أبو عبادة. قال البكريّ: هو الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد، من بني بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهي طيّئ. شاعر مقدّم لا يعدل به أحد، يفضّل على حبيب، والناس في تفضيلهما على اختلاف.
قال أبو الفرج الأصبهانيّ: كان البحتريّ شاعرا فصيحا، حسن المذهب نقيّ الكلام، ختم به الشعراء المحدثون، وله تصرّف في ضروب الشعر، سوى الهجاء، فإنّ بضاعته فيه نزرة.
قال البحتريّ: وكان أول أمري أنّي سرت إلى أبي عامر بحمص، فعرضت عليه شعري- والشعراء يعرضون عليه أشعارهم- فترك من حضر وأقبل عليّ، فقال لي حين تفرّقوا: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلّة، فكتب إلى أهل معرّة النعمان، وشهد لي بالحذق في الشعر، وشفع لي إليهم، وقال: امتدحهم. فسرت إليهم، فأكرموني بكتابه، ووظّفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أوّل مال أصبته.
وحدّث أبو الفرج، قال: حدثني أبو الغوث البحتريّ، عن أبيه، قال: أوّل أمري أنّي دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغريّ، فأنشدته قصيدة أولها: [الكامل]
* أأفاق صبّ من هوى فأفيقا (١) *
فسرّ أبو يوسف بها، وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت- وفي مجلسه رجل رفيع نبيل قريب المجلس منه، فوق كل من حضر، تكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عليّ، ثم قال: أما تستحي مني! هذا شعري تنتحله وتنشده بحضرتي! فقال أبو سعيد: أحقّا ما
_________________
(١) عجزه: أم خان عهدا أم أطاع سفيقا والبيت في ديوان البحتري ٣/ ١٤٥٠، وهو بلا نسبة في رصف المباني ص ٣٨٢.
[ ١ / ٦٦ ]
تقول؟ قال: نعم، وإنما علقه منّي وسبق به إليك، وزاد فيه. ثم اندفع فأنشد أكثر القصيدة، حتى شكّكني- علم الله- في نفسي، وبقيت متحيّرا، فقال لي أبو سعيد: يا فتى، قد كان لك في قرابتك منّي ما يغنيك عن هذا! فجعلت أحلف بكل محرّجة من الإيمان أن الشعر لي، ما سمعته منه، ولا انتحلته. فلم ينفع ذلك شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي حتى تمنّيت أن يساخ بي في الأرض، فقمت منكسف البال، أجرّ رجليّ، فما بلغت باب الدار حتى ردّني الغلام، فأقبل عليّ الرجل وقال: الشعر لك يا بنيّ، والله ما قلته قطّ، ولا سمعته إلا منك؛ ولكنني كنت ظننت أنّك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي، تريد مضاهاتي، حتى عرّفني الأمير نسبك، ولوددت ألّا تلد طائيّة إلا مثلك، ودعاني وضمّني إليه، وعانقني، وأبو سعيد يضحك، فلزمته بعد ذلك وأخذت عنه، واحتذيت فنه.
وعن أبي الغوث عن أبيه قال: قال لي أبو تمام: بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا، فبم مدحتهم؟ فأنشدني شيئا منه، فأنشدته، فقال لي: كم أعطوك؟ فقلت: كذا، فقال لي: ظلموك، والله ما وفّوك حقّك، فلم استكثرت ما أعطوك! والله لبيت منها خير مما أخذت. ثم أطرق قليلا وقال: لعمري لقد استكثرت ذلك لمّا مات الكرام، وذهب الناس، وغاضت المكارم، وكسدت أسواق الأدب، أنت والله يا بنيّ أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبّلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت: والله لهذا القول أسر لي مما وصل إليّ منهم.
قال البحتريّ: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فأنشدني بيت أوس: [الطويل]
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه تمخّط فينا ناب آخر مقرم (١)
ثم قال: يا بنيّ، نعيت إليّ نفسي: فقلت: أعيذك بالله من هذا! فقال لي: إن عمري ليس يطول، وقد نشأ مثلك لطيئ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقريّ رأى شبيب بن شبّة، وهو من رهطه يتكلم، فقال. يا بنيّ، نعى نفسي إليّ إحسانك في كلامك؛ لأنّا أهل بيت، ما نشأ فينا قطّ خطيب إلا مات من قبله.
قال: فمات أبو تمام بعد سنة من قوله هذا، ومات البحتري سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
المبرّد: ذكرت للمتوكل المنازعة الّتي جرت بيني وبين أبي الفتح في تأويلات، فبعث إلى عامله بالبصرة أن يحملني إليه مكرها، فوردت سرّ من رأى، فأدخلت على
_________________
(١) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص ١٢٢، ولسان العرب (قرم)، (ذرا)، وتهذيب اللغة ٧/ ٢٦١، ٩/ ١٤٠، وتاج العروس (خمط)، (قرم)، وأساس البلاغة (خمط)، (قرم)، وبلا نسبة في لسان العرب (خمط)، ومقاييس اللغة ٢/ ٣٥٢، ٥/ ٧٥، والمخصص ١٠/ ٢٠٠، ١٥/ ٥٥.
[ ١ / ٦٧ ]
المتوكّل، وفي المجلس البحتريّ وأبو العنبس الصيمريّ، فأنشده البحتريّ قصيدة أولها:
[مجزوء الكامل]
عن أيّ ثغر تبتسم وبأيّ طرف تحتكم (١)
حسن يضنّ بحسنه والحسن أشبه بالكرم
حتى بلغ:
قل للخليفة جعفر المت وكّل بن المعتصم
المرتضى ابن المجتبى والمنعم ابن المنتقم
أمّا الرعيّة فهي من أمنات عدلك في حرم
يا باني المجد الذي قد كان قوّض فانهدم
اسلم لدين محمّد فإذا سلمت فقد سلم
نلنا الهدى بعد العمى بل والغنى بعد العدم
ثم مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس، وقال: يا سيّدي، تأمر بردّه! فقد والله عارضته، فأخذ ينشد في ذلك: [مجزوء الكامل]
في أيّ سلح تنتظم وبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأس البحتر يّ أبي عبادة في الرّحم
ووصله بما يشبهه من الشعر. فضحك المتوكّل حتى استلقى، وقال: يدفع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم، فقال أبو الفتح: يا أمير المؤمنين، والبحتريّ الذي هجي وأسمع المكروه ينصرف خائبا؟ قال: ويدفع إلى البحتريّ عشرة آلاف درهم، قال: يا سيّدي، وهذا البصريّ الذي أشخصناه من بلده، ألا يشركهم فيما حصلوه؟ قال: ويدفع له عشرة آلاف: قال وانصرفنا كلّنا في شفاعة الهذليّ، ولم ينفع البحتريّ جدّه وحذقه.
وأما أبو الفرج، فقال: حدّثني جحظة عن أبي العنبس الصيمريّ، قال: كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده:
* عن أيّ ثغر تبتسم*
وكان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا، يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانبا، ومرّة القهقرى، ويهزّ رأسه مرة ومنكبيه أخرى، ويشير بكفيه، ويقف عند كل بيت، ويقول:
أحسنت والله! ثم يقبل على المستمعين، ويقول لهم: ما لكم لا تقولون: أحسنت! هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله، فضجر المتوكل من ذلك، وأقبل عليّ فقال: أما
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ١٩٩٨.
[ ١ / ٦٨ ]
تسمع يا صيمريّ ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي، فمر فيه بما أحببت، فقال: بحياتي اهجه على هذا الرويّ، فقلت على البديهة [مجزوء الكامل]
أدخلت رأسك في الرّحم وعلمت أنك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويح ك قضاقضة ضغم
فلقد أسلت بواديي ك من الهجاسيل العرم
فبأيّ عرض تعتصم وبهتكه جفّ القلم
والله حلفة صادق وبقبر أحمد والحرم
وو حق جعفر الإما م بن الإمام المعتصم
لأصيّرنّك شهرة بين المسيل إلى العلم
يا بن الثّقيلة والثّقي ل على قلوب ذوي النّعم
وعلى الصّغير مع الكب ير من الموالي والحشم
وبعد هذا ما يقبح ذكره؛ فغضب البحتريّ، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في الرّحم وعلمت أنك تنهزم
والمتوكّل يضحك، ويصفّق حتى غاب عنه.
ومدح البحتريّ بعض الولاة، فتوانى في حقه، فأنشده: [البسيط]
إنّ الأمير أطال الله مدّته يعطى من العرف ما لم يعطه أحد (١)
ينسى الذي كان من معروفه أبدا إلى العباد، ولا ينسى الذي يعد
فأعطاه خمسين ألف درهم، وقال: البيتان خير من القصيدة.
وقال الهذليّ: قيل للبحتريّ: أيما أشعر؟ أنت أو أبو تمام؟ قال: جيّده خير من جيّدي، ورديئي خير من رديئه. وصدق، أبو تمّام لا يتعلّق به أحد في جيّده، وربما اختلّ لفظه لا معناه، والبحتريّ لا يختلّ لفظه.
وقيل له: قد عثرت باحتذائك أبا تمام في شعرك! فقال: أيعاب عليّ أن أتبع أبا تمام، وما عملت بيتا قط حتى أخطر شعره ببالي!
وذكروا معنى تعاوره البحتريّ وأبو تمام، فقال المبرّد للبحتريّ: أنت في هذا أشعر من أبي تمّام، فقال: لا والله، ذلك الرئيس الأستاذ، والله ما أكلت الخبز إلا به.
وقال عبد الله بن الحسن: سألت المبرّد عن أبي تمام والبحتريّ أيهما أشعر؟ فقال:
_________________
(١) البيت في ملحق ديوان البحتري ص ٢٥٤٥.
[ ١ / ٦٩ ]
لأبي تمّام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيّده أجود من شعر البحتريّ ومن تقدّمه من المحدثين، وشعر البحتريّ أحسن استواء من شعره، لأنّ البحتريّ يقول القصيدة كلّها، فتكون سليمة من طعن طاعن، وأبو تمام يقول البيت النّادر والبارد؛ وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعيّ، وما أشبّهه إلا بغائص يخرج الدرّة المخشلبة- وهي زجاجة توضع مكان الدّرّة- ثم قال: لأبي تمام والبحتريّ من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجدوا فيه مثله، ثم قال: والبحتريّ ختم الشعر، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه؛ وهما: [الوافر]
فما سفه السّفيه وإن تعدّى بأنجع فيك من حلم الحليم (١)
متى أحفظت ذا كرم تخطّى إليك ببعض أفعال اللّئيم
وذكر المبرّد في هذا المجلس شعرا له، وقدّمه على نظرائه: [الكامل]
وإذا ذكرت محاسن ابني صاعد أدّت إليك مخائل ابني مخلد (٢)
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر لم يعل موضع فرقد عن فرقد
وقوله: [الكامل]
من شاكر عنّي الخليفة للّذي أولاه من فضل ومن إحسان (٣)
حتّى لقد أفضلت من إفضاله ورأيت نهج الجود حيث رآني
وبعدهما: [الكامل]
أغنت يداه يدي وشرّد جوده بخلي، فأفقرني كما أغناني
وله أيضا في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى الأسد فقتله: [الطويل]
حملت عليه السيف عطفك ما انثنى ولا يدك ارتدّت ولا حدّه نبا (٤)
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا وصمّم لما لم يجد عنك مهربا
وله فيه:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ولكنها الأيام تعطى وتحرم (٥)
سحاب خطاني جوده وهو مسبل وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رجلي منه أسود مظلم
_________________
(١) ديوان البحتري ص ٢٠٧٩.
(٢) ديوان البحتري ص ٥٤١.
(٣) ديوان البحتري ص ٢٢٥٥.
(٤) ديوان البحتري ص ٢٠٠، ٢٠١.
(٥) ديوان البحتري ص ١٩٨٠.
[ ١ / ٧٠ ]
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم!
وله أيضا في انتقاض صلح بين عشيرته: [الوافر]
إذا ما الجرح رمّ على فساد تبيّن فيه تفريط الطّبيب (١)
وللسّهم السّديد أشد حبّا إلى الرامي من السهم المصيب
ومن جيّد شعره: [الطويل]
ولما التقينا واللّوى موعد لنا تبيّن رائي الدرّ حسنا ولا قطه (٢)
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
والبحتريّ مكثر جدّا، وديوان شعره نسخ مختلفا بالزيادة والنقص؛ لأن شعره لا ينضبط لكثرته.