ثم خرج إلى بغداد فراسله ابن العميدي، أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميدي، وزير ركن الدولة من أرجان، فسار إليه، وقال يمدحه:
بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصبِرِا وَبُكَاكَ إنْ لَمْ يَجرِ دَمعُكَ أو جَرَى
كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتِسَامُكَ صَاحِبًَا لَمَّا رَآهُ وفي الحَشَى ما لا يَرَى
أَمَرَ الفُؤَادُ لِسَانَهُ وجُفُونَهُ فَكَتَمنَهُ وَكَفَى بِجِسمِكَ مُخبِرا
يقول مخاطبا لنفسه، ومتشكيا لما أعجزه من الاستتار بحبه: باد هواك ووجدك، وظاهر بكاؤك وحسرتك، فصبرت وأظهرت حبك، وتجلدت وأذريت دمعك، فعليك من ظاهرك شاهد لا تدفعه، ومن تغير جسمك دليل لا تنكره، وقوله: (أم لم تصبرا) أراد النون الخفيفة، فحرك الراء بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم وقف للقافية، فأبدل من النون ألفا، كما يفعل بالأسماء المنصوبة إذا وقف عليها في النصب؛ لأن التنوين والنون الخفيفة من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، كل واحد منهما علامة لما قصد به، فالنون الخفيفة علامة للتوكيد، كما أن التنوين علامة للتمكن، فحملا في الوقف محملا واحدا، وعلى ذلك كلام العرب، قال الشاعر يصف جبلا أحاطت السيول به:
يَحسِبُهْ الجَاهِلُ ما لَمْ يَعلَمَا شَيخًَا على كُرسِيِّهِ مُعَمَّا
ثم قال: كم غر صبرك وتجلدك، وابتسامك وتحملك، صاحبا معنيا بأمرك، ومشفقا متوجعا لسقمك، وفي حشاك من لواعج الحب ما لا يلحظه، ومن دواعي الوجد ما لا يعلمه.
ثم قال: أمر قلبك لسانه بالإمساك عن شكوى الحب، وألزم جفونه الإعراض عن إسبال الدمع، فأسعدنه على كتمان سره، ووافقته في إخفاء أمره، وكفى بجسمك مخبرا عما تضمره، وبتغيره معربا عما تستره.
تَعِسَ المَهَارِي غَيرَ مَهرِيٍّ غَدَا بِمُصَوَّرٍ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرَا
[ ٢ / ٧٤ ]
نَافَسْتُ فِيهِ صُورَةً في سِترِهِ لَو كُنتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظهَرَا
تعس الرجل: بمعنى عثر ولم ينعش، والمهاري: إبل كريمة تنسب إلى بني مهرة وهم حي من قضاعة، وكانوا يستفرهون الإبل، والمنافسة: الحسد والتغاير، والمصور: البارع الجمال، ولذلك سمي عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب صاحب شرطة سعيد بن عثمان بالمصور، وتقول العرب للرجل الجميل صير ومصور.
فيقول: أتعس الله المهاري فهي من أسباب الرحلة، وأبعدها فإنها من دواعي الفرقة، وحاشى من ذلك مهريا خصه؛ من احبه بنفسه، وأسعده الزمان بقربه، فأنا أجله عن الإتعاس له، وأتحرج من أن أتربص مكروها به.
ثم وصف حال ذلك المهري، فقال: غدا ممن أحبه بمصور قد تناهى حسنه، ومنعم معدوم مثله، يرفل في الوشي المنمنم، ويتستر بالديباج المصور، فليس يبعد ما يستره عما يلبسه في حسن الهيئة، وجلالة القيمة لمحل هذا المحبوب من الرفعة، ومكانه من الرفاهية والنعمة.
ثم قال: نافست في ذلك المحبوب صورة ممثلة في مثله، دانية متمكنة من قربه، غلبتني عليه، وانفردت دوني بالدنو إليه، ولو كنت تلك الصورة لأخفاني النحول دون ما توليته من ستره، وأظهرني ما حجب ذلك المثال من حسنه، وأشار بما ذكره إلى أنه متمكن السقم، وفي غاية من نحول الجسم.
لا تَتْرَبِ الأَيدِي المُقِيمَةُ حَولَهُ كِسرَى مُقامَ الحاجِبَينِ وَقَيصَرَا
يَقِيانِ في أَحَدِ الهَوَادجِ مُقلَةً رَحَلَتْ وَكَانَ لَهَا فُؤادِي مَحجِرا
قَد كُنتُ أَحذَرُ بَينَهُمْ مِنْ قَبلِهِ لَو كَانَ يَنفَعُ حائِنًا أَنْ يَحذَرا
تربت اليد: إذا خسرت وأفتقر صاحبها، وكسرى: الاسم الذي يخص به ملك الفرس، وقيصر: الاسم الذي يخص به ملك الروم، والهوداج: مراكب النساء، واحدها هودج، ومقلة العين: معروفة، والمحجر: العظم الذي يحيط بأسفل العين،
[ ٢ / ٧٥ ]
والبين: الفراق، والحائن: الهالك.
فيقول: لا تترب الأيدي الصانعة لستور هودج من أحبه، المحكمة لآلات مركبه، الممثلة في تلك السجوف المسبلة، وفي تلك الستور المرسلة، كسرى وقيصر قائمين مقام المتحققين به، نازلين منزلة الحاجبين له، وقليل ذلك فيما يستحقه؛ لجلالة قدره، ويستوجبه بتكامل حسنه، فكأن صناع تلك الستور صنعوها في حين حياكتها على قصد، ومثلوا فيها كسرى وقيصر ليقيموها له مقام الحاجبين على عمد.
ثم قال، وهو يريد صورتي كسرى وقيصر: يقيان في ذلك الخدر ممن أهيم بحبه، وأعلل فؤادي بذكره، من أحله محل مقلة العين التي يستضاء بنورها، ويستنفذ غاية الجهد في صونها، فتولت راحلة، وبانت عن ما كان يستضيء بها ظاعنة، وأبقت لفؤادي لمثالها، كالمحجر للمقلة، الذي هو على حفظها، موضوع للاعتناء بأمرها.
ثم قال: قد كنت أحذر البين من الأحبة قبل طروقه لي، وامتثله قبل نزوله بي، لو كان ينفع الحائن اشتداد مخافته وحذره، أو يغني عنه إفراط توقعه ووجله.
وَلَو استَطَعتُ إذا اغتَدَتْ رُوَّادُهُمْ لَمَنَعْتُ كُلَّ سَحَابَةٍ أَنْ تَقطُرَا
فَإذَا السَّحابُ أَخُو غُرابِ فِراقِهمْ جَعَلَ الصِّياحَ بَينَهُمْ أَن يُمطِرا
وإذا الحَمَائِلُ ما يَخِدنَ بِنَفنَفٍ إلاَّ شَقَقنَ عَلَيهِ ثَوبًا أَخضَرا
الرواد: الذين يتوجهون في طلب الكلأ، واحدهم: رائد، والحمائل: الإبل التي يتحمل عليها، الواحد: حمولة، ويخدن: يسرعن في المشي، والنفنف: المفازة المقفرة.
فيقول: ولو استطعت في حين توجيه الحي الذين منهم أحبتي، الذين أهيم بهم، وأشفق من بينهم بالرواد، الذين يطلبون لهم مواقع الغيث ليرحلوا نحوها،
[ ٢ / ٧٦ ]
ويقصدون لرعي ما تنبتها من بقلها، لمنعت السحاب من أن تجوده بقطرها، وتسمح بما يرتقبه الرواد من ويلها، ليكون ذلك عائقا للأحبة على الرحلة، ومانعا مما أحذروه فيهم من الفرقة.
ثم قال: إذا السحاب بما يسمح به من انهماله، وما ظفر به الرواد من تواصل انسكابه، يشاكل حال الغراب الذي ينعب بينهم، ويتطير به فيما يحذر من بعدهم، وكأن أصوات السحاب عند تكاثر صوته يؤذن من فراق الأحبة لمثل ما يؤذن به الغراب بصوته.
ثم قال: وإذا الهوادج المتضمنة لهم، والحمائل الراحلة بهم، لا يخدن بقفر يقطعنه، ونفنف يتجشمنه، إلا شققن عليه من هوادجهم، ومصبغات ركائبهم، ثوبا أخضر يروق مبصره، وملبسا مونقا يعجب متأمله.
يَحمِلْنَ مِثلَ الرَّوضِ إلاَّ أَنَّها أَسبَى مَهَاةً لِلقُلوبِ وَجُؤذَرا
فَبلَحظِها نَكِرَتْ قَنَاتي راحَتي ضُعفًا وَأَنكَرَ خَاتِمَايَ الخِنصَرا
أَعطَى الزَّمانُ فَمَا قَبِلتُ عَطَاَءهُ وَأَرادَ لِي فَأرَدْتُ أَن أَتخَيَّرَا
المهاة: البقرة الوحشية، والجوذر: ولدها، والخنصر: آخر أصابع اليد، وهو أصغرها.
فيقول، وهو يريد الحمائل: يحملن من الهوادج التي يسبل عليها الديباج ما هو كالروض في الحسن والبهجة، وما يشاكل ذلك في الجمال والنضرة، إلا أن ما يتضمنه الديباج من الأحبة المشتملات، والحسان المرسلات له، أملك للعقول، وأقدر على تصريف العقول من مها رياض القفر وجآذرها، وما تتصرف الأقوال فيه من محاسنها.
ثم قال: فلبحظ تلك المها الراحلة، ومحاسن الجآذر الظاعنة، نكرت قناتي راحتي بما صرت إليه من نحول الجسم، وما لا أزال أتشكاه من دخيل النعم، وأنكر
[ ٢ / ٧٧ ]
خاتمي خنصري الذي يألفه، وباشر منه غير ما كان يعرفه. وثنى الخاتم مشيرا إلى خنصريه، واستغنى بذكر أحدهما عن ذكر صاحبه، إشارة إلى ما قدمه من تثنية الخاتم، معولا على ما أسند إليه من فهم السامع.
ثم قال: أعطى الزمان فلم أقبل عطاءه الذي بذله، وأراد لي فلم أقنع بمراده الذي مكنه، ورغبت عمن أصحبنيه من الأمراء، وأرشدني إليه من الرؤساء، وتخيرت سيدهم وعمدتهم، وصراحهم وغرتهم، وأشار بذلك إلى ابن العميد الذي اعتمد بمدحه، وآثره بقصده.
أرَجَانَ أَيَّتُها الجِيادُ فإنَّهُ عَزمي الَّذي يَذرُ الوَشِيجَ مُكسَّرا
لَو كُنتُ أَفعَلُ ما اشتَهَيتِ فَعَالَهُ ما شَّقَّ كَوكَبُكِ العَجَاجَ الأكدَارَا
أرجان: بلد من بلد فارس، فيه كان ابن العميد، والجياد: السراع من الخيل والإبل، والوشيج من الرماح: ما التف عند نباته، وكوكب الركب: جماعتهم ومعظمهم، والعجاج: الغبار، والأكدار: المظلم.
فيقول مخاطبا لإبله: أرجان أيتها الإبل! اعتمديها بقصدك، وأسرعي نحوها بجهدك، فإن السابق لك والناهض نحوها بك، عزمي المستحكم الذي يكسر وشيج الرماح بقوته، ويغلبه بنفاذه وشدته.
ثم قال، وهو يخاطب إبله: لو كنت أفعل ما يوافقك مثله، ويكون على حسب اختيارك فعله، ما تجشمت بك ركوب القفر الذي تواصلين قطعه، ومحاولة البعد الذي تعتمدين قصده، ولا يشق كوكبك العجاج الذي تثيرينه في سيرك، وتقتحمينه بمبلغ جهدك.
أُمِّي الفَضْلِ المُبرَّ ألِيَّتِي لأُيَمِّمَنَّ أَجَلَّ بَحرٍ جَوَهرَا
أَفتَى بِرُؤيَتِهِ الأنامُ وحَاشَ لِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مُقصِّرًا أو مُقصِرا
الأم: القصد، والألية: الحلف، والتيمم: الاعتماد.
[ ٢ / ٧٨ ]
فيقول، وهو يريد إبله: أمي أبا الفضل الذي أبره به قسمي الذي قدمته، وحلفي الذي اعتقدته بقصد جوده، واعتماد فضله، وهو البحر الذي يصغر كل بحر عن مماثلته، ويقصر عن مساواته ومكافأته، ولا يتضمن كجواهر علمه، ولا يظهر كالذي يظهره من كرمه وفضله.
ثم قال: أفتى الأنام أجمعون بالبدار إلى رؤيته، وأشاروا فيما خص الجميع عليه، أو مقصرا عن إتيان ما ندب ذوو الألباب إليه.
صُغْتُ السِّوارَ لأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْ بِابنِ العَمِيدْ وأَيِّ عَبدٍ كَبَّرا
إنْ لَمْ تِغُثِنْي خَيلُهُ وَسِلاحُهُ فَمَتَى أَقُودُ إلى الأعَادِي عَسكَرَا؟
يقول: صغت السوار لتحلية الكف المشيرة إلى ابن العميد، الذي قصدت نحوه، ويممت أرضه، وأعددت نفيس الرغائب، ورفيع المواهب، لأي عبيدي كبر محيلا على رؤيته، مستصحبا بضياء غرته.
ثم قال: إن لم تغشني خيله مغيثة منجدة، وسلاحه ناصرة مؤيدة، فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا أتكثر بقوته، وجمعا أسطو عليهم بما أسند إليهم من نصرته؟!.
بِأَبِي وأُمِّي ناطِقٌ في لَفظِهِ ثَمَنٌ تُبَاعُ بِهِ القُلُوبُ وتُشتَرَى
مَنْ لا تُرِيهِ الحَربُ خَلقًَا مُقبِلًا فِيها ولا خَلقٌ يَرَاهُ مُدبِرا
خَنثَى الفُحولِ مِنَ الكُماةِ بِصَبغِهِ كا يَلبَسُونَ مِنَ الحَديدِ مُعصفَرا
خنثى: أسم أخذه من خنثى، والخنثى: الذي يكون له ما للرجل والمرأة، والكماة: الشجعان، واحدهم كمي، والمعصفر من الثياب: ما صبغ بالحمرة وما أشبهها.
فيقول، وهو يشير إلى ابن العميد: بأبي وأمي ناطق في براعة نطقه، وما يظهره من البلاغة في لفظه، ثمن تتملك به القلوب فتباع وتشترى بمثله، ويتحكم عليها بما يتضمنه من حسنه.
ثم قال: وهو يريده، من لا تريه الحرب خلقا يقدم فيها على مواجهته، ويقبل
[ ٢ / ٧٩ ]
متعرضا لمنازلته، ولا خلق من الناس يراه مدبرا عن حربه، مقصرا عما يحاول فيه من إنفاذ أمره.
ثم قال: (خنثى الفحول من الكماة)؛ أي: صيرهم كالخناثى، لعجزهم عن مجالدته، وضعفهم عن شدة مطاعنته، وبما أجراه من دمائهم عن الدروع التي يتحصنون بالتستر بها، والجواشن التي يقدرون الامتناع بآلاتها، فيعصفرها بما يجريه من دمائهم، ويحصنها بما يسيل عليها من جراحهم.
يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعيفُ بِخَطِّهِ شَرَفًا عَلى صُمِّ الرِّماحِ وَنَفخَرا
وَيُبَينُ فِيمَا مَسَّ مِنهُ بَنَانُهُ تِيهُ المُدِلِّ فَلَو مَشَى لَتَبَختَرا
التبختر: الإزهاء في المشي.
فيقول، وهو يريد الممدوح، مشيرا إلى الكتابة التي كانت صناعته: يتكسب ضعيف قصب الأقلام من الشرف بخطه، وما يتقيد به من متخير لفظه، ما يقصر عنه صم الرماح مع شدة أسرها، ولا تبلغ أقله مع جلالة أمرها، وتفخر الأقلام عليها بما يتخيره من الكتاب بها، وما لا يزال عليه من استعماله لها.
ثم قال مشيرا (إلى أقلامه): ويبين فيما مس بنانه من قصب الأقلام تيه المتكبر، ويظهر عليه زهو المتبختر، فلو مشى ذلك القصب لتبختر في مشيه، ولو تصرف لاستبان الاختيال في فعله.
يا مَنْ إذا وَرَدَ البِلادَ كِتَابُهُ قَبلَ الجُيوشِ ثَنَى الجُيوشَ تَحَيُّرا
أَنتَ الوَحِيد إذا رَكِبتَ طَريقَةً وَمَنِ الرَّدِيفُ وَقَد رَكِبتَ غَضَنفَرا
الغضنفر: الأسد.
فيقول، وهو يريد الممدوح: يا من إذا ورد البلاد كتابه ورسله، وأنتشر فيها إرادته وأمره، ثنى تلك الجيوش من قبل أن يردها بجيشه، وفرق جموعها دون أن يقتحم عليها بجمعه.
[ ٢ / ٨٠ ]
ثم قال: أنت الوحيد فيما تحاوله، الذي لا نظير لك، والفريد الذي لا يقترن أحد بك، ومن الذي يكون رديفك فيما تفعله، ورسلك فيما تبلغه، وأنت فيما تركبه من الهول، وتستهله من متعذر الفعل، كراكب الأسد الذي لا تؤمن سطوته، والمستذل له وإن كانت تحذر صولته.
قَطفَ الرِّجالُ القَولَ قَبلَ نَباتِهِ وقَطفتَ أَنتَ القَولَ لَمَّا نَوَّرا
فَهوَ المُتَبَّعُ بالمَسَامِعِ إنْ مَضَى وَهُوَ المُضَاعَفُ حُسنُهُ إِنْ كُرِّرا
وإذا سَكَتَّ فَإنَّ أَبلَغَ نَاطِق قَلَمٌ لَكَ أتَّخَذَ الأَصابِعَ مِنبَرَا
القطف: القطع والاجتناء، والمنبر: موقف الخطيب.
فيقول، وهو يخاطب الممدوح: تناول الرجال القول من قبل وقته، وقصدوه من غير وجهه، وتناولته أنت وقد نور وحسن، وتكامل وتمكن، يريد: أنه حاوله غير مستكره له، واقتدر عليه اقتدار عالم به.
ثم قال: فهو المتبع بالمسامع حرصا على الاستكثار من حسنه، والمتضاعف البهجة عندما يقع من تكرير لفظه. يشير إلى أن الناس يجتهدون في تحفظ ذلك الكلام لموضعه من الحكمة والبراعة، ويعجبون بتكريره لتقدمه في الحسن والبلاغة.
ثم قال مخاطبا له: وإذا سكت معولا على كتابتك، وأخذت في تسطير خطابتك، فأن أبلغ خطيب يقله منبره، ومتكلم يشتمل عليه محضره، قلم أقلته في الكتابة أصابعك، ونهضت به في الخطابة أناملك.
وَرَسائِلٌ قَطَعَ العُدَاةُ سِحَاَءها فَرَأوا قَنًا وَأَسِنَّةً وَسَنَوَّرا
فَدَعَاكَ حُسَّدُكَ الرَّئيسَ وَأَمسَكوا وَدَعاكَ مُنصِفُكَ الرَّئيسَ الأكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفَاتُكَ في العُيونِ كَلاَمَهُ كالخَطِّ يَملأُ مِسمَعَيْ مَنْ أَبصَرا
السحاء: جمع سحاءة، وهي الحزامة التي يشد بها الكتاب عند ختمه، والسنور:
[ ٢ / ٨١ ]
الدروع والسلاح.
فيقول على نحو ما قدمه: وأبلغ الكلام رسائل قطع العداة سحاءها، ونشروا مدمج طيها، فتبينوا فيها من فخامة لفظك، وشاهدوا من جزالة قولك، ما قام عندهم مقام السلاح في التهيب لفعله، وناب منابه فيما يتوقع من أمره.
ثم قال، وهو يريده: فدعاك حسدك الرئيس غير مستبدين، وأقروا لك بذلك، فعل مضطرين، ودعاك من أنصفك في قوله، ووفاك حقك في وصفه؛ الرئيس الأكبر غير مدافع، والعميد الأعظم غير منازع.
ثم قال: ونطقت صفاتك بتصديق منصفك، وخلفت أفعالك مقال معظمك، كالخط يملأ مسمعي من أبصره، اعتبارا دون محاورة، ويناديه بما تضمنه تدنوا من غير مكالمة.
أرَأَيتَ هِمَّةَ نَاقَتِي في نَاقَةٍ نَقَلَتْ يَدًَا سُرُحًا وَخُفًّا مُجمَرا
تَرَكَتْ دُخَانَ الرَّمْثِ في أَوطَانِهِ طَلَبًَا لِقَومٍ يُوقِدونَ العَنبَرا
وَتَكَرَّمَتْ رُكُبَاتُها عَنْ مَبرَكٍ تَقَعانِ فِيهِ وَلَيسَ مِسكًَا أَذفَرا
اليد السرح: الخفيفة، والخف من الجمل: كالحافر من الفرس، والمجمر: الصلب، والرمث: ضرب من أشجار بلاد العرب، والعنبر: معروف، والمسك الأذفر: الذكي الرائحة.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: أرأيت كهمة ناقتي في سائر النوق، المجتازة للرحل، والإبل المداومة للسفر، المتنقلة بالأيدي الخفيفة السريعة، والمتصرفة بالأخفاف الشديدة الصلبة.
ثم أشار إلى ناقته، منبها على ارتفاع همتها، وموقفا على جلالة بغيتها، فقال: تركت بلاد العرب رغبة عن ضيق عيشها، وتشحطها لافتقار أهلها، وتكرها لدخان الرمث وما شاكله من الشجر الذي توقد به العرب نيرانها، وتحتطبه في
[ ٢ / ٨٢ ]
أوطانها، استدفاعا للقر، وتفاديا من شدة الضر، واعتمدت قوما يوقدون العنبر مستطرفين لريحه، ويحرقونه متنعمين بفوحه.
ثم قال مشيرا إلى ناقته: وتكرمت ركباتها عن البروك في الرمل، وترفعت عن الوقوع على الترب، فاعتمدت بلادا تقع فيها على المسك الأذفر، وتفوز من سعادتها بالحظ الأوفر.
فَأَتَتكَ دَامِيَةَ الأَظَلِّ كَأنَّما حُذِيتْ قَوَائِمُها العَقيقَ الأَحمَرَا
بَدَرَتْ إليكَ يَدَ الزَّمانِ كَأَنَّمَا وَجَدَتْهُ مَشغُولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا
الأظل: خف البعير وبه يطأ الأرض.
فيقول مخبرا عن ناقته، ومخاطبا للممدوح: فأتتك دامية الأظل، لشدة سيرها، وبعد مسافة أرضها، كأن قوائمها قد حذيت بالعقيق الأحمر. يشير إلى أن أخفافها ألمة حافية، وأسافلها مكلومة دامية.
ثم قال، وهو يريد ناقته، ويخاطب ابن العميد ممدوحه: بدرت إليك يد الزمان، التي تقبض الآمال؛ بتعرض صروفها، وتعوقه عما يقصده بترادف خطوبها، وكأنها وافقت منه غرة، فانتهزت فيه فرصة، ووجدته مشغول اليدين، ففاتته بنفسها، ومقبلا على التفكير، فلم يعقها عما حاولته من أمرها.
مَنْ مُبلِغُ أَنِّي بَعدَها جَالَستُ رَسْطَالِيسَ والإسكَندَرَا
وَمَلِلتُ نَحرَ عِشَارِها فَأضَافَنِي مَنْ يَنحَرُ البِدَرَ النُّضَارَ لِمَنْ قَرَى
رسطاليس: حكيم معروف من حكماء اليونانيين، والإسكندر: ملك من ملوك الروم دانت له الأرض بجملتها، والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لحمها عشرة أشهر، والبدر: جمع بدرة، وهي كيس فيه عشرة آلاف درهم، والنضار: الذهب، وقرى: بمعنى أضاف.
فيقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، وفرقهم الذين كنت تألفهم، أني جاست
[ ٢ / ٨٣ ]
بعدهم من ابن العميد الذي قصدت نحوه.
وتيممت أرضه، رسطاليس في درايته وحكمته، والإسكندر في تملكه ورفعته.
ثم قال: ومللت ما تعتد به الأعراب من نحر عشارها، وما تفتخر به في الضيافة من عقر جمالها، فأضافني ابن العميد؛ من ينحر لأضيافه بدر الذهب، ويريحهم من كد الطلب، ويعزون بجواره فلا يذلون، ويأمنون بمكانه فلا يخافون.
وَسَمِعْتُ بَطْلَيموسَ دَارِسَ كُتْبِهِ مُتَمَلِّكًَا مُتَبَدِّيًا مُتَحَضِّرا
وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلِيْنَ كأَنَّمَا رَدَّ الإلهُ نُفوسَهُمْ والأَعصُرا
نُسِقُوا لَنَا الحِسَابِ مُقَدَّمًا وَأَتَى فَذلِكَ إذْ أَتَيتَ مُؤخَّرا
بطليموس: حكيم من حكماء اليونانيين، ومليك من ملوكهم، والمتبدي: الذي يألف البوادي، والمتحضر: الذي يلازم الحواضر، والنسق: الجمع والنظم.
فيقول: وسمعت من ابن العميد بطليموس في سعة علمه، وبراعة لفظه، وتفقد لدراسة كتبه، متملكا في رفعته وجلالته، متبديا في عروبيته وفصاحته، متحضرا في دقته ولطافته.
ثم قال: ولقيت بلقائي له كل الفاضلين، وجميع الحكماء المتقدمين، حتى كأن الإله أشهدني عصورهم بمشاهدة عصره، وأراني كرم نفوسهم بما رأيته من كرم نفسه.
ثم قال: نسقوا لنا بذكر خصالهم، وما قيدته الأخبار من رفيع أحوالهم، على ما تقدم منهم في الأزمان الخالية، والمدد السالفة، وكانوا كالحساب الذي يقدم الكاتب في الصك ضروب رسومه، ويبين تفاسير وجوهه، ثم يجمع تلك الرسوم بجملتها، والتفاسير مع كثرتها، بقوله: فذلك، مشيرا إلى رأس العدد الذي يحضر ما ذكره، ويشتمل على جميع ما قدمه، فشبه ابن العميد بذلك الرأس، الذي يحيط مع تأخره، بما يتكاثر من الحساب مع تقدمه، وجعل فضائل جميع المتقدمين مشهودة بمشاهدة فضائله، محصورة في تضاعيف محاسنه.
[ ٢ / ٨٤ ]
يا لَيتَ بَاكِيَةً شَجَانِي دَمعُها نَظَرَتْ إلَيكَ كما نَظَرْتُ فَتَعذِرا
فَتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً الشَّمسُ تَشرِقُ والسَّحَابُ كَنَهوَرا
الشجو: الحزن، والكنهور من السحاب: ما تراكب وصار كأمثال الجبال.
فيقول مخاطبا لأبن العميد، ومشيرا إلى من تخلفه من أهله: يا ليت باكية شجاني عند فراقها ما أذرته من الدمع، وأوجعني ما أبدته من الوجد، نظرت كما نظرت، وأبصرت من فضائلك كالذي أبصرت، فتعذرني فيما تكلفته إليك من الرحلة، وما تحملته من ألم الفرقة.
ثم قال: فكانت تشهد منك الفضل الذي لا يعارض برده، والكرم الذي (لا) عهد لها بمثله، وتعاين من سحاب جودك كنهورا لا يفتر وبله، ومترادفا لا ينقطع سكبه، والشمس مع ذلك لا ينكسر ضوءها، ومشرقة لا ينتقض نورها، فترى السحاب على غير ما عهدته، وانسكابه على خلاف ما باشرته.
أَنَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ أَطيَبُ مَنزِلًا وَأَسَرُّ راحِلَةً، وَأَربَحُ مَتجَرَا
زُحَلٌ على أَنَّ الكواكِبَ قَومُهُ لَو كَانَ مِنكَ لَكانَ أَكرَمَ مَعشَرَا
زحل: كوكب معروف من السبعة الخنس التي ذكرها الله ﷿.
فيقول مشيرا باغتباطه بالوفود على ابن العميد: أنا أفضل الناس منزلا بكرم المنزل الذي تبوأته، وأسرهم راحلة ببركة السفر الذي تكلفته، وأربحهم متجرا بقبول الرئيس الذي وجهن إليه، واقتصرت بآمالي عليه.
ثم قال يخاطب ابن العميد ممدوحة: زحل مع جلالة رتبته، واستبانه رفعته، وأن الكواكب قومه، وبينها شاهد فضله، لو كان منك وإليك، وأقتصر في انتسابه عليك، لكان أشرف من الكواكب معشرا، وأجل منها أولا وآخرا. وهذا من إفراط الشعراء الذين يقصدون منه بذكر ما لا يمكن، إحراز الفضل ببلوغ غاية ما يمكن.
[ ٢ / ٨٥ ]
وقال يمدحه ويهنئه نوروزه، ويصف سيفا قلده إياه، وخيلا حمله عليها، وجائزة وصله بها.
جَاَء نَوروزُنَا وَأَنتَ مُرَادُه وَوَرَت بِالَّذي أَرَادَ زِنَادُهْ
هِذِهِ النَّظرَةُ التي نَالَهَا مِنْكَ إلى مِثلِهَا مِنَ الحَوْلِ زادُهُ
يَنثَنِي عَنْكَ آخِرَ اليَومِ مِنهُ نَاظِرٌ أَنْتَ طَرفُهُ وَرَقَادُهُ
النوروز: وقت من الربيع يعظمه الفرس، وتتخذه عيدا لأنفسها، والزناد: عيدان من أشجار معلومة، أشهرها المرخ والعفار، يحك منها العود بصاحبه بها النار، وتقول العرب: ورت الزناد، ووريت الزناد: إذا أخرجت النار على سرعة، وورت زناد فلان بأمر كذا: إذا أصاب منه ما يحب، ووريت كذلك، والطرف: تحرك العين بالنظر.
فيقول، وهو يخاطب ابن العميد: جاء نوروزنا الذي كنا نرتقب وقته وننتظر حينه، وأنت أيها الرئيس مراده الذي قصده، ومرجوه الذي اعتمده، ووردت زناده بالوفود عليك، وأدرك ما أمله من الوصول إليك.
ثم قال مخبرا عن النوروز، ومخاطبا للممدوح: هذه النظرة التي نالها من غرتك، والرفعة التي أحرزها بالوصل إلى حضرتك، زاده إلى مثل هذا الوقت من العام المستقبل، والزمان المنتظر، ويحسب ذلك يسرا ليرضيك بفعله، ويتزين لك ليوافقك بحسنه.
ثم قال على نحو ما قدمه: ينثني عنك عند اقتراب آخره، وانصرام سائره، ناظر منه، أنت طرفه الذي به ينتشر ويبصر، ورقاده الذي إليه يأوي ويسكن، فاستيحاشه إليك بمقدار سروره بالوفود عليك.
نَحْنُ في أَرضِ فَارِسٍ في سُرورٍ ذا الصَّباحُ الَّذي نَرَى مِيلادُهُ
عَظَّمَتُهُ مَمَالِكُ الفُرسِ حتَّى كُلُّ أَيَّامِ عَامِهِ حُسَّادُهُ
الميلاد: وقت الولادة، والممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك.
[ ٢ / ٨٦ ]
فيقول: نحن بأرض فارس في سرور قد عم، وشمل وكمل، وصباح يوم النوروز ميلاد ذلك السرور وأوله، وباعثه وموجبه، فالآمال منبسطة، والفرحات متصلة، والنعم سابغة، وأعين الحوادث نائمة.
ثم قال، وهو يريد النوروز: وقد أوجبت ممالك الفرس تعظيمه، وأظهرت إجلاله، حتى صارت أيام العام تحسده على رفعته، ولا تساويه في شرف رتبته.
ما لَبِسْنَا فِيهِ الأَكَالِيلَ حَتَّى لَبِسَتْها تِلاعُهُ وَوِهَادُهُ
عِندَ مَنْ لا يُقَاسُ كِسرَى أَبو سَاسَانَ مُلكًَا بِهِ ولا أَوْلادُهُ
عَرَبِيٌّ لِسَانُهُ فَلسَفِيٌّ رَأيُهُ فَارِسِيَّةٌ أَعيَادُهُ
الأكاليل: العصائب المنظومة بالجوهر، واحدها إكليل، والتلاع: أماكن مرتفعة يجري فيها الماء من الجبال، واحدها تلعة، والوهاد: مطمئنات من الأرض، واحدتها وهدة.
فيقول مشيرا إلى النوروز: ما لبسنا فيه الأكاليل، وما يقع موقعها من معلمات العمائم، ومزينات العصائب، مختلفين في حسن الهيئة، مشتملين بفاخر الكسوة، حتى لبست تلك الملابس تلاع فارس ووهادها، بما أبدته من أزاهير الروض، وأظهرته من بدائع النور. يشير إلى أن النوروز إنما يكون في الوقت الذي تتزين الأرض فيه لمبصرها، وتروق بما تبديه من غرائب زخرفها.
ثم قال مشيرا إلى ابن العميد ممدوحه: عند من لا يقاس به أبو ساسان، ولا سائر الأكاسرة من ولده، في سلطانه وجلالته، ونفاذه وسياسته، وما رفعه الله من قدره، وتكفل به من إعلاء أمره.
ثم قال مشيرا إليه: عربي اللسان فصاحة وإبانة، فلسفي الرأي حكمة ودراية، فارسي الأعياد كرما وسيادة، يشمل من ملكه بفضله، ويرضيه بقوله وفعله.
كُلَّما قَالَ نائِلٌ: أنَا مِنهُ سَرَفٌ، قَالَ آخرٌ: ذا اقتِصَادُهُ
[ ٢ / ٨٧ ]
كَيفَ يَرتَدُّ مَنْكِبِي عَنْ سَمَاءٍ والنِّجَادُ الذي عَلَيهِ نِجَادُهُ؟!
الاقتصاد: التوسط في الأمور، والنجاد: محمل السيف.
فيقول مشيرا إلى ابن العميد: كلما قال نائل من بذله، ومشهود من فضله، أنا إسراف فيما قصدت به، وغاية من الكثرة فيما اعتمدت له، أردف ذلك من جوده ما يزيد عليه ويغمره، ويجعله في حيز القصد ويصغره.
ثم قال وهو يريده: كيف يرتد منكبي عن رفيع من المواضع، وجليل من المراتب، والسيف الذي نجاده عليه من عطاياه ومواهبه، وما خصني به من فواضله؟! يشير إلى أنه خلع عليه سيفا أبان به ما يراعيه من أمره، ووصفه أبو الطيب فيما يتصل بهذا من شعره.
قَلَّدَتْنِي يَمِينُهُ بِحُسَامٍ أَعقَبَتْ مِنهُ واحِدًا أَجدَادُهُ
كُلَّما استُلَّ ضاحَكَتْهُ إيَاةٌ تَزعُمُ الشَّمسُ أَنَّها أَرآدُهْ
مَثَّلوهُ في جِفْنِهِ الفَقدِ فَفِي مِثلِ أَثْرِهِ إغمَادُهْ
الحسام: السيف الصارم، والأعقاب: مأخوذة من العقب، وهو ولد الرجل، وإياه الشمس: ضوءها، والأرآد: الأنوار، واحدها رأد، وأثر السيف: فرنده.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح، ويذكر السيف الذي وهب له: قلدتني يمينه بسيف، فرند في جنسه، وجيد في جلالة قدره، وأعقبته السيوف المتقدمة منه في الأزمان الخالية، والمده الطوال الماضية، واحدا لا نظير له، وغريبا لا يقترن شيء من السيوف به.
ثم قال منبها على كرم جوهره، وشرف عنصره: كلما أسئل ضاحكته إياة من أراد هذا السيف الظاهرة، وأنواره المشرفة البادية، وأن الشمس، مع أنها أصل الضياء، مضافة إليه، وعيال في الإشراق عليه.
ثم قال مشيرا إلى السيف الذي قدم ذكره: مثلوه في جفنه كلفا به، واستحسانا له؛
[ ٢ / ٨٨ ]
يردي: أن جفن هذا السيف كان محلى بذهب قد أجيد صقاله، وأثبت فيه مثاله، فصار الصقال في جفنه كالفرند المتلألئ في متنه، فكأنما أغمد في ذلك الأثر؛ لما في الذهب الذي حلي به غمده من جودة الصقل.
مَنعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَبًَا يَحْمِلُ بَحرًا فِرندُهُ إزبَادُهُ
يَقسِمُ الفَارِسَ المُدَجَجَ لا يَسلَمُ مِنْ شَفرَتَيهِ إلاَّ بدادُهْ
جَمَعَ الدَّهرُ حَدَّهُ وَيَدَيهِ وَثَنائي فاستَجمَعَتْ آحادُهُ
المنعل من السيوف: الذي يكون في أسفل غمده من الذهب والفضة، أو ما يقوم مقامهما مما يصان به، والفرند: وشيء السيف، والازباد: الرمي بالزبد، والمدحج: المشتمل بالسلاح، والبداد: لبد السرج، والآحاد: الأفراد.
فيقول: أن السيف الذي ذكره أنه وهب له، كان منعلا بالذهب، لا لحفاء لحقه، ولا لوهن أدركه، ولكن على سبيل الصيانة له، والشح به، وذلك الغمد المنعل يحمل من نصله ما هو كالبحر في رونقه وصفائه، وفرنده عليه كالزبد المتصل بمائه.
(ثم قال): الفارس المدجج في السلاح لا يعتصم منه بشكته، وما استظهر به من آلته وعدته، وينفذ فيه إلى أن يقد سرجه، ويدرك لبده. يريد أن هذا السيف قد جمع غاية الكرم في فعله ومخبره، كما جمع غاية الحسن في هيبته ومنظره.
ثم قال: جمع هذا السيف لهذا الدهر؛ ما هو عليه من نفاذ حدته، ويدي ابن العميد اللتين يبطشان بقوته، وثنائي الذي دللت به على حقيقة صفته، فاجتمعت له آحاد الزمان التي لا تماثل، ومفرداته التي لا تقاوم، وثنى اليد، وإنما تصرف السيف مفردة؛ لأن الأخرى تعضدها في تصرفها، وتسبب لها أسباب تمكنها.
وَتَقَلَّدَتْ شَامَةً في نَدَاهُ جِلدُها مُنفِسَاتُهُ وَعَتَادُهْ
فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ فَارَقَتْ لِبْدَهُ وَفِيها طِرَادُهْ
وَرَجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَرَاها وَبِلادٌ نَسِيرُ فيها بِلادُهْ
[ ٢ / ٨٩ ]
الشامة: معروفة، وهي التي تكون في الجسد مخالفة لسائر لونه، والمنفسات من المتاع: كل ما ارتفعت قيمته، الواحدة: منفسة، والعتد: ما إدخر لمهمات الأمور، والتفريس: تعليم الفروسية، والسوابق: كرائم الخيل، واللبد: لبد السرج، والطراد: تجاول الفرسان.
فيقول مشيرا إلى السيف الذي ذكره، ومخبرا بأنه كان محتقرا مع جلالته، فيما اقترن به من هبات ابن العميد التي وهبها له: وتقلدت من هذا السيف الذي قدمت وصفه، ما هو فيما استضاف إليه من الهبات المقترنة، كالشاملة التي لا تعتد بها لقلتها، ولا تكاد تتبين في الجلد لصغرها ودقتها، وجملة المواهب التي كان السيف فيها من منفسات المتاع، ومتخيرات العتاد. وكنى عن جملة المواهب بالجلد، وعن السيف الذي قل فيها بالشامة، وحمل الكلام على الاستعارة.
ثم قال: أفادتنا الفروسة سوابق خيل كانت في تلك الهبات، بحسن أدبها وتأتيها في تصرفها، ففارقت لبد الممدوح، وفيها ما حملها عليه من حسن الانقياد في المطاردة، ومحمود الطواعية عند المجاولة. وأشار بما ذكره إلى موضع ابن العميد من الفروسة، وأنه لم يؤثره بخيل في ركوبه، إلا لما أظهر عليه من الكرامة.
ثم قال: ورجت هذه الخيل أن تنال بهبتها لنا، راحة مما كانت عليه من مواصلة الغزو، ومداومة السفر، وهي تحمل منا في بلده أبناء نعمته، والمتصرفين بأمره في إقامته ورحلته.
هَلْ لِعُذْرِي إلى الهُمَامِ أَبي الفَضلِ قَبُولٌ سَوادُ عَينِي مِدَادُهْ
أَنَا مِنْ شِدَّةِ الحَيَاءِ عَلِيلُ مَكرُمَاتٌ المُعِلِّهِ عُوَّادُهْ
ما كَفَانِي تَقصيرُ ما قُلْتُ فِيهِ عَنْ عُلاهُ حَتَّى ثَنَاهُ انتِقادُهْ
الهمام: الملك الرفيع الهمة، وثنيك الشيء عن وجهه: إذا صرفته، والانتقاد: الامتحان والتخير.
[ ٢ / ٩٠ ]
فيقول مشيرا إلى تقصيره عن واجب الشكر، وتعديد ما أحاط به من الفضل: هل لعذري عند أبي الفضل الهمام الكبر، والرئيس الأكرم: موضع من تقبله، وحظ من تجوزه، فاجعل مداد كتابي بذلك العذر سواد عيني، إكراما له، وأبدر إلى ذلك وإلى مثله، إعجابا به.
ثم قال على نحو ما قدمه: أنا من شدة الحياء؛ لتأخري عن ما يلزمني لهذا الرئيس، كالعليل المخول الصحة، ردي الألم، المغلوب القوة، إلا أن مكرمات الذي أعلتني فواضله، بعجزي عن وصفها، وأخجلتني بتقصيري عن حقائق حمدها، تعودني متتابعة، وتتعاهدني متوالية، فلست أدري أي طريق أسلك إليها من الشكر، ولا كيف أقاوم كثرتها بجميل النشر؟!.
ثم قال: ما كفاني تقصير شكري عن فضله، وتأخر ما أبدعه من الشعر عن رفيع قدره، حتى أردف ذلك بانتقاده، الذي يقل كل إحسان عنده، وامتحانه الذي يغلب كل اجتهاد عفوه، فكيف لي بما يرضي ثاقب درايته، ويثبت على انتقاده مع سعة إحاطته؟!.
إنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنْنَ أَجَلَّ النُّجومِ لا أصطَادُهْ
رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَّفظُ عَنهُ والَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتِقَادُهْ
ما تَعَوَّدْتُ أَن أرَى كَأَبي الفَضلِ وَهذا الَّذي أَتَاهُ اعتِيَادُهْ
التعبير: الإبانة عن المعنى بظاهر اللفظ.
فيقول: أنني أصيد البزاة؛ يشير إلى أنه يبرز على المبرزين في الشعر، ويتقدمهم في بدائع النظم، وأجرى الكلام على الاستعارة، ثم قال: ولكن البازي مع ما هو عليه من النفاذ في الصيد، والتقدم في ذلك لأكثر صنوف الطير، لا ينال النجوم ولا يدركها، ولا يصيدها ولا يلحقها، وكذلك ابن العميد في فضله، وما آثره الله به من جلالة قدره، ولا يمكنني تعديد مكارمه، وأنا أقاوم بشعري ما أبانه الله من
[ ٢ / ٩١ ]
فضائله.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: رب شيء لا تعبر الألفاظ عن مثله، ولا تبلغ إلى حقيقة وصفه، والفؤاد يشهد له ويصدقه، ويعتقده ويتحققه. فأشار إلى أن في نفسه من إعظام ابن العميد وتفضيله ما لا يعبر عنه بشعره ولا يستوفيه بمبلغ وسعه.
ثم قال باسطا لعذر نفسه، ومعترفا بالتقصير عن وصف فضل الممدوح لشعره: ما تعودت أن أرى كأبي الفضل فيمن رأيته من العلماء، وامتدحته من الرؤساء، وكان امتداحي لهم بحسب أحوالهم، ومبلغ أقدارهم، فأشرت منه غير ما عهدته، واستقللت له من الشعر ما نظمته، والذي أسداه إلي من الفضل، وغمرني به من البذل، عادته التي عهدها، وطريقته التي لا منكر لها، فهو لا يخرج في الكرم عن عرفه، وأنا أحاول غير ما عهدته في وصفه.
إنَّ في المَوجِ لِلغَرِيقِ لَعُذْرًَا واضِحًا أَنْ يَفوتَهُ تَعْدادُهْ
لِلنَّدى الغَلبُ أَنَّهُ فَاضَ والشِّعْرُ عِمادِي وأبنُ العَمِيدِ عِمادُهْ
يقول مشيرا إلى ما أحاط به من فضل ابن العميد، وتقصيره عن بلوغ الواجب في ذلك: أن ما في موج البحر مع كثرتها، وامتناع الإحاطة بجملتها، ما يبسط عذر الغريق في عجزه عن حصرها بذكره، وإحصائها بعده. فشبه ما تتابع عليه من مواهب ابن العميد بأمواج البحر، وشبه بالغريق فيها؛ لتقصيره عن حقيقة الشكر.
ثم قال: للندى الذي هو خلق ابن العميد، الغلبة في المساجلة، والزيادة عند المماثلة، لأنه فاض علي وهو عماده، والإغراق فيه مراده، فعارضته بما أهديته إليه من الشعر، وأتحفته به من غرائب النظم، وذلك بأن الذي أسند إليه، وأعول عليه، فأعجز قولي بفعله، وزاد على جهدي بعفوه.
نَالَ ظَنِّي الأُمورَ إلاَّ كَريمًا لَيسَ لِيْ نُطقُهُ ولا فِيَّ آدُهْ
ظَالِمُ الجُودِ كُلَّما حَلّ رَكْبٌ سِيمَ أَنْ تَحمِلَ البِحَارَ مَزَادُهْ
[ ٢ / ٩٢ ]
الأيد والآد: القوة، والسوم: تحميل المشقة، والمزاد: القرب، الواحدة مزادة.
فيقول: أدركت الأمور ظنوني البعيدة، وكشفت المعاني العويصة، وقصرت عن أن تدرك كريما كابن العميد يربي على الكرام، ويزيد بفضائله على جميع الأنام، ولست مع ذلك أتعاطى في النطق رتبته، ولا أقوى على قوته، مع تقدمي في إدراك غوامضه، واشتهاري بالغوص على بدائعه.
ثم قال: وهو في كرمه ظالم لسؤاله، ومفرط على قصاده، يسومهم أن تتضمن أوعيتهم ما يهبه، وتستقل إبلهم بما يبذله لهم، هو في ذلك كمن يكلفهم تضمن البحر في الأوعية، والتحمل به في المزاد والأسقية.
غَمَرَتنِي فَوائِدٌ شَاَء فِيهَا أَنْ يَكونَ الكَلامُ مِمَّا أَفَادَهْ
ما سَمِعْنَا بِمَنْ أَحَبَّ العَطَايَا فَاشتَهَى أَن يَكونَ فيها فُؤادُهْ
يقول مشيرا إلى ابن العميد: غمرتني منه عطايا متتابعة، وفوائد مترادفة، أراد إفادتي فيها بغرائب الكلام، وإيثاري بنوادر البيان، مع أني رب هذه الصناعة، والمحتفل من هذه البضاعة.
ثم قال مشيرا إليه: ما سمعنا بمثل هذا الرئيس، من كريم أحب العطايا وألفها، وأفرط في شدة الشغف بها، حتى اشتهى أن يكون قلبه وما تضمنه من سعة الإحاطة، وأشتمل عليه من ثاقب الدراية، مما يهبه لمن يطرقه، ويتفضل به على من يقصده. يريد أن الممدوح أفاض عليه من علمه، كما أفاض عليه من جوده.
خَلَقَ اللهُ أَفصَحَ النَّاسِ طُرًَّا في مَكَانٍ أَعرَابُهُ أَكرَادُهْ
وَأَحَقَّ الغُيوثِ نَفْسًَا بِحَمدٍ في زَمانٍ كُلُّ النُّفوسِ جَرَادُهْ
مِثلَمَا أَحدَثَ النُبُوَّةَ في العالَمِ والبَعثَ حِينَ شَاعَ فَسَادُهْ
زَانَتِ اللَّيلَ غُرَّةُ القَمَرِ الطَّالعِ فيهِ، وَلَمْ يَشنهَا سَوَادُهْ
طرًا: يريد جميعًا، والأعراب: أَهل البادية، والعرب: أصحاب الإبل وبيوت
[ ٢ / ٩٣ ]
الشعر، والأكراد: صنف من العجم في أطراف بلاد فارسِ، يذهبون مذاهب الأعراب في مداومة الرحل، واتخاذ بيوت الشعر والإبل، والعالم: جميع الخلق.
فيقول: خلق الله ابن العميد، وهو أفصح الناس كلهم، وأنفذهم في البيان بأسرهم، في مكان من فارس منقطع عن الموسومين بالفصاحة، منتزح عن المتقدمين في حسن الإبانة، أعراب ذلك المكان الأكراد، الذين هم أهل العجمة، والمشهورون بالغباوة والهجنة.
ثم قال: وخلق في ذلك المكان من ابن العميد أحق الغيوث نفسا بحمد، وأهدى الكرماء إلى كل مجد، في زمان قد قل خيره، ودق أهله، وصارت أنفسهم كالجراد في دناءتها وقلتها، وما طبعت عليه من مضرتها، وكذلك إنما تلافى الله الناس بالرسالة الهادية، وأرشدهم بالنبوة الصادفة، حين شاع الفساد فيهم، واستولت أسباب الجاهلية عليهم، وكذلك يتلافاهم الله بأهل الكرم والبذل؛ ليديل بهم عن استيلاء الدناءة والبخل. يشير إلى أن ابن العميد ممدوحه، أصلح الله به ما فسد من أهل زمانه، وعمهم بتطوله وإحسانه.
ثم قال مبينا أن فضل ابن العميد لا يخل به نقصان أهل داره، وأن ذلك يزيد فيما أبانه الله من فضله: زانت الليل مع شدة سواده، واستكراه النفوس لإظلامه، غره القمر المشرق فيه بنوه، المجلي الظلمة بضوئه، ولم يشنه ذلك السواد ولا نقصه، ولا أخل به ولا وضعه، بل زادت مخالفته لليل في حسنه، وأكدت ما رفعه الله من قدره، وكذلك نقصان أهل الزمان، لا يخل بما جمعه الله لأبن العميد من التمام، بل ذلك يضاعفه ويتممه، ويبين مقدار نعمة الله فيه.
كَثُرَ الفِكرُ كَيفَ نُهدِي كَمَا أهدَتْ إلى رَبِّها الرَّئيسِ عَبَادُهْ
والَّذي عِندَنا مِنَ المَالِ والخَيلِ فَمِنهُ هِبَاتُهُ وَقِيَادُهْ
فَبَعَثْنَا بِأربَعِينَ مِهَارًَا كُلُّ مُهْرٍ مَيدَانُهُ إنشَادُهْ
[ ٢ / ٩٤ ]
الرب: المالك، ورب كل شيء مالكه، والعباد: جمع عبد، والقياد. ما يقتاد به الرجل الشيء إلى نفسه، والمهر: معروف، والميدان: مجال الخيل.
فيقول: كثر تفكيري فيما أهديه إلى هذا الرئيس في نوروزه، ممتثلا لما فعله عبيد نعمته وأبناء دولته، وعلمت أن ما يلزمني من الإتحاف له بحسب ما شملني من السعادة به.
ثم قال: وتأملت ما عندي من المال، وما أملكه من الخيل، فرأيته الذي وهب ذلك وبذله، وقاده نحوي وأرسله، فلم يحصل إتحافي له بهبته، وأطرافي إياه بنعمته.
ثم قال: فبعثت بمهار أربعين؛ يشير إلى أبيات شعره، وما أهداه فيها من مدحه، كل مهر إذا أرسله منشده، وأبان عنه مورده، تمكن في الآذان، وجال في ميدان الإحسان.
عَدَدٌ عِشتُهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ أَرَبًَا لا يَراهُ فِيمَا يُزادُهْ
فَارتَبِطهَا فإنَّ قَلبًَا نَمَاها مَربِطٌ تَسبِقُ الجِيادَ جِيادُهْ
الأرب: المراد، والجياد: عتاق الخيل، ونميت الشيء: رفعته وأظهرته.
فيقول مشيرا إلى بيوت شعره الأربعين التي قدم ذكرها: عدد عشته في تزيد من القوة، وتمكن من الصحة، يرى الجسم فيها لنفسه إرادة لا يراها فيما يستزيده من عمره، ويستقبله من دهره؛ يريد أن الأربعين أمد القوة، ومدة الشبيبة، وأن الإنسان بعدها منتقص في جسمه، منحط في جملة أمره؛ فلذلك ما تفاءل بالأربعين في عدة بيوت شعره، وأعتقد ذلك لممدوحه، فيما يقربه الله به من مقاصده، وييسره له من مواهبه.
ثم قال مخاطبا (أبن العميد)، ومشيرا إلى ما قدمه: فأرتبط ما قيدت فيك من هذه البيوت النادرة، وما أتحفتك به من هذه البدائع الشاردة، فأن قلبا نماها وأظهرها وهداها وسيرها، مربط تسبق الجياد غرائب فكره، وتتقدمها بدائع لفظه.
[ ٢ / ٩٥ ]
وأنفذت هاتان القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح بن محمد بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها، فقال أبو الطيب عند قراءة الكتاب:
بِكُتْبِ الأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْ فَدَتْ يَدَ كاتِبِهِ كُلُّ يَدْ
يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِندَنَا وَيَذْكُرُ مِنْ شَوقِهِ ما نَجِدْ
فَأَخرَقَ رَائِيَهُ ما رَأى وأبرَقَ ناقِدَهُ ما انتَقَدْ
أخرق: بمعنى أدهش، وأبرق: بمعنى أبهت.
فيقول: بكتب الأنام كتاب يعدلها بجلالته، وينوب عن جميعها بكرامته، جعل الله كل يد فداء يد كاتبه، ولا أعدم الزمان تزينه به.
ثم قال: يعبر فيه عن مثل ما بأنفسنا من الحرص عليه، ويخبر عن مثل ما نعتقده من النزاع إليه، ويذكر من الشوق كالذي نجده، ويقول فيه ما نعتقده.
ثم قال: فأخرق ذلك الكتاب ما رأى من غرائبه، وأبرق منتقده ما باشره من بدائعه، وأشرف من ذلك على ما يسلب النفوس بحسنه، ويتحكم عليها ببراعة لفظه.
إذا سَمَعَ النَّاسُ ألفاظَهُ خَلَقْنَ لَهُ في القُلُوبِ الحَسَدْ
فَقَلْتُ وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَ كَذَا يَفعَلُ الأَسَدُ ابن الأَسَدْ
الخلق: التقدير في الصناعة، والفرس: دق العيون.
فيقول مشيرا إلى الكتاب الذي قدم ذكره: إذا سمع الناس بدائع لفظه، وتأملوا غرائب حسنه، بعث ذلك في قلوبهم الحسد لكاتبه، وأوجب عليهم المنافسة فيه لصاحبه.
ثم قال مخبرا عن نفسه: فقلت وقد فرس الناطقين بعجزهم عن مقاومته، ووقوع البأس لهم عن مماثلته، هكذا يفعل الأسد ابن الأسد في إدراك ما لا يدرك مثله، والوصول إلى ما يتعذر فعله.
[ ٢ / ٩٦ ]
وأحضرت مجمرة قد حشيت نرجسا وآسا، حتى خفيت نارها، فكان الدخان يخرج من خلالها، فقال أبو الطيب:
أَحَبُّ امرئٍ حَبَّتِ الأَنفُسُ وَأطيَبُ ما شَمَّهُ مَعطِسُ
وَنَشَرٌ مِنَ النَّدِّ لَكِنَّمَا مَجَاِرُهُ الآسُ والنَّرْجِسُ
وإنَّ القِيامَ الأُلى حَولَهُ لَتَحْسُدُ أَرجُلَها الأَرُؤسُ
النشر: الفوح، والند: ضرب من الطيب، والآس: الريحان، والنرجس: نوار معروف، والألى: بمعنى الذين، والعز الأقعس: التمكن الظاهر.
فيقول مشيرا إلى ابن العميد: هذا أحب من تخصه النفوس بحبها، وتعتمده الألسن بشكرها، وحذف هذا، وجعل أحب الذي هو خبر عنه دليلا عليه، والعرب تفعل ذلك، ثم أشار إلى ما كان بحضرته من الطيب، فقال: وأطيب ما سكنت الأنفس إلى ريحه، وشمت المعاطس تضوع فوحه، وحمل آخر الكلام من الحذف على ما حمل عليه أوله.
ثم قال على نحو ذلك: ونشر من الند يسطع دخانه، ويعبق نسيمه، إلا أن مجامر ذلك الدخان يشملها الآس الذي قد جللها، وبعينها النرجس الذي قد أحاط بها.
ثم قال: ولسنا نرى لهبا يؤثر في ذلك الند، ولا نارا تهيج روائح ذلك الطيب. يشير إلى أن الآس والنرجس سترا ذلك اللهب وغيباه، وأحاطا به وشملاه، فهل هاجه أيها الرئيس وأبانه، وأظهره فوح كرمك وأثاره؟!.
ثم قال مخبرا عن الممدوح الذي استفتح بذكره: وأن القيام الذين حوله لتحسد رؤوسهم أرجلهم على ما تتصرف فيه من خدمته، وتنافسها في اعتماد القائمين عليها بحضرته.
[ ٢ / ٩٧ ]
وكتب إليه الملك فنا خسرو عضد الدولة كتابا يستزيره فيه، فقال عند مسيره إليه مودعا:
نِسُيتُ وما أُنسَى عِتَابًا على الصَّدِّ وَلاَ خَفَرًا زَادتْ بِهِ حُمرَةُ الخَدِّ
ولا لَيلَةً قَصَّرتُها بِقَصُرتُها بِقصُورَةٍ أَطَالَتْ يَدي في جِيدِها صُحبَةَ العِقدِ
الخفر في المرأة: إفراط الحياء، والقصيرة والقصورة من النساء: التي تقصر في حجابها، والجيد: العنق.
فيقول: تتناساني من أكلف بحبه، وأكثر الحنين إلى قربه، وما أنسى عتابي له على صده، وتوسلي بإقامتي على عهده، وخفره عند تلك المعاتبة، وخجله لما أورد من تلك المخاطبة، وازدياد حمرته بذلك الخفر، وتمتعي منه بلذة النظر.
ثم قال: ولا أنسى ليلة قصرتها بقصير كثيرة النشر، منعمة رفيعة القدر، أطالت يدي صحبة العقد في جيدها، ونعمت بمساعدتها وقربها، وأشار بما ذكره من صحبة يده لعقدها إلى المعانقة، ودل بذلك على شدة الملازمة.
وَمَنْ لِي بِيَومٍ كَرهْتُهُ قٌربتُ بِهِ عِندَ الوَدَاعِ مِنَ البُعْدِ
وألاَّ يَخُصَّ الفَقدُ شَيئًَا لأَنَّني فَقَدْتُ فَلَمْ أَفقِدْ دُمُوعِي ولا وَجدِي
تَمَنٍّ يَلذُّ المُستَهامُ بِمثلِه وإن كانَ لا يُغنِي فَتِيلًا ولا يُجدِي
الفتيل: سحاءة في شق النواة، يضرب المثل في القلة، ويجدي: بمعنى يفيد.
فيقول: ومن لي بيوم كيوم وداعي لمن أحبه، مع تكرهي لكونه، وما أتشكاه من فعله، فقد قرب لي من الدنو إليه ما كان يبعد، ومكن لي ما كان يمنع، فكيف لي بألم يقود إلى مثل تلك اللذة، ومكروه يؤدي إلى مثل تلك الخطوة؟!.
ثم قال: ومن لي بأن يكون الفقد فيما يسوء ويسر، وشاملا فيما ينفع ويضر؟ فإني فقدت من أحبه، ولم افقد الوجد به، وعدمته ولم أعدم الحزن له، فليت الفقد عدل في حكمه، وجرى على العموم في فعله.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه: تمن أتمناه ملتذا بذكره، وقول به المستهام يسكن إلى
[ ٢ / ٩٨ ]
مثله، وأن كان لا يجدي على من يستعمله، ولا يغني فتيلا عمن يتكلفه، فالأماني شواغل لا تحمد عواقبها، وأباطيل لا ترتقب عوائدها.
وَغَيظٌ عَلى الأَيَّامِ كَالنَّارِ في الحَشَا وَلَكِنَّهُ غَيظُ الأَسِيرِ على القِدِّ
فَإما تَرَيْنِي لا أُقِيمُ بِبَلدَةٍ فآفَةُ غِمدِي في دُلُوقِيَ مِنْ حَدِّي
يَحُلُّ القَنَا يَومَ الطِّعَانِ بِعَقوَتِي فَأَحرِمُهُ عِرضِي وَأُطعِمُهُ جِلدِي
القد: سير من جلد يشد به الأسير، والدلوق: خروج السيف من الغمد دون استلال، والعقوة: فناء الدار.
فيقول على نحو ما قدمه: وغيظ على الأيام فيما تؤثره من الجور في الحكم، والإساءة في الفعل، يشبه النار في التضرم، وما يثيره في الإحساس من التوقد، ولكنه غيظ الأسير على القد يذله ويقصر هـ، ويستولي عليه ويقهره.
ثم قال مقبلا على مخاطبه: فإما تريني موقوفا على الرحل، متحملا لمؤونة السفر، لا أقيم ببلدة، ولا أنفد من رحلة، فآفة ما يشتمل علي من تلك البلاد، أنه لا يقنعني برفده، فأدلق عنه دلوق السيف الصقيل من غمده.
ثم قال مشيرا إلى موضعه من البأس، وما هو عليه من جرأة النفس: تحل الحرب بساحتي فتساجل فيها الأقران، وتطاعن فيها الفرسان، فأبلغ من الإقدام على شدائدها، والاقتحام في غمرات وقائعها، مبلغا أعرض فيه نفسي، وأظهر فيه جسمي للسلاح غير متوقع، وأباشر غير متهيب، ولا أوجد السلاح سبيلا إلى عرضي بالإحجام عنه، ولا يتعلق على المذمة في الإشقاق منه.
تُبَدِّلُ أَيَّامِي وَعَيشِي وَمَنزِلي نَجَائِبُ لا يُفكِرْنَ في النَّحسِ والسَّعْدِ
وَأَوْجُهُ فِتيَانٍ حَيَاءٍ تَلَثَّموا عَلَيهِنَّ لا خَوفًَا مِنَ الحَرِّ والبَردِ
وَلَيسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّنْبِ شِيمَةً وَلَكنَّهُ مِنْ شِيْمَةِ الأسَدِ الوَردِ
النجائب: كرائم الإبل، والتلثم: التنقب على الفم، فإذا كان على الأنف فهو التلثم،
[ ٢ / ٩٩ ]
والشيمة: الخلق.
(فيقول) مشيرا إلى ملازمته للسفر، وما هو عليه من مداومه الرحل: تبدل أيامي بتخالفها، وعيشي بتصرفه، ومنزلي بتقاربه وتباعده، نجائب نافذات في السير، جريات على تقحم القفر، لا يفكرن فيما يتهيأ لهن من إقبال الجد، ولا يحلفن بما يواجهنه من النحس والسعد.
ثم قال: ويبدل ذلك فتيان أصحبهم، وأنجاد من الأبطال الفهم، وآنس بموضعهم، وأدل ببأسهم وتقدمهم، يستعملون اللثم على وجوههم حياء، يقودهم إليه فضلهم، ويحدوهم عليه وكرمهم، لا ضعفا عن الحر وتحمله، وإشفاقا عن البرد وتموته.
ثم قال: وليس حياء الوجه من شيم الذئاب، وما شاكلها من مخاتلة السباع، ولكنه من شيم الأسد التي تقصد ما تريده مجاهرة، وتأخذ ما تفرسه مغالبة. فأشار إلى أن الحياء الذي وصف به أصحابه موصول فيهم بأشد القوة، مصحوب بأوفر البأس والنجدة.
إذا لَمْ تُجِزهم دَارَ قَومٍ مَوَدَّةٌ أَجازَ القَنَا والخَوفُ خَيْرٌ مِنَ الوُدِّ
يَحِيدونَ عَنْ هَزلِ المُلُوكِ إلى الَّذي تَوَفَّرَ مِنْ بَينِ المُلُوكِ على الجِدِّ
الحائد عن الشيء: الذي يعدل عنه، والتوفر على الشيء: التفرغ له، والجد في الأمور: الاعتزام ومجانبة الهزل.
فيقول مشيرا إلى بأس أصحابه: إذا لم تجزهم ديار من يمرون به في سفرهم المودة والمقاربة، والمحبة والمؤالفة، أجازتهم رماحهم وشدتهم، ونفذ بهم إقدامهم ونجدتهم، والخوف في تقريب المطالب، وتسهيل المقاصد، أنفذ من المحبة، وأنفع من المعرفة والمودة، ولذلك تقول العرب: (فوق خير من حب).
ثم قال، وهو يريد أصحابه، يحيدون عن هزل الملوك وترفهم، وباطلهم ورفاهيتهم، إلى ابن العميد مقصودهم، وهو الذي وفر نفسه من بين سائر الملوك
[ ٢ / ١٠٠ ]
على الجد، وصرف اعتياده إلى ما يستكثر به من السيادة والمجد.
وَمَنْ يَصحَبِ أسمَ ابن العَمِيدِ مُحَمَّدٍ يَسرْ بَينَ أَنيَابِ الأسَاودِ والأُسدِ
يَمُرُّ مِنَ السُّمِّ الوَحِيِّ بِعَاجِز وَيَعبُرُ مِنْ أَفواهِهِنَّ عَلى دُردِ
الأساود: الحيات، والأسد: معروفة في السباع، والسم الوحي: السريع القتل، والدرد: التي قد ذهبت أضراسها.
فيقول: ومن يصحب أسم ابن العميد متبركا به، ويتفاءل بسعادته قاصدا له، يستقرب البعيد، ويسهل عليه العسير، ويسير بين أنياب الأساود والأسد غير متهيب، ويتصرف هنالك غير متوقع.
ثم أكد ما قدمه؛ فيما يكشف قاصد ابن العميد من سعادته، فقال: يمر من السم الوحي بعاجز عن ضره، ويستعمله غير متخوف له على نفسه، ويعبر من أفواه الأسد والأساود على درد لا يتخوف عضها، ومغلوبة لا يتهيب أمرها، وجعل ما ذكره على سبيل المثل، وأشار إلى أن سعادة ابن العميد تحجز قاصده عن كل مضرة، وتحول بينه وبين كل مساءة.
كَفَانَا الرَّبِيعُ العِيسَ مِنْ بَرَكَاتِهِ فَجَاَءتهُ لم تَسمَعْ حُدَاءً سِوَى الرَّعدِ
إذا ما إستَحَينَ الماَء يَعرِضُ نَفسَهُ كَرَعنَ بِسبتٍ في إناءٍ مِنَ الوَردِ
كَانَا أَرادَتْ شُكرَنَا الأرضُ عِندَهُ فَلَم يُخلِنَا جَوٌّ هَبَطنَاهُ مِنْ رِفْدِ
الربيع: مدة ثلاثة أشهر، أولها انصرام ثنتين وعشرين ليلة من شهر آذار، والعيس: الجمال البيض، والكرع: الشرب، والسبت: جلود تدبغ من القرظ، والجو: المطمئن من الأرض، والرفد: المعونة.
فيقول: أن سعادة ابن العميد أوجبت سفره إليه في أوان الربيع، فكفاه ذلك تمون طلب الكلأ والماء، ولم يعدم من الربيع سحابا يرويه، ورياضا معجبة، فجاءت رواحله والرعد يسوقها حاديا بها، والسحاب يرويها متعاهدا لها، كل ذلك ببركة
[ ٢ / ١٠١ ]
من قصدته، وسعادة الرئيس الذي اعتمدته.
ثم قال مشيرا إلى رواحله: (إذا ما استحين الماء)؛ لكثرة تعاهده لها، وأردن مقارضته لما يظهره من البر لها، ألفينه والروض يشمله، وشربنه والزهر يستره، فتناولته بمشافر كالسبت، ووافقته في إناء من الورد؛ فأشار بالورد إلى تروض مشاربها، وبالسبت إلى رقة مشافرها، وكذلك ترق مشافر الإبل إذا كرمت مراعيها، وإذا رعت الشوك جفت وغلظت، وتغيرت وخشنت، وقد ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره من الرواة.
ثم قال على نحو ما قدمه: كأنا بما أظهرته لنا الأرض من زخارفها، وطالعتنا من محاسنها، أرادت أن تشكر عند الرئيس الذي قصدناه بفعلها، ونثني عليه بما شهدناه من عونها، فلم يخلنا جو هبطناه، وموضع احتللناه، من رفد ومعونة، وتأثير ومبرة.
لَنَا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ وإتيَانِهِ نَبغِي الرَّغائِبَ بالزُّهدِ
رَجَوْنَا الَّذي يَرجونَ في كُلِّ جَنَّةٍ بِأَرجَانَ حَتَّى ما يَئسنَا مِنَ الخُلْدِ
الرغائب: الأشياء المرغوبة، واحدتها رغيبة، والزهد في الشيء: الإعراض عنه، وأرجان: البلد الذي كان فيه ابن العميد، والخلد: طول البقاء.
فيقول، وهو يريد ابن العميد: لنا مذهب العباد الذين يزهدون في الدنيا وأهلها، ولا يحفلون بشيء من أمرها، لما يرتجون في الآخرة من جزيل الثواب، ويرتقبونه فيها من كريم المآب، وكذلك رجونا نحن من الممدوح بزهدنا في غيره، كالذي رجاه العباد من نعيم الجنة، وأملوه من الراحة والنعمة، حتى ما يئسنا مع ذلك بسعادة الممدوح من بقاء يشبه الخلود بدوامه، ويتكمل بأفضل ما يؤمله من تفضله وإنعامه. وهذا الإفراط من تزيد الشعراء الذين يدعون فيه ما لا يمكن ليظفروا ببلوغ الغاية فيما يمكن.
[ ٢ / ١٠٢ ]
تَعَرَّضُ لِلزُّوَّارِ أَعنَاقُ خَيلِهِ تَعَرَّضَ وَحشٍ خائِفاتٍ مِنَ الطَّردِ
وَتَلقَى نَواصِيها المَنَايا مُشيحَةً وُرُودَ قَطًا صُمٍّ تَشَايَحنَ في وِردِ
وَتَنسُبُ أَفعَالُ السُّيُوفِ نُفُوسَهَا إليهِ وَيَنسُبنَ السُّيوفَ إلى الهِندِ
تعريض الفرس لعنقه: أن يولي الناظر صفحته، ويعدل عنه بوجهه، والمشيح: الجري المقدم، وقد تكون الإشاحة بمعنى الحذر، وتكون بمعنى الإعراض، والقطا الصم: الذي لا عهد لها بالأنيس ولا بأصواتهم، وهي تجيب (الماء) لا تسمع صوتا، ولا تذعر فيه، فليس تنثني عن الورود، قال الراجز:
رِدِي رِدِي وِردَ قَطاةٍ صَمَّا كُدْرِيَّة أَعجَبَها بَردُ المَا
فوصفها بالصمم لشدة إعتزامها على الورود.
فيقول: أن خيل ابن العميد تذعر بزواره؛ لاعتيادها أن تكون فيما يهبه لهم، فهي إذا أحست بهم عرضت أعناقها مستشرفة، وأصغت إليهم حذرة متوقعة، كما تفعل الوحش عند إحساسها بصائدها، وتوقعها لعادية طالبها.
ثم قال: وتلقى نواصي تلك الخيل المنايا مقدمة غير محجمة، ومبادرة غير متوقعة، وتردها ورد القطا الصم على مشاربها، وتسرع إليها كإسراعها إلى مواردها.
ثم قال، وهو يريد الممدوح: وتنسب أفعال السيوف أنفسها (إليه)، ولا تعول في نفاذها إلا عليه، مع أن السيوف إلى الهند منسوبة، وهي في تلك البلاد مطبوعة، ولكن أفعالها لهذا الممدوح خالصة، وهي في وقائعه متصرفة نافذة.
إذا الشُّرَفاءُ البِيضُ مَتُّوا بِقتوِهِ أَتَى نَسَبٌ أَعلى مِنَ الأَبِ والجَدِّ
فَتىً فَاتَتِ العَدوَى مِنَ النَّاسِ عَينُهُ فَمَا أَرمَدَتْ أَجفانُهُ كَثرَةُ الرَّمْدِ
وخَالَفَهمْ خَلقًَا وخُلقًا وَمَوضِعًَا فَقَد جَلَّ أَن يُعدَى بِشَيءٍ وأَنْ يُعدِي
القتو: الخدمة، والعدوى: اتصال الداء بغير صاحبه بالمجاورة ما هو أجل من
[ ٢ / ١٠٣ ]
أنسابهم، وأعلى من أوليتهم وأحسابهم.
ثم قال وهو يريده: فتى فات بكرمه أهل داره، وأربى عليهم برفيع قدره، فلم يعدوه بالنقصان الذي لحقهم، ولا نالوه بالتخلف الذي أحاط بهم؛ وضرب بالرمد مثلا لأهل زمانه، فيما هم عليه من التأخر، وأشار بسلامة الممدوح منه إلى موضعه من الرئاسة والتقدم.
ثم دل على حال الممدوح في أهل الزمان، فقال: وخالفهم بخلقه وخلقه ومنزلته وموضعه، فقد جل أن يعدوه لتواضعهم عنه، أو يعديهم لتباعدهم منه؛ لأنهم يقصرون عن تمامه، ويعجزون عن تفضله وإنعامه.
يُغَيِّرُ أَلوانَ اللَّيالِي على العِدَى بِمَنشُورَةِ الرَّاياتِ مَنصُورَةِ الجُندِ
إذا ارتَقَبُوا صُبحًَا رَأَوا قَبلَ ضَوئِهِ كَتَائِبَ لا يَردِي الصَّباحُ كَما تَردِي
وَمَبثُوثَةً لا تُتَّقَى بِطَلِعَةٍ ولا يُحتَمَى مِنها بِغَورٍ ولا نَجدِ
المنشورة الرايات: الجيوش، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والرديان: ضرب من العدو شديد، والغور: ما اطمأن من الأرض، والنجد: ما ارتفع منها.
فيقول مشيرا إلى الممدوح، وما هو عليه من كثرة جيوشه التي يوجهها إليهم، وجموعه التي تتواتر عليهم: ومما تتضمنه تلك الجيوش من السلاح الذي يضيء ويشرق، وينير ويتألق، وما يقترن بذلك من الرايات المنشورة، والكتائب المؤيدة المنصورة.
ثم قال، وهو يريد أعداء الممدوح: إذا ارتقبوا إسفار صبحهم، وانتظروا انصرام ليلهم، رأوا قبل ذلك كتائب سائرة، ومقانب راجعة، تبادر الصباح لسرعة سيرها، وتسابقه برديانها وعدوها.
ثم قال: ورأوا كثرة من الخيل مبثوثة، لا يعتصم من مثلها بطليعة؛ تؤذن بقربها، وتنبه من وراءه على أمرها، ولا يتخلص منها بسهول الأرض والإمعان في
[ ٢ / ١٠٤ ]
قطعها، ولا بجبالها والترقي في وعرها؛ لأنها تملأ السهول والأوعار، وتعم البسائط والجبال.
يَغضْنَ إذا ما عُدْنَ في مُتَفاقِدٍ مِنَ الكُثرِ غَانٍ بِالعَبِيدِ عَنِ الحَشْدِ
حَثَتْ كُلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ فَهُنَّ عَلَيهِ كالطَّريقِ في البُردِ
يغضن: يستترن، والمتفاقد: الجيش الذي يضل فيه الرجل صاحبه فلا يجده؛ لكثرة أهله، والكثر والقل: لغتان في الكثرة والقلة، والغاني: ذو الغنى، والحشد ما يستكثر به من الأباعد، وحثت: طرحت، والبرد: ثوب مطرق من ثياب اليمن.
فيقول مشيرا إلى (الكتائب) المبثوثة من الجيش الذي وصفه: يغضن، مع ما هن عليه من كثرتهن، واحتفال عدتهن عند انصرافهن إلى الجيش، في متفاقد لا يهتدي فيه الرجل إلى صاحبه، ولا الطالب إلى بغيته؛ لاحتفال جمعه وكثرة أهله، وهو مع ذلك مستغن بعبيد الممدوح عن الاحتشاد بغيرهم، وبخاصتهم عن الاستكثار بمن لا يدخل في رسمهم.
ثم قال مشيرا إلى كثرة ذلك الجيش، وحفل جماعته، وسعة موضعه، وبعد مسافته: حثت كل بقعة من الأرض في غباره تربة، وأظهرت في عجاجه سمة، فهي في ذلك الغبار كالطرائق في البرد تتبين ولا تكتتم، وتتميز ولا تستتر، وكل بقعة موضعه من الأرض على كثرة ما اشتمل عليه من الجمع.
فَإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَديُهُ فَهذا، وإلاَّ فالهُدَى ذَا، فما المَهدِى؟!
يُعَلِّلُنا هذا الزَّمَانُ بِذا الوَعدِ وَيَخدَعُ عَمَّا في يَدَيهِ مِنَ النَّقْدِ
هَلِ الخَيرُ شَيءٌ لَيسَ بِالخَيرِ غَائِبٌ أَمِ الرُّشْدُ شَيءٌ غَائِبٌ لَيسَ بالرُّشدِ
المهدي: إمام عادل من أهل البيت، بشر به رسول الله ﷺ، يكون في آخر الزمان، فيما ينقله بعض الرواة، والهدى: الاحتمال على الرشد.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فأن يكن المهدي الذي بشر به، إنما استحق هذا
[ ٢ / ١٠٥ ]
الاسم لبيان رشده، وتكامل فضله، فهذا الممدوح ذلك لا محالة، وإلا فأن الهدى مشهود في صواب فعله، وما أظهره الله من مشكور سعيه، فما المهدي؟ وما الزيادة التي ترتقب منه، والفضيلة الغائبة التي تؤثر عنه؟.
ثم قال: يعللنا هذا الزمان بما يتخاين به عن المهدي، وصلاح الجميع به، وما دخره الله من الفضائل له، ويخدعنا عما نشهده في ابن العميد من تمام خصاله، وجلالة حاله، فيصير في ذلك كمن يدع النقد لدين يرتقبه، والحاصل لأجل ينتظره.
ثم قال مؤكدا لما قاله: فهل يجوز لمن تحقق الخير وشاهده، أن يظن أنه غائب عن حضرته؟ أم يمكن لمن باشر الرشد وعاينه، أن يحتسب أنه بعيد عن مشاهدته؟! فأشار إلى أن ابن العميد تقتضي صفاته جميع ما بشر به في المهدي، وإذا كان ذلك، فهو أحق الناس بهذا الاسم، وأولاهم بإحراز هذا الفضل.
أأحزَمَ ذِي لُبٍّ وأَكرَمَ ذِي يَدٍ وَأَشجَعَ ذِي قَلبٍ وَأَرحَمَ ذِي كِبدِ
وَأَحسَنَ مُعتَمٍّ جُلوسًَا وَرِكبَةٍ عَلَى المِنبَرِ العَالِي أَو الفَرَسِ النَّهدِ
تَفَضَّلَتِ الأيَّامُ بالجَمعِ بَينَنَا فَلَمَّا حَمِدْنا لَم تُدِمنا على الحَمْدِ
اللب: العقل، والفرس النهد: القوي المشرف.
فيقول، وهو يخاطب ابن العميد، وناداه بالألف وهي من حروف النداء: أأحزم ذوي الألباب فيما يشيره وتفعله. وأكرم ذوي الأيد فيما يسمح به ويبذله، وأشجع ذوي القلوب فيما يقصده، وأرحم ذوي الأكباد من يرعاه فقصر الحزم على اللب؛ لأنه الباعث عليه، والكرم على اليد؛ لأنها المتصرفة فيه، والشجاعة على القلب؛ لأنها منسوبة إليه، والرحمة على الكبد؛ لأنها موصوفة بها في المدح، وبالقسوة التي هي ضدها في الذم. وهذا باب من البديع يعرف بالتقسيم.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأحسن المعتمين جلوسا على المنابر العالية، وأجملهم
[ ٢ / ١٠٦ ]
ركوبا على الخيول العتاق السامية؛ فأشار بذكر العمائم إلى تفضيله على جميع ملوك العرب الذين يختارونها لزيهم، ويتجملون بها في أيام حفلهم، وذل بما وصفه من التمكن على المنابر إلى موضعه من الخطابة، وبما وصفه به من الحذق بركوب الخيل إلى موضعه من الشجاعة، وأبدع بحسن التقسيم ولطف الإشارة.
ثم قال مؤذنا لرحلته، وقاصدا إلى الممدوح بمخاطبته: تفضلت الأيام لمشاهدتي لك، وما مكنته من الاجتماع بك، فلما حمدت ما فعلته، وسكنت إلى ما مكنته، لم يدم ذلك فأديم حمدها، ولا وصلته فأقول بشكرها، ولكنها ألزمتني الارتحال عنك، وسلبتني غبطة الاقتراب منك.
جَعَلْنَ وَدَاعي واحِدًا لِثَلاثَةٍ جَمَالِكَ والعِلمِ المُبَرِّحِ والمَجدِ
وَقَدْ كُنتُ أَدرَكتُ المُنَى غَيرَ أَنَّني يُعَبِّرُنِي أَهلِي بإدرَاكِها وَحدِي
وَكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بِمُصبَحِي أَرَى بَعدَهُ مَنْ لا يَرَى مِثلَهُ بَعدِي
العلم المبرح: الذي يشق بالطالب إدراك مثله، والصبح: وقت الصباح.
فيقول مشيرا إلى الأيام، ومخاطبا للممدوح: جعلن وداعي فعلا مني واحدا لخصال منك ثلاث؛ جمالك الذي لا تقاوم بهجته، وعلمك الذي لا تعادل كثرته، ومجدك الذي لا تماثل رفعته.
ثم قال: وقد كنت أدركت منك غاية الرغبة، واشتملت في حضرتك بأوفر النعمة، إلا أن أهلي يعيرونني بالاستئثار عليهم، وينكرون انفرادي بالحظ الجليل دونهم، فأنا أرغب مساهمتهم في فضلك، ومشاركتهم فيما وصله الله ﷿ علي من رفدك.
ثم قال: وكل من يسر من أهلي بمصاحبتي له، ويرتاح عند اختلائي به، أرى منك بعده من لا يعتاض بعدي بمثله، ولا يصل إلى ما أصل إليه من فضله، والنفوس
[ ٢ / ١٠٧ ]
إلى الأهل جانحة، وفي مشاركتهم بصلاح الحال راغبة.
فَجُدْ لِي بِقَلبٍ إنْ رَحَلتُ فَإنَّني أُخَلِّفُ قَلبِي عِندَ مَن فَضلُهُ عِندِي
وَلَو فَارَقَتْ جِسمِي إليكَ حَياتُهُ لَقُلتُ أَصَابَتْ غَيرَ مَذمُومَةِ العَهدِ
يقول مخاطبا للممدوح: فجد لي بقلب أستمتع به بعد رحيلي عن أرضك، وأسكن إليه بعدما أحرمه من قدرك، فأني أخلف قلبي منك من يخلف عندي فضله، ولا أضن به على ما أستوفي بجهدي شكره.
ثم قال: ولو فارقتني حياتي إليك، وتاركتني بحرصها عليك، لقلت أصابت غير مذمومة العهد، وسلكت أبين مناهج الرشد.
[ ٢ / ١٠٨ ]