وكان ابن الروميّ وصف واحدة منهنّ بقوله: [مخلع البسيط]
تذكرك المسك والغوالي والن دّ ذوات النّسيم والعبق
ليست من العبّس الأكف ولا ال فلج الشّفاه الخبائث العرق
أكسبها الحبّ أنها صبغت صبغة حبّ القلوب والحدق
يفتّر ذاك السّواد عن يقق من ثغرها كالّئالئ النّسق
كأنّها والمزاح يضحكها ليل تعرّى دجاه عن فلق
لها حر يستعير وقدته من قلب صبّ وصدر ذي حنق
يزداد ضيقا على المراس كما تزداد ضيقا أنشوطة الوهق
غصن من الآبنوس ركّب في مؤزّر معجب ومنتطق
وقال الشّريف الرضيّ: [الطويل]
أحبّك يا لون السّواد فإنّني رأيتك في العينين والقلب توأما (١)
_________________
(١) الأبيات في ديوانه الشريف الرضي ص ٧٥٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وما كان سهم العين لولا سوادها ليبلغ حبّات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبى ألمى فلا تلم جنوني على الظّبي الذي كلّه لمى
وقال ابن مسلمة: [الوافر]
يكون الخال في خدّ قبيح فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف على من يراها كلّها في العين خالا!
وله أيضا: [البسيط]
لام العواذل في سوداء فاحمة كأنّها في سواد القلب تمثال
وهام بالخال أقوام وما علموا أنّي أهيم بشخص كلّه خال
ولابن رباح: [الوافر]
وسوداء الأديم إذا تبدّت يرى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها وشبه الشّيء منجذب إليه
ولابن رشيق: [مخلع البسيط]
دعا بك الحسن فاستجيبي يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي تيه شباب على مشيب
ولا يرعك اسوداد لون كمقلة الشّادن الرّبيب
فإنّما النّور عن سواد في أعين الناس والقلوب
قال ابن رشيق: أخذته من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الخفيف]
مشبهات الشّباب والمسك تفديه نّ نفسي من الرّدى والخطوب
كيف يهوى الفتى اللبيب وصال ال بيض، والبيض مشبهات المشيب
وأخذ بيته الآخر من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الطويل]
وإنّ سواد العين في العين نورها وما لبياض العين نور فيعلم
فأخذه أيضا أبو الطيب، فقال في كافور وأحسن: [الطويل]
فجاءت بنا إنسان عين زمانه وخلّت بياضا خلفها ومآقيا
ولابن الجهم: [المتقارب]
وعائب للسّمر من جهله مفصّل للبيض ذي محك
قولوا له عنّي: أما تستحي! من يجعل الكافور كالمسك!
[ ١ / ٢٣٤ ]
والسابق لهذا المعنى أبو حفص الشّطرنجيّ، والناس تبع له حيث قال: [السريع]
أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعدة
لا شكّ- إذ لونكما واحد أنّكما من طينة واحده
على أنّ العباس بن الأحنف معاصره، قال: [الطويل]
أحبّ النساء السّود من أجل تكتم ومن أجلها أحببت ما كان أسودا
فجئني بمثل المسك أطيب نكهة وجئني بمثل اللّيل أطيب مرقدا
أخذ بيته الأول من قول ابن الأعرابيّ: [الوافر]
أحبّ لحبّها السّودان حتّى أحبّ لحبّها سود الكلاب
وقال ابن الروميّ في تفضيل السّواد على البياض: [المنسرح]
وبعض ما فضّل السّواد به والحقّ ذو سلّم وذو نفق
ألا يعيب السواد حلكته وقد يعاب البياض بالبهق
وهذه الأقوال كلها على استحسانها اعتذارات واقتدارات من الشعراء على تحسين القبيح، والأمر المجمع عليه تفضيل البياض.
قال الجاحظ: العرب تمدح بالبياض، وتهجو بالسّواد، وربما مدحوا بالسّواد، ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمّه، وأنشد: [الوافر]
لهم ديباجة عرفت قديما بياض في الوجوه وفي الجلود
وأحسن كشاجم فيما قصد إليه بقوله: [المديد]
يا مشبها في فعله لونه لم تعد ما أوجبت القسمه (١)
خلقك من خلقك مستخرج والظلم مشتقّ من الظلمة
قوله: «جبت ما بين فرغانة وغانة»، وما هنا بمعنى الذي، كأنه قال: جبت الذي بين فرغانة التي هي أقصى المشرق، وغانة التي هي أقصى المغرب من البلاد والقفار والبحار لكسب المال، فما هي التي أوجبت لما بين البلدتين ما ذكر أن يعمّ بالمشي، ولو سقطت لم يلزم العموم، وكأنه يشير بهذا التعبير إلى قول حبيب: [الطويل]
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (٢)
وغرّبت حتى لم أجد ذكر مشرق وشرقت حتى قد نسبت المغاربا
_________________
(١) البيتان في ديوان كشاجم ص ١٧.
(٢) البيتان في ديوان أبي تمام ص ١٧.
[ ١ / ٢٣٥ ]
قوله: «أخوض الغمار»، أي أدخل المياه الغزيرة فأجوزها. أقتحم الأخطار، أي أترامى في المخاوف. والخطر: الغرر. والأوطار: الحاجات. وقال أبو عمر القسطلّي فيما يتعلق بهذا: [الطويل]
تخوّفني طول السّفار وإنّني لتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجنا إلى حيث ماء المكرمات نمير
ألم تعلمي أنّ الثواء هو النّوى وأن بيوت العاجزين قبور
وأن خطيرات المهالك ضمّن لراكبها أنّ الجزاء خطير
وقال النابغة الجعديّ: [الطويل]
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه شكا الفقر أو لام الصّديق فأكثرا (١)
فسر في بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وقال ابن سارة: [البسيط]
سافر فإنّ الفتى من باب مفتتحا قفل النجاح بمفتاح من السّفر
إن شئت خضرتها يا ابن الرّخاء فكن في طيّ عمر الفيافي نائي الحضر
ولا يصدّنك عن أمر تصعّبه قد ينبع الكوثر السلسال من حجر
لا بدّ أن يقع المطلوب في شرك ولو بنى وكره في دارة القمر