وللزاهد بن عمران ﵀ وقد استبطأ في دخول الحمّام: [البسيط]
يا صاح عهدي بالحمّام قد بعدا فلا تلمني فيه إن طلبت مدى
قارعت فيه العدا في معرك لجب دحض تزلّ به الأقدام قد بعدا
عدا أثرن برأسي حين ثرن به توقّدا وأعادت جلده جلدا
فظلت مستأصلا بالقتل أجمعها فلم أدع والدا منها ولا ولدا
ثم انثنيت معافى ناعما جذلا مظفرا أستزيد الواحد الصّمدا
ورأى نفسه ممتدّا بين يدي الحكّاك، فقال: [المتقارب]
أأغترّ إن مدّ في العمر لي وأرجي المتاب إلى قابل
وأغفل والموت لي طالب حثيث كذئب الغضى القاتل
كأنّي بي هكذا ميتا تحكّم فيّ يد الغاسل
وله أيضا: [المنسرح]
شكرت للدهر حسن ما صنعا طريد مجد تحيّتي رفعا
يا حسن حمّامنا وقد غربت شمس الضحى فيه بعد ما متعا
أيقن أنّ الهلال راكبه فضاء للحاضرين واتّسعا
فأنعم أبا عامر بنعمته واعجب لأمرين فيه قد جمعا
نيرانه من زنادكم قدحت وماؤه من بنانكم نبعا
ولبعضهم في حمّام كانت مضاوئه من زجاج أحمر، وفي سمائه حمرة وبياض [المتقارب]
تحيّرت من طيب حمّامنا فخيّل لي أن فيه الفلق
فمن حمرة فوقنا وابيضاض لخدّ الحبيب إذا ما عرق
رأى الدهر ما سدّ من حسنه فسدّ كوى سقفه بالشّفق
ودخل الحمّام أبو جعفر التّطيليّ وأبو بكر بن بقيّ رحمهما الله تعالى، فقال أبو جعفر: [المنسرح]
يا حسن حمّامنا وبهجته مرأى من السّحر كله حسن
ماء ونار حواهما كنف كالقلب فيه السّرور والحزن
[ ١ / ١٢٤ ]
ونظر فيه إلى غلام وسيم، فقال: [البسيط]
هل استمالك ميّال القوام وقد سالت عليه من الحمّام أنداء
كالغصن باشر حرّ النار من كثب فظلّ يقطر من أعطافه الماء
وقال آخر: [البسيط]
حمّامنا فيه فصل القيظ محتدم وفيه للبرد سرّ غير ذي ضرر
ضدّان ينعم جسم المرء بينهما كالغصن ينعم بين الشمس والمطر
وقال ابن رشيق: ومما قلته على عقب وداع:
ولم أدخل الحمام ساعة بينهم لأجل نعيم، قد رضيت ببوسي
ولكن لتجري عبرتي مطمئنة فأبكي، ولا يدري بذاك جليسي
وقال آخر: [الوافر].
وحمّام كأنّ النار فيه مسعّرة بنيران الجحيم
دخلت أنا ومن أهواه فيه فعاد لنا كجنّات النعيم
وقال آخر في ذم حمّام: [المتقارب]
وحمّام سوء وخيم الهوا قليل المياه كثير الزّحام
فما للقيام به من قعود ولا للقعود به من قيام
حنيّاته عطفات القسيّ وقطراته صائبات السّهام
وقال آخر في تعجيل الخروج منه: [مجزوء الرمل]
خذ من الحمام واخرج قبل أن يأخذ منكا
حدّثن عنه وإلا حدّث الحمّام عنكا
وقال ابن رشيق: [الوافر]
ومرتهن لدى الحمّام أضحى وحالاه لأصحاب السّعير
إذا سئموا العذاب أو استغاثوا أغاثوهم بباب الزّمهرير
كذلك حاله حرّا وبردا ببيت الحوض أو بيت الطّهور
وطال به انتظار مواعديه فقد زاد الشقيّ على النّظير
وله أيضا: [الطويل]
سأشكر للحمّام بدءا وعودة أيادي بيضا ما لهنّ ثمين
[ ١ / ١٢٥ ]
جلاك على عينيّ عريان حاسرا فرحت بتطليق وأنت قمين
وطهّر قلبي من هواك ببارد وسخن نقرّ الجفن وهو سخين
قال عمر بن الخطاب ﵁: الحمّام يذكّر جهنم، وينقّي الدّرن.
وقال عليّ ﵁: بئس البيت الحمّام! تكشف فيه العورات، وترتفع فيه الأصوات، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله تعالى.
ودخله بعض الأمراء مع الرقاشي فقال له: امدحه، فقال: يذهب القشافة، ويعقب النظافة، ويفشّ التّخمة، ويطيّب النّعمة، فقال: ذمّه، فقال: يهتك الأستار، ويؤلّف الأقذار، ويذهب بالوقار.
***
قوله: «إذا شئت فالسرعة السرعة»، يقول إذا شئت أن تقصد الحمّام فالزم السرعة، وعجل الرجعة، وكرّرهما تأكيدا، والفعل الناصب لهما يلزم إضماره مع التكرير، فإذا أفردت جاز إظهار الفعل، ونظيرهما قول العرب: الطريق، الطريق، والأسد الأسد وقال الشاعر: [البسيط]
* خلّ الطريق لمن يبنى المنار له (١) *
فلما سقط التكرير ساغ له إظهار الفعل. مطّلعي: مصدر بمعنى طلوعي. أهل الحجاز يفتحون لامه في المصدر وغيرهم يكسرها. ارتداد طرفك، أي رجوع نظرك.
***
ثمّ استنّ استنان الجواد في المضمار، وقال لابنه: بدار بدار! ولم نخل أنّه غرّ، وطلب المفرّ. فلبثنا نرقبه رقبة الأعياد، ونستطلعه بالطّلائع والرّوّاد، إلى أن هرم النّهار، وكاد جرف النّهار ينهار. فلمّا طال أمد الانتظار، ولاحت الشّمس في الأطمار، قلت لأصحابي: قد تناهينا في المهلة، وتمادينا في الرّحلة، إلى أن أضعنا الزّمان، وبان أنّ الرّجل قد مان، فتأهّبوا للظّعن، ولا تلووا على خضراء الدّمن.
***
_________________
(١) عجزه: وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر والبيت لجرير في ديوانه ١/ ٢١١، وشرح التصريح ٢/ ١٩٥، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٨٦، والكتاب ١/ ٢٥٤، ولسان العرب (برز)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٧٨، والرد على النحاة ص ٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨١، وشرح المفصل ٢/ ٣٠.
[ ١ / ١٢٦ ]
استنّ استنان الجواد: جرى كما يجري الفرس، وإنما يقال: استنّ في كلامه إذا جرى في غير طريق بتحريف، ومنه قولهم: استنّت الفصال حتى القرعى، يريدون جرت الفصال وهي تلعب، ومنه قوله ﷺ: «فاستنّت شرفا أو شرفين» (١). وقال الشاعر يذكر طعنة خرج دمها في جهة: [المتقارب]
بمستنّة كاستنان الخرو ف وقد قطع الحبل بالمرود (٢)
أراد المهر، ويقال له: خروف وفلوّ. وقد فسر «استنّت الفصال» بأن معناه أحسن رعيتها، حتى كأنه صقلها. والجواد: الفرس الكريم. المضمار: الطّلق تجري فيه الخيل، سمّي مضمارا لأن الخيل تضمّر فيه، وذلك أنّ العرب كانت تسمّن الخيل فتستخرجها إلى المضمار، فتجريها طلقا قدر ما تحتمل، ثم تزيدها يوما آخر في الجري على ذلك، ثم لا تزال تزيدها في الطّلق كل يوم، حتى تجري بها الأميال، فيسيل عرق الخيل بذلك الجري، ويشتدّ لحمها بذلك التضمير قال زهير: [الوافر]
تضمّر بالأصائل كلّ يوم تسنّ على سنابكها القرون (٣)
القرون: دفع العرق، واحدها قرن.
وقوله: «بدار بدار»، أي سبقا سبقا، وهو معدول عن بدر، فيقول لابنه: أبدر بالجري، واسبق إلى الحمّام. لم نخل: لم نحسب. غرّ: خدع. نرقبه، أي ننظر من أين يجيء ويروى: «نرقبه رقبة أهّلة الأعياد».
وما أحسن قول ابن الزقّاق في هذه الرّقبة: [الطويل]
وشهر أدرنا لارتقاب هلاله جفونا إلى نحو السماء موائلا (٤)
إلى أن بدا أحوى المدامع أحور يجرّ لأذيال الشباب غلائلا
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا بمن قد حوى طيب السّمول شمائلا
أتطلبك الأبصار في الجوّ ناقصا وأنت كذا تمشي على الأرض كاملا
وله في معناه: [الكامل]
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤٨، والاعتصام باب ٢٤، والمناقب باب ٢٨، والتفسير، تفسير سورة ٩٩، والشرب باب ١٢، ومسلم في الزكاة حديث ٢٤، ٢٥، والنسائي في الخيل باب ١، وابن ماجة في الجهاد باب ١٤، ومالك في الجهاد حديث ٣، وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٢، ٣٨٣.
(٢) البيت لرجل من بني الحارث في لسان العرب (خرف).
(٣) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ١٨٧، ولسان العرب (سنن)، (قرن)، وتهذيب اللغة ١٢/ ٣٠٤، وجمهرة اللغة ص ١٣٢١، ومقاييس اللغة ٥/ ٧٧، وتاج العروس (سنن)، (قرن)، وبلا نسبة في لسان العرب (صوح)، وجمهرة اللغة ص ٧٩٣، والمخصص ٩/ ١٤٣.
(٤) الأبيات في ديوان ابن الزقاق ص ٢٣٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
لله شهر ما نظرت هلاله إلّا كنون أو كعطفة لام (١)
حتى تبدّي لي أغنّ مهفهف بضيائه ينجاب كلّ ظلام
فطفقت أهتف بالأنام ضللتم وغلطتم في عدّة الأيام
ما جاءنا شهر لأول ليلة مذ كانت الدنيا ببدر تمام
نستطلعه، أي نلتمس طلوعه. الطلائع: الباحثون عليه. والروّاد: الطالبون له، وأصل الطلائع الباحثون عن أخبار العدوّ. والراصدون في الطرقات، الواحد طليعة، وأصل الروّاد الطالبون للمرعى. هرم: شاخ، ومعناه قارب أن يتمّ ينهار: ينهدم.
والجرف: ما يأكله الوادي، استعاره للنهار. لاحت: ظهرت والأطمار: الثياب الخلقة، أراد أن ثوب الشمس وهو ضوأها قد تغيّر وبلى عند الغروب، وبعضهم يستعمل هذه الاستعارات في الشتاء وغروب الشمس.
ومما يستغرب من ذلك قول العلويّ الأصبهانيّ: [الطويل]
ومجلس شرب جئته متطرّبا عشيّا وعين الشّمس في الأفق تنعس
وقال ابن الرّوميّ: [الطويل]
كأنّ جنوح الشّمس ثم غروبها وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
تخاوص عين بين أجفانها الكرى يرنّق منها النّوم وهي تغمّض
وقال أيضا: [الطويل]
إذا رتعت شمس الأصيل ونفّضت على الأفق الغربيّ ورسا مزعزعا
وودّعت الدّنيا لتقضي نحبها وشوّل باقي عمرها فتشعشعا
ولاحظت الأنوار وهي مريضة وقد وضعت خدّا على الأرض أضرعا
كما لاحظت عوّاده عين مدنف توجّع ما أوصابه ما توجّعا
أخبرني ابن منصور، قال: خرجت بخارج فاس عشية مع فتى ورّاق، فنظر إلى صفرة الشمس واستنشق برد النسيم، وأنشدني مرتجلا: [خلع البسيط]
انظر إلى الشمس في الأصيل كأنّها وجنتا عليل
ورقّ هذا النسيم حتّى كأنما يشتكي نحولي
وقال ابن الزّقاق: [الكامل]
وعشية لبست ملاء شقيق تزهى بلون للخدود أنيق (٢)
_________________
(١) الأبيات في ديوان ابن الزقاق ص ٢٥٨.
(٢) الأبيات في ديوان ابن الزقاق ص ٣٠٦.
[ ١ / ١٢٨ ]
أبقت بها الشّمس المنيرة مثل ما أبقى الحياء بوجنتي معشوق
لو أستطيع شربتها كلفا بها وعدلت فيها عن كئوس رحيق
وقال ابن سراج: [الكامل]
والشمس تنفض زعفرانا بالرّبا وتبثّ مسكتها على الغيطان
وما أحسن قول الرّصافي في معناه: [الكامل]
وعشيّ أنس للسرور وقد بدا من دون قرص الشّمس ما يتوقّع (١)
سقطت ولم تملك يمينك ردّها فوددت يا موسى لو أنّك يوشع
وقال ابن الروميّ في طلوع الشمس في خلل السحاب وذكر امرأة: [الوافر]
تريك بياض غرّتها ووجها كقرن الشّمس أغسق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلا كلا وانفلّ سائره انفلالا
قوله: «بدا كليلا» إشارة إلى أنه عند ما بدا غاب بسرعة، وأذكر «كلا» في المقامة التاسعة والثلاثين.
وقال ابن المعتزّ في نحوه: [الوافر]
تظلّ الشمس ترمقنا بلحظ مريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأبى كعنّين يريد نكاح بكر
قوله: «تناهينا»، أي بلغنا النهاية، والمهلة: التراخي، يقول: قد تراخينا في انتظاره حتى بلغنا الغاية في ذلك. «تمادينا في الرحلة»، هذا على حذفمضاف للعلم به، تقديره: تمادينا في ترك الرحلة وانتظارها، ومثل هذا الحذف جائز في النظم والنثر وأنشد أبو علي: [البسيط]
أنا النذير لكم منيّ مجاهرة كي لا ألام على نهيي وإنذاري
أي على تركي النهي والإنذار، وقال آخر:
وأهلك مهر أبيك الدّواء ليس له من طعام نصيب
أي فقد الدواء، وجاء فى القرآن وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية، وهِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ [محمد: ١٣]، أي من أهل قريتك، ومثل هذا كثير في القرآن والكلام الفصيح، بما لا يتمّ المعنى إلا بتقديره؛ فالذي غلّظ الحريريّ
_________________
(١) البيتان في ديوان الرصافي ص ١٠٤.
[ ١ / ١٢٩ ]
فقال: لو تمادت بهم الرحلة لكانوا في سير متّصل، قد جهل الكلام الفصيح فأراد:
طالت بنا هذه السفرة. وتمادى الشيء فهو متماد، إذا طال فيه المدى، وهو الغاية البعيدة. يقول: تأخّرنا عن السفر اليوم لتمادينا في انتظاره، فطالت علينا السفرة لعطلة السفر، حتى أضعنا اليوم الذي انتظرناه فيه حيث لم نسافر فيه. والزمان: اليوم. بأن:
تبيّن. مان: كذب؛ يقال منه: مان يمين مينا، وأما مانه يمونه مونا، فقام بمؤنته. قوله:
«فتأهّبوا»، استعدوا. الظعن: الرحيل ولا تلوّوا: تعرّجوا. خضراء الدمن: عشب المزابل، هي حسنة المنظر سيّئة المخبر، وإذا يبست لم ينتفع بعودها لخوره وضعفه، فشبّه بها أبا زيد لحسن ظاهره فيما أبدى لهم من فصاحته، وسوء باطنه في كذبه وإخلاف وعده، حتى عطّلهم عن سفرهم نهارا في انتظاره، قال النبي ﷺ: «إياكم وخضراء الدّمن»، فقيل له: وما خضراء الدمن؟ فقال: «الجارية الحسناء في المنبت السوء».
***
ونهضت لأحدج راحلتي، وأتحمّل لرحلتي، فوجدت أبا زيد قد كتب، على القتب: [الكامل]
يا من غدا لي ساعدا ومساعدا دون البشر
لا تحسبن أنّي نأيت ك عن ملال أو أشر
لكنّني مذ لم أزل ممّن إذا طعم انتشر
قال: فأقرأت الجماعة القتب، ليعذره من كان عتب فأعجبوا بخرافته، وتعوّذوا من آفته.
ثمّ إنا ظعنّا ولم ندر من اعتاض عنّا.
***
قوله: «أحدج»: أي اجعل عليها الحدج، وهو مركب من مراكب النساء، وأراد أرحل الناقة. وراحلته: ناقته. أتحمّل لرحلتي، أوقر حملي للرحيل، يقال: تحمّل القوم، إذا عبّوا أحمال. هم وارتحلوا. والقتب: الرّحل. قوله: «ساعدا»، أي ذراعا يستعين به. مساعدا: موافقا. نأيتك: بعدت عنك. أشر: بطر وعدم شكر، يقال: أشر الرّجل يأشر أشرا، إذا بطر، قال الأخطل يذكر بني أمية: [البسيط]
أعطاكم الله جدّا تنصرون به لا جدّ إلا صغير بعد محتقر (١)
لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه ولو يكون لقوم غيرهم أشروا
_________________
(١) البيتان في ديوان الأخطل ص ١٠٤.
[ ١ / ١٣٠ ]
قوله: «مذ لم أزل»، أي مذ بنت ووجدت. انتشر: ذهب. عتب: لام وسخط فعله. خرافته: حديثه الملهى.