وإنما أخذ الحريري هذا المعنى من قصة يزيد المدني، وكان من أهل الملح، فاستضافه أعرابيّ، فقال: ما عندنا إلا الأسودان، فقال الأعرابيّ: خير كثير، فقال: لعلك تظنّهما التمر والماء! والله ما هما إلا الليل والحرّة، فلم يكن ليزيد دار إلا الحرّة- وهي أرض سوداء فيها حجارة سود، وهي مقبرة المدينة- والقبور المجصّصة تكون بالليل موحشة، فما ظنك بقبور سود في أرض سوداء في ظلمة الليل! كيف حال من يكون هذا قراه! فبهذا البلاء أعرض يزيد عن ضيافة الأعرابيّ.
[ ١ / ١٤٦ ]
ونحو هذا من أقوال المازحين قول أبي الشمقمق- ويروى عن وهب عابد قرطبة: [الوافر]
برزت من المنازل والقباب فلم يعسر على أحد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي سماء الله أو قطع السحاب
وإنّي لم أجد مصراع بيت يكون من السّحاب إلى التراب
ولا أنشقّ الثرى عن عود نحت أؤمّل أن أشدّ به ثيابي
ولا خفت الإباق على عبيدي ولا خفت الهلاك على دوابي
وفي ذا راحة وفراغ بال فدأب الدهر ذا أبدا ودابي
وقال آخر: [الطويل]
ولمّا التمست الرزق فانجذّ حبله فلم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته فزوّجنيها الفقر إذ جئت أخطب
فأولدتها الحرف الشّقيّ فماله على الأرض غيري والد حين ينسب
فلو تهت في البيداء واللّيل مسبل عليّ جناحيه لما لاح كوكب
ولو خفت شرّا فاستترت بظلّه لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب
ولو جاد إنسان عليّ بدرهم لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب
وإن أر خيرا في الأنام فنازح وإن أر شرّا فهو منّى مقرّب
أمامي من الحرمان جيش عرمرم ومنه ورائي جحفل حين أركب
وقال آخر: [الخفيف]
لو ركبت البحار صارت أجاجا لا ترى في متونها أمواجا
ولو أنّي وضعت ياقوته حم راء في راحتي لصارت زجاجا
ولو أنّي وردت عذبا فراتا عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا
وقال آخر: [الخفيف]
لو وردت البحار أطلب ماء جفّ قبل الورود ماء البحار
أو مسست العود النّضير بكفّي لذوى بعد بهجة واخضرار
أو رمى باسمى النجوم الدّراري لانزوى ضوأها عن الأبصار
ولو أني بعت القناديل يوما أدغم اللّيل في ضياء النهار
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال شواش: [الكامل]
كسدت شواشينا وقلّ معاشنا فسعودنا مقرونة بنحوس
فكأنما قطعت رءوس الناس أو خلقوا لشقوتنا بغير رءوس
قيل لأبي الشمقمق: أبشر فإنّا روينا في الحديث: «العارون في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة»، فأنشأ يقول: [مجزوء الرمل]
أنا في حال تعالى الله ربي أيّ حال
ليس لي شيء إذا قيل لمن ذا؟ قلت ذا لي
فأراضي الله فرشي والسّماوات ظلالي
ولقد أفلست حتّى حلّ أكلى لعيالي
ومن رأى شيئا محالا فأنا عين المحال
لو بقي في الناس حرّ لم أكن في مثل حالي
قوله: «منزل»، أي مضيف. حلف: صاحب. منشئ: موضعي الذي نشأت فيه.