مدينة عظيمة من بلاد مصر، بناها الإسكندر ذو القرنين، وهو الذي مشى مشارق الأرض ومغاربها. قال السدّيّ: لما سأل أهل الكتاب النبيّ ﷺ عن ذي القرنين، قال:
سأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم: إنّ أول أمره أنه غلام من الروم، أعطي ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عندها مدينة يقال لها الإسكندرية.
وقال الهمذانيّ: ذو القرنين ينسب إليه التاريخ قبل الإسلام، ومؤدّبه أرسطاطاليس الحكيم، وكان ملكه الذي بلغ فيه أقصى المشرق والمغرب خمسة عشر عاما، والإسكندرية لما بناها رخّمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام، وإذا كانت ليلة مقمرة يدخل الخياط الخيط في خرق الإبرة من بياض رخامها.
وقيل: إنها مكثت سبعين عاما لا يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من بياض جصّها ورخامها، ولم يحتج لها في تلك المدة إلى سراج بالليل من ضيائها.
وقيل: كانت ثلاث مدن يحيط بجميعها سور.
قال ابن جبير: ما شهدنا بلدا أوسع مسالك، ولا أعلى بناء، ولا أعتق ولا أحفل من الإسكندرية، وأسواقها في نهاية الاحتفال ومن أعجب ما في وصفها أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق، لأنّ الماء إذا جاء من النيل يخترق جميع آبارها وأزقّتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض، ويمدّ بعضها بعضا، وعاينّا فيها من سواري الرّخام وألواحه كبرا وعلوّا واتساقا حسنا ما لا يتخيّل إلا بالوهم؛ حتى إنك تلقى بعض
[ ١ / ٢٤١ ]
سواريها يغصّ بها الجوّ صعودا لا يدري معناها، ولا لأيّ شيء وضعت إلا ما يتحدّث به أنه كان عليها من قديم الزمان مبان للفلاسفة وأهل الرّئاسة ومن أعظم عجائبها المنار، آية للمتوسّمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى برّ الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلا، ومبناه في نهاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجوّ سموّا وارتفاعا ينحصر عنه الوصف، وينحسر دونه الطّرف، الخبر عنه يضيق، والمشاهدة له تتسع، ذرعنا أحد جوانبه الأربع، فألفينا فيه نيّفا وخمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة.
وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج، ومداخل وكثرة مساكن حتى إن الوالج في مسالكه ربّما ضلّ، وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة، يتبرّك الناس بالصلاة فيه، طلعنا إليها، وشهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف، والله تعالى لا يخليه من عزة الإسلام.
***
قوله «عشية عريّة»، أي باردة. يفضّه: يفرّقه. ذوي الفاقات: أهل الفقر والحاجات. عفرية: يقال رجل عفرية وعفرّ وعفرّيّ، إذا كان صحيحا شديدا موثّق الخلق، أخذ من عفر الأرض، وهو التراب، أي من علق به عفره بالأرض ومنه ليث عفرّين، أي ليث ليوث، معفّر لفريسته. قال الخليل: رجل عفر بيّن العفارة، إذا وصف بالشيطنة، والعفّير أيضا: الظّريف الكيّس، ويقال للشيطان: عفريت وعفرية، وهم عفارية. وقرئ: «قال عفرية من الجنّ»، وفي الحديث: «إن الله ليبغض العفريت النّفريت» (١)، قيل هو الجموع المنوع.
وقال أبو عثمان النّهديّ: دخل رجل عظيم الجسم على النبيّ ﷺ فقال له: متى عهدك بالحمّى. قال: ما أعرفها، قال فبالصّداع، قال: ما أدري ما هو! قال: أفأصبت بمالك؟ قال: لا، قال: أفرزئت بولدك؟ قال: لا، فقال ﷺ: «إن الله يبغض العفريت النّفريت» (٢)، وهو الذي لا يرزأ في بدنه ولا يصاب في ماله.
وقوله: «تعتله»، أي تسوقه بعنف، وكذلك تدعّه. مصبية: لها صبيّ. جرثومة:
أصل، وكذلك أرومة. ميسمي: علامتي. الصّون: الصيانة والانقباض. شيمتي:
طبيعتي. الهون: الرفق. بون: بعد. بناة: جمع بان، والمجد: الشرف الضخم، وأصله من الإبل المواجد، وهي التي امتلأت بطونها من الرّعي وعظمت. وأمجدها راعيها، إذا رعاها بحيث تمجد، ومجدت وهي تمجد: رعت فامتلأت. وحكى الأصمعيّ قال: أتيت
_________________
(١) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٥/ ٩٣، بلفظ: «إنّ الله يبغض العفرية النفرية» أي المنكر الخبيث. وقيل: النفرية والنفريت: إتباع للعفرية والعفريت.
(٢) راجع الحاشية السابقة.
[ ١ / ٢٤٢ ]
شعبة يوما؛ وعنده حماد بن سلمة، وهما يتكلّمان في حديث فقال شعبة: يا أبا سلمة، هذا الفتى الذي ذكرت لك فقال حماد؛ يا بنيّ كيف تنشد بيت الحطيئة: «أولئك قوم ..»؟ فابتدأت القصيدة من أوّلها: [الطويل]
ألا طرقتنا بعد ما هجعت هند وقد سرن خمسا وائلات بها الجدّ
إلى أن بلغت قوله: [الطويل]
أولئك قوم إن بنوا البنى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا (١)
فقال لي حماد: يا بنيّ إن العرب تقول: بنى يبني بناء في العمران، ويقولون في الشرف: نبا ينبو نبوا، فأنشد هذا البيت «أحسنوا البنى» فعرفت قدر حمّاد من ذلك فما كنت أنشد إلا كما لقّنني.
قوله: «أرباب الجدّ». أي أصحاب السعد والمال. والعرب تقول: لفلان جدّ من الدّنيا، أي حظ وبخت، قال امرؤ القيس: [الوافر]
* وقاهم جدّهم ببني أبيهم (٢) *
وقال آخر: [الخفيف]
عش بجدّ ولا يضرّك نوك إنما عيش من ترى بالجدود (٣)
وجدّ الرّجل: صار له جدّ، وأجدّه الله: جعل له جدّا، وما كنت ذا جدّ، ولقد جددت تجدّ، ورجل جديد: حظيظ من الجدّ والحظّ.
أبو عبيد قوله: «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد»، أي ولا ينفع ذا الغنى منك غناه إنما تنفعه طاعته. يعقوب: أي من كان له حظ في الدنيا لم ينفعه ذلك في الآخرة.
بكتهم: قطع كلامهم وأهانهم. عاف: كره. وصلتهم: اتّصالهم به، والوصلة:
سبب التواصل، وهي في الآدميين ما يصل واحدا بآخر من حبّ وغيره، والوصلة بالفتح:
ما جعلته بين عود وعود، أو حبل وحبل، فوصلتهما به. صلتهم: عطيتهم. حلفة:
يمين. يصاهر: يخاتن. حرفة: صنعة ومكسب، وهي فعلة من الحرف وهو الحرمان،
_________________
(١) البيت للحطيئة في ديوانه ص ٤١، ولسان العرب (عقد)، (بنى)، والمخصص ٢/ ١٦٤، ٥/ ١٢٢، ١٥/ ١٣٩، وتهذيب اللغة ١/ ١٩٧، ١٥/ ٤٩٢، وتاج العروس (بنى).
(٢) يروى البيت: رقاهم جدهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب وهو في ديوان امرئ القيس ص ١٣٨، ومقاييس اللغة ٤/ ٨٣.
(٣) البيت لأبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي في لسان العرب (عجه)، وتاج العروس (هبنق)، (عجه)، وبلا نسبة في لسان العرب (هبنق).
[ ١ / ٢٤٣ ]
والمحارف: المحروم، كأنّ صاحبها منع الرزق، فصار يعالج كسبه.
أبو هريرة ﵁، قال ﷺ: «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح» (١).
سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، ومن النساء الغزل».
***
فقيّض القدر لنصبي ووصبي، أن حضر هذا الخدعة نادى أبي، فأقسم بين رهطه، أنّه وفق شرطه، وادّعى أنّه طالما نظم درّة إلى درّة، فباعهما ببدرة؛ فاغترّ أبي بزخرف محاله؛ وزوّجنيه قبل اختبار حاله، فلمّا استخرجني من كناسي، ورحّلني عن أناسي، ونقلني إلى كسره، وحصّلني تحت أسره، وجدته قعدة جثمة، وألفيته ضجعة نومة. وكنت صحبته برياش وزيّ، وأثاث وريّ، فما برح يبيعه في سوق الهضم، ويتلف ثمنه في الخضم والقضم، إلى أن مزّق حالي بأسره، وأنفق مالي في عسره.
***
قوله: «قيّض»، أي قدّر وساق. نصبي: تعبي. ووصبي: مرضي، ونصب الرجل نصبا. أعيا من التعب، ووصب وصبا: أتعبه المرض، فهو نصب ووصب. الخدعة:
الكثير الخداع لغيره، وبسكون الدال الذي يخدعه غيره كثيرا؛ التحريك للفاعل والسكون للمفعول فيما يأتي على «فعلة» من الصفات. نادى: مجلس. رهطه: قومه، وهو اسم لجماعة من ثلاثة إلى عشرة، ويجمع أرهط وأراهط. وفق شرطه: أي موافق ما اشترط.
نظم درّة، يريد أنه جوهريّ ينظم سلوك اللؤلؤ. بدرة: عشرة آلاف درهم، وأراد بالدّرّة هنا الكلمة، ويعبّر بها عن الحكمة، قال النبيّ ﷺ «لا تدعوا الدّرّة في أفواه الكلاب»، يعني العلم. اغتر: انخدع، وهو افتعل من الغرور. زخرف محاله: تزيين باطله، وأصل زخرف؛ زيّن الشيء بالزخرف وهو الذهب. كناسي: بيتي وأصله للظّبي، وهو من قوله تعالى: الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٦] تشبيها لها بالظباء على ما ذكره ابن قتيبة؛ ويقال له: كناس ومكنس من الكنس، كأنّ الظبية قد كنست مرقدها ووطّأته. رحّلني: نقلني وحملني على الرّحل. كسره: بيته، وأصله جانب بيت الشّعر أو الخباء، لأنّ جانب الخباء قد انكسر عن يمينه. أسره: حبسه. قعدة: كثير القعود. جثمة: كثير الجثوم، وهو ملازمة الموضع. ضجعة: كثير الاضطجاع، وهو الامتداد على الأرض للنوم. نومة: كثير النوم، قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لهم المقت من الله»، وذكر الذي يكثر النّوم بالنهار،
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٣٤، ٣٥٧.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولم يأخذ من الليل شيئا، وفي حديث آخر: «خير أهل شر الزمان مؤمن نومة» (١). أبو عبيدة: هو الخامل الذّكر الذي لا يعرف الشرّ وأهله، فتريد أنه عاجز قد لازم بيتها، فإن تصرّفت فيه اعترضها ممتدّا، فلا تجد معه راحة. رياش: ثياب، «فعال» من الرّيش، لأنها تكسو البدن كما يكسو الرّيش الطائر. زيّ: هيئة حسنة من اللباس. أثاث: متاع. ريّ:
حالة حسنة، وأصله الهمز، فسهّل وأدغم ليوافق «زيّا» قال ابن الأنباريّ: الأثاث:
المتاع. والرّؤي والرّؤاء: المنظر، وما له رؤاء أي ما له منظر ولا لسان. والحرفان، من رأيت أرى. ما برح: ما زال. الهضم: النّقصان. الخضم: الأكل بالفم كله. والقضم:
الأكل بأطراف الأسنان. مزّق: قطع وأفسد. حالي: غناي، ويروى «ما لي» مكان «حالي»، وما فيه بمعنى الّذي كأنه قال: فرّق الذي لي، ورواية ابن ظفر «بالي» بالباء، وقال: البال: الخاطر، وما لهذا الشيء بال، إذا حقّرته، والبال كالخلد، تقول خطر ببالي، كما تقول: خطر بخلدي ونفسي، وكأنّ هذا هو الأصل. والبال: الحال أيضا، ومنه قوله: [الوافر]
* وخالف بال أهل الدّار بالي*
عسره، أي فقره.
***
فلمّا أنساني طعم الرّاحة، وغادر بيتي أنقى من الرّاحة، قلت له: يا هذا، إنّه لا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس، فانهض للاكتساب بصناعتك، وأجنني ثمرة براعتك؛ فزعم أنّ صناعته قد رميت بالكساد، لما ظهر في الأرض من الفساد، ولي منه سلالة، كأنّه خلالة، وكلانا ما ينال معه شبعة، ولا ترقأ له من الطّوى دمعه، وقد قدته إليك، وأحضرته لديك، لتعجم عود دعواه، وتحكم بيننا بما أراك الله.
فأقبل القاضي عليه، وقال له: قد وعيت قصص عرسك، فبرهن الآن عن نفسك، وإلّا كشفت عن لبسك، وأمرت بحبسك؛ فأطرق أطراق الأفعوان، ثمّ شمّر للحرب العوان، وقال:
***
الراحة: القرار والعيش الهنيء، وأراد بأنقى من الراحة خلوّ الكف من الشعر.
مخبأ: ستر. بؤس: شدّة وفقر. عطر: طيب.
_________________
(١) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٣١ من حديث علي بلفظ: «أنه ذكر آخر الزمان والفتن، ثم قال: خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نومة».
[ ١ / ٢٤٥ ]
ولا عطر بعد عروس، مثل يضرب لتأخير الشيء عن وقت الحاجة إليه، وأصله أن رجلا تزوّج امرأة فوجدها تفلة، فقال لها: أين عطرك؟ قالت: خبأته لغير هذا الوقت، فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس؛ وبهذا اللفظ روى أبو زيد الأنصاريّ المثل.
البكريّ: عروس رجل كانت عنده ابنة عمّ له، فمات عنها، فتزوّجها بعده ابن عمّ لها آخر، وهي كارهة، وانطلق بها إلى أهله وقد زوّدها طيبا في سفط، فمرّ بها بقبر عروس، فأقبلت تبكيه وترفع صوتها، وتقول: يا عروس الأعراس، ويا شديد الباس؛ مع أشياء لا يعلمها النّاس. فانتهرها زوجها، وقال: ما تلك الأشياء؟ فقالت: كان عن المكارم غير نعّاس، يعمل السيف صبيحة الباس. ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الكريم المحضر، مع أشياء كانت تذكر؛ فازداد زوجها غضبا، وقال: ما تلك الأشياء؟
فقالت: كان عيوفا للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، ثم أخذت السّفط وكسرته على قبر عروس، ثم قالت: لا عطر بعد عروس، فذهب مثلا. فقال زوجها: ارجعي إلى أهلك، أنت طالق، فقالت: إذا أنصرف مغتبطة.
وعن ابن عباس ﵄، أن عروسا هذا رجل من هذيل، وامرأته هذليّة اسمها أسماء.
قوله: «براعتك»، أي جودة تدبيرك. سلالة: ولد صغير كما سلّ من بطن أمه؛ ولهذا سمّي ولد الناقة عند النّتاج قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى: سليل، ثم اتسعوا في السّلالة فقالوا: فلان كريم السّلالة. والخلالة: عود تنقّى به الأضراس من الطعام، شبّهت ولدها به في رقّته. ترقأ: تنقطع. الطّوى: الجوع، وقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» (١). تعجم: تختبر. دعواه: ما ادّعاه من الصّنعة، وعجمت العود:
عضضته بأسنانك لتعلم قوّته من ضعفه. وعيت: حفظت. قصص عرسك: حديث زوجك. برهن: أظهر حجّتك، والبرهان: الحجّة. لبسك. تخليطك والتباس أمرك.
أطرق: أمال رأسه إلى الأرض ساكتا. الأفعوان: ذكر الأفاعي، وهذا منقول من قول المتلمّس:
فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
ووقع لنا في رواية «لناباه»، وهي لغة. شمّر: احتزم. العوان: التي قوتل فيها مرة بعد أخرى، وهي أشدّ، والمرأة العوان: التي علت في السن ولم تهرم. والعوان:
الثيّب، كانت ذات زوج أو لم تكن، وعوّنت المرأة تعوينا، والجمع عون. [المنسرح]
***
اسمع حديثي فإنّه عجب يضحك من شرحه وينتحب
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٤٥، وأحمد في المسند ٢/ ١٦٠، ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أنا امرؤ ليس في خصائصه عيب ولا في فخاره ريب
سروج داري الّتي ولدت بها والأصل غسّان حين أنتسب
وشغلي الدّرس، والتّبحّر في ال علم طلابي، وحبّذا الطّلب
ورأس ما لي سحر الكلام الّذي منه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجّة البيان فأخ تار اللآلي منها وأنتخب
وأجتني اليانع الجنيّ من ال قول، وغيري للعود يحتطب
وآخذ اللّفظ فضّة فإذا ما صغته قيل إنه ذهب
وكنت من قبل أمتري نشبا بالأدب المنتقى وأحتلب
ويمتطي أخمصي لحرمته مراتبا ليس فوقها رتب
وطالما زفّت الصّلات إلى ربعي فلم أرض كلّ من يهب
***
قوله: «ينتحب»، أي يبكى، ونحب نحيبا: أعلن بالبكاء. خصائصه: فضائله وما يختصّ به من الأفعال المحمودة. ريب: شكوك. التبحّر: التوسّع. طلابي: أي طلبي، وإنما هو للعلم، وذكر التبحّر واللآلئ والغوص وغير ذلك مجازا؛ وقال النبي ﷺ: «ما انتعل رجل قطّ ولاتخفّف ولا لبس ثوبا ليغدو في طلب علم يتعلمه إلّا غفر الله له حيث يخطو عتبة بيته». روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من انتعل ليتعلم خيرا غفر الله له قبل أن يخطو».
ابن عباس ﵄، قال النبيّ ﷺ: «الغدوّ والرّواح في تعليم العلم خير عند الله من الجهاد في سبيله».
ابن مسعود ﵁، قال النبيّ ﷺ: «من خرج يطلب بابا من العلم ليردّ به ضلالا إلى هدى، أو باطلا إلى حق، كان كعبادة متعبد أربعين سنة».
قوله: «يصاغ»، أي يصنع. القريض: الشعر، أغوص: أغيب في الماء إلى قعره.
واللّجة: معظم الماء، جعله للبيان مجازا. اللآلئ: جمع لؤلؤة أنتخب: أختار. وقال المسيب بن علس في وصف الغائص وانتخابه الدرة وتشبيه المرأة بها: [الكامل]
كجمانة البحريّ جاء بها غوّاصها من لجّة البحر (١)
نصف النهار الماء غامره وشريكه بالغيب ما يدري
_________________
(١) البيت الأول في ديوان المسيب بن علس ص ٦٠٩، ومقاييس اللغة ١/ ٤٧٥، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٤٩٥، وأساس البلاغة (جمن)، والبيت الثاني في ديوان المسيب ص ٦١٠، وتهذيب اللغة ١٢/ ٢٠٣، وديوان الأدب ٢/ ١٢٢، وتاج العروس (نصف)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٤٣٢.
[ ١ / ٢٤٧ ]
فأصاب منيته فجاء بها صدفيّة كمضيئة الجمر
يعطى بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبه: ألا تشري!
وترى الصّراري يسجدون لها ويضمّها بيديه للنحر
وقال عبد الرحمن بن حسان: [الخفيف]
وهي بيضاء مثل جوهرة الغ وّاص ميّزت من جوهر مكنون (١)
وقال النابغة: [الكامل]
أو درّة صدفيّة غواصها بهج متى يرها يهلّ ويسجد (٢)
قوله: «اليانع» أي الناعم. الجنيّ: الطريّ. أمتري نشبا، أي أستخرج مالا، ومريت ضرع الناقة: مسحته وحككته ليدرّ اللبن. والنّشب، قيل: هو العقار وما لا ينقل، وكأنّ مالكه قد نشب إليه حيث لا ينتقل به، كالذي ماله الماشية أو الذهب والفضة. المنتقى:
المختار، ويروى «المقتنى»، وهو المكتسب. ويقال: احتلب وحلب حلبا، والحليب:
اللبن، وهو الحلاب، والحلاب أيضا: الإناء يحلب فيه، وأصله السّيلان. وتحلّب الضّرع: سال وانحلبت عينه: سال دمعها. يمتطي: يركب. أخمصي: باطن قدمي، وهو ما ضمر منها وارتفع عن الأرض. لحرمته: أي لرفعته وشرفه. مراتبا: منازلا: والمرتبة منزلة الشرف، من الرتب وهو ما أشرف من الأرض. والرّتب: جمع رتبة، وهي بمعنى المرتبة، وأصل الرّتب الدّرج تقطع في الحجر ليصعد بها إلى أعلى الجبل، ومنه رتب كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على نظام واعتدال. زفّت: حملت، من زففت العروس إلى زوجها إذا أهديتها له. الصّلات: العطايا. ربعي: منزلي. لم أرض كلّ من يهب، أي لا أرضى أن أكون تحت منّة كل أحد. [المنسرح]
***
فاليوم من يعلق الرّجاء به أكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا يرقب فيهم إلّ ولا نسب
كأنّهم في عراصهم جيف يبعد من نتنها ويجتنب
_________________
(١) يروى البيت: وهي زهراء مثل لؤلؤة العفر واص ميزت من جوهر مكنون وهو لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص ٦٩، ولسان العرب (خصر)، (سنن)، ولأبي دهبل أو لعبد الرحمن بن حسان في الكامل ص ٣٨٨.
(٢) البيت في ديوان النابغة الذبياني ص ٩٢، ولسان العرب (بهج)، (هلل)، وتاج العروس (بهج)، وأساس البلاغة (بهج)، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٦٧.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فحار لبّي لما منيت به من اللّيالي وصرفها عجب
وضاق ذرعي لضيق ذات يدي وساورتني الهموم والكرب
وقادني دهري المليم إلى سلوك ما يستشينه الحسب
فبعت حتى لم يبق لي سبد ولا بتات إليه أنقلب
وادّنت حتى أثقلت سالفتي بحمل دين من دونه العطب
ثمّ طويت الحثى على سغب خمسا فلمّا أمضّني السّغب
لم أر إلّا جهازها عرضا أجول في بيعه وأضطرب
***
من يعلق: معنى من استفهام. يرقب: يرعى. إلّ: قرابة، وإلّ: بقاء عهد.
وسبب: معرفة وصحبه، والسبب: العلم، ومنه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف:
٨٤]؛ وأصله الحبل؛ ثم يستعمل في كل ما يربط شيئا بشيء، من كلام أو غيره.
عراصهم: مواضعهم، وأصل العرصة، فناء الدار. يقال: لبّ الرّجل يلبّ لبابة، ورجل ملبوب: موصوف باللّبابة، ولبّ كل شيء من الثمار ولبابه: داخله، ولبّ كل شيء:
خالصه. منيت: ابتليت وقدّر لي. صرفها: تقلّبها وتصرّفها بما يكره. ذرعي: كناية عن صدري وخلقي، وأصل الذّرع كيل الشيء بالذّراع؛ ثم صار مثلا، يقال: ضاق ذرعي بكذا إذا لم تحتمله وضاق تصرّفك فيه. ذات يدي، أي مالي. ساورتني: واثبتني.
الكرب: الهموم، وكرّرها لاختلاف اللفظ. المليم: الذي أتى بما يلام عليه. سلوك:
دخول. يستشينه: يستعيبه، والشّين: العيب. لبد: شيء لا قليل ولا كثير، وأصله الصّوف، وأكثر ما يستعمل مزدوجا مع سبد؛ يقال: ما عنده سبد ولا لبد، أي لا شعر ولا صوف، ويراد بها نفي الإبل والغنم، ثم صار نفيا لكلّ شيء من المال. بتات: زاد.
أنقلب: أرجع.
ادّنت: أخذت بالدّين، وفي حديث عمر: «فادّان معرضا» (١). والسالفة: صفحة العنق، يريد أن هذا الدّين لثقله ومقاساة همومه فوق العطب، والعطب: الذي هو الهلاك دونه في الشدّة. عائشة ﵂: قال النبي ﷺ: «إذا أراد الله أن يذلّ عبده ابتلاه بالدّين وجعله في عنقه»، وقال أنس ﵁: قال النبيّ ﷺ: «إياكم والدّين فإنه همّ بالليل ومذلّة بالنهار»، وروى جابر ﵁، قال النبي ﷺ: «لا همّ إلا همّ الدّين ولا وجع إلا وجع العين».
الحشى: أسقاط الجوف. سغب: جوع. أمضّني: أحرقني. جهازها: متاعها الذي
_________________
(١) حديث عمر رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٤٩.
[ ١ / ٢٤٩ ]
جاءتني به، والجهاز، متاع البيت، يريد شوارها، عرضا، أراد «عرضا» فحركه ضرورة، والعرض الأمتعة هنا، أخبرني بهذا من يوثق به في اللغة: والعرض خلاف النقد مشهور في اللغة. وفي العين: العرض، بفتح الراء: كثرة المال، فيقول: لمّا لم يبق لي مال لم أر مالا إلا جهازها، فيكون على هذا أتمّ معنى، ويخرج عن الضرورة التي ألزمته ذلك التحريك. أحول: أتصرّف. أضطرب: أكثر الترداد والتصرّف. [المنسرح]
***
فجلت فيه والنّفس كارهه والعين عبرى والقلب مكتئب
وما تجاوزت إذ عبثت به حدّ التّراضي فيحدث الغضب
فإن يكن غاظها توهّمها أنّ بناني بالنّظم تكتسب
أو أنّني إذ عزمت خطبتها زخرفت قولي لينجح الأرب
فو الّذي سارت الرّفاق إلى كعبته تستحثّها النجب
ما المكر بالمحصنات من شيمي ولا شعاري التّمويه والكذب
ولا يدي مذ نشأت نيط بها إلّا مواضي اليراع والكتب
بل فكرتي تنظم القلائد لا كفّي، وشعري المنظوم لا السّخب
فهذي الحرفة المشار إلى ما كنت أحوي بها وأجتلب
فأذن لشرحي كما أذنت لها ولا تراقب واحكم بما يجب
***
عبرى: باكية. مكتئب: حزين. عبثت: لعبت وتحكّمت فيه؛ يقول: ما تصرّفت في بيعه إلا برضا منها ومنى. قوله: «توهّمها»، أي ظنها. خطبتها: مراسلتها في النكاح.
لينجح الأرب: لتقضى الحاجة. تستحثّها: تستعجلها. النّجب: الإبل الكرام. المكر:
الخداع، المحصنات: العفائف. شيمي: طبائعي. شعاري: علامتي: التمويه، تقدّم في الثامنة. نيط: علق، وناط الشيء نوطا: علّقه. اليراع: الأقلام. والمواضي: المسرعة في الكتابة؛ يريد أنه فصيح لا يتوقّف قلمه. السّخب: جمع سخاب، وهي قلادة قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. قال ابن ظفر: السّخب: العقود من اللؤلؤ وغيره، ومن الطّيب أيضا. أحوى: أحوز وأجمع.
فأذن: اسمع. لا تراقب: لا ترع منّا أحدا ولا تؤثره على صاحبه واحكم بيننا بما يجب؛ وأخذ معنى الأبيات المتقدمة من قول ابن هرمة:
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله كفّاي لكن لساني صائغ الكلم
وقال آخر: [الطويل]
[ ١ / ٢٥٠ ]
وإني لنظّام القلائد للعلى ولست بنظّام القلائد للنّحر
***
قال: فلمّا أحكم ما شاده، وأكمل إنشاده، عطف القاضي إلى الفتاة، بعد أن شعف بالأبيات، وقال: أما أنّه قد ثبت عند جميع الحكّام، وولاة الأحكام، انقراض جيل الكرام، وميل الأيّام إلى اللّئام، وأبي لإخال بعلك صدوقا في الكلام، بريّا من الملام، وها هو قد اعترف لك بالقرض، وصرّح عن المحض.
وبيّن مصداق النّظم، وتبيّن أنّه معروق العظم؛ وإعنات المعذر ملأمة، وحبس المعسر مالمة، وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصّبر عبادة، فارجعي إلى خدرك، واعذري أبا عذرك، ونهنهي من غربك، وسلّمي لقضاء ربّك. ثمّ إنّه فرض لهما في الصّدقات حصّة، وناولهما من دراهمهما قبضة، وقال لهما: تعلّلا بهذه العلالة، وتندّيا بهذه البلالة. واصبرا على كيد الزّمان وكدّه، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده. فنهضا وللشّيخ فرحة المطلق من الإسار، وهزّة الموسر بعد الإعسار.
***
قول: «أحكم»، أي أتقن. شاده: بناه وزيّنه، وشاد البناء: أطاله وعمله بالشّيد، وهو الجصّ، ويقال: فيه: أشاد، ويقال: شاد عمله بالشّيد وأشاده: أطاله، هو الأول، وأشاد الحديث: رفعه، وعطف: ثنى عنقه وردّها، وكل ما تثنيه من عنق أو جارحة أو عود فقد عطفته. شعف: أعجب. انقراض: انقطاع وهلاك. جيل: صنف، وجيلك:
أهل عصرك بعلك: زوجك؛ وبعل الرجل بعولة: تزوّج. والقرض: السّلف، أراد به ما أعطته من ثمن جهازها سلفا. صرّح: بيّن. وصرّح عن المحض، مثل يضرب لسرّ الأمر، إذا انكشف، وقالوا: أمر صراح، أي منكشف ظاهر، والصريح من اللبن: المحض الخالص الذي لا رغوة فيه، قال الشاعر: [الوافر]
* وتحت الرّغوة اللّبن الصّريح (١) *
_________________
(١) صدره: ولم يخشوا مصالته عليهم والبيت لنضلة السلمي في لسان العرب (فصح)، ولأبي محجن الثقفي في البيان والتبيين ٣/ ٣٣٨، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (صول)، وتاج العروس (صول)، ومجالس ثعلب ص ٨، وجمهرة اللغة ص ٥٤٢، ٥٥١.
[ ١ / ٢٥١ ]
ثم قالوا: لكل شيء خالص: صريح. وقوله: «بيّن مصداق النظم»، يريد أن نظمه إنما هو للشعر لا للجوهر. معروق: لا لحم على عظمه، أي هو فقير إعنات: مشقة.
المعذر: الذي يجهد نفسه في الشّيء ثم لا يستطيعه، يقال: قد أعذر، أي قد بيّن عذره أنّه لا يقدر عليه، وعذّر فهو معذّر، إذا قصّر في طلب الشيء، قال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [التوبة: ٩٠]، وقال ابن دريد:
* حكم المعذّر غير حكم المعذر*
الملائمة والمأثمة: اللؤم والإثم. والمعسر: الفقير: والزهادة: قلّة الرغبة، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «من جاع واحتاج فكتمه الناس وأنزله بالله، كان حقّا على الله أن يفتح عليه رزق سنة من حلال».
وعن ابن عمر ﵄، أن النبيّ ﷺ قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة».
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: «ما صبر أهل بيت على جهد ثلاثا إلا أتاهم الله ﷿ برزق».
خدرك: بيتك، وأصله السّتر يكون خلفه الجارية المحجوبة. أبا عذرك: زوجك المفتضّ لك. نهنهي: كفّي غربك: حدّة لسانك. وقيل: معنى «نهنهي من غربك»، أي غيّضي من دموعك، والغرب: فيض الدمع، والأوّل أشبه. سلّمي: انقادي. فرض، أي أوجب. حصّة: نصيب. ناولهما: أعطاهما. قبضة: ما أخذت بأطراف أصابعك.
العلالة: الشيء القليل. تعلّلا: خذا منه شيئا بعد شيء، وكذلك تندّيا، وأصل العلالة بقية الماء في الإناء، وبقيّة اللبن في الضّرع بعد الحلب، قال الرجز: [الرجز]
* يرضعها الدّرة والعلالة (١) *
والبلالة: الندى القليل يبلّ وجه الأرض. كيد: مكر. كدّه: جهده وأنشد أبو محجن الثقفيّ: [الطويل]
عسى فرج يأتي به الله إنّه له كلّ يوم في خليقته أمر (٢)
عسى ما ترى ألّا يدوم وأن ترى له فرجا مما ألحّ به الدهر
_________________
(١) يروى الرجز بتمامه: أحمل أمي وهي الحمّالة ترضعني الدّرّة والعلاله ولا يجازى والد فعاله والرجز بلا نسبة في لسان العرب (علل)، وتاج العروس (علل)، وكتاب العين ١/ ٨٨.
(٢) البيت الأول، لمحمد بن إسماعيل في حاشية شرح شذور الذهب ص ٣٥١، وبلا نسبة في الدرر ٢/ ١٥٧، وشرح شذور الذهب ص ٣٥١، وشرح ابن عقيل ص ١٦٦، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٥٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٢١٤، وهمع الهوامع ١/ ١٣١.
[ ١ / ٢٥٢ ]
إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنه قضى الله أنّ العسر يتبعه اليسر
الإسار: الحبل يشدّ به الأسير. هزّة: طرب. الموسر: الغنيّ. الإعسار: الفقر، وسئل حكيم: أيّ الأشياء أحلى؟ قال: النّصرة على العدوّ بعد الهزيمة، والاستغناء بعد الحاجة، والغلبة للمتكلم.
***
قال الرّاوي: وكنت عرفت أنّه أبو زيد ساعة بزغت شمسه، ونزغت عرسه، وكدت أفصح عن افتنانه؛ وإثمار أفنانه؛ ثمّ أشفقت من عثور القاضي على بهتانه، وتزويق لسانه، فلا يرى عند عرفانه، أن يرشّحه لإحسانه، فأحجمت عن القول إحجام المرتاب، وطويت ذكره كطيّ السّجلّ للكتاب، إلّا أنّي قلت بعد ما فصل، ووصل إلى ما وصل: لو أنّ لنا من ينطلق في أثره، لأتانا بفصّ خبره، وبما ينشر من حبره! فأتبعه القاضي أحد أمنائه، وأمره بالتّجسّس عن أنبائه، فما لبث أن رجع متدهدها، وقهقر مقهقها، فقال له القاضي: مهيم، يا أبا مريم، فقال: لقد عاينت عجبا، وسمعت ما أنشأ لي طربا، فقال له: ماذا رأيت، والّذي وعيت!
***
قوله: «بزغت»، أي طلعت. ونزغت: نشزت وقابلته بالشرّ والذّكر القبيح، وأراد أنّه عرفه حين ساقته زوجته إلى القاضي. أفصح: أبين. افتنانه: تنوّعه. إثمار: إخراج الثمر، وهو حمل كلّ شجرة. أفنانه: أغصانه. أشفقت: خافت. عثور: ظهور، وعثر على الأمر: اطّلع عليه. بهتانه: باطله وكذبه. تزويق: تزيين، وهو من الزّاووق الذي يعرفه العامة بالزّواق، أي أنه تزيين في الظاهر، وليس له ثبات. عرفانه: تقدّم معرفته.
يرشّحه: يهيئه، وفلان يرشّح لكذا، أي يؤهّل له، من رشّحت الأم ولدها باللبن، إذا جعلته في فيه شيئا بعد شيء حتى يقوى، وقيل: الترشيح: التربية، وقيل: هو تحنّن الأمّ على ولدها من الشدّة. أحجمت: تأخّرت. المرتاب: صاحب الريبة. طويت: سترت.
السّجل: الورق. والكتاب: المكتوب فيها، وقوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤]، قيل: السّجلّ: اسم كاتب للنبيّ ﷺ، وقيل: ملك من السماء الثالثة ترفع إليه الحفظة أعمال العباد كلّ خميس واثنين. فصل: زال وانفصل بفصّ خبره:
بحقيقة أمره. ينشر: يظهر. حبّره: حسّن كلامه، وأصله ثياب يمانية مزيّنة، ونشرها:
حلّها من طيّها. التجسّس: البحث. أنبائه: أخباره ما لبث، أي ما أقام، والمعنى ما أبطأ شيئا حتى رجع. متدهدها: متحرّكا، والتدهده: قذفك الحجر من أعلى إلى أسفل.
قهقر: رجع إلى خلف. مقهقها: مبالغا في الضحك، والقهقهة: حكاية صوت الضاحك.
[ ١ / ٢٥٣ ]
مهيم: كلمة استفهام، معناها: ما الأمر؟ عاينت: رأيت. أنشأ: أحدث، وتقديره:
سمعت شيئا أحدث لي ذلك الشيء المسموع الطّرب، ولا يكون «أنشأ» فعلا لأبي زيد، إنما هو فعل ل «ما» من قوله: «ما أنشأ». وعيت: حفظت.
***
قال: ولم يزل الشيخ مذ خرج يصفّق بيديه، ويخالف بين رجليه، ويغرّد بملء شدقيه، ويقول: [مجزوء الرمل]
كدت أصلى ببليّه من وقاح شمّريّه
وأزور السّجن لولا حاكم الإسكندريّة
فضحك القاضي حتّى هوت دنينته، وذوت سكينته، فلمّا فاء إلى الوقار، وعقّب الاستغراب بالاستغفار، قال: اللهمّ بحرمة عبادك المقرّبين، حرّم حبسي على المتأدّبين. ثم قال لذلك الأمين: عليّ به، فانطلق مجدّا في طلبه. ثمّ عاد بعد لايه، مخبّرا بنأيه، فقال له القاضي: أما إنّه لو حضر، لكفي الحذر، ثمّ لأوليته ما هو به أولى، ولأريته أنّ الآخرة خير له من الأولى.
قال الحارث بن همام: فلمّا رأيت صغو القاضي إليه، وفوت ثمرة التنبيه عليه، غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النّوار، والكسعيّ لمّا استبان النّهار.
***
يصفّق بيديه: يضرب بكفيه. يخالف بين رجليه: يعبث بهما في مشيه فيضع كلّ رجل موضع الأخرى، وهي من أنواع الرقص؛ أراد أنه يضرب بكفّيه ويرقص. يغرّد:
يغنّي. بملء شدقيه، أي بصوت شديد تمتلئ به أشداقه.
وملء القدح: قدر ما يملؤه. أبو يعقوب: يقال: أعطني ملء القدح ماء، وأعطني ملئيه، وأعطني ثلاثة أملائه.
أصلي ببليّة، أي قربت أن أحترق بها وأتصلّى بها، والبليّة: المصيبة يبتلى بها، وقاح، جمع وقاحة، وهي صلابة الوجه، وأصلها من الحافر الصّلب، وقال بعضهم في صلابة الوجه: [السريع]
لا يعمل المبرد في وجه بل وجهه يعمل في المبرد
فجعل وجهه لصلابته يؤثّر في الحديد. شمّريّة، أي شديدة القحة، قال الأصمعي:
سألت أعرابيّا، وقد خرج من الصّلاة: ما قرأ الإمام؟ قال: ما أدري إلا أنه وقع بين موسى وفرعون شمّريّة. هوت: سقطت. دنينته: قلنسوته، وهذه اللفظة إنما وقعت في
[ ١ / ٢٥٤ ]
المقامات بفتح الدال وكسر النون، ودنينته بنونين لتوافق «سكينته»، والصحيح حذف نونها الثانية وكسر الأولى، وهي قلنسوة محدّدة الطرف يلبسها القضاة والأكابر، وليست من كلام العرب، إنما هي من الألفاظ المستعملة في العراق، وقد استعملها شعراؤهم، قال ابن لنكك: [البسيط]
نفسي تقيك أبا الهندام يا أملي إنّي بكلّ الذي ترضاه لي راضي
ما كان أيرى فقيها إذ ظفرت به فكيف ألبسته دينيّة القاضي
وقال الصابي: [مجزوء الرجز]
وفوقه دينيّة تذهب طورا وتجي
ذوت: زالت وخفيت. سكينته: وقاره، وأصل ذوى، في الشيء الذي فيه بلل وندوّة، فيجفّ بلله، فاستعاره للسكينة. فاء: رجع. وعقّب: أتبع. الاستغراب: كثرة الضحك، حتى تدمع العينان؛ أراد أنه أتبع ضحكه الاستغفار ليكون كفّارة له، وهذا الذي حكي عن القاضي يحكى مثاله عن الحجاج، يقال: إنه كان إذا استغرب ضحكا يوالي من الاستغفار.
وقال عبد الله بن مسعود: في كتاب الله آيتان ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر الله إلا غفر له الأولى: قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً [آل عمران: ١٣٥]، والثانية قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء: ١١٠] الآية.
قال أبو سعيد الخدريّ ﵁: من قال: «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه» خمس مرّات، غفر له ولو فرّ من الزحف.
شدّاد بن أوس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «سيّد الاستغفار أن تقول:
اللهمّ أنت ربي لا إله إلا أنت وأنا عبدك أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١).
وأصل غفر واستغفر غطّى. قال قطرب: اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا، أي غطّها، من قول العرب: غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا، أي غطّيته. ثعلب: غفر الرجل في مرضه يغفر غفرا، أي نكس، فكأنّ المرض غطّى عليه. وقال الأصمعي ﵀: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، أي استرها علينا، ومنه: اصبغ ثوبك، فإنه أغفر للوسخ، أي أستر، وهذه معان متقاربة.
_________________
(١) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الدعوات باب ١، والترمذي في الدعوات باب ١٥، والنسائي في الاستعاذة باب ٥٧، ٦٣، وأحمد في المسند ٤/ ١٢٢، ١٢٥، ورواه الطبراني في الجامع الصغير ١/ ٥٧.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قوله: «عليّ به»، أي جئني به. مجدّا: مجتهدا في طلبه. لأيه: إبطائه. نأيه:
بعده. الحذر: الخوف. أوليته، بمعنى وليته وأعطيته. أولى: أحقّ، يريد أنه لو رجع إليه كان يصله في المرّة الثانية بما هو خير مما وصله به أوّل مرة. قوله: «صغو»، أي ميل.
فوت: ذهاب. التنبيه: الإعلام. غشيتني: غطتني. ولحقتني. أبان: طلّق. النّوار: بنت عم الفرزدق وزوجه. استبان: تبيّن.
وقال الشاعر: [الطويل]
لو أنّ صدور الأمر تبرز للفتى كأعقابه لم تلفه يتندّم (١)