وأما الكسعيّ فرجل منسوب إلى كسع، قبيلة باليمن، واسمه محارب بن قيس، وبندامته يضرب المثل؛ يقال: أندم من الكسعيّ، وقيل: إنه من بني سعد بن ذبيان، وقيل: اسمه عامر بن الحارث.
ومن حديثه أنه كان يرعى إبلا بواد كثير العشب والخمط؛ فبينما هو يرعاها بصر بنبعة على صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهّدها ويقوّمها حتى أدركت، فقطعها، فلما جفّت اتّخذ منها قوسا، وأنشأ يقول: [الرجز]
يا ربّ وفّقني لنحت قوسي فإنّها من لذّتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي أنحتها صفراء مثل الورس
* صلداء ليست كقسيّ النّكس (٢) *
ثم دهنها وخطمها بوتر، واتّخذ من برايتها خمسة أسهم، وجعل يقلّبها في كفّه، وينشد: [الرجز]
_________________
(١) الأبيات في ديوان الفرزدق ص ٣٦٣.
(٢) الرجز لمحارب بن قيس في لسان العرب (كسع)، وتاج العروس (كسع)، ويروى الشطر الأخير من الرجز: كبداء ليست كالقسي النّكس
[ ١ / ٢٥٨ ]
هنّ وربي أسهم حسان يلذّ للرّامي بها البنان
كأنما قوّمها ميزان فأبشروا بالخصب يا صبيان
* إن لم يعقني الشّؤم والحرمان (١) *
ثم أتى قترة على موارد حمر، فكمن فيها، فمرّ به قطيع، فرمى عيرا منها بسهم، فأمخطه- أي أنفذه- وجازه، وأصاب الجبل، فأورى نارا، فظنّ أنه أخطأه، فأنشأ يقول:
[الرجز]
أعوذ بالله العزيز الرّحمن من نكد الجدّ معا والحرمان
ما لي رأيت السهم بين الصّوّان يوري شرارا مثل لون العقيان
* فأخلف اليوم رجاء الصّبيان (٢) *
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأوّل، فأنشأ يقول:
[الرجز]
لا بارك الرّحمن في رمي القتر أعوذ بالخالق من شرّ القدر
أأمخط السهم لإرهاق الضّرر أم ذاك من سوء احتيال ونظر
* أم ليس يغني حذر عنه قدر (٣) *
ثم مرّ به قطيع آخر فرمى عيرا، فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأوّل، فأنشأ يقول:
[الرجز]
ما بال سهمي يوقد الحباحبا قد كنت أرجو أن يكون صائبا (٤)
فأخطأ العير وولّى جانبا فصار رأيي فيه رأيا خائبا
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم، وصنع ما صنع أولا، فأنشأ يقول: [الرجز]
يا أسفا والجدّ النّكد في قوس صدق لم تزيّن بأود
أخلف ما أرجو لأهل وولد فيها ولم يغن الحذار والجلد
* فخاب ظنّ الأهل جمعا والولد (٥) *
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم، فأمخطه السهم، وصنع كما صنع أولا،
_________________
(١) الرجز لمحارب بن قيس في لسان العرب (كسع)، وبلا نسبة في تاج العروس (كسع).
(٢) الرجز لمحارب بن قيس الكسعي في لسان العرب (كسع)، وتاج العروس (كسع).
(٣) راجع الحاشية السابقة.
(٤) الرجز للكسعي في لسان العرب (حجب)، (كسع)، وتاج العروس (حبب).
(٥) راجع الحاشية السابقة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
فأنشأ يقول: [الرجز]
أبعد خمس قد حفظت عدّها أحمل قوسي وأريد ردّها
أخزى الإله لينها وشدّها والله لا تسلم مني بعدها
* ولا أرجّي ما حييت رفدها (١) *
ثم أخذ القوس، فكسرها على حجر وبات، فلمّا أصبح أبصر الأعيار الخمسة مطروحة حوله، فأسف وندم على كسر القوس، وعضّ على إبهامه فقطعها تلهفا، وأنشأ يقول: [الوافر]
ندمت ندامة لو أنّ نفسي تطاوعني إذا لقطعت خمسي (٢)
تبيّن لي سفاه الرأي منّي لعمر أبيك حين كسرت قوسي
_________________
(١) راجع الحاشية السابقة.
(٢) البيتان للكسعي (محارب بن قيس)، في لسان العرب (كسع)، وبلا نسبة في تاج العروس (كسع).
[ ١ / ٢٦٠ ]