وقال يمدح الملك عضد الدولة أبا شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة.
أَوهِ بَديلٌ مِنْ قَولَتِي وَاهَا لِمَنْ نَأتْ والبَدِيلُ ذِكرَاها
أَوهِ أَنْ لا أَرَى مَحَاسِنَها وَأَصلُ وَاهًَا وَأَوهِ مَرآها
أوه: كلمة تقال على معنى التذكر والحزن، واها: كلمة تقال عند التلهف والتفجع، قال أبو النجم:
وَاهًَا لِسَلمَى ثُمَّ وَاهًَا وَاهَا
والذكر والذكرى: معروفان، والمرأى: المنظر، وما تعيده الرؤية من حقيقة المرئي.
فيقول: أنه يتداول كلمات التأسف والتفجع، فيستقل من أوه إلى قوله واها، تلهفا على من نأت عنه بعد القرب، وباعدته بعد ما كانت تبذله من الوصل، فاعتاض من السرور بقربها، ما هو عليه من التعلل بذكرها.
ثم قال معيدا لما ابتدأ به من التفجع، ومشيرا إلى ما يتشكاه من شدة التألم: أوه من ألا أرى محاسنها الكاملة، وبدائع خلقها المعجبة الرائقة، وأصل واها وأوه اللتين أشير بهما إلى ما بنفسي من الوجد والأسف، على ما امتحنت به في محبوبتي من البعد بمرآها، الذي يملكني بحسنه، وتبدلت من مشاهدته بذكره. وقد قبل إن (واها) كلمة تأتي بمعنى الاستطابة والتعجب، وهي في التلهف أبين.
شَامِيَّةٌ طَالَ ما خَلَوْتُ بِهَا تُبصِرُ في نَاظِري مُحيَّاهَا
فَقَبَّلتْ ناظِري تُغَالِطُني وإنَّما قَبَّلتْ بِهِ فَاهَا
فَلَيتَها لا تَزَالُ آوِيَهُ وَلَيتَهُ لا يَزالُ مَأوَاها
المحيا: الوجه، والناظر: سواد العين، والآوي: الذي يصير إلى مكان يستقر فيه، والمأوى: المكان المشتمل على من يأوي إليه.
فيقول: أم محبوبته كانت من أهل الشام، وطال ما نعم بخلوتها، واستوفر الحظ من
[ ٢ / ١٠٩ ]
محبتها، ولاعبها محيشا لها، ولثمها متصلا بها، فأبصرت في خلال ذلك محياها في ناظره، وقاربته هذه المقاربة إعجابا به. يشير إلى موضعه من نفسها، وما كانت تخصه به من إسعادها ووصلها.
ثم قال: فقبلت ناظري مغالطة بما تظهر في ذلك من الإعجاب بي، وما تبديه في فعلها من الإيثار لي، وإنما رأت في ناظري شخصا فراقها حسنه، وتبينته فأعجبها أمره، فقبلته وفوها المقبل، وصبت إليه ووجهها المتأمل. وأشار بهذه الجملة إلى شدة المقاربة، وأعرب بها عن تمكن الاتصال والملابسة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: فليتها لا تزال من ناظري في مأوى تنزله، وتقيم منه في محل تتخيره، وليت ناظري ذلك المأوى الذي تكون فيه إقامتها، والمحل الذي تشتمل عليه إرادتها.
كُلُّ جَريحٍ تُرجَى سَلامَتُهُ إلاَّ فُؤادًَا دَهَتهُ عَينَاها
تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابتَسَمَتْ مِنْ مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاها
ما نَفَضَتْ في يَدِي غَدائِرُها جَعَلَتهُ في المُدامِ أَفواهَا
الفؤاد: القلب، ودهته: نالته بغاية الضر، والثنايا: الأضراس الأربعة المتوسطة في أعلى الفم وأسفله، وهي معروفة، والغدائر: جمع غديرة، وهي كل خصلة من الشعر تفتل ثم ترسل وتعقد، والأفواه: أخلاط الطيب، واحدها فوه.
فيقول: كل جريح ترجى سلامته، وتؤمل من جراحه إفاقته، غير قلب سحرته عيناها وتيمته، ورمته بسهامها فأقصدته، فأن ذلك جريح لا يبل من سقمه، وعليل لا يبرأ من كلومه وألمه.
ثم قال: تبل خدي كلما ابتسمت لاهية عما أتشكاه، ومستقلة لما أكابده وألقاه، (وقوله): (من مطر)، أشار به إلى دمعه، وكثرة (ما) بريق منه على خده.
ثم ذكر أن برق ذلك المطر، الذي هو واكف دمعه، ما يبديه من التبسم وميض
[ ٢ / ١١٠ ]
ثناياها الواضحة، وما يطلعه من تلألؤ تلك الأنوار الساطعة. وعقد البيت على الإيماء والإشارة التشبيه والاستعارة.
ثم قال مشيرا إلى موضع محبوبته من الرفعة، وما هي عليه من الرفاهية والنعمة: ما نفضت في يدي غدائرها من الطيب والعطر، وما اكتسبتها من الفوح والنشر، جعلته أفواها تتضوع، ومشاما تعبق وتسطع.
لَقَينَنَا والحُمُولُ سَائِرَةٌ وَهُنَّ دُرٌّ فَذُبنَ أَمواها
في بَلَدٍ تُضرَبُ الحِجَالُ بِهِ عَلى حِسَانٍ وَلَسنَ أَشبَاهَا
كُلُّ مَهَاةٍ كَأَنَّ مُقلَتَها تَقوُل: إيَّاكُمُ وإيَّاهَا
فِيهنَّ مَنْ تَقطُرُ السُّيوفُ دَمًَا إذا لِسَانُ المُحِبِّ سَمَّاها
الحمول: الإبل عليهن النساء في هوادجهن، واحدها حمل، والأمواه: جمع ماء، والهمزة (مبدلة من هاء كما) في قولهم هرقت وأرقت وما أشبهه، ويدل على أن همزة ماء مبدلة من هاء قولهم في تصغير ماء مويه، وفي النسب إليه ما هي، وفي جمعه أمواه.
فيقول مشيرا إلى محبوبته والمتصلات بها: لقيننا والحمول سائرة بهن في حسنهن، وتضوع بياضهن كاللؤلؤ المكنون، والدر الرفيع المصون، فذبن أمواها من الخجل، وغيرهن إفراط الأسف والحزن.
ثم قال مشيرا إلى اللواتي قدم ذكرهن: كل مهاة تفتن بحسنها، وتغلب على القلوب بتكامل دلها، كأن مقلتها بما تضمنته من السحر، وصرفته من فتور اللحظ، تحذر من أبصرها من عواقب الحب، وتسير إلى قسوتها على المتيم الصب.
ثم قال مبينا لمنزلة المذكورات من الرفعة، وموضعهن من جلالة الرتبة: فيهن من لا تتفوه الألسن بذكرها، ولا يتمكن التصريح باسمها، فأن أعلن المحب بذكر؛ لفرط كلفه لها، قطرت السيوف دما عند ذلك إكراما لها. فأشار إلى أن المذكورات
[ ٢ / ١١١ ]
يتصلن بالملك، ويشتمل عزه عليهن بلا شك.
أُحِبُّ حِمصًَا إلى خُناصِرَةٍ وَكُلُّ نَفسٍ تُحِبُّ مَحيَاهَا
حَيثُ التقى خَدُّها وَتُفَّاحُ لُبنَانَ وَثَغرِي على حُمَيَّاها
وَصَفتُ فِيهَا مَصِيفَ بادِيَةٍ شَتَوتُ بالصَّحصَحَانِ مَشتَاهَا
حمص وخناصرة: بلدان من الشام، ولبنان: جبل من جبال الشام، لا نظير لتفاحه في طيب المطعم، وعبق الريح، وحميا الكأس: سورتها وحدتها، والصحصحان: ما استوى من الأرض واتسع، والمحيا والمصيف والمشتى: مصادر بمعنى الحياة والصيف والشتاء.
فيقول: أنه يحب حمص، هذا البلد، إلى خناصرة، هذا الموضع، وما بين هذين المكانين مقر أحبته، وجماع مسرته، وكل نفس تألف حياتها وترغبها، وتؤثرها بالإرادة وتفضلها.
ثم قال مشيرا إلى الجهة التي وصفها، وإلى محبوبته التي رفع بها: حيث التقى خد تلك المحبوبة بلثمي له، وتفاح لبنان بتنقلي به، وحميا الخمر التي نازعت محبوبتي كؤوسها، وقاسمتها مؤانستها وسرورها. واعتمد تفاح لبنان من بين سائر نقله، لمماثلته الخد الذي لثمه في الخلقة، ومقاربته له في اللون والنكهة.
ثم قال، وهو يريد الناحية التي قدم ذكرها: (وصفت فيها مصيف بادية)، يخبر بأنه مدة ذلك المصيف جانب الحواضر، واثقا بجرأته، وتصرف في البادية مسندا إلى نفاذه وشدته، وكذلك قطع الشتاء المتصل بذلك الصيف في صحصحان تلك البادية، غير معتصم ببنيان يسكنه، ولا معرج على حصن يمنعه، معولا على نفسه ومن يألفه من الفتيان، ومستظهرا بمن يستضيف إليه من حماة الفرسان.
إنْ أعشَبَتْ رَوضَةٌ رَعَينَاهَا أَو ذُكِرَتْ حِلَّةٌ غَزَونَاهَا
أَو عَرَضَتْ عَانَةٌ مُفَزَّعَةٌ صِدْنَا بِأُخرَى الجِيادِ أُولاَهَا
[ ٢ / ١١٢ ]
أَو عَبَرَتْ هَجمَةٌ بِنَا تُرِكَتْ تَكُوسُ بَينَ الشُّرُوبِ عَقْراها
الحلة: البيوت المجتمعة تنزلها القبيلة من الأعراب في البادية، والعانة: القطيع من حمر الوحش، والهجمة: ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وكوس الدابة: أن تمشي على ثلاث قوائم، يقال من ذلك: كاست تكوس كوسا، وشروب: جمع شرب، وهم القوم يعكفون على الشراب.
فيقول واصفا لحاله، يبديه الذي قدم ذكره: أن أعشبت روضة وردناها غير متوقفين، ورعتها إبلنا وخيلنا غير مدافعين، لا نحذر غارة تطرقنا، ولا نخاف جماعة تنازعنا، وإن ذكرت لنا حلة من حلل العراب غير حلتنا، غزوناها غير مستبقين لها، وأتيناها موقعين بها. يشير إلى ما يتصرف فيه من العزة، وما هو عليه من الاستظهار والقوة.
ثم قال: أو عرضت لنا في خلال ما نحن عليه، عانة من حمر الوحش مذعورة مفزعة، مستنفرة مروعة. يشير بذلك إلى استفراغها لأنفسها في الجري، وبلوغها إلى غاية ما تستطيعه من العدو؛ طردناها طالبين، وتلوناها متبادرين، وقصدنا بأواخر خيلنا أوائلها، وبالمتأخرين من فرسانها سوابقها. فأعرب عن موضع خيله وخيول أصحابه من العتق، ومحلها من الكرم والسبق؛ لأن متأخرها بعفوه أدرك متقدم الحمر، مع ما بذل في العدو من جهده.
ثم قال: وإن عبرت علينا هجمة من الإبل ضربنا سوق كرائمها بسيوفنا، فكاست عقراها بين شروبنا، فعقرناها مطعمين متكرمين، كما صدنا ما طردناه من الوحش منعمين مقتدرين.
فَالخَيلُ مَطرُودَةٌ وَطَارِدَةٌ تَجُرُّ طُولَى القَنَا وَقُصراها
يُعجِبُها قَتلُها الكُمَاةَ ولا يُنظِرُها الدَّهرُ بَعدَ قَتلاها
الطولى والقصرى: بمعنى الطويلة والقصيرة، وكلاهما فعلى، من طال يطول
[ ٢ / ١١٣ ]
وقصر يقصر، بمنزلة الحسنى والسرءى، من حسن يحسن، وساء يسوء، والكماة: جمع كمي، وهو الذي يستر من شجاعته أكثر مما يظهر مأخوذة من كميت الشيء: إذا سترته، وينظرها: يمهلها.
فيقول: وخيلنا مطرودة وطاردة، ومطلوبة وطالبة، في قتال من تقصده، ومنازلة من تغير عليه وتعتمده، تجر ما طال من القنا لصحته وسلامته، وما قصر لتكسره في استعمال المطاعنة به. يشير إلى مداومته ومداومة أصحابه للحرب، وتنازعهم لشدة الطعن.
ثم قال مشيرا إلى خيله: يعجبها قتل من تقتله منك كماة الفرسان، ومشاهير الشجعان؛ لما لها في ذلك من الظهور والظفر، وما يتخلد لها من طيب الخبر، إلا أنها مع ذلك لا يمهلها الدهر فتطول مددها، ولا يتراخى عنها القتل فيتأخر أمدها. وقصد إلى قول بني الحارث بن عبد المدان.
وإنَّا أُنَاسٌ لا نَرَى القَتلَ سُبَّةً إذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنَا لَنَا وَتَكرَهُهُ آجَالُهم فَتَطُولُ
فأفتخر بإسراع القتل إلى أصحابه وإليه، وتوطينهم لأنفسهم عليه.
وَقَدْ رَأَيتُ المُلوكَ قَاطِبَةً وَسِرْتُ حَتَّى رَأَيتُ مَولاَها
وَمَنْ مَنَاياهُمُ بِراحَتِهِ يَأمُرُها فِيهمْ وَيَنهَاهَا
أَبَا شُجَاعٍ بِفَارِسٍ عَضدَ الدَّولَةِ فَنَاخُسرُو شَهنَشَاها
قاطبة: كلمة بمعنى المصدر، كأن الذي يقول: رأيت القوم قاطبة، يقول: رأيتهم عامة وجميعا.
فيقول: وقد رأيت الملوك محتفلا في رؤيتهم، وشهدتهم مستوعبا لجماعتهم، وسرت حتى بلغت إلى الملك الممدوح، فرأيت منزلته في المسميين باسمه، منزلة المولى من خادمه، والرئيس من تابعه، وعلمت أنه ملك الملوك لاشك فيه، وعظيم
[ ٢ / ١١٤ ]
العظماء لا خفاء عليه.
ثم قال: ورأيت منه الذي منايا الملوك براحته، وتصرفهم في الأمور على حسب إرادته، فمن أرضاه مكنت له السعادة جميع مقاصده، ومن أسخطه أورده الحين أخبت مارده. وهذه العبارة وإن لم تكن على نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
ثم قال، يريد الممدوح: أبا شجاع الذي أتيته بفارس، هذه البلدة الجليلة، والناحية المعظمة الكريمة، ثم أردف ذلك بقوله: فناخسرو شهنشاها، فأبان عنه بأسمه، وأتبعه برفيع من وصفه. والكلمتان فارسيتان، ومفهوم الوصف فيهما الإجلال والتعظيم، ومراد التفضيل والتقديم.
أَسَامِيًا لَمْ تَزِدهُ مَعرِفَةً وَإنَّما لَذَّةٌ ذَكَرنَاهَا
تَقُودُ مُستَحسَنٌ الكَلاَمِ لَنَا كما تَقُودُ السِّحابَ عُظمَاها
هو النَّفِيسُ الَّذي مَواهِبُهُ أَنفَسُ أَموَالِهِ وَأسنَاهَا
العظمى من السحاب هي العظيمة، على وزن فعلى من العظم، وأسنى الأموال أرفعها قيمة.
فيقول فيما قدمه من أسماء الممدوح: تلك الأسماء لم تزده شهرة، ولا أفادته في الناس معرفة، لما عظمه الله من قدره، وأبانه من جلالته وفضله، ولكنه أجتلبها التذاذا بذكرها، وأعلن بها استكثارا من حسنها.
ثم قال: أن تلك الأسماء تقود مستحسن الكلام لنا وتتدقمه، وتشتمل عليه وتتضمنه، كما تقود العظمى من السحاب تواليها، وتتصل سائرها في النهوض بها.
ثم قال مشيرا إلى الممدوح: هو النفيس الذي عطاياه ومواهبه، ومكارمه وفواضله، أنفس مما يقتنيه ويدخره، وأرفع ما يستفيده ويكتسبه، يريد أنه لا يصون الأموال
[ ٢ / ١١٥ ]
على البذل، ولا يلذ بغير ما يظهره من الفضل.
لا تَجِدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ إذا انتَشَى خَلَّةً تَلاَفَاهَا
تُصَاحِبُ الرَّاحُ أَريَحِيَّتَهُ فَتَسقُطُ الرَّاحُ دُونَ أدنَاهَا
لو فَطَنَتْ خَيلُهُ لِنَائِلَةٍ لَمْ يُرضِهَا أَنْ تَرَاهُ يَرضاها
الانتشاء: السكر، والخلة: الوهن والنقصان، والراح: الخمر، والأريحية: اتساع الخلق والانبساط بالمعروف.
فيقول، وهو يريد الممدوح: لا تجد الخمر عند تناوله لها، وانتشائه بها، خلة في كرمه تتلافاها بالزيادة فيما قصر عنه، ولم تبلغ بطبيعته إلى الغاية منه؛ لأن جوده في حين صحوه، لا تمكن الزيادة فيه بسكره.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: يصاحب الخمر في حين سكره، وما تزيد عليه من أريحية كرمه في حين صحوه، فيسقط ما يبعث عليه طرب السكر عند أقل ما تبعث عليه طبيعته من الكرم والفضل، وأراد ما سبق إليه أمرؤ القيس حيث يقول:
وَتَعْرِفُ فيهِ مِنْ أَبيهِ شَمَائِلًا وَمِنْ خَالِهِ وَمِنْ يَزيدَ وَمَنْ حُجُرْ
سَمَاحَةَ ذا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفاَء ذَا وَنَائِلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
ثم قال: لو فطنت خيله لعموم بذله فيما يملكه، وسروره بما ناله؛ ما يوافقه ويستحسنه، لما أرضاها أن ترضيه بتقدمها في سبقها، وتروقه بما يشهده من تطهيمها وعتقها؛ لما يدعو إليه ذلك من تقصيرها في جملة ما يبذله، فيما يؤثره من الإنعام والفضل.
ثم أكد ذلك بقوله:
تَسُرُّ طَربَاتُهُ كَرَائِنَهُ ثُمَّ تُزِيلُ السُّرورَ عُقبَاهَا
بِكُلِّ مَوهوبَةٍ مُولولَةٍ قَاطِعَةٍ زِيرَهَا وَمَثْناهَا
تَعُومُ عَومَ القَذَاةِ في زَبَدٍ مِنْ جُودِ كَفِّ الأَمِيرِ يَغشَاهَا
[ ٢ / ١١٦ ]
الكرائن: الضوارب بالكران، وهو العود، الواحدة كرينة، والمولولة: المرأة التي ترفع صوتها داعية بالويل على نفسها، والزير والمثنى: معروفان من أوتار العود، والقذاة: اليسير من الأشياء تطفو في الكثير من الماء، والزبد: السير الشديد، او البحر الهائج.
فيقول: (تسر طرباته كرائنه) لما يرتجينه عنده من الحظوة، ويرتقبنه من الاختصاص والأثرة، ثم يعقب ذلك السرور منهن ما ينقله إلى ضده، ويحيله إلى غيره.
ثم قال مبينا لذلك: بكل موهوبة موهن، تدعو بالويل على نفسها، وتجزع لمفارقة ما تستحقه بخدمته من ارتفاع قدرها، فتقطع أوتار عودها متحزنة، وتنفذ في جملة هباته متأسفة.
ثم أشار إلى الكريمة المذكورة، فقال: تعوم عوم القذاة في جميل مواهبه، وتحفى في ما يبذله من عطاياه وفواضله، وتحل في ذلك محل القذاة في البحر، والخردلة في المهمة القفر، بما وصف به الممدوح، على أن ما حسن موقعه منه يخرجه الكرم بالهبة عنه.
تُشْرِقُ تِيجانُهُ بِغُرَّتِهِ إشرَاقَ أَلفَاظِهِ بِمَعنَاهَا
دَانَ لَهُ شَرقُهَا وَمَغرِبُها وَنَفسُهُ تَستقِلُّ دُنيَاهَا
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ مِلءُ فُؤادِ الزَّمانِ إحدَاهَا
تشرق: تضيء، والغرة: بياض في الجبهة وما أشرف من الوجه، ودان: اعترف بالطاعة، والهمم: جمع همة، وهي ما انعقدت النية على فعله من رفيع الأفعال.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: تشرق تيجانه بجمال وجهه، وتزهى ببهائه وحسنه، إشراق ألفاظه البديعة المتخيرة، بمعانيه الحكيمة المستصوبة، فأقترن له ما اختص به من جلالة المنظر، بما استضاف إلى ذلك من براعة المخبر.
[ ٢ / ١١٧ ]
ثم قال، وهو يشير إلى الدنيا، وأضمر ثقة ببيان ما قصد له: دان له شرقها ومغربها، على بعد ما بين الأمرين، وتراخي الأمد بين الغايتين، ونفسه تستقل الدنيا بجملتها، ولا يقنعها أن تنفرد بإمرتها، لما تتحققه من بيان فضله، وتتيقنه من انقياد الرئاسة لمثله.
ثم قال: تجمعت في فؤاده همم لا تتناهى رفعتها، ومقاصد في السيادة لا تتحصر جملتها، إحدى تلك الهمم تملأ فؤاد الزمان وتذعره، وتعجزه بما يحاوله وتبهره.
ثم قال مشيرا إلى همم الممدوح المذكورة:
فَإنْ أَتَى حَظُّهَا بِأَزِمِنَةٍ أَوسَعَ مِنْ ذَا الزَّمانِ أَبدَاهَا
وَصَارَتِ الفَيلَقَانِ واحِدَةً تَعثُرُ أَحياؤُها بِمَوتاهَا
وَدَارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ تَسجُدُ أَقمَارُهُ لأَبِهَاهَا
الحظ: الجد، والفيلق: الكتيبة الشديدة، والنيرات: السيوف والأسنة، استعار ذلك من أسماء الكواكب، والفلك هاهنا: حيث تدور الحرب، شبهة بمدار النجوم على ما قدمه من استعارة أسمها للأسنة والسيوف.
فيقول: فأن أتى حظ همم الممدوح المقرونة بالسعادة، المحروزة لغايات السيادة، بأزمنة هي أوسع من زمانه المشهور بما يقرب الله للممدوح من المراد، ويقربه بمقاصده من السداد، أبدى تلك الهمم وأظهرها، وصرفها فيما يحاوله وأعملها.
ثم قال مبينا لما قدمه: وصارت الفيلقان، من أصحابه والمقدمين على خلافه، فيلقا واحدا باستيلائه على المناصبين له، وتملكه لمرهم، يعثر الأحياء المتغلبون من أصحابه في جثث القتلى المصرعين من أضداده.
ثم قال مشيرا إلى السلاح ومجال الحرب: ودارت النيرات في فلك تسجد فرسان مغانيه، وتخضع زعماء مواكبه، وهم أقمار ذلك الموقف الطالعة، وكواكبه النيرة الثاقبة، لأبهاها وأرفعها، وأجلها وأكملها، يشير إلى أن الممدوح تخضع له في
[ ٢ / ١١٨ ]
حومة الحرب الأمراء، وتسجد له الشجعان والرؤساء.
ثم قال يريد الممدوح:
الفَارِسُ المُتَّقِي السِّلاَحُ بِهِ المُثنِي عَلَيهِ الوَغَى وَخَيلاها
لَو أَنكَرَتْ مِنْ حَيَائِهَا يَدُهُ في الحَربِ آثَارَهَا عَرَفنَاهَا
وَكَيفَ تَحفَى الَّتي زِيادَتُها وَنَاقِعُ المَوتِ بَعضُ سِيمَاها
الوغى: الحرب، سميت بذلك لارتفاع الأصوات فيها، وناقع الموت: كثيره وشديده، والسيما: العلامة.
فيقول، وهو يريد الممدوح: الفارس الذي يستكف السلاح بجلالته، ويتقي بإحجام الأبطال عن مواجهته، تثني عليه الوغى باستيلائه على جملتها، واستيفائه غاية حقيقتها، الذي يثني عليه خيلا الحرب من أصحابه وأضداده؛ فأما أصحابه فلاعتصامهم به، وأما أضداده فلاعترافهم له.
ثم قال: لو أنكرت يده آثارها في الحرب، وزيادتها على جميع الشجعان في الطعن والضرب، ترفعا عن التمدح بذلك، وحياء من استجلاب ذكره، لعرفناها بانفرادها دون مماثلة، وتوحدها من غير مشابهة.
ثم قال: وكيف تخفى أفعاله التي تزيد على ما تفعله الفرسان، وتقلل ما يفعله الشجعان، وناقع الموت المرتبط بها، ونفاذه في كل من يتعرض لها، بعض سيماها التي تخصها وتعينها وتظهرها للناس وتبينها.
لَو كَفَرَ العَالمونَ نعمَتَهُ لَمَا عَدَتْ نَفسُهُ سَجَايَاهَا
كالشَّمسِ لا تَبتَغِي بِمَا صَنَعَتْ مَنفَعَةً عِندَهُمْ ولا جَاهَا
العالمون: جميع الخلائق من الإنس والجن، والسجايا: الطباع، واحدتها سجية، والجاه: ارتفاع المنزلة في الناس.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: لو كفر العالمون نعمته الجليلة الشاملة، وأياديه الرفيعة
[ ٢ / ١١٩ ]
الظاهرة، لما عدت نفسه سجيتها في الفضل، ومذهبها في إتيان الكرم والبذل؛ لأن نعمه ليست على سبيل الاستكثار من الشكر، وإنما هي على ما يضمنه عنه شرف الطبع.
ثم قال مؤكدا لما قدمه من وصف الممدوح، وما جبله الله عليه من عموم فضله، والتقدم في الإحسان بطبعه: أنه كالشمس التي تنير بخلقتها، وتريق الخلائق بجبلتها، ولا تبتغي عندهم جزاء تعتقده من الشكر، ولا منزلة تحوزها بجميل الذكر، وأن كرمه خلق جبل عليه، لا لعرض من الدنيا يرغب إضافته إليه.
الوَاسِعُ العُذرِ أَن يَتيهَ عَلَى الدُّنيَا وَأَبنَائِها وما تَاهَا
وَلَّ السَّلاطينَ مَنْ تَوَلاَّها والجَأ إليهِ تَكُنْ حُدَيَّاها
ولا تَغُرَّنَّكَ الإمارَةُ في غَيرِ أَميرٍ وَإنْ بِهَا بَاهَى
التيه: الكبر، وحديا السلاطين: الذي يساجلهم ويباريهم، والمباهاة: المكاثرة بجمال الحال.
فيقول: أن الممدوح في خلال من الرفعة، ومنزلة من الجلالة والمملكة، يوسعان عذره في التيه على الدنيا وأهلها، والأخذ في ذلك لنفسه (يفي) بحقها، ولكنه يؤثر التواضع ويألفه، وبجانب الكبر ولا يوافقه.
ثم قال: ول ما عدا الممدوح من السلاطين من اعتمدهم بقصده، وما إليهم بتأميله ووده، ودعهم وما آثروه، وسلم إليهم ما تخيروه، والجأ إلى الممدوح تكن موازنا لغيره من السلاطين بنفسك، ومباريا لهم بجلالة حالك، فخدمته تفيد أكثر مما استفادوه، وتتكفل بأوفر ما جاوزه من النعمة.
ثم قال: ولا تغرنك الإمارة ممن ينتحلها وليس باسم لها، ويتقلد أسمها دون أن يتحقق بها، مباهيا في ذلك غير منصف، ومغالطا بباطله غير معترف.
ثم قال مؤكدا لما قدمه:
[ ٢ / ١٢٠ ]
فَإنَّما المَلْكُ رَبُّ مَملَكَةٍ قَدْ فَعَمَ الخَافِقَينِ رَيَّاهَا
مُبتَسِمٌ والوُجُوهُ عَابِسَةٌ سَلمُ العِدَى عِندَهُ كَهَيجَاهَا
النَّاسُ كالعِابِدِينَ آلِهَةً وَعَبدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّهَا
الملك والملك والمملكة: سلطان الملك، وفعم: بمعنى سد وملأ، والخافقان: المغرب والمشرق، والريا: الريح الطيبة، والسلم: الصلح، يقال بفتح السين وكسرها، فمن فتح أنث، ومن كسر ذكر، والهيجاء: الحرب، والآلهة: ما عبد من دون الله.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فإنما الملك الذي لا يجهل قدره، والمعظم الذي لا يدفع أمره، من كان كالممدوح رب مملكة، قد فعم الخافقين طيب ريحها، وسد ما بينهما تضوعها وفوحها.
ثم قال، وهو يريده: مبتسم عند شدة الحرب، والوجوه عابسة، والعقول لأهوالها طائشة، وهو لا يحفل بأمرها؛ لاستظهاره فيها، ولا يستوحش منها، لتيقنه بالقدرة عليها، فسلم أعدائه عنده كحربهم؛ لأنه يغلبهم، وطاعتهم كمعصيتهم؛ لأنه يستذلهم ويملكهم.
ثم قال: الناس المعتقلون غيره، كالعابدين آلهة في بعدهم عن رشدهم فضلالهم فيما آثروه بقصدهم، وعبده المتمسك بحبله، المقتصر بأمله على فضله، في صواب ما رآه وتخيره، وصحة ما اعتمد عليه وآثره، كالذي يوحد الله فيتمسك بالحق ويؤمن به، فلا يعدل في ذلك عن الصدق.
تم بحمد الله. . . . ابتداء الزيادة.
[ ٢ / ١٢١ ]
وقال أيضا يمدحه ويذكر شعب بوان:
مَغَانِي الشَّعبِ طَيبًَا في المَغَانِي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
وَلَكِنَّ الفَتَى العَرَبِيَّ فِيها غَريب الوَجهِ واليَدِ واللِّسَانِ
الشعب: ما انفرج بين الجبلين، وشعب بوان الذي ذكره: موضع معروف ببلاد فارس، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى، والربيع: الفصل الذي يكون بين فصل الشتاء وفصل القيظ، وهو حين يأخذ النهار في الزيادة، والليل في النقصان، وفي هذا الفصل من السنة يقوى النبات وتكثر الزهرات.
فيقول مشيرا إلى شعب بوان: مغاني هذا الموضع في سائر المغاني المألوفة، والمواضع المستحسنة المحبوبة، كالربيع في سائر فصول الزمان التي يفضلها ببهجته، وتألفه النفوس من بينها بجملته، وتظهر الأرض فيه بدائع نورها، وتتصرف الأبصار في غرائب حسنها.
ثم قال مشيرا إلى نفسه، وانقطاعه عند حلوله في تلك المغاني عن أبناء جنسه. ولكن الفتى العربي في هذه الأماكن غريب الوجه؛ بمخالفته الأعاجم من أهلها في الهيئة، غريب اليد؛ بمفارقته لهم في الكتابة والصنعة، غريب اللسان؛ ببعده في الإبانة واللغة.
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سَارَ فِيهَا سُلَيمَانٌ لَسَارَ بِتُرجُمَانِ
طَبَتْ فُرسَانَنَا والخَيلَ حَتَّى خَشِيتُ وَإنْ كَرُمْنَ مِنَ الحِرَانِ
الملاعب: مواضع اللعب والتجاول، والواحد منها ملعب، الجنة: جمع جني، والهاء لتأنيث الجمع، وسليمان: هو النبي ﷺ، وسخر الله له الجن وفهمه لغاتها ولغات ما لا يتكلم من الحيوان، وطبت: صرفت وأمسكت، والحران: معروف.
فيقول مشيرا إلى شعب بوان، وإقفاره مع حسنه، واستيحاشه مع طيبه: وأن مغانيه ملاعب جنة، ومواضع عزلة، فلو سار فيها سليمان لواجه من الجن ما لا يفهم
[ ٢ / ١٢٢ ]
لغته إلا بمترجم، ولا يتفسر له قوله إلا بمبين، مع أنه قد علم كلام النمل، وتفسرت له لغات ما لا ينطق من الحكل.
ثم ذكر أن تلك المواضع مع تباعدها عن الأسنة، وما هي عليه من الإقفار والوحشة؛ طبت فرسانه وخيلهم بجمالها وطيبها، وحببت إليهم الإقامة فيها ببهجتها وحسنها، حتى خشي على فرسانه التأخر عنه؛ لسرورهم بها، وعلى خيله الحران؛ لإيثارها لها.
غَدَونَا تَنفُضُ الأغصَانُ فيهِ عَلَى أَعرَافِها مِثلَ الجُمَانِ
فَسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرَّ عَنَّا وَجِئنَ مِنَ الضِّياءِ بِمَا كَفَانِي
وَألقَى الشَّرقُ مِنهَا في ثِيابِي دَنَانِيرًَا تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ
الجمان: أمثلة تؤخذ من الفضة كاللؤلؤ، واحدتها جمانة، والشرق: مطلع الشمس، والبنان: أطراف الأصابع.
فيقول: غدونا نسير في هذا الشعب الذي ذكره، بين أشجار متكاثفة الظلال، متدانية الأغصان، تنفض على أعراف خيلنا من الندى المستقر في أوراقها، عند اتصالنا بها وتحريكنا لها، قطرا يشبه الجمان في حسن منظره، ويماثله في صفاء جوهره.
ثم قال: فسرت بين تلك الأشجار، وقد حجبت عني الحر فما أتأمله، وأهدت إلي من الضياء بحسب ما أرغبه، وألقى الشرق على ثيابي من خلل تلك الأغصان، وفرج تلك الظلال لمعا من أنوار الشمس في هيئة الدنانير، تفر من بنان الأيدي فلا تدركها، وتسبقها عند الإيماء إليها فلا تلحقها. يشير إلى أن طريقه إنما كان بين أشجار متدانية، وحدائق متوالية، لا يتشكى الحر من سلك بينها، ولا يتوقعه من تفيأ ظلها.
لَهَا ثَمَرٌ يُشيرُ إليكَ مِنهُ بأشْرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أوَانِي
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَأَموَاهٌ يَصِلُّ بِهَا حَصَاهَا صَلِيلَ الحَلْي في أَيدِي الغَوَانِي
الثمر: حمل الشجر، والصليل: امتداد الصوت، والغواني: الشواب ذوات الأزواج، واحدتها غانية.
فيقول: أن للشجر التي قدم ذكرها ثمرا في غاية النضرة، وعلى أفضل ما يروق ويعجب من النعمة، يكاد ينذاب في فم آكله، ولا يتماسك في يد متناوله، كالشراب المستجد في غير إناء، والقائم بنفسه من دون وعاء.
ثم وصف المياه المطردة في تلك الغياض، والعيون المتفجرة بين تلك الرياض، فقال: أن تلك الأمواه يصوت حصاها عند تحريكها له، ويصل عند سيلانها به، تصويت جواهر الحلي إذا حركت، وعلى مثل حالها من الحسن والبهجة إذا تؤملت.
وَلَو كَانَتْ دِمَشقَ ثَنَى عِنَانِي لَبِيقُ الثُّردِ صِينِيُّ الجِفَانِ
يَلَنْجُوجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيفٍ بِه النِّيرانُ نَدِيُّ الدُّخانِ
يُحَلُّ بِهِ عَلَى قَلبٍ شُجَاعٍ وَيُرحَلُ مِنهُ عَنْ قَلبٍ جَبَانِ
دمشق: مدينة في الشام معروفة، واليلنجوج: العود الذي يتبخر به، والند: أخلاط من الطيب يجمع بالعنبر المذاب، ويستعمل ذلك في البخور، والجفان الصينية: جفان تتخذ من حنتم الصين، وهو أرفع ما يكون فيه الطعام.
فيقول: ولو كانت هذه المنازل دمشق، قاعدة الشام التي لم أزل أعتقد التفضيل لها، وأتخير الاستقرار بها، لثنى عناني عنها الممدوح الذي أقصده، والرئيس الذي أعتمده، الجاري على سير العرب في بذل الطعام، والاحتمال من ذلك على سنن الكرام، إلا أن ثرده لبيقة خاصية الصنعة، وجفانه صينية جليلة القيمة، وما يرفعه للضيفان من نيرانه يلنجوجي الوقود، وما يثور عن ذلك من الدخان ندي الوجود.
ثم قال: يحل زواره منه على قلب شجاع، متقدم في برهم، ويرحلون منه عن قلب
[ ٢ / ١٢٤ ]
جبان محجم عن فقدهم. وطابق ما بين الشجاعة والجبن، وجرى جميع ذلك على غاية الحسن.
مَنازِلُ لم يَزَلْ مِنهَا خَيَالُ يُشَيِّعُنِي إلى النَّوبَندَجانِ
إذا غَنَّى الحَمَامُ الوُرقُ فِيهَا أَجَابَتهُ أَغَانِيُّ القِيَانِ
وَمَنْ بالشَّعبِ أَحوجُ مِنْ حَمَامٍ إذا غَنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ
وَقَدْ يَتَقارَبُ الوَصفَانِ جِدًّا وَمَوصُوفاهُمَا مُتَبَاعِدَانِ
الخيال: ما يتمثل في المنام مما تشتغل النفوس به، والنوبندجان: موضع من أرض فارس، والورقة: سواد في غبرة، والقيان: الإماءة المتزينات برفيع الصنع، والشعب: هو شعب بوان الذي قدم ذكره.
فيقول: أن المنازل التي ذكر حسنها، وأحتفل في وصفها، لم يزل يشيعه منها خيال يمتثله، وتذكر يتوهمه، إلى أن صار بالنوبندجان؛ وأشار بهذا إلى ما باشره بالشعب من المحاسن المعجبة، وما شاهده من الأمور المستغربة.
ثم قال: إذا غنت الحمام الورق في هذه المنازل، متداعية في أشجارها، مكثرة من التغريد على مجاري مياهها، أجابت تلك الألحان أغاني القيان المطربة، وأصواتها الندية المستحسنة.
ثم قال: ومن بالشعب المذكور من أهله وساكنيه، ومستوطنيه وعامريه، أحوج من الحمام إذا غنى وناح، إلى بيان ما يذكره، والتعريف بما يرجعه. يشير إلى لغات أهل تلك البلاد، قد غلبت عليها العجمة، وفشي فيها الاستغلاق واللكنة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى تلك الأغاني والنغم، مفارقة لما عهد من نظائرها في بلاد العرب: وقد تتفاوت الأوصاف وتتماثل، وتتدانى هيئتها وتتشاكل، وأعيان الموصوفات بها متفارقة متنائية، وبعيدة في حقائقها متباينة.
يَقُولُ بِشَعبٍ بَوانٍ حِصَانِي أعَنْ هذا يُسَارُ إلى الطِّعانِ؟!
[ ٢ / ١٢٥ ]
أبُوكُمْ آدَمٌ سَنَّ المَعَاصِي وَعَلَّمَكُمْ مُفُارقَةَ الجِنَانِ
الحصان: الذكر من الخيل.
فيقول: أن فرسه الذي كان يحمله، ظهر عليه من التثاقل في الخروج عن الشعب، والنشاط إلى الاستقرار به، والحرص على الكون فيه، ما حل محل العاذل لراكبه، واللائم لمزعجه، حتى كأنه قال له: أعن هذه الجنات الظاهرة، والحدائق الملتفة الرائقة، يستعمل الرحلة إلى الملوك الذين لابد عندهم من الطعن والضرب، والطعان والمبارزة للأقرا؟! وكأنه خاطبه في عذله، وما تابع عليه من لومه بأن قال له: أنك من جماعة سن لهم أبوهم المسارعة إلى العصيان، والمفارقة للخلود في الجنان، فليس بعجيب ما تتخيره من التقصير بنفسك، وما تستهله من إتعاب جسمك.
فَقُلْتُ إذا رَأيتَ أَبَا شُجَاعٍ سَلَوتَ عَنِ العِبَادِ وذا المَكَانِ
فَإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَرِيقٌ إلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَانِ
لَهُ عَلَّمْتُ نَفسِي القَولَ فِيهِمْ كَتَعلِيمِ الطِّرادِ بِلا سِنَانِ
الطراد: التجاول في الميادين على الخيل، والسنان: الحديدة التي تركب في أعلى القناة، وبها يكون الطعن.
فيقول مجيبا لما نسبه من الخطاب إلى حصانه: إذا رأيت أيها الحصان الممدوح أبا الشجاع، الذي أريده وأقصده، وأؤمله وأعتمده، وتقلبت في ذراه، وأحاطت بك عوارفه ونعماه، سلوت عن هذا المكان، وحدث لك زهد في جميع الأنام.
ثم أكد ما قدمه بأن قال: فأن الناس باجمعهم، والدنيا المشتملة عليهم، طريق إلى من فات الناس بفضله، وبذهم بجلالة قدره، فليس له فيهم نظير يشبهه، ولا ثان يدانيه ويقاربه.
ثم قال: له علمت نفسي ما قدمته من مدح الأمراء، وما نظمته من الشعر في
[ ٢ / ١٢٦ ]
الرؤساء، لألقاه من ذلك في غاية الدربة، وعلى أفضل ما يرغب في الشعر من النفاذ والقوة، وإنما كنت فيما تقدم لي من الشعر كمن يتعلم الطراد بقناة لا سنان لها، ومطاعنة لا يتأذى بها، فلما أرضاه موضعه من الإحسان، وتقدمه في ذلك الشان، بلغ بالطراد إلى غايته، وأستعمله من حقيقة الحرب في نهايته، وكذلك لما رضيت موضعي من الشعر، اعتمدت من فات أهل زمانه في جلالة القدر.
بِعَضدِ الدَّولَةِ امتَنَعَتْ وَعَزَّتْ وَلَيسَ لِغَيرِ ذِي عَضُدٍ يَدَانِ
ولا قَبضٌ على البِيضِ المَواضِي ولا حَظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللِّدانِ
دَعَتْهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء مِنهَا لِيومِ الحَربِ بِكرٍ أَو عَوَانِ
عضد الدولة: هو لقب فناخسرو، وخفف عضدا؛ لأن الضمة والكسرة تخففان في الثلاثي في مثل عضد وإبل، ذكر ذلك سيبويه، وربما قرءوا الكلمة على حسبها قبل التخفيف، وربما قلبوا الضمة والكسرة على ما قبلهما، فيقولون في عضد: عضد، وفي كتف: كتف. والبيض: السيوف، والسمر: الرماح، واللدان منها: كثيرة الاهتزاز، والحرب البكر: التي لم يكن قبلها حرب، والعوان: التي تكون بعد حرب، واستعار ذلك من صفات النساء، فالبكر منهن: التي لم تتزوج، والعوان: التي قد كان لها زوج.
فيقول: بالممدوح عضد الدولة امتنعت الدولة وعزت، وامتدت أطنابها وجلت، وفخمت على سائر الدول، وتواضع لها ملوك الملل، وما كان من الدول مما لم يكن فيه ممن يتغلب بها اللقب من رجال دعوتها، والمتصلين بجملتها، فليس لها يدان تبطش بقوتهما، وتبسط وتقبض بموضعهما؛ لأن اليدين إنما يتصرفان بالعضد، وهو لها أثبت سند. ثم أكد ذلك فقال: ومن لا عضد له فقد عدم حظه من أعمال البيض الصوارم، وتصريف السمر الذوابل. يشير إلى الترفيع بهذا اللقب، ويخبر أن له في السيادة أجل سبب.
[ ٢ / ١٢٧ ]
ثم قال زائدا في تأكيد ما قدمه: دعته الدولة بمفزع أعضائها عند الشدائد، وعمدتها في الأمور العظائم، فكأن هذا اللقب إنما اشتق الممدوح من معناه، وأخبر عما تقلده في الدولة وتولاه.
فَمَا يُسمِي كَفَنَّاخُسرُو مُسمٍ ولا يُكْنَى كَفَنَّاخُسرُو كَانِ
ولا تُحصَى فَضَائِلُهُ بِظَنٍّ ولا الإخبَارِ عَنهُ ولا العِيَانِ
أُرُوضُ النَّاسِ مِنْ تُربٍ وخَوفٍ وَأرضُ أَبي شُجَاعٍ مِنْ أَمَانِ
يسمي: بمعنى يسمي، وهو ذكر الرجل بالعلامة التي يعرف بها، يقال سميته وأسميته، والكنية: معروفة.
فيقول: ما يسمي مسم، ولا يكني كان كفناخسرو في نفاذ أمره، وجلالة قدره، وانفراده بالمكارم، وبحمله للعظائم.
ثم قال: ولا تطمح الظنون إلى أن تحصي فضائله، ولا تبلغ الأخبار إلى أن تستوفي محاسنه، ولا يستوعب العيان ذلك ولا يدركه، ولا يأتي عليه ولا يستكمله، إذ هو واحد زمانه في جلالة الشأن، ومقدم أهله في علو المكان.
ثم قال: فإذا كانت أروض الملوك في زمانه من ترب متماثل، وخوف شامل لا يتباين، فأرضه من أمان ودعة، وأهلها في خفض وسعة، قد ضبطها بقوة سياسته، وسكنها بتعاهده ورعايته.
تُذِمُّ على اللُّصوصِ لِكُلِّ تَجرٍ وَتَضمَنُ لَلصَوارِمِ كُلَّ جَانِ
إذا طَلَبَتْ وَدَائِعُهُمْ ثِقَات دُفِعنَ إلى المَحَانِي والرِّعانِ
فَبَاتَتْ فَوقَهُنَّ بِلا صِحَابٍ تَصِيحُ بِمَنْ يَمُرُّ أَمَا تَرَانِي؟!
تذم: تجير وتعاهد، واللصوص: القاطعون للسبل، ومن يجري مجراهم، والتجر: جماعة التجار، يقال: تاجر وتجر، كما يقال شارب وشرب، والمحاني: معاطف الأودية، والرعان: أنوف الجبال، الواحد رعن.
[ ٢ / ١٢٨ ]
فيقول: أن أبا شجاع الممدوح بحسن ضبطه، وقوة سلطانه، تذم أرضه على اللصوص للتجر، ويجيرهم من أذاهم في المهمه القفر، فيأمنون ضررهم بحسن رعايته، ويتصرفون دون مخافة في كنف حياطته، وتضمن الجناة لصوارم السيوف حتى تحكمها فيهم، وتعود بهم إليها حتى يبسطها عليهم ثم قال مؤكدا لما قدمه: فإذا طلب التجار لودائعهم ثقات يحفظونها، وذوي أمانات فيها يؤدونها، اكتفوا بمعاطف أودية بلاده، وأن بعدت، وبأنوف جبالها وأن إنفردت، لا يخاف التجار على أموالهم في أعماله عدوة ظالم،. . . ولا يحوزون مضرة لص خارب.
ثم قال مؤيدا لما ذكره: فتبينت تلك الأموال في القفار النازحة، وتهمل على أنوف الجبال الشامخة، والأيدي عنها منقبضة، ومضرات أهل الاستطالة دونها مرتفعة، حتى كأنها تهتف باللصوص مزرية عليهم، وتناديهم متقدمة بالوعيد إليهم.
رَقَاهُ كُلُّ أَبيَضَ مَشرَفِيٍّ لِكُلِّ أَصَمَّ صِلٍّ أُفعوانِ
وما يَرقِي لُهَاهُ مِنْ نَدَاهُ ولا المالَ الكرِيمَ مِنَ الهَوانِ
الأبيض المشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام تنسب إليها صوارم السيوف، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والصل منها: الشديد العادية، والأصم: الذي لا ينفع الرقي فيه، واللها: دفع العطاء، واحدتها لهوة.
فيقول: أن رقى الممدوح فناخسرو لكل قاطع سبيل، ضرره كضرر الصل الأفعوان، سيف صارم يهلكه به، وحتف عاجل يمكنه له.
ثم قال: وما يرقي الممدوح أبو شجاع أمواله من بذله، ولا يبقى على لهاه بتفريقه لها في تأكيد فضله، ولا يعصم كرائم أمواله من إصابته لها بالبذل، واستهلاكه إياها في سبيل الحمد والشكر.
حَمَى أطرَافَ فَارِسَ شِمَّرِيٌّ يَخُضُّ على التَّبَاقِي في التَّفانِي
بِضَربٍ هَاجَ أَطرَابَ المَنَايَا سِوى ضَربِ المَثَالِثِ والمَثَانِي
[ ٢ / ١٢٩ ]
الشمري: النافذ الماضي من الرجال، والمثالث والمثاني: أوتار معروفة في عيدان الغناء.
فيقول: حمى أطراف بلاد فارس من الممدوح فناخسرو، شجاع صارم، نافذ عازم على استدامة السلامة والبقاء، باستهلال الهلكة والفناء؛ يريد: أنه يعتقد أن الإكثار من القتل في سبيل الحق يعود راحة شاملة، وسلامة لمن يلتزم الاستقامة دائمة.
ثم أكد ما قدمه، فقال: بضرب تطرب المنايا بأصواته، وترتاح عند حلول أوقاته، هو غير ضرب المثالث والمثاني المستعمل لتسلية المكروب، واستجلاب الفرح إلى القلوب.
كَأَنَّ دَمَ الجَمَاجِمِ في العَنَاصِي كَسَا البُلدَانَ رِيشَ الحَيقُطانِ
فَلَو طُرِحَتْ قُلُوبُ العِشقِ فيها لَمَا خَافَتْ مِنَ الحَدَقِ الحِسَانِ
العناصي: خصل الشعر، الواحدة عنصوة، الحيقطان: ذكر الدراج.
فيقول: كأن ما رفعه الممدوح فناخسرو من رؤوس اللصوص والقاطعين للسبل في أقطار بلاد فارس، وما صار في عناصي تلك الرؤوس من دمائها، وما أفضى إليه ذلك من إخافة المفسدين، وتأمين المستورين، مهد البلاد وأمنها، ووطأها وسكنها، حتى كأنها مفروشة بريش الدراج من الطير، الذي هو أوطأ فراش وألينه، وأوثر مهاد وأفضله.
ثم أكد ذلك فقال: لو طرحت في تلك البلاد قلوب العشاق، وهي أضعف القلوب منة، وأكثرها وقارا وروعة، لما خافت من الحدق الحسان، مع نفاذ الحدق عليها فيما تقصده، وقوتها فيما تدعو إليه وتوجبه. فأشار إلى فناخسرو، بقوة سلطانه، وشدة ضبطه لأعماله، أمن من المخاوف ما لا يؤمن مثله، وفعل في ذلك ما لا يتمكن لأحد فعله.
وَلَمْ أرَ قَبلَهُ شِبلَيْ هِزَبرٍ كَشِبلَيهِ ولا فَرَسَي رِهَانِ
[ ٢ / ١٣٠ ]
أَشَدَّ تَنَازُعًَا أَصلٍ وَأشبَهَ مَنظَرًَا بِأبٍ هجانِ
وأكثَرَ في مَجَالِسهِ استِماعًَا فُلانٌ دَقَّ رُمحًا في فُلانِ
الهزبر: الأسد، والشبل: ولده، والرهان: المسابقة بالخيل، والهجان من الرجال: الكريم الفضل، والدق: الكسر.
فيقول: ولم أر قبل ورثة الممدوح فناخسرو شبلي أسد كشبلية، ولا متسابقين إلى مجد كولديه. يشير إلى أنه لما لقيه وأفضى إلى ما شاهده من عظم شأنه، وجلالة سلطانه، أبصر من ولديه من يحذو حذوه، ويمتثل فضله، ورآهما يتسابقان في المجد، ويجريان إلى إحراز غابات الحمد.
ثم قال، وهو يريده: أشد منهما تنازعا لأصل كريم يتلوان فضله، وأثبت شبها بأب جليل يمتثلان فعله، مقتفين لما خلده من المكارم، مستبقين إلى ما شيده من الفضائل.
وأكثر منهما استماعا في مجالسه، لما يتخابر به من أمور الحرب، وما ينسب إلى الأبطال من التقدم في الطعن والضرب، لا يصغيان إلا على مثل ذلك، مما يزيد في الإقدام والبأس، ويحمله تحفظه على قوة النفس.
وَأَوَّلُ دَايَةٍ دَأَيَا المَعَالِي فَقَدْ عَلِقَا بِهَا قَبلَ الأوَانِ
وَأَوَّلُ لَفظَةٍ فَهِمَا وَقَالا إغَاثَةُ صَارخٍ أَو فَكُّ عَانِ
وَكُنتَ الشَّمسَ تَبهَرُ كُلَّ عَينٍ فَكَيفَ وَقَدْ بَدَتْ مَعَهَا اثنَتَانِ؟!
الداية: الحاضنة التي تتولى تربية الولد دون أمه، والعاني: الأسير، وفكه: إطلاقه، وتبهر: بمعنى تغلب.
فيقول، وهو يريد ولدي الممدوح: وأول داية وليت تربيتهما، واتصلت بهما عند نشأتهما، معالي الأخلاق الذي غذتهما، وشراف الأفعال التي ألفتهما، فقد علقا ذلك قبل أوانه، وجريا على اكرم عادة في استحسانه.
[ ٢ / ١٣١ ]
ثم قال: وأول لفظة تفوها بذكرها، وأحاط علما بحقيقة أمرها؛ إغاثة صارخ يفزع إليهما، وفك أسير يقتصر بأمله عليهما، فلم يعرفا غير الفضل والإحسان، ولا عهدا غير التطول والإنعام.
ثم قال يخاطب الممدوح فناخسرو: وكنت الشمس منفردا بنفسك، متوحدا في جلالتك ومجدك، تبهر العيون ضياء وبهجة، وتغشيها كمالا ورفعة، فكيف الظن بك إذا قارنك شمسان نيرتان تقفوانك في الجلالة وتماثلانك، وتحكيانك في السياسة وتظاهرانك؟!.
فَعَاشَا عِيشَةَ القَمَرَينِ يُحيَا بِضَوئِهِمَا ولا يَتَحَاسَدانِ
ولا مَلَكَا سِوى مُلكِ الأَعادِي وَلاَ وَرثَا سِوَى مَنْ يَقتُلانِ
وكانَ ابنَا عَدوٍّ كاثَرَاهُ لَهُ يَاَءي حُروفِ أُنَيسَيَانِ
القمران: الشمس والقمر، تسميا بأخف الاسمين كما قيل العمران في أبي بكر وعمر رحمهما الله، وأنيسيان: تصغير إنسان على غير قياس، وياءاه ياء تصغير.
فيقول، وهو يريد ولدى فناخسرو: فعاشا عيشة القمرين في طول بقائهما، وبيان إعتلائهما، يحيا الأنام بنورهما، وتشرق الدنيا بضوئهما، ولا جعلهما الله يتحاسدان فيما منحهما من فضله، ووصل بهما ما أتاهما من جميل صنعه.
ثم قال: ولا جعلهما يستزيدان ملكا غير ملك من عاداهما وخالفهما، ولا أن يرثا مالا غير من أباداه من الأعداء بقتلهما، فلا يزالان ظاهرين على الممالك بإبادتهما لأربابهما، ومحثوثين على أموال أهل الخلاف بغلبتهما لأصحابها.
ثم قال: وجعل الله أبني من كاثراه من الأعداء، ومن نازعهما من أهل البغضاء، له كياءي حروف أنيسيان، يعودان عليه التصغير والذلة، ويجلبان إليه غاية الضعف والقلة.
دُعَاءٌ كالثَّنَاءِ بلا رياءٍ يُؤدِّيهِ الجَنَانُ إلى الجَنَانِ
[ ٢ / ١٣٢ ]
فَقَدْ أَصبَحْتُ مِنهُ في فِرندٍ وَأصبَحَ مِنكَ في عَضبٍ يَمَانِ
وَلَولا كَونُكمْ في النَّاسِ كَانُوا هُذاءً كالكَلامِ بلا مَعَانِي
الفرند: وشيء السيف، وهو الأثر، والعضب: السيف الصارم، واليماني: الذي طبعه أهل اليمن، والهذاء: ما لا يعقل من الكلام.
فيقول: ودعائي الذي قدمته، كالثناء في حسنه، وصحة ما يتأدى من لفظه، لا رياء فيه، ولا سبيل للتصنع عليه، يؤديه مني ضمير خالص، ويتلقاه أيها الممدوح منك ضمير (مخلص).
ثم قال يخاطبه: فقد أصبحت منه في فرند يخبر عن كرم جوهرك، وشاهد عدل يبين عن شرف عنصرك، وقد أصبح منك في سيف صقيل صارم، وفي عضب يمان نافذ، يبدو عليه كما يبدو الأثر على السيف، فيخبر عن كرمه وعتقه، ويتقدم به على سائر جنسه.
ثم قال: ولولا كونك وكون بينك ورهطك ملوكا في عصركم، وأمراء على أبناء دهركم، لكان الناس كالهذاء من الكلام، الذي لا يعقل لفظه، ولا يعود على السامع له نفعه.
[ ٢ / ١٣٣ ]
وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون أذربيجان).
إثلِثْ فَأنَّا أَيُّها الطَّلَلُ نُبكِي وَتُرزِمُ تَحتَنَا الإبِلُ
أو لا، فلا عَتبٌ عَلَى طَلَلٍ إنَّ الطُّلُولَ لِمِثلِها فُعلُ
ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة.
فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ودموعنا تسجم.
ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة.
لو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِرًَا بِي غَيرُ ما بِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ
أَبكَاكَ أنَّكَ بَعضُ مِنْ شَغَفُوا لَم أَبكِ أَنِّي بَعضُ مَنْ قَتَلوا
إنَّ الَّذينَ أَقَمتَ واحتملوا أَيَّامُهُمْ لِدِيارِهِمْ دُوَلُ
الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال.
فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له.
ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك،
[ ٢ / ١٣٤ ]
أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك.
الحُسْنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوا مَعَهُمْ وَيَنزِلُ حَيثُمَا نَزَلُوا
في مُقلَتَي رَشَأٍ تُدِيرُهُما بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بِهَا الحِلَلُ
تَشْكو المَطَاعِمُ طُولَ هِجرَتِها وَصُدُودِهَا وَمنِ الَّذي تَصِلُ؟
الحلة: البيوت المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء.
فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم.
ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل.
ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من الجلالة والرفعة؟!.
ما أَسَارَتْ في القَعبِ مِن لَبَنٍ تَرَكَتهُ وهو المِسكُ والعَسَلُ
قَالَتْ: أَلا تَصْحو؟ فقلت لَهَا: أَعلمتِنِي أَنَّ الهَوى ثَمَلُ
السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر.
فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه.
ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟!
[ ٢ / ١٣٥ ]
فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي إلى الملامة والعذل.
لَو أَنَّ فَنَّاخُسرُو صَبَّحَكُمْ وَبَرَزْتِ وَحدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ
وَتَفَرَّقَتْ عَنكُمْ كَتَائِبُهُ إنَّ المِلاَحَ خَوادِعٌ قُتُلُ
الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول.
فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب.
ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول.
مَا كُنْتِ فَاعِلَةً وَضَيفُكُمُ مَلِكُ المُلُوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ
أَتَمنَعِينَ قِرىً فَتَفتَضِحِي أَمْ تَبذُلِينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ؟
بَلْ لا يَحُلُّ حَلَّ بِهِ بُخلٌ ولا جَورٌ ولا وَجَلُ
ضيف القوم: الذي يأوي إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف للضيف، والوجل: الخوف.
فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل.
ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن المعهود من أمرك؟.
ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه،
[ ٢ / ١٣٦ ]
بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط الله به من الدعة والأمن.
إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ قَبلَهُ عَجَزُوا عَمَّا يَسُوسُ بِهِ فَقَدْ غَفَلُوا
حَتَّى أَتَى الدُّنيا ابن بَجْدَتِها فَشَكَا إلَيهِ السَّهلُ والجَبَلُ
شَكوى العَلِيلِ إلى الكَفِيلِ لَهُ ألاَّ تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ
أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن.
فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في أهمل ذلك وأغفله.
ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل.
ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر.
قَالَتْ فلا كَذَبَتْ شَجَاعَتُهُ أَقدِمْ فَنَفسُكَ مَا لَهَا أَجَلُ
فَهوَ النِّهايَةُ إن جَرَى مَثَلٌ أَوْ قِيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ؟
الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة.
فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر لا
[ ٢ / ١٣٧ ]
تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه.
ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له.
عُدَدُ الوُفُودِ العَامِدِينَ لَهُ دُونَ السِّلاحِ الشُّكْلُ والعُقُلُ
فَلِشُكْلِهِمْ في خَيلِهِ عَمَلٌ وَلِعَقلِهِمْ في بُختِهِ شُغُلُ
تُمسِي على أَيدِي مَوَاهِبِهِ هِيَ أَوْ بِقِيَّتُها أو البَدَلُ
العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض.
فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها من البخت.
ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته.
ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها.
يَشتَاقٌ مِنْ يَدِهِ إلى سَبَلٍ شَوقًَا إلَيهِ يَنبُتُ الأسَلُ
سَبَلٌ تَطُولُ المَكرُمَاتُ بِهِ والمَجْدُ لا الحَوذَانُ والنَّفَلُ
وَإلى حَصَى أَرضٍ أَقَامَ بِهَا بِالنَّاسِ مِنْ تَقبِيلِهِ يَلَلُ
إنْ لم تُخَالِطْهُ ضَواحِكُهُمْ فَلِمَنْ تُصَانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ
[ ٢ / ١٣٨ ]
السبل: المطر المنسكب، والأسل: قني الرماح، وكل نبات يتشعب دون ورق فهو أسل، والواحدة أسلة، والحوذان والنفل: ضربان من النبات، والضواحك من أضراس الأسنان: ما ولي الأنياب وأتصل بالطواحن، والليل: قصر في الأسنان، وإذا وصف بذلك الرجل قيل رجل أيل.
فيقول: يشتاق إلى سبل يده التي تنسكب بالنعم، وتفيض بالآلاء والمنن، وينبت الأسل رغبة فيما يتصل بذلك السبل من الحكم، وما يتصرف به في الحرب والسلم.
ثم قال: سبل يطول به الكرم والمجد، ويكثر عليه الشكر والحمد، وليس ينبت به الحوذان والنفل، ولا ترتعيه الشاء والإبل.
ثم قال: ويكثر الشوق إلى حصى الأرض التي أقام الممدوح فيها، وآثرها وأستوطنها وتخيرها، فبالناس من تقبيل حصاها يلل يبدو ويظهر، ونقصان يتبين في ضواحكهم ولا يستتر.
ثم قال: وإذا لم تباشر الأفواه وضواحكها الحصى إعظاما للممدوح، وإجلالا لقدره، وقضاء بالخضوع لحقه، فلمن يذخر ذلك بعده، وعند من يرتقب الجزاء فيه من الناس إلا عنده؟!.
في وَجهِهِ مِنْ نُورٍ خَالِقِهِ قُدَرٌ هِيَ الآياتُ والرُّسُلُ
فإذا الخَمِيسُ أَبَى السُّجودَ لَهُ سَجَدَتْ لَهُ فِيهِ القَنَا الذُّبُلُ
وإذا القُلُوبُ أَبَتْ حُكومَتَهُ رَضِيَتْ بِحُكمِ سُيُوفِهِ القُلَلُ
القدر: جمع قدرة، والخميس: الجيش الكثير، والقنا: الرماح، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة.
فيقول: أن الله ﷿ أبقى على وجه الممدوح فناخسرو، من الإشراق والبهجة، والإجلال والمحبة، ما فيه دليل بين على القدرة، وتصديق لما أخبرت به الرسل
[ ٢ / ١٣٩ ]
عن الله ﵎ من بالغ الحكمة.
ثم قال: فإذا الخميس توقف أهله عن أن يسجدوا له سجود الإذعان، ويعترفوا بطاعته اعتراف الإقرار، حكمت له القنا الذبل بما يرغبه، وانقادت لأوامره فيما يقصده، فكان ذلك منها كالسجود الذي يؤذن من يستعمله بالإنقياد، ويخبر عنه بالعدول عن مكروه العناد.
ثم قال: وإذا القلوب أبت من الإذعان لحكمه، وانطوت على (العصيان) لما يبغيه من أمره، حكمت السيوف بذلك (الضرب) على قللهم، وقومت ما يظهرون بالعصيان من ميلهم.
أَرَضِيتَ وَهسُوذَانُ ما حَكَمَتْ أَم تَستَزِيدُ؟ لأُمِّكَ الهَبَلُ!!
وَرَدَتْ بلادَكَ غَيرَ مُغمَدَةٍ وَكَأَنَّهَا بَينَ القَنَا شُعَلُ
والقَومُ في أَعيَانِهِمْ خَزَرٌ وَالخَيلُ في أَعيَانِها قَبَلُ
الهبل: الثكل، تقول العرب: لأم فلان الهبل، أي الثكل، والخزر: أن تميل حدقة العين إلى اللحاظ، وهو آخر العين، والقبل: أن تميل إلى الموق، وهو مقدم العين المتصل بالأنف.
فيقول مخاطبا لوهسوذان، بعد أن هزمه جيش ركن الدولة، وهو حسن بن بويه والد فناخسرو: أرضيت ما صنعته بك سيوف فناخسرو، لأن عسكر أبيه عسكره، أم تستزيد لأصحابك من القتل، ولنفسك من الخزي والذل؟ الهبل لأمك، والهوان والصغار لمثلك!.
ثم قال مشيرا إلى السيوف المذكورة: وردت بلادك مصلته غير مغمدة، ومعملة غير ممسكة، فكأنها بين الرماح شعل نار مضطرمة، وسرج تضيء متقدة.
ثم قال: وردت تلك السيوف بلادك، والرجال الممسكون لها غضاب، في عيونهم خزر، والتخازر من نظر المغضب من الرجال، والخيل في عيونها قبل، والقبل
[ ٢ / ١٤٠ ]
تشاوس، وهو من نظر المغضب من الخيل.
فَأَتَوْكَ لَيسَ لِمَنْ أَتَوا قِبَلٌ بِهِمُ وَلَيسَ بِمَنْ نَأَوْا خَلَلُ
لَمْ يَدْرِ مَنْ بالرَّيِّ أَنَّهُمُ فَضَلُوا ولا يَدرِي إذا قَفَلوا
وَأَتَيتَ مُعتَرِفًَا ولا أَسَدٌ وَمَضَيتَ مُنهَزِمًا ولا وَعَلُ
القبل: الطاقة، والخلل: الوهن في الأمر، والري: مدينة معروفة فيما بين أرض فارس وأرض خراسان، وهي كانت قاعدة ركن الدولة، والفصول: الخروج عن قاعدة الاستقرار إلى العدو، والقفول: الرجوع عن الغزو، والوعل: التيس البري. وحذف العائد على (من)، في قوله: (ليس لمن أتوا)، وهو يريد: أتوه، والعائد على (من) الثانية في قوله: (وليس بمن نأوا) يريد: نأوا عنه، وأسند إلى دلالة ما ذكره على ما حذف.
فيقول مشيرا إلى رجال عسكر ركن الدولة: فأتوك ليس لمن أتوه قبل بهم، وهو يريد وهسوذان وجيشه، وليس بمن نأوا عنه خلل يمنعهم، وهو يعني ركن الدولة وجمعه، وأشار إلى ركن الدولة من كثرة العدد، وسعة العمل، بحيث لا يحفل بمثل الجيش الذي فصل إلى وهسوذان عنه، ولا يلتفت إلى اقترابه منه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى ركن الدولة: لم يدر من بالري، أن الجيش الذي هزم وهسوذان فصل عنه؛ لقلتهم في جمعه، ولا درى أنهم قفلوا إليه؛ لتواضع مقدارهم في نفسه.
ثم قال، وهو يخاطب وهسوذان: وأتيت معتزما، ولا أسد في الإقدام يشبهك، ومضيت منهزما، ولا وعل في الفرار يلحقك.
تُعطِي سِلاحَهُمُ وَرَاحَهُمُ مَا لَمْ تَكُنْ لِتَنَالَهُ المُقَلُ
أَسخَى المُلوكِ بِنَقلِ مَملَكَةٍ مَنْ كَادَ عَنهُ الرَّأسُ يَنتَقِلُ
الراح: الأيدي، وهو جمع راحة.
[ ٢ / ١٤١ ]
فيقول مخاطبا لوهسوذان، وواصفا لهربه عن جيش ركن الدولة: تعطي سلاحهم وأيديهم من التحكم في جيشك، وبلوغ المراد من تريق جمعك، ما لم تكن العيون تطمح إلى رؤية مثله، ولا النفوس تطمع بإدراك نيله.
ثم قال: أسخى النفوس بنقل الممالك، وأشجعها على اقتحام المتالف، من جهل في ذلك ما يتقلده، ولم يعرف الحقيقة فيما يقصده، فأشرف على مثل ما أشرف عليه وهسوذان، من توقعه بمفارقة رأسه لجسده، واعتصامه بالفرار عن مملكته وبلده.
لَوْلاَ الجَهَالَةُ ما دَلَفْتَ إلى قَومٍ غَرِقْتَ وإنَّما تَفَلُوا
لا أَقبَلُوا سِرًَا ولا ظِفَروا غَدرًا ولا نَصَرَتهُمُ الغِيَلُ
الدلوف: الزحف، والتفل: البصق، والغيل: جمع غيلة، وهو القتل على الغفلة.
فيقول: لوهسوذان: لولا جهلك بأمرك، وغلطك على نفسك، لما أقدمت على مزاحفة يوم بصقوا عليك فغرقوك، وأشاروا نحوك فأهلكوك. يشير إلى ركن الدولة وفناخسرو ورهطهما.
ثم قال يريدهم: لا يقصدون إلى الأعداء سرا ومخاتلة، ولا يظفرون بهم غدرا ومخادعة، ولا تعصر عليهم الغيل، ولا تستنقذ الأعداء منهم الحيل.
لاَ تَلْقَ أَفرَسَ مِنْكَ تَعرِفُهُ إلاَّ إذا ما ضَاقَتِ الحِيَلُ
لا يَستَحِي أَحَدٌ يُقالُ لَهُ فَضَلُوكَ آلُ بُوْيْهٍ أَوْ نَضَلُوا
قَدَروا عَفَوا، وَعَدوا وَفَوا، سُئِلُوا أَغنَوا، عَلَوا أعلَوا، وَلُوا عَدَلُوا
التناضل: المسابقة في الرمي، ويقال: نضل الرجل، إذا ظهر عليه لكثرة الإصابة.
فيقول مشيرا إلى وهسوذان: لا تلق أفرس منك على ظهور الخيل، وأنفذ منك في شدائد الحرب، إلا إذا ضاقت الحيل بك، وانقطعت طرق النجاة دونك، يعرض بوهسوذان في أنه تعرض لحرب ركن الدولة وأبنه فناخسرو، وهو عاجز عنهما، وترك الخضوع لهما، وهو غير بعيد من جميل عائدتهما، ولو إعترف لهما لقبلاه،
[ ٢ / ١٤٢ ]
ولو استقام على طاعتهما لما قاتلاه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما يستحي أحد من أن يقال له فضلك آل بويه ونضلوك، واستولوا عليك وغلبوك، فيعترف بالتقصير عنهم، ويجعل الإذعان وسيلته في أن يأخذ بخطه منهم.
ثم قال، يريد بني بويه: قدروا لعظم المملكة، فعفوا، وحمدت قدرتهم، ووعدوا من انقاد لهم بسعة الإفضال، فوفوا وأنجزوا عدتهم، وسئلوا التشريف بسلطانهم، والمشاركة في أموالهم، فأغنوا وشرفوا سائلهم، وعلت أحوالهم في الملك وجلالة الأمر، فأعلوا أقدار المتصلين بهم، ورفعوا منازل المؤملين لهم، واتصلت لهم ولاية أمور الناس، فشملوهم بالإحسان والمعدلة، ودبروا أمورهم، فعمهم ذلك التدبير بالمصلحة، فمن خالفهم فهو ظالم لهم، ومن ناصبهم فهو شديد الاغترار بهم. وهذا التأويل وأن لم تكن جملته في لفظ الشعر، فهو مفهوم منه، وغير خارج عند التأمل عنه.
فَوقَ السَّمَاءِ وَفَوقَ ما طَلَبُوا فَإذا أَرَادُوا غَايَةً نَزَلُوا
قَطَعَتْ مَكَارِمُهُمْ صَوَارِمَهُمْ فَإذا تَعَذَّرَ كاذِبٌ قَبِلُوا
لا يَشهَرُونَ عَلَى مُخَالِفِهِمْ سَيفًَا يَقُومُ مَقَامَهُ العَذَلُ
فيقول، وهو يريد بني بويه على توسع الكلام: فوق السماء منازلهم في العلو والرفعة، وأحوالهم فوق ما طلبوه لأنفسهم من جلالة الرتبة، فإذا أرادوا غاية بعدما بلغوه، لم يجدوا ذلك إلا بالتواضع عما أدركوه والتطأطؤ دون ما أحرزوه وشيدوه.
ثم قال: حكمت مكارمهم على سيوفهم؛ لشمول عفوهم، وعموم فضلهم، فإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره، وإذا استجاز بتجاوزهم مخالف سهلوا بسعة حلومهم أمره.
ثم قال: لا يشهرون على من عارضهم سيفا في حرب، ولا يقصدون له بمساء وضر، مادام العذل يؤثر فيه، وحسن التبصير يحكم عليه، ولا يبعد عنه عفوهم إذا
[ ٢ / ١٤٣ ]
استدعى فضلهم وعطفهم.
فَأبُو عَلِيَّ مَنْ بِهِ قَهروا وَأَبُو شُجَاعٍ مَنْ بِهِ كَمُلُوا
حَلَفَتْ لِذا بَرَكاتُ غُرَّةِ ذَا في المَهْدِ: ألاَّ فَاتَهُمْ أَمَلُ
أبو علي: حسن بن بويه، ركن الدولة، والد فناخسرو، وأبو شجاع: فناخسرو عضد الدولة أبنه.
فيقول، وهو يريد بني بويه: فأبو علي الذي قهروا أعداءهم بقوته، وأذلوا من خالفهم برفعته، واستظهروا على مطالبهم بجلالة منزلته، وأبو شجاع أبنه الذي كملت به مملكتهم، واستبانت على من خالفهم قوتهم، وانقاد لهم ما رغبوه، وأدركوا ما أملوه.
ثم قال، وهو يشير إلى أبي علي ركن الدولة: (حلفت لذا بركات غرة ذا)، وهو يشير إلى فناخسرو، وهو مستقر في مهده، وفي النهاية من صغر سنه، بما ظهر عليه من شواهد البركة والنجابة، ومخايل الإقبال والسعادة: لا يفوت الوالد منهما وولده، ومن كان منهما بقرابة، وجمعه وإياهما اتصال ولادة، أمل يحاولون البلوغ إليه، وألا يمتنع دونهم مراد يعولون بقصدهم عليه.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقال أيضا يمدحه ويذكر وهسوذان:
أَزَائِرٌ يا خَيَالُ أَمْ عَائِد؟ أم عِندَ مَولاكَ أَنَّنِي رَاقِدْ؟
لَيسَ كما ظَنَّ غَشْيَةٌ عَرَضَتْ فَجِئتَنِي في خِلاِلهَا قَاصِدْ
الخيال: ما يطرق في النوم، فيمثل الشيء على المعهود منه، والعائد: المتفقد لأحوال العليل، والمولى: الولي على جميع وجوه الولاية، وخلال الشيء: أثناؤه وما اشتمل عليه.
فيقول: أزائر أنت أيها الخيال الطارق على الانتزاح والبعد، أم عائد لما يتيقن أني أقاسيه من الصبابة والوجد، أم عند مولاك الذي تدينه وتمثله، وتقربه وتظهره، أني رقدت فتعاهدني بزوره، وأكد ما بنفسي من ذكره؟.
ثم قال مخاطبا للخيال، ومشيرا إلى محبوبه الذي مثله له: ليس الأمر كما قدره مهديك؛ من أن تهويمي تهويم رقاد ودعة، وسكون وراحة، وإنما ذلك لغشية من الألم مذهلة، وغمرة من غمرات السقم مؤلمة، أتيتني في خلالها متفضلا بالقصد، ومبشرا عمن أحبه بإقامته على العهد.
عُدْ وَأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ أَلصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهِ النَّاهِدْ
وَجُدْتَ فِيه بِمَا يَشُحُّ بِهِ مِنَ الشَّتِيتِ المُؤشَّرِ البارِدْ
الثدي الناهد: الذي قد كعب، والشتيت: الثغر الذي ينفصل فيه ما بين الثنيتين والرباعيتين، والأشر: تحزيز يكون في أطراف الأضراس أول ما تنبت، ويصحب ذلك في مدة الشباب.
فيقول، وهو يخاطب الخيال: عد أيها الطيف وأعد تلك الغشية، وصل وأن جددت علي تلك الشدة، فحبذا تلف مثل لي عناق ذلك الثدي الناهد، وأدناني من ذلك الجسد الناعم.
ثم قال، على نحو ما قدمه: وحبذا تلف تجود لي فيه بما يشح به من أنت خياله الزائر، ومثاله المقترب الواصل، من تقبيل الثغر الشتيت المؤشر، البديع المنظر
[ ٢ / ١٤٥ ]
والمخبر.
إذا خَيَالاتُهُ أَطَفْنَ بِنَا أضْحَكَهُ أَنَّنِي لَهَا حَامِدْ
وَقَال إنْ كَانَ قَدْ قَضَى أَرَبًا مِنَّا فَمَا بَالُ شَوقِهِ زَائِدْ؟
لا أجحَدُ الفَضلَ رُبَّما فَعَلتْ ما لَم يَكُنْ فاعِلًا ولا واعِدْ
يقول: إذا طافت خيالات من نحبه زائرة، وأنستنا بأنفسها متدانية، فأحمدنا ما ننعم به من قربها، وما نسر به من تداني محلها، أضحكه ذلك وأعجبه، وألهاه كلفنا به وأستغربه.
ثم قال مخبرا عن محبوبه: وقال أن كان قضى أربا منا بالخيال الذي وصله، والطيف الذي تمثل له، فما له يجرع ولا يصبر، وكمده يزيد ولا يفتر؟!.
ثم قال: لا أدفع فضل خيالاته الطارقة، ولا أنكر الأنس بها، وأن لم تكن بالصادقة، فربما فعلت ما لا يسمح بفعله، وقربت ما لا يسعد على العدة بمثله.
ما تَعرِفُ العَينُ فَرْقَ بَينَهُمَا كُلٌّ خَيَالٌ وِصَالُهُ نافِدْ
يا طَفْلَةَ الكَفِّ عَبلَةَ السَّاعِدْ عَلى البَعِيرْ المُقَلَّدِ الواخِدْ
زِيْدي أَذّى مُهجَتِي أَزِدكِ هَوىً فَأجهَلُ النَّاسِ عَاشِقٌ حَاقِدْ
الطفلة الكف: الناعمة أصابع اليد، والعبلة: الغضة البضة، والساعد: ما بين المرفق والكف من الذراع، والوخد: ضرب سريع من مشي الإبل، والحاقد: الذي ينطوي على الضغينة.
فيقول: ما تعرف العين فوق ما بين الخيال ومرسله، والطيف الطارق وممثله، فكلاهما وصاله اختلاس يتوهم ولا يصدق، ويتذكر ولا يتحقق.
ثم قال مخاطبا لمحبوبته الذي يعتاده طيفها: يا طفلة الكف، البارعة الحسن، العبلة الساعد، الباعثة لي على الحزن، التي يخد بها البعير المزين بالقلائد لكرامته، المقدم في الإبل لنجابته.
[ ٢ / ١٤٦ ]
ثم أكد ما قدمه، فقال يخاطب المذكورة: زيدي مهجتي من الأذى والوجع ببعدك، فأنني متزيد من الكلف بحبك، فأجهل الناس من يحقد على من يعشقه، وينكر ما يناله في ذلك من الألم، ويطرقه من السقم.
حَكَيْتَ يا لَيلُ فَرْعَها الوارِدْ فاحْكِ نَوَاهَا لِجَفنِيَ السَّاهِدْ
طَالَ بُكَائِي على تَذَكُّرِهَا وَطُلْتَ حَتَّى كِلاكُما وَاحِدْ
الفرع: الشعر، وفرع كل شيء: أعلاه، والوارد: السابغ الكثير، والساهد: الذي لا يرقد.
فيقول مخاطبا لليل: حكيت أيها الليل فرع التي أشبب بها في سواده وحلكته، وسيوغه وكثرته، فاحك نواها بانصرام مدتك وقلة إقامتك، لجفني الذي سهدته، وطرفي الذي أتبعته وأرقته.
ثم قال: طال بكائي على تذكر التي أحببتها، وطلت أيها الليل بسهري من أجلها، فكلاكما واحد فيما يبعث لي من الأسف، وما يضاعف علي من ألم الشغف.
ما بَالُ هذِي النُّجومِ حَائِرَةً كَأَنَّها العُميُ ما لَهَا قائِد؟!
أو عُصْبَةٌ مِنْ مُلُوكِ ناحِيَةٍ أَبو شُجَاعٍ عَلَيهِمُ واجِدْ
إنْ هَرَبُوا أُدرِكُوا، وإنْ وَقَفُوا خَشُوا ذِهابَ الطَّريفِ والتَّالِدْ
هذي: لغة في هذه، والعصبة: العشرة من القوم فما فوقهم إلى الأربعين، والحائر: المتردد في مكانه، والواجد هنا: المتغيظ. والطريف: المال الحديث، والتالد: المال القديم.
فيقول، وهو يشير إلى نجوم ليلته: ما بال هذه النجوم حائرة لا تنتقل، وثابتة لا تتزول، كأنها عمي لا قائد لها، ولا مرشد يسلك الطريق بهم.
ثم قال مؤكدا في تشبيه ما قدمه: أو كأن النجوم المذكورة عصبة من ملوك جهة من الجهات، قد أتهم أبو شجاع طاعتهم، وقابل بالتسخط جماعتهم فتيقنوا موجدته،
[ ٢ / ١٤٧ ]
ولم يأمنوا عقوبته.
ثم قال مشيرا إلى الملوك الذين قدم ذكرهم، فهم أن هربوا أدركهم بسلطانه وقوته، وأن وقفوا خشوا ذهاب طارفهم وتالدهم بعقوبته.
فَهُمْ يُرجُّونَ عَفْوَ مُقتَدِرٍ مُبَارَكِ الوَجهِ جائِدٍ ماجِدْ
أَبلَجَ لَوْ عَاذَتِ الحَمَامُ بِهِ ما خَشِيتْ رامِيًَا ولا صَائِدْ
أَوْ رَعَتِ الوَحشُ وَهِيَ تَذكُرُهُ ما رَاعَهَا حابِلٌ ولا طَارِدْ
الماجد: الشريف الكريم، والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وذلك من صفات السادة، والحمام: ذوات الأطواق من الطير، وما جرى مجراها كالقماري والقطا والفواخت ونحو ذلك، والوحش: ما لا يستأنس من دواب البر، الذي يصيد الوحش بالحبالة، والطارد: الذي يصيدها بالمطاردة، والعائذ: المستجير.
فيقول، وهو يريد الملوك المشفقين من موجدة الممدوح: فهم يرجون عفو مقتدر لا يدافع إلا بالخضوع له، ولا يعارض إلا بإنزال الثقة به، ميمون مبارك العزة، كريم جواد الرحاة، ماجد مشهور الرفعة.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: أبلج لو عاذت الحمام بأمنه، واعتصمت بكنفه وظله، مع تولع الناس بصيدها، وتقوت جوارح الطير بها لضعفها، ما خشيت راميا يقصدها، ولا صائدا يخيفها ويعتمدها.
ثم قال على نحو ما قدمه: أو رعت الوحش معتصمة بذكره، منتسبة إلى رعايته وملكه، لما راعها حابل يصرعها مخادعة، ولا طارد يحتازها مغالبة.
تُهْدِي لَهُ كُلُّ سَاعَةٍ خَبَرًا عَنْ جَحفَلٍ تَحتَ سَيفِهِ بائِدْ
وَمُوضِعًَا في فِتَانِ ناجِيَةٍ يَحمِلُ في التَّاجِ هَامَةَ العَاقِدْ
تهدي: تبعث، والجحفل: الجيش العظيم، والبائد: التالف، والموضع: والمجتهد في السير، والفتان: غشاء أحمر يتخذ للرحل، والناجية: الناقة السريعة، والعاقد:
[ ٢ / ١٤٨ ]
المذكور الذي يعقد التاج على رأسه.
فيقول، وهو يريد الممدوح: تهدي له كل ساعة من ساعات أيامه فتحا يغبطه، وخبرا عن أوليائه يبهجه؛ يتضمن هلاك جيش من أعدائه، وظفرا يجدد الله لأوليائه.
ثم قال: وتهدي له ساعة رسولا يوضع ملتزما لفتان ناقة ناجية، مستعجلا من ناحية نائية، يتحمل رأس ملك قد عقد التاج على هامته، فأجتلب رأسه في التاج على راحلته.
نِلْتَ وَمَا نِلتَ مِنْ مَضَرَّةٍ وَهْسُوذَانَ ما نَالَ رَأَيُهُ الفَاسِدْ
يَبدأُ مِنْ كَيدِهِ بِغَايَتِهِ وَإنَّما الحَربُ غَايَةُ الكَائِدْ
فيقول مخاطبا لفناخسرو: نلت ما قصدت من الظفر بوهسوذان، وما بلغت منه باستلابك لملكه، وإيقاعك به وبجمعه، أكثر مما بلغه من نفسه، بسوء التدبير، وضعف نظره في عواقب الأمور، وما أصاره إليه فساد رأيه، ومذموم اختياره.
ثم بين ذلك فقال: يجعل غاية كيده أول أمره، وفاتحه ما قصده من العصيان أبعد جهده، فيبدر إلى الحرب وهو يضعف عن القيام بها، ويسارع إليها وهو عاجز عن الصبر لها.
ماذَا عَلَى مَنْ أَتَى مُحارِبَكُمْ فَذَمَّ ما اختَارَ لَوْ أَتَى وافِدْ
بِلا سِلاحٍ سِوَى رَجائِكُمْ فَفَازَ بالنَّصرِ وانثَنَى راشِدْ
يُقارِعُ الدَّهرُ مَنْ يُقارعُكُمْ عَلَى مَكَانِ المَسُودِ والسَّائِدْ
الوافد: الزائر، والمنثني: الراجع، والمسود: التابع، والسائد: المتبوع.
فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومشيرا إلى وهسوذان: ماذا على من تعرض لحربكم، وأقدم على المخالفة لأمركم، فذم ما تخير لنفسه، وتعرف أخبث العواقب في رأيه، لو أتاكم وافدا يستمطر فضلكم، وراغبا متصرفا على قصدكم.
[ ٢ / ١٤٩ ]
ثم أكد ما قدمه، فقال: دون سلاح يتحملها سوى قوة الرجاء لكم، ولا عدة يتكلفها غير إنزال الثقة بكم، فيرجع ظافرا بما يطلبه، وينثني راشدا منصورا فيما يرغبه.
ثم قال: يقارع الدهر من يتعرض لحربكم، ويصرع كل من لا يتصل بحزبكم، ويأبى الله إلا أن يجعل السيد منكم، والمسود المغلوب من ينحرف عنكم.
وَلَيْتَ يَومَيْ فَنَاءِ عَسكَرِهِ وَلَمْ تَكُنْ دَانِيًَا ولا شَاهِدْ
وَلَمْ يَغِبْ غَائِبٌ خَلِيفَتُهُ جَيشُ أَبِيهِ وَجَدُّهُ الصَّاعِدْ
وَكُلُّ خَطِيَّةٍ مُثقَّفَةٍ يَهُزُّها مارِدٌ عَلَى مَارِدْ
سَوَافِكٌ ما يَدَعْنَ فَاصِلَةً بَينَ طَرِيِّ الدِّماءِ والجَاسِدْ
الجد: البخت، والصاعد: المتزايد، والخطية: قناة الرمح، تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف، والمثقفة: المقومة، والمارد: الشديد الجرأة، والجاسد: الدم اليابس.
فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومخبرا عن وهسوذان: وليت يومي فناء عسكره اللذين فلت فيهما جيوشك حده، وفر بنفسه وحده، وكنت بعيدا عنه، ولم تكن في تلك المزاحفة دانيا منه، بل عصفت به رياح تدبيرك على البعد، وأذلته لأوليائك طوالع السعد.
ثم قال مبينا لما قدمه: ولم يغب عن مزاحفة عدوه من يخلفه في ذلك؛ جيش أبيه وجنده، وإقبال دولته وجده.
ثم قال: ويخلفه كل رمح خطي مثقف بيد كل مارد في الحرب، متصرف يحمله من الخيل ما يماثله في النفاذ والشدة، ويشاكله في الإقدام والجرأة.
ثم أكد ذلك فقال: سوافك للدماء، معتادة الإيقاع بالأعداء، تتبع طري الدماء بالجاسد، وسائلها بالراكد الجامد.
يا عَضُدًَا رَبُّهُ بِهِ العَاضِدْ وَسَارِيًَا يَبعَثُ القَطَا الهَاجِدْ
[ ٢ / ١٥٠ ]
وَمُمطِر المَوتِ والحَيَاةِ مَعًَا وَأَنتَ لا بَارِقٌ ولا رَاعِدْ
إذا المَنَايا فَدَعوَتُها أُبدِلَ نُونًَا بِدالِهِ الحائِدْ
العضد: كناية عن القوة، وكان لقب فناخسرو عضد الدولة، والعاضد: المعين، والساري: الذي يسير بالليل، والهاجد: الساكن النائم، والسحاب البارق الراعد: الذي يكثر فيه البرق والرعد، والحائد: المنحرف، وإنما يريد الحائد عن الطاعة.
فيقول مخاطبا لفناخسرو: يا عضد الدولة، ربها قد عضدها به، وأحرز الفخر في ذلك له، ويا ساريا على أعدائه في الفلوات النائية، والمهامه النازحة، التي تنام القطا فيها لبعدها، وتنقطع عن الأنيس بمبلغ جهدها، وجيوشك تطرقها في تلك المواضع لحفلها، وتبعثها من أقاصيها بكثرة أهلها.
ثم قال، على نحو ما قدمه من مخاطبة الممدوح: ويا من يمطر الموت على أعدائه، ويمطر الفضل وأسباب الحياة على مؤمليه، وهو في الحالين لا يبرق ولا يرعد، ولا يتهدد، بل يسبق القول بفعله، وتصحبه السعادة والتأييد في جملة أمره.
ثم قال، وهو يريد الممدوح: إذا المنايا بدت ناصرة له على من خالفه، ومسعدة بما يقصده في من حاربه وناصبه، فدعوتها أن يبدل الحائد عن طاعته، والمنحرف عن جماعته بنون من دال أسمه، حتى يصير حائنا بهلاكه، وفناء عمره، كما كان حائدا عن الاحتمال على أمره.
إذا دَرَى الحِصنُ مَنْ رَمَاهُ بِهَا خَرَّ لَهَا في أسَاسِهِ سَاجِدْ
ما كانتِ الطِّرْمُ في عَجَاجَتِها إلاَّ بَعِيرًا أَضَلَّهُ نَاشِدْ
تَسألُ أهلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ قَدْ مِسَخَتهُ نعامَةً شَارِدْ
الطرم: حصن معروف من حصون طبرستان، والناشد: الذي يهتف على الضالة.
فيقول، وهو يشير إلى جيوش فناخسرو، والمنايا التي يبعث فيها على الأعداء: إذا درى الحصن الذي تقصده تلك الجيوش، وتيقن الباعث لها، والمصرف لأمورها،
[ ٢ / ١٥١ ]
خر له ساجدا في أساسه قبل الحرب، وتداعى بالانهدام قبل تجشم الطعن والضرب، فكيف بنية الممدوح فيه مؤونة المنازلة، وبدر أهله إلى الخضوع بطاعته قبل تكلف المقاتلة؟!.
ثم قال: ما كانت الطرم؛ وهو حصن وهسوذان المتقدم الذكر، لما أحاطت به عجاجة تلك الجيوش، ودارت عليه كتائب تلك الجموع، إلا كبعير ظفر به (ناشده)، فتملكه دون مدافعة، ووصل إليه فأستحقه من غير منازغة. يشير إلى عجز وهسوذان عن منعه، ومبادرته إلى الفرار عنه بنفسه.
ثم قال مؤكدا، وهو يريد الطرم المذكور، ويشير إلى سرعة افتتاح جيوش والد فناخسرو لها، وعجز وهسوذان عن ضبطها: تسأل أهل القلاع التي تماثلها، والمعاقل التي تشابهها وتشاكلها عن وهسوذان ملكها، وقد مسخته بمفارقته لها، وانحطاطه عن الإمارة التي كان ينتحلها به، نعامة شاردا في المهامه القفرة، ومستأنسا فيها بالانفراد والوحشة.
تَستَوحِشُ الأَرضُ أَنْ تُقِرَّ بِهِ فَكُلُّهَا إنَّهُ بِهِ جَاحِدُ
فلا مُشَادٌ ولا مَشِيدٌ حِمىً ولا مَشيدٌ أَغنَى ولا شَائِدْ
أشدت البنيان وشيدته: إذا طولته وأعليته، والبنيان مشاد ومشيد، وشدته: إذا علوته بالشيد، وهو الجص والبلاط، والنبيان مشيد.
فيقول، وهو يريد وهسوذان: تستوحش الأرض من الإقرار به؛ لما عليه من الطلب، وتجحده بما يظهر فيها من الفرار والهرب، فكلها يدفعه ولا يتقبله، ويخيفه ولا يؤمنه.
ثم قال: فلم يحمه من الحصون ما ارتفع وطول، ولا عصمه من البنيان ما احكم وأتقن، ولا عاد إلا بالفرار على وجهه، وأن يطلب النجاة بذلك لنفسه.
فَاغتَظْ بِقَومٍ وَهْسُوذَ ما خُلِقُوا إلاَّ لِغَيظِ العَدُوِّ والحِاسِدْ
[ ٢ / ١٥٢ ]
رَأوْكَ لَمَّا أَتَوكَ نابِتَةً يَأكُلُها قَبْلَ أَهلِهِ الرَّائِدْ
وَخَلِّ زِيًّا يُحَقِّقُهُ ما كُلُّ دَامٍ جَبِنُهُ عَابِدْ
وهسوذ: ترخيم وهسوذان في غير النداء، وذلك جائز في الشعر، والرائد: هو الذي يطلب المرعى لمن وراءه.
فيقول: فأغتظ يا وهسوذان من فناخسرو وأبيه وجماعتهما، بقوم ما خلقوا إلا ليغيظوا أعداءهم بقوة سلطانهم، ويشجوا حسادهم بترادف تفضلهم وإحسانهم.
ثم قال مشيرا إلى فناخسروا وأبيه وجيوشهما، ومن ورد على وهسوذان من قوادهما: رأوك احتقارا لك، وقدروك في قلة الاحتفال بك، بمنزلة المرعى الذي يستمحيه الرائد قبل أن يرد عليه من أرسله، ويستأهله قبل أن يلحق به الحي الذي وجهه؛ لأنك أهلكك طرف من جيشهما، واستولى عليك من لم يخش به من جمعهما.
ثم قال: وخل الملك والتزيي به، والترؤس والتعرض له، لمن يحقق ذلك بفخامته، ويوفيه شروط بمنصبه وجلالته، فليس كل من دمي جبينه ينسب إلى العبادة، ولا كل من انتحل الإمرة يقوم بشروط الرئاسة.
إن كَانَ لا يَعْمَدِ الأَمِيرُ لِمَا لَقِيتَ مِنْهُ فَيُمنُهُ عَامِدْ
يُقلِقُهُ الصُّبْحُ لا يَرَى مَعَهُ بُشرى بِفَتحٍ كَأَنَّهُ فَاقِدْ
الفاقد: الذي يفقد من يكرم عليه، يقال ذلك للرجل والمرأة.
فيقول، وهو يخبر عن فناخسرو، ويخاطب وهسوذان: إن كان لم يتعمد الأمير ما لقيت منه في افتتاح جيوشه لقاعدتك، وإيقاعهم بك وبجماعتك؛ لما قدر عليك من حين الاعتراف، وما تخيرت لنفسك من مكروه الخلاف، فيمنه اعتمد التحين لك، وصالك حتى نفذ الإيقاع بك.
ثم قال، وهو يريد فناخسرو يقلقه صباح يوم ولا يبشر فيه بفتح يقدم عليه،
[ ٢ / ١٥٣ ]
وسرور بذلك يتجدد فيما لديه، حتى كأنه (فاقد) لما قد ألفه، وممنوع مما سكن إليه وعرفه.
والأَمْرُ لِلَّهِ رُبَّ مُجتَهِدٍ ما خَابَ إلاَّ لأَنَّهُ جَاهِدْ
وَمُتَّقٍ والسِّهامُ مُرسَلَةٌ يَحِيدُ عن حابضٍ إلى صَارِدْ
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أَعادِيَةُ أَقائِمٌ نَال ذَلِكَ أَمْ قَاعِدْ
المجتهد: الذي يستعمل في الشيء طاقته، والجاهد: الذي يستسهل في الشيء مشقته، والجابض في السهام: الذي يقع دون الغرض، والصارد: الذي ينفذ في الغرض، ويبل: بمعنى يبالي، حذفت الياء منه للنهي، والألف لكثرة الاستعمال على غير قياس، فقال: فلا يبل، ذكر ذلك سيبويه.
فيقول مشيرا إلى ما مكنه الله من فتح الطرم، والإيقاع بوهسوذان، دون استعمال ما كان يقتضيه مثل هذا الأمر الكبير من الأهبة، وما عهد في مثله من المؤن والكلفة: والأمر لله فيما ينفذه من الأمور ويمكنه، وما يمضيه فيها ويقدره، ورب مجتهد كان الاجتهاد سبب خيبته، ومرديا إلى تعذر بغيته، ورب مترفق في الطلب قد أدرك بعفوه ما لا يدركه المجتهد بجهده.
ثم قال على نحو ما قدمه: ورب متق للسهام في الحرب يحيد عن حابض متأخر ما كان يدركه إلى صادر نافذ يقضي عليه ويهلكه. يشير إلى أن وهسوذان لو اعتصم بالسلم، لتخلص مما أهلك به نفسه في تخير الحرب.
ثم قال مشيرا إلى فناخسرو وركن الدولة أبيه، وما مكنت لهما السعادة من الظفر بوهسوذان دون تعب ولا تمرن: فلا يبل من ظفر بأعاديه، وأدرك من ذلك غاية أمانيه، أنال ذلك عن تعب ومزاولة، أم قربه السعد له بأيسر محاولة. وجعل القيام والقعود كناية عن هذا التفسير.
لَيْتَ ثَنَائِي الَّذي أَصُوغُ فِدَى مَنْ صِيغَ فِيهِ، فإنَّهُ خَالِدْ
[ ٢ / ١٥٤ ]
لَوَيتُهُ دُملُجًا على عَضُدٍ لِدَولَةٍ رُكنُها لَهُ وَالِدْ
الملج: ضرب من الأسورة يستعمله نساء الأعراب في أعضادهن.
فيقول: ليت ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة فداه، وكان مما يحذر عليه بدله، فأن ثنائي خالد لا ينفد عمره، ومحفوظ لا ينقطع ذكره.
ثم قال، وهو يريد شعره: لويته دملجا، والدملج من حلي العضد، على عضد دولة أبوه ركنها، والذي أورثه شرفها وفضلها، فهما متعاقبان في القيام بجملتها، متشاكلان فيما حازاه من جلالتهما ورفعتهما.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وقال في يوم الجلسان، وقد نثر عليهم الورد وهم قيام بين يديه حتى غرقوا فيه.
قَدْ صَدَقَ الوَردُ في الَّذي زَعَمَا أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا
كَأنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ بَحْرٌ حَوَى مِثلَ مائِهِ عَنَمَا
الديم: السحاب الدائمة المطر، واحدتها ديمة، والمائج: الذي يدخل بعضه في بعض، والعنم: شجر من شجر السواك، لين الأغصان لا يعظم، وله زهر أحمر يشبه به وبأغصانه بنان النساء إذا اختضبن، وكنى به عن الورد على المماثلة.
فيقول مخبرا عنه، ومخاطبا لعضد الدولة: قد صدق الورد فيما زعمه من أمره، وأخبر به عن نفسه، أنك صيرت ما نثرت منه ديما واكفة، وأمطرت به سحائب مترادفة.
ثم قال مشيرا إلى الورد: فكأن الهواء من كثرته، وما اشتمل عليه من وفود جملته، بحر يحوي مثل مائه من العنم، وينسكب على مستمطره بالزهر المنسجم.
نَاثِرُهُ النَّاثِرُ السُّيُوفَ دَمًَا وَكُلَّ قَولٍ يَقُولُهُ حِكَمَا
والخَيْلَ قَدْ فَصَّلَ الضِّيَاعَ بِهَا والنِّعَمَ السَّابِغَاتِ والنِّقَمَا
فَليُرِنا الوَردُ إنْ شَكَا يَدَهُ أَحسَنَ مِنهُ مِنْ جُودِهَا سَلِمَا
يقول مخبرا عن الورد، ومشيرا إلى عضد الدولة: ناثره في مجالسه إكراما للأولياء، ناثر السيوف وقد تغشت بالدم في وقائعه، انتقاما من الأعداء، ومرسل القول حكما بالغة، ونوادر على وجه الدهر سائرة.
ثم قال، وهو الذي ينثر الخيل والضياع بها مفصلة، ومننه فيها على مؤمليه متبينة، ويشفع النعم على من والاه، كما يعتمد بالنقم من خالفه وناوأه.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: فليرنا الورد أن أنكر فعله، وشكا منه كرما وبذله، أحسن منه هيئة ومنظرا، وأكرم محتدا وعنصرا، قد سلم من جوده لضنانته به، ولم ينفد في مواهبه لإيثاره له.
فَقُلْ لَهُ لَسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْ وَإنَّمَا عَوَّذَتْ بِكَ الكَرَمَا
[ ٢ / ١٥٦ ]
خَوْفًَا مِنَ العَينِ أَنْ يُصَابَ بِهَا أصَابَ عَينًَا بِهَا يُعَانُ عَمَى
يعان: يصاب بالعين.
فيقول: فلست أيها الورد أفضل ما نثرته يد عضد الدولة المنبسطة بالنعم، المنطلقة بالآلاء والمنن، وإنما عوذت بك كرمها من العيون الحاسدة، وتفاءلت له بالسلامة من الحوادث الطارقة.
ثم قال: وتخيرت ذلك حذرا من نظرة باغية، ونية على الحسد منطوية، أصاب عينا يعان بها صاحب تلك اليد، الذي هو عماد المجد، والمرتهن لضروب الشكر والحمد، عمى يبادرها ولا يمطلها، وتلف يعاجلها ولا يؤخرها.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وتوفيت عمة عضد الدولة، فقال يرثيها ويعزيه عنها:
آخِرُ ما المَلْكُ مُعَزّىً بِهِ هذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ
لا جَزَعًَا بَل أَنَفًَا شَابَهُ أَنْ يَقدِرَ الدَّهرُ عَلَى غَصبِهِ
لَو دَرَتِ الدُّنيا بِما عِندَهُ لاستَحيَتِ الأيَّامُ مِنْ عَتْبِهِ
الملك: الملك، خففت الكسرة منه، والكسرات والضمات تخفف في مثل هذا الموضع، والأنف: الحمية، والعتب: الموجدة.
فيقول: آخر رزء يعزى الملك به، ويعرضه الزمان له، هذا الرزء الذي أثر ما حدث منه في قلبه، وأهدى بمضضه في نفسه.
ثم قال: وليس ذلك المضض من عضد الدولة جزعا ورقة، ولكنه يبعث منه غضبا وأنفة، وإنكارا لأن يكون الدهر يسؤه في أهله، ويقدر في المفقودة على ما حاوله من غصبه، وفي هذا من التزيد فيما يدخل في باب الإفراط الذي تصف الشعراء الشيء فيه بما لا يمكن، إيذانا ببلوغ الموصوف إلى غاية ما يمكن.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: لو درت الدنيا بما عنده من الفضل، وما يصله في أهلها من التثبت والعدل، لاستحيت من التعرض لعتبه، وأن تطرقه أيامها بما يهدي الوحشة إلى قلبه.
لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذي لَيسَ لَدَيهِ مِنْ حِزبِهِ
وَأَنَّ مَنْ بَغدادُ دَارٌ لَهُ لَيسَ مُقِيمًا في ذُرَى عَضبِهِ
وَأَنَّ جَدَّ المَرءِ أَوطانُهُ مَنْ لَيسَ مِنهَا لَيسَ مِنْ صُلبِهِ
الذري: الكنف والستر، والعضب: السيف القاطع، والجد: معروف، والصلب إشارة إلى الولادة.
فيقول: لعل الأيام تعتقد أن من بعد عن عضد الدولة من أهله فقد انقطع عن جملته وحزبه، فلذلك أخرجته في المفقودة عما عهده من تأديدها لسعده، وحفظ من إليه (ينسب) بما يمكنه من إقبال جده.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ثم قال على نحو ما قدمه: ولعل الأيام تعتقد أن من سكن بغداد وقطنها، وأستقر بها وأستوطنها (ليس ممن في كنفه، أو في حماية سيفه)، فأن البعد مع لصوق القرابة عضبة، والحلول بالمحل القريب من قلبه.
ثم قال مشيرا إلى الأيام: ولعلها تظن أن وطن الإنسان أقعد به من جده، وأن تباعده فيه يقطعه عمن يفارقه من أهله، فلذلك خالفت الأيام عضد الدولة في عمته المفقودة ببغداد، فلم يكتنفها ما يكتنف سائر أقاربه المستقرين بدار سلطانه، وموضع استيطانه، من نساء العمر، والتباعد بسعادته عن حوادث الدهر. وهذا على نحو الإفراط المتقدم الذي وصف فيه المعزى بما لا يمكن، إشارة إلى أنه قد بلغ في الإقبال غاية ما يمكن.
أَخَافُ أَنْ يَفطُنَ أَعداؤُهُ فَيُجفِلوا خَوفًا إلى قُربِهِ
لابُدَّ لِلإنسَانِ مِنْ ضَجعَةٍ لا تَقْلِبُ المُضجَعَ عَنْ جَنبِهِ
يَنسَى بِهَا ما كَانَ مِنْ عُجبِهِ وما أَذَاقَ المَوتُ مِنْ كَربِهِ
الإجفال: الإسراع.
فيقول: أخاف أن يفطن أعداؤه لما يصحب المتصلين به من حفظ الله بجملتهم، وحراسته لجماعتهم، فيجفلوا مبادرين إليه، ويترادفوا وافدين عليه، رجاء في أن تحيط بهم سعادة قربه، والاعتصام بتداني محله.
ثم قال مبينا للصدق فيما قدمه، وكاشفا لقناع الحق فيما ظاهر به وموهه، ومخبرا بأن الموت لا منجا منه، ولا محيص لأحد عنه: لابد للإنسان من ضجعة بالمنية لا تقلبه عن جنبه، ولا تملكه شيئا من أمره، تطرقه بأجله، وتسلمه إلى ما قدمه من عمله.
ثم قال مخبرا عن الإنسان: ينسى بتلك الضجعة ما كان عليه من العجب، وما قاساه عند الموت من شدة الكرب، بما يشرف عليه من هول المطلع، وما يكتنفه
[ ٢ / ١٥٩ ]
عند ذلك من الإشفاق والفزع.
نَحنُ بَنُو المَوتَى فَمَا بَالُنا نَعَافُ لابُدَّ مِنْ شُربِهِ؟!
تَبخَلُ أَيدِينَا بِأَرواحِنَا على زَمَانٍ هيَ مِنْ كَسبِهِ
فَهذِهِ الأرواحُ مِنْ جَوَّهِ وَهذِه الأجسَامُ مِنْ تُربِهِ
نعاف: نكره، يقال: عفت الشيء أعافه عيافة: إذا كرهته، والجو: الهواء.
فيقول: نحن بنو الموتى المطبوعون على الموت، والمخلوقون له، والمطروقون في الغدو والرواح (به)، فما بالنا نعاف ما لا بد لنا من الورود عليه، ونكره ما لا عاصم لنا من المصير إليه.
ثم قال: تبخل أيدينا بأرواحنا فيما نظهره من الشح بها، ونتكلفه في الصيانة لها، وإنما ذلك على زمان نشأت فيه على شرط الفناء، وصحبت أجسامها متيقنة لقلة البقاء، والزمان فيما يستوفيه منها كالطالب لكسبه والمسترجع لما تصرف في حفظه.
ثم قال مشيرا إلى أن الإنسان قطعة من هذه الدنيا الفانية الجملة، المطبوعة على قصر المدة: فليس في الحق أن ينكر جملته، ويتكره خلقته، فنفسه من جوها، وأول جسمه وآخره من تربها، والله ﷿ قد فطر على الموت بعد الحياة أهلها، وجعل إلى الزوال والانقضاء أمرها.
لَو فَكَّرَ العَاشِقُ في مُنتَهَى حُسنِ الَّذي يَسْبِيهِ لَمْ يَسبِهِ
لَمْ يُرَ قَرْنُ الشَّمسِ في شَرقِهِ فَشَكَّتِ الأنفُسُ في غَرْبِهِ
قرن الشمس: أول ما يطلع منها.
فيقول مؤكدا لما قدمه من أن أمور الدنيا صائرة إلى الزوال، مبنية على سرعة الانتقال: لو فكر العاشق في مآل الذي يسبيه بحسنه، ويفتنه بجمال خلقه، من الموت الذي يعدمه، ويفنيه ويغيره، لخفف ذلك ما استقر له بقلبه، ولحسن له السلو
[ ٢ / ١٦٠ ]
عن حبه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لم ير قرن الشمس ظاهرا عند إشراقه وطلوعه، وتزين الدنيا بتزيد نوره، فشكت الأنفس في أنه على عجل معدوم غارب، وظلام الليل له معاقب، وكذلك الدنيا ببهجتها سريعة النقلة، ومسرتها قصيرة المدة.
يَمُوتُ رَاعِي الضَّأنِ في جَهلِهِ مِيتَةَ جَالِينُوسَ في طِبِّهِ
وَرُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ وَزَادَ في الأمْنِ عَلَى سَربِهِ
وَغَايَةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهِ كَغَايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
فَلا قَضَى حاجَتَهُ طالِبٌ فُؤادُهُ يَخفِقُ مِنْ رُعبِهِ
السرب: الطريق والمذهب، والسلم: الصلح، والخفق: شدة الاضطراب.
فيقول مخبرا بأن الموت لا يستدفع بحيله، ولا يمتنع منه بقوة، وأن العالم والجاهل يتساويان في الاستسلام له، ويتماثلان في الفناء به: يموت راعي الضأن فيما هو عليه من الجهل كميتة جالينوس مع منزلته من العلم والطب، على سبيل واحدة، وطريقة في العجز على استدفاع الموت واضحة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وربما زاد الجاهل على العالم في طول العمر، وقصر العالم عنه في مداومته لصحبة الدهر.
ثم قال: وغاية المفرط فيما يجنح إليه من السلم، ويؤثر من الدعة بأشد العزم، كغاية المحارب المقدم على اقتحام المهالك، المستسهل لركوب المخاوف، في أن كليهما لا يفوت الموت، ولا يبعد عنه، ولا يدفعه ولا يعتصم منه، فلا بلغ الجبان بغية من حاجته، ولا ظفر بأقل مراد من إدراك إرادته، إذا كان فؤاده يخفق من خوفه، وهو عند أجله مدفوع إلى حتفه.
أَستَغفِرُ اللَّهُ لِشَخصٍ مَضَى كَانَ نَداهُ مُنتَهَى ذَنبِه
وَكَانَ مَنْ عَدَّدَ إحسَانَهُ كَأَنَّما أَسرفَ في سَبِّهِ
[ ٢ / ١٦١ ]
يُريْدُ مِنْ حُبِّ العُلاَ عَيشَهُ ولا يُرِيدُ العَيشَ مِنْ حُبِّهِ
يقول، وهو يريد المرثية: أستغفر الله لشخص مضى بالموت وفقد، وغيب في لحده وبعد، ونداه أقل خصاله، والذي يقع منه موقع الذنب؛ لتصاعده عند جليل خلاله.
ثم قال مشيرا إلى الشخص الذي كنى به عن المرثية: وكان من عدد عنده ما يوليه من الأفضال، وواجهه بما يتابعه من الإنعام، يواقع من يكرهه لذلك، (أي) كالذي يواقعه لترفعه عن الإمتنان، وإستقلاله لعظيم ما يوليه من الإحسان.
ثم قال مشيرا إلى الشخص المذكور: يريد العيش لما يكسبه من الحمد، ويعتقد فيه من الشرف والمجد، ولا يريده لاستدامة النعمة، والاغتباط برفاهية العيشة.
يَحسَبُهُ دافِنُهُ وَحدَهُ وَمَجدُهُ في القَبْرِ مِنْ صَحْبِهِ
وَيَظهَرُ التَّذكِيرُ في ذِكْرِهِ وَيُستَرُ التَّأنيثُ في حُجْبِهِ
أُختُ أَبي خَيرِ أَمِيرٍ دَعَا فَقَالَ جَيشٌ لِلقَنَا لَبِّهِ
يقول، وهو يريد الشخص الذي كنى به عن المرثية: يحسبه دافنه مفردا بنفسه، ومتوحدا في لحده، كسائر المقبورين، ومن سواه مم عهد من المدفونين، والمجد مدفون بدفنه، ومغيب معه في لحده.
ثم قال: ويظهر في ذكره التذكير بجلالة وصفه، وما ترفعه أفعاله من قدره، والتأنيث فيما تطويه الأستار من شخصه، وما تشتمل عليه الصيانة من حقيقة أمره.
ثم قال مشيرا إلى المرثية، وأنها عمة عضد الدولة: أخت أبي خير مليك تواضعت الملوك لقدره، وامتثلت الجماعات ما يرد عنه من أمره، ودعا فأجابت الجيوش الحافلة دعوته، وبادرت السيوف والرماح فيها تلبيته.
يا عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَنْ رُكنُهَا أَبُوهُ والقَلبُ أَبُو لُبِّهِ
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِ كَأَنَّها النَّورُ على قُضبِهِ
فَخرًَا لِدَهْرٍ بِتَّ مِنْ أَهلِهِ وَمُنجِبٍ أَصبَحتَ مِنْ عَقبِهِ
اللب: العقل والإدراك، والنور: لغة في النوار، وعقب الرجل: ولده ومن يتناسل منهم، وبت: بمعنى أمسيت، والمنجب: الذي ينجب النجباء.
فيقول، وهو يخاطب فناخسرو: يا عضد الدولة الذي أبوه ركنها وعمدتها، وسيفها وعدتها، والقلب أبو العقل ودافعه، ومقر الإدراك وحافظه.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من نداء عضد الدولة: ومن بنوه بنجابتهم وفضلهم، وسيادتهم ومجدهم، زين آبائه الأولين، وسلفه الكرام المتقدمين، كأنهم النور على قضب الشجر، وما يبديه للروض مونق الزهر.
ثم قال: فخرا لدهر أمسيت ملكا في أهله، ولمنجب أصبحت أميرا مقدما من عقبه، انسلك وأنت عماد الكرم، وأنجبك وأنت المنفرد بالفواضل والنعم.
إنَّ الأَسَى القِرنُ فلا تُحيِهِ وَسَيفُكَ الصَّبرُ فلا تُنْبِهِ
ما كَانَ عِنْدِي أَنَّ بَدرَ الدُّجَى يُوحِشُهُ المَفقودُ مِنْ شُهبِهِ
الأسى: الحزن، والقرن: المثل في الشجاعة، والنابي: الذي لا يقطع، والدجى: جمع دجية، وهي القطعة من الليل، والشهب: النجوم، واحدها شهاب.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أن الحزن قرنك في هذه الرزية، فلا تغلبه على نفسك بقلة التجلد له، وسيفك الصبر الجميل فلا تفله وتنبه، بترك الاستمساك به، وأحتسب مصابك يعوضك الله بجزيل الأجر، وسلم لله فيه يثبك بكريم الذخر.
ثم قال: ما كان عدني أن بدر الدجى وهو يخلف الشمس بنوره وبهجته، ويتلوها بضيائه ورفعته، يوحشه ما يفقده من شبهه، وما يعدمه من النجوم المتصلة بقربه. يشير بذلك إلى أن منزلة المفقودة من عضد الدولة منزلة النجم من البدر، ومحلها بالإضافة إليه محل الوشل من البحر.
[ ٢ / ١٦٣ ]
حَاشَاكَ أَنْ تَضعُفَ عَنْ حَمْلِ مَا تضحَمَّلَ السَّائِرُ في كُتْبِهِ
وَقَد حَمَلْتَ الثِّقلَ مِن قَبلِهِ فَأغْنَتِ الشِّدَّةُ عَنْ سَحبِهِ
يَدْخُلُ صَبْرُ المَرءِ في مَدْحِهِ وَيَدخُلُ الإشفاقُ في ثَلبِهِ
حاشاك: بمعنى أستثنيك وأعيذك، السحب: الجر، وثلب الناس: ذكر عيوبهم.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أعيذك، وحاشاك، من أن تضعف عن الاستقلال بالرزء الذي استقل بتحميله الرسول الوارد عليك في كتبه، والقادم الناهض به نحوك على ثقله، وأن تجزع والصبر شيمتك، وأن تضعف والقوة نيتك.
ثم قال يخاطب عضد الدولة: وقد حملت الأثقال قبل هذا الرزء، فاستقللت بحملها، وأغنتك شدتك ومقدرتك عن تهيبها وسحبها، فضع هذا الحادث موضع ما كفيته من الخطوب بشكور الفعل، وما حزت بالصبر على ذلك من الشرف والفضل.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: يدخل صبر المرء في مناقبه ومدحه، ويدخل إشفاقه في معائبه وثلبه، فلا تختر أيها المعزى إلا أعلى المنزلتين، ولا تعدل بنفسك إلا (إلى) أرفع الصفتين.
مِثلُكَ يَثنِي الحُزْنَ عَنْ صَوبِهِ وَيَستَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَربِهِ
أَيَما لإبقاءٍ عَلَى قَلبِهِ أيَما لِتَسلِيمٍ على رَبِّهِ
وَلَم أَقُلْ مثلُكَ أعنِي بِهِ سِوَاكَ يا فَردًَا بِلا مُشبِهِ
يثني: يصرف، والصوب: الاندفاع والترادف، والغرب: واحد الغروب، وهي مجاري الدمع من العين، وأيما بفتح الهمزة وكسرها: بمعنى أما، وقال عمر بن أبي ربيعة:
رَأتْ رَجُلًا أيمَا إذا الشَّمسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى، وإيمَا بالعَشِيِّ فَيَحصَرُ
بإثبات الياء وفتح الهمزة وكسرها.
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة: مثلك في نفاذ عزمك، وسعة إحاطتك وعلمك،
[ ٢ / ١٦٤ ]
يصرف الحزن عند تردافه، ويكفه بحسن السلو عند تكاثره، ويسترد الدمع عند تحرره، ويثنيه عن سبيله بجميل تصبره.
ثم قال على نحو ما قدمه، من مخاطبة عضد الدولة: أيما أن يستعمل السلوة مبقيا بذلك على نفسه، ومنزها عن ضعف الجزع لقدره، وأيما أن يفعل ذلك مرضيا لربه، ومسلما لما نفذ في رزيته من حكمه.
ثم قال مخاطبا لعضد الدولة: (ولم أقل مثلك) وأنا أريد غيرك وأعتقد أن سواك يشاكل قدرك، فأنت المنفرد بكل منقبة، السابق إلى غاية كل مكرمة، والأوحد في ملوك الزمان، والمنفرد فيهم بالتطول والإحسان.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وخرج أبو شجاع ومعه عدة للصيد، فكان يسير قدام الجيش يمنة وشأمة، فلا يطير شيء إلا صاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن يكون على عشرة فراسخ من شيراز، تحف به الجبال، والأرزن في غاب ومياه ومروج، فكانت الأيائل تصاد، ويقبل ببعضها تمشي والحبل في قرنه، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضائق، فإذا أثخنتها النشاب هوت من رؤوس الجبال إلى الدشت، فتسقط بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه، ومنها ما يذبح فيخرج نصول النشاب من كبده، فأقام بذلك المكان أياما على عين حسنة، وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه ويصف الحال، وأنشده في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة:
ما أَجدَرَ الأيَّامَ واللَّيَالِي بِأنْ تَقولَ مَا لَهُ وما لي؟
لا أَنْ يَكُونَ هكذَا مَقَالِي فَتىً بِنِيرانِ الحُروبِ صَالِي
مِنْهَا شَرَابِي وَبِهَا اغتِسَالِي لا تَخطُرُ الفَحشَاءُ لِي بِبَالِي
الصالي للنار: الذي يقاسي شدة حرها، والفحشاء: الإقدام على ما حرمه الله.
فيقول: ما أجدر الليالي والأيام، التي هي جماع الدهر، ومنها يكون التظلم في جملة الأمر، بأن تتشكاني مشفقة من تأثيري في جملتها، واقتداري على كف عاديتها، فتقول: ما له وما لي! متواضعة بذلك مستعفة، ومعتذرة إلي بذلك مسترضية، لا أن يكون ذلك مقالي، متوقعا لمضرتها، ومتشكيا لسوء صحبتها، قد شهدت مني فتى يصلي بنيران الحروب أنسا بها، ويجعلها شرابه وغسله؛ لقلة تهيبه لها، ولا تخطر الفحشاء بباله؛ لصدق عفته، ولا تتمثل له؛ لما هو عليه من مروءته.
لَو جَذَبَ الزَّرَّادُ مِنْ أَذيَالِي مُخَيَّرًا لي صَنعَتَيْ سِربَالِ
ما سُمتُهُ سَرْدَ سِوَى سِروَالِي وَكَيفَ لا وإنَّما إدلالي
بِفَارِسِ المَجروحِ والشَّمَالِ أَبي شُجَاعٍ قاتِلِ الأبطَالِ
[ ٢ / ١٦٦ ]
الجذب: المد، والزراد: صانع الدروع، والأذيال: أسافل الثياب، وما يقع منها على الأرض، واحدها ذيل، والصنعة: ما يحاول من العمل، والسربال: القميص، وقد يسمى بذلك الدرع على الاستعارة، وثنى الصنعة مشيرا إلى عمل السربالين من القميص والدرع، والسرد: مداخلة حلق الدرع بالنسج لها، والسروال: لغة في السرابيل، وهي عجمية معربة، والمجروح والشمال: اسما فرسين لعضد الدولة.
فيقول: لو جاذبني الزراد فضول ثيابي، حرصا على الاتصال بي، ورغبة في الموافقة (لي)، مخيرا في ثوب أصطنعه، وسربال أدرعه من صنعتي الحديد والكتان، وما أستظهر من ذلك على الأقران، ما سمته إلا سرد سروال أتأيده على العفة، وأستعين بذلك على ما أضمره من النية.
ثم قال: وكيف لا يكون ذلك؟! وإنما أدل فيه بموضعي من عضد الدولة، فارس المجروح والشمال، المنفرد بالإنعام والإفضال، قاتل الأبطال ببأسه وشدته، ومستعبد الأحرار بما يسبغ عليهم من نعمته.
سَاقِي كُؤُوسِ المَوتِ والجِريَالِ لَمَّا أَصَارَ القُفْصَ أَمْسِ الخَالِي
وَقَتَّلَ الكُرْدَ عَنِ القِتَالِ حَتَّى اتَّقَتْ بالفَرِّ والإجفَالِ
فَهَالِكٌ وطَائِعٌ وجَالِي وأقتَنَصَ الفُرسَانَ بالعوالِي
والعُتُقِ المُحْدَثَةِ الصِّقَالِ
الجريال من الخمر: الشديدة الحمرة، والجريال: صبغ أحمر يشبه الخمر به، والقفص: صنف من عجم طبرستان، والكرد: صنف من العجم، أصحاب أخبية وجولان، يشبهون بالأعراب، والإجفال: الاجتهاد في الهرب، والعوالي: الرماح، والعتق من السيوف: الصارمة الماضية، والمحدثة الصقال: التي تتعاهد بالتصنيع.
فيقول مشيرا إلى الممدوح عضد الدولة: ساقي كؤوس الخمر من أطاعه ووالاه، وساقي كؤوس الموت من عصاه وعاداه، فهو يلطف وينعم (على) أهل محبته
[ ٢ / ١٦٧ ]
وطاعته، ويبيد ويتلف من تعرض لمخالفته.
ثم قال: لما أصار القفص، مع احتداد شوكتهم، وما كانوا عليه من كثرتهم وقوتهم، كأمس الذاهب، بسطوته عليهم، وتركهم حديثا يذكر بوقائعه فيهم، وقتل الكرد دون ما حاولوه من قتاله، وأهلكهم قبل تمكنهم فيما قصدوه من خلافه، سطا بهم فأجفلوا من مخافته هاربين، واقتدر عليهم فعاذوا بالفرار مستسلمين، وصيرهم ما بين هالك أتلفه التعرض لحربه، وطائع أنجاه التسليم لأمره، وجال هارب سار في الأرض على وجهه، قد لج في الفرار يطلب خلاصا لنفسه.
ثم عاد إلى الإخبار عن الممدوح، إلى عضد الدولة، فقال: وأقتنص، بعد إيقاعه بالقفص والكرد، فرسان أعاديه بعوالي رماحه، واعمل فيهم صوارم سيوفه، ودان له من قرب وبعد، وأطاعه من اعترف وعند، ولم يبق له مخالف يقصده، ولا عدو يناصبه ويعتمده.
سَارَ لِصَيدِ الوَحْشِ في الجِبَالِ وفي رَقَاقِ الأرضِ والرِّمالِ
على دِمَاءِ الإنسِ والأوصَالِ مُنفَرِدَ المُهْرِ عَنِ الرِّعَالِ
من عِظَمِ الهِمَّةِ لا المَلاَلِ وَشِدَّةِ الضَّنِّ لا الاستِبدَالِ
ما يَتَحَرَّكْنَ سِوَى انسِلالِ فَهُنَّ يُضرَبْنَ على التَّصْهَالِ
الرقاق من الأرض: اللينة الوطيئة، والرعال: قطع الخيل، والواحدة رعلة، لغة في الملل، والضن والضنة والضنانة والمضنة: لغات في الشح، والاستبدال: التصرف في صغائر الأمور، والانسلال في الحركة: المحاولة للاستتار بها، والتصهال: تفعال من الصهيل.
فيقول: أن الممدوح عضد الدولة لما استماح أعداءه بقوته، وقربت له آماله بما مكنه من سعادته، سار ليصيد الوحش المعتصمة بالجبال الشامخة، ويقصرها في أقاصي الفلوات النازحة، موطئا لخيله ورجاله ما سفكه من دماء الإنس في
[ ٢ / ١٦٨ ]
وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه.
ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا وعزة، وليس يتقدم تبذلا وقلة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل.
كُلُّ عَلِيلٍ فَوقَهَا مُختَالِ يُمسِكُ فَاهُ خَشيَةَ السُّعَالِ
مِنْ مَطلَعِ الشَّمسِ إلى الزَّوَالِ فَلَم يَئِلْ ما طَارَ غَيرَ آلِ
وَمَا عَدَا فَانغَلَّ في الأدغَالِ وما احتَمَى بِالمَاءِ والدِّحَالِ
مِنَ الحَرَامِ اللَّحْمِ والحَلاَلِ إنَّ النُّفوسَ عَدَدُ الآجالِ
المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل.
فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره.
ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل في الأدغال فعل المتستر.
[ ٢ / ١٦٩ ]
ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها.
سَقيًَا لِدَشْتِ الأرزَنِ الطِّوَالِ بَينَ المُرُوجِ الفِيحِ والأغيَالِ
مُجاوِرَ الخِنزِيرِ والرِّئبَالِ دَانِي الخَنانِيصِ مِنَ الأشبَالِ
مُشتَرِفَ الدُّبِّ على الغَزَال مُجتَمِعَ الأضدادِ والأشكَالِ
كَأَنَّ فَنَّاخُسْرُ ذا الأفضَالِ خَافَ عَليهَا عَوزَ الكَمَالِ
فَجَاءَها بِالفِيلِ والفَيَّالِ
الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل.
فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في المتصيد الذي ذكره بهذا الموضع.
ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في أكنافه متسالمة.
ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع
[ ٢ / ١٧٠ ]
مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله.
فَقِيدَتِ الأُيَّلُ في الحِبالِ طَوعَ وُهُوقِ الخَيلِ والرِّجالِ
تَسِيرُ سَيْرَ النَّعَمِ الأَرسَالِ مُعتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجذَالِ
وِلُدْنَ تَحتَ أَثقَلِ الأَحمَالِ قَدْ مَنَعَتهُنَّ مِنَ التَّفالِي
لا تَشرَكُ الأَجسَامَ في الهُزَالِ إذا تَلَفَّتْنَ إلى الأَظلاَلِ
أَرَينَهُنَّ أَشنَعَ الأَمثَالِ كَأَنَّما خُلِقْنَ لِلإخْلاَلِ
زِيادَةً في سُبَّةِ الجُهَّالِ والعُضْوُ لَيسَ نَافِعًَا في الحَالِ
لِسَائِرِ الجِسْمِ مِنَ الخَيَالِ
الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه.
فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة.
ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ليسب جميع الجهال بها.
ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن المعهود قدره، فليس يمنع سائر
[ ٢ / ١٧١ ]
الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه.
وَأَوفَتِ الفُدرُ مِنَ الأَوعَالِ مُرتَدِياتٍ بِقِسِيِّ الضَّالِ
نَواخِسَ الأَطرَافِ لِلأكفَالِ يَكَدْنَ يَنفُذْنَ مِنَ الآطالِ
لَهَا لِحىً سُودٌ بِلا سِبَالِ يَصلُحْنَ لِلأضْحَاكِ لا الإجلاَلِ
كُلُّ أَثِيثٍ نَبتُها مِتفَالِ لم تُغْذَ بالمِسْكِ ولا الغَوالِي
تَرضَى مِنَ الأدهَانِ بالأبوالِ وَمِنْ ذَكِيِّ المِسكِ بالدَّمَالِ
لَو سُرِّحَتْ في عَارِضَيْ مُحتَالِ لَعَدَّهَا مِنْ شَبكاتِ المَالِ
بَينَ قُضَاةِ السُّوءِ والأطفَالِ
الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب.
يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، وكادت تنفذ من الخصور والآطال.
ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال.
[ ٢ / ١٧٢ ]
شَبِيهَةُ الإدبارِ بالإقبَالِ لا تُؤثِرُ الوَجهَ على القَذالِ
فاختَلَفَتْ في عَارِضِي نِبَالِ مِنْ أسفَلِ الطَّودِ وَمِنْ مَعَالِ
قَدْ أودَعَتْهَا عَتَلُ الرُّجَّالِ في كُلِّ كَبْدٍ كَبِدَيْ نِصَالِ
فَهُنَّ يَهْوِيْنَ مِنَ القِلالِ مَقْلُوبَةَ الأظلافِ والإرقَالِ
يُرِقِلْنَ في الجَوِّ على المَحَالِ في طُرُقٍ سَريعَةِ الإيصَالِ
يَنَمْنَ فيها نِيمَةَ الكِسَالِ على القُفِيِّ أَعجَلَ العَجالِ
لا يَتَشَكَّينَ مِنَ الكَلالِ ولا يُحاذِرنَ مِنَ الضَّلاَلِ
القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، كما يقال كاتب وكتاب، والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد.
فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها كأوائلها في القبح.
ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال وأسافلها،
[ ٢ / ١٧٣ ]
ومن أواخرها وأوائلها، قد أودعت أكبادها قسي رجالة الرماة، أكباد يصال أيأستها من الحياة، فهن يهوين من رؤوس الجبال مستعجلة، مقلوبة أظلافها محولة، ترقل على محال ظهورها إرقال مكرهة، وتنصب في الجبل على ظهورها غير متخيرة، في طرق تسرع بها على القفي في إعجال العجل، ولا تتشكى مع ذلك ألم الكلال، ولا تحذر في انصبابها مكروه الضلال.
فكانَ عَنْهَا سَبَبَ التَّرْحَالِ تَشويقُ إكثَارٍ عَلى إقلالِ
فَوَحْشُ نَجدٍ مِنهُ في بَلبَالِ يَخَفْنَ في سَلمَى وفي قِيالِ
نَوافِرَ الضِّبَابِ والأورَالِ والخاضِبَاتِ الرُّبدِ والرِّئالِ
والظَّبْيِ والخَنسَاءِ والذَّيَّالِ يَسمَعْنَ مِنْ أَخبَارِهِ الأزوالِ
ما يَبعَثُ الخُرْسَ على السُّؤَالِ
الترحال: تفعال من الرحلة، والبلبال: وسواس الهموم، وسلمى وقيال: جبلان معروفان من جبال الحجاز، والضباب: صنف من الهوام تكون في بلاد العرب، واحدها ضب، والأورال: نحوها، والواحد ورل، والخاضبات: النعام التي أكلت الربيع فاحمرت سوقها، واحدها خاضبة، والربد: القفر (المربد) الألوان، والريال: صغار النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي الطويل الذنب، والأزوال: الحسان، واحدها زول.
فيقول: فكان سبب الرحلة عن صيد الأيل والوعول التي قدم ذكرها، إقلالها بكثرتها، وتشويقها إلى القلة منها بترادف جملتها.
ثم قال: فوحش نجد من الممدوح عضد الدولة في إشفاق ووجل على بعد الشقة فيما بينها وبينه، تخافه في سلمى وقيال، على تناء هذين الجبلين منه، وانتزاحهما بطول المسافة عنه، فضبابها وأورالها نافرة، ونعامها وريالها خائفة، وظباؤها وبقر وحشها فازعة، يسمعن من أخبار عضد الدولة العجيبة المستحسنة، وسطواته
[ ٢ / ١٧٤ ]
المخوفة المتوقعة، ما يبعث الخرس على أن تبحث وتسأل، ويوجب لها أن تتروع وتحذر.
فُحُولُها والعُوذُ والمَتَالِي يَوَدُّ لو يُتحِفُها بِوَالِي
يَركَبُها بالخُطمِ والرِّحالِ يُؤمِنُها مِنْ هذهِ الأهوالِ
ويَخمُسُ العُشْبَ ولا يُبَالي وماَء كُلِّ مُسبِلٍ هَطَّالِ
الفحول: التي لم تحمل، والعوذ: التي تعوذ بها أولادها، والمتالي: نحو ذلك، والإتحاف: إهداء ما يستحسن، والخطم للإبل: كاللجم للخيل، وأستعارها للوحش، والرحال للإبل: كالسروج للخيل والإبل والبغال، واستعارها في هذا الموضع.
فيقول: فحول الوحوش وعوائذها ومتبوعاتها، تود لو يتحفها بوال يملكها، وحائط يصرفها، فيركبها بالرحال والخطم، ويثقفها بالأزمة واللجم، ويؤمنها من هذه الأهوال الحادثة، ويسكنها من روعات هذه الأخبار السائرة، ويخمس العشب؛ بأخذه الخمس مما ترعاه من العشب النابت، وما ترد عليه من ماء السحاب الهاطل، ولا تبالي ذلك ولا تكرهه، ولا تخافه ولا تحذره.
يا أَقدَرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ لو شِئْتَ صِدتَ الأُسدَ بالثّعَالِ
أو شِئتَ غَرَّقْتَ بِالعِدَى بالآلِ ولو جَعَلْتَ مَوضِعَ الإلاَّلِ
لآلِئًا قَتَلْتَ بالآلي لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي
في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ على ظُهُورِ الإبِلِ الأُبَّالِ
فَقَدْ بَلَغَتْ غَايَةَ الآمالِ فَلَمْ تَدَعْ مِنهَا سِوى المُحالِ
في لا مكانٍ عِندَ لا مَنَالِ
السفار: المسافرون، وليس هذا الجمع واحد من لفظه، والقفال: الراجعون من سفرهم، الواحد: قافل، والثعال: الثعالب على الترخيم في غير النداء، والآل: السراب، وهو ما يتخيل في بطون الفلوات عند شدة الحر، مما يشبه الماء،
[ ٢ / ١٧٥ ]
والإلال: الحراب، الواحد ألأة، واللآلي: الدر، واحدها: لؤلؤة، والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول التي تتمثل من الجن في الفلوات، والإبل الأبال: التي طال مكثها في المرعى، وهي لا تركب ولا يحمل عليها، وقد صارت كالمتوحشة، الواحدة آبل.
فيقول مخاطبا للممدوح عضد الدولة، ومشيرا إلى الوجهة التي وصفها في صيده، وإلى إنصرافه عنها: يا أكرم من سافر وقفل، وأفضل من حل ونزل، لو شئت بما حكم الله لك به من السعادة، وقصره عليك من الجلالة والسيادة، لصدت الأسد بالثعالب، انقيادا من جميع الحيوان لك، ولما امتنع عليك ذلك، لما وصله الله من التمكين بك، ولو شئت؛ لقدرتك على الأعداء، ونفاذ إرادتك في جميع الأشياء، لغرقت أعداءك بالآل، تيقنا منهم لقدرتك، ولغلبت أهل الجبر على شجاعتهم، خضوعا لهيبتك. وأن لم تكن هذه العبارة في نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
ولو استعملت فيمن يقاتلك مكان الرماح النافذة، حسان اللآلئ الرائقة، لقتلت بها مع بعدها من القتل، ولبلغت بها غاية ما تقصده من الفعل.
ثم قال على نحو ما قدمه من مخاطبة عضد الدولة، والإشارة إلى الوجهة التي انصرف عنها من صيده: لم يبق لك بعد ما ذللت من ملوك البلاد، وبلغت فيهم من غاية المراد، وأظهرت من الاقتدار على الوحوش النافرة، والتملك لها في قلل الجبال الشامخة، غير طرد سعالي الجن التي تتمثل في الفلوات في حناديس الظلم، التي لها فيها أشد السطوات على ظهور الإبل المؤبلة التي لا تركب، فلو فعلت لحكم لك السعد في ذلك بأفضل ما ترغب.
ثم قال: فقد بلغك الله في مقاصدك غاية ما أملته، وقرب لك من ذلك أغبط ما حاولته، فلم تدع شيئا من الأشياء إلا ما يستحيل البلوغ إليه، ولا فاتك إلا ما لا
[ ٢ / ١٧٦ ]
يشتمل الإمكان عليه.
يا عَضُدَ الدَّولَةِ والمَعَالِي النَّسَبُ الحَلْيُ وَأَنتَ الحَالِي
بِالأبِ لا الشَّنْفِ ولا الخَلخَالِ حَليًا تَحَلَّى مِنكَ بالجَمَالِ
وَرُبَّ قُبحٍ وَحُلىً ثِقَالِ أَحسَنُ مِنهَا الحُسْنُ في المِعطَالِ
فَخْرُ الفَتَى والأفعَالِ مِنْ قَبلِهِ بالعَمِّ والأخوَالِ
العضد: ما بين المنكب والمرفق، وهو عماد اليد التي بها يكون البسط والقبض، ولقب فناخسرو بعضد الدولة من هذا الاشتقاق؛ لنفاسة العضد في الأعضاء، والحلي: ما يتزين النساء به من الجوهر والذهب وما أشبه ذلك، ويستعار أسمه على المشابهة، والحلي: جمع حلية، وهي ما يتزين به من الحلي وغيره، والمعطال: المرأة العارية من الحلي.
فيقول مخاطبا فناخسرو: يا عضد الدولة! ويا عضد المعالي المنفرد في ذلك بالمجد، والحائز فيه لضروب الحمد، نسبك حلي لك بجلالته ورفعته، وأنت الحالي منه بفخامته وعلو منزلته، وأنت المتزين منه بالآباء السادة، لا بالشنف والخلخال والقلادة، وذلك الحلي يتحلى منك بما تنميه من مناقبك، وتزيد في جماله بمكارمك وفضائلك، ورب شرف لا يشيده وارثه، ولا يزينه بخصاله صاحبه، ورب قبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الحسناء المعطال مع البذاذة الظاهرة، وفخر الفتى بنفسه وأفعاله أوكد من فخره بأعمامه وأخواله، وتمام الشرف أن ينصر آخره أوله، ويزين حديثه متقدمه.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقال عند وداعه لعضد الدولة:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ نَدَاكا فَلا مَلِكٌ إذًا إلاَّ فَدَاكَا
وَلَو قُلْنَا فَدىً لَكَ مَنْ يُسَاوِي دَعَوْنَا بِالبَقَاءِ لِمَنْ قَلاكَا
وآمَنَّا فِدَاكَ كُلَّ نَفسٍ وإنْ كَانَتْ لِمَملَكَةٍ مِلاكا
فديت الرجل فداء: إذا كنت وقاية له، وبدلا منه فيما يكرهه، وقليت الرجل أقليه قلى: إذا أبغضته، والمملكة: سلطان الملك، وملاك الشيء: عماده.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، وداعيا له: جعل الله فداءك من الملوك من يقصر عن نداك وفضلك، ولا يساويك في كرمك وجودك، فأن الملوك، إذا سمع الله هذا الدعاء فيك، ويفدونك بجملتهم، ويقونك المكاره بجماعتهم؛ لتحقيرهم عنك في مجدهم، وتواضعهم دون منزلتك وقدرك.
ثم قال: ولو دعونا بأن يفديك من يساويك ويماثلك ويوازيك، لكنا قد أحلنا في فدائك على معدوم لا يوجد، وأشرنا إلى مفقود لا يعهد، ولدعونا بالبقاء لمن يقليك ويكرهك، ويتجنبك ويحسدك.
ثم قال: وآمنا فداءك أنفس الخلق أجمعين، وملوكهم المترفعين، وإن كان في تلك النفوس ما هو ملاك مملكة، ومن ينفرد بعلو منزلة، فهم عند إضافتهم إليك، كالعوام الذين لا يحفل بهم، والسوق الذين لا حظ في السلطان لهم.
وَمَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُودًَا وَيَنصِبُ تَحتَ ما نَثَرَ الشَّبَاكَا
وَمَنْ بَلَغَ الحَضيضَ بِهِ كَرَاهُ وإنْ بَلَغَتْ بِهِ الحَالُ السُّكاكا
فَلَو كَانَتْ قُلُوبُهُمُ صَديقًَا لَقَدْ كَانتْ خلائِقُهُمْ عِدَاكَا
لأَنَّكَ مُبغِضٌ حَسَبًَا نَحِيفًا إذا أَبصَرْتَ دُنياهُ ضِنَاكا
يظن: يفتعل من الظن، أبدلت التاء من الظاء، لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت الظاء الأولى في الثانية كما قال زهير:
هُوَ الجَوَادُ الَّذي يُعطِيكَ نائِلَهُ عَفوًا وَيُظلَمُ أحيانًَا فَيَظَّلِمُ
[ ٢ / ١٧٨ ]
والحضيض: قرار الأرض، والسكاك: ما ارتفع من الهواء، وأفرد صديقا وهو خبر عن جميع؛ لأن العرب تفعل ذلك فيه، وفي أشياء مما يكون على وزن فعيل، نحو نعل خصيف، وريح خريق، ورجل صديق، يستوي في ذلك المذكر والمؤنث والجمع والواحد، والحسب: الشرف، والنحيف: الهزيل، والمرأة الضناك: الضخمة المتداخلة الخلق، فاستعار ذلك في الدنيا.
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة، مؤكدا لما قدمه: ولامنا فداءك من الملوك من يظن قليل العطاء جوادا بالغا، ويرصد لمن يبذل له ذلك حتفا قاصدا، تكرها للجود وفعله، ومنافرة للكرم وأهله. وضرب لقلة العطاء مثلا بنثر الحب، وبنصب الشباك لما يبغي بها ناثرها من الكيد.
ثم قال على نحو ما قدمه، مخاطبا لعضد الدولة: ولآمنا فداءك ملوكا قد بلغ الحضيض بهم قصر أفهامهم، وتأخر إدراكهم، وأن كانت أحوالهم قد بلغت بهم السكاك في العلو والرفعة، والتمكن والحظوة.
ثم قال يخاطبه: فلو كانت قلوبهم تعتقد مودتك، وضمائرهم تخلص طاعتك، لعادوك بلؤم خلائقهم، ولأمحضوك مذموم مذاهبهم.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لأنك مبغض من الولاة من دنياه ضناك قوية، وأوليته نحيفة دنية، فهو يتشبه بأهل الشرف، ويقعد به في ذلك لؤم السلف.
أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتَ على فُؤادِي بِحُبِّكَ أَنْ يَحُلَّ بِهِ سِواكا
وَقَدْ حَمَّلْتَنِي شُكْرًَا طَويلًا ثَقِيلًا لا أُطِيقُ بِهِ حَرَاكا
أُحَاذِرُ أَنْ يَشُقَّ على المَطَايَا فلا تَمشِي بِنَا إلاَّ سِوَاكَا
الرواح: السير بعد ذهاب صدر النهار، والختم: الطبع على الشيء، والحراك: لغة في الحركة، يقال: حرك الشيء يحرك حراكا وحركة، والسواك: ضعيف من مشي الإبل.
[ ٢ / ١٧٩ ]
فيقول لعضد الدولة: أروح عنك وقد ختمت على قلبي بحبك، واستخلصته بما ترداف علي من برك، فلم يدع حبك فيه لغيرك مكانا ينزله، ولا أفضلت لسواك نصيبا يتناوله.
ثم قال: وقد حملتني من شكرك ما هو طويل لا يتناهى ذكره، وثقيل لا يستخف حمله، لا أطيق به حراكا لكثرته، ولا يمكنني استقلال بجملته.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: فأنا أحاذر أن يشق على المطايا نقله، وأن ينهرها وفوده وثقله، فلا ينهضها إلا متساولة، ولا ترحل بها إلا مغلوبة متهالكة.
لَعَلَّ اللَّهَ يَجعَلُهُ رَحِيلًا يُعِينُ على الإقَامَةِ في ذَرَاكَا
فَلَوْ أَنِّي استَطَعْتُ خَفَضتُ طَرفِي فَلَمْ أبصِرْ بِهِ حَتَّى أرَاكَا
وَكَيفَ الصَّبْرُ عَنكَ وَقَدْ كَفَانِي نَدَاكَ المُستَفِيضُ وما كَفَاكَا
الذرا: الكنف.
فيقول: لعل الله يجعل رحيلي عنك رحيلا يعين على الاستكثار من قربك، والاستزادة من أنعامك وفضلك، ويؤدي إلى الدقوم بالأهل والجماعة عليك، والإقامة معهم فيما لديك.
ثم قال على نحو ما قدمه: فلو أنني استطعت لما اعتقده من عاجل، الأوبة، وأرغبه من سرعة الرجعة، خفضت طرفي فلم أبصر به، حتى أرد على حضرتك، وأكحل جفونه بالنظر إلى غرتك.
ثم أكد ما قدمه فقال: وكيف لي بالصبر عنك، والتجلد على الانفصال منك، وقد كفاني ما غمرني من برك، وأحاط بي من أنعامك وفضلك، وما أجزاك ذلك ولا كفاك، ولا أقنعك ولا أرضاك؟.
أَتَتْرُكُنِي وَعَينُ الشَّمسِ نَعْلِي فَتَقْطَعُ مِشْيَتِي فِيها الشَّرَاكَا؟!
أَرَى أَسَفِي وما سِرْنَا شَدْيدًا فَكَيفَ إذا غدا السَّيرُ إبتِراكا؟!
[ ٢ / ١٨٠ ]
وَهذا الشَّوقُ قَبْلَ البَينِ سَيفٌ وهاأنا ما ضُرِبْتُ وَقَدْ أحاكَا!
عين الشمس: قرصها، وعين كل شيء: شخصه، والشراك: سير النعل، والابتراك: السقوط على الركب، وحاك السيف وأحاك: لغتان في قطعه.
فيقول لعضد الدولة: أتتركني وقد أنعلتني الشمس بما أوليتني من برك، وقربت به محلي من نفسك، فأتأخر عنك وأبتذل الكرامة التي شرفتني بها، والرتبة الرفيعة التي رأيتني أهلا لها؛ بصحبة غيرك من الملوك الذين لا يحلون محل خدمتك، فأكون عند ذلك كمن أنعل الشمس فأبتذلها في مشيه، وقطع الشراك فيها بحسب ما اعتاد من ذلك في نعله.
ثم قال يخاطبه: أرى أسفي قبل السير شديدا على مفارقتك، وإشفاقي قبل الرحلة يؤلمني لضعفي عن مباعدتك، فكيف تظن بي إذا كان السير ابتراكا لعثار الإبل، وعجزت عن الإسراع لتطاول السفر.
ثم قال على نحو ما قدمه: وهذا الشوق الذي أمتثله قبل الرحلة، وإقامتي بسببه أشد اللوعة؛ سيف صارم لم أضرب به وقد قطع، ولا باشرته وقد آلم وأوجع.
إذا التَّودِيعُ أَعرَضَ قَالَ قَلبِيْ عَلَيكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا
وَلَولا أَنَّ أكثَرَ ما تَمَنَّى مُعاوَدَةٌ لَقُلْتُ: ولا مُنَاكَا
قَدِ استَشفَيتَ مِنْ دَاءٍ بِداءٍ وأَقتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
أعرض الشيء: إذا بدا وظهر، والصمت: السكوت، والمنى: جمع منة، واحدة ما يتمناه الإنسان، والاستشفاء: التعالج من الداء، والشفاء: البرء من السقم.
فيقول: إذا قرب توديعي لعضد الدولة، وعزني ما أخاطبه به عند حلوله، دافعني قلبي عن التفوه لذكر ذلك، وقال لي: الزم الصمت، لا صحبت فاك إن أفصح بالرحلة، ولا استمتعت به أن صرح بذكر الفرقة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومخبرا عن قلبه في ملامته له: ولولا علمي بأن أكثر ما
[ ٢ / ١٨١ ]
يتمناه لقاء عضد الدولة، ولي نعمتك، ومعلي منزلتك لقلت: ولا صاحبت مناك، مدفوعا عن جملتها، ممنوعا من الاغتباط بمسرتها.
ثم أخبر أن قلبه قال له: قد استشفيت من البعد عن أهلك بمفارقتك لأرفع الناس في نفسك، فصار أشد ما تشكوه من عللك ما قدرت أن فيه الشفاء من ألمك.
فَأسْتُرُ مِنْكَ نَجوَانَا وأُخفِي هُمُومًَا قَدْ أَطَلْتُ لَهَا العِرَاكَا
إذا عَاصَيتُها كَانَتْ شِدَادًَا وَإنْ طَاوعْتُها كَانَتْ رِكَاكَا
وَكَمْ دُونَ الثَّوِيَّةِ مِنْ حَزينٍ يَقُولُ لَهُ قُدُومِي ذَا بِذاكا
وَمَنْ عَذْبِ الرُّضابِ إذا أَنَخْنَا يُقَبِّلُ رَحْلَ تُروَكَ والورَاكَا
النجوى: (ما) يستتر به من الكلام، والعراك: المحاكة والمزاحمة، والركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف المنحل، والثوية: موضع فيما يقرب من الكوفة، والكوفة وطن أبي الطيب، والرضاب: ريق الفم، وتروك: أسم الناقة، والوراك: جلد يكون على مقدم الرحل يثني الراكب عليه رجله.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، ومشيرا إلى منازعة قلبه: وأستر منك أيها الملك ما يقصد بي قلبي إلبه، وما أنطوي من الأسف عليه، وأخفي من ذلك هموما، أعاركها مدافعا لها، وأتحملها وأنا مستحكم الألم.
ثم قال مشيرا إلى الهموم التي قدم ذكرها: إذا عاصيتها بإجرائها على الحقيقة، والنظر إليها بالعين البصيرة، كانت شدادا مؤلمة، وإذا طاوعتها باطراح الفكر فيملا يبعثها، كانت ركاكا هينة.
ثم قال: وكم دون الثوية التي أقصدها، والكوفة التي أريدها وأعتمدها، من حزين من أهل قد أخل به اغترابي عنه، وبلغ الأسف لذلك كل غاية منه، يقول له قدومي سرورك مني بهذه الأوبة بما كان يحزنك مني من طول الغربة.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر أهله: وكم في تلك الحلة من عذب الرضاب،
[ ٢ / ١٨٢ ]
بارع الحسن، فائق الجمال، مستحسن القرب، يقبل عند قدومي عليه رحل ناقتي ووراكها إعجابا بها، ويفديها بنفسه إكراما لها.
يُحَرِّمُ أَنْ يَمَسَّ الطَّيبَ بَعدِي وَقَدْ عَبَقَ العَبِيرُ بِهِ وَصَاكَا
وَيَمنَعُ ثَغْرَهُ مِنْ كُلِّ صَبٍّ وَيَمنَحُهُ البَشَامَةَ والأرَاكَا
عبق الطيب: إذا فاح، وصاك العبير: إذا لصق، والبشام والأراك: ضربان من الشجر يستاك بفروعهما.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحرم أن يمس الطيب بعد مفارقتي له، وأن يتصنع من الزين، لما يتيقنه من شغفي به، فيلقاني، وقد برت أليته، وكملت بقدومي أمنيته، وفاح الطيب من أردانه وعبق، وصاك العبير في أثوابه ولصق.
ثم قال: ويمنع ثغره من كل من يصبو به، صيانة وعفة، ويمنحه البشامة والأراك، نظافة وترفها.
يُحَدِّثُ مُقلَتَيهِ النَّومُ عَنِّي فَلَيتَ النَّومَ حَدَّثَ عَنْ نَدَاكَا
وَأَنَّ البُخْتَ لا يُعرِقْنَ إلاَّ وَقَدْ أَنضَى العُذَافِرَةَ اللِّكَاكَا
وَمَا أرضَى لِمُقلَتِهِ بِحُلمٍ إذا انتَبَهَتْ تَوَهَّمَهُ ابتِشاكَا
ولا إلاَّ بِأنْ يُصغِي وأحكِي فَلَيتَكَ لا يُتَيِّمُهُ هَوَاكَا
البخت: الجمال الخراسانية، واحدتها بختي، والإعراق: إتيان العراق، وبلد الكوفة الذي كان مستقرة؛ أحد العراقين، والعذافرة: الناقة الصلبة، واللكاك: المكثرة اللحم، والابتشاك: الإسراع.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحدث مقلتيه النوم عني، يردي: أنه يتمثل له في نومه، ويتخيله في رقاده؛ لشدة حرصه على قربه، فليت ذلك النوم مثل له ما أحاط بي من فضلك، وما ظهر علي من تشريفك وبرك، فكان له في ذلك أبلغ السلوة، وفي السكون إليه أتم الأنسة.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ثم قال: وليت النوم حدثه أن البخت لا ترد بي العراق مع ما هي عليه من القوة، وما شهرت به من وثاقة الخلقة، إلا وقد أنضى الإعراق منها العذافرة الصلبة الخلق، اللكاك المكثرة اللحم، وحذف الإعراق لدلالة يعرقن عليه، كما قال ﷿: (فاطر السموات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير)، فرد الضمير إلى الجعل، ولم يذكره لدلالة جعل عليه.
ثم قال مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: وما أرضى لمقلته بحلم تنتبه فلا تتحققه، لعدم رؤيته، ولا تتمتع به لقصر مدته.
ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر محبوبه: ولا أرضى له إلا بأن أرد عليه فيصغي إلى ما أورده عنك من ميل الذكر، واحكي ما أسديته إلي من جليل الفضل، فليته عند ذلك لا يتيمه هواك إعجابا بك، وبما جمعه الله من الفضائل لك، وحذف أرضى من لفظه استغناء بما قدم من ذكره.
وَكَمْ طَرِبِ المَسَامِعِ لَيسَ يَدرِي أَيَعجَبُ مِنْ ثَنَائِي أَمْ عُلاَكا
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرضُكَ كانَ مِسكًَا وَذَاكَ الشِّعْرُ فِهري والمَدَاكَا
فَلاَ تَحمَدْهُمَا وأحمَدْ هُمَامًَا إذا لَمْ يُسْمِ حامِدُهُ عَنَاكَا
الطرب: خفة تغلب عند شدة الفرح والحزن، والعلا: غايات الشرف والرفعة، والواحدة عليا، والنشر: الفوح، والفهر: الحجر الذي يسحق به الطيب، والمداك: صلاية الطيب التي يداك عليها، والدوك: الدق والسحق، والهمام: الملك العظيم.
فيقول: وكم من فرح المسامع بما أبثه من فضلك، وأنظمه في شعري من مدحك، فليس يدري عند سماعه لذلك أيعجب من علاك، وما تبلغه من الجلالة والرفعة، أم من ثنائي وما يشتمل عليه من الاحتفال والكثرة؟.
ثم قال: وذلك الفوح (الذي) يتضوع عندما أصفه من مجدك، وأذكره من ترادف
[ ٢ / ١٨٤ ]
فضلك، نشر عرضك الذي هو المسك في كرم جوهره، وفي عبق طيبه ومخبره، وفهر ذلك المسك ومداكه اللذان يستخرجان حقيقة فضله، ويخبران عن جلالة قدره، شعري الذي يسير فيه في البدو والحضر، ويتغنى بذكره عند الحلول والسفر.
ثم قال مخاطبا لنفسه: فلا تحمد النشر وطيبه، ولا تستكثر الشعر وحسنه، وأحمد الهمام الباعث لهما، والمنفرد بما أكمل له الفضل منهما، الذي إذا أضمر شاعره وأضافه إلى نفسه، وكنى عنه ولم يصرح عن أسمه، علم أنه يقصدك ويعنيك، ولم يشك عند ذلك من يسمعه (أنه) فيك.
أَغَرُّ لَهُ شَمَائِلُ مِنْ أبِيهِ غَدًَا يَلقَى بَنُوكَ بِهَا أَبَاكا
وفي الأحبابِ مُختَصٌّ بِوَجدٍ وَآخَرُ يَدَّعي مَعَهُ اشتِراكا
إذا اشتَبَهَتْ دُمُوعٌ في خُدودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
الأغر: البهي الأبيض، والشمائل: الطبائع، والواحد: شمال، والتباكي: استعمال للبكاء.
فيقول، وهو يريد عضد الدولة: أغر، ذو بهاء وجلالة، وجمال ووسامة، له شمائل في الفضل سامية، ومذاهب في الكرم بارعة، هي شمائل أبيه المعروفة، ومذاهبه الجليلة المعلومة.
ثم أقبل بالمخاطبة على عضد الدولة، وترك الأخبار عنه، وجواز ذلك وما يشبهه مشهور في الكلام، قال الله ﷿: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فأجرى المخاطبة والإخبار مجرى واحدا، فيقول لعضد الدولة: وغدا يلقى بنوك أباك بتلك الشمائل، ويحكونه في تلك الفضائل، ويحتذون في ذلك حذوك، ويقفون أثرك وهديك.
ثم قال مشيرا إلى أسفه على مفارقته، وما بنفسه من الألم لمباعدته: وفي من
[ ٢ / ١٨٥ ]
يدعي وينتحل الإخلاص والمودة، من يخصه ذلك ويلزمه، ويصدق فيما يضمره، وفيهم من يدعي المشاركة في ذلك بلا حقيقة، ويتحمل فيه على طريقة غير قديمة.
ثم قال مشيرًا إلى من يخلفه من أهله، وما هم عليه من البكاء والأسف من بعده: إذا اشتبهت دموع في خدود قوم يتشكون ألم الحزن، ويخبرون عن أنفسهم بشدة الوجد، تبين من بكي مجدًا في حزنه، ومن تباكى مظاهرًا بفعله، يريد: أن فيمن يخلفه من أهله من يصدقه في وده، ولا يغالطه فيما يبديه من التوجع لبعده.
ثم قال مشيرًا إلى من كنى عنه من أحبته:
أَذَمَّتْ مَكْرُماتُ أَبي شُجَاعٍ لِعَيَنْي مَنْ نَوَايَ على أُولاكا
فَزُلْ يا بُعدُ عَنْ أيدِي رِكابٍ لَهَا وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا
وَأَيَّا شِئْتِ يا طُرُقِي فَكُونِي أَذَاةً أَوْ نَجَاةً أَوْ هَلاَكا
الذمة: العهد، وأذم الرجل لغيره إذا عاهده على أمر يلتزمه له، والنوى: البعد، وأولاك: لغة في أولئك، والركاب: الإبل المتحملة بالقوم، والأذاة: فعلة من الأذى، والنجاة: كذلك من النجا.
فيقول مشيرا إلى من يقصده من أهله وأحبته: أذمت مكرمات أبي شجاع عضد الدولة لعيني على ملاحظة من أقصده في أقرب مدة، والوصول إليه على أتم غبطة، وذمامة مقرون بالوفاء، وعدته لا تتصل بالإبطاء.
ثم قال مخاطبا للبعد الذي حاول قطعه، والسفر الذي عانى أمره: فزل أيها البعد عن أيدي ركاب؛ سعد عضد الدولة يكتنفها، وإقباله ينهض بها، وهي لما تشاهد من غلبتها واقتدارها عليك وقوتها تفعل فعل الأسنة في نفسك، وتستقل ما تستعظمه من جملة أمرك.
ثم قال: وأيا شئت أيها الطرق، فكوني؛ أن شئت متباعدة صعبة، وأن شئت متدانية
[ ٢ / ١٨٦ ]
سهلة، أذاك وإهلاكك كوقايتك وإنجائك، يعصمني من مضرتك فضل الله ﷿، وسعد الملك الذي فارقته، وإقبال عضد الدولة الذي اعتلقته وأملته.
فَلَو سِرْنَا وفي تَشرِينَ خَمسٌ رَأوني قَبْلَ أَنْ يَرَوا السِّمَاكَا
يُشَرِّدُ يُمنُ فَنَّاخُسرُو عَنِّي قَنَا الأعدَاءِ والطَّعْنَ الدِّراكَا
وَألبَسُ مِنْ نَدَاهُ في طَرِيقِي سِلاحًَا يَذعَرُ الأبطَالَ شَاكَا
تشرين الأول بالسريانية: هو شهر أكتوبر بالرومية، والسماك الأعزل: كوكب معروف من كواكب الأنواء، وهو يطلع بالغداة لخمس يخلون من تشرين المذكور، والطعن الدراك: المتتابع، والسلاح الشاك: الحديد.
فيقول على ما قدمه، من ثقته بما أحاط به من سعادة عضد الدولة: فلو سرنا وقد انصرم لتشرين خمس من لياليه، لرآني من أقصده من أهل، وأحن إليه من الجماعة المتصلة بنفسي، قبل أن يروا السماك الذي هو في هذا الوقت أول طوالع الغداة البداية، وأظهرها إلى العيون الناظرة؛ إشارة إلى سرعة سيره، وما يثق به من تأييد الله تعالى له في جملة أمره.
ثم قال على نحو ما قدمه من إسناده إلى الاعتزاز بعضد الدولة، والتصرف في سعادته: يشرد يمن فناخسرو عني جميع ما أحذره من آفات السفر، وما أتوقع في ذلك من حوادث الضرر، واستظهر به على الأعداء، واستدفع ببركته مكروه اللأواء.
ثم قال: وألبس في طريقي من نداه المترادف، وإفضاله الجزيل المتتابع، سلاحا شاكا، أدعر به حماة الأبطال، وأغنى بهيبته عن التعرض للقتال.
وَمَنْ اعتَاضُ مِنكَ إذا افتَرَقْنَا وَكُلُّ النَّاسِ زُورٌ ما خَلاَكا
وَمَا أَنَا غَيرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ يَعُودُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امتِسَاكا
حَيِّيٌ مِنْ إلهي أَنْ يَرَانِي وَقَدْ فَارقَتُ دَارَكَ واصطَفَاكَا
[ ٢ / ١٨٧ ]
الزور: الكذب والباطل، والاصطفاء: الاختيار.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: ومن الذي اعتاضه منك إذا فارقتك، وأتخذه بدلا بعدك إذا باعدتك، والناس ما خلاك زور لا يحفل بهم، وملوكهم بالإضافة إليك سوق لا حظ في الإمارة لهم.
ثم قال مخاطبا له، ومخبرا عما يعتقده في استعمال الانصراف إليه: وما أنا إلا سم أرسلته مستعليا في الهواء فنفذ وأسرع، ثم لما بلغ غايته لم يستمسك فيها هنالك ورجع.
ثم قال: وإني لأستحيي من الله ﷿ أن يراني مفارقا لأرضك، مع ما خصك به من الفضل، ومترحلا عنها مع ما بسط بك على أهلها من العدل.
تم السفر بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على مولانا محمد وآله وكان الفراغ من نسخه يوم الاثنين التاسع عشر من المحرم أوائل عام ثمانين وتسعمائة عرفنا الله خيره ووقانا شره ومكروهه آمين يا رب العالمين.
[ ٢ / ١٨٨ ]