وابن عباس ﵁، هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ، يكنى أبا العباس.
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفّي رسول الله ﷺ.
واختلف في السنة التي مات فيها، ما بين ثمان وستين في الأقل، وأربع وسبعين في الأكثر. وصلّى عليه محمد ابن الحنفيّة، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضرب على قبره فسطاط.
روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن» (١)، وفي حديث آخر: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين». وفي حديث آخر:
«اللهم زده علما وفقّهه» (٢)؛ وفي حديث آخر: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» (٣).
وكلها أحاديث صحاح.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يحبّه ويدنيه ويقرّبه ويشاوره، مع وفور جلّة الصحابة ﵃.
وكان ابن عمر ﵁ يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول.
عبد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسّنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثبت نظرا من ابن عباس.
ولقد كان عمر يعدّه للمعضلات، مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين.
عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكلّ خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربيّة والأنساب والشعر.
عطاء: كان الناس يأتون ابن عباس في الشّعر والأنساب، وناس يأتونه لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتونه للعلم والفقه، فما منهم صنف إلا يقبل عليهم بما يشاءون.
مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس؛ فإذا تكلّم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ٢٤، والترمذي في المناقب باب ٤٢، وابن ماجة في المقدمة باب ١١.
(٢) أخرجه بنحوه البخاري في الوضوء باب ١٠، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٣٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥.
(٣) راجع التخريج السابق.
[ ١ / ٢٠٠ ]
أبو وائل: خطبنا ابن عباس ﵄، وهو على الموسم، فافتتح سورة، فجعل يقرأ ويفسّر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والترك والروم لأسلمت.
طاوس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ، إذا ذكروا ابن عباس خالفوه، فلم يزل يقودهم حتى ينتهوا إلى قوله:
ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ولو أدرك أسناننا ما عاشره منّا رجل.
يزيد الأصمّ: خرج معاوية حاجّا، ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممّن يطلب العلم.
القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قطّ، وما سمعت فتوى أشبه بالسّنة من فتواه.
وكان أصحابه يسمونه الحبر والبحر. وذكر أبو العباس في الكامل أن عمر بن أبي ربيعة أنشده قصيدته: [الطويل]
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجّر (١)
فحفظها من سمعها، وهي ثمانون بيتا.
مجاهد عن ابن عباس ﵄: رأيت جبريل ﵇ عند النّبيّ ﷺ مرتين، ودعا لي بالحكمة رسول الله ﷺ مرتين.
وروى عنه أنه رأى رجلا مع النبيّ ﷺ فلم يعرفه، فسأل عنه النبيّ ﷺ، فقال له النبي ﷺ: أرأيته؟ قال: نعم، قال: ذاك جبريل، أمّا إنّك ستفقد بصرك؛ فعمي بعد ذلك في آخر عمره، وهو القائل في ذلك- ويروى لحسان ﵄: [البسيط]
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور (٢)
قلب ذكيّ وعقل غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
نظر إليه الحطيئة في مجلس عمر ﵄، فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنّه؟ فقيل له: عبد الله بن عباس.
وقال فيه حسان بن ثابت ﵄: [الطويل]
إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه رأيت له في كلّ أحواله فصلا (٣)
_________________
(١) البيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٩٢، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٢٦.
(٢) البيتان في ديوان حسان بن ثابت ص ١٦٥.
(٣) الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ص ٣٥٩.
[ ١ / ٢٠١ ]
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتطحات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقّة فنلت ذراها لا ذليلا ولا وغلا
ونظر إليه معاوية يوما يتكلّم معه، فأتبعه بصره، فقال متمثّلا: [الطويل]
إذا قال لم يترك مقالا لقائل مصيب ولم يثن اللّسان على هجر
يصرّف بالقول اللّسان إذا انتحى وينظر في أعطافه نظر الصّقر
وروي أن طائرا أبيض خرج من قبره، فتأوّلوه علمه خرج إلى الناس.
وقيل: دخل قبره طائر أبيض، فقيل: هو بصره.
وقال أبو الزبير: مات ابن عباس ﵄ بالطائف، فجاء طائر أبيض فدخل في نعشه حين حمل، فما رئي خارجا منه.
وفضائله كثيرة مشهورة، فلنقف منها على هذا القدر.