القطا: طائر يصيح «قطا قطا» فسمّي بصياحه، وبما يفهم من صوته، ولذلك تسمّيه العرب الصّدوق، ويقال: أنسب من قطاة، لأنها إذا صاحت عرفت، وقال الشاعر:
[البسيط]
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت يا صدقها حين تدعوها فتنتسب (١)
حمراء مقبلة سكّاء مدبرة للماء في البحر منها نوطة عجب
وقال الكميت: [البسيط]
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت إذ كلّ ذي نسبة لا بدّ ينتحل (٢)
وقال أبو وجزة: [البسيط]
ما زلن ينسبن وهنا كلّ صادقة باتت تباشر عرما غير أزواج (٣)
يريد، أن الحمير وردت الماء ليلا، فأثارت القطا عن أفاحيصه، فصاحت: «قطا
_________________
(١) يروى صدر البيت الأول: تدعوا قطا وبه تدعى إذا نسبت وهو للنابغة في ديوانه ص ١٧٧، ولسان العرب (دعا)، (قطا)، وتهذيب اللغة ٣/ ١٢٣، ٩/ ٢٤٠، وتاج العروس (قطا)، ويروى البيت الثاني: حذّاء مقبلة سكّاء مدبرة للماء في النحر منها نوطة عجب والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٧٧، ولسان العرب (حذذ)، (نوط)، وتهذيب اللغة ٣/ ٤٢٦، ٩/ ٤٣٠، وجمهرة اللغة ص ٩٦، ١٠٧٣، والبيت لابن مقبل في المخصص ٨/ ١٣٢، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (سكك)، والمخصص ١/ ٨٥، وكتاب العين ٣/ ٢٣، وجمهرة اللغة ص ١٠٤٨، ومقاييس اللغة ٢/ ٥، وتاج العروس (سكك).
(٢) البيت في الحيوان ٦/ ٥٧٨.
(٣) البيت لأبي وجزة السعدي في لسان العرب (زوج)، (هدج)، (عرم)، (قطا)، وتاج العروس (عرم)، (قطا)، وتهذيب اللغة ٢/ ٣٩٢، ٩/ ٢٤١، وبلا نسبة في المخصص ٤/ ٤٦.
[ ١ / ٢١٩ ]
قطا»؛ فذلك انتسابه وجعلها صادقة لصياحها قطا، والعرم بيضها، لأن فيه سوادا وبياضا، وبيض القطا أفراد ثلاثة أو خمسة، قال مزاحم العقيلي في القطا وفراخها: [الطويل]
فلمّا دعته بالقطاة أجابها بمثل الّذي قالت له لم يبدّل (١)
وقال المعرّيّ: [الكامل]
عرفت جدودك إذ نقطت وطالما لفظ القطا فأبان عن أنسابها
وقال الأصمعيّ: القطا لا تصيح إلا إذا أرادت الماء، فإذا عدم الماء، وسمعت العرب صياح القطا، فرحوا به وعرفوا قرب الماء من بعده.
وقيل: سمّي القطا لثقل مشيه، يقال: قطا الرجل يقطو، إذا ثقل مشيه.
***
قوله: «فرط» أي سبق. عن خطا، أي عن غير تعمّد. رهنته: أعطيته رهنا، وأرهنتك: أعطيتك ما ترهنه. والأرش: قيمة العيب، أي دية الجرح، مأخوذ من أرش بين القوم لأنّ الأرش يختصم في قدره. أوهنته: أفسدته، ووهن الشيء يوهن ويهن:
ضعف، وأوهنته أنا، إذا أضعفته. مملوكا، يعني المرود. متناسب الطرفين، أي هذا الطرف مثل هذا الطرف، تكتحل بأيّهما شئت. القين: الحدّاد الذي صنعه. الدّرن: وسخ الحديد، والشّين: العيب، أي هو مصقول معتدل ليس فيه اعوجاج ولا عيب. يقارن محلّه سواد العين أي عند التكحّل به. يفشي: يحدث ويظهر. وإحسان الكحل في العين لا يخفى. ينشئ استحسان، أي ينشئ لناظر العين استحسان الكحل في العين والإنسان: إنسان العين يغذيه بالكحل، والإنسان: السّواد الذي في وسط العين، إذا رأيته رأيت فيه شخصا، والشخص هو الإنسان، فسمّي السواد به. يتحامى: يبعد عنه، يريد أنه يكحل العين ولا يقرب من الفم. قوله: «سوّد»، أي جعل فيه الكحل. جاد: أعطاه العين. وسم العين بالكحل: أجاد عمله فيها. قلّما ينكح إلا مثنى، أي ينكح عينا واحدة في الغالب. وقد نظم هذا النثر في الثانية والأربعين.
جوده، أي يجود بكحله للعين. ويسمو: يطلع للعين، وجعل له الكحل غذاء يأخذ ويرتفع به للغير. قرينته: مكحلته. من طينته: من جنسه. زينته: تزيينه للعين يطمع في لينته: أي لا يطمع أن يكون الحديد ليّنا. وكلّ لفظة فسرّ بها المرود والإبرة، لها لفظ في ظاهرها غير ما فسّرت به.
***
فقال لهما القاضي: إمّا أن تبينا، وإلا فبينا، فابتدر الغلام، وقال: [المنسرح]
_________________
(١) البيت في الحيوان ٥/ ٥٧٨.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أعارني إبرة لأرفو أط مارا غفاها البلى وسوّدها
فانخرمت في يدي على خطإ منّي لمّا جذبت مقودها
فلم ير الشّيخ أن يسامحني بأرشها إذ رأى تأوّدها
بل قال هات ابرة تماثلها أو قيمة بعد أن تجوّدها
واعتاق ميلي رهنا لديه ونا هيك بها سبّة تزوّدها
فالعين مرهى لرهنه ويدي تقصر عن أن تفكّ مرودها
فاسبر بذا الشّرح غور مسكنتي وارث لمن لم يكن تعوّدها
***
تبينا: توضّحا وتفسّرا حديثكما المهمّ الملغز. فبينا: أبعدا، أو ارتفعا. قوله:
«أرفو» أي أخيط، ويروى «لأرفأ» يقال: رفأت الثوب أرفؤه ورفوته وأرفوه، والرفو من أدقّ أنواع الخياطة، وهو نسج الخرق في الثوب حتى يعود كأنه لم يكن فيه خرق.
وقال ابن القابلة السبتيّ في غلام رفّاء: [مخلع البسيط]
يا رافيا قطع كلّ ثوب ويا رشا حبّة اعتمادي
عسى بخيط الوصال ترفو ما قطّع الهجر من فؤادي
وقال الحلوانيّ في خياط: [المديد]
ربّ خيّاط فتنت به فتنة أوهت قوى جلدي
لاعب بالخيط يفتله أتراه ظنّه جسدي!
ليت أني كنته فأرى بين ذاك الدّرّ والبرد
فعلت بالثّوب إبرته فعل سهم الشّوق في خلدي
وجرى المقراض في يده جرى عينيه على كبدي
ومن مجون أبي نواس، أنه كان يؤاكل إسماعيل بن أبي سهل، فعرضت له على مائدة رقاقة في جانبها خرق قد ضمّ، فرفعها بإحدى يديه ونقرها بالأخرى، فانفرجت، وقال وهو يضحك: أخبزكم مرفوء؟ فلما خرج قال: [الرمل]
خبز إسماعيل كالوش ى إذا ما انشق يرفا
عجبا من أثر الصن عة فيه كيف يخفى
إنّ رفّاءك هذا ألطف الأمّة كفّا
فإذا قابل بالنّص ف من الخبزة نصفا
ألطف الصّنعة حتى لا ترى المغرز أشفى
[ ١ / ٢٢١ ]
مثل ما جاء من التّن ور ما غادر حرفا
والأطمار: الثياب الخلقة، واحدها طمر. عفاها البلى: غيّرها القدم ودرسها، وسوّدها بالأوساخ حتى صارت في طبع الثوب، فمتى غسلت لم تزل.
ومما قالت الشعراء في الأطمار ممّا يستحسن قول الحمدونيّ في طيلسان وهبه له أحمد بن حرب المهلبيّ: [الخفيف]
يا بن حرب أطلت همّي برفوي طيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرّفو آل فرعون في العر ض على النار بكرة وعشيّا
وقال أيضا فيه: [الرمل]
طيلسان لابن حرب يتداعى لا مساسا
قد طوى قرنا فقرنا وأناسا فأناسا
لبس الأيام حتّى لم تدع فيه لباسا
غاب تحت الحسّ حتى لا يرى إلا قياسا
وقال فيه أيضا: [المنسرح]
قل لابن حرب مقالة العاتب ولست فيما أقول بالكاذب
أما رأيت الرفاء يحزنني برفوه طيلسانك الذّاهب
أفناه جور البلى عليه كما أفنى الهوى عمر خالد الكاتب
وقال فيه أيضا: [السريع]
إن ابن حرب جادلي كاسيا بطيلسان هرم قشعم
انظر إلى كثرة تمزيقه كأنمّا مزّق في مأتم
رفوى له وهو رميم كمن يبنى بناء فوق مستهدم
يصدعه اللّحظ بإيماضه صدع فؤاد العاشق المغرم
يذكرني كثرة تمزيقه تفرّق الناس عن الموسم
وقال فيه أيضا: [الخفيف]
يا بن حرب كسوتني طيلسانا ملّ من صحبة الزمان وصدّا
طال ترداده إلى الرفو حتّى لو بعثناه وحده لتهدّى
فحسبنا نسج العناكب قد جئن إلى ضعف طيلسانك شدّا
وقال أيضا فيه: [السريع]
[ ١ / ٢٢٢ ]
يا قاتل الله ابن حرب لقد أطال إتعابي على عمد
بطيلسان خلت أنّ البلى يطلبه بالوتر والحقد
أجدّ في رفوي له والبلى يلهو به في الهزل والجد
إن اتهم الرافي في رفوه مضى به التمزيق في نجد
غنّيته لما مضى راحلا: تركتني يا واحدي وحدي
والحمدونيّ هو إسماعيل بن إبراهيم حمدويه، نسب إلى جده، وهو من أهل ميسان، وكان حلو التصرّف مليح الافتتان، وهو القائل: [السريع]
من كان في الدنيا له شارة فنحن من نظّارة أدنى
نلحظها من كثب حسرة كأننا لفظ بلا معنى
وقال ابن الروميّ في طيلسانه: [الطويل]
ولي طيلسان ناحل غير أنّه ثبوت لهمات الريّاح الزّعازع
وما ذاك إلا أنه متهتّك يخلى سبيل الريح غير منازع
أراه لضوء الشمس بالعين رؤية ويمنعني من لمسه بالأصابع
شكا ثقل اسم الطيلسان لضعفه فسميته ساجا فهل ذاك نافعي!
وقال ابن سارة في فروة: [الكامل]
أودت بذات يدي فريوة أرنب كفؤاد عروة في الضّنا والرّقّة
يتجشم الرّفّاء في ترقيعها بعد المشقة في قريب الشّقة
لو أنّ ما أنفقت في ترقيعها يحصى لزاد على رمال الرّقّة
إن قلت: «باسم الله» عند لباسها قرأت عليّ «إذا السماء انشقّت»
وله فيها أيضا: [الكامل]
لي فروة وصفي لجائحتي بها يأتيك بين مقرّط ومشنّف
عطّلت كتب أبي عبيد بالذي ألّفت فيها من غريب مصنّف
يسطو عليّ الغرم في ترقيعها سطو الغرام على فؤاد المدنف
فأنا وفروى خوف تمزيقي لها أحكي معاوية بجنب الأحنف
وله في طيلسانه: [السريع]
وطيلسان هرم يحتمى عليه أكل الخلّ والبقل
كأن كفّيّ إذا انضمّتا عليه خوف الرّيح في غلّ
[ ١ / ٢٢٣ ]
ولبعض أصحابه فيه: [المتقارب]
على منكب ابن عليّ سمل تقطّعه لحظات المقلّ
إذا غيّم الجوّ أبصرته رهين الذّبول بكف البلل
نسوا طيلسان ابن حرب به وصاروا به يضربون المثل
وله في غفارته: [المجتث]
لأحمد بن عليّ غفارة كالسّراب
إن هبّ أدنى نسيم تمرّ مرّ السّحاب
والشعر في هذا الباب كثير.
وقوله: «انخرمت»، أي انكسرت. مقودها: خيطها. تأوّدها: انكسارها، وأصله الاعوجاج. أعتاق ميلي: أحبس مرودي. ناهيك: كافيك، ومعناه المبالغة، كأنه بلغ النهاية في العيب الذي فعل. سبّة: عيب يسبّ به. مرهى: خالية من الكحل، وقد مره الرجل مرها إذا لم يتعهد الكهل، والمرهى من النساء: البيضاء البينة الزّرق الذي يختصّ الكحل في زرقها. اسبر: قس. غور: غاية وقدر. ارث: ارحم وتوجع.
***
فأقبل القاضي على الشّيخ، وقال: إيه، بغير تمويه، فقال: [المنسرح]
أقسمت بالمشعر الحرام ومن ضمّ من النّاسكين خيف مني
لو ساعفتني لم يرني مرتهنا ميله الّذي رهنا
ولا تصدّيت أبتغي بدلا من إبرة غالها ولا ثمنا
لكنّ قوس الخطوب ترشقني بمصميات من هاهنا وهنا
وخبر حالي كخبر حالته ضرّا وبؤسا وغربة وضنى
قد عدل الدّهر بيننا فأنا نظيره في الشّقاء وهو أنا
لا هو يستطيع فكّ مروده لمّا غدا في يديّ مرتهنا
ولا مجالي لضيق ذات يدي فيه اتّساع للعفو حين جنى
فهذه قصّتي وقصّته فانظر إلينا وبيننا ولنا
***
إيه: كلمة يستزاد بها الحديث. والتمويه: الكذب، وهو في الحديث كالتعمية، وقد موّه عليه، إذا خيّل له أنّه على شيء وهو على ضدّه، وأصل التمويه الصّقل، كأنّ على ألفاظه المموّهة صقالة، وهو من لفظ الماء. المشعر: المزدلفة، وهو جمع، سمّي مشعرا
[ ١ / ٢٢٤ ]
لأنه من علامات الحج، وكلّ علامات الحج مشاعر، والمشعر والمنسك: موضع ذبح الهدى بمكة المفضّل، سمّي مشعرا، لأنه شعر أنه حرام كالبيت. الناسكين: الحجّاج الذين يشعرون الهدى وما ينحر، أنسك ونسك منسكا ونسكا ونسكا، إذا ذبح النّسك، وأصلها ذبائح الجاهلية ثم سمّيت الأضاحي، والنّاسك أيضا: الزاهد. خيف: موضع بمنى. قوله: «ساعفتني»: ساعدتني. تصدّيت: تعرّضت. غالها: أهلكها. الخطوب:
الأمور الشداد. ترشقني: تصيبني. بمصميات: بسهام قاتلة. بؤس: شدّة حال. ضنى:
ضعف ومرض. وهو أنا، أي هو مثلي في ضيق الحال. مجالي: موضع تصرّفي. ذات يدي: مالي، وذات اليد ما يملك. العفو: الغفران. جنى: أذنب. قصّتي: حديثي، يقول: فانظر إلينا بعين الشفقة والرحمة، وأصلح بيننا بما ننصرف به شاكرين لك، وهب لنا ما نثني به عليك، وجعل النّظر عاملا في الجميع، لأن من وجوه النّظر الإصلاح بينهم والتكرّم عليهم.
***
فلمّا وعى القاضي قصصهما، وتبيّن خصاصتهما وتخصّصهما؛ أبرز لهما دينارا من تحت مصلّاه، وقال لهما: اقطعا به الخصام وافصلاه. فتلقّفه الشّيخ دون الحدث، واستخلصه على وجه الجدّ لا العبث، وقال للحدث: نصفه لي بسهم مبرّتي، وسهمك لي عن أرش إبرتي، ولست عن الحقّ أميل، فقم وخذ الميل.
فعرا الحدث لما حدث اكتئاب، واكفهرّ على سمائه سحاب، وجم له القاضي، وهيّج أسفه على الدّينار الماضي؛ إلّا أنّه جبر بال الفتى وبلباله، بدريهمات رضخ بها له، وقال لهما: اجتنبا المعاملات، وادرآ المخاصمات، ولا تحضراني في المحاكمات، فما عندي كيس الغرامات.
فنهضا من عنده، فرحين برفده، مفصحين بحمده، والقاضي ما يخبو ضجره، مذ بضّ حجره، ولا ينصل كمده، مذ رشح جلمده.
***
قصصهما، أي حديثهما، وهو جمع قصّة. خصاصتهما: فقرهما. تخصّصهما:
رفعتهما وانقباضهما، وقد تخصّص الرجل، إذا انقبض عن العامّة وتشبّه بالخاصّة، أبرز:
أخرج. مصلّاه: بساطه الذي يصلّي عليه. أفصلاه: اقطعاه وأزيلاه. استخلصه: حازه لنفسه خالصا. الجدّ: التحقيق. العبث: الهزل. سهم: نصيب. مبرّتي: إكرامي الذي وصلني به القاضي. أميل: أخرج وأعدل عنه. عرا: قصد ونزل به. حدث: ظهر.
اكتئاب: حزن وهمّ. وجم: غضب، والوجوم: السكوت على غضب. هيّج: حرّك.
[ ١ / ٢٢٥ ]
أسفه: حزنه. باله: فكره. بلباله: حزنه ووسواسه، رضخ: كثّر العطاء. اجتنبا: باعدا.
المعاملات: المعاوضات والعواري. ادركا: ادفعا. كيس: وعاء الدراهم. رفده: عطاؤه.
يخبو ضجره: يسكن غضبه: بضّ حجره: رشحت كفه. قال الأخطل: [الكامل]
كزم اليدين من العطيّة ممسك ما إن تبض صفاته ببلال (١)
يفصل كمده: يزول حزنه. الجلمد: الصّخر الصّلب، كنى به عن كفه؛ وأنه بخيل، ويد البخيل تشبّه بالحجر، وقال جرير: [البسيط]
كأنمّا خلقت كفّاه من حجر فليس بين يديه والنّدى عمل (٢)
يرى التيمّم في برّ وفي بحر مخافة أن يرى في كفّه بلل
وقال ابن عبد ربه: [البسيط]
يراعة غرّني منها وميض سنا حتى مددت إليه الكفّ مقتبسا (٣)
فصادفت حجرا لو كنت تضربه من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا
كأنما صيغ من لؤم ومن كذب فكان هذا له روحا وذا نفسا
أين هذه الأكفّ من التي ذكر حجيّة بن المضرّب، حين قال: [الطويل]
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه فأيديهم بيض وأوجههم غرّ
يصونون أحسابا ومجدا مؤثّلا ببذل أكفّ دونها المزن والبحر
فلو لامس الصخر الأصمّ أكفّهم أفاض ينابيع النّدى ذلك الصّخر
وقال أبو الشيص: [الكامل]
إنّ الأمان من الزمان وريبه يا عقب شطّا بحرك الفيّاض
بحر يلوذ المعتفون بسيله فعم الجداول مترع الأحواض
لأبي محمد المؤمّل راحتا ملك إلى أعلى العلا نهاض
فيد تدفّق بالغنى لصديقه ويد على الأعداء سمّ قاض
وقال أبو تمام: [الطويل]
تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه دعاها لقبض لم تجبه أنامله (٤)
_________________
(١) البيت في ديوان الأخطل ص ١٥٩.
(٢) البيتان ليسا في ديوان جرير، وهما لعمرو بن عبد وهيب (الحزين الكناني) في لسان العرب (حزن)، وتاج العروس (حزن).
(٣) الأبيات في العقد الفريد ٦/ ١٩٥.
(٤) البيت في ديوان أبي تمام ص ٢٣٢.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال البحتريّ: [الكامل]
قد قلت للغيث الرّكام ولجّ في إبراقه، وألحّ في إرعاده (١)
لا تعرضنّ لجعفر متشبّها بندى يديه فلست من أنداده
الله شرّفه، وأعلى ذكره ورآه غيث بلاده وعباده
وقال ابن الروميّ: [الطويل]
مقبّل ظهر الكف وهّاب بطنها له راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للنّاس ركن مقبّل وباطنها عين من الجود عيلم
***
حتّى إذا أفاق من غشيته، أقبل على غاشيته وقال: قد أشرب حسّي، ونبّأني حدسي؛ أنّهما صاحبا دهاء، لا خصما ادّعاء، فكيف السّبيل إلى سبرهما، واستنباط سرّهما! فقال له نحرير زمرته، وشرارة جمرته: إنّه لم يتمّ استخراج خبئهما إلّا بهما، فقفّاهما عونا يرجعهما إليه، فلمّا مثلا بين يديه، قال لهما:
اصدقاني سنّ بكركما، ولكما الأمان من تبعة مكركما. فأحجم الحدث واستقال، وأقدم الشّيخ وقال:
***
قوله: «غشيته»، أي ذهاب عقله بأن يغمى عليه. وغاشيته: زوّاره ومن يغشى موضعه. أشرب: دوخل: حسّي: إدراكي وفهمي. نبّأني: حدّثني. وأخبرني. حدسي:
ظنّي، قال الفرّاء ﵀: حدست أحدس، إذا قلت في الشيء برأيك. غيره:
حدست: ظننت ظنّا بلغت منه غاية الشيء في عدده أو وزنه، وأصله من قول العرب:
بلغت الحدس، أي الشيء الذي تطلب لحاقه. والدّهاء في الرجل: الحذق والتبصّر في الأشياء. لا خصما ادّعاء، أي ليس بينهما ادّعاء على الحقيقة فيختصمان فيها. سبرهما:
اختبارهما. استنباط: استخراج. نحرير: حاذق. زمرته: جماعته، وجعله شرارة؛ لنفوذ ذهنه واتّقاده، ولذلك يسمى نحريرا، أي ماهرا بالأشياء كلها، كأنه لإدراكه وفهمه بالأشياء ينحرها بظنّه الصادق. خبئهما: خفيّ ما عندهما. قفّاهما: أتبعهما. والعون:
الشرطيّ، لأنه يعين من يتصرّف له. مثلا: وقفا، يقال: مثل الشيء، فهو ماثل، إذا قام وانتصب، وإذا لطئ بالأرض أو ذهب، وهو من الأضداد. سنّ بكر كما: حقيقة خبركما. والبكر: الفتّى من الإبل، وسنه: مبلغ عمره، لأنّ بالسنّ يعرف كم بلغ من
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٧٠٣.
[ ١ / ٢٢٧ ]
العمر، ولفظ المثل «صدقني سنّ بكره»، وروى البكري عن ابن الأعرابيّ أن رجلا سام رجلا بكرا على أن يشتريه مسنّا، فقال البائع: هذا جمل؛ لبكرله، وقال المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسنّ، فبينما هما يتنازعان إذ نفر البكر، فقال صاحبه: ليسكّن نفاره: «هدع هدع»، وهي كلمة من العرب يسكّن بها صغار الإبل عند نفارها، ولا تقال للكبار، فقال المشتري عند ذلك: صدقني سنّ بكرة. تبعة؛ شرحت في الصّدر. أحجم:
تأخّر فزعا. أقدم: تقدم متشجّعا. استقال: طلب الإقالة. [الرجز]
***
أنا السّروجيّ وهذا ولدي والشّبل في المخبر مثل الأسد
وما تعدّت يده ولا يدي في إبرة يوما ولا في مرود
وإنّما الدّهر المسيء المعتدي مال بنا حتّى غدونا نجتدي
كلّ ندى الرّاحة عذب المورد وكلّ جعد الكفّ مغلول اليد
بكلّ فنّ وبكلّ مقصد بالجدّ إن أجدى وإلّا بالدّد
لنجلب الرّشح إلى الحظّ الصّدى وننفد العمر بعيش أنكد
والموت من بعد لنا بالمرصد إن لم يفاج اليوم فاجي في غد
***
الشّبل: ولد الأسد. المخبر: التجربة والخبرة. تعدّت: ظلمت، والمتعدّي:
الظالم المجاوز الحدّ في الظلم. مال بنا، أي حطّنا. نجتدي: نسأل الناس الجدا، وهو العطاء. نديّ الراحة: كريم الكفّ. وجعد الكفّ، ضدّه، وأراد أن يسأل كل كريم سهل العطاء، وكل لئيم صعبه، وأصل الجعودة انقباض الشعر، ثم استعيرت لقبض الكفّ من اللؤم، ومثله مغلول اليد، أي كأنّ يده محبوسة بغلّ للؤمها، والسائل كأنه يحاول بسطها بالجود فيجدها محبوسة بغلّ اللؤم، وفي الكتاب العزيز: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] فهذا نهي عن التبذير.
وقال حبيب في قصيدة يمدح بها حفص بن عمر الأزديّ ويذكر الجعودة، وهي:
[الطويل]
يرى الوعد أخزى العار إن هو لم تكن مواهبه تأتي مقدّمة الوعد (١)
فلو كان ما يعطيه غيثا لأمطرت سحائبه من غير برق ولا رعد
من القوم جعد أبيض الوجه والنّدى وليس بنان يجتدى منه بالجعد
وقال البحتريّ: [الخفيف]
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ١٣٠.
[ ١ / ٢٢٨ ]
صنتني عن معاشر لا أسمّي أوّليهم إلّا غداة سبابي (١)
من جعاد الأكفّ غير جعاد وغضاب الوجوه غير غضاب
خطروا خطرة الجهام وساروا في نواحي الظنون سير السّحاب
وقال أيضا في نحوه: [الوافر]
وخلّفني الزمان على أناس وجوههم وأيديهم حديد (٢)
لهم حلل حسن بيض وأخلاق قبحن فهنّ سود
أناس لو تأمّلهم لبيد بكى الخلف الّذي يشكو لبيد
قوله «الدد»: ضد الجدّ، وهو اللهو واللعب، وقال النبي ﷺ: «لست من دد ولا الدّد مني» (٣)، أي لست من باطل ولا الباطل مني أجدى: نفع. الحظ: البخت والنصيب. والصدى: العطشان، وأراد أن حظّه في الدّنيا قليل، فهو سعى له ليجلب رزقا يكثر به حظه. ننفذ: نتمّم. أنكد: مشئوم وكل ما جلب شرّا فهو أنكد ونكد.
والمرصد: الموضع الذي ترتقب فيه من تريد أخذه، وقد رصدته رصدا ترقبته. يفاج:
يأت على غفلة، وأصله فاجأ بالهمز، فسهّله.
***
فقال له القاضي: لله درّك، فما أعذب نفثات فيك، وواها لك لولا خداع فيك، وإنّي لك لمن المنذرين، وعليك من الحذرين، فلا تماكر بعدها الحاكمين، واتّق سطوة المتحكّمين، فما كلّ مسيطر يقيل، ولا كلّ أوان يسمع القيل.
فعاهده الشّيخ على مشورته، والارتداع عن تلبيس صورته، وفصل عن جهته، والختر يلمع من جبهته.
قال الحارث بن همّام: فلم أر أعجب منها في تصاريف الأسفار، ولا قرأت مثلها في تصانيف الأسفار.
***
قوله: «لله درك»، أي ما أحسن كلامك، والدّرّ أصله اللبن، وكأنه سمّي بحكاية صوته عند الحلب. ولله، أصله القسم، ولا تدخل اللام في القسم إلّا على اسم الله تعالى، والتعجّب معها لازم، فإذا قال الذي يسمع صوت الحلب لصاحب الناقة: لله
_________________
(١) الأبيات في ديوان البحتري ص ٨٦.
(٢) ديوان البحتري ص ٥٨١.
(٣) رواه الزمخشري في الفائق في غريب الحديث ١/ ٣٦٤، بلفظ: «ما أنا من دد ولا الدّد «مني» وبنفس اللفظ رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٠٨.
[ ١ / ٢٢٩ ]
درّك! فكأنه قال: والله إن درّك هذا لكثير، ثم استعير للفصيح في كلامه، ولكل من أحسن في شيء، فكأنّه قيل: ما أحسن ما جئت به! وقيل: معناه لله اللبن الذي شربته من أمّك، قال الفرّاء ﵀: ربما قالوا: درّك، ولم يقولوا: لله درّك، وأنشد: [الخفيف]
درّ درّ الشّباب والشّعر الأس ود والضّامرات تحت الرّجال
قوله: «نفثات»، أي كلمات. واها: عجبا. والمنذر: المعلم بما يخاف. تماكر:
تخادع. سطوة: بطشة. المتحكم: الذي يتحكم بما شاء فيمتثل حكمه. مسيطر: أمير مسلّط. يقيل: يغفر الزلة. أوان: وقت. عاهده: حالفه. مشورته: أخذ رأيه. الارتداع:
الكفّ. تلبيس: تخليط. صورته: قصته. فصل: زال الختر: الخداع. يلمع: يضيء، يريد أنه انفصل عنه وعلى وجهه علامة الغدر، وأنّ يمينه التي حلف له كاذبة، وأوّل من نظم في هذا المعنى الشمّاخ حين قال: [الطويل]
أتتني تميم قضّها بقضيضها تمسّح حولي بالبقيع سبالها (١)
يقولون لي: احلف ولست بحالف أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ النفس عني بحلفة كما شقّت الشقراء عني جلالها
ومن الملح في اليمين الفاجرة، قول ابن الروميّ: [المتقارب]
وإني لذو حلف كاذب إذا ما استمحت وفي المال ضيق
وهلى من جناح على معسر يدافع بالله ما لا يطيق
وقال فيه أيضا: [الوافر]
إذا حلّت على ضيق ديوني وباكرني التّجار وخوّفوني
دفعتهم بمن لو شاء أدّى حقوقهم إليهم منذ حين
ولدعبل: [الخفيف]
سألوني اليمين فارتعت عنها كي يغروا بذلك الارتياع (٢)
ثم أرسلتها كمنحدر السّي ل تدلى من المكان اليفاع
وأنشد أبو عليّ: [الكامل]
لا شيء يدفع حقّ خصم شاغب إلا كحلف عبيدة بن سميذع
_________________
(١) الأبيات للشماخ بن ضرار في ديوانه ص ٢٩٠، والبيت الأول في خزانة الأدب ٣/ ١٩٤، وشرح المفصل ٢/ ٦٣، والكتاب ١/ ٣٧٤، ولسان العرب (قضض) (سبل)، وتاج العروس (سبل).
(٢) البيتان في ديوان دعبل بن علي الخزاعي ص ١٠٧.
[ ١ / ٢٣٠ ]
يمضي اليمين على اليمين لجاجة عضّ الجموح على اللجام المقدع
فإذا يذكر حلفه أصغى لها وإذا يذكر بالتقى لم يسمع
قوله: «تصاريف»، أراد التصرّف بالجولان في البلدان. والأسفار: الأوّل: جمع السفر في البلاد، والثاني: جمع سفر، وهو الكتاب، قال الفرّاء ﵀: الأسفار:
الكتب العظام. والتصانيف: التآليف المنوّعة، والمصنّف الذي فيه أنواع شتى.
[ ١ / ٢٣١ ]