والزوراء، هي في الجانب الشرقيّ من بغداد، وسمّيت زوراء لازورار قبلتها، أي لانحرافها. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تكون مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها ملك بني العباس، وهي الزّوراء يكون فيها حرب مفظعة تسبى فيها النساء، وتذبح فيها الرجال كما يذبح الغنم».
والزّوراء هي بغداد، ويقال لها الزّوراء، ومدينة السلام، ومدينة المنصور، وبغداد وبغداذ وبغدان وبغذان وبغذام وبغذام وبغداد- عن الفراء.
وبعضهم يقول: تفسيره بستان رجل، فبغ بستان، وداد رجل. وقيل: بغ صنم، وداد عطيّة وإنما اختلفت العرب في لفظها إذ لم تكن من كلامها، ولا اشتقاق لها من لغتها، وأشهر لغاتها بغداد، بدالين وبغدان، بالنون. وكان الأصمعيّ ﵀ لا يقول بغداد، وإنما يقول مدينة السلام، لأنّ بغ عندهم اسم صم، وداد عطيّة بالفارسية فكأنها
[ ١ / ٣٧٨ ]
عطيّة الصم. وبناها المنصور، وبعث رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، فطلبوا فلم يجدوا، حتى جاء ينزل فنزل على البرّ الذي في الصّراة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصّراة، فوجّه حينئذ الصنّاع من الشأم والموصل والكوفة وواسط والبصرة، فابتدئت سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال محمد بن أبي سهل: لمّا أراد المنصور بناء بغداد، أمرني أن آخذ الطالع، فأخذنا طالعها، فكان المشتري، فأخبرته بما تدلّ عليه النجوم من طول بنائها وكثرة عمارتها، ثم قلت: وخلّة أخرى يا أمير المؤمنين، نجدها على ما تدلّ عليه النجوم
لا يموت فيها خليفة، فرأيته يتبسّم، وقال: الحمد لله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ فقال: الأرض كلّها بادية وبغداد حاضرتها.
ابن جبير: بغداد هي المدينة العتيقة، ولم تزل حضرة الخلافة العباسيّة وقد ذهب رسمها ووسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها، والتفات أعين النوائب إليها كالطّلل الدّارس، والأثر الطّامس، أو تمثال الخيال الشّاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز الغفلة والنّظر، إلا دجلتها التي بين الشرقيّة والغربيّة منها كالمرآة المجلوّة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بلبّتين، فهي تردها فلا تظمأ، وتطلع [منها] في مرآة صقيلة فلا تصدأ. والهواء المنتظم يتولّد بين هوائها ومائها، فهي معروفة بفتن الهوى، إلا أن يعصم الله منها. وكنّا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في النّفس، ويبعث دائما على الانبساط والأنس، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا، وإن كان نازح الدار مغتربا، حتى حللت بقرية وزيران، وهي على مرحلة منها، فلما نفحتنا نوافح هوائها، ونقعنا الغلة ببرد مائها، أحسسنا من أنفسنا على حال وحشة الانفراد دواعي من الإطراب، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحه الغيّاب بالإياب، وهفت بنا محركات من الأنس ذكّرتنا معاهد الأحباب في عصر الشباب، هذا للغريب النازح الوطن، فكيف الوافد فيها على أهل وسكن! [الطويل]
سقى الله باب الطّاق صوب غمامة وردّ إلى الأوطان كلّ غريب
وبغداد جانبان: شرقيّ وغربيّ ودجلة بينهما. فأما الجانب الغربيّ فقد عمّه الخراب، واستولى عليه، وهو كان المعمور أولا، ولكنّه مع خرابه يحتوي على سبع عشرة محلّه، كلّ واحدة منها مدينة مستقلّة، لها الحمّامان والثلاثة، وصلاة الجمعة في ثمان منها، وأكبرها القريّة، وهي على شطّ دجلة ومقربة من الجسر، ثم الكرخ، وهي مدينة مشهورة، ثم محلّة باب البصرة، وهي مدينة بها جامع المنصور، وهو كبير عتيق البنيان، ثم الشارع وهي مدينة، وهذه الأربع أكبر المحلّات، والوسيطة بين دجلة وبين نهر يتفرّع من الفرات، وينصبّ في دجلة، يجيء فيها جميع المدائن التي يسبقها الفرات.
وعلى بابها نهر آخر منه ينصبّ في دجلة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ومنها العتّابية، وهي مدينة يصنع فيها الثّياب العتّابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان، وأسماء سائر المحلّات يطول ذكرها، وأمّا الشرقيّة فهي محدثة وهي حفيلة الأسوار، عظيمة الترتيب، تشمل من الخلق على بشر كثير لا يحصيهم، إلا الذي أحصى كلّ شيء عددا. وبالشرقيّ محلة الرّصافة، وبها كان باب الطّاق المشهور على الشطّ، وبإزائها محلّة كبيرة تعرف بقبر أبي حنيفة ﵀، فيها قبّة سامية في الهواء بيضاء، فيها قبر الإمام أبي حنيفة، وبالقرب منها قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
وحمّامات بغداد لا تحصى، أخبرني بعض أشياخها، أن فيها اليوم ألفي حمّام، وأكثرها مطليّة بالقار، مسطّحة به، فيخيّل للناظر فيها أنها رخام أسود صقيل، وأكثر حمامات هذه الجهة على هذه الصفة، لكثرة القار عندهم، وشأنه عجيب، لأنّه منبع عين بين البصرة والكوفة، يصير القار في جوانبها كالصّلصال، فيجرف ويجلب، وقد انعقد فسبحان خالقه!
وببغداد من المدارس نحو الثلاثين، ما منها مدرسة إلّا كالقصر العظيم، وأعظمها النظاميّة. وبساتين بغداد وحدائقها بالغربيّة، ومنها تجلب الفواكه للشرقيّة، والعادة أبدا أن يكون بين الشرقيّة والغربية جسران لجواز النّاس، ومع ذلك فمن يعبر بينهما من النّاس في الزوارق لا يحصى، وذلك لكثرة النّاس، وزوارقها لا تحصى، والنّاس ليلا ونهارا من معاينة العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء.
وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف، وأين هي اليوم مما كانت عليه! هى اليوم داخلة تحت قول حبيب: [الكامل]
* لا أنت أنت ولا الدّيار ديار* (١)
ثم ذكر ابن جبير أهلها فذمّهم بكلّ عيب؛ من الكبرياء وبيع الربا، ثم استثنى فقهاءها ووعاظها.
***