وهذا الاستنطاق هو الذي ذهب بإبراهيم بن سيار النظّام، الّذي هو إمام في علم الكلام إلى علاقة غلام؛ وذلك أنه لقي غلاما جميل الوجه، مقبول الصورة، فاستحسنه، وتصوّر فيه الصورة الباطنة المناسبة لخلقته الظاهرة، فقال له: يا غلام، إنه لولا ما سبق من قول الحكماء، لما جعلوا السبيل لمثلي إلى مثلك بقولهم: لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، ولا أن يكبر عن أن يقال له، لما أنست إلى مخاطبتك، ولا انشرح صدري إلى محادثتك، لكنّه سبب الإخاء وعقد المودّة، ومحلّك من قلبي محلّ الروح من جسد
[ ١ / ٢٧٤ ]
الجبان، فقال له الغلام- وهو لا يعرفه: لئن قلت ذلك أيّها الرجل، لقد قال أستاذنا إبراهيم بن سيار النظام: الطباع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قارنها بالموافقة، وكياني مائل إلى كيانك بكلّيتي؛ ولو كان الذي انطوى عليه لك عرضا لم أعتدّ به ودّا، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذليّ:
فتبيّني أني بكم كلف ثم اصنعي ما شئت عن علم (١)
فقال له النظام: إنما كلّمتك بما سمعت، وأنت عندي حسن الصورة غلام، ولولا أنّ محلّك محلّ مقيم ما تعرّضت لك، ثم اعتلقه النظام بعد، وقال فيه جريا على علمه:
[الطويل]
توهّمه طرفي فآلم خدّه فصار مكان الوهم من نظري أثر (٢)
وصافحه كفّي فآلم كفّه فمن لمس كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
وقال فيه أيضا: [الكامل]
وإذ تأمّل في الزّجاجة ظلّه جرحته لحظة مقلة الظّلّ
وقال فيه أيضا: [الرجز]
أفرغ من نور سماويّ مصوّر في جسم إنسيّ
وافتقر الحسن إلى حسنه فجلّ عن تحديد كيفيّ
وقال فيه: [مجزوء الكامل]
يا مشرقا ملأ العيو ن فلحظها ما يستقلّ
أوفى على شمس الضّحى حتى كأنّ الشمس ظلّ
أتريد قتلي عامدا ولقتل مثلي ما يحلّ
فصرّف في شعره من صناعته، وأبدع في تخيله ببراعته.
***
_________________
(١) يروى البيت: فتعلّمي أن قد كلفت بكم ثم افعلي ما شئت عن علم وهو لأبي صخر الهذلي في الإنصاف ١/ ٢٠٥، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٧٥، وشرح المفصل ٨/ ٧٦.
(٢) الأبيات في أمالي المرتضى ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قوله: «غرّته»، أي وجهه. طرّ، أي قطع وأذهب. تصفيف طرّته: شعره المعتدل على جبهته. أفيكة أفّاك: كذبة كذّاب. سفاك: قتّال. عضيهة: بهتان. وباطل. مغتال:
قاتل الغيلة. استوف: استكمل. جدّله: صرعه وألقاه على الجدالة، وهي الأرض:
خاسيا: متباعدا ممنوع الكلام، كأنه قهره ومنعه أن يصيح عند قتله، ولذلك لم يجد عليه شاهدا، وأصله الهمزة فسهّله ليوافق «خاليا» إن أخذته من خسأت الكلب، وإن أخذته من خسي البصر إذا كلّ، فلا تسهيل فيه، ومعناه قريب من الأوّل، أي أنه أضعفه بالضرب حتى لم يستطع الكلام ثم قتله. أفاح دمه، بحاء مهملة: أراقه. قال أبو زيد في نوادره:
أفحت دمه ففاح فيحا وفيحانا، وأنشد: [الرجز]
نحن قتلنا الملك الجحجاحا ولم ندع لسارح مراحا
* إلّا ديارا أو دما مفاحا (١) *
وقال أبو حاتم: أراد: ودما مفاحا أي مهراقا. خاليا: بمعنى «منفردا». أنّى، بمعنى كيف. مشاهد: من شاهد حاله وحضر عليها. ولّني: مكّنّي. تلقينه: تفهيمه وإلقاءه عليه. يمين: يكذب. وجدك: حزنك. المتهالك: الكثير التفاوت، وتهالكت المرأة عليه: تراخت عليه، وتكاسلت، قال الأعشى: [الطويل]
تهالك حتى ينكر المرء عقله وتسبي الحكيم ذا الحجى بالتّقتّل (٢)
***
فقال الشّيخ للغلام: قل: والّذي زيّن الجباه بالطّرر، والعيون بالحور، والحواجب بالبلج، والمباسم بالفلج، والجفون بالسّقم، والأنوف بالشّمم، والخدود باللهب، والثّغور بالشّنب، والبنان بالتّرف، والخصور بالهيف، إنّني ما قتلت ابنك سهوا ولا عمدا، ولا جعلت هامته لسيفي غمدا، وإلّا فرمى الله جفني بالعمش، وخدّي بالنّمش، وطرّتي بالجلح، وطلعي بالبلح، ووردتي بالبهار، ومسكتي بالبخار، وبدري بالمحاق، وفضّتي بالاحتراق، وشعاعي بالإظلام، ودواتي بالأقلام.
***
_________________
(١) الرجز لأبي حرب بن عقيل الأعلم في لسان العرب (فيح)، والتنبيه والإيضاح ١/ ٢٦١، وتاج العروس (فوح)، ولمزاحم في كتاب الجيم ٣/ ٢٤، وليس في ديوان مزاحم العقيلي، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٥/ ٢٦٣، وديوان الأدب ٣/ ٤١٩، والمخصص ٦/ ٩٥، وجمهرة اللغة ص ١٨٢.
(٢) البيت في ديوان الأعشى ص ٣٥٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قوله: «الذي زيّن الجباه بالطرر ..»، إلى آخر يمينه، إنما ذكر صفات الحسن شيئا بعد شيء، ليري هذا الوالي كمال الغلام، فيشتدّ حبّه فيه، فإذا ذكر صفة من صفاته نبّه الوالي بذكرها على النّظر إليها، فوجدها كما يصف، فهو الآن في هذه اليمين يجلو محاسن الغلام عليه.
الطّرر: جمع طرّة، وهي اعتدال الشعر على الجبهة، والطّرّة عندهم أن يقطع للجارية من مقدّم ناصيتها حتى لا يبلغ الشعر حاجبيها، فيبقى ما بين شعر ناصيتها وحاجبيها من جبهتها نقيّا، والشعر عليها معتدل، كطرة الثوب ثم تسمّى الشعور الحسان طررا.
أنس ﵁ عن النبي ﷺ: «ثلاث فاتنات: الشّعر الحسن، والوجه الحسن، والصوت الحسن».
عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ: «ملائكة السماء يسبّحون بذوائب النساء وبلحى الرجال، فيقولون: سبحان الّذي زيّن الرجال باللحى، والنساء بالذوائب».
قال ﷺ: «إذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها».
قالوا: الشعر الحسن يزيد الوجه حسنا وجمالا، وقال ابن صارة- وكأنه وصف طرة هذا الغلام- يصف بها أبا الفضل بن الأعلم، وكان من أجمل الناس وأذكرهم في علم النحو والأدب، وقرأ النحو قبل أن يلتحى، فقال فيه: [الكامل]
أكرم بجعفر اللبيب فإنه ما زال يوضح مشكل «الإيضاح»
ماء الجمال بخدّه مترقرق فالعين منه تجول في ضحضاح
ما خدّه جرحته عيني، إنّما صبغت غلالته دماء جراحي
لله زاي زبرجد في عسجد في جوهر في كوثر في راح
ذي طرّة سبجيّة ذي غرّة عاجيّة كالليل والإصباح
رشأ له خدّ البريء ولحظه أبدا شريك الموت في الأرواح
***