلها، فولوا هاربين، وفروا بين يديه منهزمين.
[ ١ / ٤ ]
أَبْصروا الطَّهْنَ في القُلُوبِ دِراكًا قَبْلَ أَن يُبْصِروا الرَّماحَ خَيَالا
وإذا حاوَلَتْ طِعانَكَ خَيلٌ أَبْصَرَتْ أَذْرُعَ القَنَا أَمْيالا
الدراك: التتابع، والخيال: ما ترى على غير حقيقة.
فيقول لسيف الدولة: مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم، وأرتهم طعان رماحك دراكا في قلوبهم، قبل أن يتخيلوا ذلك ويتحققوه، ويتمثلوه ويشاهدوه، فعاذوا بالفرار منك، وولوا منهزمين عنك.
ثم قال: وإذا حاولت خيل طعانك، ومثلت لأنفسها قتالك، أراها الفزع أذرع رماحك أميالا متصلة؛ [لما تتوقعه من طعنها، وتحذره من مخوف فعلها].
بَسَطَ الرُّعْبُ في اليَمِيْنِ يَمِيْنًا فَتَوَبَّوا وفي الشَّمالِ شِمالا
يَنْفُضُ الرَّوْعُ أَيْدِيًا تَدْرِي أَسُيوفًا حَمَلْنَ أَم أَغْلالا
وَوجُوهًا أخافَهَا مِنْكَ وَجْهٌ تَرَكَتْ حُسْنَها لَهُ والجَمَالا
الروع: الفزع، والأغلال: رَوابط تشد بها الأيدي إلى الأعناق، واحدها غل.
فيقول: بسط الرعب في أيديهم أيديا مثلها، تمنعها من البطش، وتقصرها على الكف، فولوا وقد خذلتهم أعضاؤهم من الفزع، فاستولى على أنفسهم شدة الجزع.
ثم قال على نحو ما قدمه: ينفض الروع من أيديهم السلاح فيسقطه، ويسلبهم إياه الذعر فيذهبه، حتى كأن سيوفهم في أيديهم أغلال تملكها، وموانع تمنعهم من التصرف بها.
ثم قال على نحو ما تقدم، مخاطبا لسيف الدولة: وينفض الرعب عنهم وجوها قد امتقعها الخوف، وأذهب جمالها الذعر، فهي ترعد متغيرة، وتعبس متوقعة قد أخافها منك وجه أحرز غاية الحسن، وغلبها على الجمال والفضل.
والعِيَانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ لِلظَّنَّ زوالا ولِلْمُرادِ انْتِقالا
وإذا ما خلا الجَبَانُ بأَرضٍ طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ والنّزالا
[ ١ / ٥ ]
أَقْسَمُوا لا رأَوْكَ إِلاَّ بِقَلْبٍ طال مَا غَرَّتِ العُيونُ الرَّجالا
الجلي: المكشوف.
فيقول مشيرا إلى الروم، وفرارهم عن أرض الحدث بين يدي سيف الدولة؛ بعدما تكلفوه من غزوه، وتعاطوا من حصاره: أن ما تيقنوه من قصد سيف الدولة لهم، وتسابق خيله نحوهم، أكذب ما ظنوه، واراهم الجلية فيما حاولوه، وعرفهم أن حظهم في الانتقال عما أضمروه من الإقدام إلى الفرار والانهزام.
ثم ضرب للروم مثلا في فعلهم فقال: وإذا ما خلا الجبان في أرضه، وبعد عن الأقران بنفسه، طلب الطعن والمنازلة، وتعاطى القتال للمبارزة، فإذا أحس بمن يقاتله، رجع إلى طبعه، واعتصم بالفرا عن قرنه، وكذلك شأن الروم وشأن سيف الدولة، اظهروا الإقدام عليه، فلما أحسوا به، فروا بين يديه.
ثم قال مخاطبا لسيف الدولة: أقسم الروم أنهم لا يرونك إلا بقلوبهم متباعدين عنك، ولا يلحظونك بعيونهم مقربين منك، فطالما اغتروا بموافقتك فأفنيت جيوشهم، وكثرا ما أقدموا في الحرب على معاينتك، فأتلفت نفوسهم. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة [قصده].
أَيُّ عَيْنٍ تَأَمَّلَتْكَ فَلا قَتْكَ وطَرْفٍ رَنَا إِليكَ فآلا
ما يَشُكُّ اللّعِينُ في أخْذِكَ الجَيْ شَ فهل تَبْعَثُ الجُيُوشَ نَوَالا
ما لِمَنْ يَنْصِبُ الحبائِلَ في الأر ضِ ومَرْجَاهُ أَنْ يَصِيْدَ الهِلالا
الرنو: النظر، وآل بمعنى: رَجَعَ، والنوال: العطاء، والحبائل: الأشراك، واحدتها حبالة، ومرجاة: مفعلة من الرجاء.
فيقول لسيف الدولة: أي عين بطل تأملتك فرقاك صاحبها، وأقدم على موافقتك الناظر بها، وأي شجاع مجرب، أو كمي مقدم دنا إليك طرفه، ولاحظتك عينه، فرجع قاصدا إليك، وتعرض للكر مقدما عليك؟!
[ ١ / ٦ ]
ثم قال، وهو يريد ملك الروم: ما يشك اللعين في أنك تغلب جيشه وتأخذه، وتتحكم فيه وتتملكه، وتشمل أهله بالقتل والأسر، ويتكفل الله لك عليه بأبلغ النصر، أفتراه إنما يجهز الجيوش إليك عطاء لك تقصده، وإتحافا تعتمده.
ثم قال مؤكدا للإزراء على ملك الروم: ما لمن ينصب حبائله في الأرض، ويبث مكائده بين الناس، ورجا التأثير في سيف الدولة، وهو القمر في رفعته، وسبيه [به] في علو منزلته، فكيف لملك الروم أن يؤثر في القمر، ويعترض على سابق القدر؟!
إِنَّ دُونَ التي على الدَّرْبِ والأَح دَبِ، والنَّهْرِ مِخْلَطا مِزْيالا
غَضَبَ الدَّهرَ والمُلُوكَ عليها فَبَناها في وَجْنَةِ الدَّهْرِ خَالا
وحَمَاها بكلَّ مُطَّردِ الأكْ عُبِ جَوْرَ الزَّمانِ والأَوْجالا
الدرب: المدخل إلى أرض العدو من أرض الإسلام، والأحدب: جبل بقرب حصن الحدث، والاختلاط بالشيء: الالتباس به، والزوال عنه: المباعدة، والمخلط المزيال: الذي يلابس الشيء تارة، ويباعده تارة، والغضب: الأخذ بالقهر، والخال: شامة في الوجه، تخالف سائر لونه، والمطرد: المتصل الذي لا عوج غيه، والأكعب: العقد التي تكون بين أنابيب الرمح، واحدها كعب، والأوجال: المخاوف، واحدها وجل.
فيقول مشيرا إلى مدينة الحدث، وإلى سيف الدولة: إن دون المدينة المبنية على الدرب والأحدب والنهر من سيف الدولة، الذي يحمي حريمها، ويقاتل الأعداء دونها، ملكا متيقظا مقتدرا، مزيالا عن أطراف بلاده، واثقا بما يحميها من هيبته، مخلطا بالأعداء فيها عند مرامهم لها، سريعا لا يتأخر من سطوته، فهو وإن بعد، أدنته قوته، وإن انتزح، قربته مقدرته.
ثم قال: غضب الدهر والملوك على هذه المدينة، [وأدخل على كان في أول الكلام
[ ١ / ٧ ]
غلب]، والعرب تفعل ذلك، وتحمل الكلام على المعنى إذا تقارب ولم يستحل، فبناها في وجنة الدهر كالخال الذي يزين الوجه مع مخالفته للونه، ويحسنه مع ما يثبت فيه من وسمه، فبين أن هذه المدينة امتنع أمرها، وجل قدرها، فكأن الدهر زين بها وجهه، ووسم برفعتها نفسه.
ثم قال يريد سيف الدولة: وحمى هذه المدينة بكل رمح مطرد الكعوب، جور الزمان وظلمته، ومخاوفه وصرفه، يشير إلى منعه لها من الروم بمسارعته دونها إليهم.
وهي تَمْشِي مَشْيَ العَرُوسِ اخْتِيالا وتَثَنَّى على الزّمانِ دَلالا
في خَمِيْسٍ مِنَ الأُسودِ بئِسٍ يَفْتَرسْنَ النُّفوسَ والأموالا
وظُبًا تَعْرِفُ الحَرامَ مِنَ الحِلَّ فَقَدْ أَفْنَتِ الدَّماَء حَلالا
الاختيال: الزهو والتكبر، الدلال: الشكل، والخميس: الجيش، [والبئيس]: الكثير الشجعان، والافتراس: شدة الأخذ، وأصله دق العنق، والظبا: السيوف، والحرام: الممنوع، والحل: الحلال.
فيقول، وهو يريد مدينة الحدث: فهي تمشي مشي العروس اختيالا بمنع سيف الدولة منها، وتثنى على الزمان دلالا بمدافعته عنها، وأتى بهذا القول على سبيل الاستعارة، وأشار إلى أن هذه المدينة من الاعتزاز بسيف الدولة في حال تتيه معها على الدهر، وتفرط في الخيلاء والكبر.
ثم قال: وهي في خميس من جيشه، وكثرة من جمعه، وهم كالأسود الضارية، والسباع العادية، يفترسون نفوس الأعداء، ويأخذون أموالهم، ويقربون حتوفهم وآجالهم.
ثم قال، يريد. . . من سيوف هذا الجيش مشكور فعلها، محمود أثرها، تعرف الحلال والحرام، والمباح والمحظر، فقد أفنت الدماء التي أحل الله سفكها، ومنعت
[ ١ / ٨ ]
البلاد التي أوجب حمايتها ومنعتها.
إِنَّما أَنْفُسُ الأَنِيْس سِبَاعٌ يَتَفارَسْنَ جَهْرَةً واغْتِيالا
من أَطَاقَ التِماسَ شيءٍ غِلابَا واغْتِصابا لم يَلْتَمِسْهُ سُؤالا
كلُّ غادِ لِحَاجَةٍ يَتَمنَّى أَنْ يَكُونُ الغَضَنْفَرَ الرَّئْبالا
الأنيس: جماعة الناس، والتفارس: التقاتل، والجهرة: معروفة، والاغتيال: القتل بالخديعة، والغلاب: المغالبة، والاغتصاب: الأخذ بالقهر، والغضنفر والرئبال: اسمان من أسماء الأسد.
فيقول: إنما أنفس الناس كالسباع فيما تبتغيه وتطلبه، من الاستعلاء بالقدرة، فهي تتفارس سرا وجهرة، ومكاشفة وغيلة.
ثم قال: وكل غاد منهم لحاجة، ومعتمد لبغيته، يود أنه الأسد بأسا وشدة، واقتدارا وقوة؛ ليتناول ما يقصده بفضل قوته، ويستظهر عليه ببأسه وشدته. وأشار إلى أن الروم لم يفروا بين يدي سيف الدولة على الخديعة أنفا ومكارمة، وإنما كان فرارهم فرقا ومحاذرة؛ لأن في طبائع الإنس أن يستعملوا فيما يطلبونه غاية قوتهم، [وأن يتناولوا ذلك بأبلغ قدرتهم].
[ ١ / ٩ ]
وفزع الناس لخيل لقيت سرية لسيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب معه، فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه، فنظر إلى الدم عليه، وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت، فتمثل سيف الدولة بيتي النابغة:
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أَنّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ
تُوُرَّثْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ إِلى اليَوْمِ قَد جُرَّبْنَ كُلَّ التَّجارِبِ
فَأَنْشَدَ ارتجالا:
رَأَيْتُكَ تُوسِعُ الشُّعراَء نَيْلًا حَدِيْثَهُمُ المُوَلَّدَ والقَدِيْمَا
فَتُعْطِي مَنْ بَقَى مالًا جَسِيْمًا وتُعْطي مَنْ مَضَى شَرَفًا عَظِيْمًا
المولد: المتأخر من الشعراء، وبقى: بمعنى بقي، وهي لغة لطيء، يبدلون الكسرة فتحة، إذا كانت بعدها ياء مفتوحة، ويقلبون الياء ألفا، فيقولون في رضي: رضى، وفي ناصية ناصاة.
فيقول لسيف الدولة (. . . . . . .) وتعمهم بنيلك؛ حديثهم المولد في عصرك، وسالفهم المتقدم من قبلك.
ثم بين ذلك فقال: فتعطي (. . . . . . . .) يقنعهم، وتعطي ماضيهم شرفا عظيما يدفعهم.
سَمِعْتُكَ مُنْشِدًا بَيْتي زيادٍ نَشِيْدًا مِثْل مُنشِدِهِ كريما
فما أَنْكَرْتُ مَوْضِعَهُ ولكن غَبَطْتُ بِذاكَ أَعْظُمَه الرَّميما
زياد: نابغة بني ذبيان، وغبطت الرجل بحاله: إذا أيدت بصيرته (. . . . . . . .)، والرميم: العظم إذا بلي وتقطع.
فيقول لسيف الدولة: سمعتك تنشد بيتي النابغة نشيدا يشبه كرمه كرمك، [ويماثل صوابك شعره]، فما أنكرت موضع النابغة من (. . . . . .) لما رفعت من قدره، ولكنني غبطت عظامه البالية بتشريفك (. . . . . . . . .).
كمل السفر والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله
[ ١ / ١٠ ]
أجمعين، وكان الفراغ منه يوم السبت الموفي ثلاثين من شهر ربيع الآخر عام أربع. . . وكتبه بخطه لنفسه عفا الله عنه علي بن محمد بن جعفر.
[ ١ / ١١ ]
اجتاز أبو الطيب برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة وبني رياح من بني تميم، يمدح سيف الدولة بهذه القصيدة، ولم ينشده إياها، فلما أنشده هذه القصيدة اللامية، أنشده إياها، وألحقت في هذا الموضع، وهي من قوله في صباه:
ذِكْرُ الصَّبا ومَرَابِعُ الآرامِ جَلَبَتْ حِمَامِي قَبْلَ وَقْتِ حَمامي
دِمَنٌ تَكاثَرَتِ الهُمومُ عَلَيَّ في عَرَصَاتِها كَتَكاثُرِ اللُّوَّامِ
فَكَانَّ كُلَّ سَحَابَةٍ وَقَفَتْ بِها تَبْكِي يِعَيْنَيْ عُرْوَةَ بنِ حِزَامِ
الذكر: جمع ذكرى. والآرام: الظباء، ومرابعها: المواضع التي تقيم فيها مدة الربيع، والحمام: الموت، والدمن: المواضع التي ينزل بها القوم فتبقى فيها أبعار إبلهم، وآثار نارهم، (وعرصات) الدمن: أوساطها، وعروة بن حزام العذري: أحد العشاق المتقدمين وهو ممن قتله العشق.
فيقول: ذكر الصبا وما فرط من طيبه، والشباب وما سلف من السرور به (. . .) زمن إلمامي على ربع الآرام من الأحبة، جلبت إلي الحمام قبل وقته (. . .).
ثم قال: دمن تكاثرت الهموم علي (. . .) في عرصاتها من دروس رسومها (. . .) كتكاثر اللوام على ما لحقني من الحزن، وأحاط بي من البث والشجن، وكأن سحاب (. . .) الأمطار المغيرة لها تبكي عليها رثاية لتغيرها، وأسفا على دروسها وتبدلها بعيني عروة بن حزام، الذي كان لا يرقا دمعه، ولا يفتر حزنه، فأشار ببكاء السحاب على هذه الدمن إلى ما كانت عليه من الحسن والجلالة، وبمداومة المطر لها إلى ما صارت إليه (. . . .).
وَلَطَالَما أَفْنَيْتُ رِيْقَ كَعَابهَا فِيها، وأَفْنَتْ بالعِتَابِ كَلامي
قَدْ كُنْتَ تَهْزَأُ بِالفرَاقِ مَجَانَةً وَتَجُرُّ ذَيْلَي شِرَّةٍ وَعُرامِ
لَيْسَ القِبَابُ على الرَكاب وإنما هُنَّ الحَياةُ تَرحَّلَتْ بِسَلامِ
الكعاب: الجارية التي ينبت ثديها في صدرها. والعتاب: المؤاخذة على الزلة.
[ ١ / ١٢ ]
والماجن: الذي لا يبالي بما صنع. والعرام: الشدة، والركاب: الإبل تحمل القوم.
فيقول: ولطالما أفنيت في هذه الدار ريق كعابها، مسرورا بوصلها، مبلغا أبلغ الأمل من قربها، وأفنت كلامي بمعاتبتها لي، واستكثرت من حديثي معجبة بي.
ثم قال مخاطبا لنفسه: قد كنت تهزأ بالفراق آمنا لفجاءته، وتمجن بذكره جهلا بمخوف عاقبته، وتجر في (. . . . .) ذيلي شره وعرام، وتتصرف فيه تصرف شبيبة واغترار.
ثم قال مشيرا إلى فراق أحبته، ورحيل من شغف بألفته: ليس على الركاب في (. . .).
لَيْتَ الَّذي خَلَقَ النَّوىَ جَعَلَ الحَصَى لِخِفَافِهِنَّ مَفَاصِلِ وَعِظَامِي
مُتَلاحِظْيَنَ نَسُحُّ مَاَء شُؤُونِنَا حَذَارًَا مِنَ الرُّقَبَاءِ في الأَكْمَامِ
أَرْواحُنَا انهَمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَا مِنْ بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الَقدامِ
النوى: البعد. وخفاف الإبل: ما تطأ به الأرض من أيديها وأرجلها. والسح: الانسكاب. والشؤون: مجاري الدموع. والانهمال: شدة الجري. والقطر: سقوط المطر الشيء بعد الشيء، ويستعار ذلك فيما قاربه. والمفاصل: ما تتصل عليه الأعضاء.
فيقول: ليت الذي خلق النوى وأنشأها، وابتدعها واخترعها، جعل بتلك القدرة حصى أحفاف إبل الأحبة عظامي؛ لأصحبها ولا أفارقها، وأقاربها ولا أباعدها.
ثم قال؛ يريد نفسه وأحبته الراحلين عنه: متلاحظين في موقف البين، نسخ ماء شؤونها - وأومأ إلى الدمع - غير معلنين بسكبه، ولا مظهرين لأمره، نسكبه في الأكمام، ونستره عن الرقباء واللوام.
ثم قال: ولم يكن ما بكينا به دموعا نسكبها ونذريها ويرسلها، وإنما كانت أرواحنا قطرت على أقدامنا منهلة، وظعنت عن أجسامنا مرتحلة، وعشنا منها بأنفس
[ ١ / ١٣ ]
ضعيفة، وحيينا بحشاشات يسيرة.
لَوْ كُنَّ يَوْمَ جَرَيْنَ كُنَّ كَصَبْرنَا عِنْدَ الرَّحِيْلِ لَكُنَّ غَيْرَ سِجَامِ
لَمْ يَتْرُكُوا لِيَ صَاحِبًا إِلاَّ الأَسَى وَذَمِيْلَ ذِعْلِبَةٍ كَفَحلِ نَعَامِ
وَتَعَذُّرُ الأَحْرَارِ صَيَّرَ ظَهْرَهَا إِلا إليكَ عَلَيَّ فَرْجَ حَرَامِ
السجام: الجارية، واحدها ساجم، والأسى: الحزن، والذميل: ضرب من مشي الإبل، والذعلبة: الناقة السريعة.
فيقول: لو كانت (. . .) عند الوداع في حين (. . .) على مثل حال صبرنا؛ لكانت معدومة لا تسجم، ومفقودة لا تسكب. يشير إلى ما كان عليه في تلك الحال، من كثرة الجزع والدمع، وقلة العزاء والصبر. ثم قال، يريد أحبته: لم يتركوا لي صاحبا آنس بقربه، وموالفا أسكن إلى وصله، إلا الأسى الملازم، والكمد المداخل، وسير ذعلبة أركبها؛ رجاء السلوة، وأسير بها متعللا من كمد الفرقة.
ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: وتعذر الأحرار في الزمن الذي (. . . .) فضلك، وصغر أقدارهم قدرك، صير ظهر تلك الناقة علي فرج حرام لا أقربه (. . .).
أَنْتَ الغَريْبَةُ في زَمَانٍ أَهْلُهُ وُلِدَتْ مَكَارِمُهُمْ لِغَيْرِ تَمَام
أَكْثَرْتَ مِنْ بَذْلِ النَّوالِ ولَمْ تَزَلْ عَلَمًا على الإفْضالِ والإِنْعَامِ
صَغَّرْتَ كُلَّ كَبيْرَةً وَكَبُرْتَ عَنْ لَكَأَنَّهُ، وَعَدَدْتَ سِنَّ غُلامِ
الغريبة من الأشياء: التي يعدم نظيرها، والمولود لغير تمام: الذي يولد قبل استيفاء مدة حمله، وذلك يخدج المولود، ويضعف خلقه، والنوال: العطاء، والعلم: العلامة، والغلام: الصبي.
فيقول لسيف الدولة: أنت غريبة الزمان بعموم فضله، وجلالة قدره، في زمان
[ ١ / ١٤ ]
مكارم أهله مخدجة ناقصة، مستقلة مستصغرة، فأنت مستغرب في دهرك، أنك بلغت غاية التمام في أوان النقصان (. . . . . .) فكيف بك وقد تناهت قوتك، وتمكنت شبيبتك. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة منه، وغير خارجة في جملتها عنه.
وَرَفَلْتَ في حُلَلِ الثَّنَاءِ، وإِنّما عَدَمُ الثَّنَاءِ نِهَايَةُ الإِعْدَامِ
عَيْبٌ عَلَيْكَ تُرَى بِسَيْفٍ في الوَغَى ما يَصْنَعُ الصَّمْصَامُ بالصَّمْصَامِ
إِنْ كَانَ مِثْلُكَ كانَ أو هُوَ كائِنٌ فَبَرِئْتُ حِيْنَئِذٍ مِنَ الإسْلامِ
رفل الرجل: إذا جر ذيله، والإعدام: الفقر، والوغى: الحرب، والصمصام: السيف.
فيقول لسيف الدولة: ورفلت صغيرا وكبيرا في حلل الثناء والحمد، وأحرزت أبعد غايات الكرم والمجد، وإنما عدم الثناء نهاية الإعدام والفقر، وغاية الإقلال والعسر.
ثم قال مخاطبا له: عيب عليك وأنت السيف نفاذا وحدة، وصرامة وهيبة، أن تتقلد السيف في حربك، ونستعمله (في) بطشك، والسيف يقصر (عن) فعلك، ويتصاغر عن جلالة قدرك، فما تفعل، وأنت الصمصام، بصمصام يعضدك، وما تريد، وأنت السيف، بسيف يعينك ويؤيدك.
ثم قال: إن كان مثلك في نظرائك من الرؤساء، ومن تقدمك من أكبر الكرماء، أو تظنه كائنا في الأغلب من (. . . .) ومنتظرا في غير عصرك، فبرئ حينئذ من الإسلام (. . . . . .).
مَلِكٌ زُهَتْ بِمَكَانِهِ أَيَّامُهُ حَتَّى افْتَخَرْنَ بِهِ على الأَيَّامِ
وَتَخَالُهُ سَلَبَ الوَرَى أَحْلاَمَهُمْ مِنْ حِلْمِهِ فَهُمُ بِلا أَحْلامِ
وإِذا امْتَحَنْتَ تَكَشَّفَتْ عَزمَاتُهُ عَنْ أَوْحَدِيَّ النَّقْضِ والإبْرَامِ
[ ١ / ١٥ ]
الزهو: العجب والكبر، وزهت بمعنى زهيت فأبدل من الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفا، وحذفها لالتقاء الساكنين، وهي لغة طيء، وقد تقدم شرحها، والحلم: العقل، والإبرام: الإحكام، والنقض: ضده.
فيقول وهو يريد سيف الدولة: ملك زهيت أيامه بجلالة قدره وأعجبت بتكامل فضله حتى افتخرت به على الأيام كلها، وترفعت بمكارمه على الأزمنة بأسرها. وهذا على التجوز والإشارة إلى الأكثر.
ثم قال: وتخاله لوفور حلمه، وسعة إحاطته وعلمه، قد اجتمعت له أحلام الورى بجملتها، وقصرت عليه بعامتها، وصاروا بمعزل عنها قد سلموها لحلمه، وتصرفوا فيها على حكمه.
ثم قال: وإذا امتحنت أصالة رأيه، وجلالة أمره، تكشفت لك عزائمه على ألمعي في قوله وفعله، وأوحدي في إبرامه ونقصه.
وإذا سَاَلْتَ بَنَانَهُ عَنْ نَيْلِهِ لَمْ يَرْضَ بالدُّنْيَا قَضَاَء ذِمَامِ
مَهْلًا، أَلا لِلَّهِ ما صَنَعَ القَنَا في عَمْرِو حَابِ، وضَبَّةَ الأَغْتَامِ
لَمَّا تَحَكَّمَتِ الأَسِنَّةُ فيهِمِ جَارَتْ، وَهُنَّ يَجُرْنَ في الأَحْكامِ
الذمام: الحرمة، وعمرو حاب: أراد عمرو حابس فرخم في غير النداء، وعمرو [بن] حابس بطن من بطون [بني أسد]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: لما تحكمت أسنته فيهم، وتسلطت سلاح جنوده عليهم، جارت بالإسراف في قتلهم، وأفرطت فيما أفنت من جمعهم، وكذلك الرماح وأحكامها جائرة، وأفعالها في العقوبة بالغة.
فَتَرَكْنَهُمْ خَلَلَ البُيوتِ كَأَنَّمَا غَضِبَتْ رُؤُوسُهُمُ على الأَجْسَامِ
أَحْجَارُ نَاسٍ فَوْقَ أَرْضٍ مَنْ دَمٍ ونُجُومُ بَيْضٍ في سَمَاءِ قَتَامِ
[ ١ / ١٦ ]
وذِراعُ كُلَّ أَبي فُلانٍ كُنْيَةً حَالَتْ فَصَاحِبُها أَبو الأَيْتَامِ
الخلل: الفرجة بين الشيئين، والقتام: الغبار، وبيض الحديد معروفة، والواحد بيضة، والذراع: علامة معروفة يسم بها بنو سعد العشيرة.
فيقول لسيف الدولة: فتركت هاتين القبيلتين، وكأن رؤوسهم قد غضبت على أجسامهم ففارقتها، وتسخطت صحبتها فباينتها، وصاروا في خلل بيوتهم أجساما لا رؤوس لها، ورؤوسا لا تتصل الأجسام بها.
ثم قال على نحو ما قدمه: أحجار ناس، يشير إلى كثرتهم، وما قطعه القتل من حركتهم، وأنه أبقاهم جثثا كالأحجار في أرض قد لبسها الدم لكثرته، وستر (. . . . . . . . . . .) فصاروا في معتركهم كالأحجار الساكنة على أرض من لدماء الجارية تحت سماء من القتام؛ مثار سنابك الخيل، ونجومها لوامع البض.
ثم قال وعلامة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
عَهْدِي بِمَعْرَكَةِ الأَميرِ وَخَيْلُهُ في النَّقْعِ مُحْجِمَةً عن الإحْجَامِ
صَلَّى الإلهُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ وَسَقَى ثَرَى أَبَوَيْكَ صَوْبَ غَمَامِ
وَكَساكَ ثَوْبَ مَهَابَةٍ مِنْ عِنْدِهِ وأَرَاكَ وَجْهَ شَقِيقِكَ القَمْقَامِ
المعركة: موضع القتال، والنقع: الغبار، والإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والصلاة الترحم، والشقيق: الأخ من الأب والأم، والقمقام: السيد الكثير الخير.
فيقول: عهدي بمعركة الأمير سيف الدولة في القوم الذين ذكر إيقاعهم بهم، وخيله في الرهج الذي ثار في تلك المعركة، مقدمة إلى الأعداء غير محجمة، متسابقة إليهم غير متهيبة، تتأخر عن الإحجام، وتقتحم أشد الاقتحام.
ثم قال مخاطبا له: وفر الله حظك من رحمته، ورضي عنك لا بالتوديع عند (. .
[ ١ / ١٧ ]
)، وسقى ثرى أبويك غماما يرويه صوبه، وسحابا يتصل عليه سكبه، وكساك من عنده ثوب المهابة، ومتعك بالتأييد والكرامة، وأراك وجه شقيقك، يريد: ناصر الدولة السيد (. . .).
فَلَقَدْ رَمَى بَلَدَ العَدُوَّ بِنَفْسِهِ في رَوْقِ أَرْعَنَ كالغِطَمَّ لُهَامِ
قَوْمٌ تَفَرَّسَتِ المَنَايَا فِيْكُمُ فَرَأَتْ لَكُمْ في الحَرْبِ صَبْرَ كِرَامِ
تَاللَّهِ ما عَلِمَ امرُؤ لَوْلاكُمُ كَيْفَ السَّخَاءُ وكَيْفَ ضَرْبُ الهَامِ
(. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال يخاطبهم: تالله لولا ما نهجتموه من البذل، وأظهرتموه من الإقدام في الحرب، ما عرف الناس حقيقة السخاء، ولا كيف تجالد الأبطال عند اللقاء.
[ ١ / ١٨ ]
وقال يمدحه، أنشدها إياه بآمد، وكان منصرفا من بلاد الروم في آخر نهار يوم الأحد لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهْيَ المَحَلُّ الثانِي
فَإذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْس مِرَّةٍ بَلَغَتْ مِنَ العَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الفَتَى أَقْرَانَهُ بالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُن الأَقْرَانِ
النفس المرة: الأبية التي لا تستعذب (. . .) من أقدم على (. . . . . . . . .) والأقران: الأكفاء، والواحد قرن.
فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
لَوْلاَ العُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ أَدْنَى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ
وَلَمَا تَفَاضَلَتِ النُّفوسُ وَدَبَّرَتْ أَيْدِي الكُمَاةِ عَوَالِيَ المُرَّانِ
لَوْلاَ سَمِيُّ سُيُوفِهِ وَمَضَاؤهُ لَمَّا سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأَجْفَانِ
الضيغم: الأسد، والكماة: أبطال الشجعان، والمران: الرماح التي تجمع اللين مع الصلابة، واحدها مارن، والمضاء: النفاذ. والأجفان: أغماد السيوف.
فيقول مؤكدا للتنبيه على فضيلة الرأي: لولا العقول التي تبعث (على) الرأي، وتدل على مواضع الشجاعة، لكان أقل الأسد حالا، وأوضعها منزلة، أقرب (إلى) شرف الرفعة، وعلو المنزلة (من) الإنسان؛ لأنه يبلغ من ذلك ما لا يبلغه، ويدرك منها أكثر مما يدركه، ولكن الإنسان يفضله بعقله، ويزيد عليه بمعرفته وعلمه.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولولا العقول لما فضلت نفوس الإنس نفوس سائر الحيوان، ولا استعملت الكماة السلاح للمنازلة، ولا (استظهرت) به عند المقاتلة ولا دبرت أيدي الفرسان عوالي الرماح، ولا صرفتها فيما تقصده من الطعن، ولكن العقول أفادت ذلك ودلت عليه (. . . . . . . . . .) إليه.
ثم قال، يريد سيف الدولة: لولا سمي سيوفه وهيبته، ومضاؤه في الحرب (. . .
[ ١ / ١٩ ]
).
خَاضَ الحِمَامَ بهِنَّ حَتَّى ما دُرِي أَمِنِ احْتِقارِ ذاكَ أَمْ نِسْيَانِ؟
وَسَعَى فَقَصَّرَ عَنْ مَدَاهُ في العُلا أَهْلُ الزَّمانِ، وأَهْلُ كُلَّ زَمَانِ
(. . . . . . . . . . . . . . . .) والجموع المكسرة مع ذلك محمولة على التأنيث في الإخبار عنها، يقال: اجتمعت الرجال وسارت الجمال.
ثم قال، يريد سيف الدولة: خاض غمرات الموت بمن معه من أصحاب تلك السيوف، مبادرا لا يتوقف، ومقتحما لا يتهيب، حتى ما دري إلى أي الحالين ينسب فعله؛ إلى احتقاره لمن قاتله، أم إلى تناسيه لعظيم ما حاوله.
ثم قال: وسعى فيما ابتغاه من المجد، وما قصره على نفسه من الشكر والحمد، فقصر عن إدراك شأوه، ومماثلة فعله، أهل زمانه بجملتهم، والمحاولون لإدراكه بعامتهم، ومن تقدمه من الكرماء في الأزمنة الخالية، ومن كان قبلهم منهم في المدد السالفة.
تَخِذُوا المَجَالِسَ في البُيوتِ وعِنْدَهُ أَنَّ السُّروجَ مَجَالِسُ الفِتْيانِ
وتَوَهَّمُوا اللَّعبَ الوَغَىَ والطَّعْنَ في ال هيجاءِ غَيْرُ الطَّعْنِ في المَيْدانِ
تخذوا: لغة في اتخذوا. قرئ: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا)، و(لتخذت عليه أجرا)، والميدان: موضع يتخذ (. . . . .) الخيل.
فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
قَادَ الجِيَادَ إِلى الطَّعَانِ ولَمْ يَقُدْ إِلاَّ إِلى العَادَاتِ والأَوْطَانِ
كُلُّ ابنِ سَابِقَةٍ يُغِيْرُ بِحُسْنِهِ في قَلْبِ صَاحِبِهِ على الأَحْزَانِ
إِنْ خُلَّيَتْ رُبِطَتْ بِآدابِ الوَغَى فَدُعاؤها يُغْنِي عَن الأَرْسَانِ
الجياد: الخيل العتاق، والأوطان: مواضع الإقامة، والوغى: الحرب.
[ ١ / ٢٠ ]
فيقول، وهو يريد سيف الدولة: قاد عتاق الخيل، وأشار بها إلى مواضع فرسانها من البأس؛ لأن استجادة الفرسان لها بحسب ملازمتهم للحروب بها.
فيقول: إنه قادها إلى الطعن، واقتحم بها غمرات الحرب، ولم يقدها من ذلك إلا عاداتها السالفة، وأفعالها الفارطة، ولا أراها من تلك الملاحم إلا فيما حولها بطول الاعتياد، كالأوطان التي تلزمها، والمساكن التي تألفها.
ثم قال واصفا لكرم تلك الخيل: كل ابن سابقة معرق في العتق، جار على وراثة من الكرم، يغير بحسن خلقته، وجمال صورته، على الأحزان في قلب صاحبه، فيكشفها عنه، ويطردها منه، ويبعث له السرور بنفسه، وشدة الإعجاب بحسنه.
ثم أكد ما قدمه، فقال: إن خليت تلك الخيل مهملة، وأطلقت مرسلة، ربطتها آداب الحرب، وملكها اعتياد التصرف (. . . . . . . . . . . .) فهي تنقاد إذا دعيت دون أرسان، وتفعل ما يرغب منها دون فرسان.
في جَحْفَلٍ سَتَرَ العُيُونَ غُبارُهُ فَكَأَنَّما يُبْصِرْنَ بالآذَانِ
يَرْمِي بِهَا البَلَدَ البَعِيْدَ مُظَفَّرٌ كُلُّ البَعِيْدِ لَهُ قَرِيْبٌ دَانٍ
فَكَأَنَّ أَرْجُلَها بِتُرْبَةِ مَنْبِجٍ يَطْرَحْنَ أَيْدِيَها بِحِصْنِ الرَّانِ
(. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) يقرب له البعيد إقبال جده، ويدنيه منه تمكن سعده، ثم أكد ذلك فقال: فكأن أرجل خيله بتربة منبج، وأرضه تطرح أيديها بحصن الران الذي أمه بقصده، واعتمده بجيشه، يشير إلى سرعة لحاقه لما قصد نحوه، وهذه (. . . . . . . .) فيمن أراد غزوه، وأن العوائق لم تعترضه دون بغيته، ولا أقدم الروم على مدافعته دون رغبته.
حَتى غَبَرْنَ بأَرْسَنَاسَ سَوَابِحا يَنْشُرْنَ فِيْهِ عَمَائِمَ الفُرْسَانِ
[ ١ / ٢١ ]
يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى مِنْ بَاردٍ يَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصْيَانِ
أرسناس: واد من أودية بلاد الروم، والسابح: العائم، والجمع سوابح، والقماص: التوثب، والمدى: شفار السكاكين، واحدتها مدية.
فيقول على نحو ما قدمه من وصف إسراع خيل سيف الدولة إلى الروم: حتى عبرن - يريد الخيل - أرسناس، وهو النهر، وهي سوابح غير سائرة، وعوائم غير ماشية، تنتشر عمائم فرسانها من شدة نهوضها، وتضطرب بكثرة ازدحامها في (. . . . . . . . . . . .).
ثم قال - يريد الخيل: يقمصن في هذا النهر في مثل المدى
منْ مُنْعَقِدِ ثَلْجِهِ، وبَارِدِ مَائِهِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .).
والماءُ بَيْنَ عَجَاجَتَيْنِ مُخَلَّصٌ تَتَفَرَّقَانِ بِهِ وتَلْتَقِيانِ
رَكَضَ الأَمِيْرُ، وكالُّلجِيِن حَبَابُهُ وَثَنَى الأَعِنّةَ، وهو كالعِقْبَانِ
العجاجة: الغبار الساطع، واللجين: الفضة، وحباب الماء: معظمه، والعقيان: الذهب.
فيقول: ماء ذلك النهر (. . . . . . . . .) على شطيه تنيرهما خيول سيف الدولة المترادفة القادمة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: ركض الأمير - يريد سيف الدولة - ومعظم هذا النهر كالجين في ابيضاض مائه، وخلوصه وصفائه، وثنى أعنة خيله عابرا غيه، وهو كالعقيان بما سفك عليه من دماء الروم (. . . . . . . . . . . . . . . . . .).
فَتَلَ الحِبَالَ من الغَدائِرِ فَوْقَهُ وَبَنَى السفِيْنَ لَهُ مِنَ الصُّلْبَانِ
[ ١ / ٢٢ ]
وَحَشَاهُ عَادِيَةً بِغَيْر قَوائِمٍ عُقْمَ البُطُونِ، حَوْالِكَ الألْوانِ
تَأْتِي بِمَا سَبَتِ الخيولُ، كأنَّها تَحْتَ الحِسَانِ مَرابضُ الغِزْلاَنِ
الغذائر: الضفائر، واحدتها غديرة، والسفين: جمع سفينة، والصلبان: جمع صليب، وهي آلة معروفة يعظمها النصارى، والعادية: الجارية. والقوائم معروفة، والعقم التي لا تحمل ولا تنتج، واحدتها عقيم، والحوالك: السود ومرابض الغزلان: موضع إقامتها، واحدها مربض.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة: فتل الحبال على (. . . . . . . . . .) لغدائر نساء الروم، يشير إلى كثرتهن، وما بهن من الحزن على من قتله من رجالهن، وأنهن قطعن غدائرهن مظهرات (. . . . . . . . . . . . . . . .)، ومؤذنات بما بهن من شدة الثكل، وإن تلك الغدائر كانت (. . . . . . . . . . .).
ثم قال: تأتي تلك القوارب في ذلك النهر، بما تجلبه خيول سيف الدولة من سبايا الروم تحتهن، فكأنها تحتهن مرابض غزلان، ومكانس ظباء وآرام.
بَحْرٌ تَعَوَّدَ أَنْ يُذِمَّ لأَهْلِهِ مِنْ دَهْرِهِ وَطَوارِقِ الحِدْثَانِ
فَتَرَكْتَهُ وإذا أَذَمَّ مِنَ الوَرَى راعَاكَ واسْتَثْنَى بَنِي حَمْدَانِ
المُخْفِريْنَ بِكُلَّ أَبْيَضَ صَارِمِ ذِمِمَ الدُّرُوعِ عَلى ذَوي التَّيجَانِ
البحر: الماء الكثير، وأراد به هاهنا النهر الذي ذكره، ويذم: يعطي من نفسه عهدا، والحدثان: ما يحدثه الدهر من طوارفه، والمراعاة: المراقبة، والإخفار: نقض العهد، والذمم: العهود، والواحدة ذمة.
فيقول في النهر الذي قدم ذكره: بحر تعود يجتازه جيش إلى من خلفه، فكان يذم من جاوره على الدهر من أن يغشاه (. . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: فتركته وإذا أجار من البرية، وأذم على جميع (. . . . . . . . . . . . . . . .).
[ ١ / ٢٣ ]
مُتَصَعْلِكِيْنَ على كَثَافَةِ مُلْكِهِمْ مُتَوَاضِعِيْنَ على عَظِيْمِ الشَّانِ
يَتَقَيَّلونَ ظِلالَ كُلَّ مُطَهَّمٍ أَجَلِ الظَّلِيْمِ وَرِبْقةِ السرْحَانِ
خَضَعَتْ لِمْنْصُلِكَ المَنَاصِلْ عَنْوَةُ وأَذَلَّ دِيْنُكَ سَائِرَ الأَدْيانِ
التصعلك: الاحتمال على أفعال الصعاليك الذين لا مال لهم ولا نشب يرجعون إليه، فهم يفعلون ما بدا لهم غير (. . . . . .)، والكثافة: الثخن وشدة الاقتحام، والتقيل: القصد والاعتماد، والمطهم: التام الخلق، والظليم: ذكر النعام، والربق والربقة: ما يشد به عنق الشاة، والسرحان: الذئب، والعنوة: القسر والغلبة.
فيقول، - وهو يريد بني حمدان -: إنهم يتصعلكون في حروبهم بالمباشرة لها، والتقدم في النهوض بها على كثافة ملكهم، وجلالة أمرهم، ويتواضعون مع عظيم شأنهم، وارتفاع منزلتهم ومكانتهم.
ثم قال: يتقيلون ظلال خيولهم المطهمة في خلقها، المقدمة في عتقها، فيسكنون إليها، ويألفون الراحة فيها، وتلك الخيل آجال الظلمان؛ لأنها لا يفوتها عند الطلب، وربق السراحين؛ لأنها (. . . . . . . . . . . . . . .)، فأشار بما ذكره من راحتهم في ظلال خيولهم إلى ما هم عليه من مواصلة الغزو والمباشرة (. . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال لسيف الدولة: خضعت لسيفك سيوف ملوك الأمم عنوة، وأسلم جميعهم لأمرك هيبة، وأذل دين الإسلام سائر أديانهم، وأهان الله بجلالتك ما كان أرفع من شأنهم.
وعلى الدُّروبِ وفي الرُّجوعِ غَضَاضَةٌ والسَّيْرُ مُمْتَنِع مِنَ الإمكانِ
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسَالكِ بالقَنَا والكُفْرُ مُجْتَمِعٌ على الإيمَانِ
نَظَروا إلى زُبَرِ الحَدِيْدِ كَأَنَّما يَصْعَدنَ بَيْنَ مَنَاكِبِ العِقْبَانِ
الدروب: المداخل إلى بلاد الروم، والغضاضة: الاحتقار والمهانة، والقنا: الرماح،
[ ١ / ٢٤ ]
وزبر الحديد: (. . . . . . . . . . . .).
فيقول لسيف الدولة: وعلى الدروب في حين اعتراض الروم (. . . . . . . . . . .)، وضعف يتعلق بك، والتوقف لا يحسن والنهوض ممتنع لا يمكن.
ثم قال على نحو ما قدمه: وقد ضاقت مسالكها بالتفاف الرماح، وامتنع السير فيها لتكاثر السلاح، والكفر قد تداعت على الإيمان ضروبه، وتناصرت على الإيقاع به جموعه.
ثم قال: نظروا - يريد الروم - في ذلك الموقف إلى البيض في رؤوس فرسانك، وكأنها زبر حديد ماثلة، تحملها بين مناكبها عقبان طائرة، يصاولونهم فيستعلون عليهم، ويقصدونهم فيتسابقون إليهم.
وَفَوارِسٍ يُحْيِي الحِمَامُ نُفُوسَهَا فَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ
مَا زِلْتَ تَضْرِبُهُمْ دِراكًا في الوَغَى ضَرْبًَا كَأَنَّ السَّيْفَ فِيْهِ اثْنانِ
خَصَّ الجَمَاجِمَ والوُجُوهَ كَأَنَّمَا جَاَءتْ إليكَ جُسومُهُمْ بِأَمَانِ
الحِمامُ: الموت، والحيوان: ما كان فيه حياة وحركة، والدراك: التتابع، والوغى: الحرب، والجماجم: الرؤوس.
فيقول، - وهو يريد الروم -: ونظروا من فرسان سيف الدولة إلى فوارس كأن الموت يحيي أنفسها لسرورها به (. . . .)، فهم يتبادرون إليه، غير مستوحشين منه، ويقدمون عليه غير منحرفين عنه، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
فَرَمَوْا بِمَا يَرْمُونَ عَنْهُ وأَدْبَرُوا يَطَؤونَ كُلَّ حَنِيَّةٍ مِرْنَانِ
يَغْشَاهُمُ مَطَرُ السَّحَابِ مُفَصَّلًا بِمُهَنَّدٍ، ومُثَقَّفٍ وَسِنَانِ
حُرِمُوا الَّذي أَمَلُوا، وأَدْرَكَ مِنْهُمُ آمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمَانِ
الحنية: القوس، والمرنان: التي تصوت عند الرمي، والمثقف: المقوم، وأملوا
[ ١ / ٢٥ ]
بالتخفيف: لغة في أملوا، يدل على ذلك آمل، ومؤمل لا يكون إلا من أمل مثقل، وعاذ: لجأ.
فيقول، - وهو يريد الروم -: فرموا بالقسي التي كانوا يرمون عنها، وولوا هاربين، وأدبروا منهزمين، يطؤون كل حنية مرنان من قسيهم، وينبذون كل ما كانوا يستعملونه من سلاحهم.
ثم قال: يغشاهم من سلاح سيف الدولة ما هو كمطر السحاب في كثرته، وفي تتابعه وسرعته، إلا أنه مفصل بالسيوف المهندة، والرماح (. . . . . . . . . . .) المحدودة.
ثم قال: حرموا الذي أملوه من الظفر في حربهم، والإنجاح في سعيهم، ومن تتبع ذلك (. . . . . . . . . . .) قصاراه، والحتف ماله، وأدرك آماله منهم من ألجأ إلى الحرمان نفسه، مستنفدا في الفرار جهده، وكان (. . . . . . . . . . . . .) عليه غنما أدركه، ورجاء بلغه.
وإذا الرَّمَاحُ شَغَلْنَ مُهْجَةَ ثَائِرٍ شَغَلَتْهُ مُهْجَتُهُ عَن الإخْوَانِ
هَيْهَاتَ عَاقَ عَنِ العِوادِ قَوَاضِبٌ كَثُرَ القَتِيْلُ بِهَا، وَقَلَّ العَانِي
وَمُهَذَّبٍ أَمَرَ المَنَايَا فِيْهِمُ فَأَطَعْنَهُ في طَاعَةِ الرَّحْمانِ
الثائر: الذي يطلب بدم وليه، والعواد: المعاودة، والقواضب: السيوف القواطع، والعاني: الأسير.
فيقول: وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر بمطالبة نفسه، والإشراف على حتفه، شغلته مهجته على إخوانه وأحبته، وألهته عن الأقربين من ذوي مودته و(. . .)، كذلك كان المتخلص بالهرب من الروم في هذه الوقعة، مشغولا بنفسه عمن تخلفه من أهله، ومن أسلمه من قرابته (. . . . . .).
ثم قال: هيهات، عاق الروم عن معاودة سيف الدولة ومناصبته، وأقعدهم عن
[ ١ / ٢٦ ]
معارضته ومبارزته، سيوف قواضب أعملها فيهم، وسلطها عليهم، فكثر فيهم الفناء والقتل، وقل من أسعده البقاء والأسر.
ثم قال: وعاقهم عن المعاودة من سيف الدولة ملك مهذب، جليل معظم، أمر المنايا فيهم فأطعنه، واستجدها عليهم فأجبنه، مطيعات للرحمن بنصرته، متزلفات إليه بإعزاز دعوته.
قَدْ سَوَّدَتْ شَجَرَ الجِبالِ شُعُورُهُمْ فَكَأَنَّ فِيْهِ مُسِفَّةَ الغِرْبَانِ
وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجِيْعُ القَانِي فَكَأَنَّهُ النَّارَنْجُ في الأَغْصَانِ
المسفة من الغربان وغيرها: التي تقرب من الأرض في طيرانها، والنجيع: الدم، والقاني: الشديد الحمرة، والنارنج: شجر له ثمر أحمر طيب الرائحة.
فيقول: إن ما نصبه جيش سيف الدولة من رؤوس الروم في أشجار الموضع الذي أوقع (. . . . . .) ذلك الشجر، فكأن ما (. . . . . . . . . . . . . . .) من شعورهم، وتغير فيها من رؤوسهم، غربان مسفة على الأرض، لا تزال ثابتة (. . . . . . . . . . .) طائرة.
ثم قال: وجرى على ورق تلك الأشجار النجيع القاني من دمائهم، فكأنه النارنج في حمرته، وما (. . . .) إلى الأمصار من (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
إِنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذين قُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِهِنَّ إِذا التَقَى الجَمْعَانِ
تَلْقَى الحُسَامَ عَلى جَرَاَءةِ حَدَّهِ مِثْلَ الجَبَانِ بِكَفَّ كُلَّ جَبَانِ
الحسام: السيف القاطع، والجراءة: النفاذ والإقدام، يقال: جرو الرجل يجرو جراءة وجرأة.
فيقول: أن السيوف إنما تصح نصرتها، وتخلص معونتها للذين قلوبهم كقلوبها في الإقدام والجرأة، والشجاعة والشدة، فإذا التقى الجمعان فالسيوف تنصر من
[ ١ / ٢٧ ]
الطائفتين أشبههم بقوتها، وأشدهم احتمالا على مثل جرأتها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: تلقى السيف الصارم على جراءة حده، ونفاذه في فعله، إذا صار في كف (. . . .) كالرجل الجبان الذي يحجم ولا يقدم، ويفرق ولا يصدق. وإذا كان السيف في يد الشجاع جل قدره، وبان فضله، ونفذ فيما يستعمل فيه فعله. وهذا يصدق بما ذكره من أن السيوف إنما تنصر أشباهها من أهل الشدة، وتعين (. . .) من المشتهرين بالجرأة.
رَفَعَتْ بِكَ العَرَبُ وصَيَرَتْ قِمَمَ المُلُوكِ مَواقِدَ النَّيْرانِ
أَنْسَابُ فَخْرِهِمُ إِليك وإِنَّما أَنْسَابُ أَصْلِهِمِ إِلى عَدْنَانِ
العماد والعمود: الخشية التي تكون في وسط الخباء فيعتمد عليها، والقمم: أعالي الرؤوس، وعدنان بن أد: إليه ينتسب أكثر العرب.
فيقول: رفعت العرب بك عماد فخرها، وأبانت بك مقدار شرفها، واستعملت بموضعك على من خالفها من الأمم (. . . . . . . . . . . .)، وصيرت في قمم الملوك مواقد نيرانها، وأثافي قدورها، يشير إلى كثرة من قتله سيف الدولة (. . . . . . . . . . . . .).
ثم قال مخاطبا له: أنساب العرب عند تعديد مفاخرهم، والإشارة بمآثرهم مصروفة إليك، مقصورة عليك، وغاية فخر جميعهم الاتصال بنسبك، والترفع بشرفك، وإن كانت أنساب أصولهم (. . . .) عدنان بن أد، فكما أن عدنان (. . . . . . . . . . .).
يَا مَنْ يُقَتَّلُ مَنْ أَرَادَ بسَيِفهِ أَصْبَحْتُ مِنْ قَتْلاَكَ بِالإِحْسَانِ
فإذا رَأَيْتُكَ حَارَ دُونَكَ نَاظِري وإذا مَدَحْتُكَ حَارَ فِيْكَ لِسَانِي
القتل معروف، والحائر: الذي لا يهتدي لسبيله.
فيقول لسيف الدولة: يا من يقتل بسيفه من أراد فيغلبه، (. . . . . . .) ويقهره
[ ١ / ٢٨ ]
بإتلاف حياته، قد قهرني إحسانك فلا أستقل بشكره، وأعجزني فلا أقوم بأيسر حقه، فحالي حال المقتول به لعجزي عن أقل الواجب، وقد استبان من عجزي بتتابع إحسانك، كالذي استبان على من قتلته باستعلاء سلطانك.
ثم قال مخاطبا له، ومؤكدا لما قدمه: فإذا رأيتك حار بصري دون ما أقابله من بهائك وهيبتك، وجلالتك ورفعتك، وإذا مدحتك حار لساني في تعديد فضائلك، وإدراك حقيقة مكارمك (. . . . . . . . . .) بالعجز عما يجب في وصفك.
[ ١ / ٢٩ ]
تحدث بحضرة سيف الدولة أن البطريق أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، ففعل، فخيب الله ظنه، وأتعس جده، فقال أبو الطيب، وأنشدنا إياه بحلب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:
عُقْبَى اليَمِيْنِ عَلَى عُقْبَى الوَغَى نَدَمُ مَاذَا يَزيْدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ؟
وفي اليَمينِ على ما أَنْتَ فَاعِلُهُ ما دَلَّ أَنَّكَ في المِيْعَادِ مُتَّهَمُ
عقبى الشَّيِْ وعاقبته: آخره ومآله، والوغى: الحرب.
فيقول، وهو يريد صاحب جيش الروم، ويشير إلى (. . .) على التعرض للقاء سيف الدولة: عقبى اليمين على ما يستأنف في الحرب، ويعتقد أن (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) صاحب جيش الروم، فقال: ماذا يزيد القسم في جرأتك، وما الذي تستفيد به من الإقدام (. . . . . . . . . .) في اليمين على ما وعدت به من نفسك، وزعمت أنك تظهره من فعلك، ما يدل على أنك متهم في وعدك، غير مستعد للصدق في قولك؛ لأن ما أقسمت عليه إنما يصدقه الوفاء به، ويحققه الاستكمال له، واليمين عليه.
آلى الفَتَى ابنُ شُمُشْقِيْقٍ فَأَحْنَثَهُ فَتًى مِنَ الضَّرْبِ يُنْسَى عِنْدَهُ الكَلِمُ
وَفَاعِلٌ ما اشْتَهَى يُغْنِيْهِ عَن حَلِفٍ عَلَى الفِعَالِ حُضُورُ الفِعْلِ والكَرَمِ
آلى الرجل: إذا حلف.
فيقول زاريا (. . . . . . . . . . . .): آلى الفتى ابن شمشقيق على منازلة سيف الدولة ومقاومته، فأحنثه منه فتى ينسي باللعن والضرب، وإقدامه على شدائد الحرب، ما سلف من الكلم، وما تقدم في ذلك من القسم.
ثم أكد ما قدمه فقال: وأحنثه من سيف الدولة فاعل ما يشتهيه باتساع قدرته، واصل إلى ذلك بتمكن سعادته، يغنيه عن الحلف ما يعتقد فعله، والتقدم بذكر ما (. . . . . .) إنفاذه لفعله (. . . . . . . . . . . .) ذلك على حسب (. . . . .
[ ١ / ٣٠ ]
) مع كرمه الذي يمنعه من العجب بما يفعله، وشرفه الذي يغنيه عن الفخر بما يبلغه. وهذه العبارة وإن كان فيها زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة منه، وغير خارجه في الحقيقة عن قصده.
كُلُّ السُّيُوفُ إذا طَالَ الضّرابُ بِهَا يَمَسُّهَا، غَيْرَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ السَّأَمُ
لَوْ كَلَّتِ الخَيْلُ حَتَّى لا تَحَمَّلُه تَحَمَّلَتْهُ إلى أَعْدَائِهِ الهمَمُ
السأم: الملل، والهمم: جمع همة، والهمة ما يهم به الإنسان مما يعتقد فعله.
فيقول: كل السيوف إذا طال الضراب بها (. . . . . . . . . .) الاستعمال لها، تسأم وتفتر، وتنتفل وتقصر، غير سيف الدولة (. . . . . . . . . . . .) لا يقصر فعله.
ثم قال: لو كلت الخيل عن الاستقلال بحمله، وعجزت عن البلوغ به إلى قصده، لأنهضته (. . . . . . . . . . . . .).
أَيْنَ البَطَارِيْقُ والحَلْفُ الذي حَلَفوا بِمَفْرِقِ المَلْكِ، والزَّعْمُ الذي زَعَمُوا
وَلَّى صَوارِمَهُ إكذابَ قَوْلِهِمُ فَهُنَّ أَلْسِنَةٌ أَفْواهُهَا القِمَمُ
نَواطِقٌ مُخْبِراتٌ في جَمَاجِمِهِمْ عَنْهُ بِمَا جَهَلوا، منْهُ وما عَلِمُوا
البطاريق: أكابر الروم، والملك: الملك، والمفرق معروف، وأشار به إلى رأس الملك (. . . . . . . . . . .)، والصوارم: السيوف، والقمم: أعالي الرؤوس.
فيقول: أين بطاريق الروم وحلفهم الذي حلفوا لملكهم، وزعمهم الذي زعموا له، وضمانهم الذي ضمنوه عنده انهم يلقون سيف الدولة معتزمين على مبارزته، مستميتين في مدافعته.
ثم قال: ولى سيف الدولة سيوفه إكذاب ما ضمنوه، وحملها إبطال ما زعموه (. . . . . . .).
الرَّاجعُ الخَيْلَ مُحْفَاةً مقَوَّدَةً مِنْ كُلَّ مِثْلِ وَبَارٍ أَهْلُها إِرَمُ
[ ١ / ٣١ ]
كَتَلّ بِطْريقٍ المَغْرورِ سَاكِنُها بِأَنَّ دَارَكَ قِنَّسْرِيْنَ والأَجَمُ
وَظَنّهِمْ أَنَّكَ المِصْبَاحُ في حَلَبٍ إِذا قَصَدْتَ سِوَاها عَادَها الظُّلَمُ
الراجع: الصارف، والمحفاة: التي أخفاها السير، والمقودة: التي تقاد ولا تركب لشدة إعيائها (. . . . . . . . . .)، وإرم: سكان (. . . .) الهالكون فيها. ويقال: إن عادا هو ابن إرم، وتل بطريق. (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) لسيف الدولة: الراجع الخيل من بلاد الروم موضع غزوة، مستقر عدوه، محفاة (. . . . . . . . . .)، مقودة إعيائها من شدة الركض من كل بلد كوبار الهالكة أهلها، كارم هذه الطائفة الذاهبة.
يريد أن سيف الدولة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: كتل بطريق هذه البلدة التي اغتر ساكنوها (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
والشَّمْسُ يَعْنونَ إِلا أَنَّهُمْ جَهِلُوا والمَوْتَ يَدْعونَ إلاَّ أَنَّهُمْ وَهِمُوا.
فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ نَاظِرِهَا إِلاَّ وَجَيْشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
والنَّقْعُ يَأُخُذُ حَرَّانًَا وَبَقْعَتَها والشَّمْسُ تُسْفِرُ أَحْيانَا وتَلْتَثِمُ
سُحْبٌ تَمُرُّ بِحِصْنِ الرَّانِ مُمْسِكَةً وما بِهَا البُخْلُ لَوْلاَ أَنَّها نِقَمُ
جَيْشٌ كَأَنَّكَ في أَرْضٍ تُطَاوِلُهُ فَالأَرِضُ لا أَمَمٌ والجَيْشُ لا أُمَمُ
إِذا مَضَى عَلَمٌ مِنْهَا بَدَا عَلَمٌ وإِنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
وَشُزَّبٌ أَحْمَتِ الشّعْرَى شَكائِمَها وَوَسَّمَتْهَا على آنافِهَا الحَكَم
حَتَّى وَرَدْنَ بِسِمْنِيْنَ بُحَيْرَتَها تِنِشُّ بالماءِ في أَشْداقِهَا اللُّجُمُ
وَأَصْبَحَتْ بِقُرَى هِنْزَبْطَ جَائِلَةً تَرْعَى الظُّبَا في خَصِيْبٍ نَبْتُهُ اللَّمَمُ
فما تَرَكْنَ بها خُلْدًَا له بَصَرٌ تَحْتَ التُّرابِ ولا بَازًا لَهُ قَدَمُ
[ ١ / ٣٢ ]
ولا هِزَبْرًَا لَهُ مِنْ دِرْعِهِ لِبَدٌ ولا مَهَاةً لَهَا مِنْ شِبْهِهَا حَشَمُ
تَرْمِي على شَفَراتِ الباتِراتِ بِهِمْ مَكَامِنُ الأَرْضِ والغِطانُ والأُكُمُ
وَجَاوَزُوا أُرْسَناسا مُعْصِمِيْنَ بِهِ وَكَيْفَ يَصْمُهُمْ ما لَيْسَ يَنْعَصِمُ
ولا تَصُدُّكَ عَنْ بَحْرٍ لَهُمْ سَعَةٌ ولا يَرُدُّكَ عَنْ طَوْدٍ لَهُمْ شَمَمُ
ضَرَبْتَهُ بِصُدورِ الخَيْلِ حَامِلَةً قَوْمًَا إِذا تَلِفُوا قُدْمًا فَقَدْ سَلِمُوا
تَجَفَّلَ المَوْجُ عن لَبَّاتِ خَيْلِهمَ كَمَا تَجَفَّلُ تَحْتَ الغَارَةِ النَّعَمُ
عَبَرْتَ تَقْدُمُهُمْ فيهِ وفي بَلَدٍ سُكَّانُهُ رِمَمٌ، مَسْكُونُها حُمَمُ
وفي أَكُفَّهِمُ النَّار التي عُبِدَتْ قَبْلَ المَجُوس إلى ذا اليَوْمِ تَضْطَرِمُ
هِنْدِيَّةٌ إِنْ تُصَغَّرْ مَعْشَرًا صَغُرُوا بِحَدَّها، أو تُعَظَّمِ مَعْشَرًا عَظُمُوا
قَاسَمْتَهَا تَلَّ بِطْرِيْقٍ فَكانَ لَها أَبْطَالُها، وَلَكَ الأَطْفَالُ والحُرَمُ
تَلْقَى لِهِمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبَةٌ عَلى جَحَافِلِهَا مِنْ نَضْجِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوارِسُها، رُكَّابُ أَبْطُنِهَا مَكْدُودَةٌ وَبقَوْم لا بَها الأَلَمُ
مِنَ الجِيَادِ التي كِدْتَ العَدوَّ بِها ومَا لَهَا خِلَقٌ مِنْهَا ولا شِيَمُ
نِتَاجُ رَأُيكَ في وَقْتٍ على عَجَلٍ كَلَفْظِ حَرْفٍ وَعَاهُ سامِعٌ فَهِمُ
وَقَدْ تَمَنَّوا غَدَاةَ الدَّرْبِ في لَجَبٍ أَن يُبْصِروكَ فَلَمَّا أَبْصَروكَ عَمُوا
صَدَمْتَهُمْ بِخَمِسْسٍ أَنْتَ غُرَّتُهُ وَسَمْهَرِيَّتُه في وَجْهِهِ غَمَمُ
فَكَانَ أَثْبَتَ ما فِيهِمْ جُسُومُهُمُ يَسْقُطْنَ حَوْلَكَ والأَرْواحُ تَنْهَزِمُ
والأَعْوَجِيَّةُ مِلءُ الطُّرْقِ خَلْفَهُمُ والمَشْرَفِيَّةُ مِلءُ اليَومِ فَوْقَهُمُ
إِذا توافَقَتِ الضَّرْبَاتُ صَاعِدَةً تَوَافَقَتْ قُلَلٌ في الجَوَّ تَصْطدِمُ
وَأَسْلَمَ ابنُ شُمُشْقيقٍ أَلِيَّتَهُ إِلا انْثَنَى فَهْوَ يَنْأَى وهي تَبْتَسِمُ
لا يَاُمُلُ النَّفَسَ الأَقْصَى لِمُهْجَتِهِ فَيَسْرِقُ النَّفَسَ الأَدْنَى ويَغْتَنِمُ
تَرُدُّ قَنَا الفُرْسَانِ سَابِغَةٌ صَوْبُ الأَسِنَّة في أَثْنَائهَا دِيَمُ
[ ١ / ٣٣ ]
تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُها كَأَنَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
فَلاَ سَقَى الغَيْثُ ما وَارَاهُ مِنْ شَجَرٍ لَوْ زَلَّ عَنْهُ لَوارَى شَخْصَهُ الرَّخَمُ
أَلْهَى المَمَالِكَ عَنْ فَخْرٍ قَفَلْتَ لِهِ شُرْبُ المُدَامَةِ والأَوْتارُ والنَّغَمُ
مُقَلَّدًا فَوْقَ شُكْرِ اللَّهِ ذا شُطَبٍ لا تُسْتَدَامُ بِأَمْضَى مِنْهُمَا النَّعَمُ
أَلْقَتْ إِليكَ دِماءُ الرُّوم طَاعَتها فَلَوْ دَعَوْتَ بِلا ضَرْبٍ أَجَابَ دَمُ
يُسَابِقُ القَتْلُ فِيْهمْ كُلَّ حَادِثَةٍ فَمَا يُصِيْبُهُمُ مَوْتٌ ولا هَرَمُ
نَفَتْ رُقَادَ عَليًّ عَنْ مَحَاجِرِهِ نَفْسٌ يُفَرّجُ نَفْسًا غَيْرَها الحُلُمُ
القائِمُ المَلِكُ الهادِي الذي شَهِدَتْ قِيَامَهُ وهُدَاهُ العُرْبُ والعَجَمُ
ابنُ المُعَفَّرِ في نَجْدٍ فَوَارِسَهَا بِسَيْفِهِ وَلَهُ كُوفَانُ والحَرَمُ
لا تَطْلُبَنَّ كَرِيْمًا بَعْدَ رُؤيَتِهِ إِنَّ الكِرامَ بأَسْخَاهُمْ يَدًَا خُتِمُوا
[ ١ / ٣٤ ]
وتوفيت أخت سيف الدولة وورد خبرها الكوفة، فقال أبو الطيب يرثيها، وكتب بالرثاء إليه:
يا أُخْتَ خَيْرِ أَخٍ يا بِنْتَ خَيْرِ أَبٍ كِنَايَةً بِهِما عَنْ أَشْرَفِ النَّسَبِ
أُجِلُّ قَدْرَكَ أَنْ تُسْمَى مُؤبَّنَةٌ وَمَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ
لا يَمْلِكُ الطَّرِبُ المَحْزُونُ مَنْطِقَهُ وَدَمْعُهُ وَهُمَا في قَبْضَةِ الطَّرَبِ
الكناية: الإشارة إلى الشيء دون إظهار له، والتأبين: البكاء على الميت بعد موته، والطرب: خفة تغلب الإنسان عند شدة الفرح والحزن.
فيقول وهو يشير بالأخ إلى سيف الدولة، وبالأب إلى أبي الهيجاء أبيه: يا أخت خير الأخوة وأكرمهم، وابنة ارفع الآباء وأفضلهم، كناية بهذه المقابلة عن النسب الذي لا يعادل في شرف منصبه، والحسب الذي لا يماثل في كرم محتده.
ثم قال: أجل قدرك أيتها المؤبنة عن أن أرثيك مصرحا باسمك، وأندبك معليا بذكرك، ومن وصفك فقد سماك بعامة العرب؛ لأن أوصافك عليهم غير ملتبسة.
ثم قال: لا يملك الطرب، الذي غلبه حزنه، والمفجوع الذي قد استولى عليه وجله، منطقه، فيجريه على قصده، ودمعه، [فيرسله] على حكمه، إذا كان المنطق والدمع في قبضة الطرب، واستولى عليه شدة الأسف. وأراد أنه لم يخرجه بالأوصاف التي قامت مقام التسمية بها، والمفاخر الذي عرفت العرب بها، إلا أنه صار من الحزن إلى حال لم يملك معها دمعة، ولا صرف على إرادته نطقه.
غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ
وَكَمْ صَحِبْتَ أَخَاهَا في مُنازَلَةٍ وَكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَجِبِ
اللجب: اختلاط الأصوات، والمنازلة: المقاتلة.
فيقول: غدرت أيها الموت بهذه المتوفاة، وضيعت ما كان يلزمك من حقها، ومراعاة أمرها، فكم أفنيت بإصابتك لها من عدد قوم كان فضلها يظهرهم ويجمعهم، وكم أسكت من لجب طوائف كان إحسانها يعمهم ويشملهم.
[ ١ / ٣٥ ]
ثم قال وهو يشير إلى سيف الدولة: وكم صبحت أخاها في منازلته لأعاديه، ومداومته لمغازيه، وكم سألته من نفوس فيما سلف من ملاحمه، وتقدم من وقائعه، فلم يبخل عليك لكثرة من قتله، ولا خبت لديه لعظيم ما فعله. وهذا من التجوز الذي لا يخفى قصد قائله، ولا يجري على الحقيقة لفظ ناظمه، وإنما أراد المتوفاة كانت من بيان الفضل، وجلالة القدر، على حال لو أن الموت يحفظ لأحد ذمة لحفظ لها ذمتها، ولو راعى وكيد حرمة، لما أخل برعاية حرمتها.
طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاَءني خَبَرٌ فَزِعْتُ فِيْهِ بآمالِي إِلى الكَذِبِ
حَتَّى إِذا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلًا شَرِقْتُ بالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بِي
تَعَثَّرتْ بِهِ في الأَفْوَاهِ أَلْسُنُها والُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ
طي البلاد: قطعها، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشيء: الاعتصام به، والشرق: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من عثار أرجل، والبرد: رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها بريد.
فيقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، حتى طرقني بغتة، وورد علي فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه، ومخادعة نفسي بأمره.
ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا أتعلل بانتظاره، ورجاء أخدع نفسي بارتقابه، أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع، فأذريت ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كألمي له، وأشرقه كشرقي به.
ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تبنه لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، كذلك تعثرت به البرد في الطرق استثقالا لحمله، والأقلام في الكتب استراها لذكره.
[ ١ / ٣٦ ]
كَأَنَّ فَعْلَةَ لم تَمْلأْ مَوَاكِبُها ديِارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ
ولم تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍ وَلَمْ تُغِثْ دَاعِيًا بالوَيْلِ وَالحَرَبِ
فعلة: كناية عن اسم المتوفاة عَلَى سَبِيْلِ التَّعْظِيمِ لَهَا، وديار بكر: بلد كان فيه استقرارها، والويل والحرب: كلمتان يدعو بهما المفجوع.
فيقول: كأن هذه المتوفاة لم تملا ديار بكر بالمواكب من حولها، والجموع من خدمها، ولم تخلع هنالك على من قصدها، ولم تهب الجزيل من العطاء لمن رجاها وأملها.
ثم قال: وكأنها لم تلاقي من يئس عن الجياة بإحسانها وعفوها، ولم تغث من يدعو على نفسه بالويل والحرب بتداركها وفضلها. يشير إلى ما كانت عليه من جلالة القدر، وما عدم بموتها من الإحسان والفضل.
أَرى العِراقَ طَويلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْ فكَيْفَ لَيْلُ فَتى الفِتْيانِ في حَلَبِ
يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادي غَيْرُ مُلْتَهِبٍ وَأَنَّ دَمْعَ جُفونِي غَيْرُ مًنْسَكِبِ
العراقُ: بلاد معروفة، كان أبو الطيب فيها صناعته لهذا الشعر، وحلب: مدينة من مدائن الشام كان فيها استقرار سيف الدولة، والفؤاد: القلب، والالتهاب: التوقد، والمنسكب: السريع الجري.
فيقول: أراني بالعراق طويل الليل؛ لكثرة السهر، شديد الحزن؛ بكثرة الأسف، مذ نعيت هذه المتوفاة، فكيف ليل سيف الدولة؛ فتى الفتيان، وولي الإحسان في حلب؛ دار ملكه، وموضع مستقره.
ثم قال: أتراه يظن أني لا أشاركه في حزنه، وأساهمه في توجعه ورزئه، وأن فؤادي غير ملتهب لما دهمه، ودمع جفوني غير منسكب لما طرقه.
بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُراعِيَةً لِحُرْمَةِ المَجْدِ والقُصَّادِ والأَدَبِ
وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْروثٍ خَلاَئِقُها وَإِنْ مَضَتْ يَدُها مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ
[ ١ / ٣٧ ]
وَهَمُّها في العُلاَ والمَجْدِ ناشِئَةً وَهَمُّ أَترابِها في اللَّهْوِ واللَّعِبِ
الحرمة: ما لا يضيع من الذمام، والمراعاة: المحافظة، والنشب: المال الثابت.
فيقول: بلى أني على أفضل ما يمكنني من مشاركة سيف الدولة، أقسم على ذلك بحرمة هذه المتوفاة، التي لم أزل مراعية لحرمة المجد، مثنية بالعطاء عن القصد، معظمة للأدب وأهله، عالمة بما يجب من حقه.
ثم قال على نحو ما قدمه من القسم بالمتوفاة: ومضت وخلائقها معدومة غير موروثة، ومفقودة غير موجودة، وإن كانت يدها مضت، وما أفادته هباتها من النشب، موروث لا ينفد، ومشهود لا يفقد.
ثم قال: وهمها من أول نشأتها في العلى والمجد وما تكسبه من الشكر والحمد، لا تدع ذلك ولا تغفله، ولا تتناساه ولا تهمله، وهم أترابها ممن حدث سنه، وتقاصر عمره، في اللهو والنعمة، واللعب والغفلة.
يَعْلَنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمها وليسَ يَعْلَمُ إلاَّ اللهُ بالشَّنَبِ
مَسَرَّةٌ في قُلُوبِ الطَّيْبِ مَفْرِقُها وحَسْرةٌ في قُلوبِ البَيْضِ واليَلَبِ
إِذا رَأَى وَرَاَءها رَأْسَ لابِسِهِ رَأَى المَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ في الرُّتَبِ
الشنب: بريق الثغر مع ما يجول عليه من رضاب الفم، ومفرق الرأس: معروف، وبيض الحديد: معروفة أيضا، واحدتها بيضة، واليلب: الدرق، وقيل إنها بيض تتخذ من جلود الإبل، تصرف تصريف بيض الحديد، وصرف الضمير في قوله: لابسه إلى البيض واليلب، وأفرد لأنه أراد هذا الضرب من السلاح، وحمل الكلام على المعنى دون اللفظ، والعرب تفعل ذلك.
[فيقول]، وهو يريد الأتراب اللواتي قدم ذكرهن: يعلمن حسن مبسم المتوفاة من الحجاب، وجلالة النصاب، [ولا] يخبر شنب ذلك المبسم إلا الله الذي أتقن صنعه، وأكمل حسنه، وأشار إلى أنها ارتفعت عن أن تساوى في شرفها فتتزوج، وتماثل
[ ١ / ٣٨ ]
في زمانها فتملك.
ثم قال: مسرة في قلوب الطيب وضروبه، استعمالها له، والتباس مفرقها به، واستعار للطيب قلبا على سبيل التجوز، وجمعه على معنى أن الطيب جنس اشتمل على ضروب كثيرة، وحسرة في قلوب البيض واليلب، ما تبغيه من أن يعلق ذلك المفرق، وتحمل ذلك الموضع.
ثم قال: إذا رأى هذا الضرب من السلاح رأس من يلبسه، ورأى هذه السيدة الجليلة، والعقيلة الكريمة، رأى المقانع التي تستعملها مكانه، وتحلها محله، أعلى منه رتبة، وأظهر جلالة ورفعة. يشير إلى أنها مع التأنيث يتواضع عنها فحول الرجال، ولا يساويها مشاهير الأبطال.
فَأِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْ كَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثى العَقْلِ والحَسَبِ
وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الغَلْبَاءُ عُنْصُرَها فَإِنَّ الخَمْرِ مَعْنى لَيْسَ في العِنَبِ
الحسب: الشرف، وتغلب: القبيلة المعروفة، إليها ينسب بنو حمدان، والغلباء الضخمة القوية، والعنصر: الأصل.
فيقول: فإن تكن هذه المتوفاة أنثى في خلقها، وامرأة في حقيقتها، وكان التأنيث من صفات النقصان، فقد خلقت هي كريمة سيدة، فاضلة مقدمة، غير أنثى في عقلها وحسبها، ولا منقصة في رفعتها وشرفها.
ثم قال: وإن تكن تغلب؛ هذه القبيلة، مع جلالتها واشتهار فخامتها، أصل هذه المتوفاة، وكان لها من بين نسائها الشرف الذي لا يعادل، والفضل الذي يماثل، فذلك غير بديع، فالعنب أصل الخمر، وليس فيه ما يوجد في الخمر من توليد الفرح، وإثارة الطرب. يشير إلى أن الفرع قد يشرف أصله، والآخر قد يفضل أوله.
فَلَيْتَ طالعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌ وَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ
[ ١ / ٣٩ ]
وَلَيْتَ عَيْنَ التي آبَ النَّهارُ بَهَا فِداءُ عَيْنِ زَالَتْ وَلَمْ تَوبِ
فَمَا تَقَلَّدَ بالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَا وَلاَ تَقَلَّدَ بالهِنْدِيَّةِ القُضُبِ
عين الشيء: شخصه، وآب: بمعنى رجع، والقضب: القواطع: الواحد قضيب.
فيقول: فليت طالعة الشمسين غائبة، يريد: المتوفاة، وشمس النهار، والطالع منهما: الشمس المعهود، فتمناها أن تكون غائبة لا تطلع، ومعدومة لا ترجع، وليت هذه الشمس المفقودة طلعت موضعها فلم تعدم، وأقامت مكانها فلم تفقد، وكنى عن المتوفاة بالشمس، مشيرا إلى علو رتبتها، واستبانة شرفها ورفعتها.
ثم قال على نحو ذلك: وليت عين الشمس المعهود التي رجع النهار بها طالعة، وأظهرها بعد الغروب مشرقة، فداء عين الشمس التي غابت، فلم تكن لغيبتها أوبة، وفقدت فلم تكن لفقدها رجعة.
ثم قال مشيرا إلى موضع المتوفاة من الفضل، ومنزلتها من كرم الأصل: فما تقلد بالياقوت من النساء من أشبهها، ولا تقلد بالسيوف الصارمة من الرجال من يعدل بها، يريد: أنها فضلت النساء والرجال من أهل دهرها، وزادت عليهم بشرفها وقدرها.
وَلا ذَكَرْتُ جَمِيلًا مِنْ صَنائِعِها إِلا بَكَيْتُ وَلاَ وُدٌّ بِلا سَبَبِ
قَدْ كَانَ كُلُ حِجَابٍ دُونَ رُؤيَتِها فَمَا قَنِعتِ لَهَا يا أَرْضُ بالحُجُبِ
وَلاَ رَأَيْتِ عُيونَ الإنسِ تُدْرِكُها فَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْها أَعْيُنَ الشُّهُبِ!
الصنائع: الأيادي المشكورة، واحدتها صنيعة، والشهب: النجوم.
فيقول: ولا ذكرت جميلا مما كانت توليه، وكثيرا مما كانت تفعله وتسديه، إلا بكيت حزنا ورقة، وأسفت توجعا وشفقة، ولا يكون الود دون سبب يبعث عليه، ولا يتمكن دون موجب يقود إليه، وإحسان هذه المتوفاة أوجب علي ودها، وألزمني أن أنشر فضلها.
[ ١ / ٤٠ ]
ثم قال: قد كان دون رؤيتها كل حجاب يمنع مثله، وكل شيء من الستر يمكن فعله، فما قنعت لها أيها الأرض حتى حجبتها بسترك، وصيرتها مغيبة مغيبة في تربك.
ثم قال: وقد كنت أيها الأرض آمنة عليها من عيون الإنس، أن تدركها من أبصارهم وأن تلحظها، أفتراك حسدت عليها أعين الكواكب فتضمنتها مغيبة لها؟! واشتملت عليها لبخلك بها؟! وأشار بهذا القول إلى موضع المتوفاة من الستر، وما كانت عليه من جلالة القدر.
وهل سَمِعْتِ سَلاَمًَا لِي أَلمَّ بِهَا؟ فَقَدْ أطَلْتُ وما سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ
وَكَيْفَ يَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتي دُفِنَتْ وَقَدْ يُقَصّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الغَيَبِ
الكثب: القرب.
فيقول: وهل سمعت أيتها الأرض من سلامي الذي أردده، وذكري الذي أوصله؟ فقد أطلت في ذلك، وما تناولته من قرب، فأستمع من أخاطبه، وأدرك من هذا ما أحاوله.
ثم قال: وكيف يبلغ ما اسلم به موتانا الذين سترهم الدفن وغيبهم الترب، وهو يقصر عن أحيائنا الذين غيبهم عنا انتزاح منازلهم، وتباعدهم منا في مواضعهم.
يا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى القُلُوبِ بها وَقُلْ لِصَاحِبِه يا أَنْفَعَ السُّحُبِ
وَأكرمَ النَّاسِ لا مُسْتَثْنِيا أَحَدًا مِنَ الكِرَامِ سِوَى آبائِكَ النُّجُبِ
يقول، وهو يريد سيف الدولة، أخا المتوفاة المرثية: يا أحسن الصبر وأوفره، زر أولى القلوب بهذه المتوفاة، يريد: قلب سيف الدولة الذي هو شفيق اخوتها، وأقعد الناس بقرابتها، وقل أيها الصبر لصاحب ذلك القلب، مخاطبا لسيف الدولة، ومرفعا به: يا أنفع السحب الساجمة، وأحمد الغيوث الوابلة.
ثم قال، على نحو ما قدمه، مخاطبا لسيف الدولة: ويا اكرم الناس! لا استثني أحدا
[ ١ / ٤١ ]
منهم، ولا أخص مذكرا فيهم، سوى آبائك النجب السادة، والرؤساء القادة، فهم الذين بلغوا من الكرم غايته، وأحرزوا من الفضل نهايته، فليس يجوز لأحد أن يبلغ من الكرم ما لم يبلغوه، ويفعل من الجميل ما لم يفعلوه.
قَدْ كانَ قاسَمَكَ الشَّخْصَيْنِ دَهْرَهما وَعَاشَ دُرُّهُمَا المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ
وَعَادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تَارِكُهُ إِنَّا لَنَغْفُلُ والأَيَّامُ في الطَّلَبِ
ما كَانَ أَقْصَرَ وَقْتًَا كانَ بَيْنهُمَا كَأَنَّهُ الوَقْتُ بَيْنَ الورْدِ والقَرَبِ
القرب: الدنو من الماء، والورد: الاحتلال به.
فيقول لسيف الدولة، ذاكرا لتتابع وفاة أختيه، وتأخر الكبرى التي رثاها بهذا الشعر بعد الصغرى: قد كان قاسمك الدهر الشخصين اللذين كنت تأنس بهما، وتسكن إليهما، وآثرك بالأحب إليك، وكلاهما كريم في نفسه، رفيع في حاله، وكنت كمن كان له در وذهب؛ فرزي بالذهب ومتع بالدر، ونامت عنه فيه حوادث الدهر.
ثم قال: وعاد الدهر عليك في طلب ما تركه، واسترجاع ما سلمه، يريد: ما حدث عليه بوفاة أخته الكبرى التي عزاه بها، إنا لنغفل والأيام طالبة، والحوادث في الإسراع نحونا جاهدة.
ثم قال، يريد أختي سيف الدولة المتوفاتين: ما كان أسرع ما كان بينهما من المدة، وأقل ما لحق ذلك من المهملة، كأنه لخفة وقعته، وسرعة جملته، ما بين القرب والورد، اللذين يتصلان بلا تأخر، ويتواليان دون توقف.!
جَزَاكَ رَبُّكَ بالأَحْزَانِ مَغْفِرَةً فَحُزْنُ كُلَّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الغَضَبِ
وأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخو نُفُوسُكُمُ بِمَا يَهَبْنَ ولا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ
حَلَلْتُمْ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلَّهِمُ مَحَلَّ القَنَا سُمْرِ القَنَا مِنْ سَائِرِ القَصَبِ
يقول لسيف الدولة: جزاك ربك بالأحزان التي تحدث على رزاياك مغفرة تشملك، وتجاوزا يعجله لك، فحزن الحزين باب من الغضب؛ لأنه يتخبط حاله، ويتكره
[ ١ / ٤٢ ]
شأنه، وهذه سبيل صاحبها فقير إلى تجاوز ربه، وتداركه لمغفرة ذنبه.
ثم قال يخاطبه: وأنت وقومك نفر أعزة، وملوك أجلة، تسخو أنفسكم بجليل الهبات، وتسمح بجسيم الصلات، ولا تسمحون لقليل تستلبونه، ويسير تغتصبونه، ومن أصيب بحميم فالحزن مخوف عليه، وشدة الأسف سريعة إليه.
ثم قال يخاطبه: حللت وقومك من بين سائر الملوك في علوكم عليهم، وتقدمكم فيهم، وإن كان الاسم يجمعكم بهم، محل قنا الرماح من سائر القصب التي تشاركه في الاسم، وتنفرد دونه بالغناء والفضل.
فَلا تَنَلْكَ اللَّيْالي إِن أَيْدِيَها إِذا ضَرَبْنَ كَسَرنَ النَّبْعَ بالغربِ
ولا يُعِنَّ عَدوًّا أَنْتَ قَاهِرُهُ فإنَّهُنَّ يَصَدْنَ الصَّقْرَ بالخَرَبِ
وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ فَجَعْنَ بِهِ وَقَدْ أَتَيْنَكَ في الحالَيْنِ بِالعَجَبِ
النبع: شجر صلب العود تعمل منه القسي، والغرب: شجر ليست له صلابة النبع ولا كرمه، والصقر: طائر من الجوارح كالبازي وما أشبهه، والخرب: ذكر الحبارى.
فيقول داعيا لسيف الدولة: فلا جعل الله الليالي أن تنالك بمكروهها، وتتخطى إليك بمحذورها، فإن أيديها تكسر الأكثر بالأقل، وتحط الأرفع بالأوضع. وجعل النبع والغرب كالمثل في ذلك، وجعل لليالي أيديا على سبيل الاستعارة.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا جعلها اله أن تعين عدوا أنت قاهره، وتظهر عليك مخالفا أنت غالبه، فإن شأنها أن تظهر الدني على السري، وتديل الضعيف على القوي.
ثم قال على نحو ما قدمه، وهو يريد الليالي، وإن سررن بمحبوب فجعن بفقده، وإن أنسن به أعقبن ببعده، وقد أتينك، يخاطب سيف الدولة، من الحالين؛ في السرور بمن كنت تأنس به، والحزن بما أعقب ذلك من وفاته، والأسف له، بعجب
[ ١ / ٤٣ ]
عجيب، وواعظ بليغ، والسكون إلى مساعدة الدهر غرور، والتمتع بمسرته يسير.
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الإنْسَانُ غَايَتَها وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لُبَانَتَهُ وَلاَ انْتَهَى أَرَبٌ إِلاَّ إِلى أَرَبِ
الاحتساب: التقدير، واللبانة: الحاجة، والأرب: المراد.
فيقول: وربما احتسب الإنسان ما تصيبه الليالي من صروفها، وتعتمده به من خطوبها، غاية فعلها، ومبلغ جهدها، ثم تفجأه بعد ذلك بما لم يبلغه تقديره، ولا انتهت إليه ظنونه.
ثم قال: وهي مع ذلك مرجوة فائدتها، ومنتظرة عائدتها، لا يقضي أحد منها غاية لبانته، ولا يبلغ فيها جملة إرادته؛ لأن أربه فيها موصول بمثله، وأمله مشفوع لشبهه.
تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لا اتَّفَاقَ لَهُمْ إِلاَّ عَلَى شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَّجَبِ
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سَالِمَةً وقِيْلَ تَشْرَكَ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ
وَمَنْ تَفَكَّرَ في الدُّنْيَا ومهْجَتِهِ أَقامَهُ الفِكْرُ بَيْنَ العَجْزِ والتَّعَبِ
الشجب: الموت.
فيقول: تخالف الناس مدة الدهر في مذاهبهم، وتداينوا في مقاصدهم، فليس بينهم اتفاق إلا على الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه، وهم في الموت مع تيقنهم له، على عادتهم في الاختلاف، وما عهد منهم من قلة الائتلاف.
ثم وصف اختلافهم في الموت فقال: منهم من يذهب إلى أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام إلى مواقيتها باقية، ومنهم من يذهب إلى أنها بفناء الأجسام فانية، وكلا القولين قد روي وذكر، وكثر الاختلاف فيه ونقل.
ثم قال: ومن تفكر في الدنيا، وتصرفها في أمور نفسه وتقلبها، أقامه فكرة بين التعب فيما يتدبره، والعجز عما يعاينه ويطلبه. يشير إلى أن علم الإنسان يسير،
[ ١ / ٤٤ ]
وهو على العجز والنقصان مفطور.
[ ١ / ٤٥ ]
وأنفذ إليه كتابا إلى الكوفة يحصله بأمان، وسأله فيه المسير إليه، فأجابه عنه، وأنفذها إلى ميارفارقين في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
فَهِمْتُ الكِتَابَ أَبَرَّ الكُتُبْ فَسَمْعًَا لأَمْرِ أَميرِ العَرَبْ
وَطَوْعًا لَهُ وابْتِهَاجًَا بِهِ وإنْ قَصَّرَ الفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ
أبر الكتب: بمعنى أصدقها، وسمع: مصدر بمعنى الوقوف عند الأمر.
فيقول لسيف الدولة: قرأت كتابك، أبر الكتب وأكرمها، وأعزها وأفضلها، فسمعا لأمرك يا أمير العرب وسيدهم، وزعيمهم وأوحدهم.
ثم قال: وطوعا لكتابك وابتهاجا، ووقوفا عنده وامتثالا له، وإن قصر فعلي عما يجب من حقك، وعجز كثير شكري عما أحاط به من فضلك.
وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الوُشَاةِ وَإِنَّ الوِشَايَاتِ طُرْقُ الكَذِبْ
وتَكْثِيرُ قَوْمٍ وَتَقْلِيْلُهُمْ وَتَقْرِيْبُهُمْ بَيْنَنَا والخَبَبْ
وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُ وَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ والحَسَبْ
عاقني: بمعنى صرفني، والوشايات: النمائم، والوشاة: الناقلون لها، والتقريب والخبب: ضربان سريعان من المشي، والحسب: الشرف.
فيقول لسيف الدولة: وما عاقني عن قصدك، ولا صرفني عن استيطان أرضك، غير تخوفي من الوشاة وكذبهم، وتوقعي لأهل الحسد وحيلهم، والوشايات طريق أهل الكذب، والنمائم سلاح أهل الحسد.
ثم أكد ذلك فقال: وما توقعته مما عهدته من تكثير أولئك الوشاة في جهتي عند التقرب، وتقليلهم عند قلة الاهتبال بهم، وتقريبهم بيننا، وخببهم بما يختلقونه من إفكهم، واجتهادهم فيما ينقلونه من كذبهم.
ثم قال مخبرا عن سيف الدولة: وقد كان ينصرهم باستماع ما ينقلونه وإظهار التقبل لما يقولونه، وينصرني قلبه بجميل معتقده، ويسعدني شرفه بكريم مذهبه، فكان يسمع منهم في جهتي ما لا يصدقه، ويظهر الإصغاء إليهم فيما لا يحققه.
[ ١ / ٤٦ ]
وما قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجيْنُ ولا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتِ الذَّهَبْ
فَيَقْلَقَ مِنْهُ البَعِيْدُ الأَنَاةِ ويَغْضَبُ مِنْهُ البَطِيءُ الغَضَبْ
اللجين والذهب: معروفان، وبعد الأناة: شدة التثبيت.
فيقول: وما بخست سيف الدولة يسيرا من حقه، ولا قصرت به في شيء من ذكره، ولا وصفته بأقل أوصافه، ولا نسبته إلى أخص أحواله، فأكون كمن مثل البدر بالجين، والشمس بالذهب، فلم يعط التمثيل حقه، ولا في التشبيه قسطه، مع قليل ما فرط فيه، ويسير ما دخل من السهو عليه، ولكنني وصفته غير مقصر في وصفه، ومدحته غير متأخر في مدحه.
ثم قال: ولم يكن فيما ذكرته به ما يقلق منه مثله، من أهل الأناة البعيدة، والتؤدة الشديدة، وما يغضب منه من يبطئ الحلم بغضبه، ويحمله على التلبث شرف حسبه.
وما لاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْ ولا اعْتَضْتُ مِنْ ريَّ نُعْمايَ رَبْ
ومَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الجَوَ دِ أَنْكَرَ أَظْلافَهُ والغَبَبْ
لاق الشيء بالشيء: إذا ضمه ولصقبه، ورب الشيء: مالكه، والأظلاف من الشاة والثور: بمنزلة الحافر من الدابة، وغبب الثور: ما تحت عنقه من الجلدة الرخوة.
فيقول لسيف الدولة: وما لاقني بلد بعدك أستقر فيه، ووطن أعتمد عليه، ولا اعتضت منك وأنت رب نعمتي، وحافظ جملتي، ربا أسند إلى فضله، ومالكا أتعبد نفسي لمثله.
ثم قال: ومن صحبك على جلالتك، وشاهدك مع عظيم سيادتك، ثم فارقك وصحب غيرك ممن يتسمى بالإمرة، وينتسب إلى العلو والرفعة، وأحواله مع ذلك تعقده، وأخلاقه تقصر به وتؤخره، كان كمن ركب الثور مع هجنة خلقه، بعد ركوب الجواد المتقدم في عتقه. وهذه العبارة وإن لم تجر على رتبة لفظه فهي
[ ١ / ٤٧ ]
معربة عن حقيقة قصده.
وما قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ البلادِ فَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ، بِمَنْ في حَلَبْ
ولو كُنْتُ سَمَّيْتُهُم بِاسْمِهِ لَكانَ الحَدِيْدَ وكانُوا الخَشَبْ
أَفي الرَّأْي يُشْبِهُ، أَمْ في السَّخا ءِ، أَمْ في الشَّجاعَةِ، أَمْ فِي الأَدَبْ؟
حلب: مدينة من ثغور الشام فيها كان مستقر سيف الدولة.
فيقول: وما قست ملوك البلاد بجملتهم، غير مستثن لأحد من جماعتهم بمن في حلب منهم، يريد سيف الدولة، إلا كانوا لا يساوونه في أقل فضائله، ولا يحكون منه أخصر مكارمه.
ثم قال: ولو كنت سميتهم باسمه، وألحقهم به في اللقب المعرب عن قدره؛ يشير إلى معنى سيف الدولة، هذا الاسم، لكان هو السيف حقيقة في مضائه وجدته، وصرامته وشدته، وكانوا هم من السيوف كالخشبة في نبوهم وكلالهم، وضعفهم ومهابتهم.
ثم قال: وفي أي خصاله يشبهونه، أفي رأيه وصحته، أم في سخائه وكثرته، أم في شجاعته وصرامته، أم في أدبه ونباهته؟! وكل هذه الأحوال تقدمه عليهم، وتحكم له بالشرف فيهم.
مُبارَكُ الاسْمِ، أَغرُّ اللَّقَبِ كَرِيْمُ الجرِشَّى، شَرِيفُ النَّسَبْ
أَخُو الحَرْبِ، يُخْدِمُ ممَّا سَبَى قَنَاهُ، ويَخْلَعُ مما سَلَبْ
إِذا حَازَ مالًا فَقَدْ حَازَهُ فَتًى لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
الأغر: الفاضل، ولقب الرجل: ما وسم به، والجرشى: النفس.
فيقول في الممدوح، واسمه علي، ولقبه سيف الدولة: مبارك الاسم، فاضل اللقب، كريم النفس، شريف النسب، أخو حروب يداومها، وغزوات يواصلها، فهو يخدم قاصده من الإماء والعبيد، ما سبته رماحه وصوارمه، ويخلع عليه مما أفادته
[ ١ / ٤٨ ]
ملاحمه ووقائعه.
ثم قال: إذا حاز المال وجمعه، واستفاده وتملكه، فقد حازه فيه فتى لا يسر من المال إلا بما وهبه، ولا يغتبط منه إلا بما أعطاه ومنحه.
وإِنّي لأُتْبِعُ تَذْكَارَهُ صَلاَةَ الإِلهِ وسَقْيَ السُّحُبْ
وأُثْنِي عَلَيْهِ بآلائِهِ وأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ
فَإِنْ فارَقَتْني أَمْطارُهُ فَأَكْثَرُ غُدْرَانِها ما نَضَبْ
التذكار: التذكر، وصلاة الإله: رحمته، والآلاء: النعم، والغدران: مجامع المياة، والنضوب: الجفوف.
فيقول: وإني لأتبع تذكري لسيف الدولة أفضل الدعاء وأبلغه، وأزكاه وأكرمه، وأسأل الله أن يخصه بزلفاه ورحمته، وأن يسقيه من السحاب بحسب رغبته، وأثني عليه بآلائه الشاملة، وأياديه الحديثة السالفة، وأقرب منه بامتثالي له، وما اعتقده من تعلق أملي به، أكان مني بعيدا نائيا، أو كان مني قريبا دانيا.
ثم قال: وإن فارقتني نعمه السابغة، ولم تسقني أمطاره الساجمة، فآثار تلك النعم، وغدران تلك السحب، مشهورة عندي لا تبعد، وكثيرة لدي لا تنفد.
أَيَا سَيْفَ رَيّكَ لا خَلْقِهِ ويا ذا المَكارِمِ لا ذا الشُّطَبْ
وأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةً وأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بالرُّتَبْ
وأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطَّيَّةً وأَضْرَبَ مَنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ
الشطب: طرائق في متن السيف، واحدتها شطبة، والخطية: واحدة من قنا الرماح، تنسب إلى الخط، وهو بلد معروف. فيقول لسيف الدولة: أيا سيف الله، لا سيف أحد من خلقه، ويا رحمته التي يبسطها في أرضه، ويا ذا المكارم لا ذا الشطب، يريد: إنه وإن وافقه السيف في اسمه، فإنه يفارقه بمشهور فضله.
ثم قال: ويا أبعد ذوي الهمم همة، وأظهرهم علوا ورفعة، ويا أعرف ذوي
[ ١ / ٤٩ ]
المراتب بحقائق الرتب، واقعدهم بكرم الحسب.
ثم قال: ويا أطعن من حمل رمحا بنفسه، وأضرب من قلب حساما بكفه؛ يشير إلى إنه أعلم الناس بالطعن والضرب، وأشدهم إقداما على مضائق الحرب.
بِذا اللَّفظِ ناداكَ أَهْلُ الثُّغورِ فَلَبَّيْتَ والهَامُ تَحْتَ القُضُبْ
وَقَد يَئِسوا مِنْ لَذيذِ الحَيَاةِ فَعَيْنُ تَغُورُ وقَلْبٌ يَجِبْ
القضب: السيوف القواضب، واحدها قضيب، والقضب: القطع، ووجيب القلب: شدة خفقانه.
فيقول لسيف الدولة، بعد ما ذكره من فضائله: بمثل ما أقول به في وصفك، وأعدده من فضائلك في مدحك، ناداك أهل الثغور مستصرخين لك، واستعانوا مستجيرين بك، عند نزول الروم عليهم، وتصميم جموعهم إليهم، فلبيتهم مسرعا نحوهم، وأغثتهم مؤمنا ذعرهم، وهامهم تحت السيوف تمتثل وقعها، وأنفسهم في قبض الحتوف وهي ترتقب فعلها.
ثم قال: وقد يئسوا عن لذة الحياة لعظيم ما لحقهم، وتيقنوا مباشرة الهلاك؛ لكثرة من حل من الروم بهم، فعين ثغور لما نالهم من السهر والتعب، وقلب يجب لما اشرفوا عليه من مقاربه العطب.
وَغرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الوُشَا ةِ: إِنَّ عَليًَّا ثَقِيْلٌ وَصِبْ
وقد عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُ إذا هَمَّ وهو عَلِيلٌ رَكِبْ
الدمستق: صاحب جيش الروم، والوشاة: الأعداء، والثقيل: الضعيف عن الحركة، والوصب: الشديد المرض.
فيقول: وغر الدمستق عند تحركه إلى ثغور المسلمين قول من كان يواليه على سيف الدولة من أهل تلك البلاد، إنه ثقيل المرض، شديد الشكية والألم، فتحرك وقد أمن إغاثة سيف الدولة للثغر، وتحقق ما كان فيه من الألم والضر.
[ ١ / ٥٠ ]
ثم قال: وقد علمت خيل سيف الدولة أن علته لا تثني همته، وشكاته لا تعوق عزيمته، وإنه إذا هم عليل ركب غير متوقف، وإذا أراد أمرا أمضاه غير متلوم، وأن تجلده لا تثنيه العلل، واعتزامه لا يصرفه الألم.
أَتاهُمْ بأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْ طِوال السَّبِيْب قِصارَ العُسُبْ
تَغِيْبُ الشَّواهِقُ في جَيْشِهِ وتَبْدو صِغارًا إذا لم تَغِبْ
ولا تَعْبُرُ الرَّيحُ في جَوَّهِ إذا لَمْ تَخَطَّ القَنَا أَو تَثِبْ
السبيب: خصل الذنب، والعسب: جمع عسيب وهو العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب، وقصره من الفرس دليل على عتقه، وطول سبائبه من شواهد كرمه، والشواهق: الجبال العالية، واحدها: شاهق،
والجو ما ارتفع من الهواء.
فيقول، وهو يشير إلى سيف الدولة، وإلى أهل الثغر: أتاهم الدمستق بجيش ضاقت عنه أرضهم، وزادت سعته على سعة بلدهم، كثيرة جموعه، كريمة خيوله؛ سبائب تلك الخيول. . .، تغيب شواهق تلك الجبال في ذلك الجيش لعظمه، وتخفى فيه لكثرة عدده، وما بدا منها فهو صغير في عين مبصره، قليل فيما يسبق إلى متأمله.
ثم قال: يمنع ذلك الجيش الريح من أن تعبره لتكاثف كتائبه، ويعوقها عن أن تسلكه لالتفاف رماح عواليه، فليس تنهض الريح في جوه إلا مستعلية متحيلة، ولا تتخلص منه إلا مرتفعة متوثبة.
فَغَرَّقَ مُذْنَهُمُ بالجُيوشِ وأَخْفَتَ أَصْواتَهُمْ باللَّجَبْ
فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِبًا قَتْلَهُمْ وأَخْيِبْ بِهِ تارِكًا ما طَلَبْ
الأخفات: الإخفاء، واللجب: اختلاط أصوات أهل العسكر.
فيقول: فغرق الدمستق مدن الثغر في جمعه، وغيبها فيما أحاط بها من حشده،
[ ١ / ٥١ ]
واخفت أصوات أهلها بلجبه، وغطى عليها بكثرة عدده، فما أخبثه في طلب قتلهم، ومحاولة الظفر بهم، عند معرفته بعلة سيف الدولة، ومسارعته إلى انتهاز تلك الفرصة، ومبادرة تلك الغرة، وما أخيبه في ترك مت طلبه، وإعراضه عما قصده، عند مقاربة سيف الدولة له، ودنوه منه، واعتصامه بالفرار بنفسه، ومعرفته بما له مع سيف الدولة في حربه.
نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ باللَّقاءِ وجئتَ فَقَاتَلَهُمْ بالهَرَبْ
وكانوا لَهُ الفَخْرَ لَما أَتَى وكُنْتَ لَهُ العُذْرَ أَمْا ذَهَبْ
يقول لسيف الدولة: نأيت عن أهل الثغر، ووقفتك عنهم علتك، فقاتلهم الدمستق بغزو أرضهم، ولقاء خيلهم، وجئت نحوهم فقاتلهم بالهرب عنهم، والفرار منهم.
ثم قال: وكانوا له الفخر بغزوه إليهم، وإقدامه عليهم، وكنت له العذر في انصرافه عما كان أنفذه من قصدهم، وفراره عما اقتحم فيه من أرضهم؛ لأن من عجز عن حربك فهو غير ملوم في عجزه، ومن فر عن لقاك فهو غير مضيق عليه في عذره.
سَبَقْتَ إليْهِمْ مَنَاياهُمُ ومَنْفَعَةُ الغَوْثِ قَبْلَ العَطَبْ
فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّدًا وَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدوا لِلصُّلُبْ
وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بالرَّدَى وَكَشَّفتَ مِنْ كُرَبٍ بالكُرَبْ
ذدت: بمعنى دفعت، والعطب: الهلاك.
فيقول لسيف الدولة: سبقت إليهم مناياهم التي كانت قد قاربتهم ومهالكهم التي كانت شافهتهم، مسرعا نحوهم غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، ومنفعة الغوث أن تكون قبل وقوع العطب، وفائدته أن يسبق به قبل حلول التلف.
ثم قال: فخر أهل الثغر لخالقهم ساجدين لقصدك نحوهم، ونادوك شاكرين على احتلالك أرضهم، ولو لم تغثهم لغلبت الروم عليهم وكانوا يفتنونهم عن دينهم،
[ ١ / ٥٢ ]
ويلزمونهم السجود لصليبهم.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: وكم دفعت عن أهل الثغر من وقائع الروم بإيقاعك بهم، وكم صرفت عنهم من رداهم بردى أحدثته عليهم، وكم كشفت من كربهم؛ الكرب التي واليتها على الروم في قتلك لهم، وإيقاعك بهم، فأمنت أهل الثغور بإخافتهم، وأرحتهم بمواصلة نكايتهم.
وَقَدْ زَعَموا إنه إِنْ يَعُدْ يَعُدْ مَعهُ المَلِكُ المُعْتَصِبْ
ويَسْتَنْصِرانِ الذي يَعْبدانِ وعِنْدَهُما إنه قَدْ صُلِبْ
ويَدْفَعُ ما نَالَهُ عَنْهُما فيا لَرَّجالِ لِهذا العَجَبْ
المعتصب: ملك الروم الأعظم الذي يعتصب بالتاج، والاعتصاب بالتاج: حمله على الرأس، موضع العصابة.
فيقول: وقد زعم الروم أن الدمستق إن عاد إلى الثغر عاد معه ملكهم الأعظم المعتصب بالتاج، فحشد مع نفسه جميعهم، وكثر بحضوره عديدهم.
ثم قال: ويستنصران عيسى بن مريم الذي يعتقدون ربوبيته، ولا ينكرون إلهيته، ويزعمون مع ذلك أن اليهود صلبوه واستضعفوه وغلبوه.
فيقول: إنه سيدفع عن الدمستق وعن ملك الروم من القتل ما لم يدفعه عن نفسه، ويملك من أمرهما ما لم يملكه من أمره، فيا للرجال لهذا العجب العجيب، والثناء الغريب.
أَرى المُسْلِمينَ مَعَ المُشْرِكِيْنَ إِما لِعَجْزٍ وإِما رَهَبْ
وأَنْتَ مَعَ اللَّهِ في جَانِبٍ قَلِيْلُ الرُّقَادِ كَثيرُ التَّعَبْ
كأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ وَدانَ البَريَّةُ بِابْنٍ وأَبْ
الرهب: الخوف.
فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم
[ ١ / ٥٣ ]
ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم.
ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن.
ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، وكان من سواك من المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه.
فَلَيْتَ سُيُوفَكَ في حاسِدٍ إذا ما ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَئِبْ
ولَيْتَ شَكاتَكَ في جِسْمِه ولَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ زحُبْ
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنْ كَ أَضْعَفَ حَظًّ بِأَقْوى سَبَبْ
يقول: فليت سيوفك معملة في حاسد ينكر مشهور فضلك، ولا يعرف لك بكريم سعيك، فإذا أظهرك الله على الروم أسف وحزن، وإذا أظفرك بهم ارتمض واكتأب.
ثم قال: وليت شكاتك في جسم ذلك الحاسد، يكفيك ألمها، وعلتك مقصورة عليه، تنوب عنك في تحملها، وليتك تجزي من أحبك على مقدار حبه، ومن أبغضك بمقدار ما يعتقده لك من بغضه، فتقارض كلا بقسطه، وتجزيه على حقيقة قدره.
ثم قال: فلو كان ذلك رأيك ومذهبك، واختيارك ومعتقدك، لنلت أضعف حظ من تقبلك، بأقوى سبب أمت به من الإخلاص لك. يشير إلى أن سيف الدولة يغمض لكثير ممن حوله، على ما تيقن منه من قلة الخالصة، والبعد من سلامة الناحية، وإنه اغفل أمر أبي الطيب مع ما هو عليه من ثابت البصيرة في مودته ونصحه، وخالص النية في الاعتراف بإحسانه وفضله.
نجز ما قاله أبو الطيب في سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وفي جملة ذلك الأشعار الثلاثة التي كتب بها إليه من العراق، وهي آخرها، أثبتناه من أشعاره
[ ١ / ٥٤ ]
فيه.
[ ١ / ٥٥ ]